Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَحَدِيث عُرْوَة السالف قَرِيبا فِي مرورهم عَلَى أبي سُفْيَان قَبيلَة قَبيلَة إِلَى آخر مَا سلف وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار من حَدِيث عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَالَ: «عبأنا رَسُول الله ﷺ ببدر لَيْلًا ... » رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ، ثَنَا سَلمَة بن الْفضل، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عِكْرِمَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَلم يعرفهُ - يَعْنِي الحَدِيث - وَقَالَ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق سمع من عِكْرِمَة؛ وَحين رَأَيْته كَانَ حسن الرَّأْي فِي مُحَمَّد بن حميد ثمَّ ضعفه بعد.
قلت: وَغير البُخَارِيّ نَفَى سَمَاعه مِنْهُ، وَأدْخل بَينهمَا يزِيد بن أبي حبيب وَسَلَمَة بن الْفضل ضَعِيف، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق الكوسج: أشهد عَلَى مُحَمَّد بن حميد [أَنه] كَذَّاب، وَرَوَاهُ الْبَزَّار، عَن عبد الله بن شبيب، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى بن هَانِئ، ثَنَا أبي، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن ثَوْر - يَعْنِي ابْن يزِيد - عَن عِكْرِمَة بِهِ وَيَحْيَى هَذَا. قَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف. وَقَالَ السَّاجِي: أَحَادِيثه مَنَاكِير وأغاليط، وَكَانَ ضريرًا يلقن بِحَدِيث عَن ابْن إِسْحَاق.
стр. 5462
الحَدِيث الْحَادِي عشر
قَالَ: «وَأَن يستنصر بالضعفاء» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص ﵁ «أَنه رَأَى أَن لَهُ فضلا عَلَى من دونه. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل ترزقون وتنصرون إِلَّا بضعفائكم» زَاد النَّسَائِيّ: «بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء د س ت وَصَححهُ، وَكَذَا ابْن حبَان وَالْحَاكِم.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
قَالَ: «وَأَن يَدْعُو عِنْد التقاء الصفين» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» من حَدِيث سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء عِنْد حُضُور الصَّلَاة وَعند الصَّفّ فِي سَبِيل الله» وَفِي رِوَايَة لَهُ «ساعتان
стр. 5463
لَا ترد عَلَى داعٍ دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله» . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي كتاب «وصف الصَّلَاة بِالسنةِ» وَهِي عَلَى شَرط صَحِيحه «عِنْد النداء بِالصَّلَاةِ، والصف فِي سَبِيل الله» ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد «اثْنَان لَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء بِالصَّلَاةِ، والصف فِي سَبِيل الله، وَعند الْبَأْس حِين يلحم بَعضهم بَعْضًا» وَرَوَاهَا الْحَاكِم أَيْضا وَفِي إسنادها رجل مُتَكَلم فِيهِ، وصححها الْحَاكِم وَابْن خُزَيْمَة، وَفِي صَحِيح الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء، واستجيب الدُّعَاء، فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي» ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» بِإِسْنَاد ضَعِيف من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه «الدُّعَاء يُسْتَجَاب وتفتح أَبْوَاب السَّمَاء فِي أَرْبَعَة مَوَاطِن عِنْد التقاء الصُّفُوف، ونزول الْغَيْث، وَإِقَامَة الصَّلَاة، ورؤية الْكَعْبَة» . وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير» من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا «تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لخمس: لقرأة الْقُرْآن، و (التقاء) الزحفين، ونزول (الْمَطَر) ، ولدعوة الْمَظْلُوم، وَالْأَذَان» ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع إِلَّا حَفْص تفرد بِهِ عَمْرو بن عون الوَاسِطِيّ.
стр. 5464
الحَدِيث الثَّالِث عشر
قَالَ: «وَأَن يكبر من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي «البُخَارِيّ» من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «فتح رَسُول الله ﷺ خَيْبَر بكرَة وَقد خَرجُوا بِالْمَسَاحِي فَلَمَّا نظرُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالُوا: مُحَمَّد وَالْخَمِيس، فَرفع رَسُول الله ﷺ يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ: الله أكبر - ثَلَاث مَرَّات خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
قَالَ: «وَأَن يحرض النَّاس عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْر والثبات» .
هُوَ كَمَا قَالَ: فَفِي «صَحِيح مُسلم» ؛ أَن [أَبَا] مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن [أَبْوَاب] الْجنَّة تَحت ظلال السيوف» و «البُخَارِيّ» مثله من رِوَايَة ابْن أبي أَوْفَى.
стр. 5465
الحَدِيث الْخَامِس عشر
رُوِيَ «أَن النَّبِي ﷺ اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع فِي بعض الْغَزَوَات ورضخ لَهُم» .
هَذَا الحَدِيث، رَوَاهُ الشَّافِعِي فَقَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُف، أبنا الْحسن بن عمَارَة، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «اسْتَعَانَ رَسُول الله ﷺ بيهود بني قينقاع ورضخ لَهُم وَلم يُسهم لَهُم» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث لم أَجِدهُ إِلَّا من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ ضَعِيف، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «اسْتَعَانَ رَسُول الله ﷺ بيهود بني قينقاع فرضخ لَهُم وَلم يُسهم لَهُم» قَالَ الشَّافِعِي: وروينا بإسنادٍ أصح من هَذَا عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ: «خرج رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا خلف ثنية الْوَدَاع إِذا كَتِيبَة، قَالَ: من هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: بني قينقاع وَهُوَ رَهْط عبد الله بن سَلام. قَالَ: وَأَسْلمُوا؟ قَالُوا: لَا بل هم عَلَى دينهم. قَالَ: قل لَهُم فليرجعوا فَإنَّا لَا نستعين بالمشركين» .
وَفِي «مَرَاسِيل أبي دَاوُد» من حَدِيث الزُّهْرِيّ «أَن رَسُول الله ﷺ اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه فَأَسْهم لَهُم» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن رَسُول الله ﷺ [أسْهم] ليهود كَانُوا [غزوا] مَعَه مثل سِهَام الْمُسلمين» . وَفِي
стр. 5466
التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَيْضا «أَن رَسُول الله ﷺ أسْهم لقوم من الْيَهُود قَاتلُوا مَعَه» . ومراسيل الزُّهْرِيّ ضَعِيفَة لَا جرم. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مُنْقَطع. قَالَ الشَّافِعِي: والْحَدِيث الْمُنْقَطع لَا يكون حجَّة.
فَائِدَة: قينقاع قَبيلَة مَعْرُوفَة من الْيَهُود. قَالَ ابْن مَالك فِي «مثلثه» : ونونه مُثَلّثَة، قَالَ: وَهُوَ شعب من الْيَهُود الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ.
الحَدِيث السَّادِس عشر
«أَن صَفْوَان شهد مَعَ النَّبِي ﷺ حَرْب حنين وَهُوَ مُشْرك» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الشَّافِعِي هَكَذَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: أَنه مَعْرُوف فِيمَا بَين أهل الْمَغَازِي.
قلت: وَقد سلف فِي بَاب قسم الصَّدقَات فَليُرَاجع مِنْهُ، وَوَقع فِي «الْكِفَايَة» بعد أَن ذكر أَنه استصحبه مَعَه وَهُوَ مُشْرك، قَالَ: واستصحبه مَعَه فِي غَزْوَة هوَازن، وَهُوَ غَرِيب عَجِيب فَإِنَّهَا وَاحِدَة فحنين اسْم لمَكَان الْقِتَال، وهوازن اسْم للقبيلة الْكَافِرَة الْمُقَاتلَة، وَنَظِير هَذَا مَا وَقع لَهُ فِي كتاب «الْقصاص» الْمطلب حَيْثُ نقل عَن الزُّهْرِيّ وَمُحَمّد بن شهَاب فظنهما اثْنَان و [هما] وَاحِد فَتنبه لَهُ.
