Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
وَأما غزَاة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة فَغَرِيب جدا وَإِن كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ سبقه إِلَى ذَلِك فِي «نهايته» وَنَقله فِي «كِفَايَته» وَأقرهُ عَلَيْهِ فَفِي البُخَارِيّ أَنَّهَا كَانَت بعد بدر بِسنة وَشهر قَالَه عُرْوَة، قَالَ ابْن شهَاب: فِي الْمحرم سنة ثَلَاث، وَقَالَ غَيره: سنة أَربع خرج إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ عَشِيَّة الْجُمُعَة لتسْع مضين من ربيع الأول، وحوصروا ثَلَاث وَعشْرين يَوْمًا وَجزم بِهَذَا الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهَا فِي ربيع الأول سنة أَربع، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» وَالنَّوَوِيّ فِي «روضته» و «تهذيبه» : أَنه سنة ثَلَاث.
قلت: نعم غَزْوَة بني المصطلق كَانَت سنة سِتّ عَلَى الْأَصَح، وَمِمَّنْ صَححهُ ابْن دحْيَة فِي «تنويره» ، وَقيل: سنة خمس (قَالَ) الدمياطي: وَهُوَ الصَّحِيح.
فَائِدَة: النَّضِير بضاد مُعْجمَة غير مشالة بِخِلَاف قُرَيْظَة فَإِنَّهَا بِظَاء مشالة وهما جَمِيعًا من يهود خَيْبَر، وينسبان إِلَى هَارُون ﵇، وَالنضْر هُوَ الذَّهَب، وَكَذَلِكَ النضار بِضَم النُّون.
وَأما كَون فتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة فَهُوَ الْمَعْرُوف وَبِه جزم ابْن دحْيَة فِي «تنويره» حَيْثُ قَالَ: خرج إِلَيْهَا فِي صفر سنة سبع؛ لِأَنَّهُ قدم من الْحُدَيْبِيَة عشرَة آلَاف مقَاتل، وَنقل ابْن الطلاع عَن ابْن هِشَام أَنه قَالَ: إِنَّهَا كَانَت فِي صفر سنة سِتّ وَهُوَ غَرِيب، وَجزم فِي الْكِفَايَة هُنَا بِالْأولِ، وَخَالف
стр. 5427
فِي زَكَاة الثِّيَاب فاعلمه، وَذكر هُنَا أَنه خرج مَعَه من حضر عمْرَة الْحُدَيْبِيَة من الأجناد، وَخَالف فِي كتاب الْحَج.
فَائِدَة: أَقَامَ ﵇ عَن حِصَار خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة قَالَ الْحَازِمِي: وخيبر نَاحيَة مَشْهُورَة، وَبَينهَا، وَبَين الْمَدِينَة مسيرَة أَيَّام، وَهِي تشْتَمل عَلَى حصون ومزارع، ونخل كثير قَالَ: وَيُقَال: لأراضي خَيْبَر الخبائر.
وَأما كَون فتح مَكَّة فِي سنة ثَمَان فَهُوَ كَذَلِك وَكَذَا كَون غَزْوَة تَبُوك فِي التَّاسِعَة، وَكَانَ فِي رَجَب وَوَقع فِي الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة بَرَاءَة أَنَّهَا فِي الْعَاشِرَة، وَهُوَ عَجِيب، قَالَ الْحَازِمِي فِي «مؤتلفه» : وتبوك بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ وَاو ثمَّ كَاف، قَرْيَة بِنَاحِيَة الشَّام بَينهَا وَبَين وَادي الْقرى مراحل انْتَهَى إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ لما أَرَادَ غَزْوَة الرّوم.
الحَدِيث الثَّامِن
«أنَّه ﷺ أنكر عَلَى معَاذ التَّأْوِيل» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي أَوَاخِر كتاب صَلَاة الْجَمَاعَة فِي أثْنَاء بَاب الْمَوَاقِيت فَرَاجعه من ثمَّ.
الحَدِيث التَّاسِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث ... » الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي أثْنَاء بَاب الْمَوَاقِيت فَرَاجعه من ثمَّ.
стр. 5428
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن ابْن الزبير ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ رد يَوْم بدر نَفرا من أَصْحَابنَا استصغرهم» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه لَا يحضرني من خرجه من هَذَا الطَّرِيق، وَالَّذِي يحضرني مَا أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء قَالَ: «استصغرت أَنا، وَابْن عمر يَوْم بدر» وَأخرج الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث عَامر بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: «عرض رَسُول الله ﷺ جَيْشًا فَرد عُمَيْر بن أبي وَقاص فَبَكَى عُمَيْر فَأَجَازَهُ رَسُول الله ﷺ ، وَعقد عَلَيْهِ حمائل سَيْفه» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي تَصْحِيحه لَهُ نظر، فَإِن فِي إِسْنَاده يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ، وَهُوَ واهٍ، وَأخرج أَيْضا فِي مَنَاقِب سعد بن خَيْثَمَة من «مُسْتَدْركه» «أَنه ﵇ استصغره هُوَ، وَزيد بن (جَارِيَة) » ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: فِيهِ نَكَارَة كَيفَ يستصغر من [هُوَ] نقيب، وَرَوَى الْحَافِظ
стр. 5429
أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» بِإِسْنَادِهِ «أَنه ﵇ استصغر مُصعب ابْن عُمَيْر، ورده فَبَكَى فَأَجَازَهُ فَكَانَ سعد يَقُول: كنت أعقد لَهُ حمال سيف من صغره، وَقتل ببدر وَهُوَ ابْن سِتَّة عشر سنة» وَرَوَى الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث زيد بن (جَارِيَة) [أَن رَسُول الله استصغر نَاسا يَوْم أحد مِنْهُم زيد بن جَارِيَة]- يَعْنِي نَفسه - والبراء بن عَازِب، وَزيد بن أَرقم، وَسعد، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن عمر، وَجَابِر بن عبد الله قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أَن عَائِشَة ﵄ سَأَلت رَسُول الله ﷺ هَل عَلَى النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: نعم جِهَاد لَا قتال فِيهِ: الْحَج وَالْعمْرَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور بِإِسْنَاد صَحِيح قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَإسْنَاد ابْن مَاجَه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِسْنَاده حسن، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : [من] مُحَمَّد
стр. 5430
بن فضل رَاوِيه إِلَى عَائِشَة كلهم من رجال الصَّحِيح، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور لَكِن لَفظه: «قلت: يَا رَسُول الله عَلَى النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: لَا عَلَيْهِنَّ جِهَاد فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة» ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عمرَان بن حطَّان عَن عَائِشَة «يَا رَسُول الله هَل عَلَى النِّسَاء جِهَاد؟ ... » الحَدِيث، وَهَذِه الطَّرِيق معلولة بِأَن عمرَان لم يسمع من عَائِشَة كَمَا قَالَه صَاحب «الاستذكار» ، وبعمران نَفسه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علل الصَّحِيحَيْنِ» : أخرج البُخَارِيّ حَدِيث عمرَان بن حطَّان عَن ابْن عمر، عَن عمر فِي لبس الْحَرِير، وَعمْرَان مَتْرُوك لسوء اعْتِقَاده، وخبث رَأْيه.
ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَنه وَقع فِي رِوَايَة الرَّافِعِيّ لهَذَا الحَدِيث «جِهَاد لَا شوك فِيهِ» بدل «لَا قتال فِيهِ - قَالَ: وَهُوَ السِّلَاح» وَهَذِه اللَّفْظَة غَرِيبَة من حَدِيث عَائِشَة نعم هِيَ مَوْجُودَة فِي حديثين آخَرين أَحدهمَا: عَن الْحُسَيْن بن عَلّي قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي جبان، وَإِنِّي ضَعِيف فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى جِهَاد لَا شوك فِيهِ» . أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَإِسْنَاده جيد وَمُعَاوِيَة بن إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيهِ وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَأَبُو حَاتِم، وَخَالف أَبُو زرْعَة فَقَالَ: شيخ واهٍ.
