Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ عَن أَبِيه.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف؛ فقد اتَّفقُوا عَلَى أَن مَدَاره عَلَى أبي العشراء، قَالُوا: وَهُوَ مَجْهُول لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث، وَلم يرو عَنهُ غير حَمَّاد بن سَلمَة، وَقد اتّفق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ عَلَى أَن من لم يرو عَنهُ غير وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِعلم أَو صَلَاح أَو شجاعة وَنَحْو ذَلِك، وَلم يُوجد شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء فِي أبي العشراء فَهُوَ مَجْهُول، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه لم يرو عَنهُ غير حَمَّاد بن سَلمَة. وَأما عبد الْحق فَذكره من طَرِيق أبي دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي خطْبَة كِتَابه، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ، وقولة ابْن حبَان الشائعة «تفرد بهَا» فَلَا تصلح أَن تكون سندًا لَهُ.
وَأما اللَّفْظ الثَّانِي الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ فَغَرِيب جدًّا، ونقلها ابْن الصّلاح عَن الشَّيْخ أبي حَامِد أَنه قَالَ فِي بعض الْأَخْبَار «أَنه سُئِلَ عَن بعير تردى فِي بِئْر فَقَالَ: أما تصلح الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبة؟ ... » وَذكر الحَدِيث. ثمَّ قَالَ ابْن الصّلاح: وَذَلِكَ بَاطِل لَا يعرف. وَأما الرِّوَايَة الثَّالِثَة الَّتِي فِيهَا ذكر الخاصرة فتبع الرَّافِعِيّ فِي إيرادها الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وَالْغَزالِيّ تبع فِي إيرادها شَيْخه إِمَام الْحَرَمَيْنِ.
قَالَ ابْن الصّلاح فِي «مشكلات الْوَسِيط» : وَهُوَ غلط، وَالْمَعْرُوف فِي الحَدِيث ذكر الْفَخْذ. قَالَ: وَذكر الخاصرة ورد فِي أثر رَوَيْنَاهُ، وَذكره الشَّافِعِي قَالَ: «تردى بعير إِلَى بِئْر فطعن فِي شاكلته، فَسئلَ عبد الله بن عمر عَن أكله فَأمر بِهِ» . قَالَ: والشاكلة: الخاصرة. هَذَا آخر كَلَامه.
стр. 5637
وَلَيْسَ بغلط من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة بل هُوَ مَرْوِيّ كَمَا ذكره، رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي جمعه لأحاديث أبي العشراء من حَدِيث حَمَّاد بن زيد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ، عَن أَبِيه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي اللبة أَو الْحلق؟ قَالَ: لَو طعنت فَخذهَا أَو شاكلتها وَذكر اسْم الله - تَعَالَى - لأجزأ عَنْك» وَورد فِي حَدِيث آخر بدل «الْحلق» : «الخاصرة» .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي «مُعْجَمه» : ثَنَا عَلّي بن مسْهر، وَبِه حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب، ثَنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان، ثَنَا مَالك بن أنس، ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي العشراء، عَن أَبِيه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الخاصرة واللبة؟ قَالَ: لَو طعنت فِي فَخذهَا لأجزأت عَنْك» .
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: وَقع غلط لإِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين أَحدهمَا: أَنه جعل أَبَا العشراء الدَّارمِيّ هُوَ الَّذِي خاطبه النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ أَبوهُ، وَأَبُو العشراء تَابِعِيّ مَشْهُور. ثَانِيهَا: أَنه ذكر تردي الْبَعِير فِي متن الحَدِيث، وَلَيْسَ ذَلِك من الحَدِيث، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِير من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، قَالُوا: هَذَا عِنْد الضَّرُورَة فِي المتردي فِي الْبِئْر وأشباهه.
