← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الصِّحَاح المأثورة» بِلَفْظ: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تنزعه حَاجَة إِلَّا زيارتي كَانَ حقًّا عليَّ أَن أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة» وصدَّرَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» لاستحباب زِيَارَة قَبره - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - بِحَدِيث أَبَى هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: «مَا مِنْ أحد يُسلِّم عليَّ: إِلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حَتَّى أردَّ ﵇» . (و) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد جيدٍ، ثمَّ أردفه بِحَدِيث ابْن عمر السالف. وَمن ضَعِيف الْبَاب: حَدِيث «مَنْ حَجَّ وَلم يَزُرْني فقد جفاني» رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب «مَنْ رَوَى عَن مَالك» من حَدِيث مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، (و) قَالَ: تفرد بِهِ النُّعْمَان بن شبْل عَن مَالك. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب (بِحَمْد الله ومنِّه) وَذكر فِيهِ قبل حَدِيث الزِّيَارَة: أَنه يسْتَحبّ الشّرْب من مَاء زَمْزَم، وَلم يسْتَدلّ لَهُ، وَرَأَيْت أَن (أتبرع بِهِ) فَأَقُول: هُوَ حَدِيث مَشْهُور، وَله طَرِيقَانِ: أَحدهمَا: من رِوَايَة عبد الله بن المؤمل، عَن أبي الزبير، عَن جَابر رَفَعَهُ: «ماءُ زَمْزَم لِمَا شُربَ لَهُ» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وابنُ أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» ، وابنُ مَاجَه والبيهقيُّ فِي «سنَنَيْهِمَا» ، قَالَ

стр. 3572

الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ عبد الله بن المؤمل. قلت: لَا، بل تَابعه إبراهيمُ بن طهْمَان، عَن أبي الزبير، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ، كَذَا أوردهُ الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي «سنَنه» فِيمَا بعد، فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم. وتَبِعَ فِي الْعبارَة الأولَى العقيليَّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَاهُ عبد الله بن المؤمل، وَلَا يُتابع عَلَيْهِ. وَكَذَا ابْن حبَان (فَإِنَّهُ) قَالَ ذَلِك (فِي) تَرْجَمته، وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث «الْمُهَذّب» : إِنَّه حَدِيث حسن، أخرجه ابنُ مَاجَه. وأَعَلَّهُ ابْن الْقطَّان بِأبي الزبير عَن جَابر، وَقَالَ: تَدْلِيس أبي الزبير مَعْلُوم. قلت: قد صرّح (بِالتَّحْدِيثِ) فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم. قلت: وَله طَرِيق آخر عَن جَابر، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي « (شعب) الْإِيمَان» من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ابْن أبي الموال، عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن جَابر مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: غَرِيب من حَدِيث ابْن أبي الموال، تفرد بِهِ سُوَيْد بن سعيد، عَن ابْن الْمُبَارك، وَرَوَى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى سُوَيْد بن سعيد قَالَ: «رَأَيْت عبد الله

стр. 3573

بن الْمُبَارك أَتَى زَمْزَم، (فاستقى) مِنْهُ شربةً، واستقبل الْقبْلَة» . وَقَالَ ابْن أبي الموال: حُدِّثنا عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ (قَالَ) : «مَاء زَمْزَم لِمَا شُرِب لَهُ. وَهَذَا أشربه (لعطش) الْقِيَامَة، ثمَّ شربه» . قَالَ النَّوَوِيّ فِي «طبقاته» : ابْن أبي الموال صَدُوق عِنْدهم، واسْمه عبد الرَّحْمَن. قلت: وَذكره الشَّيْخ شرف الدَّين الدمياطي أَيْضا من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد أَيْضا قَالَ: «رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك بِمَكَّة أَتَى مَاء زَمْزَم فاستقى مِنْهُ شربةً، ثمَّ اسْتقْبل الْكَعْبَة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن ابْن أبي الموال نَا عَن مُحَمَّد ... » فَذكره (بِهِ) سَوَاء، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث عَلَى رَسْمِ الصَّحِيح، فَإِن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموال انْفَرد بِهِ البخاريُّ، وسُويد بن سعيد انْفَرد بِهِ مُسلم. قلت: لكِنهمْ تكلمُوا فِيهِ. الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث مُحَمَّد بن حبيب الجارودي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله

стр. 3574

عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ، فَإِن شربته تستشفي شفاكَ الله، وَإِن شربته مستعيذًا أَعَاذَك الله، وَإِن شربته لتقطع ظمأك قطعه» . قَالَ: (وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا شرب مَاء زَمْزَم قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك علما نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وشفاءً من كل دَاء» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَهَذَا لَفظه، وَلَفظ الدارقطني مثله إِلَى قَوْله: «قَطَعَه» ، وَزَاد: «وَهِي هَزْمة جِبْرِيل، وسقيا الله إِسْمَاعِيل» وأبدل قَوْله: «وَإِن شربته مستعيذًا أَعَاذَك الله» بقوله: «وَإِن شربته (مستشبعًا أشبعك الله) » . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد إِن سَلِمَ من مُحَمَّد بن حبيب الجارودي. قلت: قد سَلِمَ مِنْهُ؛ قَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : مُحَمَّد هَذَا قَدِمَ بغدادَ وحدَّث بهَا، وَكَانَ صَدُوقًا، لَكِن الرَّاوِي عَنهُ لَا يُعْرف حَاله وَهُوَ مُحَمَّد بن هِشَام بن عَلّي الْمروزِي. قلت: لَكِن ظَاهر كَلَام الْحَاكِم يدل عَلَى أَنه (يعرف حَاله) إِذْ لم يتَوَقَّف إِلَّا عَن الجارودي فَقَط. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن [عمر] بن الْحسن الْأُشْنَانِي القَاضِي

стр. 3575

صَاحب ذَاك الْمجْلس، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحسن بن أَحْمد الْخلال، ويُرْوى عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه كَذَّاب، وَلم يَصح هَذَا، وَلَكِن هَذَا الْأُشْنَانِي صَاحب بلايا، (من) ذَلِك هَذَا الحَدِيث. ثمَّ سَاقه، (و) قَالَ: ابْن حبيب صَدُوق، فآفتُه هُوَ. قَالَ: فَلَقد أَثِمَ الدَّارَقُطْنِيّ بسكوته عَنهُ، فَإِنَّهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل، مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة قطّ بل الْمَعْرُوف حَدِيث جَابر. وَفِي «الأذكياء» لِابْنِ الْجَوْزِيّ: عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث: «مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ» فَقَالَ: حَدِيث صَحِيح. وصحَّ فِي زَمْزَم: «إِنَّهَا مباركة، إِنَّهَا طعامُ طعم» أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» ، زَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده: «وشفاء سقم» . وَأما آثَار الْبَاب (فستة) : أوَّلها: قَالَ الرَّافِعِيّ بعد أَن ذكر أَن من السّنَن إِذا وَقع بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْت أَن يَقُول: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْت ... » إِلَى آخِره، وَيسْتَحب أَن يضيف إِلَيْهِ: «اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، ومنك السَّلَام فَحَيِّنَا ربّنَا بِالسَّلَامِ» يُرْوى ذَلِك عَن عُمر. وَفِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ: عَن ابْن عمر، وَالصَّوَاب: عَن عمر. كَذَلِك رَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْأَصَم، ثَنَا