стр. 5431
الثَّانِي: عَن عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن جدته أم أَبِيه قَالَت: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَقَالَ: أدلك عَلَى جِهَاد لَا شوك فِيهِ، قَالَ: بلَى، قَالَ: حج الْبَيْت» . فِي إِسْنَاده الْوَلِيد بن أبي ثَوْر، ضعفه النَّسَائِيّ وَغَيره، وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت: «اسْتَأْذَنت رَسُول الله ﷺ فِي الْجِهَاد فَقَالَ: جهادكن الْحَج، وَفِيه أَيْضا قلت: «يَا رَسُول الله نرَى الْجِهَاد أفضل [الْعَمَل] أَفلا نجاهد؟ قَالَ: لكنَّ أفضل الْجِهَاد حج مبرور» وَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» عَنْهَا «يَا رَسُول الله أَلا نخرج ونجاهد مَعَك فَإِنِّي لَا أرَى عملا فِي الْقُرْآن أفضل من الْجِهَاد؟ قَالَ: (أَلا) إِن لكنَّ [أحسن] الْجِهَاد حج الْبَيْت حج مبرور» . وَفِي «سنَن النَّسَائِيّ» بِإِسْنَاد حسن عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «جِهَاد الْكَبِير [وَالصَّغِير] والضعيف، وَالْمَرْأَة الْحَج وَالْعمْرَة» .
стр. 5432
الحَدِيث الثَّانِي عشر
رُوِيَ «أنَّه ﷺ كَانَ يُبَايع الْأَحْرَار عَلَى الْإِسْلَام وَالْجهَاد، وَالْعَبِيد عَلَى الْإِسْلَام دون الْجِهَاد» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح لَا يحضرني من خرجه من هَذَا الْوَجْه، وَذكره ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته من حَدِيث جَابر مطولا وَلم يعزه لأحد، وَهَذَا سياقته عَن جَابر «أَن عبدا قدم عَلَى النَّبِي ﷺ فَبَايعهُ عَلَى الْجِهَاد وَالسَّلَام فَقدم صَاحبه فَأخْبرهُ أَنه مَمْلُوك فَاشْتَرَاهُ (مِنْهُ بعبدين، فَكَانَ بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ من لَا يعرفهُ ليبايعه سَأَلَهُ أحر هُوَ أم عبد، فَإِن قَالَ: حر بَايعه عَلَى الْإِسْلَام، وَالْجهَاد، وَإِن قَالَ: مَمْلُوك بَايعه عَلَى الْإِسْلَام دون الْجِهَاد» ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة [- و] الرَّافِعِيّ: ذكره دَلِيلا عَلَى عدم وُجُوبه عَلَى الرَّقِيق - مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد حسن عَن الْحَارِث بن عبد الله بن [أَبَى] ربيعَة «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي بعض مغازيه فَمر بأناس من مزينة فَاتبعهُ عبد لامْرَأَة مِنْهُم فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق سلم عَلَيْهِ قَالَ: فلَان؟ قَالَ: نعم، قَالَ: مَا شَأْنك؟ قَالَ: أجاهد مَعَك، قَالَ: أَذِنت لَك سيدتك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِع إِلَيْهَا فَإِن مثلك مثل عبد لَا يُصَلِّي إِن مت قبل أَن ترجع إِلَيْهَا فاقرأ ﵍ فَرجع
стр. 5433
إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا الْخَبَر قَالَت: آللَّهُ هُوَ أَمرك أَن تقْرَأ عَلّي السَّلَام؟ قَالَ: نعم، قَالَت: ارْجع فَجَاهد مَعَه» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث جَابر [بن] عبد الله قَالَ: «جَاءَ عبد فَبَايع النَّبِي ﷺ عَلَى الْهِجْرَة وَلم يشْعر أَنه عبد، فجَاء سَيّده يُريدهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : بعنيه فَاشْتَرَاهُ بعبدين أسودين، ثمَّ لم يُبَايع أحدا بعد حَتَّى يسْأَله أعبد هُوَ؟» .
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فاستأذنه فِي الْجِهَاد فَقَالَ: أَحَي والداك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ففيهما فَجَاهد» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَقد سلف. فِي بَاب الْإِحْصَار والفوات وَاضحا. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «أَن رجلا جَاءَ فاستأذنه فِي الْجِهَاد، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أجاهد مَعَك. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أَلَك أَبَوَانِ؟ قَالَ: نعم. قَالَ كَيفَ تركتهما؟ قَالَ: تركتهما وهما يَبْكِيَانِ. فَقَالَ: ارْجع إِلَيْهِمَا وأضحكهما كَمَا أبكيتهما» .
قلت: هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة، رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه
стр. 5434
من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة أَيْضا. وَقد سلفت فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ أَولا وَاضحا.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهَذَا فِي الْأَبَوَيْنِ الْمُسلمين. أما إِذا كَانَ الأبوان أَو الْحَيّ مِنْهُمَا مُشْركًا، فَلَا يحْتَاج فِي الْخُرُوج إِلَى إِذْنه (للتُّهمَةِ) الظَّاهِرَة بالميل إِلَى [أهل] الدَّين، وَكَانَ عبد الله بن أبي بن سلول يَغْزُو مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَمَعْلُوم أَن أَبَاهُ كَانَ يكره ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ يخذل الْأَجَانِب ويمنعهم عَن الْجِهَاد وَهُوَ كَمَا قَالَ.
الحَدِيث الرَّابِع عشر إِلَى [الثَّامِن] عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَردت أَخْبَار كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي السَّلام وإفشائه. هُوَ كَمَا قَالَ فلنذكر من ذَلِك خَمْسَة أَحَادِيث: أَحدهَا: عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ «أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: تطعم الطَّعَام، وتقرأ السَّلَام عَلَى من عرفت وَعَلَى من لم تعرف» أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» .
ثَانِيهمَا: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «خلق الله آدم عَلَى صورته سِتُّونَ ذِرَاعا، فَلَمَّا خلقه قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسلم عَلَى أُولَئِكَ [النَّفر - وهم] نفر من الْمَلَائِكَة جُلُوس - فاسمع مَا يحيونك فَإِنَّهَا
стр. 5435
تحيتك وتحية ذريتك [قَالَ: فَذهب فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم] [فَقَالُوا] : السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، فزادوه وَرَحْمَة الله» أَخْرجَاهُ أَيْضا.
ثَالِثهَا: عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِسبع ونهانا عَن سبع وعدَّ مِنْهَا إفشَاء السَّلَام» أَخْرجَاهُ أَيْضا.
رَابِعهَا: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا، وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا، أَولا أدلكم عَلَى شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السَّلَام بَيْنكُم» أخرجه مُسلم.
خَامِسهَا: عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «اعبدوا الرَّحْمَن، وأفشوا السَّلَام، وأطعموا الطَّعَام تدخلون الْجنَّة» أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَأخرجه الدَّارمِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم بأسانيد حَسَنَة من رِوَايَة ابْن سَلام ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «يَا أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا
стр. 5436
الطَّعَام، وصلوا الْأَرْحَام، وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام، تدخلون الْجنَّة بِسَلام» أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَأخرجه الدَّارمِيّ وَالتِّرْمِذِيّ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث صَحِيح، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب كَثِيرَة لَا يسعنا أَن نذكرها هُنَا لكثرتها وانتشارها وَهَذَا الْعدَد كافٍ فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
ورد فِي الْخَبَر «النَّهْي عَن السَّلَام عَلَى قَاضِي الْحَاجة» .