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن عَائِشَة ﵂ «أَن النَّبِي ﷺ خرج إِلَى بدر فَتَبِعَهُ رجل من الْمُشْركين فَقَالَ: تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَارْجِع فَلَنْ نستعين
стр. 5467
بمشرك. ثمَّ أَتَاهُ بعد ذَلِك وَوصف الْإِسْلَام فَقبله واستصحبه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» وَفِيه «أَنه قَالَ للنَّبِي (لَا، مرَّتَيْنِ» جَوَابا لقولة النَّبِي ﷺ «تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله؟ وَأَنه آمن فِي الثَّالِثَة» فَإِن قلت كَيفَ [الْجَواب عَن الِاخْتِلَاف] بَين هَذَا الحَدِيث، وَالَّذِي قبله قلت: بأوجه ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب حَيْثُ قَالَ: تحكموا فِي الْجَواب عَن هَذَا الحَدِيث بأوجه. أَحدهَا: أَن الِاسْتِعَانَة كَانَت مَمْنُوعَة ثمَّ رخص فِيهَا.
ثَانِيهَا: [إِنَّمَا لم يستعن] حِينَئِذٍ لفَوَات بعض الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة.
ثَالِثهَا: أَن الْأَمر فِيهِ إِلَى رَأْي الإِمَام فَرَأَى أَن يَسْتَعِين فِي بعض الْغَزَوَات وَلم يره فِي بعض.
رَابِعهَا: أَنه تفرس فِيهِ الرَّغْبَة فِي الْإِسْلَام فَرده رَجَاء أَن يسلم فَصدق ظَنّه. وَهَذَا الْجَواب ذكره الْبَيْهَقِيّ عَن نَص الشَّافِعِي.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
« (أَن رَسُول الله ﷺ ) كَانَ يخرج إِلَى الْغَزْو، وَمَعَهُ عبد الله بن سلول» .
هَذَا مَعْرُوف، أخرجه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَانَ عبد الله
стр. 5468
قد ظهر التخذيل مِنْهُ. قَالَ: والتخذيل هُوَ الَّذِي يتخوف النَّاس بِأَن يَقُول [عَددكم] قَلِيل، وخيولكم ضَعِيفَة، وَلَا طَاقَة لكم بالعدو، وَمَا أشبه ذَلِك. قَالَ: وَتَكَلَّمُوا فِي أَنه لما كَانَ خرج النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ عبد الله بن أبي وحاله هَذَا! فَقيل: كَانَت الصَّحَابَة أقوياء فِي الدَّين لَا يبالون بتخذيله، وَقيل كَانَ النَّبِي ﷺ يطلع بِالْوَحْي عَلَى أَفعاله فَلَا يستضير بكيده.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من جهز غازيًا فِي سَبِيل الله فقد غزا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد تقدم بَيَانه فِي الْبَاب قبله، قَالَ الرَّافِعِيّ وَرُوِيَ «من جهز غازيًا أَو حاجًّا أَو مُعْتَمِرًا فَلهُ مثل أجره» .
قلت: هُوَ فِي «فَضَائِل الْجِهَاد» لِلْحَافِظِ بهاء الدَّين أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم عَلّي بن عَسَاكِر من حَدِيث الْحسن بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف، ثَنَا سوار الْهَمدَانِي، عَن زِيَاد المصفر، عَن ابْن الْحَنَفِيَّة، عَن أَبِيه. قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من جهز حَاجا أَو غازيًا أَو مُعْتَمِرًا أَو خَلفهم فِي أَهله كَانَ لَهُ مثل أُجُورهم من غير أَن ينتقص من أُجُورهم شَيْء» وَفِي «مُعْجم الصَّحَابَة» لِابْنِ قَانِع عَن إِسْحَاق بن الْحسن الْحَرْبِيّ، ثَنَا هَوْذَة بن خَليفَة، ثَنَا عَمْرو بن قيس، عَن عَطاء، عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من جهز غازيًا فِي
стр. 5469
سَبِيل الله أَو خَلفه فِي أَهله كَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا، وَمن جهز حاجًّا أَو خَلفه فِي أَهله كَانَ لَهُ مثل أجر الْحَاج من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا، وَمن فطر صَائِما كَانَ لَهُ مثل أجره» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «المعجم الصَّغِير» من حَدِيث أبي إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب عَن يَعْقُوب بن عَطاء، عَن أَبِيه عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ رَفعه «من جهز غازيًا أَو فطر صَائِما أَو جهز حَاجا كَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا» ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن يَعْقُوب بن عَطاء إِلَّا أَبُو إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب.
الحَدِيث الْعشْرُونَ وحاديه أَيْضا
«أَن النَّبِي ﷺ منع أَبَا بكر ﵁ يَوْم أحد عَن قتل ابْنه عبد الرَّحْمَن، وَأَبا حُذَيْفَة بن عتبَة عَن قتل أَبِيه يَوْم بدر» .
هَذَا الحَدِيث مَشْهُور فِي كتب الْمَغَازِي وَالسير وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، فَقَالَ فِي كتاب الْبُغَاة بَاب مَا يكره لأهل الْعدْل من أَن (يتَعَمَّد) قتل ذِي رَحمَه من أهل الْبَغي اسْتِدْلَالا بِمَا رُوِيَ «أَنه ﵇ كف أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة عَن قتل أَبِيه وَأَبا بكر عَن قتل ابْنه» ثمَّ رَوَى من حَدِيث الْوَاقِدِيّ، عَن ابْن أبي الزِّنَاد، عَن أَبِيه. قَالَ: «شهد أَبُو حُذَيْفَة بَدْرًا ودعا أَبَاهُ عتبَة إِلَى البرَاز فَمَنعه عَنهُ رَسُول الله ﷺ » .
قَالَ الْوَاقِدِيّ: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر لم يزل عَلَى دين قومه
стр. 5470
فِي الشّرك حَتَّى شهد بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين ودعا إِلَى البرَاز فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بكر ليبارزه فَذكر «أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأبي بكر: متعنَا بِنَفْسِك» ، ثمَّ إِن عبد الرَّحْمَن أسلم فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة.
ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَنه وَقع فِي «بسيط الْغَزالِيّ» عَلَى الْعَكْس مِمَّا ذكره الرَّافِعِيّ وَغَيره، فَقَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ حُذَيْفَة وَأَبا بكر عَن قتل أبويهما» وَهُوَ وهم وَكَأَنَّهُ صحف مَا ذكره إِمَامه فِي «نهايته» فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الْبُغَاة «نهَى رَسُول الله ﷺ أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة، وَنَهَى أَبَا بكر عَن قتل ابْنه يَوْم أحد» فصحف ابْنه فِي الثَّانِي بِالْيَاءِ بدل النُّون لَا جرم.
قَالَ ابْن الصّلاح: هَذَا الَّذِي وَقع فِي «الْوَسِيط» وَهُوَ تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ «نهَى أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة عَن قتل أَبِيه وَنَهَى أَبَا بكر عَن قتل ابْنه عبد الرَّحْمَن» فتصحف أَبُو حُذَيْفَة بحذيفة وَفِي أبي بكر ابْنه بالنُّون ثَانِيَة قَالَ: ثمَّ فِي ثُبُوت أصل الحَدِيث بعد سَلَامَته من التَّصْحِيف نظر، وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «تهذيبه» : هَذَا الَّذِي فِي «الْوَسِيط» غلط صَرِيح وتصحيف قَبِيح فِي الاسمين جَمِيعًا فَإِنَّمَا صَوَابه «نهَى أَبَا حُذَيْفَة - واسْمه مهشم وَقيل هشيم - عَن قتل أَبِيه يَوْم بدر وَهُوَ أَبُو حُذَيْفَة ابْن عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَأما أَبُو بكر فَهُوَ الصّديق، فَالصَّوَاب عَن قتل ابْنه بالنُّون، وَهُوَ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَذَلِكَ يَوْم بدر. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من صَوَاب الاسمين هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف الْمَوْجُود فِي كتب الْمَغَازِي وَكتب الحَدِيث الَّذِي ذكر فِيهَا هذَيْن الْحَدِيثين وَلَا خلاف بَينهم فِيمَا ذَكرْنَاهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي «أغاليط الْوَسِيط» المنسوبة
стр. 5471
إِلَيْهِ أَنه غلط مُتَّفق عَلَيْهِ وَلَا يخْفَى عَلَى من عِنْده أدنَى علم من النَّقْل، وَصَوَابه مَا سلف.