стр. 3576

الْعَبَّاس بن مُحَمَّد، (نَا يَحْيَى بن معِين) ، نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، نَا إِبْرَاهِيم بن طريف، عَن حميد بن يَعْقُوب، سمع سعيد بن الْمسيب (يَقُول: سَمِعت) من عُمر ﵁ يَقُول (كلمة) مَا بَقِي أحد من النَّاس سَمعهَا غَيْرِي، سمعته يَقُول إِذا رَأَى الْبَيْت: «اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، ومنك السَّلَام، فحينا رَبنَا بِالسَّلَامِ» . قَالَ الْعَبَّاس: قلت ليحيى - يَعْنِي ابْن معِين -: من إِبْرَاهِيم بن طريف هَذَا؟ قَالَ: (يماني) . قلت: فَمن [حميد بن يَعْقُوب] هَذَا؟ قَالَ: رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك، وَهُوَ شَاهد لسَمَاع سعيد من عمر. كَمَا قَالَ صَاحب «الإِمَام» وَأما الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى (أَحَادِيث) «الْمُهَذّب» (عقبه) : فِي سَماع سعيد (من) عمر نظر. قلت: ورَوَاهُ عَن سعيد ابْنُه مُحَمَّد، ذكره ابْنُ الْمُغلس

стр. 3577

الظَّاهِرِيّ فِي كِتَابه، قَالَ: وَقد ذكر هشيم، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن سعيد بن الْمسيب، عَن أَبِيه: «أَن عمر كَانَ إِذا نظر إِلَى الْبَيْت قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، ومنك السَّلَام، حَيِّنَا رَبنَا بِالسَّلَامِ» . وَرَوَى أَيْضا من حَدِيث سعيد بِإِسْقَاط عمر، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور، نَا أَبُو الْأَحْوَص، أَنا يَحْيَى بن سعيد، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «كَانَ أبي إِذا دخل الْمَسْجِد اسْتقْبل القِبْلة ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، ومنك السَّلَام، فحينا رَبنَا بِالسَّلَامِ» . قَالَ: ونا سُفْيَان، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن ابْن سعيد، عَن أَبِيه «أَنه كَانَ إِذا نظر إِلَى الْبَيْت قَالَ ... » فَذكر مثله، وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا وَبَين مَا سلف، قَالَ الرَّافِعِيّ: ويؤثر أَن يَقُول: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نحل عقدَة ونشدّ أُخْرَى ... » إِلَى آخِره. وَهَذَا شَيْء ذكره الشَّافِعِي حِكَايَة عَن بعض السّلف؛ (فَقَالَ) : وَقد كَانَ بعض من مَضَى من أهل الْعلم يتَكَلَّم بِكَلَام عِنْد رُؤْيَة الْبَيْت، وَرُبمَا تكلم بِهِ (عَلَى) الصَّفَا والمروة، (و) يَقُول: «مَا زلنا نحل عقدَة ... » (فَذكر نَحْوَهُ) . الْأَثر الثَّانِي: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: «لَا يدْخل أحد مَكَّة إِلَّا محرما» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن عبد الْملك، عَن عَطاء، (عَن) ابْن عَبَّاس قَالَ: «مَا يدْخل مَكَّة أحد من أَهلهَا وَلَا من غير أَهلهَا

стр. 3578

إِلَّا بِإِحْرَام» . وَقَالَ الشَّافِعِي: ثَنَا ابْن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو، عَن أبي الشعْثَاء «أَنه رَأَى ابْن عَبَّاس يرد من جَاوز الْمَوَاقِيت غير محرم» ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَنهُ، ثمَّ ذكر الأول تَعْلِيقا. وَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «لَا يدْخل أحد مَكَّة إِلَّا بِإِحْرَام، من أَهلهَا وَمن غير أَهلهَا» . وَفِي إِسْنَاده الْحجَّاج بن أَرْطَاة، وَقد سلف حَاله، وَمُحَمّد بن خَالِد الوَاسِطِيّ وَهُوَ كذَّاب، رجل سوء. كَمَا قَالَه يَحْيَى، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ (إِسْمَاعِيل بن) مُسلم، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس «فوَاللَّه مَا دَخلهَا رَسُول الله ﷺ إِلَّا حاجًّا أَو مُعْتَمِرًا» . وَإِسْمَاعِيل (هَذَا) هُوَ الْمَكِّيّ وَهُوَ ضَعِيف. الْأَثر الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَنه كَانَ يقبل الْحجر الْأسود وَيسْجد عَلَيْهِ بجبهته» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث جَعْفَر بن عبد الله - وَهُوَ ابْن الحكم - قَالَ: «رَأَيْت مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قبل الْحجر، وَسجد عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت خالَكَ ابْن عَبَّاس يقبله وَيسْجد عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: رَأَيْت عمر بن الْخطاب

стр. 3579

قبله وَسجد (عَلَيْهِ) ، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل هَكَذَا؛ فَفعلت» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قلت: وجعفر هَذَا تَابِعِيّ أخرجَا لَهُ، فَيَنْبَغِي أَن يكون عَلَى شَرطهمَا، لَكِن الْبَزَّار أخرجه من حَدِيث جَعْفَر بن عبد الله بن عُثْمَان المَخْزُومِي، وَهُوَ ثِقَة كَمَا قَالَ أَحْمد وَأَبُو خَالِد، وَرَأَيْت من يُوهم الْحَاكِم فِي كَونه ابْن الحكم، ويصوب مَا ذكره الْبَزَّار، (وَكَذَا) رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو عَاصِم والعقيلي، وَقَالَ: فِي حَدِيثه وهم واضطراب. وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق فِي عزوه إِلَى الْبَزَّار؛ فَقَالَ: لَا ذكر لَهُ من حَدِيث عمر بن الْخطاب، من كتاب الْبَزَّار، وَلَعَلَّه من بعض أَمَالِيهِ، وَإِنَّمَا أعرفهُ عِنْد ابْن السكن. فَذكره من حَدِيث جَعْفَر بن عبد الله الْحميدِي - رجل من بني حميد (من) قُرَيْش - قَالَ: (رَأَيْت) مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قبل الْحجر ثمَّ سجد عَلَيْهِ [فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْت خَالك عبد الله بن عَبَّاس قبله ثمَّ سجد عَلَيْهِ] ثمَّ

стр. 3580

قَالَ: رَأَيْت عمر بن الْخطاب قبله ثمَّ سجد عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: واللَّهِ (إِنِّي) لأعْلم أَنَّك حجر، وَلَكِن رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل هَكَذَا ففعلتُه» . وَرَوَى الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ عَن مُسلم بن خَالِد، عَن ابْن جريج، عَن مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قَالَ: «رَأَيْت ابْن عَبَّاس جَاءَ يَوْم التَّرويَة مسبدًا رَأسه، فَقبل الرُّكْن ثمَّ سجد عَلَيْهِ، ثمَّ قبله ثمَّ سجد عَلَيْهِ (ثَلَاث مَرَّات) وَرَوَى الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ: «رأيتُ رَسُول الله ﷺ يسْجد عَلَى الْحجر» . قَالَ الْحَاكِم: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. الْأَثر الرَّابِع: يُؤثر عَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا والمروة: «اللَّهُمَّ اعصمني بِدينِك وطواعيتك وطواعية رَسُولك، اللَّهُمَّ حببني إِلَيْك وَإِلَى ملائكتك ورسلك وعبادك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي ممّن يحبك وَيُحب ملائكتك ورسلك وعبادك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ آتني من خير مَا تؤتي بِهِ عِبَادك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الْمُتَّقِينَ، واجعلني من وَرَثَة جنَّة النَّعيم، واغفر لي خطيئتي يَوْم الدِّين» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَنهُ: «أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا: اللَّهُمَّ اعصمنا بِدينِك وطواعيتك وطواعية رَسُولك، وجنبنا حدودك، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب

стр. 3581

عِبَادك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ حببنا إِلَيْك وَإِلَى ملائكتك وَإِلَى أنبيائك ورسلك وعبادك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ يسرنَا لليسرى وجنبنا (العسرى) ، واغفر لنا فِي الْآخِرَة وَالْأولَى، واجعلنا من أَئِمَّة الْمُتَّقِينَ» . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : «أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا: اللَّهُمَّ أحينا عَلَى سُنَّةِ نبيك (، (وتوفنا) عَلَى مِلَّته، (وأعذنا) من مُضِلاَّت الْفِتَن» . وَفِي رِوَايَة: «أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا: اللَّهُمَّ إِنَّك قلتَ: (ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم) وَإنَّك لَا تخلف الميعاد؛ فإنى أَسأَلك كَمَا هديتني لِلْإِسْلَامِ أَن لَا تنزعه مني حَتَّى تتوفاني وَأَنا مُسلم» رَوَاهَا مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنهُ. وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي (كتاب) الْمَنَاسِك نقلهَا عَنهُ الضياء فِي «أَحْكَامه» - وَقَالَ: إسنادها جيد -: «أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا: اللَّهُمَّ اعصمني بِدينِك وطواعيتك وطواعية رَسُولك، اللَّهُمَّ جنبني حدودك، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي مِمَّن يحبك وَيُحب ملائكتك، وَيُحب رسلك، وَيُحب عِبَادك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ يَسِّرْني لليُسْرى وجَنِّبْي العُسْرى، واغفر لي فِي الْآخِرَة وَالْأولَى، واجعلني من أَئِمَّة الْمُتَّقِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّك قلتَ: (ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم) ، وَإنَّك لَا تخلف الميعاد، اللَّهُمَّ (إذْ

стр. 3582

هديتني) لِلْإِسْلَامِ فَلَا تنزعه مِنِّي وَلَا تنزعني مِنْهُ» . قَالَ نَافِع: وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا مَعَ دعاءٍ لَهُ طويلٍ عَلَى الصَّفَا والمروة، وبعرفاتٍ وبجمْعٍ وَبَين الْجَمْرَتَيْن وَفِي الطّواف. الْأَثر الْخَامِس: اشْتهر السَّعْي من غير رقي عَلَى الصَّفَا عَن عُثْمَان وَغَيره من الصَّحَابَة من غير إِنْكَار. ذكره الرَّافِعِيّ ردًّا عَلَى أبي حَفْص بن (الْوَكِيل) فِي وجوب الرقي قدر قامة عَلَى الصَّفَا، وَهَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، عَن سُفْيَان، عَن ابْن أبي نجيح، عَن أَبِيه قَالَ: أَخْبرنِي من رَأَى عُثْمَان بن عَفَّان يقوم فِي حَوْض فِي أَسْفَل الصَّفَا وَلَا يصعد عَلَيْهِ. قلت: وَقد سَعَى ﵇ رَاكِبًا، كَمَا أخرجه مُسلم وَغَيره، وَلَا يُمكن الرقي مَعَه عَلَى الصَّفَا قدر مَا ذكر. الْأَثر السَّادِس: عَن عُمر ﵁ أَنه قَالَ: «من أدْركهُ الْمسَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق فَليقمْ إِلَى الْغَد حَتَّى [ينفر مَعَ] النَّاس» . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» (لكنه) عَن

стр. 3583

نَافِع عَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: «من غربت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ بمنى، فَلَا ينفرن حَتَّى يَرْمِي الْجمار من الْغَد (من أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق) » . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ الثَّوْريّ، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ عمر ... فَذكر مَعْنَاهُ. قَالَ: وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن الْمُبَارك، عَن عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَرَفعه ضَعِيف. وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب أَنه قيل: «من تقبل حجه رفع حَجَره، وَمَا بَقِي فَهُوَ مَرْدُود» . وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور رَوَاهُ الْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ (قَالَ) : «قُلْنَا: يَا رَسُول الله، هَذِه الْجمار الَّتِي يُرْمَى بهَا كل عَام فنحسب أَنَّهَا تنقص. قَالَ: (أما) إِنَّه مَا تقبل مِنْهَا رفع، وَلَوْلَا ذَلِك لرأيتها أَمْثَال الْجبَال» . هَذَا لفظ الدَّارَقُطْنِيّ، وَلَفظ (الآخرين) : «قُلْنَا: يَا رَسُول الله، هَذِه الْأَحْجَار الَّتِي يُرْمَى بهَا تحمل فنحسب أَنَّهَا (تنقعر) . (قَالَ) : أما إِنَّه (مَا) يُقْبل مِنْهَا يرفع، وَلَوْلَا ذَلِك لرأيتها مثل الْجبَال» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ: وَيزِيد

стр. 3584

بن سِنَان الرهاوي - يَعْنِي الَّذِي فِي إِسْنَاده -: لَيْسَ بالمتروك. وَقَالَ (الْبَيْهَقِيّ) فِي «سنَنه» : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، وَيزِيد لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه (آخر) ضَعِيف عَن ابْن عمر مَرْفُوعا. قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا: «مَا تقبل مِنْهَا رفع، وَمَا لم يتَقَبَّل ترك، وَلَوْلَا ذَلِك لسد مَا بَين الجبلين» . وَفِي رِوَايَة عَنهُ (أَنه) قَالَ: «وكل بِهِ ملك، مَا تقبل مِنْهُ رفع، وَمَا لم يتَقَبَّل ترك» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ عَن أبي سعيد مَوْقُوفا عَلَيْهِ: «أَنه سُئِلَ عَن رمي الْجمار، فَقَالَ (لي) : مَا تقبل (مِنْهُ) رفع، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ أطول من ثبير» .

стр. 3585

بَاب حَجّ الصَّبِي ذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث جَابر ﵄ أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَهُوَ: «أَنه ﵇ مر بِامْرَأَة وَهِي فِي محفتها، فَأخذت بعضد صبي كَانَ مَعهَا؛ فَقَالَت: أَلِهَذَا حَجّ؟ فَقَالَ ﵇: نعم، وَلَك أجر» . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» مُرْسلا عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة، عَن كريب مولَى ابْن عَبَّاس: «أَن رَسُول الله ﷺ مر بِامْرَأَة وَهِي فِي محفتها، فَقيل لَهَا: هَذَا رَسُول الله ﷺ . فأخذتْ بضبعي صبي كَانَ مَعهَا، فَقَالَت: أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: «نعم، وَلَك أجر» . قَالَ ابْن عبد الْبر: وصل هَذَا الحَدِيث عَن مَالك: ابْن وهب وَالشَّافِعِيّ وَابْن عَثْمَة وَأَبُو (المصعب) وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي، رَوَوْهُ عَن مَالك، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة، عَن كريب، (عَن) ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ . (قلت: وَلَفظ رِوَايَة الشَّافِعِي: «بعضد صبي» بدل «بضبعي صبي» ، وَرَوَاهُ أَحْمد، عَن سُفْيَان، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة، عَن كريب،