هُوَ كَمَا قَالَ وَقد مر حَدِيث جَابر وَابْن عمر، أما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيثه «أَن النَّبِي ﷺ مر عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يَبُول فسلَّم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : إِذا رَأَيْتنِي عَلَى مثل هَذِه الْحَالة فَلَا تسلم عليَّ؛ فَإنَّك إِن فعلت لم أرد عَلَيْك» .
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا أعلم رَوَاهُ غير هَاشم بن الْبَرِيد، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عَن جَابر.
وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الشَّافِعِي، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد. قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رجلا
стр. 5437
مر عَلَى النَّبِي ﷺ [وَهُوَ يَبُول فَسلم عَلَيْهِ الرجل فَرد ﵇ فَلَمَّا جاوزه ناداه النَّبِي ﷺ ] فَقَالَ: إِنَّمَا حَملَنِي عَلَى الرَّد عَلَيْك خشيَة أَن تذْهب فَتَقول: إِنِّي سلمت عَلَى رَسُول الله ﷺ فَلم يرد عليَّ، قَالَ: فَإِذا رَأَيْتنِي عَلَى هَذِه الْحَالة فَلَا تسلم عليَّ فَإنَّك إِن تفعل فَإِنِّي لَا أرد عَلَيْك» وَأخرجه الْبَزَّار فِي «مُسْنده» من حَدِيث سعيد بن سَلمَة، ثَنَا أَبُو بكر رجل من ولد عبد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَعَ اخْتِلَاف فِي بعض اللَّفْظ وَنقص يسير.
قَالَ عبد الْحق: وَأَبُو بكر هَذَا فِيمَا أعلم هُوَ ابْن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر، رَوَى عَنهُ مَالك وَغَيره، وَهُوَ لَا بَأْس بِهِ، وَلَكِن حَدِيث مُسلم أصح؛ لِأَنَّهُ من حَدِيث الضَّحَّاك بن عُثْمَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رجلا سلم عَلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَبُول فَلم يرد عَلَيْهِ» وَالضَّحَّاك أوثق من أبي بكر، أَو لَعَلَّه كَانَ ذَلِك فِي موطنين.
وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي ذكر فِي أبي بكر هَذَا يَنْبَغِي أَن يتَوَقَّف فِيهِ فَإِن الرجل الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد لم نعلم فِيهِ أَكثر من أَنه ولد عبد الله بن عمر، فَمن أَيْن لَهُ أَنه أَبُو بكر بن عمر بن عبد الرَّحْمَن الَّذِي رَوَى عَنهُ مَالك، وَقد كَانَ (مانعه من ذَلِك لَو ثَبت) أَن الَّذِي فِي
стр. 5438
الْإِسْنَاد، يروي عَن نَافِع، وَالَّذِي توهمه أَنه هُوَ مَعْلُوم الرِّوَايَة عَن ابْن عمر، ويروي عَنهُ مَالك وَغَيره، وَإِلَى هَذَا فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّمَا يرويهِ عَن أبي بكر الْمَذْكُور سعيد بن سَلمَة [وَهُوَ ابْن] [أبي] الحسام أَبُو عمر مولَى عمر بن الْخطاب وَهُوَ قد أخرج لَهُ مُسلم، وَإِن كَانَ ابْن معِين سُئِلَ عَنهُ فَلم يعرفهُ وَإِنَّمَا نُرِيد حَاله، وَإِلَّا فقد عرف حَالَة عينه وَنسبه بِالْوَلَاءِ وَرِوَايَة من رَوَى عَنهُ وَعَمن رَوَى قَالَ صَاحب «الإِمَام» : أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق قد تثبت فِي ذَلِك بقوله أَبُو بكر فِيمَا أعلم، وَلم يجْزم بذلك، وَقد وَقع مَا دلّ عَلَى صِحَة ظَنّه؛ فَإِن هَذَا الحَدِيث قد أخرجه ابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» . وَقَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء، ثَنَا سعيد - يَعْنِي ابْن سَلمَة - عَن أبي بكر - هُوَ ابْن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب - عَن نَافِع، عَن عبد الله بن عمر [ «أَن رجلا مر برَسُول الله ﷺ وَهُوَ يهريق المَاء فَسلم عَلَيْهِ الرجل] فَرد عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتنِي هَكَذَا فَلَا تسلم عليَّ فَإنَّك إِن تفعل لَا أرد عَلَيْك السَّلَام» .
فَهَذِهِ الرِّوَايَة وَقع فِيهَا نسب أبي بكر هَذَا كَمَا ظن عبد الْحق،
стр. 5439
وَأَقْوَى من هَذَا رِوَايَة الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق السراج، ثَنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْحَنْظَلِي، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء، ثَنَا سعيد بن سَلمَة، حَدثنِي أَبُو بكر بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب بِسَنَدِهِ وَفِيه ثمَّ قَالَ: «إِنَّه لم يحملني عَلَى السَّلَام عَلَيْك إِلَّا أَنِّي خشيت أَن تَقول: سلمت عليَّ فَلم ترد عليَّ السَّلَام» .
قلت: وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة أَيْضا.
فَائِدَة: فِي «شرح الْآثَار» للطحاوي حَدِيث الْمَنْع من رد السَّلَام مَنْسُوخ بِآيَة الْوضُوء وَقيل بِحَدِيث عَائِشَة: «كَانَ يذكر الله عَلَى كل أحيانه» وَزعم الْحسن أَنه لَيْسَ مَنْسُوخا وَتمسك بِمُقْتَضَاهُ.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
«أَن أَعْرَابِيًا قعد عِنْد رَسُول الله ﷺ وَاسْتحْسن كَلَامه فاستأذنه فِي أَن يقبّل وَجهه فَأذن لَهُ، ثمَّ اسْتَأْذن أَن يقبّل يَده فَأذن لَهُ، ثمَّ اسْتَأْذن فِي أَن يسْجد لَهُ فَلم يَأْذَن لَهُ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي «دَلَائِل النُّبُوَّة» من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله قد أسلمت فأرني شَيْئا أزدد بِهِ يَقِينا، فَقَالَ: فَمَا الَّذِي تريده؟ قَالَ: أُدع تِلْكَ الشَّجَرَة فلتأتك ... » فَذكر حَدِيثا فِي إتْيَان الشَّجَرَة إِلَى رَسُول الله ﷺ وتسليمها عَلَيْهِ ورجوعها، وَفِي آخِره «فَقَالَ الْأَعرَابِي: ائْذَنْ لي يَا رَسُول
стр. 5440
الله أَن أقبل رَأسك ورجليك فَفعل، ثمَّ قَالَ: ائْذَنْ لي أَن أَسجد لَك، فَقَالَ: لَا يسْجد أحد لأحد، وَلَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحدٍ لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا لعظم حَقه عَلَيْهَا» . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا «أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله عَلمنِي شَيْئا أزداد بِهِ يَقِينا. قَالَ فَقَالَ: ادْع تِلْكَ الشَّجَرَة، فَدَعَا بهَا فَجَاءَت حَتَّى سلمت عَلَى النَّبِي ﷺ ، ثمَّ قَالَ لَهَا: ارجعي فَرَجَعت. قَالَ: ثمَّ أذن لَهُ فَقبل رَأسه وَرجلَيْهِ، وَقَالَ: لَو كنت آمرًا أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا» ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ذكره فِي كتاب الْبر والصلة وَفِي إِسْنَاده وَإسْنَاد أبي نعيم: حبَان بن عَلّي الْغَزِّي الْكُوفِي أَخُو منْدَل وَقد ضَعَّفُوهُ وَرَوَاهُ صَالح بن حبَان أَيْضا وَقد ضَعَّفُوهُ فَكيف يكون صَحِيح الْإِسْنَاد إِذا قَالَ أَبُو نعيم: وَرَوَاهُ تَمِيم الدَّارِيّ بن عبد الْمُؤمن عَن صَالح بن حبَان وَلَفظه «أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ يسْأَل عَن النَّبِي ﷺ أَيْن هُوَ؟ حَتَّى وَقع إِلَى قوم جُلُوس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَسلم ثمَّ قَالَ: أَي نَبِي الله آتِيك فَأقبل رَأسك؟ فَقَالَ: نعم. قَالَ: أقبل رجليك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَتَيْتُك مُسلما أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك عَبده وَرَسُوله. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ذَلِك خير لَك ... » فَذكر الحَدِيث فِي طلب إتْيَان الشَّجَرَة وإتيانها ورجوعها وَفِي آخِره «وَقَالَ: يَا نَبِي الله، أَسجد لَك؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا السُّجُود لله ... » الحَدِيث.
