Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَزَادا فِي أَوله: «يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن ... » إِلَى آخِره، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفظه: «تهادوا؛ فَإِن الْهَدِيَّة تذْهب وحر الصَّدْر، وَلَا تحقرن جارةٌ (لجارتها) وَلَو شقّ فِرْسِن شَاة» .
فَائِدَة: فِرْسِن الشَّاة: ظلفها، وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم لِخُفِّ الْبَعِير، فاستُعِير للشاة، قَالَ ابْن السراج: ونونه زَائِدَة. و «وحْر الصَّدْر» : غشه ووساوسه وعلته. وَقيل: إِنَّه أَشد الْغَضَب، وَقيل: الحقد.
الحَدِيث الْخَامِس
«أنَّه ﷺ كَانَ تُحمل إِلَيْهِ الْهَدَايَا؛ فيقبلها من غير لفظٍ» .
هُوَ كَمَا قَالَ، فَمن (يتبع) الْأَحَادِيث والسِّير وجده.
وَفِي (صَحِيح البُخَارِيّ) من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ (يقبل الْهَدِيَّة ويثيب عَلَيْهَا» وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﵌ إِذا أُتي بِطَعَام سَأَلَ: أهدية (أم) صَدَقَة؟ فَإِن قيل: صَدَقَة؛ قَالَ لأَصْحَابه: كلوا [وَلم
стр. 4132
يَأْكُل] وَإِن قيل: هَدِيَّة؛ ضرب بِيَدِهِ فَأكل مَعَهم» .
وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» فِي كتاب السّير، و «مُسْند أَحْمد» و «الْبَزَّار» من حَدِيث عليّ ﵁ قَالَ: «إِن كسْرَى أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ هَدِيَّة فَقبل مِنْهُ، وَإِن الْمُلُوك أهدوا إِلَيْهِ فَقبل مِنْهُم» .
وَفِي «مُسْند أَحْمد» زِيَادَة: «وَإِن قَيْصر أهْدَى فَقبل مِنْهُ» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ رُوي عَن عَلّي بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد.
وَفِي «النَّسَائِيّ» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة الثَّقَفِيّ قَالَ: «قدم وَفد ثَقِيف عَلَى رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُمْ هَدِيَّة، فَقَالَ: أهدية أم صَدَقَة؟ فَإِن كَانَت هَدِيَّة؛ فَإِنَّمَا يُبتغى (بهَا) وَجه رَسُول الله ﷺ وَقَضَاء الْحَاجة، وَإِن كَانَت صَدَقَة؛ فَإِنَّمَا يبتغى بهَا وَجه الله قَالُوا: لَا؛ بل هَدِيَّة. فقبلها مِنْهُم، وَقعد مَعَهم يُسائلهم و [يسألونه] حَتَّى صَلَّى الظّهْر وَالْعصر» .
وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة منتشرة.
قَالَ الرَّافِعِيّ: واشتهر وُقُوع الْكسْوَة وَالدَّوَاب فِي هَدَايَا رَسُول الله ﷺ وَأَن أم وَلَده «مَارِيَة» كَانَت من الْهَدَايَا.
стр. 4133
وَهُوَ كَمَا قَالَ، أما الْكسْوَة؛ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أنس ﵁: «أَن أكيدر دومة أهْدَى لرَسُول الله ﷺ جُبَّة من سندس، وَكَانَ ينْهَى عَن الْحَرِير، فتعجَّبَ الناسُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْس محمدٍ بِيَدِهِ، إنَّ مناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة أحسن من هَذَا» .
وَفِيهِمَا من حَدِيث عليٍّ ﵁: «أَن أكيدر دومة أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ ثوب حَرِير؛ فَأعْطَاهُ عليًّا، قَالَ: شققه خُمُرًا بَين الفواطم» .
وَفِي «مُسْند أَحْمد» و «جَامع التِّرْمِذِيّ» و «سنَن النَّسَائِيّ» عَن أنسٍ قَالَ: «بعث رَسُول الله ﷺ جَيْشًا إِلَى أكيدر دومة؛ فَأرْسل إِلَى رَسُول الله ﷺ بجبة من ديباج، منسوج فِيهَا الذَّهَب، فلبسها رَسُول الله ﷺ فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَر - أَو جلس - فَلم يتَكَلَّم، ثمَّ نزل، فَجعل النَّاس يلمسون الْجُبَّة وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أتعجبون مِنْهَا؟ قَالُوا: مَا رَأينَا ثوبا قطّ أحسن مِنْهُ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لمناديل سعد بن معَاذ فى الْجنَّة أحسن مِمَّا ترَوْنَ» وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث عَلّي بن زيد بن جدعَان عَن أنسٍ: «أَن ملك الرّوم أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ -
стр. 4134
مستقة (من) سندس فلبسها، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى يَدَيْهِ (تذبذبان ثمَّ بعث) بهَا إِلَى جَعْفَر؛ فلبسها ثمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِنِّي لم أعطكها لتلبسها. قَالَ: فَمَا أصنع بهَا؟ قَالَ: أرسل بهَا إِلَى أَخِيك النَّجَاشِيّ» .
والمستقة: بِضَم التَّاء وَفتحهَا؛ الفروة الطَّوِيلَة الْكَبِيرَة، وَجَمعهَا مساتق.
وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث أنس: «أَن ملك ذِي يزن أهْدَى إِلَى رَسُول الله ﷺ حلَّة، أَخذهَا بِثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا فقبلها» .
وأمَّا الدَّوَابّ؛ فَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ: «غزونا مَعَ النَّبِي ﷺ تَبُوك، وَأهْدَى [ملك أَيْلَة] للنَّبِي (بغلة بَيْضَاء؛ فَكَسَاهُ النَّبِي ﷺ بُردًا، وَكتب لَهُ ببحرهم، وَجَاء رسولُ (ابْن الْعلمَاء) صَاحب أَيْلَة إِلَى رَسُول الله ﷺ بِكِتَاب، وَأهْدَى إِلَيْهِ بغلة بَيْضَاء، فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأهْدَى إِلَيْهِ بُردًا» .
وَفِي كتاب «الْهَدَايَا» لإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من حَدِيث عليّ قَالَ: «أهْدَى يوحنا بن روزية إِلَى رَسُول الله ﷺ بغلته الْبَيْضَاء» .
وَرَوَى الْحَرْبِيّ أَيْضا وَأَبُو بكر أَحْمد بن عَمرو بن أبي عَاصِم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه: «أَن أَمِير القبط أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ جاريتين وَبغلة؛ فَكَانَ يركب البغلة بِالْمَدِينَةِ، وَأخذ إِحْدَى الجاريتين
стр. 4135
لنَفسِهِ، ووهب الْأُخْرَى لحسان» .
وَفِي «صَحِيح مُسلم» «أَن فَرْوَة الجذامي أهْدَى إِلَى رَسُول الله ﷺ بغلة بَيْضَاء، ركبهَا يَوْم حنين» .
وأمَّا «مَارِيَة» فَهِيَ إِحْدَى الجاريتين السالفتين.
وَقد أُهدي لَهُ (غيرُ ذَلِك؛ فَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث عَلّي بن زيد بن جدعَان، عَن أنس قَالَ: «أهْدَى الأكيدر لرَسُول الله ﷺ جَرَّة من (مَنٍّ) فلمَّا انْصَرف رَسُول الله ﷺ من الصَّلَاة مر عَلَى الْقَوْم، فَجعل يُعْطي كل رجل مِنْهُم قِطْعَة، فَأعْطَى جَابِرا قِطْعَة، ثمَّ إِنَّه رَجَعَ إِلَيْهِ فَأعْطَاهُ قِطْعَة أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّك أَعْطَيْتنِي مرّة. قَالَ: هَذَا (لبنات) عبد الله» .
وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ عَمرو بن حكام، عَن (شُعْبَة) عَن عَلّي بن زيد بن جدعَان، عَن أبي المتَوَكل النَّاجِي، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «أهْدَى ملك الرّوم إِلَى النَّبِي ﷺ هَدَايَا، فَكَانَ فِيمَا أهْدَى إِلَيْهِ جَرَّة فِيهَا زنجبيل» فَقَالَا: لَا نعرفه من حَدِيث (شُعْبَة) رَوَاهُ سُفْيَان بن حُسَيْن، عَن عَلّي بن زيد، عَن أنس. قلت: فَهَذَا صَحِيح؟ قَالَا: لَا، هَذَا أشبه، وأمَّا حَدِيث عَمرو بن حكام [فَإِنَّهُ مُنكر، لَا نعلم أَنه رَوَاهُ أحد سُوَى عَمْرو بن حكام. قَالَ:
стр. 4136
فَمَا حَال عَمْرو بن حكام؟ قَالَا] : فَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. قَالَ أَبُو زرْعَة: كَانَ (قدم الرّيّ فَكتب) عَنهُ أخي أَبُو بكر. قَالَ الذَّهَبِيّ: وَهُوَ مُنكر من وُجُوه:
أَحدهَا: أَنه لَا يُعلم أَن ملك الرّوم أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ شَيْئا.
قلت: بلَى؛ قد أهْدَى لَهُ كَمَا سلف عَن «سنَن أبي دَاوُد» .
ثَانِيهَا: أَن هَدِيَّة الزنجبيل من الرّوم إِلَى الْحجاز شَيْء يُنكره الْعقل، فَهُوَ نَظِير هَدِيَّة التَّمْر من الرّوم إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة.
وَاعْلَم أَنه ﵇ قبل هَدَايَا الْكفَّار كَمَا أسلفناه، وَقد ورد أَنه امْتنع من قبُولهَا؛ رَوَى كَعْب بن مَالك قَالَ: «جَاءَ مُلاعب الأسِنَّة إِلَى النَّبِي ﷺ بهدية، فَعرض ﵊ عَلَيْهِ الإسلامَ فَأَبَى أَن يُسلِم، فَقَالَ ﵇: أَنا لَا أقبل هَدِيَّة مُشْرك» رَوَاهُ ابْن شاهين بِإِسْنَادِهِ.
وَفِي حَدِيث عِيَاض بن حمَار: «أَنه أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ هَدِيَّة وَهُوَ مُشْرك، فردَّها وَقَالَ: أَنا لَا أقبل (زبد) الْمُشْركين» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ كَمَا قَالَه صاحبُ «الاقتراح» وَذكر الأثرمُ فِي الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن أَحَادِيث الْقبُول أثبت، وَحَدِيث عِيَاض فِيهِ إرْسَال.
ثَانِيهَا: أَن حَدِيث عِيَاض كَانَ فِي أوَّل الْإِسْلَام، وَحَدِيث أكيدر
стр. 4137
دومة فِي آخر الْأَمر قبل موت النَّبِي ﷺ بِيَسِير، فَيكون هَذَا من النَّاسِخ والمنسوخ، وَبِهَذَا أجَاب عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» فَقَالَ: حَدِيث عِيَاض كَانَ قبل غَزْوَة تَبُوك. ثمَّ سَاق حَدِيث أبي حميد السالف.
ثَالِثهَا: أَن يكون قبُول الْهَدِيَّة لأهل الْكتاب دون أهل الشّرك، وعياض لم يكن من أهل الْكتاب.
يَبْقَى: «أَنه قبل من كسْرَى» . وَجَوَابه: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن فِي إِسْنَاده «ثُوَيْر بن أبي فَاخِتَة» وَلَيْسَ بِثِقَة عِنْدهم. ثَانِيهمَا: أَن يكون الْقبُول مَنْسُوخا فِي حق من لَا كتاب لَهُ.
فَائِدَة مهمة: رَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، ثَنَا سعيد بن مُحَمَّد، ثَنَا أَبُو تُمَيْلة يَحْيَى بن وَاضح، نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي بكر، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن مولَى آل طَلْحَة، عَن [ابْن] الحوتكية، عَن عمار بن يَاسر قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يَأْكُل من هَدِيَّة حَتَّى يَأْمر صَاحبه أَن يَأْكُل مِنْهَا للشاة الَّتِي أُهديت لَهُ» .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي «تَارِيخ دمشق» عَن أبي نصر الْقشيرِي، أبنا الْبَيْهَقِيّ، أبنا الْحَاكِم، أبنا عَلّي الحبيبي، أَنا خَالِد بن أَحْمد، حَدثنِي أبي، حَدثنِي سعيد بن (سلم) بن قُتَيْبَة، حَدثنِي
стр. 4138
[أبي، نَا] يَحْيَى بن الْحُسَيْن بن الْمُنْذر، عَن أَبِيه أبي ساسان، سَمِعت عمار بن يَاسر ﵁ يَقُول: «كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يَأْكُل الْهَدِيَّة حَتَّى يَأْكُل مِنْهَا من أهداها إِلَيْهِ، بَعْدَمَا أَهْدَت (إِلَيْهِ) الْمَرْأَة الشَّاة المسمومة بِخَيْبَر» .
الحَدِيث السَّادِس
عَن جَابر بن عبد الله، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «أَيّمَا رجل أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَإِنَّهَا للَّذي أُعطيها، لَا ترجع إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» كَذَلِك سَوَاء. وَفِي رِوَايَة لمَالِك: «لَا ترجع إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أبدا» .
و «أُعمر» بِضَم أَوله، عَلَى مَا لم يُسم فَاعله، أَجود من الْفَتْح.
الحَدِيث السَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى ميراثُ [لأَهْلهَا] » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فى «صَحِيحه» من طَرِيقين:
أَحدهمَا: من طَرِيق جَابر سَوَاء. ثَانِيهمَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة
стр. 4139
بِلَفْظ: «الْعُمْرَى جَائِزَة» وبلفظ: «الْعُمْرَى مِيرَاث لأَهْلهَا. أَو قَالَ: جَائِزَة» .
والأوَّل من أَفْرَاد مُسلم؛ بل لم يُخرِّج البُخَارِيّ (عَن جَابر) فِي الْعُمْرَى غير حَدِيث: «قَضَى رَسُول الله ﷺ بالعمرى أَنَّهَا لمن وهبت لَهُ» وَالثَّانِي أخرجه البُخَارِيّ بِاللَّفْظِ الأول فَقَط.
وَأخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة أَنه ﵊ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَة لأَهْلهَا أَو قَالَ: مِيرَاث لأَهْلهَا» .
وَأخرجه أَحْمد بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث جَابر.
وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث زيد بن ثَابت بلفظين:
أَحدهمَا: «الْعُمْرَى سَبِيلهَا سَبِيل الْمِيرَاث» .
ثَانِيهمَا: «قَضَى بالعمرى للْوَارِث» وبلفظٍ ثَالِث: «من أُعمر أَرضًا فَهِيَ لوَرثَته» .
стр. 4140
الحَدِيث الثَّامِن
عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا تعمروا وَلَا ترقبوا؛ فَمن أعمر شَيْئا أَو أرقبه فسبيله الْمِيرَاث» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَذكره الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» بِغَيْر إسنادٍ من هَذَا الْوَجْه مَرْفُوعا كَذَلِك، إِلَّا أَنه قَالَ: «فَهُوَ سَبِيل الْمِيرَاث» بدل «فسبيله الْمِيرَاث» وَتبع فِي إِيرَاده كَذَلِك الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» .
وَرَوَاهُ الرّبيع عَنهُ: أبنا ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن جَابر مَرْفُوعا بِلَفْظ «الْمُخْتَصر» سَوَاء، وَهَذَا إِسْنَاد ثَابت.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمَا» كَذَلِك سَوَاء، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: « [فَهُوَ لوَرثَته] » بدل «فسبيله الْمِيرَاث» .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي آخر «الاقتراح» : وَهُوَ عَلَى شَرط (الصَّحِيحَيْنِ) .