стр. 3586

عَن ابْن عَبَّاس) [عَن النَّبِي ﷺ ] «لَقِي ركبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: من الْقَوْم؟ قَالَ: الْمُسلمُونَ. فَقَالُوا: من أَنْت؟ قَالَ: رَسُول الله. فَرفعت إِلَيْهِ امْرَأَة صبيًّا فَقَالَت: أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: نعم، وَلَك أجر» . ثمَّ رَوَاهُ (من حَدِيث سُفْيَان) عَن مُحَمَّد بن عقبَة، عَن كريب، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «رفعت امْرَأَة صبيًّا لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: نعم، وَلَك أجر» . وَمن حَدِيث سُفْيَان، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة، عَن كريب: «أَن امْرَأَة رفعت صبيًّا صَغِيرا، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: نعم، وَلَك أجر» . وَمن حَدِيث سُفْيَان، عَن مُحَمَّد بن عقبَة، عَن كريب، عَن ابْن عَبَّاس مثله. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ كَلَفْظِ مُسلم الأول، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بِأَلْفَاظ، أَحدهَا: كَرِوَايَة الشَّافِعِي. ثَانِيهَا: «بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يمشى فِي بطن الروحاء، (إِذْ) أقبل وَفد، فَقَالَ رجل مِنْهُم: من أَنْتُم؟ فَقَالَ: نَحن الْمُسلمُونَ، ثمَّ قَالَت امْرَأَة: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا رَسُول الله. فأخرجت صبيًّا، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، أَلِهَذَا حج؟ فَقَالَ: نعم، وَلَك أجر» .

стр. 3587

ثَالِثهَا: «أَنه ﵇ صدر من مَكَّة، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، استقبله ركب فَسلم عَلَيْهِم، فَقَالَ: من الْقَوْم؟ قَالُوا: الْمُسلمُونَ. من أَنْتُم؟ (قَالَ) : رَسُول الله ﷺ . ففرغتْ امْرَأَة مِنْهُم، فَرفعت صبيًّا لَهَا من محفة، وَأخذت بعضده، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، (هَل لهَذَا) حج؟ قَالَ: نعم، وَلَك أجر» . قَالَ إِبْرَاهِيم بن عقبَة: حدثت بِهَذَا الحَدِيث ابْن الْمُنْكَدر، فحجَّ بأَهْله أَجْمَعِينَ. وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» : «أَن امْرَأَة رفعت صبيًّا لَهَا فِي خرقَة، فَقَالَت: يَا رَسُول الله ... » الحَدِيث. (و) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث جَابر وَقَالَ: غَرِيب. فَائِدَة: المِحَفة: بِكَسْر الْمِيم، وَفتح الْحَاء، كَذَا قَيده النَّوَوِيّ فِي «شرح المهذَّب» ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث «المهذَّب» : المحفة: بِكَسْر الْمِيم وَبِفَتْحِهَا، وَهِي شبه الهودج، إِلَّا أَنه لَا قبَّة عَلَيْهَا. والرَّوْحاء: بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة (ممدودة) ، مَوضِع من عمل الفُرْع - بِضَم الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء - (بَينهَا) وَبَين الْمَدِينَة

стр. 3588

النَّبَوِيَّة سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا، كَذَا جَاءَ فِي «صَحِيح مُسلم» من كَلَام طَلْحَة بن نَافِع التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، (و) حَكَى صَاحب «الْمطَالع» (أَن بَينهمَا أَرْبَعُونَ) ميلًا، وَأَن فِي كتاب ابْن أبي شيبَة: بَينهمَا ثَلَاثُونَ ميلًا. وَكَانَ سُؤال الْمَرْأَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة، قبل وَفَاة رَسُول الله ﷺ بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر. ذكره النَّوَوِيّ فِي «شرح المهذَّب» . تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ بعد ذَلِك فِي (تَوْجِيهه) الطَّرِيقَة القاطعة بِأَن الْأُم تحرم عَن الصَّبِي: أَنهم احْتَجُّوا بِخَبَر ابْن عَبَّاس هَذَا، وَقَالُوا: الظَّاهِر أَنَّهَا كَانَت تحرم عَن الَّذِي رفعته فِي محفتها. انْتَهَى. أما كَونهَا أمه، فَهُوَ ظَاهر رِوَايَة ابْن حبَان الثَّانِيَة وَرِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَأما أَنَّهَا الَّتِي أحْرمت عَنهُ فَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات التَّصْرِيح بذلك، نعم هُوَ الظَّاهِر كَمَا قَالُوهُ. وَأما حَدِيث جَابر ﵁ قَالَ: «حجَجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ومعنا النِّسَاء وَالصبيان فلبينا عَن الصّبيان ورمينا عَنْهُم» . فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» وَابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث أَشْعَث بن سوار، عَن أبي الزبير، عَنهُ (بِهِ) ، وَاللَّفْظ لِابْنِ مَاجَه،

стр. 3589

وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «كُنَّا إِذا حجَجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فَكُنَّا نلبي عَن النِّسَاء ونرمي عَن الصّبيان» . وَهُوَ حَدِيث مَعْلُول من أوجه، أَحدهَا: أَن أَشْعَث بن سوار (هَذَا) كوفيّ كِنْديّ، يعرف بالنجار التوابيتي الأفرق القَاضِي، من رجال مُسلم مُتَابعَة، وَلينه جمَاعَة، قَالَ أَبُو زرْعَة: فِيهِ لين. وَقَالَ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. (وَاخْتلف النَّقْل عَن يَحْيَى فِيهِ فَنقل عَبَّاس عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ: ضَعِيف) . وَنقل (ابْن) الدَّوْرَقِي (عَنهُ) أَنه قَالَ: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن حبَان: فَاحش الْخَطَأ، كثير الْوَهم. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ عبد الْحق: أحسن مَا سَمِعت فِيهِ قَول ابْن عدي: لم أجد لَهُ متْنا مُنْكرا، إِنَّمَا يخلط فِي الْأَسَانِيد فِي الْأَحَايِين. الثَّانِي: أَن أَبَا الزبير مُدَلّس، وَقد عنعن. الثَّالِث: أَنه مُضْطَرب الْمَتْن، فمتن التِّرْمِذِيّ فِيهِ كَمَا مر: «نلبي عَن النِّسَاء ونرمي عَن الصّبيان» أَي: يُلَبِّي الرِّجَال عَن النِّسَاء، ويرمون عَن الصّبيان. وَلَفظ ابْن مَاجَه كَمَا مر، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة سَوَاء - أَعنِي: التَّلْبِيَة عَن الصّبيان أَيْضا - وَلم يذكر التَّلْبِيَة عَن النِّسَاء. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا أولَى بِالصَّوَابِ وأشبه بِهِ؛ فَإِن الْمَرْأَة لَا يُلَبِّي عَنْهَا

стр. 3590

غَيرهَا، أجمع أهل الْعلم عَلَى ذَلِك، حَكَاهُ هَكَذَا التِّرْمِذِيّ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَا ترفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ فَقَط. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي «أَحْكَامه» : لَعَلَّ أَنه يُرِيد أَنه لما كره لَهَا رفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ كَانَ (رفع) أصواتنا بهَا كَأَنَّهَا عَنْهُن، وَكَأَنَّهُم لبوا عَنْهُن؛ إِذْ هَذَا الشعار مَقْصُود فِي الْحَج.