قلت: وَتَمِيم هَذَا لَا أعرف حَاله، ثمَّ اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه لَا يكره التَّعْظِيم بالتقبيل لزهد أَو علم وَكبر سنّ، ويغني
стр. 5441
عَنهُ فِي الدّلَالَة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث زارع ﵁ «كَانَ فِي وَفد عبد الْقَيْس قَالَ: فَجعلنَا نتبادر من رواحنا فنقبل يَد النَّبِي ﷺ فَقبلنَا يَده» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر ﵄ فِي قصَّة قَالَ: «فَدَنَوْنَا - يَعْنِي من النَّبِي ﷺ فَقبلنَا يَده وَرجله» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا، وَمِنْهَا حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي ﵁ قَالَ: «قَالَ يَهُودِيّ لصَاحبه: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي، فَأتيَا رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَاهُ عَن تسع آيَات بَيِّنَات» فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله: «فقبلوا يَده وَرجله، وَقَالا: نشْهد أَنَّك نَبِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بأسانيد صَحِيحَة.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «حق الْمُؤمن عَلَى الْمُؤمن سِتَّة: أَن يسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، وَأَن يجِيبه إِذا دَعَاهُ، وَأَن يشمته إِذا عطس، وَأَن يعودهُ إِذا مرض، وَأَن يشيع جنَازَته إِذا مَاتَ، وَأَن لَا يظنّ فِيهِ إِلَّا خيرا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ إِلَّا أَنه قَالَ: «وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ» بدل «وَأَن لَا تظن فِيهِ إِلَّا خيرا» وَهَذَا
стр. 5442
لَفظه «حق الْمُسلم عَلَى الْمُسلم سِتَّة إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ، وَإِذا دعَاك فأجبه، وَإِذا استنصحك فانصح، وَإِذا عطس فحمِدَ الله فشمّته، وَإِذا مرض فعده، وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ» وَفِي رِوَايَة لَهُ وللبخاري «حق الْمُسلم خمس: رد السَّلَام، وعيادة الْمَرِيض، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز، وَإجَابَة الدعْوَة، وتشميت الْعَاطِس» وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» و «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث، عَن عَلّي مَرْفُوعا «للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم سِتَّة بِالْمَعْرُوفِ: يسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، ويجيبه إِذا دَعَاهُ، ويشمته إِذا عطس، ويعوده إِذا مرض، وَيتبع جنَازَته إِذا مَاتَ، وَيُحب لَهُ مَا يحب لنَفسِهِ» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن خَالِد بن أبي عمرَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَفعه «للمرء الْمُسلم عَلَى أَخِيه من الْمَعْرُوف سِتَّة: تشميته إِذا عطس، ويعوده إِذا مرض، وينصحه إِذا غَابَ أَو شهده، وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، ويجيبه إِذا دَعَاهُ، ويتبعه إِذا مَاتَ، وَنَهَى عَن هِجْرَة الْمُسلم أَخَاهُ فَوق ثَلَاث» .
وَفِي «مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه» من حَدِيث الأفريقي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، عَن أَبِيه، عَن أبي أَيُّوب رَفعه «للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم سِتّ خِصَال وَاجِبَة، فَمن ترك مِنْهَا خصْلَة ترك حَقًا وواجبًا لِأَخِيهِ: أَن
стр. 5443
يجِيبه إِذا دَعَاهُ، وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه، ويشمته إِذا عطس، ويعوده إِذا مرض، ويشيع جنَازَته إِذا مَاتَ، وينصحه إِذا استنصحه» .
وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول: مَا أطيبك (وَأطيب) رِيحك مَا أعظمك (مَا أعظم) حرمتك، وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن أعظم عِنْد الله حُرْمَة منَكِ مَاله وَدَمه، وَأَن لَا يظنّ [بِهِ] إِلَّا خيرا» .
وَقد رُوِيَ حَدِيث غَرِيب جدا من طَرِيق عَلّي ﵁ رَفعه «للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم ثَلَاثُونَ حَقًا لَا بَرَاءَة لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَو الْعَفو: يغْفر لَهُ زلته وَيرْحَم عبرته، وَيسْتر عَوْرَته، ويقيل عثرته، وَيقبل معذرته، وَيرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمَّته، وَيعود مريضه، وَيشْهد ميته، ويجيب دَعوته، وَيقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشمت عطسته، وَيرد ضالته، ويشكر نعمه، وَيحسن نصرته، وَيَقْضِي حَاجته، ويتتبع سئلته، وَيرد سَلَامه، ويطيب كَلَامه، ويبر إنعامه، وَيصدق أقسامه، وينصره ظَالِما أَو مَظْلُوما، ويواليه (لَا) يعاديه، فَأَما نصرته ظَالِما فَيردهُ عَن ظلمه، وَأما نصرته مَظْلُوما فيعينه عَلَى أَخذ حَقه وَلَا يُسلمهُ وَلَا يَخْذُلهُ، وَيُحب لَهُ من الْخَيْر مَا يحب لنَفسِهِ، وَيكرهُ لَهُ من الشَّرّ مَا يكره لنَفسِهِ» وَهُوَ حَدِيث مُنكر بِهَذِهِ السِّيَاقَة كلهَا أَنبأَنَا بِهِ شَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي، أَنا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الصَّالِحِي، أَنبأَنَا أَحْمد بن عبد الدايم،
стр. 5444
أَنا يَحْيَى الثَّقَفِيّ، أبنا إِسْمَاعِيل بن الْفضل، أنبانا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الذكواني، أبنا جدي أَبُو بكر بن أبي عَلّي، أَنبأَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الْبَغْدَادِيّ، نَا أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه جَعْفَر، عَن أَبِيه مُحَمَّد بن عبد الله، عَن أَبِيه عَلّي بن أبي طَالب فَذكره.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
«أَن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ لما قدم من الْحَبَشَة عانقه رَسُول الله ﷺ » .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق أحْسنهَا: مَا سَاقه الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، نَا عبد الله بن طَاوس، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس «أَن جَعْفَر بن أبي طَالب لما قدم من الْحَبَشَة تَلقاهُ النَّبِي ﷺ واعتنقه وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ: مرْحَبًا بأشبههم لي خَلقًا وخُلقًا» .
ثَانِيهَا: من حَدِيث عمْرَة، عَن عَائِشَة. قَالَت: «لما قدم جَعْفَر من أَرض الْحَبَشَة خرج إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فعانقه» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فِي إِسْنَاده أَبُو قَتَادَة الْحَرَّانِي قَالَ: وَقد رُوِيَ عَنْهَا من طَرِيق آخر فِيهِ مُحَمَّد بن عبيد
стр. 5445
بن عُمَيْر، وَكِلَاهُمَا غير مَحْفُوظ. قَالَ: وهما ضعيفان.