الحَدِيث التَّاسِع
عَن جَابر ﵁ أَنه قَالَ: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أجازها رَسُول الله ﷺ أَن يَقُول: هِيَ لَك ولعقبك من بعْدك. فَأَما إِذا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت؛ فَإِنَّهَا
стр. 4141
ترجع إِلَى صَاحبهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» كَذَلِك سَوَاء، دون قَوْله: «من بعْدك» .
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن النُّعْمَان بن بشير ﵄: «أَن أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي نحلت ابْني هَذَا غُلَاما كَانَ لي. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أكُلُّ ولدك نحلت مثل هَذَا؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: أيَسُرُّك أَن يَكُونُوا إِلَيْك فِي الْبر سَوَاء؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَلَا إِذا» . ويُروى: «قَالَ: فارتجعه» ويُروى أَنه قَالَ: «اتَّقوا اللهٌ، واعدلوا فِي أَوْلَادكُم» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» عَن مَالك، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان بن بشير، حدّثنَاهُ عَن النُّعْمَان بن بشير «أَن أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ ... » فَذكره إِلَى قَوْله: «قَالَ: لَا. قَالَ: فأرجعه» قَالَ الشَّافِعِي: وَقد سَمِعت فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أَلَيْسَ يَسُرك أَن (يَكُونُوا) فِي الْبر إِلَيْك سَوَاء؟ فَقَالَ: بلَى. قَالَ: فأرجعه» وَرَوَاهُ الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن مَالك كَذَلِك إِلَى قَوْله: «فأرجِعه» قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : كَذَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله - يَعْنِي: الْحَاكِم، شَيْخه - وَرِوَايَة أبي زَكَرِيَّا وَأبي بكر سُفْيَان أَو مَالك - شكّ أَبُو الْعَبَّاس، يَعْنِي: الْأَصَم - قَالَ: وَقد أبنا أَبُو عبد الله
стр. 4142
فِي مَوضِع آخر: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس، أبنا الرّبيع، أَنا الشَّافِعِي، أَنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن شهابٍ ... فَذكره. وَقد رَوَاهُ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي عَن كل مِنْهُمَا، ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى الْمُزنِيّ، ثَنَا الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن النُّعْمَان بن بشير، عَن أَبِيه: «أَنه نحل ابْنا لَهُ عبدا» وَالصَّوَاب: «أَن أَبَاهُ نحل ابْنا لَهُ عبدا؛ فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ يشهده، فَقَالَ: (كل) ولدك نحلت مثل هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فاردده» .
قَالَ: وبإسناده ثَنَا الشَّافِعِي، عَن مَالك ... فَذكره كَمَا أسلفناه عَن «الْمُخْتَصر» وَأخرجه البُخَارِيّ، وَمُسلم من حَدِيث مَالك، وَمُسلم من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَقَول الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» : وَقد سمعتُ فِي هَذَا الحَدِيث ... إِلَى آخِره، وَهُوَ فِي رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد وَغَيره عَن عَامر الشّعبِيّ، عَن النُّعْمَان بن بشير، قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» (ثمَّ) قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: وَحَدِيث النُّعْمَان حَدِيث ثَابت، وَبِه نَأْخُذ.
قلت: وَله أَلْفَاظ فِي «صَحِيح مُسلم» مِنْهَا: «فأرجعه» وَمِنْهَا: «فَرده» وَمِنْهَا: «فَرجع أبي فَرد تِلْكَ الصَّدَقَة» وَمِنْهَا: «فَلَا تشهدني
стр. 4143
إِذا؛ فَإِنِّي لَا أشهد عَلَى جور» وَمِنْهَا: «فَأشْهد عَلَى هَذَا غَيْرِي» وَمِنْهَا: «فَلَيْسَ يصلح هَذَا، وَإِنِّي لَا أشهد إِلَّا عَلَى حق» ذكر مُسلم هَذِه من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر.
وللبخاري: « (فَاتَّقُوا) الله، واعدلوا بَين أَوْلَادكُم! قَالَ: فَرجع فَرد عطيته» وَله: «فأرجعه» .
قَالَ عبد الْحق: وَلم يذكر البُخَارِيّ من هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَّا قَوْله: «فَلَا تشهدني عَلَى جور» وَهُوَ عِنْده عَلَى الشَّك، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو حريز عَن الشّعبِيّ: «لَا أشهد عَلَى جور» . لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا هَذَا.
تَنْبِيه: وَقع فِي «بسيط الْغَزالِيّ» و «وسيطه» أَن الْوَاهِب هُوَ النُّعْمَان بن بشير، تبعا للرواية السالفة، وَالصَّوَاب خِلَافه، لكنه لم ينْفَرد بِهِ، وَقد أوضحت ذَلِك فِي «تخريجي لأحاديثه» فَتنبه لَهُ.
فَائِدَة: المنحول كَانَ عبدا، كَمَا أسلفناه.
فَائِدَة أُخْرَى: رد الْخطابِيّ خبر النُّعْمَان هَذَا بِخَبَر جَابر السالف، وَقَالَ: إِنَّه أولَى مِنْهُ؛ لِأَن جَابِرا أحفظ لَهُ وأضبط؛ لِأَن النُّعْمَان كَانَ صَغِيرا، وَفِي حَدِيث جَابر: أَنه شاوره ﵊ قبل الْهِبَة. فدلَّ عَلَى مَا هُوَ الأولَى بِهِ.
стр. 4144
الحَدِيث الْحَادِي عشر
رُوي أنَّه ﷺ (قَالَ: «سووا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة) فَلَو كنت مفضلاً أحدا لفضلت الْبَنَات» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن (سعيد) بن يُوسُف، عَن يَحْيَى بن أبي (كثير) عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ... فَذكره بِهِ سَوَاء، إِلَّا أَنه (قَالَ) : «النِّسَاء» بدل «الْبَنَات» وَإِسْمَاعِيل هَذَا حجَّة إِذا رَوَى عَن الشاميين، وَشَيْخه سعيد بن يُوسُف شَامي، نعم الشَّأْن فِي شَيْخه؛ فَإِن أَحْمد وَغَيره تكلمُوا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمشهور، وَحَدِيثه لَيْسَ بالمنكر. وَقَالَ ابْن عدي: لَا أعلم يروي عَنهُ غير إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث، ورواياته ثابتات الْأَسَانِيد لَا بَأْس بهَا، وَلَا أعرف لَهُ شَيْئا أنكر مِمَّا ذكرت من حَدِيث عِكْرِمَة - يَعْنِي: هَذَا - وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَلما ذكره
стр. 4145
ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» ذكر فِيهِ قَول يَحْيَى: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَول النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَاقْتصر عَلَى ذَلِك، وَقَالَ فِي «تَحْقِيقه» لما (سَاق) الحَدِيث (بِالْإِسْنَادِ) السالف: إِسْمَاعِيل وَسَعِيد ضعيفان. وَقد عرفت أَن الضعْف فِي هَذَا الحَدِيث لَا من جِهَة إِسْمَاعِيل؛ بل من جِهَة سعيد، وَلَيْسَ ضعفه مُتفقًا عَلَيْهِ، كَمَا علمت أَيْضا. وَوَقع فِي «الضُّعَفَاء» لَهُ: أَن (سعيدًا) هَذَا يروي عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش. وَالْمَعْرُوف فِي تَرْجَمته أَن إِسْمَاعِيل يروي عَنهُ، فَتنبه لَهُ. وَزَاد القَاضِي حُسَيْن فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث زِيَادَة غَرِيبَة، لم أر من خرجها، وَهِي: «سووا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة، حَتَّى القُبَل» .