تَنْبِيه: من الأوهام أَيْضا مَا قَالَه ابْن دَاوُد من أَن ابْن أبي بكر الصّديق الْمشَار إِلَيْهِ غير مُحَمَّد [و] عبد الرَّحْمَن فَإِنَّهُمَا ولدا فِي الْإِسْلَام، وَمَا أسلفناه عَن الْوَاقِدِيّ فِي عبد الرَّحْمَن يردهُ.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
رُوِيَ «أَن أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁ قتل أَبَاهُ حِين سَمعه يسب النَّبِي فَلم يُنكر النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ صَنِيعه» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب هَكَذَا لَا أعلم من خرجه كَذَلِك وَالَّذِي أعرفهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» ، عَن إِسْمَاعِيل بن سميع الْحَنَفِيّ عَن مَالك بن عُمَيْر. قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي لقِيت الْعَدو، وَلَقِيت أبي فيهم فَسمِعت مِنْهُ مقَالَة قبيحة فطعنته بِالرُّمْحِ فَقتلته فَسكت النَّبِي ﷺ » . ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ: «يَا نَبِي الله، إِنِّي لقِيت أبي فتركته [وأحببت] أَن يَلِيهِ غَيْرِي فَسكت عَنهُ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَقَالَ: إِنَّه مُرْسل جيد.
قلت: لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا تَركه زَائِدَة. قَالَ يَحْيَى الْقطَّان: إِنَّمَا تَركه لِأَنَّهُ كَانَ صُفريًا. قَالَ الْعقيلِيّ: كَانَ يرَى رَأْي الْخَوَارِج، وَقَالَ أَبُو
стр. 5472
نعيم: أَقَامَ جارًا لِلْمَسْجِدِ أَرْبَعِينَ سنة لَا يرَى فِي جُمُعَة وَلَا جمَاعَة. قَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْقطَّان: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَمَالك بن عُمَيْر مخضرم لم تصح صحبته وَإِنَّمَا يروي عَن عَلّي وحالته مَجْهُولَة.
قلت: فَإِن كَانَ هَذَا الرجل الْمُبْهم هُوَ الْجراح صَحَّ مَا قَالَه المُصَنّف، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن الْحَاكِم رَوَى فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمته ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بإسنادهما، عَن عبد الله بن شَوْذَب قَالَ: «جعل أَبُو أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ينصب الْآلهَة لأبي عُبَيْدَة يَوْم بدر وَجعل أَبُو عُبَيْدَة يحيد عَنهُ فَلَمَّا أَكثر الْجراح قَصده أَبُو عُبَيْدَة فَقتله فَأنْزل الله فِيهِ هَذِه الْآيَة حِين قتل أَبَاهُ: (لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم) وَهَذَا مُرْسل عَلَى قَول الْأَكْثَر وَعَلَى قَول من زعم أَن الْمُرْسل لَا يكون إِلَّا من التَّابِعين يكون معضلاً؛ لِأَن عبد الله هَذَا إِنَّمَا يروي عَن التَّابِعين.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
عَن ابْن عمر ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان» .
стр. 5473
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث نَافِع عَنهُ قَالَ: «وجدت امْرَأَة مقتولة فِي مغازي رَسُول الله ﷺ فَنَهَى رَسُول الله ﷺ عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان» وَفِي رِوَايَة لَهما «فَأنْكر رَسُول الله ﷺ قتل النِّسَاء وَالصبيان» .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
«أنَّه ﷺ مر بِامْرَأَة مقتولة فِي بعض غَزَوَاته فَقَالَ: مَا بَال هَذِه تُقتل وَلَا تقَاتل؟ !» .
هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث ريَاح بن ربيع «أَنه خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة غَزَاهَا وَعَلَى مقدمته خَالِد بن الْوَلِيد، فَمر ريَاح وَأَصْحَاب النَّبِي ﷺ عَلَى امْرَأَة مقتولة مِمَّا أَصَابَت المقدِّمة، فوقفوا ينظرُونَ إِلَيْهَا - يَعْنِي: ويعجبون من خلقهَا حَتَّى لحقهم - رَسُول الله ﷺ عَلَى رَاحِلَته فانفرجوا عَنْهَا، فَوقف [عَلَيْهَا] رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَا كَانَت هَذِه لتقاتل. فَقَالَ لأَحَدهم: الْحق خَالِدا فَقل لَهُ: لَا تقتلُوا ذُرِّيَّة وَلَا عسيفًا» وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «لَا [تقتلن] امْرَأَة وَلَا
стр. 5474
عسيفًا» وَأَشَارَ إِلَى هَذَا التِّرْمِذِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن رَبَاح بن الرّبيع وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث حَنْظَلَة بن الرّبيع. أخي ريَاح قَالَ: «غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ فمررنا عَلَى امْرَأَة مقتولة قد اجْتمع عَلَيْهَا النَّاس فأفرجوا لَهُ، فَقَالَ: مَا كَانَت هَذِه لتقاتل فِيمَن يقاتِل. ثمَّ قَالَ لرجل: انْطلق إِلَى خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ: قل لَهُ: إِن رَسُول (يَأْمُرك يَقُول: [لَا تقتلن] ذُرِّيَّة وَلَا عسيفًا» هَذَا لفظ ابْن مَاجَه، وَلَفظ النَّسَائِيّ: «كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة فَمر بِامْرَأَة مقتولة وَالنَّاس عَلَيْهَا ففرجوا لَهُ. فَقَالَ: مَا كَانَت هَذِه تقَاتل. الْحق خَالِدا فَقل لَهُ: لَا تقتل ذُرِّيَّة وَلَا عسيفًا» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن وَابْن جريج عَن أبي الزِّنَاد. وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، عَن المرقع بن صَيْفِي بن رَبَاح أخي حَنْظَلَة الْمكَاتب أَن جده رَبَاح أخبرهُ فَصَارَ الحَدِيث صَحِيحا عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وَقَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : سمع هَذَا الْخَبَر المرقع بن صَيْفِي، عَن حَنْظَلَة الْمكَاتب، وسَمعه من جده وجده رَبَاح بن الرّبيع وهما محفوظان، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : لَا بَأْس
стр. 5475
بِإِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ. فَقَالَ: الصَّحِيح الثَّانِي - يَعْنِي من اللَّذين قدمناهما وَكَذَا فِي «تَارِيخ البُخَارِيّ الْكَبِير» فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث [المرقع] ، عَن رَبَاح، وَمن حَدِيث المرقع عَن حَنْظَلَة ثمَّ قَالَ: وَهَذَا وهم. وَقَالَ بَعضهم: ريَاح وَلم يثبت. هَذَا لَفظه.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: رَبَاح هَذَا يُقَال فِيهِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة ورياح (بِالْيَاءِ) الْمُثَنَّاة تَحت. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: رَبَاح أصح - يَعْنِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَمن قَالَ ريَاح - يَعْنِي بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت - فقد وهم. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَا قَالَ أَبُو عِيسَى - يَعْنِي التِّرْمِذِيّ - وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يُقَال لَهُ ريَاح - يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ تَحت - إِلَّا عَلَى اخْتِلَاف فِيهِ أَيْضا. وَقَالَ الْحَازِمِي - عَلَى مَا نَقله الصريفيني عَنهُ - إِنَّه بِالْمُثَنَّاةِ تَحت هُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ العسكري: إِن بَعضهم صحفه فَقَالَ: بِالْبَاء - يَعْنِي الْمُوَحدَة - فَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الجهم السمري: إِنَّمَا تسمي الْعَرَب العبيد برباح، وَلَا نَعْرِف من الْمَشْهُورين غير رَبَاح بن المغترف.
ثَانِيهَا: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اخْتِلَاف مر بعضه.
قَالَ عبد الْحق: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عمر بن مُرَقع بن صَيْفِي بن رَبَاح بن الرّبيع قَالَ: سَمِعت أبي يحدث، عَن جده رَبَاح بن ربيع. وَرَوَاهُ عَن الْمُغيرَة، عَن أبي الزِّنَاد، عَن المرقع، عَن جده
стр. 5476
رَبَاح. وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أبي الزِّنَاد، عَن المرقع، عَن حَنْظَلَة الْكَاتِب، قَالَ: وَيُقَال حَدِيث سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد وهم، ومرقع بن صَيْفِي سمع ابْن عَبَّاس و [جده] رَبَاح بن الرّبيع وَيُقَال: ريَاح. رَوَى عَنهُ: ابْنه عَمْرو، وَأَبُو الزبير، وَأَبُو الزِّنَاد، ومُوسَى بن عقبَة، وَيُونُس بن إِسْحَاق. وَعمر بن مُرَقع لَا بَأْس بِهِ. قَالَه ابْن معِين وَكَذَا الْمُغيرَة لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَهُوَ الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي.