الثَّانِي: اخْتلف أهل الحَدِيث فِي اسْم أبي العشراء وَاسم أَبِيه، فَقَالَ البُخَارِيّ: هُوَ أُسَامَة بن مَالك بن قحطم - يَعْنِي بحاء مُهْملَة وبكسر الْقَاف - وَكَذَا قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل وَيَحْيَى بن معِين، وَقيل: عُطَارِد بن برز - بِفَتْح الرَّاء وسكونها - وَقيل: عُطَارِد بن بَلْز. وَقيل: يسَار بن بلز
стр. 5638
بن خولى، نزل الجفرة (قَالَ ابْن عبد) وَقيل: اسْمه بكر بن جَهْضَم. وَقيل: عُطَارِد بن برد. وَهُوَ من بني دارم بن مَالك بن زيد بن تَمِيم. وَقَالَ أَبُو نعيم فِي «الْمعرفَة» : بلز، وَقيل: برز، وَقيل: رزن، وَقيل: مَالك بن قحطم بن أبي العشراء الدَّارمِيّ. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: مَالك بن قهطم، وَقيل: عُطَارِد بن بدر.
الثَّالِث: قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف لأبي العشراء عَن أَبِيه غير هَذَا الحَدِيث. وَكَذَا قَالَه الإِمَام أَحْمد: لَا نَعْرِف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث. وَكَذَا قَالَه أَيْضا غَيرهمَا، وَلم يذكر لَهُ [أَبُو] نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» سواهُ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا فَلهُ عدَّة أَحَادِيث.
قَالَ ابْن حبَان فِي «ثقاته» فِي تَرْجَمَة أبي العشراء: رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ثَلَاثَة أَحَادِيث الْمَشْهُور مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ... فَذكره. وأفرد الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي حَدِيث جُزْء مُنْفَرد ذكر لَهُ فِيهِ خَمْسَة عشر حَدِيثا، وَقد ذكرتها فِي «تخريجي لأحاديث الْوَسِيط» فَرَاجعهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات الَّتِي يرحل إِلَيْهَا.
الحَدِيث السَّادِس
عَن جَابر ﵁ قَالَ: «كل إنسية توحشت فذكاتها ذَكَاة الوحشية» .
стр. 5639
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حرَام، عَن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد ابْني جَابر، عَن أَبِيهِمَا أَنه قَالَ: «ندت علينا بقرة ممتنعة نافرة، وَلَا تمر عَلَى أحد إِلَّا نطحته، وندت عَلَيْهِ فخرجنا نكدها حَتَّى بلغنَا الصماء، ومعنا غُلَام قبْطِي لبني حرَام وَمَعَهُ مُشْتَمل، فشدت عَلَيْهِ لتنطحه فضربها أَسْفَل من المنحر وَفَوق مرجع الْكَتف، فركبت ردعها فَلم يدْرك لَهَا ذَكَاة. قَالَ جَابر: فَأخْبرت رَسُول الله ﷺ بشأنها فَقَالَ: إِذا استوحشت الإنسية وتمنعت فَإِنَّهُ يحلهَا مَا يحل الوحشية، ارْجعُوا إِلَى بقرتكم فكلوها. فرجعنا إِلَيْهَا فاجتزرناها» . وَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن حرَام بن عُثْمَان أَيْضا، عَن أبي عَتيق، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء، وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف بِسَبَب حرَام بن عُثْمَان وَهُوَ واهٍ.
قَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله ابْن غَانِم فِي فضائله -: حَدِيث حرَام [حرَام] والرياحي ريَاح، ومجالد [يخالد] .، وَمن رَوَى عَن جَابر البياضي بيض الله عينه، وَالشعْبِيّ بالعراق مثل عرق بِالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد وَغَيره: ترك النَّاس حَدِيثه. وَقَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى وَالسَّعْدِي: مُنكر الحَدِيث، يقلب الْأَسَانِيد، وَيرْفَع الْمَرَاسِيل. وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» عَن الشَّافِعِي مثل هَذِه الْعبارَة فِيهِ أَيْضا. وَقَالَ عبد الْحق: هُوَ عِنْد أهل الحَدِيث كَمَا قَالَ فِيهِ
стр. 5640
الشَّافِعِي. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي الِاسْتِظْهَار: ضَعِيف لَا تقوم بِمثلِهِ الْحجَّة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَتْرُوك بِاتِّفَاق مِنْهُم. قلت: وَأَبُو عَتيق لَا يعرف من هُوَ كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَقه.