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يحل لواهب أَن يرجع فِيمَا وهب، إِلَّا الْوَالِد؛ فَإِنَّهُ يرجع فِيمَا وهب لوَلَده» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَأَيْضًا فقد رُوي أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يحل لرجل يُعطي عَطِيَّة أَو يَهب هبة فَيرجع فِيهَا إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعطي وَلَده وَمثل الَّذِي يُعطي الْعَطِيَّة ثمَّ يرجع فِيهَا كَمثل الْكَلْب يَأْكُل؛ فَإِذا شبع (قاء) ثمَّ عَاد (فِيهِ» .
стр. 4146
هَكَذَا سَاقه) الرَّافِعِيّ (مساقة حديثين، وهما حَدِيث) وَاحِد، أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَو اتَّصل حَدِيث طَاوس: «لَا يحل للْوَاهِب أَن يرجع فِيمَا وهب، إِلَّا وَالِد فِيمَا وهب لوَلَده» لَقلت بِهِ، وَرَوَاهُ (عَن) مُسلم بن خَالِد، عَن ابْن جريج، عَن الْحسن بن مُسلم، عَن طَاوس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا يحل لواهب أَن يرجع فِيمَا وهب، إِلَّا الْوَالِد من وَلَده» ثمَّ قَالَ بعده بِقَلِيل: وَلَو اتَّصل حَدِيث طَاوس ... فَذكر مَعْنَى مَا تقدم عَن «الْمُخْتَصر» قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يُروى مَوْصُولا من جِهَة عَمْرو بن شُعَيْب، وَعَمْرو (ثِقَة) ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث أبي دَاوُد، ثَنَا يزِيد بن زُرَيْع، ثَنَا حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن طَاوس، عَن ابْن عُمر وَابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي ﷺ : «لَا يحل لرجل أَن يُعطي عَطِيَّة أَو يهب هبة فَيرجع فِيهَا (إِلَّا) الْوَالِد فِيمَا يُعطي وَلَده، وَمثل الَّذِي يُعطي الْعَطِيَّة ثمَّ يرجع فِيهَا كَمثل الْكَلْب يَأْكُل حَتَّى إِذا شبع قاء ثمَّ عَاد [فِي] قيئه» .
قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث (يُؤكده) مُرْسل الْحسن بن مُسلم (بن يناق) - يَعْنِي: السالف - والْحَدِيث الْمَوْصُول عَن النُّعْمَان
стр. 4147
بن بشير، وَحَدِيثه فِي الْمَنْع من رُجُوع غَيره يؤكده حَدِيث ابْن عَبَّاس الثَّابِت فِي «الصَّحِيح» : «الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه» . وَفِي رِوَايَة: «كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه» . قَالَ همام: قَالَ قَتَادَة: وَلَا نعلم الْقَيْء إِلَّا حَرَامًا. وَرَوَاهُ فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج كَمَا سلف، بِلَفْظ: «لَا يحل لأحد يهب لأحد هبة ثمَّ يعود فِيهَا إِلَّا الْوَالِد» - وَهَذَا متابعٌ لمُسلم بن خَالِد - ثمَّ قَالَ: هَذَا مُرْسل، وَقد روُي مَوْصُولا. ثمَّ سَاقه من حَدِيث إِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق، عَن حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عُمر قَالَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُعْطي عَطِيَّة فَيرجع فِيهَا، إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطِيهِ وَلَده، وَمثل الَّذِي يُعْطي الْعَطِيَّة ثمَّ يرجع فِيهَا كَالْكَلْبِ يَأْكُل حَتَّى إِذا شبع قاء، ثمَّ عَاد فَرجع فِي قيئه» ثمَّ سَاقه من حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع، عَن حُسَيْن كَمَا سلف عَن أبي دَاوُد، ثمَّ سَاقه من حَدِيث عبد الْوَارِث، عَن (عَامر) الْأَحول (عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا يرجع فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد، والعائد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه» . ثمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة، عَن (عَامر) الْأَحول، وَكَذَلِكَ يُرْوى عَن سعيد
стр. 4148
بن بشير، عَن مطر وعامر الْأَحول) عَن عَمرو، عَن أَبِيه، عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا يرجع الرجل فِي هِبته، إِلَّا الْوَالِد من وَلَده، والعائد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه» .
وَيحْتَمل أَن يكون عَمرو بن شُعَيْب رَوَاهُ من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فحسين الْمعلم حُجَّة، و (عَامر) الْأَحول ثِقَة، وَرُوِيَ عَن مطر وعامر نَحْو رِوَايَة (عَامر) وَحده. وَقَالَ فِي «خلافياته» لما أخرجه من حَدِيث إِسْحَاق الْأَزْرَق عَن حُسَيْن: تَابعه يزِيد بن زُرَيْع وَيزِيد بن هَارُون عَن حُسَيْن، وحسين من الثِّقَات، وَكَذَلِكَ سَائِر رُوَاته. ثمَّ سَاقه من حَدِيث عبد الْوَارِث عَن عَامر، ثمَّ ذكر مُتَابعَة إِبْرَاهِيم وَسَعِيد ومطر (لعامر) ، ثمَّ قَالَ: وَكَأن عَمْرو بن شُعَيْب سمع الحَدِيث من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
قلت: وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث حُسَيْن، كَمَا سلف، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من حَدِيث ابْن [أبي] عدي، عَن حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن طَاوس، عَن (ابْن) عُمر وَابْن عَبَّاس، رَفَعَاهُ: «لَا يحل لأحدٍ أَن يُعْطِي عَطِيَّة فَيرجع فِيهَا، إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطي وَلَده» .
стр. 4149
وَأخرجه (النَّسَائِيّ) أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَأخرجه ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «لَا يرجع [أحد] فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد من وَلَده» . وَقد سُئِل الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث عَمرو هَذَا (و) حَدِيث ابْن عُمر وَابْن عَبَّاس؛ فَقَالَ: لَعَلَّ الإسنادين محفوظان. وَقد سلف هَذَا عَن الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد - قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَمرو بن شُعَيْب عَن طَاوس - وَلَا أعلم خلافًا فِي عَدَالَة عَمرو بن شُعَيْب، إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي سَماع أَبِيه من جده. ثمَّ رَوَى بإسنادٍ إِلَى الإِمَام أَحْمد [أَن مُحَمَّد] بن عَلّي بن حمدَان الْوراق قَالَ (لَهُ) : عَمرو بن شُعَيْب سمع من أَبِيه شَيْئا؟ فَقَالَ: هُوَ عَمرو
стр. 4150
بن شُعَيْب بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمرو (وَقد صَحَّ سَماع) عَمرو بن شُعَيْب من أَبِيه شُعَيْب، وصَحَّ سَماع شُعَيْب من جده عبد الله بن عَمرو. قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : عَمرو بن شُعَيْب فِي نَفسه (ثِقَة يحْتَج بِخَبَرِهِ) إِذا رَوَى عَن غير أَبِيه.
قلت: هَذِه طَرِيقَته، وَقد أسلفنا فِي بَاب الْوضُوء صِحَة الِاحْتِجَاج (بِهِ) إِذا رَوَى عَن أَبِيه عَن جده.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
«أَن أعرابيًّا وهب للنَّبِي (نَاقَة؛ فأثابه عَلَيْهَا وَقَالَ: أرضيت؟ قَالَ: لَا. فزاده وَقَالَ: رضيت؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد هممتُ أَن لَا أتهب إِلَّا من قرشي أَو أَنْصَارِي أَو ثقفي» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «أَن أعرابيًّا وهب للنَّبِي (هبة، فأثابه عَلَيْهَا، قَالَ: رضيت؟ قَالَ: لَا. فزاده، قَالَ: رضيت؟ قَالَ: لَا. فزاده، قَالَ: رضيت؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد هَمَمْت ... » وَذكر بَاقِي الحَدِيث.
стр. 4151
كَذَا أَخْرجَاهُ بِذكر عدم الرِّضَا مرَّتين، وَوَقع فِي الرَّافِعِيّ مرّة كَمَا أسلفناه عَنهُ.