ثَالِثهَا: ذكر الشَّافِعِي فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن البغداد - فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ - حَدِيث المرقع هَذَا ثمَّ ضعفه بِأَن مرقعًا لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ. وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان أَيْضا فِي «علله» : أَنه لَا يعرف حَاله، وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن حزم فَإِنَّهُ رده بِهِ فِي «محلاه» مُدعيًا جهالته، وَلَك أَن تَقول قد رَوَى عَنهُ جمَاعَة، وَسمع ابْن عَبَّاس ورباحًا، ووثق كَمَا سلف، وَخرج ابْن حبَان وَالْحَاكِم لَهُ فِي «صَحِيحهمَا» وصححا حَدِيثه فَهُوَ إِذا مَعْرُوف الْحَال.
رَابِعهَا: العسيف: أجِير، وَقيل: الشَّيْخ الفاني، وَقيل: العَبْد. حكاهن الْمُنْذِرِيّ، والذرية: الْمَرْأَة. قَالَه الْهَرَوِيّ، وَعند الْجَوْهَرِي: ذُرِّيَّة الرجل: وَلَده.
خَامِسهَا: هَذِه الْغَزْوَة الَّتِي مر النَّبِي ﷺ فِيهَا بِالْمَرْأَةِ المقتولة غَزْوَة خَيْبَر، وَقيل: الخَنْدَق. حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي «كِفَايَته» .
стр. 5477
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
رُوِيَ «أنَّه ﷺ مر بِامْرَأَة مقتولة يَوْم خَيْبَر. فَقَالَ: من قتل هَذِه؟ فَقَالَ رجل: أَنا يَا رَسُول الله، غنمتها فأردفتها خَلْفي، فَلَمَّا رَأَتْ الْهَزِيمَة فِينَا أهوت إِلَى قَائِم سَيفي لتقتلني فقتلتها. فَلم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ » .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» بِنَحْوِهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن وهيب، عَن أَيُّوب، عَن عِكْرِمَة «أَن النَّبِي ﷺ رَأَى امْرَأَة مقتولة بِالطَّائِف. فَقَالَ: ألم أنْه عَن قتل النِّسَاء؟ من صَاحب هَذِه المقتولة؟ قَالَ رجل من الْقَوْم: أَنا يَا رَسُول الله، أردفتها فَأَرَادَتْ أَن تصرعني فتقتلني، فَأمر بهَا رَسُول الله ﷺ أَن توارى» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث حَفْص بن غياث، عَن الْحجَّاج، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس «أَن النَّبِي ﷺ مر بِامْرَأَة يَوْم الخَنْدَق مقتولة. فَقَالَ: من قتل هَذِه؟ فَقَالَ رجل: أَنا يَا رَسُول الله. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: نازعتني سَيفي. فَسكت» .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين واستحيوا شرخهم» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَحْمد فِي «مُسْنده» . فَقَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، ثَنَا الحَجَّاج، عَن قَتَادَة، عَن الْحسن، عَن سَمُرَة مَرْفُوعا
стр. 5478
بدل: «اسْتَحْيوا» وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب.
قلت: وَفِيه نظر؛ فَإِن فِي إِسْنَاده سعيد بن بشير، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَضْعِيفه كَمَا سلف وَاضحا فِي بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة، وَفِي إِسْنَاد أبي دَاوُد وَأحمد حجاج بن أَرْطَاة وَقد ضَعَّفُوهُ، وَقد ضعف عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» الحَدِيث بهما. فَقَالَ: بعد هَذَا عِلّة أُخْرَى وَهِي الْخلاف فِي سَماع الْحسن من سَمُرَة، وَقد أوضحنا لَك مذاهبهم فِي ذَلِك فِي بَاب صفة الصَّلَاة.
فَائِدَة: الشرخ جمع شارخ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفسّر بالمراهقين. قلت: يُؤَيّدهُ سِيَاق الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب «الْمعرفَة» إِذْ فِي آخِره: بِمَعْنى الصغار. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فَإِذا كَانَ المُرَاد بالشرخ الصغار فَالْمُرَاد بالشيوخ فِي مُقَاتلَتهمْ الرِّجَال المطلقون. وَفِي «معالم الْخطابِيّ» : يُرِيد بالشرخ الصغار وَمن لم يبلغ مبلغ الرِّجَال والشيوخ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الشَّبَاب، أَرَادَ بهم الصغار الَّذين لم يبلغُوا الْحلم. قَالَ: وَمِنْه أَرَادَ بالشرخ أهل الْجلد الَّذين يصلحون للْملك والخدمة. وَفِي «جَامع المسانيد» لِابْنِ الْجَوْزِيّ: قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: فالشيخ لَا يكَاد يسلم، والشاب أقرب إِلَى الْإِسْلَام، والشرخ: الشَّاب.
стр. 5479
تَنْبِيه: حَدِيث ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه «قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا بعث سَرِيَّة - قَالَ: لَا تقتلُوا شَيخا كَبِيرا» قد يُعَارض حَدِيث سَمُرَة هَذَا، وَهُوَ حَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ فِي «شرح الْآثَار» بإسنادٍ كل رِجَاله ثِقَات إِلَّا عَلّي بن [عَابس] فَإِنَّهُ مُتَكَلم فِيهِ وَأخرج لَهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تقتلُوا النِّسَاء وَلَا أَصْحَاب الصوامع» .
هَذَا الحَدِيث رَوَى أَحْمد بعضه من حَدِيث ابْن أبي حَبِيبَة، عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا بعث جيوشه قَالَ: اخْرُجُوا بِسم الله، قَاتلُوا فِي سَبِيل الله من كفر، لَا تغلوا، وَلَا تغدروا، وَلَا تمثلوا، وَلَا تقتلُوا الْولدَان وَلَا أَصْحَاب الصوامع» أعله ابْن حزم فِي «محلاه» بِابْن أبي حَبِيبَة. لكنه وَقع فِي النُّسْخَة: إِبْرَاهِيم بن أبي لَبِيبَة وَهُوَ تَصْحِيف من النَّاسِخ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث خَالِد بن زيد. قَالَ: «خرج رَسُول الله ﷺ -
стр. 5480
مشيعًا لأهل مُؤْتَة حَتَّى بلغ ثنية الْوَدَاع فَوقف ووقفوا حوله فَقَالَ: اغزوا بِسم الله، فَقَاتلُوا عَدو الله وَعَدُوكُمْ بِالشَّام، وستجدون فيهم رجَالًا فِي الصوامع معتزلين من النَّاس فَلَا تعرضوا لَهُم، وستجدون آخَرين للشَّيْطَان فِي رُءُوسهم مفاحص فافلقوها بِالسُّيُوفِ، وَلَا تقتلُوا امْرَأَة وَلَا صَغِيرا ضرعًا وَلَا كَبِيرا فانيًا، وَلَا تقطعن شَجَرَة، وَلَا تعقرن نخلا، وَلَا تهدموا بَيْتا» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع وَضَعِيف. وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلّي ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا بعث جَيْشًا من الْمُسلمين إِلَى الْمُشْركين قَالَ: انْطَلقُوا بِسم الله» وَفِيه: «لَا تقتلُوا وليدًا طفْلا وَلَا امْرَأَة وَلَا شَيخا كَبِيرا، وَلَا تغورنَّ عينا، وَلَا تعقرن شَجرا إِلَّا شَجرا يمنعكم قتالاً أَو يحجز بَيْنكُم وَبَين الْمُشْركين، وَلَا تمثلوا بآدمي وَلَا بَهِيمَة، وَلَا تعذبوا وَلَا تغلوا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِي إِسْنَاده إرْسَال وَضعف. قَالَ: وَهُوَ بشواهده مَعَ مَا فِيهِ من الْإِرْسَال يقوى.
وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث جرير قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا بعث سَرِيَّة قَالَ: بِسم الله وَفِي سَبِيل الله وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله، لَا تغلوا، وَلَا تغدروا، وَلَا تمثلوا، وَلَا تقتلُوا الْولدَان» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد، فِيهِ ابْن لَهِيعَة وَغَيره، وَلَيْسَ لَهُ أصل بالعراق.