قلت: وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد هَذَا وَلَفظه عَنْهَا «أَنه لما قدم هُوَ وَأَصْحَابه استقبله النَّبِي ﷺ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ» .
ثَالِثهَا: من حَدِيث الشّعبِيّ «أَنه ﵇ تلقى جَعْفَر بن أبي طَالب فَالْتَزمهُ وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه مَعَ الْإِرْسَال الأحلج الْكِنْدِيّ وَهُوَ صَدُوق شيعي جلد ضَعِيف، ووثق. رَوَاهُ أَبُو نعيم مُتَّصِلا بِدُونِ الأحلج وَهَذَا لَفظه عَن عَامر الشّعبِيّ، عَن عبد الله بن جَعْفَر، عَن أَبِيه جَعْفَر قَالَ: «لما قدمت الْمَدِينَة من عِنْد النَّجَاشِيّ تَلقانِي رَسُول الله ﷺ فاعتنقني ثمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَنا بِفَتْح خَيْبَر أفرحْ أم بقدوم جَعْفَر. وَوَافَقَ ذَلِك فتح خَيْبَر» وَرَوَاهُ أَيْضا كَذَلِك الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث مجَالد، عَن الشّعبِيّ بِهِ سَوَاء، وَرَوَاهُ العُقيلي من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر قَالَ «لما قدم جَعْفَر من الْحَبَشَة أَتَاهُ النَّبِي ﷺ فَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ: مَا أَنا بِفَتْح خَيْبَر أَشد فَرحا مني بقدوم جَعْفَر» وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن جَعْفَر. قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه «أَحْكَام النّظر» : حَاله لَا يعرف.
رَابِعهَا: من حَدِيث ابْن عمر ﵁ قَالَ: «وَجه رَسُول الله ﷺ جَعْفَر بن أبي طَالب إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة فَلَمَّا قدم اعتنقه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ علمه صَلَاة التَّسْبِيح» .
стр. 5446
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي آخر بَاب صَلَاة التَّطَوُّع، ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ.
قلت: بلَى؛ لِأَن فِيهِ أَحْمد بن دَاوُد بن عبد الْغفار الْحَرَّانِي. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك كَذَّاب. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ بالفسطاط يضع الحَدِيث لَا يحل ذكره فِي الْكتب إِلَّا عَلَى سَبِيل الْإِبَانَة لأَمره ليتنكب حَدِيثه.
خَامِسهَا: من حَدِيث جَابر ﵁ قَالَ: «لما قدم جَعْفَر تَلقاهُ رَسُول الله ﷺ فَقبل جَبهته» رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْفَضَائِل فِي تَرْجَمته من «مُسْتَدْركه» وإرساله هُوَ الصَّوَاب. وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من حَدِيث مكي بن عبد الله الرعيني، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر: قَالَ: «لما أَن قدم جَعْفَر إِلَى رَسُول الله ﷺ حجل - قَالَ سُفْيَان: يَعْنِي مَشَى عَلَى رجل وَاحِدَة - إعظامًا لرَسُول الله ﷺ فَقبل رَسُول الله ﷺ مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : يَا أخي أَنْت أشبه النَّاس بخلقي وَخلقِي» قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَلَا يعرف إِلَّا بمكي.
стр. 5447
الْبَاب الثَّانِي: فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وأثارًا أما الْأَحَادِيث فسبعة وَسَبْعُونَ حَدِيثا:
الحَدِيث الأول
قَالَ الرَّافِعِيّ: «يسْتَحبّ إِذا بعث الإِمَام سَرِيَّة أَن يُؤمر عَلَيْهِم أَمِيرا، وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَتِهِ [ويوصيه بهم] » ، و «أَن يَأْخُذ الْبيعَة عَلَى الْجند حَتَّى لَا يَفروا» ، و «أَن يبْعَث الطَّلَائِع» و «يتجسس أَخْبَار الْكفَّار» ، و «يسْتَحبّ الْخُرُوج يَوْم الْخَمِيس» «فِي أول النَّهَار» ، و «أَن يعْقد الرَّايَات» ، و «يَجْعَل كل فريق تَحت راية» ، و «يَجْعَل لكل طَائِفَة شعارًا حَتَّى لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا بياتًا» ، و «يسْتَحبّ أَن يدْخل دَار الْحَرْب بتعبئة الْحَرْب، لِأَنَّهُ أحوط وأهيب» ، «وَأَن يستنصر بالضعفاء» ، «وَأَن يَدْعُو عِنْد التقاء الصفين» ، «وَأَن يكبر من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت» ، «وَأَن يحرض النَّاس عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْر والثبات» ، وكل ذَلِك مَشْهُور فِي سير النَّبِي ﷺ ومغازيه. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى عدَّة أَحَادِيث فلينفرد كل وَاحِد بِعقد.
أما الأول: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَلّي ﵁ قَالَ: «بعث رَسُول الله ﷺ سَرِيَّة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم رجلا من الْأَنْصَار وَأمرهمْ أَن يسمعوا
стр. 5448
لَهُ ويطيعوا، فأغضبوه فِي شَيْء فَقَالَ: اجْمَعُوا لي حطبًا فَجمعُوا لَهُ، ثمَّ قَالَ: أوقدوا نَارا فأوقدوا، ثمَّ قَالَ: ألم يَأْمُركُمْ رَسُول الله ﷺ أَن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قَالُوا: بلَى. قَالَ: فادخلوها. فَنظر بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ من النَّار، فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى سكن غَضَبه فطفئت النَّار، فَلَمَّا رجعُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ ذكرُوا ذَلِك لَهُ. فَقَالَ: لَو دخلُوا فِيهَا مَا خَرجُوا مِنْهَا أبدا، وَقَالَ: لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة الله إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف» .
الحَدِيث الثَّانِي
قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَأَن يَأْخُذ الْبيعَة عَلَى الْجند حَتَّى لَا يَفروا» .
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي صَحِيح مُسلم مُنْفَردا بِهِ، ثمَّ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» والسياق لَهُ من حَدِيث معقل بن يسَار ﵁ قَالَ: «بَايع النَّاس رَسُول الله ﷺ زمن الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ تَحت الشَّجَرَة، وَأَنا رَافع غصنًا من [أَغْصَانهَا] عَن وَجهه لم نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت وَلَكِن بَايَعْنَاهُ عَلَى أَن لَا نفر، وهم يَوْمئِذٍ ألف وَأَرْبَعمِائَة» وَلَفظ ابْن حبَان «لقد رَأَيْتنِي يَوْم الشَّجَرَة وَالنَّبِيّ ﷺ يُبَايع النَّاس، وَأَنا رَافع غصنًا من أَغْصَانهَا عَن رَأسه وَنحن أَربع عشرَة مائَة، وَقَالَ: لم نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت وَلَكِن بَايَعْنَاهُ عَلَى أَن لَا نفر» .
стр. 5449
فَائِدَة: قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : الصَّحِيح أَنهم ألف وَخَمْسمِائة عَلَى مَا قَالَه ابْن الْمسيب.
وَفِي هَذَا الْخَبَر دحض لقَوْل من زعم أَن هَذِه السّنة تفرد بهَا جَابر بن عبد الله. قلت: وَحَدِيث جَابر هَذَا أخرجه مُسلم وَأَصله فِي حَدِيث البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عبد الله بن (بُرَيْدَة) وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع.
الحَدِيث الثَّالِث
قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَأَن يبْعَث الطَّلَائِع» .