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصرا عَن مُحَمَّد بن عَمرو الرَّازِيّ، ثَنَا سَلمَة - يَعْنِي: ابْن الْفضل - ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «وَايْم الله، لَا أقبل بعد يومي هَذَا من أحد هَدِيَّة، إِلَّا أَن يكون مُهَاجرا، أَو قرشيًّا، أَو أنصاريًّا، أَو دوسيًّا، أَو ثقفيًّا» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مطولا عَن أَحْمد بن منيع، ثَنَا (يزِيد) بن هَارُون، ثَنَا أَيُّوب، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة: «أَن أعرابيًّا أهْدَى إِلَى رَسُول الله ﷺ بكرَة، فَعوضهُ مِنْهَا سِتّ بكرات، فسخط، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ ، فَحَمدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن فلَانا أهْدَى إليَّ بكرَة، فعوضته مِنْهَا سِتّ بكرات، ويظل ساخطًا؟ ! (وَلَقَد) هَمَمْت أَن لَا أقبل هَدِيَّة إِلَّا من قرشيّ أَو أنصاريّ، أَو ثقفيّ، أَو دوسيّ» .
ثمَّ رَوَاهُ مطولا أَيْضا عَن البُخَارِيّ، عَن أَحْمد بن خَالِد الْوَهْبِي، عَن ابْن إِسْحَاق، عَن سعيد بن أبي سعيد، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة: «أهْدَى رجل من بني فَزَارَة إِلَى رَسُول الله ﷺ نَاقَة من إبِله الَّتِي كَانُوا أَصَابُوا بِالْغَابَةِ، فَعوضهُ مِنْهَا بعض الْعِوَض، فتسخطه؛ فسمعتُ رَسُول
стр. 4152
الله (يَقُول عَلَى الْمِنْبَر: إِن [رجَالًا] من الْعَرَب يُهدي أحدهم الْهَدِيَّة، فأعوضه مِنْهَا بِقدر مَا عِنْدِي، ثمَّ يتسخطه فَيظل [يتسخط] عَلّي، وَايْم الله؛ لَا أقبل بعد مقَامي هَذَا من رجل من الْعَرَب هَدِيَّة، إِلَّا من قرشي، أَو أَنْصَارِي، أَو ثقفي، أَو دوسي» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن [وَهُوَ] أصح من حَدِيث يزِيد بن هَارُون. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا مُخْتَصرا عَن خشيش بن أَصْرَم، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر [عَن ابْن عجلَان] عَن سعيد، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لقد هَمَمْت أَن لَا أقبل هَدِيَّة ... » إِلَى آخِره، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» عَن أبي الْحُسَيْن الْقَنْطَرِي، ثَنَا أَبُو قلَابَة، وَعَن عَمرو بن نجيد، ثَنَا أَبُو مُسلم، ثَنَا أَبُو عَاصِم، عَن (ابْن) عجلَان، عَن المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة: «أَن رجلا أهْدَى إِلَى رَسُول الله ﷺ لقحة، فأثابه مِنْهَا بست بكرات؛ فسخطها الرجل، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من يعذرني من فلَان أهْدَى (إليَّ) لقحة، فَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا فِي وَجه بعض أَهلِي، فأثبته مِنْهَا بست بكرات فسخطها، لقد هَمَمْت أَن لَا أقبل هَدِيَّة، إِلَّا أَن تكون (من) قرشي، أَو أَنْصَارِي، أَو ثقفي، أَو دوسي» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي
стр. 4153
«مُسْنده» من حَدِيث أبي معشر، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة، كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ بِزِيَادَة: «أُهدي إليَّ نَاقَة، وَهِي نَاقَتي، أعرفهَا كَمَا أعرف بعض أَهلِي، ذهبت مني يَوْم زغابات، فعوضته ... .» الحَدِيث.
وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا؛ فَقَالَ: يروي طَاوس عَن أبي هُرَيْرَة مُتَّصِلا مَرْفُوعا، وَعَن طَاوس مُرْسلا وَهُوَ الْأَصَح. وَهَذَا طَرِيق آخر لهَذَا الحَدِيث غير مَا أسلفناه، وَلما ذكر عبد الْحق [طريقي] التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد السالفين بِتَغَيُّر قَالَ: إسنادهما لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَاعْتَرضهُ ابْن الْقطَّان وَقَالَ: هَذَا (قَول) تبع فِيهِ التِّرْمِذِيّ، وَكم حديثٍ قد احْتج بِهِ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، وَأحمد بن خَالِد الْوَهْبِي أفرط ابْن حزم القَوْل فِيهِ، وَنسبه إِلَى الْجَهَالَة، وَهُوَ ثِقَة، وَقد ردَّ عَلَيْهِ عبدُ الْحق ذَلِك فِي حَدِيث زيد بن ثَابت: «نهَى ﵊ أَن تبَاع السّلع حَيْثُ تبْتَاع حَتَّى يحوزها التُّجَّار» (فَحق) الحَدِيث أَنه حسنٌ من طَرِيقَته، والمقبري سمع من أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَمن أبي هُرَيْرَة، كَمَا سمع أَبوهُ، وَقَول التِّرْمِذِيّ: «إِنَّه أصح من حَدِيث يزِيد بن هَارُون» هُوَ بِاعْتِبَار ثُبُوت وَالِد سعيد بَينه وَبَين أبي هُرَيْرَة، وَلَا يفهم (مِنْهُ) تَضْعِيف الحَدِيث.
стр. 4154
قلت: وَطَرِيق النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم خَالِيَة من «ابْن إِسْحَاق» ومِنَ «الْوَهْبِي» هَذَا، فَلَا شكّ فِي صِحَّتهَا، وَللَّه الْحَمد.
ثمَّ للْحَدِيث طَرِيق ثَالِث أخرجه الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» من حَدِيث بكار بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أَيمن بن نابل الْمَكِّيّ، عَن أَبِيه: «أَن رجلا كالأعرابي أهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ ناقتين؛ فَعوضهُ رَسُول الله ﷺ فَلم يرض عوضه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقد هممتُ أَن لَا أتهب هبة إِلَّا من قرشي، أَو أَنْصَارِي، أَو ثقفي» قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى: رَوَاهُ جمَاعَة عَن بكار.
قلت: وبكار هَذَا ذَاهِب الحَدِيث؛ كَمَا قَالَه أَبُو زرْعَة، وأيمن بن نابل بِالْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ.
فَائِدَة: إِنَّمَا اسْتثْنى هَؤُلَاءِ؛ لأَنهم أكْرم الْعَرَب، وَقيل: لِأَنَّهُ (لَيْسَ) فيهم غلظ الْبَادِيَة؛ لأَنهم حَاضِرَة.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله ومنّه، وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرين:
أَحدهمَا: «أَن أَبَا بكر ﵁ نحل عَائِشَة ﵂ (جادَّ) عشْرين وسْقا، فَلَمَّا مرض قَالَ: وددت أَنَّك حُزْتِيهِ أَو قبضتيه، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث» .
هَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن ابْن شهَاب، عَن
стр. 4155
عُرْوَة، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت) : «نَحَلَنِي أَبُو بكر ﵁ (جادَّ) عشْرين وسْقا من مَال الغابة، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ: وَالله يَا بنية مَا من النَّاس أحبُّ إليَّ غِنىً مِنْك بعدِي، وَلَا أعز عليَّ فقرا بعدِي مِنْك، وَإِنِّي كنتُ نَحَلْتُكِ جادّ عشْرين وسْقا، وَلَو كنت (جددتيه واحتزتيه) لَكَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك؛ فَاقْتَسمُوهُ عَلَى كتاب الله. قَالَت: فَقلت: يَا أَبَت، لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لتركته؛ إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء؛ فَمن الْأُخْرَى؟ ! قَالَ: ذُو بطن ابْنة خَارِجَة. أَرَاهَا جَارِيَة» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم (أبنا) ابْن وهب، عَن مَالك بن أنس وَيُونُس بن يزِيد وَغَيرهمَا من أهل الْعلم، أَن ابْن شهَاب أخْبرهُم عَن عُرْوَة بن الزبير، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «إِن أَبَا بكر الصّديق نحلهَا جدَاد عشْرين وسْقا من مَال بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ: وَالله يَا بنية، مَا من النَّاس أحد أحب إليَّ غِنىً بعدِي مِنْك، وَلَا أعز عليَّ فقرا بعدِي مِنْك، وَإِنِّي كنت نحلتكِ من مَالِي جدَاد عشْرين وسْقا، فَلَو كنت جددتيه واحتزتيه كَانَ (لَك) ذَلِك، وَإِنَّمَا
стр. 4156
(هُوَ) مَال الْوَارِث، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك، فَاقْتَسمُوهُ عَلَى كتاب الله - تَعَالَى - فَقَالَت: يَا أبه، وَالله لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لتركته، إِنَّمَا (هِيَ) أَسمَاء؛ فَمن الْأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بطن بنت خَارِجَة. أَرَاهَا جَارِيَة» .
قَالَ ابْن عبد الحكم: وأبنا ابْن وهب أَخْبرنِي (عبد الله بن عمر، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة بذلك. وأبنا ابْن وهب) قَالَ: سَمِعت حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان يحدث أَنه سمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد يحدث بذلك أَيْضا (إِلَّا) أَنه قَالَ: (أَرضًا يُقَال) لَهَا: تمرد، وَكَانَت عِنْده لم يقبضهَا.
وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى أَلْفَاظ هَذَا الْأَثر فِي «تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب» فَرَاجعه مِنْهُ تَجِد نفائس.
الْأَثر الثَّانِي: عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: «من وهب هبة يَرْجُو ثَوَابهَا فَهُوَ رد عَلَى صَاحبهَا مَا لم يُثَبْ [مِنْهَا] » .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن دَاوُد بن الْحصين عَن أبي غطفان بن طريف المري أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: «من وهب (هبة) لصلة رحم أَو عَلَى وَجه صَدَقَة؛ فَإِنَّهُ لَا يرجع فِيهَا، وَمن وهب
стр. 4157
هبة يرَى أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بهَا الثَّوَاب فَهُوَ عَلَى هِبته، يرجع فِيهَا مَا لم يرض بهَا» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث ابْن وهب، عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي، عَن سَالم بن عبد الله (عَن أَبِيه) عَن عمر ﵁: «من وهب هبة لوجه الله فَذَلِك لَهُ، وَمن وهب هبة يُرِيد ثَوَابهَا؛ فَإِنَّهُ يرجع فِيهَا إِن لم يرض (بهَا) » . قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ. قَالَ: وَرَوَاهُ عبيد الله بن مُوسَى عَن حَنْظَلَة، عَن سَالم، عَن [ابْن] عُمر مَرْفُوعا: «من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلّي بن سهل بن الْمُغيرَة عَن عبد الله، وَهُوَ وهم، إِنَّمَا الْمَحْفُوظ الأول. قَالَ: وَقد قيل: عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع، عَن عَمرو بن دِينَار، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «الْوَاهِب أَحَق بَهته مَا لم يثب (مِنْهَا) » .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا الْمَتْن بِهَذَا الْإِسْنَاد أليق، وَإِبْرَاهِيم ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وعَمرو بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة مُنْقَطع، وَالْمَحْفُوظ عَن عَمرو بن دِينَار عَن سَالم عَن أَبِيه عَن عُمر قَالَ: «من وهب هبة فَلم يثب فَهُوَ أَحَق بهبته إِلَّا لذِي
стр. 4158
(محرم) » قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا أصح. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ (عَن) الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا: «إِذا كَانَت الْهِبَة لذِي رحم محرم لم يرجع» وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ الْحَاكِم لما أخرجه فِي «مُسْتَدْركه» : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ. وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فرواته كلهم ثِقَات، وَعبد الله بن جَعْفَر الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ الرقي، وَهُوَ من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» وَأَخْطَأ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» حَيْثُ قَالَ: ضَعَّفُوهُ. فَإِن الَّذِي ضَعَّفوه هُوَ الْمَدِينِيّ والدُ عَلّي، وَهُوَ مُتَقَدم عَلَى هَذَا، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا (مثل) حَدِيث عمر السالف، وَرُوَاته ثِقَات، وَلَكِن جعله وهما عَلَى مَا نَقله عبدُ الْحق وَغَيره عَنهُ (وَأَن الصَّوَاب عَن ابْن عمر) عَن عُمر قَوْله، وَخَالف ابْن حزم فصححه مَرْفُوعا، وَكَذَا الْحَاكِم لما أخرجه فِي «مُسْتَدْركه» مَرْفُوعا قَالَ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَن يكون الْحمل (فِيهِ) عَلَى شَيخنَا إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن خَالِد الْهَاشِمِي. وَلما رَوَاهُ
стр. 4159
الْبَيْهَقِيّ عَن شَيْخه الْحَاكِم بِسَنَدِهِ قَالَ: إِنَّه وهم، وَإِن الْمَحْفُوظ مَا سلف. وَلما ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» من هَذِه الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة: ابْن عمر، وَأبي هُرَيْرَة، وَسمرَة، قَالَ: كلهَا ضِعَاف لَيْسَ فِيهَا مَا يَصح.
قلت: وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بإسنادٍ واهٍ.
стр. 4160
كتاب اللّقطَة
стр. 4161
كتاب اللُّقطة
ذكر فِيهِ ﵀ من الْأَحَادِيث ثَلَاثَة عشر حَدِيثا:
الحَدِيث الأول
عَن زيد بن خَالِد الجُهَني ﵁ قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة، فَقَالَ ﵊: اعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنة؛ فَإِن جَاءَ صَاحبهَا، وَإِلَّا فشأنك بهَا. قَالَ: فضَالة الْغنم؟ قَالَ: هِيَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب. قَالَ: فضَالة الْإِبِل؟ قَالَ: مَا لَك وَلها؟ ! دعها، مَعهَا حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ المَاء وتأكل الشّجر حَتَّى يلقاها ربُّها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّافِعِي عَن مَالك، عَن ربيعَة بن (أبي) عبد الرَّحْمَن، عَن يزِيد مولَى المنبعث، عَن زيد بِهِ، وَهُوَ كَذَلِك فِي «موطئِهِ» .
وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث مَالك بِهِ، وَفِي لفظ لَهما: «أَنه
стр. 4162
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَن لقطَة الذَّهَب أَو الْوَرق، فَقَالَ: اعرف وكاءها وعفاصها، ثمَّ عرِّفها سنة؛ فَإِن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وَدِيعَة عنْدك، فَإِن جَاءَ طالبها يَوْمًا من الدَّهْر فأدِّها إِلَيْهِ. وَسَأَلَهُ عَن ضَالَّة الْإِبِل، فَقَالَ: مَا لَك وَلها؟ ! دعها (فَإِن) مَعهَا حذاءها وسقاءها، ترد المَاء وتأكل الشّجر حَتَّى يلقاها رَبهَا. وَسَأَلَهُ عَن الشَّاة، فَقَالَ: خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَك، أَو لأخيك، أَو للذئب» .
وَلَهُمَا أَلْفَاظ أُخر أَيْضا.