الحَدِيث السَّابِع
عَن عدي بن حَاتِم ﵁ قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت أَحَدنَا صَاد صيدا وَلَيْسَ مَعَه سكين، أيذبح بالمروة؟ فَقَالَ: أَمر الدَّم بِمَا شِئْت، وَاذْكُر اسْم الله» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل - وَهُوَ التَّبُوذَكِي الْحَافِظ -[عَن حَمَّاد]- وَهُوَ ابْن سَلمَة بن دِينَار - عَن سماك بن حَرْب، عَن مُري بن قطري، عَن عدي بن حَاتِم قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت إِن أَحَدنَا أصَاب صيدا وَلَيْسَ مَعَه سكي، ن أيذبح بالمروة وشقة الْعَصَا؟ فَقَالَ: أمرر الدَّم بِمَا شِئْت، وَاذْكُر اسْم الله» وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله فِي الصَّحِيح خلا مُري بن قطري فَإِن ابْن حبَان وَثَّقَهُ [و] التَّبُوذَكِي من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» . وَحَمَّاد بن سَلمَة وَسماك من رجال مُسلم وَإِن تكلم فِي سماك، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، عَن خَالِد، عَن شُعْبَة، عَن سماك قَالَ:
стр. 5641
سَمِعت مري بن قطري [عَن عدي بن حَاتِم] يَقُول: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي أرسل [كَلْبِي] فآخذ الصَّيْد فَلَا أجد مَا أذكيه بِهِ فأذبحه بالمروة وبالعصا فَقَالَ: (أهرق) الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله عَلَيْهِ» .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن بشار - وَهُوَ الْحَافِظ أخرج لَهُ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة - عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، عَن سُفْيَان - وناهيك بهما - عَن سماك بن حَرْب، عَن [مري] بن قَطَري، عَن عدي بن حَاتِم قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا نصيد الصَّيْد فَلَا نجد سكينًا إِلَّا الظرار وشقة الْعَصَا. فَقَالَ: أمرر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله » وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور والسند الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم.
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى، ثَنَا عَلّي بن الْجَعْد الْجَوْهَرِي، أبنا شُعْبَة، عَن سماك بن حَرْب قَالَ: سَمِعت مري بن قطري يحدث عَن عدي بن حَاتِم قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي أرسل (كَلْبا) فَيَأْخُذ صيدا وَلَا آخذ مَا أذبح بِهِ إِلَّا الْمَرْوَة أَو الْعَصَا. قَالَ: أَمر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من هَذِه الطَّرِيق وَلَفظه: «إِنِّي أرمي الصَّيْد وَلَا أجد
стр. 5642
مَا أذكيه بِهِ إِلَّا الْمَرْوَة والعصا. قَالَ: أَمر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله. قلت: طَعَام مَا أَدَعهُ [إِلَّا] تحرجًا. قَالَ: وَمَا ضارعت فِيهِ نَصْرَانِيَّة فَلَا تَدعه» . وَأما ابْن حزم فقد قَالَ فِي «محلاه» : فَإِن ذكرُوا مَا رَوَيْنَاهُ عَن شُعْبَة، عَن سماك بن حَرْب، عَن مري بن قطري، عَن عدي بن حَاتِم، عَن رَسُول الله ﷺ : «أنهر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله» قُلْنَا: هَذَا خبر سَاقِط؛ لِأَنَّهُ عَن سماك بن حَرْب وَهُوَ يقبل التَّلْقِين، عَن مري بن قطري وَهُوَ مَجْهُول. انْتَهَى. وَقد رَوَاهُ عَن سماك: شُعْبَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَحَمَّاد بن سَلمَة، وَصَححهُ الْحَاكِم من حَدِيث الثَّوْريّ - كَمَا تقدم - وَسماك يكفينا احتجاج مُسلم بِهِ، وَقد تقدم أَن ابْن حبَان وثق مري بن قطري وَصحح الحَدِيث من جِهَته وَكَذَا الْحَاكِم فَزَالَتْ الْجَهَالَة.