стр. 3591

بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا؛ أما الْأَحَادِيث فستة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا. الحَدِيث الأول أنَّه ﷺ قَالَ فِي الْمحرم الَّذِي خر من بعيره: «لَا تخمروا رَأسه؛ فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف بَيَانه فِي أوَّل (الْجَنَائِز) . الحَدِيث الثَّانِي عَن أم الْحصين ﵂ قَالَت: «حججْت مَعَ رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع، فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً، أَحدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَته، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» كَذَلِك، زَاد النسائيُّ: «فَحَمدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ... » وَذكر قولا كثيرا، وَأغْرب ابْنُ الْجَوْزِيّ فَذكره فِي كِتَابه «التَّحْقِيق» من طَرِيق أبي دَاوُد وَقَالَ: احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ بِجَوَاز تظليل الْمحرم بالمحمل. ثمَّ قَالَ

стр. 3592

: وَالْجَوَاب: أَن أَبَا عبد الرَّحِيم - الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - (ضَعِيف) . كَذَا قَالَ، وَأَخْطَأ فِي تَضْعِيفه، فَأَبُو عبد الرَّحِيم هَذَا ثِقَة، واسْمه: خَالِد بن (يزِيد) ، وَيُقَال: ابْن أبي يزِيد، وَقد احْتج بِهِ مُسلم فِي «صَحِيحه» ، وَأخرج الحديثَ المذكورَ فِي «صَحِيحه» من جِهَته، وَكَذَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. الحَدِيث الثَّالِث «أنَّه ﷺ احْتجم عَلَى رَأسه وَهُوَ محرم» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عبد الله بن (مَالك ابْن) بُحَيْنَة قَالَ: «احْتجم النَّبِي ﷺ وَهُوَ محرم بِلحي جمل - من طَرِيق مَكَّة - فِي وسط رَأسه» . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «أَنه ﵇ احْتجم وَهُوَ محرم» . وللبخاري: «احْتجم وَهُوَ محرم، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم» . وَله أَيْضا: «احْتجم فِي

стр. 3593

رَأسه وَهُوَ محرم من وجع كَانَ بِهِ، بِمَاء يُقَال: لحي جمل» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «من شَقِيقَة كَانَت (بِهِ) » واستدركه الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: « (أَنه) ﵇ احْتجم وَهُوَ محرم عَلَى رَأسه» . ثمَّ (قَالَ) : هَذَا حَدِيث مخرج بِإِسْنَادِهِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» دون (ذكر) الرَّأْس» وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرطهمَا، وَقد علمت أَنه فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» وَرَوَاهُ أَحْمد (أَيْضا) بعد أَن ذكر الشَّاة المسمومة: «فَكَانَ ﵇ إِذا وجد من ذَلِك شَيْئا احْتجم، فسافر مرَّةً، فلمَّا أحرم وَجَدَ من ذَلِك شَيْئا فاحتجم» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «احْتجم وَهُوَ محرم فِي رَأسه من صداع كَانَ بِهِ، أَو شَيْء كَانَ بِهِ (بماءٍ) يُقَال: لحي جملٍ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْحجَّاج، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «إِن رَسُول الله ﷺ احْتجم صَائِما محرما فَغشيَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلذَلِك (كره) الْحجامَة للصَّائِم» . الحَدِيث الرَّابِع عَن ابْن عمر ﵄: «أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَمَّا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب، فَقَالَ: لَا يلبس الْقَمِيص وَلَا السَّرَاوِيل، وَلَا العمائم، وَلَا

стр. 3594

البرانس، وَلَا الْخفاف، إِلَّا أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ، (وليقطعهما) أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِزِيَادَة: «وَلَا يلبس ثوبا مَسّه زعفران أَو ورس» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة وَلَا تلبس القفازين» . وَوَقع للمحب الطَّبَرِيّ أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي «مُسلم» وَهُوَ من النَّاسِخ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي «البُخَارِيّ» وَحده، وَنقل الْحَاكِم عَن أبي عَلّي الْحَافِظ أَن: «لَا تنتقب الْمَرْأَة» من قَول ابْن عمر وَقد أدرج فِي الحَدِيث، وَأقرهُ الْبَيْهَقِيّ عَلَيْهِ، وَهَذَا [يحْتَاج] إِلَى دَلِيل؛ فَإِنَّهُ خلاف الظَّاهِر كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب «الإِمَام» ، وَحَكَى ابْن الْمُنْذر خلافًا فِي أَن هَذِه الزِّيَادَة من الحَدِيث أَو من كَلَام ابْن عمر. وَادَّعَى بَعضهم أَن قَوْله: «وليقطعهما» من كَلَام نَافِع، كَذَلِك رَوَاهُ ابْنُ بَشرَان فِي «أَمَالِيهِ» بِإِسْنَاد جيد، وَفِيه النّظر السالف، وَزَاد الْبَيْهَقِيّ فِيهِ: «وَلَا تلبس القباء» . قَالَ: وَهَذِه (الزِّيَادَة) مَحْفُوظَة. وَزَاد أَبُو مُعَاوِيَة بعد قَوْله «زعفران» : «إِلَّا أَن يكون غسيلاً» . قَالَ ابْن أبي

стр. 3595

حَاتِم: سَأَلت (أبي) عَن هَذِه الزِّيَادَة؛ فَقَالَ: أَخطَأ أَبُو مُعَاوِيَة فِيهَا. وَخَالف الطحاويُّ فَقَالَ: قَالَ ابْن (أبي) عمرَان: عجب [يَحْيَى من] الْحمانِي (أَن) يحدث بِهَذَا، يَعْنِي: بِهَذِهِ اللَّفْظَة «إِلَّا أَن يكون غسيلاً» فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ: هَذَا عِنْدِي. ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ، فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يَحْيَى الْحمانِي، فَكَتبهُ (يَحْيَى) بن معِين. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَثَبت بِهَذَا الْإِسْنَاد الغسيل مِمَّا مَسّه ورس أَو زعفران. تَنْبِيه: وَقع فِي «الْخُلَاصَة» عَلَى مَذْهَب أبي حنيفَة النَّهْي عَن المعصفر أَيْضا، وَهُوَ غَرِيب، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب عَكسه وَهُوَ إِبَاحَته للنِّسَاء. فَائِدَة: الْبُرْنُس: قلنسوة طَوِيلَة، كَانَ الزهاد يلبسونها فِي صدْر الْإِسْلَام. والورس: نبت أصفر يكون بِالْيمن، يتَّخذ مِنْهُ (الغمرة) للْوَجْه، وتصبغ بِهِ الثِّيَاب. قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره.