هُوَ كَمَا قَالَ. فَفِي «صَحِيح مُسلم» مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث أنس ﵁. قَالَ: «بعث رَسُول الله ﷺ [بُسيسة] عينا ينظر مَا صنعت عير أبي سُفْيَان فجَاء وَمَا فِي الْبَيْت أحد غَيْرِي وَغير رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا اسْتثْنى بعض نِسَائِهِ - قَالَ: فَحَدَّثته الحَدِيث فَخرج رَسُول الله ﷺ فَتكلم فَقَالَ: إِن لنا طلبة فَمن كَانَ ظَهره حَاضرا فليركب مَعنا، فَجعل رجال يستأذنونه فِي ظُهُورهمْ فِي علو الْمَدِينَة فَقَالَ: لَا، إِلَّا من كَانَ ظَهره حَاضرا. فَانْطَلق
стр. 5450
رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر، وَجَاء الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : [لَا يقدمن أحد مِنْكُم إِلَى شَيْء حَتَّى أكون أَنا دونه، فَدَنَا الْمُشْركُونَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ] : قومُوا إِلَى جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَقَالَ: يَقُول عُمَيْر بن الْحمام الْأنْصَارِيّ: يَا رَسُول الله، جنَّة عرضهَا السماوت وَالْأَرْض [قَالَ: نعم، قَالَ] : بخ بخ يَا رَسُول الله، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : مَا يحملك عَلَى قَوْلك بخ بخ؟ ! قَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله إِلَّا رَجَاء أَن أكون من أَهلهَا. قَالَ: فَإنَّك من أَهلهَا، قَالَ: فَأخْرج تمرات من قرنه فَجعل يَأْكُل مِنْهُنَّ، ثمَّ قَالَ: لَئِن أَنا حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة. قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَه من التَّمْر ثمَّ قَاتلهم حَتَّى قتل» وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه من هَذِه الْوَجْه من عِنْد قَوْله «قومُوا إِلَى الْجنَّة» إِلَى آخِره فِي تَرْجَمَة عُمَيْر ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ، وَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: أَن عُمَيْر بن الْحمام أنْشد عِنْد مقدمه إِلَى الْقِتَال.
«ركضنا إِلَى الله بِغَيْر زَاد
وَالصَّبْر فِي الله عَلَى الْجِهَاد
وَخير مَا قاد إِلَى الرشاد
إِلَى التقَى صَالح الْمعَاد
إِن التقَى من أعظم السداد
وكل حَيّ فَإلَى معاد
ثمَّ قَالَ: فَلم يزل يُقَاتل حَتَّى قتل» .
قَالَ ابْن نَاصِر فِي قصَّة عُمَيْر بن الْحمام الْأنْصَارِيّ: أَنه اسْتشْهد
стр. 5451
فِي وقْعَة أحد. وَهَذَا غَرِيب فَفِي الصَّحِيح كَمَا تقدم أَن ذَلِك فِي بدر وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ إِن قصَّته كَانَت يَوْم بدر لَا يَوْم أحد وَهُوَ الصَّوَاب.
وَنقل الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» عَن عبد الْغَنِيّ أَنه قَالَ فِي حَدِيث جَابر يَوْم أحد، وَفِي حَدِيث أنس: يَوْم بدر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
فَائِدَة: قَالَ أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» ذكره أَعنِي عُمَيْر بن الْحمام بعض الواهمين وصحف فِيهِ. فَقَالَ: تَمِيم بن الْحمام قتل ببدر.
الحَدِيث الرَّابِع
قَالَ: «ويتجسس (الْكفَّار» ) .
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث [جَابر] قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم الْأَحْزَاب «من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم إِن لكل نَبِي حوارِي، وحواري الزبير» .
وَفِي مُسلم من حَدِيث أنس قَالَ: «بعث النَّبِي ﷺ بسيسة عينا ينظر مَا صنعت عير أبي سُفْيَان فجَاء فحدثه الحَدِيث فَخرج رَسُول الله ﷺ فَتكلم، فَقَالَ: إِن لنا طلبة فَمن كَانَ ظَهره حَاضرا فليركب مَعنا، فَجعل رجال يستأذنون فِي ظُهُورهمْ فِي علو الْمَدِينَة، فَقَالَ: لَا، إِلَّا من كَانَ ظَهره حَاضرا، فَانْطَلق رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى
стр. 5452
بدر» . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه ﵇ قَالَ لَيْلَة الْأَحْزَاب: «أَلا رجل يأتينا بِخَبَر الْقَوْم» الحَدِيث بِطُولِهِ.
الحَدِيث الْخَامِس
قَالَ: «وَيسْتَحب الْخُرُوج يَوْم الْخَمِيس» .
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» عَن كَعْب بن مَالك ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ خرج من الْخَمِيس فِي غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَ يحب أَن يخرج يَوْم الْخَمِيس» .
الحَدِيث السَّادِس
قَالَ: «فِي أول النَّهَار» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «مُسْند أَحْمد» و «السّنَن الْأَرْبَعَة» من حَدِيث صَخْر بن ودَاعَة الغامدي - بالغين الْمُعْجَمَة و [الدَّال]- الْأَزْدِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها، قَالَ: كَانَ إِذا بعث سَرِيَّة أَو جَيْشًا بَعثهمْ من أول النَّهَار، وَكَانَ صَخْر رجلا تَاجِرًا، وَكَانَ يبْعَث تِجَارَته من أول النَّهَار فَأُسْرِيَ وَكثر مَاله» .
стр. 5453
ونفاه الْمجد فِي «أَحْكَامه» عَن النَّسَائِيّ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ فَهُوَ فِيهِ كَمَا عزيناه إِلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، وَخَالَفنَا ابْن الْقطَّان فَقَالَ فِي «علله» : تَحْسِين عبد الْحق لَهُ خطأ وَابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ يرويهِ عمَارَة بن حَدِيد، عَن صَخْر. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: عمَارَة مَجْهُول. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا يعرف.
قلت: لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» فِي التَّابِعين وَقَالَ: رَوَى عَن صَخْر الغامدي، وَرَوَى عَنهُ [يعْلى] بن عَطاء، وَأخرجه فِي «صَحِيحه» من طَرِيقين من جِهَته، وَله شَوَاهِد من غير هَذَا الحَدِيث كَمَا ستعلمه بعد. قَالَ ابْن طَاهِر الْحَافِظ فِي «تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة، وَلم يخرج مِنْهَا - يَعْنِي فِي الصَّحِيح - عَلَى كثرتها شَيْء، وأقربها إِلَى الصِّحَّة والشهرة هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي رُءُوس الْمسَائِل: قد حسن التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَكَذَا قَالَ غَيره من الْحفاظ؛ أَنه حَدِيث حسن صَحِيح. قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق كَثِيرَة من حَدِيث عَلّي والعبادلة، وَجَابِر بن عبد الله، وَعبد الله بن مَسْعُود، وَعمْرَان بن حُصَيْن، وَعبد الله بن سَلام، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَبُرَيْدَة بن الْحصين، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ، وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله ﷺ ، وَعمارَة بن وثيمة، وَأبي بكرَة ذكر هَذِه الطّرق كلهَا
стр. 5454
الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي «أربعينه» ، وَطَرِيق بُرَيْدَة ذكرهَا ابْن السكن فِي «صحاحه» ، وَذكره ابْن مَنْدَه فِي «مُسْنده» من حَدِيث نبيط بن شريط، وواثلة بن الْأَسْقَع أَيْضا. وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من حَدِيث عَلّي وَابْن مَسْعُود وَأبي ذَر وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَكَعب بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَبُرَيْدَة وَأنس و [العُرس] بن عميرَة، وَأبي رَافع وَعَائِشَة وَقَالَ: كلهَا لَا تثبت، ثمَّ ذكر سَبَب ذَلِك وَاضحا، وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» قَالَ: إِنِّي لَا أعلم فِي «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها» [حَدِيثا صَحِيحا] .