فَائِدَة: «شقة الْعَصَا» - بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة - أَي: بِمَا يشق مِنْهَا وَيكون محددًا. و «أمرر» براءين أَي: اجْعَل الدَّم يمر أَي يذهب. وَهَذِه الرِّوَايَة تؤيد رِوَايَة «أَمر» الْوَاقِعَة فِي إِحْدَى روايتى ابْن مَاجَه بتَشْديد الرَّاء غلط، وَذكر الْخطابِيّ فِي كِتَابه «تصاحيف الروَاة» أَن هَذِه الرِّوَايَة «أَمر» بتَشْديد الرَّاء غلط، وَذكر غَيره أَنه لَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يكون قد أدغم، وَالصَّوَاب عِنْد الْخطابِيّ رِوَايَة من رَوَاهُ «أَمر الدَّم» سَاكِنة الْمِيم خَفِيفَة الرَّاء، وَمَعْنى ذَلِك أسِلْهُ وأجره. قَالَ الْهَرَوِيّ: والظرار وَاحِدهَا ظرر وَهُوَ حجر محدد صلبِ.
стр. 5643
الحَدِيث الثَّامِن
عَن رَافع بن خديج قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا لاقو الْعَدو غَدا وَلَيْسَ مَعنا مدى. فَقَالَ: مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكل، لَيْسَ السن وَالظفر، وسأحدثك؛ أما السن فَعظم، وَأما الظفر فمدى الْحَبَشَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَقد تقدم بِطُولِهِ وفوائده فِي أَوَائِل الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث الرَّابِع مِنْهُ.
الحَدِيث التَّاسِع
عَن عدي بن حَاتِم ﵁ قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن صيد المعراض، فَقَالَ: إِن قتل بحده فَكل، وَإِن قتل بنصله فَلَا تَأْكُل» وَرَوَى: «إِذا أصبت بحده فَكل، وَإِذا أصبت بعرضه فَلَا تَأْكُل فَإِنَّهُ وقيذ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي البُخَارِيّ وَمُسلم كَمَا تقدم فِي أول الْبَاب، وَأما الرِّوَايَة الأولَى فروياها أَيْضا إِلَّا أَنَّهُمَا لم يذكرَا: «وَإِن قتل بنصله فَلَا تَأْكُل» وَلم أرها أَيْضا فِي رِوَايَة غَيرهمَا.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن عدي بن حَاتِم ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَا علمت من كلب أَو باز ثمَّ أرْسلت وَذكرت اسْم الله - تَعَالَى - فَكل مَا أمسك عَلَيْك» .
стр. 5644
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد - كَمَا تقدم فِي أول الْبَاب - وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن عدي، وَلكنه حَدِيث ضَعِيف قَالَ: مجَالد لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ يَحْيَى مرّة وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَا يحْتَج بحَديثه. وَقَالَ مرّة: صَالح. وَقَالَ ابْن حبَان: يقلب الْأَسَانِيد فيرفع الْمَرَاسِيل لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ذكر «الْبَازِي» فِي هَذِه الرِّوَايَة لم يَأْتِ بِهِ الْحفاظ عَن الشّعبِيّ وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ مجَالد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا وَمن حَدِيث مجَالد.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي ﵁ قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي أصيد بكلبي الْمعلم وكلبي الَّذِي لَيْسَ بمعلم. فَقَالَ: مَا صدت بكلبك الْمعلم فاذكر اسْم الله عَلَيْهِ وكل، وَمَا صدت بكلبك الَّذِي لَيْسَ بمعلم فأدركت ذَكَاته فَكل» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة، وَهَذَا سياقهما عَن أبي ثَعْلَبَة قَالَ: «أتيت النَّبِي ﷺ -
стр. 5645
فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا بِأَرْض قومِ أهل كتاب أفنأكل فِي آنيتهم وَفِي أَرض صيد [أصيد] بقوسي وبكلبي الَّذِي لَيْسَ بمعلم وبكلبي الْمعلم، فَمَا يصلح لي؟ قَالَ: أما مَا ذكر - يَعْنِي من آنِية أهل الْكتاب - فَإِن وجدْتُم غَيرهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِن لم تَجدوا فاغسلوها وكلوا فِيهَا، وَمَا صدت [بقوسك فَذكرت اسْم الله فَكل، وَمَا صدت بكلبك الْمعلم فَذكرت اسْم الله فَكل، وَمَا صدت] بكلبك غير معلم فأدركت ذَكَاته فَكل» .