فَائِدَة: العفاص - بِكَسْر الْعين وبالفاء -: الْوِعَاء الَّذِي فِيهِ النَّفَقَة سَوَاء أَكَانَ من جلد أَو خرقَة أم من غَيرهمَا، قَالَ الْأَزْهَرِي: وَلِهَذَا تسَمَّى الْجلْدَة الَّتِي تلبس رَأس القارورة عفاصًا؛ لِأَنَّهُ كالوعاء لَهَا، وَلَيْسَ بالصمام، إِنَّمَا الصمام الَّذِي يُسَدُّ بِهِ فَم القارورة من خشب كَانَ أَو من خرقةٍ مَجْمُوعَة. وَعَن الْخطابِيّ: أَن أصل العفاص من الْجلْدَة الَّتِي تلبس رَأس القارورة، وأُطلق عَلَى الْوِعَاء عَلَى طَرِيق التوسُّع، وَالْجُمْهُور عَلَى الأول. و «الوكاء» - ممدودٌ، وَوهم من قصره -: الْخَيط الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رَأس الْكيس والجراب والقربة وَنَحْو ذَلِك. و «شَأْنك» : مَنْصُوب بإضمار فعل، وَيجوز رَفعه عَلَى الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره مُبَاح أَو جَائِز. و «الْحذاء» : الْخُف. و «السقاء» : الْجوف؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذ مَاء كثيرا فِي جوفها، فتبقي عَلَيْهِ أَكثر مَا تبقي سَائِر الْحَيَوَانَات، قَالَه الْأَزْهَرِي، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: أَرَادَ أعناقها الَّتِي تتوصل بهَا [إِلَى المَاء] فَلَا تحْتَاج إِلَى (تقريب) الرَّاعِي ومعونته.
стр. 4163
(تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي الْبَاب أَحَادِيث أخر نأتي بِبَعْضِهَا فِي الْأَثْنَاء. هُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: فِي الْبَاب عَن أبي بن كَعْب وَعبد الله بن عَمْرو والجارود بن الْمُعَلَّى وَجَرِير بن عبد الله) .
الحَدِيث الثَّانِي
عَن عِيَاض بن حمَار ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من الْتقط لقطَة فليشهد عَلَيْهَا ذَا عدل، أَو ذَوي (عدل) » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة: «ثمَّ لَا يكتم وَلَا (يُغَيِّب) فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَال الله يُؤتيه من يَشَاء» .
وَزَاد الْبَيْهَقِيّ بعد قَوْله «ثمَّ لَا يكتم» : «وليعرِّفه» وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» بِلَفْظ: «فليشهد ذَوي عدلٍ، وليحفظ عفاصها ووكاءها؛ فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فَلَا يكتم، وَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِن لم يجِئ صاحبُها فَإِنَّهُ مَال
стр. 4164
الله يؤتيه من يَشَاء» وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» وَلم يسق مَتنه، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْكَبِير» من طرق إِلَى عِيَاض، فِي بَعْضهَا ذكر الْإِشْهَاد، وَفِي بَعْضهَا «شَاهِدين ذَوي عدل» من غير شكّ. قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : (أضمر) فِي الْخَبَر: «إِن لم يجِئ صَاحبهَا، (وَإِلَّا) فَهُوَ مَال الله يؤتيه من يَشَاء» . قلت: هَذَا لَا شكّ فِيهِ، وَقد صرح بِهِ الطَّبَرَانِيّ فِي بعض رواياته فِي «أكبر معاجمه» فَقَالَ: «إِن لم تَجِد صَاحبهَا فَهُوَ مَال الله يؤتيه من يَشَاء» .
فَائِدَة: حمَار هَذَا هُوَ عَلَى لفظ الْحمار (الْمَعْرُوف) وَضَبطه، ووالده ابْن أبي حمَار، وَقيل: ابْن عرْفجَة، وعياض صَحَابِيّ مجاشعي بَصرِي، كَانَ صديقا لرَسُول الله ﷺ قَدِيما، وَله غير هَذَا الحَدِيث، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة عِيَاض بن حمَار غَيره، وَفِي أَفْرَاد الصَّحَابَة أَيْضا حمَار لقب الَّذِي كَانَ يُهْدي لرَسُول الله ﷺ العكة من السّمن وَالْعَسَل (ويضحكه) .
فَائِدَة ثَانِيَة: رَوَى مَالك بن عُمير عَن أَبِيه نَحوا من هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: أنَّهُ سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن اللّقطَة؛ فَقَالَ: عرِّفها؛ فَإِن وجدت من يعرفهَا فادفعها إِلَيْهِ، وَإِلَّا فاستمتع بهَا، وَأشْهد بهَا عَلَيْك، فَإِن جَاءَ
стр. 4165
صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَال الله - تَعَالَى - يؤتيه من يَشَاء» .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» .
الحَدِيث الثَّالِث
رُوي فِي بعض الْأَخْبَار: «من الْتقط لقطَة يسيرَة فليعرفها ثَلَاثَة أَيَّام» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عمر بن عبد الله بن يعْلى، عَن جدَّته حُكيمة - بِضَم الْحَاء - عَن يعْلى بن مُرة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من الْتقط لقطَة يسيرَة، حبلاً أَو درهما أَو شبه ذَلِك [فليعرفه] ثَلَاثَة أَيَّام؛ فَإِن كَانَ فَوق ذَلِك فليعرِّفْه سِتَّة أَيَّام» هَذَا لفظ الْبَيْهَقِيّ، وَلَفظ أَحْمد «من الْتقط لقطَة يسيرَة درهما أَو حبلاً أَو شبه ذَلِك فليعرفه ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن كَانَ فَوق ذَلِك فليعرفه (سَبْعَة) أَيَّام» وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ: «من الْتقط لقطَة يسيرَة (ثوب أَو شبهه) فليعرفه ثَلَاثَة أَيَّام، وَمن الْتقط أَكثر من ذَلِك سِتَّة أَيَّام؛ فَإِن جَاءَ صَاحبهَا، وَإِلَّا فليتصدق بهَا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فليخبره» .
رَوَاهُ أَحْمد عَن يزِيد بن هَارُون، ثَنَا إِسْرَائِيل [بن] يُونُس، عَن
стр. 4166
(عمر) وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى، عَن إِسْرَائِيل، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يزِيد بن هَارُون، عَن إِسْرَائِيل كَمَا سلف، ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ عمر هَذَا، وَقد ضعفه يَحْيَى بن معِين، ورماه جرير بن عبد الحميد وغيرُه بِشرب الْخمر. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه مَتْرُوك. وَجزم بضعفه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَقَالَ عبد الْحق: إِنَّه مُنكر الحَدِيث ضعيفه، ذكره ابْن أبي حَاتِم بعد أَن رَوَاهُ عَن حُكيمة عَن أَبِيهَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من الْتقط لقطَة يسيرَة درهما أَو حبلاً (أَو شبه) ذَلِك فليعرفه ثَلَاثَة أَيَّام» وَقَالَ: يُقَال: هِيَ حُكيمة بنت غيلَان الثقفية.
قلت: تروي عَن زَوجهَا «يعْلى» فَقَط، وَفِي «مُسْند أَحْمد» رِوَايَتهَا هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيهَا يعْلى، وَهُوَ فِي «الطَّبَرَانِيّ» و «الْبَيْهَقِيّ» رِوَايَته عَنْهَا عَن يعْلى، من غير تعْيين أَنه والدها، فَلْيتَأَمَّل ذَلِك. وَأما ابْن الْقطَّان: فَقَالَ فِي كِتَابه «الْوَهم وَالْإِيهَام» : حكيمة وأبوها مَجْهُولَانِ. وَهُوَ عجيبٌ مِنْهُ، وَتبع فِي ذَلِك ابْن حزم؛ فَإِنَّهُ لما ذكر هَذَا الحديثَ فِي «محلاه» قَالَ: لَا شَيْء، إِسْرَائِيل ضَعِيف، وَعمر بن عبد الله مَجْهُول، وحُكيمة عَن أَبِيهَا أنكر وَأنكر، ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض. هَذَا لَفظه، وَقَوله فِي إِسْرَائِيل عَجِيب؛ فقد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّاس، وَرَوَاهُ عَنهُ يزِيد بن هَارُون وَعبيد الله بن مُوسَى، كَمَا سلف وَقَوله فِي عُمر أعجب مِنْهُ؛ فقد رَوَى عَنهُ جماعات، نعم هُوَ ضَعِيف، وَقَوله فِي حكيمة قد عرفت مَا فِيهَا، وَقَوله فِي يعْلى أغرب وَأغْرب، فقد أسلفنا من عِنْد أَحْمد
стр. 4167
وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَنه (يعْلى) بن مُرَّة، وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث أَحْمد فِي «مُسْنده» كَمَا أسلفناه، وَتَبعهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامعه» .