فَائِدَة: رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس بِزِيَادَة وَهَذَا لَفظه «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها يَوْم خميسها» . لَكِنَّهَا ذَاهِبَة بِسَبَب عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن الوضاع الْمَذْكُور فِي إسنادها. وَرَوَاهَا الْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس رَفعه «اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها يَوْم خميسها» وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تسألن رجلا حَاجَة [بلَيْل] وَلَا يسألن (رجل) أَعْمَى حَاجَة [فَإِن الْحيَاء] فِي الْعَينَيْنِ» قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث
стр. 5455
لَا نعلمهُ رَوَاهُ عَن أبي جَمْرَة إِلَّا عَمْرو بن مساور، وَعَمْرو رَوَى عَنهُ عَفَّان وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وَلم يكن بِالْقَوِيّ وَلَا نعلم لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين.
قلت: وَعَمْرو هَذَا نسبه مَجْهُول. قلت: وَرَوَى زِيَادَة نَسَبهَا أَيْضا وَهِي مفتعلة كَمَا شهد بذلك أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ الْحَافِظ.
فَائِدَة ثَانِيَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ لَا نَعْرِف لصخر غير هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي السالف - وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْبَغوِيّ وَابْن عبد الْبر.
قلت: وَله حَدِيث آخر لم يخرجَاهُ وَهُوَ حَدِيث «لَا تسبو الْأَمْوَات فتؤذوا الْأَحْيَاء» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد، نَا الْفرْيَابِيّ، نَا سُفْيَان، عَن شُعْبَة، عَن يعْلى بن عَطاء، عَن عمَارَة، عَن صَخْر بِهِ.
الحَدِيث السَّابِع
قَالَ: «وَأَن يعْقد الرَّايَات» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ وَسَيَأْتِي ذَلِك من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير بِطُولِهِ،
стр. 5456
وَتَنَاول أَيْضا أَنه ﵇ قَالَ: «لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب الله وَرَسُوله، وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فَأَعْطَاهَا لعَلي» الحَدِيث بِطُولِهِ، وَقد جَاءَت أَحَادِيث عدَّة فِي لون راية النَّبِي ﷺ فَفِي التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: «كَانَت راية النَّبِي ﷺ [سَوْدَاء، و] [لِوَاؤُهُ] أَبيض» وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن حَيَّان أَخُو مقَاتل بن حَيَّان قَالَ البُخَارِيّ: عِنْده غلط كَبِير.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» مستشهدًا بِهِ بِلَفْظ «كَانَ لِوَاء النَّبِي ﷺ أَبيض، ورايته سَوْدَاء» . وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث الْبَراء ﵁ قَالَ: «كَانَت راية النَّبِي ﷺ سَوْدَاء مربَّعة من نمرة» حسنه التِّرْمِذِيّ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِيُونُس بن عبيد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده، وَقَالَ: لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث، وَفِي أبي دَاوُد من حَدِيث سماك بن حَرْب، عَن رجل من قومه، عَن آخر مِنْهُم قَالَ: «رَأَيْت راية النَّبِي ﷺ صفراء» .
стр. 5457
وَفِي إِسْنَاده جَهَالَة كَمَا ترَى. وَفِي ابْن السكن من حَدِيث [مزيدة] العصري. قَالَ: «عقد النَّبِي ﷺ رايات الْأَنْصَار جَعلهنَّ صفراء» ألزم ابْن الْقطَّان عبد الْحق بِتَصْحِيحِهِ. وَفِي «السّنَن الْأَرْبَعَة» أَيْضا وصحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث جَابر ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ دخل مَكَّة عَام الْفَتْح وَلِوَاؤُهُ أَبيض» . قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ: غَرِيب، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أنس «أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَت مَعَه راية سَوْدَاء فِي بعض مشَاهد النَّبِي ﷺ » . قَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده صَحِيح قَالَ: وَهِي بِلَا شكّ من رايات رَسُول الله ﷺ .
الحَدِيث الثَّامِن
قَالَ: «وَيجْعَل كل أَمِير تَحت راية» .
هُوَ كَمَا قَالَ [فَفِي] «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث عُرْوَة
стр. 5458
بن الزبير ﵁. قَالَ: «لما سَار رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح فَبلغ ذَلِك قُريْشًا، خرج أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَحَكِيم بن حزَام وبُدَيل بن وَرْقَاء يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوا مَرّ الظهْرَان، فَإِذا هم بنيران كَأَنَّهَا نيران عَرَفَة، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: مَا هَذِه؟ [لكأنها] نيران عَرَفَة. فَقَالَ بديل بن وَرْقَاء: نيران بني عَمْرو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: عَمْرو أقل من ذَلِك. فَرَآهُمْ نَاس من حرس رَسُول الله ﷺ فأدركوهم فَأَخَذُوهُمْ فَأتوا بهم رَسُول الله ﷺ ، فَأسلم أَبُو سُفْيَان، فَلَمَّا سَار قَالَ للْعَبَّاس: أحبس أَبَا سُفْيَان عِنْد خطم الْجَبَل حَتَّى ينظر إِلَى الْمُسلمين فحبسه الْعَبَّاس، فَجعلت الْقَبَائِل تمر مَعَ رَسُول الله ﷺ ، تمر كَتِيبَة كَتِيبَة عَلَى أبي سُفْيَان، فمرت كَتِيبَة فَقَالَ: يَا عَبَّاس من هَذِه؟ قَالَ: هَذِه غفار. قَالَ: مَالِي وَلِغفار، ثمَّ مرت جُهَيْنَة فَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ مرت سعد بن هذيم فَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ مرت سُليم فَقَالَ مثل ذَلِك، حَتَّى أَقبلت كَتِيبَة لم ير مثلهَا، قَالَ: من هَذِه؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَار عَلَيْهِم سعد بن عبَادَة وَمَعَهُ الرَّايَة، فَقَالَ سعد بن عبَادَة: يَا أَبَا سُفْيَان، الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْكَعْبَة. فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا عَبَّاس حبذا يَوْم الذمار. ثمَّ جَاءَت كَتِيبَة وَهِي أقل الْكَتَائِب فيهم رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه، وَرَايَة النَّبِي ﷺ مَعَ الزبير فَلَمَّا مر رَسُول الله ﷺ بِأبي سُفْيَان، قَالَ: ألم تعلم مَا قَالَ سعد بن عبَادَة؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: كذب سعد [وَلَكِن] هَذَا يَوْم يعظم الله فِيهِ الْكَعْبَة [وَيَوْم تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَة] . قَالَ: وَأمر رَسُول الله ﷺ أَن تركز
стр. 5459
رايته بالحجون، وَأمر رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ خَالِد بن الْوَلِيد أَن يدْخل من أَعلَى مَكَّة من كداء، وَدخل النَّبِي ﷺ من كدا فَقتل من خيل خَالِد بن الْوَلِيد رجلَانِ حُبَيْش بن الْأَشْعر وكرز بن جَابر الفِهري» .
الحَدِيث التَّاسِع
قَالَ: «وَيجْعَل لكل طَائِفَة شعارًا حَتَّى لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا بياتًا» .
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «سنَن النَّسَائِيّ» و «صَحِيح الْحَاكِم» من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ: قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ : «إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ الْعَدو غَدا، فَلْيَكُن شِعَاركُمْ حم لَا ينْصرُونَ» وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث الْمُهلب بن أبي صفرَة، عَمَّن سمع النَّبِي ﷺ مثله، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، قَالَ: وَالرجل الَّذِي لم يسمعهُ الْمُهلب هُوَ الْبَراء بن عَازِب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَلَفظه - حَدثنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْلَة الخَنْدَق « [إِنِّي] لَا أرَى الْقَوْم إِلَّا يبيتوكم اللَّيْلَة فَإِن شِعَاركُمْ [حم] لَا ينْصرُونَ» وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : سكت عبد الْحق عَنهُ وَهُوَ عَمَّن لم يسم.