стр. 5481
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
«أنَّه ﷺ قَالَ لخَالِد بن الْوَلِيد: لَا تقتل عسيفًا وَلَا امْرَأَة» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه قَرِيبا وَاضحا.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
«أنَّه ﷺ قطع نخل بني النَّضِير» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحهمَا» من حَدِيث ابْن عمر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ حرق نخل بني النَّضِير وَقطع وَحرق البويرة» قَالَ: وَلها يَقُول حسان بن ثَابت:
- وَهَان عَلَى سراة لوي حريق بالبويرة مستطير.
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث:
أدام الله ذَلِك من صَنِيع
وَحرق فِي نَوَاحِيهَا السعير
ستعلم أَيّنَا لنا مِنْهَا بنزه
وَتعلم أَي أرضينا تصير
هَذَا لفظ إِحْدَى روايتي البُخَارِيّ وَلَفظ مُسلم. وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى لَهُ «أَنه ﵇ قطع نخل بني النَّضِير وَحرق. وَلها يَقُول حسان:
وَهَان ... الْبَيْت.
وَفِي ذَلِك نزلت (مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة عَلَى أُصُولهَا فبإذن الله ... ) الْآيَة.
стр. 5482
وَفِي رِوَايَة للبيهقي بعد.
وَهَان عَلَى سراة ... الْبَيْت.
تركْتُم قدركم لَا شَيْء فِيهَا
وَقدر الْقَوْم حامية تَفُور
وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين بعد تصير:
فَلَو كَانَ النّخل بهَا ركانا
لقالوا لَا مقَام لكم فسيروا
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وأجابه جبل بن حوار الثَّعْلَبِيّ أَيْضا فَذكر أبياتًا آخرهَا: تركْتُم قدركم ... الْبَيْت.
فَائِدَة: قَالَ الْحَازِمِي فِي «المؤتلف والمختلف» : البويرة - بِضَم الْبَاء وَفتح الْوَاو - من منَازِل الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ.
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
«أَن دُريد بن الصمَّة قتل يَوْم حنين وَقد نَيف عَلَى الْمِائَة، وَكَانُوا قد استحضروه ليدبر لَهُم الْحَرْب فَلم يُنكر النَّبِي ﷺ » .
هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الشَّافِعِي فَقَالَ: «قتل يَوْم حنين دُرَيْد بن الصمَّة ابْن خمسين وَمِائَة سنة فِي شجار وَلَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس، فَذكر للنَّبِي (فَلم يُنكر قَتله» .
وَالْمَاوَرْدِيّ قَالَ: «إِنَّه قتل وَرَسُول الله ﷺ يرَاهُ فَلم ينْه عَنهُ» . ثمَّ قَالَ: كَانَ عُمره مائَة [و] خمس وَعِشْرُونَ سنة.
стр. 5483
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن يسَار فِي قصَّة أَوْطَاس: «فَأدْرك ربيعَة بن رفيع دُرَيْد بن الصمَّة فَأخذ بِخِطَام جمله وَهُوَ يظنّ أَنه امْرَأَة، وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي شجار لَهُ فَإِذا هُوَ بِرَجُل، فَأَنَاخَ بِهِ فَإِذا هُوَ شيخ كَبِير وَإِذا هُوَ دُرَيْد بن الصمَّة وَلَا يعرفهُ الْغُلَام، فَقَالَ دُرَيْد: [مَاذَا] تُرِيدُ؟ قَالَ: قَتلك. قَالَ: وَمن أَنْت؟ قَالَ أَنا ربيعَة بن رفيع السّلمِيّ. ثمَّ ضربه بِسَيْفِهِ فَلم يغن شَيْئا. قَالَ دُرَيْد: بئس مَا سلحتّك أمك، خُذ سَيفي هَذَا من مُؤخر الشجار، ثمَّ اضْرِب بِهِ، وارفع عَن الْعِظَام، واخفض عَن الدِّمَاغ فَإِنِّي بذلك كنت [اقْتُل] الرِّجَال. فَقتله» . وأصل قتلة دُرَيْد ثَابِتَة فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ: لما فرغ رَسُول الله ﷺ من حنين بعث أَبَا عَامر عَلَى جَيش إِلَى أَوْطَاس فلقي دُرَيْد بن الصمَّة فَقتله وَهزمَ الله أَصْحَابه» .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ
عَن ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ: «أَن رجلَيْنِ أَتَيَا رَسُول الله ﷺ رسولين لمُسَيْلمَة، فَقَالَ لَهما: [أتشهدان] أَنِّي رَسُول الله؟ فَقَالَا: نشْهد أَن مُسَيْلمَة رَسُول الله. فَقَالَ: إِنِّي لَو كنت قَاتلا رَسُولا لضَرَبْت أعناقكما» . فجرت السّنة أَن لَا تقتل الرُّسُل.
стр. 5484
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هَكَذَا الإمامان أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وسميا فِي روايتهما الرجلَيْن أَحدهمَا: عبد الله ابْن النواحة، وَالثَّانِي: ابْن أَثَال وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد «أَن ابْن مَسْعُود قَالَ لخرشة: قُم فَاضْرب عُنُقه. فَقَامَ فَضرب عُنُقه بعد موت رَسُول الله ﷺ » .
وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد من حَدِيث سَلمَة بن نعيم بن مَسْعُود، عَن أَبِيه قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول حِين جَاءَهُ رَسُولا مُسَيْلمَة الْكذَّاب بكتابه وَرَسُول الله ﷺ يَقُول لَهما: وأنتما تقولان مثل مَا يَقُول؟ قَالَا: نعم. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا تقتل لضَرَبْت أعناقكما» فَكَمَا قَالَ الْحَاكِم هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، ذكر ذَلِك فِي أَوَاخِر كتاب فَضَائِل رَسُول الله ﷺ من «مُسْتَدْركه» وَذكره فِي كتاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة من هَذَا الْوَجْه أَيْضا، ثمَّ قَالَ فِي هَذَا: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم.
قلت: وَفِي إِسْنَاد كل مِنْهُمَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب «الْمَغَازِي» وَهُوَ من رجال مُسلم مُتَابعَة لَا اسْتِقْلَالا، وَقد عنعن فِي هَذَا الْموضع، وَصرح بِالتَّحْدِيثِ فِي الْموضع الأول [فانجبر] أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَعَزاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» إِلَى رِوَايَة الشَّافِعِي فَقَالَ: وَعند الشَّافِعِي عَن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّك رَسُول - يَعْنِي: رَسُول مُسَيْلمَة - لقتلتك» قَالَ الشَّيْخ: وَهُوَ فِي الصَّحِيح فِي قصَّة بِمَعْنَاهُ. وَرَوَى أَبُو نعيم فِي
стр. 5485
«معرفَة الصَّحَابَة» فِي تَرْجَمَة وبر بن مشهر «الْحَنَفِيّ أَن مُسَيْلمَة بَعثه هُوَ وَابْن شغَاف الْحَنَفِيّ وَابْن نواحة، فَأَما [وبر] فَإِنَّهُ أسلم، وَأما الْآخرَانِ فَإِنَّهُمَا شَهدا أَنه رَسُول الله وَأَن مُسَيْلمَة من بعده فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «خذوهما. فأُخذا، فأُخرج بهما إِلَى الْمبيت فحبسا. فَقَالَ رجل: هبهما لي يَا رَسُول الله. فَفعل» .
وَفِي إِسْنَاده مُوسَى بن يَعْقُوب وَالظَّاهِر أَنه الزمعِي الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ حَصَر أهل الطَّائِف شهر» .
أمَّا كَونه ﵇ حاصَر أهل الطَّائِف فَذَلِك ثَابت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيرهمَا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث أنس بن مَالك بعد أَن ذكر قصَّة فتح مَكَّة «ثمَّ انطلقنا إِلَى الطَّائِف فحاصرناهم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ رَجعْنَا إِلَى مَكَّة» وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» أبي عبد الله، عَن مُصعب بن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه قَالَ: «افْتتح رَسُول الله ﷺ مَكَّة ثمَّ انْصَرف إِلَى الطَّائِف فَحَاصَرَهُمْ سَبْعَة أَو ثَمَانِيَة» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
стр. 5486
قلت: فِيهِ نظر؛ لِأَن فِي إِسْنَاده طَلْحَة بن جبر وَلَيْسَ بعمدة.