стр. 3596

والقُفَّاز: بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْفَاء، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي «صحاحه» : هُوَ شَيْء يعْمل لِلْيَدَيْنِ، يحشى بِقطن، يكون لَهُ أزرار (تزر) عَلَى الساعدين من البَرْد، تلبسه الْمَرْأَة فِي يَديهَا. الحَدِيث الْخَامِس أنَّه ﷺ قَالَ فِي الْمحرم الَّذِي خر (عَن) بعيره وَمَات: «خمروا (وَجهه) وَلَا تخمروا رَأسه» . هَذَا الحَدِيث أَصله فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ، وَقد سلف أول الْبَاب بِلَفْظ: «وَلَا تخمروا رَأسه» . (و) قدَّمنا أَنه سلف فِي الْجَنَائِز، وَأما بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف فَلَيْسَ بالمشهور، حَتَّى إِن ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» لم يعزه لأحد عَلَى خلاف عَادَته، وَإِنَّمَا قَالَ: رَوَاهُ أَصْحَابنَا. نعم رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي الْجَنَائِز من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن أبي حرَّة، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «خمروا وَجهه وَلَا تخمروا رَأسه، وَلَا تمسوه طيبا، فَإِن الله يَبْعَثهُ يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا» . ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه ﵇ قَالَ: «خمروا وُجُوه مَوْتَاكُم، وَلَا تشبهوا بيهود» . ثمَّ قَالَ: إِن صَحَّ هَذَا يشْهد لرِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي حرَّة فِي

стр. 3597

الْأَمر بتخمير الْوَجْه. (قَالَ) : إِلَّا أَن عبد الله بن أَحْمد قَالَ: (حدثت) أبي بِهَذَا (الحَدِيث) فَأنكرهُ وَقَالَ: هَذَا أَخطَأ فِيهِ حَفْص فرفعه، وَرَوَاهُ غيرُه مُرْسلا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَلِك رَوَاهُ الثَّوْريّ وَغَيره عَن ابْن جريج مُرْسلا. قَالَ: وَرُوِيَ عَن عليّ بن عَاصِم، عَن ابْن جريج كَمَا رَوَاهُ حَفْص، وَهُوَ وهم. قلت: وَإِبْرَاهِيم بن أبي حرَّة ضعفه السَّاجِي، لَكِن وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأحمد وَأَبُو حَاتِم، وَزَاد: لَا بَأْس بِهِ. وَعلي بن عَاصِم: ضَعِيف، كثير الْغَلَط، وَكَانَ فِيهِ لُجَاج، وَلم يكن مُتَّهمًا. كَمَا قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل. قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: قيل لِابْنِ معِين: إِن أَحْمد يَقُول فِيهِ: ثِقَة. قَالَ: لَا واللَّهِ، مَا كَانَ عِنْده قطّ ثِقَة، وَلَا حدَّث عَنهُ بحرفٍ قطّ، فَكيف صَار عِنْده الْيَوْم ثِقَة؟ ! . ولمَّا ذكره ابْنُ الْقطَّان من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حَفْص بن غياث، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس رَفَعَهُ: «خَمِّرُوا وُجُوهَ (مَوْتَاكُم) ، وَلَا تشبَّهُوا باليهود» . قَالَ: عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ - (رَاوِيه) عَن حَفْص بن غياث - صَدُوق. قَالَه أَبُو

стр. 3598

حَاتِم الرَّازِيّ، وباقى الْإِسْنَاد لَا يسْأَل عَنهُ، قَالَ: وَهُوَ أَعم من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ الأولَى - يَعْنِي: روايةَ عَلّي بن عَاصِم عَن ابْن جريج، فِي المُحْرم يَمُوت؛ فَقَالَ: «خمِّروهم وَلَا تشبَّهوا باليهود» - (وَأَصَح مِنْهَا) وَقَالَ ابْن حزم فِي كِتَابه «حجَّة الْوَدَاع» فِي رِوَايَة عَطاء الْمُرْسلَة: هَذَا مُرْسل، لَا يقوم بمِثْله حُجَّة. ورواهُ الْحَاكِم فِي «عُلُوم الحَدِيث» من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: «أَن مُحْرِمًا ... » الحَدِيث، وَفِيه: «وَلَا تخمِّرُوا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْم الْقِيَامَة يُلبِّي» . ثمَّ قَالَ: ذكْرُ «الْوَجْه» تَصْحِيف من بعض الروَاة؛ لإِجْمَاع الثِّقَات (الْأَثْبَات) مِنْ أَصْحَاب عَمرو بن دِينَار عَلَى رِوَايَته عَنهُ «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَه» ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سألتُ أبي عَنهُ؛ فَقَالَ: حَدِيْث مُنْكَر. الحَدِيث السَّادِس «أَنه ﵇ قَالَ: لَا تَنْتَقِبُ المرأةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا تقدم بَيَانه فِي أثْنَاء الحَدِيث الرَّابِع. الحَدِيث السَّابِع «أنَّه ﷺ نَهَى النساءَ فِي إحرامهن عَن النقاب، و (لتلبس) بعد ذَلِك

стр. 3599

مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب مُعَصْفَرًا أَو خَزًّا أَو حليًّا أَو سَرَاوِيل أَو قَمِيصًا أَو خفًّا» . هَذَا الحَدِيث حسن، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من رِوَايَة عبد الله بن عُمر: «أَنه سمع رَسُول الله ﷺ ينْهَى النساءَ فِي إحرامهن عَن القفازين، والنقاب، وَمَا مس الورس والزعفران من الثِّيَاب، (ولتلبس) بعد ذَلِك مَا (أحبَّتْ) من ألوان الثِّيَاب من معصفرٍ أَو خَز أَو حُليّ أَو سَرَاوِيل أَو قميصٍ أَو خُفٍّ» . هَذَا لفظ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم، وَلَفظ أبي دَاوُد كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ الَّذِي أوردناه (بِزِيَادَة) : «وَمَا مس الورس والزعفران» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» إِلَى قَوْله: «والزعفران من الثِّيَاب» وَهُوَ مَا قَالَ أَبُو دَاوُد: (رَوَاهُ) عَن ابْن إِسْحَاق (عَبْدَة) بن سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن سَلمَة إِلَى قَوْله: «وَمَا مس الورس والزعفران من الثِّيَاب» . وَلم يذكرَا مَا بعده، وَرِجَال إِسْنَاده مُحْتَج (بهم) فِي «الصَّحِيحَيْنِ» خلا محمدُ بن إِسْحَاق صَاحب «الْمَغَازِي» ، فَإِنَّهُمَا لم يحْتَجَّا بِهِ، وَإِنَّمَا أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة، لَا جرم

стр. 3600

قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ. وَمرَاده: أَنه عَلَى شَرط مُسلم فِي ابْن إِسْحَاق؛ فَإِنَّهُ أخرج لَهُ كَمَا قُلْنَاهُ، لكنه لم يخرج لَهُ مُسْتَقلاًّ، نَعَمْ أَكثر مَا عَابُوا عَلَى ابْن إِسْحَاق التَّدْلِيس، وَقد صرَّح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ من نَافِع، والمدلِّس إِذا صرَّح بِالتَّحْدِيثِ احْتُجَّ بحَديثه؛ فَيكون حَدِيثه هَذَا حسنا، وَقد رُوِيَ بعضه مَوْقُوفا، أخرجه مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول: «لَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة، وَلَا تَلْبَس القفازين» . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» ، وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّة مُوسَى بن طَارق، عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع مَوْقُوفا عَلَى ابْن عُمر. الحَدِيث الثَّامِن قَالَ الرَّافِعِيّ: وَإِن تأتى اتِّخَاذ إِزَار - أَي: من السَّرَاوِيل - (فلبسه) عَلَى هَيئته - أَي: سراويلاً - فَهَل يلْزمه الْفِدْيَة؟ [فِيهِ] وَجْهَان: أَحدهمَا: (لَا) ، لإِطْلَاق الخَبَر. قلت: مُرَاده بذلك مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من