وَكَأن الرَّافِعِيّ ﵀ لمَّا استشعر ضعف هَذَا الحَدِيث قَالَ: إِنَّه رُوي فِي بعض الْأَخْبَار. وَتبع فِي ذَلِك الإِمَام؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي «نهايته» : إِن بعض المصنِّفين - وعنى بِهِ الفوراني فِي «الْإِبَانَة» - (اسْتدلَّ) بِهَذَا الحَدِيث، (ثمَّ قَالَ) : وَهَذَا إِن صَحَّ مُعْتَمد ظَاهر.
الحَدِيث الرَّابِع
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «مَا كَانَت الْأَيْدِي تقطع فِي عهد رَسُول الله ﷺ فِي الشَّيْء التافه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة من حَدِيثهَا أَنَّهَا قَالَت: لم تكن تُقْطع يَد السَّارِق عَلَى عهد النَّبِي ﷺ فِي أدنَى من ثمن الْمِجَن ترس أَو حجفة، و (كَانَ) كل وَاحِد مِنْهُمَا ذُو ثمن، وَإِن يَد السَّارِق لم تكن تقطع فِي زمن رَسُول الله ﷺ فِي الشَّيْء التافه» وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» إِلَى قَوْله: « (ذُو) ثمن» وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ الثَّانِي من كَلَام عُرْوَة، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا اللَّفْظ من قَول عُرْوَة، فقد [رَوَاهُ عَبدة]
стр. 4168
بن سُلَيْمَان، وميز كَلَام عُرْوَة من كَلَام عَائِشَة، فَجعل الْقطعَة الْأَخِيرَة من كَلَامه، والقطعة الأولَى من كَلَام رَسُول الله ﷺ .
تَنْبِيه: وَقع فِي كَلَام ابْن معِين أَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا رَوَاهُ مُسلم، وَمرَاده أَصله لَا كُله، وَوَقع فِي «الْمُفْهم» للقرطبي عزو حَدِيث: «لم يكن (يَد) السَّارِق تقطع فِي الشَّيْء التافه» إِلَى البُخَارِيّ، وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَصله كَمَا أعلمتك، فَتنبه لذَلِك.
الحَدِيث الْخَامِس
«أَن عليًّا ﵁ وجد دِينَارا، فَسَأَلَ (رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: هَذَا رزقك؛ فاشتر بِهِ دَقِيقًا وَلَحْمًا. فَأكل مِنْهُ) رَسُول الله ﷺ وعليٌّ وَفَاطِمَة، ثمَّ جَاءَ صاحبُ الدِّينَار يُنشد الدِّينَار، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : يَا عَلّي، أَدِّ الدِّينَار» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث عبيد الله بن مقسم، عَن رجل، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: «أَن عليًّا ﵁ وجد دِينَارا، فَأَتَى بِهِ فَاطِمَة [فَسَأَلت] عَنهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (رَسُول الله ﷺ ) : هُوَ رزق (الله) فَأكل مِنْهُ رَسُول الله ﷺ وَأكل عَلّي وفاطمةُ، فلمَّا كَانَ بعد ذَلِك أَتَتْهُ امْرَأَة تُنشد الدِّينَار، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : يَا عَلّي، أدِّ الدِّينَار» .
وَرجل هَذَا مَجْهُول، لَا يعرف من هُوَ.
стр. 4169
ثَانِيهَا: من حَدِيث بِلَال بن يَحْيَى الْعَبْسِي عَن عَلّي: «أَنه الْتقط دِينَارا فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا، فَعرفهُ صَاحب الدَّقِيق؛ فردَّ عَلَيْهِ الدِّينَار، فَأَخذه عَلّي (فَقطع) مِنْهُ قيراطين، فَاشْتَرَى بِهِ لَحْمًا» .
وبلال هَذَا رَوَى عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، وَعَن عمر بن الْخطاب، وَهُوَ مَشْهُور بالرواية عَن حُذَيْفَة، وَقيل عَنهُ بَلغنِي عَن حُذَيْفَة، وَفِي سَمَاعه مِنْ عَلّي نظر. قَالَه كُله الْمُنْذِرِيّ.
ثَالِثهَا: من حَدِيث مُوسَى بن يَعْقُوب (الزمعِي) عَن أبي حَازِم، عَن سهل بن سعد: «أَن عَلّي بن أبي طَالب دخل عَلَى فَاطِمَة، وَحسن وحسين يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: مَا يبكيهما؟ ! قَالَت: الْجُوع! فَخرج عَلّي فَوجدَ دِينَارا بِالسوقِ، فجَاء إِلَى فَاطِمَة فَأَخْبرهَا، فَقَالَت: اذْهَبْ إِلَى فلَان الْيَهُودِيّ فَخذ لنا دَقِيقًا. فجَاء إِلَى الْيَهُودِيّ فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: أَنْت ختن هَذَا الَّذِي يزْعم أَنه رَسُول الله؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَخذ دينارك وَلَك الدَّقِيق. فَخرج عَلّي حَتَّى جَاءَ بِهِ فَاطِمَة فَأَخْبرهَا، فَقَالَت: اذْهَبْ إِلَى فلَان الجَزَّار فَخذ لنا مِنْهُ بدرهم لَحْمًا. فَذهب فرهن الدِّينَار بدرهم لحم، فجَاء بِهِ، فعجنت (ونصبت) وخبزت، وَأرْسلت إِلَى أَبِيهَا فَجَاءَهُمْ (فَقَالَ) : يَا رَسُول الله، أذكرُ لَك، فَإِن رَأَيْته حَلَالا أكلنَا
стр. 4170
وأكلت مَعنا، من شَأْنه كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: كُلُوا بِسم الله. فَأَكَلُوا مِنْهُ، فَبينا هم مكانهم إِذا غلامٌ ينشد الله وَالْإِسْلَام الدِّينَار، فَأمر بِهِ رَسُول الله ﷺ ، [فدعي لَهُ] فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سقط مِني فِي السُّوق. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا عَلّي، اذْهَبْ إِلَى الجزار فَقل لَهُ: إِن رَسُول الله ﷺ يَقُول لَك: أرسل إليَّ بالدينار ودرهمك عليَّ. فَأرْسل بِهِ، فَدفعهُ إِلَيْهِ» . ومُوسَى هَذَا وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين، وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ وبرواياته عِنْدِي. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيره: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَذكره من هَذَا الطَّرِيق صاحبُ «الْإِلْمَام» .
وَله طَرِيق رَابِع: أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي بكر بن أبي سُبْرَة، عَن شريك بن عبد الله، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: «أَن عليًّا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ بِدِينَار وجده فِي السُّوق، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : عرِّفه ثَلَاثًا. فَفعل فَلم يجد أحدا يعرفهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ كُله ... » وَذكر الحَدِيث، وَفِي آخِره: «فَجعل أجل الدِّينَار وَشبهه ثَلَاثَة أَيَّام» .
وَهَذَا إِسْنَاد واه، أَبُو بكر بن أبي سُبْرَة وضَّاع، كَمَا قَالَه أَحْمد وَغَيره، وَشريك هُوَ ابْن عبد الله بن أبي نمر، وَقد تُكلم فِيهِ، لكنه من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» من هَذَا الْوَجْه، فَقَالَ: أَنا الدَّرَاورْدِي، عَن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عَن عَطاء بن يسَار، عَن عَلّي: «أَنه وجد دِينَارا عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ فَأمره أَن يعرِّفه فَلم
следующие страницы →