قَالَ السَّعْدِيّ: هُوَ مَذْمُوم فِي حَدِيثه غير ثِقَة، وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ فَقَالَ مرّة: لَا شَيْء. وَقَالَ مرّة: ثِقَة. وَأما كَونه حاصرها شهرا فَأخْرجهُ (أَبُو) دَاوُد فِي «مراسيله» ، عَن ابْن بشار، ثَنَا يَحْيَى بن سعيد، عَن سُفْيَان، عَن ثَوْر، عَن مَكْحُول «أَن رَسُول الله ﷺ نصب عَلَى أهل الطَّائِف المنجنيق» ثمَّ رَوَى أَيْضا، عَن أبي صَالح - وَهُوَ مَحْبُوب بن مُوسَى - عَن أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يَحْيَى - وَهُوَ ابْن أبي كثير - قَالَ: «حَاصَرَهُمْ رَسُول الله ﷺ شهرا» فَقلت: أبلغك أَنه رماهم (بالمجانيق) ؟ فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ: مَا نَعْرِف مَا هَذَا. وَرَوَى فِي «سنَنه» من طَرِيقين «أَنه ﵇ حَاصَرَهُمْ بضعَة عشر لَيْلَة» وَمن طَرِيق ثَالِث عَن أبي عُبَيْدَة «أَنه ﵇ حاصر أهل الطَّائِف وَنصب عَلَيْهِم المنجنيق سَبْعَة عشر يَوْمًا» قَالَ أَبُو قلَابَة: وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث. قَالَ [الْبَيْهَقِيّ] كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنه كَانَ يُنكر عَلَيْهِ وصل إِسْنَاده قَالَ: وَيحْتَمل أَنه
стр. 5487
إِنَّمَا أنكر رميهم يَوْمئِذٍ [بالمجانيق] فقد رَوَى أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» ثمَّ ذكر الْمُرْسل الثَّانِي لأبي دَاوُد ثمَّ قَالَ: كَذَا قَالَ: لم يبلغهُ. وَزعم غَيره أَنه بلغه، ثمَّ ذكر الْمُرْسل الأول من مَرَاسِيل أبي دَاوُد، ثمَّ قَالَ: وَقد ذكره الشَّافِعِي أَيْضا فِي الْقَدِيم. ثمَّ قَالَ: وَقد ذكره الْوَاقِدِيّ عَن شُيُوخه كَمَا ذكره مَكْحُول، وَزعم أَن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان الْفَارِسِي.
فَائِدَة: الطَّائِف بلد مَعْرُوف عَلَى مرحلَتَيْنِ من مَكَّة من جِهَة الْمشرق.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ شن الْغَارة عَلَى بني المصطلق» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحهمَا» من حَدِيث عبد الله بن عون. قَالَ: «كتبت إِلَى نَافِع أسأله عَن الدُّعَاء قبل الْقِتَال. فَكتب إليَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام، وَقد أغار رَسُول الله ﷺ عَلَى بني المصطلق وهم غَارونَ وأنعامهم تسقى عَلَى المَاء، فَقتل مُقَاتلَتهمْ وسبى ذَرَارِيهمْ، وَأصَاب يَوْمئِذٍ جوَيْرِية» . حَدثنِي بِهِ عبد الله بن [عمر] وَكَانَ فِي ذَلِك الْجَيْش.
فَائِدَة: غَزْوَة بني المصطلق هِيَ غَزْوَة الْمُريْسِيع. قَالَه البُخَارِيّ. قَالَ: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَذَلِكَ سنة سِتّ. وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: سنة أَربع. وَقَالَ النُّعْمَان بن رَاشد، عَن الزُّهْرِيّ: كَانَ حَدِيث الْإِفْك فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع.
стр. 5488
فَائِدَة أُخْرَى: ادَّعَى ابْن شاهين فِي «ناسخه ومنسوخه» نسخ حَدِيث ابْن عَبَّاس: «مَا قَاتل رَسُول الله ﷺ قوما حَتَّى دعاهم» بِحَدِيث ابْن عمر هَذَا، قَالَ: والناسخ هُوَ قَول نَافِع «إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام» وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ، وَقد تعقبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ الْحَافِظ فِي كِتَابه «الْإِعْلَام» فِي الْفَنّ الْمَذْكُور، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا قَول من يعرف النَّاسِخ والمنسوخ بِأَنَّهُ ﵇ لم يُقَاتل قوما إِلَّا بعد أَن دعاهم؛ لِأَنَّهُ لما شاعت الدعْوَة افْتتح اتساعها ومرورها عَلَى أسماعهم مرَارًا، فَلَمَّا أصروا عَلَى الْكفْر صَارَت الإغارة عَلَيْهِم عَلَى غرتهم من غير تَحْدِيد دَعْوَة حِينَئِذٍ.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ أَمر بالبيات» .
الَّذِي ورد فِي التبييت مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحهمَا» من حَدِيث الصعب بن جثَّامة ﵁ «أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يسْأَل أهل الدَّار من الْمُشْركين يبيتُونَ فيصاب من نِسَائِهِم وذراريهم. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : هم مِنْهُم» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مَا ورد فِي إِبَاحَة التبييت. قَالَ: وَاحْتج الشَّافِعِي أَيْضا فِي إِبَاحَة التبييت بِحَدِيث ابْن عمر فِي قصَّة بني المصطلق الحَدِيث الَّذِي قبله.
فَائِدَة: كَانَ الزُّهْرِيّ إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول إِنَّه مَنْسُوخ
стр. 5489
بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان» وَكَذَا ادَّعَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وقبلهما سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأنكر الشَّافِعِي ذَلِك. وَلما نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «الْإِعْلَام» نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه، عَن الزُّهْرِيّ. قَالَ: لَيْسَ قَوْله بِصَحِيح، وَإِنَّمَا النَّهْي عَن تعمد النِّسَاء وَالصبيان بِالْقَتْلِ، وَحَدِيث الصعب فِيمَا لم يتَعَمَّد، فَلَا تنَاقض.
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ نصب المنجنيق عَلَى أهل الطَّائِف» .
هَذَا الحَدِيث سلف قَرِيبا وَاضحا.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» فِي بَاب الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة، عَن وَكِيع، عَن رجل، عَن ثَوْر بن يزِيد الْحِمصِي «أَن النَّبِي ﷺ نصب المنجنيق عَلَى أهل الطَّائِف» .
قَالَ قُتَيْبَة: قلت لوكيع: من هَذَا - يَعْنِي الرجل؟ قَالَ: صَاحبكُم عمر بن هَارُون. قلت: وَهُوَ ضَعِيف.
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ
«أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْمُشْركين يبيتُونَ فيصاب من نِسَائِهِم وذراريهم؟ فَقَالَ هم مِنْهُم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف.
стр. 5490
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ نهَى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد سلف قَرِيبا.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّلَاثِينَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «زَوَال الدُّنْيَا أَهْون عِنْد الله من قتل مُسلم» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي أول الْخراج وَاضحا.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ عدَّ الْفِرَار من الزَّحْف من الْكَبَائِر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف بَيَانه فِي بَاب حد الْقَذْف.
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ
«أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت لَو انغمست فِي الْمُشْركين فقاتلتهم حَتَّى قتلت، أَلِي الْجنَّة؟ قَالَ: نعم. فانغمس الرجل فِي صف الْمُشْركين فقاتل حَتَّى قتل» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» من رِوَايَة ثَابت عَن أنس «أَن رجلا أسود أَتَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي رجل أسود، منتن الرّيح، قَبِيح الْوَجْه، لَا مَال لي، فَإِن أَنا قَاتَلت هَؤُلَاءِ حَتَّى أقتل فَأَيْنَ أَنا؟ قَالَ: فِي الْجنَّة. فقاتل حَتَّى قتل. فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ -
стр. 5491
فَقَالَ: قد بيض الله وَجهك، وَطيب رِيحك، وَأكْثر مَالك - وَقَالَ لهَذَا أَو لغيره -: لقد رَأَيْت زَوجته من الْحور الْعين نازعة جُبَّة لَهُ من صوف تدخل بَينه وَبَين جبته» وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم.