стр. 3601

حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ لم يجدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سروايلَ، وَمن لم يجدْ نعلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن» . وَفِي رِوَايَة لَهما: «سمعتُ رَسُول الله ﷺ يخْطب بعرفاتٍ وَهُوَ يَقُول ... » الحَدِيث، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْن فليلبسْ خُفَّيْن، ومَنْ لم يجدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل» . الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «إِحْرَام الْمَرْأَة (فِي) وَجههَا» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطبرانيُّ فِي «أكبر معاجمه» وابْنُ عدي فِي «كَامِله» وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» من رِوَايَة ابْن عُمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المرأةِ حرم إِلَّا فِي وَجههَا» . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، فِي إِسْنَاده أَيُّوب بن (مُحَمَّد أَبُو) سُهَيْل الْعجلِيّ اليمامي، يلقب: أَبَا الْجمل، قَالَ أَبُو زرْعَة: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: ضَعِيف. وَقَالَ مَرَّةً: لَا شَيْء. وَقَالَ ابْن عدي: لَا أعلمهُ يرفعهُ عَن عبيد الله - (يَعْنِي: رَاوِيه) عَن نَافِع، عَن ابْن عمر -

стр. 3602

غير أبي الْجمل (هَذَا) . وَقَالَ فِي إِسْنَاده كَمَا سَيَأْتِي: إِنَّه ثِقَة. وَقَالَ العُقيلي فِي «ضُعَفَائِهِ» : لَا يُتابع أَيُّوب بن مُحَمَّد عَلَى رَفْعِهِ؛ فَإِنَّهُ يَهِم فِي بعض حَدِيثه، إِنَّمَا يرْوَى مَوْقُوف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : الصَّوَاب وَقْفُهُ عَلَى ابْن عُمر. قَالَ: وَأَيوب هَذَا من أهل الْيمن ضَعِيف. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَقِبَ إِخْرَاجه من طَرِيق ابْن عدي، وذكْرِ توثيقه فِي إِسْنَاده: أَيُّوب هَذَا ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، ضعفه يَحْيَى بْنُ معِين وغيرُه. وَقَالَ فِي «خلافياته» : قَالَ الْحَاكِم: هَكَذَا رَوَاهُ أَيُّوب عَن ابْن عُمر مُسْندًا مَرْفُوعا، وحاله عِنْد أَئِمَّة (أهل) النَّقْل بِخِلَاف مَا عدَّله بِهِ عبد الله بن رَجَاء، قَالَ ابْن معِين: شيخ يماني ضَعِيف. وَنقل الذهبيُّ فِي «مِيزَانه» عَن الْفَسَوِي توثيقَه. وَقَالَ فِي «ضُعَفَائِهِ» : ضعفه ابْنُ معِين وَوَثَّقَهُ غيرُه. وَقَالَ عبد الْحق: (أحسن) مَا سمعتُ فِي أَيُّوب هَذَا أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ (قَوْلَةُ) أبي حَاتِم فِيهِ. قَالَ: وَقد سمع فِيهِ أحسن مِمَّا سَمعه أَبُو مُحَمَّد؛ (فَإِن) ابْن عدي ذكر توثيقَه فِي إِسْنَاده، فَإِنَّهُ لمَّا وصل فِي إِسْنَاده إِلَى يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ: نَا عبيد الله

стр. 3603

بن رَجَاء، نَا أَيُّوب بن مُحَمَّد أَبُو الْجمل ثِقَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر مجهولٍ عَن عبيد الله بن عُمر مَرْفُوعا. قَالَ: وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عُمر أَنه قَالَ: «إِحْرَام الْمَرْأَة فِي وَجههَا، وإحرام الرجل فِي رَأسه» هَكَذَا رَوَاهُ جماعةُ مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ فِي «الْمعرفَة» بعد أَن رَوَاهُ هَكَذَا مَوْقُوفا عَلَيْهِ: ورُوي عَنهُ مَرْفُوعا، ورَفْعه ضَعِيف. الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عُمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي المُحْرِم: «لَا يَلْبَسُ من الثِّيَاب شَيْئا مَسّه زعفران وَلَا ورس» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا تقدم فِي الحَدِيث الرَّابِع. الحَدِيث الْحَادِي عشر «أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ وَعَلِيهِ جُبَّة، وَهُوَ متُضَمِّخ بالخلوق، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْرَمْتُ (بِالْعُمْرَةِ) وَهَذِه عليَّ؟ فَقَالَ ﵇: مَا كُنْتَ (تصنعُ فِي حجتك؟ قَالَ: كنت أنزع هَذِه وأغسلُ هَذَا الخلوق. فَقَالَ (: مَا كنت) صانعًا فِي حجتك فَاصْنَعْ فِي عمرتك» .

стр. 3604

هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث يعْلى بن أُمَيَّةَ - بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْمُثَنَّاة تَحت، وَهُوَ أَبوهُ، وَيُقَال: ابْن مُنْية - بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة تَحت، وَهِي أُمُّه - «أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ بالجِعْرَانة قد أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ مصفّر لحيته وَرَأسه، وَعَلِيهِ جُبَّة، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَحْرَمْتُ بِعُمَرةٍ وَأَنا كَمَا ترَى. قَالَ: انْزعْ عَنْك الجُبَّةَ واغْسِلْ عَنْك الصُّفْرَةَ ... » . وَفِي رِوَايَة لَهما: «وَهُوَ مُتَضَمِّخ بِطيب» ، وفيهَا: «إِن الْوَحْي جَاءَهُ إِذْ ذَاك وَأَنه ﵇ قَالَ لَهُ: اغْسِلْ الطّيب الَّذِي بك ثَلَاث مراتٍ، وانْزع (عَنْك) الجُبَّةَ، واصْنَعْ فِي عُمْرَتك مَا تَصْنَعُ فِي (حَجِّك) » . قلتُ لعطاء: أَرَادَ الإنقاء حِين أَمَرَه أَن يغسل ثَلَاث مراتٍ؟ قَالَ: نعم» . زَاد النَّسَائِيّ بعد قَوْله: «ثَلَاث مراتٍ» : «ثمَّ أَحْدِثْ (إحرامًا) » . (ثمَّ) قَالَ: لَا أحْسبُ هَذِه الزِّيَادَة مَحْفُوظَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ: لَا أعلم أَن أحدا قَالَ: «ثمَّ أَحْدِث إحرامًا» غَيْرَ نوح بن حبيب، وَلَا أَحْسبهُ مَحْفُوظًا بِهَذِهِ الزِّيَادَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ جماعات فَلم يذكرُوا هَذِه الزِّيَادَة، وَلم يقبلهَا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ من نوح. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: فَقَالَ ﵇:

стр. 3605

«اخْلَعْ جُبَّتَك. (فخلعها) من رَأسه» . فَائِدَة: الخَلُوق - بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة - طِيْب مَعْرُوف يُتَّخذ من الزَّعْفَرَان وَغَيره من أَنْوَاع الطِّيْب، وتَغْلُبُ عَلَيْهِ الحُمْرَةُ أَو الصُّفْرَةُ. قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِي السُّنن» . (فَائِدَة: المهمل الَّذِي وَقع فِي الحَدِيث الظَّاهِر أَنه عَمْرو بن سَواد إِذْ فِي كتاب «الشِّفَاء» لعياض عَنهُ قَالَ: «أتيت النَّبِي ﷺ وَأَنا متخلق فَقَالَ: ورس ورس، حط حط. وغشيني بقضيب فِي يَده فِي بَطْني فأوجعني ... » الحَدِيث) . الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن أبي أَيُّوب ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يغْتَسل وَهُوَ مُحْرم» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» مطولا (بِقِصَّةٍ) . (بِلَفْظ) : «أَنه رَأَى النَّبِي ﷺ يغْتَسل وَهُوَ محرم» لَا بِلَفْظ: «كَانَ» . وبذكر الْكَيْفِيَّة: «أَنه صَبَّ عَلَى رَأسه، (ثمَّ حرَّك رأسَهُ)