الحَدِيث الثَّانِي عشر
فِي الْخَبَر «فَإِن أكل فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك عَلَى نَفسه» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ بعض من حَدِيث عدي، وَقد تقدم فِي أول الْبَاب بِطُولِهِ.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم وَذكرت اسْم الله فَكل. قَالَ: وَإِن قتل؟ قَالَ: وَإِن قتل. قَالَ: وَإِن أكل؟ قَالَ: وَإِن أكل» .
هَذَا الحَدِيث الثَّالِث الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب وَقد سلف قَرِيبا وَاضحا.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
عَن عدي بن حَاتِم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِذا أرْسلت كلبك وَسميت وَأمْسك وَقتل فَكل، وَإِن أكل فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك عَلَى نَفسه» .
стр. 5646
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَقد سلف وَاضحا فِي أول الْبَاب.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
حَدِيث عدي الَّذِي فِيهِ ذكر الْبَازِي. وَقد تقدم بَيَانه قَرِيبا.
الحَدِيث السَّادِس عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ: «كل مَا رد عَلَيْك قوسك» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ قَالَ: حَدثنِي أَبُو ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : «يَا أَبَا ثَعْلَبَة، كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك وكلبك الْمعلم ويدك (ذكي) وَغير ذكي» فِي إِسْنَاده بَقِيَّة عَن الزبيدِيّ، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْحِمصِي القَاضِي ثِقَة من رجال الصَّحِيح، وَقد أسلفنا فِيمَا مَضَى عَن جماعات الِاحْتِجَاج بِبَقِيَّة إِذا رَوَى عَن ثِقَة، فَيكون هَذَا الحَدِيث صَحِيحا إِذن لَوْلَا مَا عرف من عنعنته. وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي ثَعْلَبَة مَرْفُوعا: «كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك» فَقَالَ: يرويهِ الْأَوْزَاعِيّ، وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ ضَمرَة بن ربيعَة عَنهُ، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن سعيد بِهِ. وَغَيره يرويهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن أبي ثَعْلَبَة مُرْسلا، والمرسل أصح.
стр. 5647
قلت: وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر قَالَ أَحْمد فِي «مُسْنده» : ثَنَا حسن، ثَنَا ابْن لَهِيعَة، ثَنَا عَمْرو بن الْحَارِث، عَن عَمْرو ابْن شُعَيْب أَنه [حَدثهُ] أَن مولَى شُرَحْبِيل [بن] حَسَنَة حَدثهُ أَنه سمع عقبَة بن عَامر وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان يَقُولَانِ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك» .
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن أبي ثَعْلَبَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «إِذا رميت بسهمك فَغَاب عَنْك فَأَدْرَكته فكله مَا لم ينتن» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ «فِي الَّذِي يدْرك صَيْده بعد ثَلَاث: فكله مَا لم ينتن» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «إِذا رميت الصَّيْد فَأَدْرَكته بعد ثَلَاث لَيَال وسهمك فِيهِ فَكل مَا لم ينتن» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وأصحابنا النَّهْي عَن أكله إِذا أنتن للتنزيه لَا التَّحْرِيم. ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ «أَنه ﵇ أكل إهالة سنخة» وَهِي الْمُتَغَيّر الرّيح.