وَقَالَ الشَّافِعِي: «حمل رجل من الْأَنْصَار حاسرًا عَلَى جمَاعَة الْمُشْركين يَوْم بدر بعد إِعْلَام النَّبِي ﷺ إِيَّاه بِمَا فِي ذَلِك من الْخَيْر فَقتل» قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : هُوَ عَوْف بن عفراء فِيمَا ذكره ابْن إِسْحَاق عَن عمر بن عَاصِم، عَن قَتَادَة قَالَ: «وَلما التقَى النَّاس يَوْم بدر قَالَ عَوْف بن عفراء بن الْحَارِث: يَا رَسُول الله، مَا يضْحك الرب ﵎ من [عَبده] ؟ قَالَ: أَن يرَاهُ غمس يَده فِي الْقِتَال يُقَاتل حاسرًا فَنزع عَوْف درعه ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل» .
قلت: وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث جَابر بن عبد الله قَالَ: «قَالَ رجل: أَيْن أَنا يَا رَسُول الله إِن قتلت؟ [قَالَ] : فِي الْجنَّة؟ فَألْقَى تمرات كن فِي يَده، ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل» وَفِي رِوَايَة «قَالَ رجل للنَّبِي (يَوْم أحد ... .» .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْأَرْبَعين
«أَن عليًّا ﵁ وَحَمْزَة وَعبيدَة بن الْحَارِث ﵃ بارزوا يَوْم بدر عتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة والوليد بن عتبَة فَأمر النَّبِي ﷺ لما طلبُوا أُولَئِكَ ذَلِك» .
стр. 5492
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَلّي - كرم الله وَجهه - قَالَ: «لما كَانَ يَوْم بدر تقدم عتبَة بن ربيعَة وَتَبعهُ ابْنه وَأَخُوهُ فَنَادَى: من يبارز؟ فَانْتدبَ لَهُ شباب من الْأَنْصَار. فَقَالَ: مِمَّن أَنْتُم؟ فَأَخْبرُوهُمْ. فَقَالُوا: لَا حَاجَة لنا فِيكُم، إِنَّمَا أردنَا بني عمنَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : قُم يَا حَمْزَة، قُم يَا عَلّي، قُم يَا عُبَيْدَة بن الْحَارِث. فَأقبل حَمْزَة إِلَى عتبَة، وَأَقْبَلت إِلَى شيبَة، وَاخْتلفت بَين عُبَيْدَة والوليد ضربتان فأثخن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه، ثمَّ ملنا عَلَى الْوَلِيد فقتلناه واحتملنا عُبَيْدَة» وَفِي رِوَايَة للبيهقي فَقَالُوا: «نعم أكفاء كرام، ثمَّ أقبل حَمْزَة ... » بِمثل مَا تقدم، وَرَوَى البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَن قيس بن عبَادَة، عَن عليّ قَالَ: «أَنا أول (من يجثو للخصومة) بَين يَدي الرَّحْمَن يَوْم الْقِيَامَة» . قَالَ قيس بن عباد: «وَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة (هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم) قَالَ: هم الَّذين تبارزوا يَوْم بدر: عليّ وَحَمْزَة وَعبيدَة بن الْحَارِث، وَشَيْبَة بن ربيعَة وَعتبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة» . وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن عليًّا قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي مبارزتنا يَوْم بدر (هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم) » .
وَرَوَى هُوَ وَمُسلم وَهُوَ أحسن حَدِيث فِيهِ، عَن قيس بن عباد
стр. 5493
قَالَ: «سَمِعت أَبَا ذَر يقسم قسما أَن (هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم) أَنَّهَا نزلت فِي الَّذين بارزوا يَوْم بدر: حَمْزَة وعليّ وَعبيدَة بن الْحَارِث وَعتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة والوليد بن عتبَة» .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «أَن عليًّا - كرم الله وَجهه - بارز يَوْم الخَنْدَق عَمْرو بن عبد ود» .
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد [ذكره] الإِمَام الشَّافِعِي هَكَذَا وأسنده الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق. قَالَ: «خرج - يَعْنِي يَوْم الخَنْدَق - عَمْرو بن عبد ود فَنَادَى: من يبارز؟ فَقَامَ عَلّي ﵁ وَهُوَ مقنع فِي الْحَدِيد. فَقَالَ: أَنا لَهَا يَا نَبِي الله. فَقَالَ: إِنَّه عَمْرو، أَجْلِس. فَنَادَى عَمْرو: أَلا رجل وَهُوَ يؤنبهم وَيَقُول: أَيْن جنتكم الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنه من قتل مِنْكُم دَخلهَا، (أَفلا تُبْرِزوا إليَّ رجلٌ) ؟ فَقَامَ عليّ ﵁. فَقَالَ: أَنا يَا رَسُول الله. فَقَالَ: اجْلِسْ. فَنَادَى الثَّالِثَة وَذكر شعرًا. فَقَامَ عَلّي فَقَالَ: أَنا يَا رَسُول الله. فَقَالَ: إِنَّه عَمْرو. قَالَ: وَإِن كَانَ عمرا. فَأذن لَهُ رَسُول الله ﷺ [فَمَشى إِلَيْهِ] حَتَّى أَتَاهُ وَذكر شعرًا. فَقَالَ لَهُ عَمْرو: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا عَلّي.
стр. 5494
قَالَ: ابْن عبد منَاف؟ فَقَالَ: أَنا عَلّي بن أبي طَالب. فَقَالَ: غَيْرك يَا ابْن أخي من أعمامك من هُوَ أسن مِنْك؛ فَإِنِّي أكره أَن أهريق دمك. فَقَالَ عليّ ﵁: لكني وَالله مَا أكره أَن أهريق دمك. فَغَضب وَنزل وسل سَيْفه كَأَنَّهُ شعلة نَار، ثمَّ أقبل نَحْو عَلّي ﵁ مغضبًا، واستقبله عَلّي ﵁ بدرقته، فَضَربهُ عَمْرو فِي الدرقة فقدها وَأثبت فِيهَا السَّيْف، وَأصَاب رَأسه فَشَجَّهُ، وضربه عَلّي كرم الله وَجهه عَلَى حَبل العاتق فَسقط، وثار العجاج، وَسمع رَسُول الله ﷺ التَّكْبِير فَعرف أَن عليًّا ﵁ قَتله» وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» من حَدِيث بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «لمبارزة عَلّي لعَمْرو بن عبد ود [يَوْم الخَنْدَق] أفضل من أَعمال أمتِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة» .
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا شَاهد عَجِيب لما تقدم.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: «وبارز مُحَمَّد بن [مسلمة] ﵁ يَوْم خَيْبَر مرْحَبًا» .
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد ذكره الشَّافِعِي أَيْضا، فَقَالَ: «بارز مُحَمَّد بن [مسلمة] مرْحَبًا يَوْم خَيْبَر بِأَمْر النَّبِي ﷺ » ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق - وَمن السِّيرَة نقلت وَإنَّهُ أكمل رِوَايَة من
стр. 5495
الْبَيْهَقِيّ - قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن سهل أَخُو بني حَارِثَة، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: «خرج مرحب الْيَهُودِيّ من حصن خَيْبَر قد جمع سلاحه، وَهُوَ يرتجز، وَيَقُول:
قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب
شاكي السِّلَاح بَطل مجرب
أطعن أَحْيَانًا وحينًا أضْرب
إِذا الكثوب أَقبلت تحرَّب
إِن حِمَاي للحما لَا لَا يقرب
وَهُوَ يَقُول: من يبارز. فَأَجَابَهُ كَعْب بن مَالك. فَقَالَ:
قد علمت خَيْبَر أَنِّي كَعْب
مفرج الغمى جريء صلب
إِذا نشبت الْحَرْب ثمَّ الْحَرْب
معي حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حَتَّى يذلَّ الصعب
نعطي الْجَزَاء أَو نفي النهب
بكف مَاض لَيْسَ فِيهِ (عيب)
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من [لهَذَا] ؟ فَقَالَ مُحَمَّد بن [مسلمة] : أَنا [لَهُ] يَا رَسُول الله، أَنا واللهِ الموتور الثائر؛ قتلوا أخي بالْأَمْس. قَالَ: قُم إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أعنه عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا دنا أَحدهمَا من صَاحبه دخلت بَينهمَا شَجَرَة عمرية من شجر العُشر، فَجعل أَحدهمَا يلوذ بهَا من صَاحبه، كلما لَاذَ بهَا مِنْهُ اقتطع صَاحبه بِسَيْفِهِ مَا دونه مِنْهَا، حَتَّى برز كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه وَصَارَت بَينهمَا كَالرّجلِ الْقَائِم مَا فِيهَا فنن، ثمَّ
стр. 5496
حمل مرحب عَلَى مُحَمَّد بن [مسلمة] فَضَربهُ، فاتقاه بالدرقة فَوَقع بِسَيْفِهِ فِيهَا فعضت بِهِ فأمسكته، وضربه مُحَمَّد بن [مسلمة] حَتَّى قَتله» .
وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: عَلَى أَن الْأَخْبَار متواترة بأسانيد كَثِيرَة أَن قَاتل مرحب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلّي كرم الله وَجهه.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى أَنه بارزه عَلّي ﵁ أَيْضا.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَهِي روايه صَحِيحَة أخرجهَا مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ: «قدمنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ » فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ. قَالَ: «فَأرْسل رَسُول الله ﷺ إِلَى عَلّي ﵁ يَدعُوهُ وَهُوَ أرمد. فَقَالَ: لَأُعْطيَن الرَّايَة الْيَوْم رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله. فَقَالَ: فَأتيت عليًّا فَجئْت بِهِ أقوده وَهُوَ أرمد حَتَّى أتيت بِهِ رَسُول الله ﷺ فبصق فِي عينه فبرئ. وَخرج مرحب فَقَالَ:
قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب
شاكي السِّلَاح بَطل مجرب
إِذا الحروب أَقبلت تلهَّب
فَقَالَ عَلّي رضى الله عَنهُ:
أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدرة
كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
стр. 5497
قَالَ: فَضرب رَأس مرحب فَقتله، ثمَّ كَانَ الْفَتْح عَلَى يَده» .
وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ بأخصر من هَذَا. ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَيروَى وَفِي رِوَايَة: «فاختلفا ضربتين فبدره عَلّي فَضَربهُ فقدَّ الْحجر والمغفر وَرَأسه وَوَقع فِي الأضراس» وَفِي رِوَايَة. قَالَ: «فَجئْت بِرَأْسِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ » وَقد أسلفنا فِي بَاب قسم الْفَيْء الِاخْتِلَاف فِي أَن عليًّا هُوَ الَّذِي قتل أم مُحَمَّد بن [مسلمة] ، وَذكرنَا أَن الْأَصَح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر السّير أَن عليًّا هُوَ الَّذِي قَتله.
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: «وبارز الزبير ﵁ [ياسرًا] » .
هُوَ كَمَا قَالَ. وَقد ذكره الشَّافِعِي كَذَلِك. قَالَ ابْن إِسْحَاق ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي قصَّة الخَنْدَق: «ثمَّ خرج يَاسر فبرز لَهُ الزبير. فَقَالَت صَفِيَّة لما برز إِلَيْهِ الزبير: يَا رَسُول الله، يقتل ابْني. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : بل ابْنك يقْتله إِن شَاءَ الله. فَخرج الزبير وَهُوَ يرتجز، ثمَّ التقيا فَقتله الزبير» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ ذكر أَن عليًّا هُوَ الَّذِي قتل ياسرًا.
стр. 5498
الحَدِيث السَّادِس وَالسَّابِع بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «أَن عوفًا ومعوذًا ابْني عفراء خرجا يَوْم بدر فَلم يُنكر عَلَيْهِمَا رَسُول الله ﷺ » .
هُوَ كَمَا قَالَ. وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَنْهُمَا. وَقد سلف وَاضحا فِي كتاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «أَن عبد الله بن رَوَاحَة خرج يَوْم بدر إِلَى البرَاز، وَلم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ » .
هُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق عَن عَاصِم بن عمر، [بن] قَتَادَة «أَن عتبَة بن ربيعَة خرج بأَخيه شيبَة وَابْنه الْوَلِيد حَتَّى وصل من الصَّفّ دَعَا إِلَى المبارزة فَخرج إِلَيْهِ ثَلَاثَة نفر من الْأَنْصَار: عبد الله بن رَوَاحَة ومعوذ وعَوْف ابْنا عفراء. فَقَالُوا: من أَنْتُم؟ قَالَ: نَحن رَهْط من الْأَنْصَار. فَقَالُوا: أكفاء كرام، مَا لنا بكم حَاجَة، إِنَّا نُرِيد قَومنَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : قُم يَا عُبَيْدَة بن الْحَارِث، وقم يَا حَمْزَة، وقم يَا عَلّي. فَفَعَلُوا، فَلَمَّا دنوا مِنْهُم. قَالُوا: من أَنْتُم؟ فانتسبوا. فَقَالُوا: أكفاء كرام» ذكر هَذَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي كِتَابه «فَضَائِل الْجِهَاد» من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم. قَالَ: أَخْبرنِي غير وَاحِد عَن ابْن إِسْحَاق. . فَذكره. وَكَانَ السِّيَاق أَولا فِي حَدِيث بدر.
стр. 5499
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: فِي نقل رُءُوس الْكفَّار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَجْهَان: أَحدهمَا: لَا يكره؛ لِأَن أَبَا جهل لما قتل حمل رَأسه. وأصحهما: أَنه يكره، وَهُوَ الَّذِي أوردهُ أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَاضِي الرَّوْيَانِيّ، قَالُوا: مَا حمل إِلَى رَسُول الله ﷺ رَأس كَافِر قطّ، وَحمل إِلَى عُثْمَان رُءُوس جمَاعَة من الْمُشْركين فَأنكرهُ. وَقَالَ: مَا فعل هَذَا فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَلَا فِي أَيَّام أبي بكر وَعمر ﵄، وَمَا رُوِيَ من حمل الرَّأْس إِلَى أبي بكر فقد تكلمُوا فِي ثُبُوته، وَبِتَقْدِير الثُّبُوت فَإِنَّهُ حمل فِي الْوَقْعَة من مَوضِع إِلَى مَوضِع وَلم ينْقل من بلدٍ إِلَى بلد، فكأنهم أَرَادوا أَن ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيتحققوا بِمَوْتِهِ.
هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ. وَقد اشْتَمَل عَلَى حَدِيث وأثرين، أما الحَدِيث وَهُوَ حمل رَأس أبي جهل فَأخْرجهُ أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» فِي تَرْجَمَة معَاذ بن عَمْرو بن الجموح قَاتله وَأَن ابْن مَسْعُود حزَّها وَجَاء بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَرَوَاهُ كَذَلِك أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن أبي بشر بكر بن خلف، نَا سَلمَة بن رَجَاء، عَن شعثاء الكوفية، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ صَلَّى يَوْم بُشر بِرَأْس أبي جهل رَكْعَتَيْنِ» . إِسْنَاده جيد. وَلَا يضر
стр. 5500
كَلَام بَعضهم فِي سَلمَة بن رَجَاء فقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ. قَالَ الْعقيلِيّ: «صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حِين أُتِي بِرَأْس أبي جهل» لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذِهِ الطّرق.
وَأما أثر عُثْمَان فَهُوَ كَذَلِك فِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة وَهُوَ فِي بَعْضهَا: عَن أبي بكر وَهُوَ الصَّوَاب، وَقد أخرجه كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَبَوَّبَ بَابا فِيمَا جَاءَ فِي نقل الرُّءُوس. فروَى عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ «أَن عَمْرو بن العَاصِي وشرحبيل ابْن حَسَنَة بعثا عقبَة بريدًا إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ بِرَأْس ينَّاق بطرِيق الشَّام - قلت: وَهُوَ بياء مثناة تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ نون مُشَدّدَة ثمَّ ألف ثمَّ قَاف - فَلَمَّا قدم عَلَى أبي بكر ﵁ أنكر ذَلِك. فَقَالَ لَهُ عقبَة: [يَا] خَليفَة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُم يصنعون ذَلِك بِنَا. قَالَ: أفاستنان بِفَارِس وَالروم؟ ! لَا يحمل إليَّ رَأس وَإِنَّمَا يَكْفِي الْكتاب وَالْخَبَر» . وَإِسْنَاده صَحِيح.
والبطريق - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ كالأمير. قَالَ ابْن الجواليقي: البطريق بلغَة الرّوم هُوَ الْقَائِد أَي: مقدم الجيوش وأميرها، وَجمعه بطارقة وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب.
следующие страницы →