стр. 3606

(بيدَيْهِ) ؛ فأَقْبَلَ بهما وأدْبَر، وَقَالَ: هَكَذَا (رأيتُه) (يفعلُ» . الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁: «أَنه كَانَ يُوقد تَحت قدر، والهوام تنتثر من رَأسه، فَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأسك، وانسك بِدَم، أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو تصدق بفرق من طَعَام عَلَى سِتَّة مَسَاكِين» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» برواياتٍ فِي بَعْضهَا: « (فَاحْلِقْ) وصُم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين، أَو انسك نسيكةً» . قَالَ أَيُّوب - أحد رُوَاته -: فَلَا أَدْرِي بِأَيّ ذَلِك بَدَأَ. وَفِي بَعْضهَا: «قَالَ كَعْب: فيَّ نزلتْ هَذِه الْآيَة: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه) فأتيتُه، فَقَالَ: ادنه. فدنوتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك؟ - قَالَ ابْن عون: (أَظُنهُ) قَالَ: نعم - قَالَ: فَأمرنِي بِصَدقَة أَو صِيَام أَو نسك مَا تيَسّر» . وَفِي بَعْضهَا: « (أَنه) ﵇ وقف عَلَيْهِ

стр. 3607

وَرَأسه تتهافتْ قملاً، قَالَ: أَيُؤْذِيك هَوَامك؟ قلت: نَعَمْ. قَالَ: فاحْلِقْ رَأسك، ففيَّ نزلت هَذِه الْآيَة: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا (إِلَى قَوْله: (أَو نسك) ، فَقَالَ ﵇: صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام، أَو تصدَّقْ بِفِرْقٍ بَين سِتَّةٍ، أَو انْسك مَا تَيسَّر» . وَفِي بَعْضهَا: «فَاحْلِقْ رَأسك، وأطْعِمْ فِرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِين - وَالْفرق ثَلَاثَة آصُع - أَو صُمْ ثَلَاثَة أيامٍ، أَو (انسك نسيكة» وَفِي بَعْضهَا «صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام أَو) إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين (نصف صاعٍ، نصف صَاع) طَعَاما لكل مِسْكين. قَالَ: فنزلَتْ فيَّ خَاصَّة، وَهِي لكم عَامَّة» . وَفِي بَعْضهَا: «أَنه خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ محرِمًا، فَقَمُلَ رأسُهُ ولحيتُه، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ ؛ فأرْسلَ إِلَيْهِ، فَدَعَا الحلاَّقَ فَحَلَقَ رأسَهُ، ثمَّ قَالَ (لَهُ) : هَل عنْدك نُسُك؟ قَالَ: مَا أقدرُ عَلَيْهِ. فَأمره أَن يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام، أَو يطعم سِتَّة مَسَاكِين كلَّ مسكينٍ

стр. 3608

نصف صَاع» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «احْلِقْ ثمَّ اذْبَحْ شَاة نُسُكًا، أَو صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام، أَو أَطْعِمْ ثَلَاثَة آصُع من تَمْر عَلَى سِتَّة مَسَاكِين» (وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي «صَحِيحه» «فَأمرنِي بصيام أَو صَدَقَة أَو نسك أَو أَيّمَا تيَسّر لَك» ) (كَذَا) رأيتُه، وَصَوَابه: «أَو نسك مَا تيسَّر» . الحَدِيث الرَّابِع عشر «أنَّه ﷺ فاتَتْه صلاةُ الصُّبْح فَلم يُصَلِّها حَتَّى خرج من الْوَادي» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب الْأَذَان، فراجِعْه مِنْهُ. واعْلَمْ: أَن الرافعيَّ ذكر هَذَا دَلِيلا للمشهور أنَّ غير المتعدِّي لَا يلْزمه الْفَوْر فِي الْقَضَاء، وَلَك أَن تَقول: إِنَّمَا أخَّر لأمرٍ آخر وَهُوَ أَن فِي الْوَادي شَيْطَانا، كَمَا أخْبَر بِهِ ﵊. الحَدِيث الْخَامِس عشر «أنَّه ﷺ قَالَ فِي الْفَائِتَة: فَلْيُصَلِّها إِذا ذكرهَا» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب التَّيَمُّم، فراجِعْهُ مِنْهُ. الحَدِيث السَّادِس عشر «أنَّه ﷺ قَالَ فِي الحَرَم: لَا ينفر صَيْدُه» .

стр. 3609

هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة: «إنَّ هَذَا الْبَلَد حرَّمه الله يَوْم خلق السَّمَاوَات، لَا يعضد شَوْكُهُ، وَلَا يُخْتلى خَلاَهُ، وَلَا ينفر صيدُه، وَلَا تُلْتقط لُقَطَتُهُ إِلَّا لمعَرِّف. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر؛ فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ (للقُيُون) والبيوت. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر» وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة ﵁: أَن النَّبِي ﷺ لمَّا فتح مكةَ قَالَ: «لَا ينفر صيدُها، وَلَا يُخْتَلى خَلاهَا، وَلَا تَحِلُّ ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد. فَقَالَ الْعَبَّاس: إِلَّا الْإِذْخر؛ فَإنَّا نجعله لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخر» . فَائِدَة: الْعَضُد: القطْع. والإِذْخر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، كَذَا قيَّدَهُ (غيرُ واحدٍ) ، مِنْهُم صاحبُ «الإِمَام» وَهُوَ نَبْت طيب الرّيح، قَالَ الْخطابِيّ: وَهُوَ مكسور الأوَّل، والعامَّةُ تفتحه وَلَيْسَ بصوابٍ. والقَيْن: الحَدَّاد. الحَدِيث السَّابِع عشر عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى فِي بَيْضِ نعَامٍ أَصَابَهُ المُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ» .

стр. 3610

هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عباد بن يَعْقُوب، نَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عباسٍ، عَن كَعْب بن عجْرَة: «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَام أَصَابَهُ مُحْرِم بِقَدْر ثمنه» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ مُوسَى بن دَاوُد، عَن إِبْرَاهِيم وَقَالَ: «بِقِيمَتِه» وَهَذَا مَا فِي «الرَّافِعِيّ» وَعباد هَذَا هُوَ الروَاجِنِي، من رجال البُخَارِيّ، لَكِن قَالَ ابْن حبَان: هُوَ رَافِضِي دَاعِيَة، يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير؛ فَاسْتحقَّ التركَ. وَقَالَ ابْن عدي: يروي أَحَادِيث أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ فِي فَضْلِ أهل البَيْتِ ومثالبِ غيرِهم. وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد علمتَ حالَهُ فِي كتاب «الطَّهَارَة» وحُسَين هَذَا تَركه النسائيُّ وابْنُ الْمَدِينِيّ، وَقَالَ يَحْيَى: ضَعِيف. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس، يُكْتَبُ حديثُه. لَا جرم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بشيءٍ. قلت: وَرُوِيَ من طَرِيق آخر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي المهزم، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي بَيْضٍ
следующие страницы →