قلت: لَا يضرّهُ؛ لِأَنَّهُ صَحَابِيّ فَلَا يضر جهالته، وَفِي «صَحِيح الْحَاكِم» من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت: «جعل رَسُول الله ﷺ -
стр. 5460
شعار الْمُهَاجِرين يَوْم بدر عبد الرَّحْمَن [والأوس بني عبد الله] والخزرج عبيد الله» ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: لَا فَفِيهِ يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ، وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي حَبِيبَة وهما ضعيفان، وَفِي «صَحِيح الْحَاكِم» أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ جعل شعار الأزد يَا مبرور يَا مبرور» . ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَفِيه نظر أَيْضا؛ لِأَن فِيهِ إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن زُرَارَة الرقي، قَالَ الْأَزْدِيّ فِي حَقه: مُنكر الحَدِيث، وَأما ابْن حبَان فوثقه. وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث عَلّي ﵁ قَالَ: «كَانَ سيمانا يَوْم بدر الصُّوف الْأَبْيَض» وَفِيه وَأبي دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع، قَالَ: «أمَّر علينا رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر الصّديق ﵁ لَيْلَة بيتنا هوَازن فَكَانَ من شعارنا أمت أمت» .
الحَدِيث الْعَاشِر
قَالَ: «وَيسْتَحب أَن يدْخل دَار الْحَرْب بتعبئة الْحَرْب؛ لِأَنَّهُ أحوط وأهيب» .
стр. 5461
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَحَدِيث عُرْوَة السالف قَرِيبا فِي مرورهم عَلَى أبي سُفْيَان قَبيلَة قَبيلَة إِلَى آخر مَا سلف وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار من حَدِيث عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَالَ: «عبأنا رَسُول الله ﷺ ببدر لَيْلًا ... » رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ، ثَنَا سَلمَة بن الْفضل، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عِكْرِمَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَلم يعرفهُ - يَعْنِي الحَدِيث - وَقَالَ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق سمع من عِكْرِمَة؛ وَحين رَأَيْته كَانَ حسن الرَّأْي فِي مُحَمَّد بن حميد ثمَّ ضعفه بعد.
قلت: وَغير البُخَارِيّ نَفَى سَمَاعه مِنْهُ، وَأدْخل بَينهمَا يزِيد بن أبي حبيب وَسَلَمَة بن الْفضل ضَعِيف، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق الكوسج: أشهد عَلَى مُحَمَّد بن حميد [أَنه] كَذَّاب، وَرَوَاهُ الْبَزَّار، عَن عبد الله بن شبيب، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى بن هَانِئ، ثَنَا أبي، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن ثَوْر - يَعْنِي ابْن يزِيد - عَن عِكْرِمَة بِهِ وَيَحْيَى هَذَا. قَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف. وَقَالَ السَّاجِي: أَحَادِيثه مَنَاكِير وأغاليط، وَكَانَ ضريرًا يلقن بِحَدِيث عَن ابْن إِسْحَاق.
стр. 5462
الحَدِيث الْحَادِي عشر
قَالَ: «وَأَن يستنصر بالضعفاء» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص ﵁ «أَنه رَأَى أَن لَهُ فضلا عَلَى من دونه. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل ترزقون وتنصرون إِلَّا بضعفائكم» زَاد النَّسَائِيّ: «بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء د س ت وَصَححهُ، وَكَذَا ابْن حبَان وَالْحَاكِم.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
قَالَ: «وَأَن يَدْعُو عِنْد التقاء الصفين» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» من حَدِيث سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء عِنْد حُضُور الصَّلَاة وَعند الصَّفّ فِي سَبِيل الله» وَفِي رِوَايَة لَهُ «ساعتان
стр. 5463
لَا ترد عَلَى داعٍ دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله» . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي كتاب «وصف الصَّلَاة بِالسنةِ» وَهِي عَلَى شَرط صَحِيحه «عِنْد النداء بِالصَّلَاةِ، والصف فِي سَبِيل الله» ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد «اثْنَان لَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء بِالصَّلَاةِ، والصف فِي سَبِيل الله، وَعند الْبَأْس حِين يلحم بَعضهم بَعْضًا» وَرَوَاهَا الْحَاكِم أَيْضا وَفِي إسنادها رجل مُتَكَلم فِيهِ، وصححها الْحَاكِم وَابْن خُزَيْمَة، وَفِي صَحِيح الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء، واستجيب الدُّعَاء، فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي» ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» بِإِسْنَاد ضَعِيف من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه «الدُّعَاء يُسْتَجَاب وتفتح أَبْوَاب السَّمَاء فِي أَرْبَعَة مَوَاطِن عِنْد التقاء الصُّفُوف، ونزول الْغَيْث، وَإِقَامَة الصَّلَاة، ورؤية الْكَعْبَة» . وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير» من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا «تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لخمس: لقرأة الْقُرْآن، و (التقاء) الزحفين، ونزول (الْمَطَر) ، ولدعوة الْمَظْلُوم، وَالْأَذَان» ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع إِلَّا حَفْص تفرد بِهِ عَمْرو بن عون الوَاسِطِيّ.
стр. 5464
الحَدِيث الثَّالِث عشر
قَالَ: «وَأَن يكبر من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت» .
وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي «البُخَارِيّ» من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «فتح رَسُول الله ﷺ خَيْبَر بكرَة وَقد خَرجُوا بِالْمَسَاحِي فَلَمَّا نظرُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالُوا: مُحَمَّد وَالْخَمِيس، فَرفع رَسُول الله ﷺ يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ: الله أكبر - ثَلَاث مَرَّات خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
قَالَ: «وَأَن يحرض النَّاس عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْر والثبات» .
هُوَ كَمَا قَالَ: فَفِي «صَحِيح مُسلم» ؛ أَن [أَبَا] مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن [أَبْوَاب] الْجنَّة تَحت ظلال السيوف» و «البُخَارِيّ» مثله من رِوَايَة ابْن أبي أَوْفَى.
стр. 5465
الحَدِيث الْخَامِس عشر
رُوِيَ «أَن النَّبِي ﷺ اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع فِي بعض الْغَزَوَات ورضخ لَهُم» .
هَذَا الحَدِيث، رَوَاهُ الشَّافِعِي فَقَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُف، أبنا الْحسن بن عمَارَة، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «اسْتَعَانَ رَسُول الله ﷺ بيهود بني قينقاع ورضخ لَهُم وَلم يُسهم لَهُم» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث لم أَجِدهُ إِلَّا من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ ضَعِيف، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «اسْتَعَانَ رَسُول الله ﷺ بيهود بني قينقاع فرضخ لَهُم وَلم يُسهم لَهُم» قَالَ الشَّافِعِي: وروينا بإسنادٍ أصح من هَذَا عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ: «خرج رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا خلف ثنية الْوَدَاع إِذا كَتِيبَة، قَالَ: من هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: بني قينقاع وَهُوَ رَهْط عبد الله بن سَلام. قَالَ: وَأَسْلمُوا؟ قَالُوا: لَا بل هم عَلَى دينهم. قَالَ: قل لَهُم فليرجعوا فَإنَّا لَا نستعين بالمشركين» .
وَفِي «مَرَاسِيل أبي دَاوُد» من حَدِيث الزُّهْرِيّ «أَن رَسُول الله ﷺ اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه فَأَسْهم لَهُم» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن رَسُول الله ﷺ [أسْهم] ليهود كَانُوا [غزوا] مَعَه مثل سِهَام الْمُسلمين» . وَفِي
следующие страницы →