стр. 5648
قلت: وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَقَالَ: وَسَوَاء أنتن أَو لم ينتن. قَالَ: وَلَا يَصح الْأَثر الَّذِي فِيهِ الَّذِي يدْرك صَيْده بعد ثَلَاث: «فكله مَا لم ينتن» لِأَنَّهُ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح. هَذَا كَلَامه، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: مُعَاوِيَة بن صَالح لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
قلت: مُعَاوِيَة هَذَا قَاضِي الأندلس. قَالَ أَحْمد وَابْن سعد وَالْعجلِي وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يوثقه، وَكَانَ يَحْيَى بن سعيد لَا يرضاه. وَأخرج مُسلم الحَدِيث من جِهَته - كَمَا مَرَّ - وَكَذَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
عَن عدي بن حَاتِم ﵁ عَن النَّبِي ﷺ مَعْنَى حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الَّذِي قبله، وَقَالَ: «كُله إِلَّا أَن تَجدهُ وَقع فِي مَاء»
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَقد تقدم أول الْبَاب، لَا جرم قَالَ الرَّافِعِيّ فِيهِ وَفِي الحَدِيث قبله: هما حديثان.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
عَن عدي بن حَاتِم ﵁ قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا أهل صيد،
стр. 5649
وَإِن أَحَدنَا يَرْمِي الصَّيْد فيغيب عَنهُ الليلتين وَالثَّلَاث فيجده مَيتا. فَقَالَ (: إِذا وجدت فِيهِ أثر سهمك وَلم يكن فِيهِ سبع وَعلمت أَن سهمك قَتله فَكل» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ، وَقد تقدم لَفْظهمَا فِي الحَدِيث الأول من أَحَادِيث الْبَاب.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: «كل مَا أصميت ودع مَا أنميت» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ رجل مَسْتُور أَو مَجْهُول عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ: «أَتَى أَعْرَابِي عبد الله بن عَبَّاس وَأَنا عِنْده فَقَالَ: أصلحك الله، إِنِّي أرمي الصَّيْد فأصمي وأنمي. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: كل مَا أصميت ودع مَا أنميت» ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن أبي الْهُذيْل قَالَ: «أَمرنِي نَاس من أَهلِي أَن أسأَل لَهُم عبد الله بن عَبَّاس عَن أَشْيَاء، فكتبتها فِي صحيفَة فَأتيت لأسأله فَإِذا عِنْده نَاس يسألونه فَسَأَلُوهُ (حَتَّى سَأَلُوهُ) عَمَّا فِي صحيفتي، وَمَا سَأَلته عَن شَيْء، فَجَاءَهُ رجل أَعْرَابِي فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنى
стр. 5650
مَمْلُوك أكون فِي إبل أَهلِي فيأتيني الرجل يستسقيني أفأسقيه؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِن خشيت أَن [يهْلك] قَالَ: فاسقه مَا يبلغهُ ثمَّ أخبر بِهِ أهلك. قَالَ: فَإِنِّي رجل أرمي فأصمي وأنمي. قَالَ: مَا أصميت فَكل، وَمَا أنميت فَلَا تَأْكُل. قلت للْحكم: مَا الإصماء؟ قَالَ: الإقعاص. قلت: فَمَا الإنماء؟ [قَالَ] مَا توارى عَنْك» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ هَذَا من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «كل مَا أصميت ودع مَا أنميت» وَهُوَ ضَعِيف.
قَالَ فِي «خلافياته» : فِيهِ عُثْمَان الوقاصي وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث لَا يحْتَج بروايته. قَالَ: وَالْمَشْهُور وَقفه عَلَى ابْن عَبَّاس.
قلت: وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» مَرْفُوعا أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن تَمِيم، عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا أهل بَدو. قَالَ: إِذا رميت الصَّيْد فَكل مَا أصميت، وَلَا تَأْكُل مَا أنميت» وَفِيه مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن مسمول وَقد ضَعَّفُوهُ.
قَالَ الرّبيع: قَالَ الشَّافِعِي: «مَا أصميت» مَا قتلته الْكلاب وَأَنت ترَاهُ، و «مَا أنميت» مَا غَابَ عَنْك مَقْتَله.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
عَن عَائِشَة ﵂ «أَن قوما حَدِيث عهد بجاهلية يأْتونَ بلحمان لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهَا أم لم يذكرُوا، أنأكل مِنْهَا أم لَا؟
стр. 5651
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : اذْكروا اسْم الله وكلوا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» وَأَبُو دَاوُد - بِإِسْنَاد عَلَى شَرط البُخَارِيّ - وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَهُوَ عمدتنا فِي أَن مَتْرُوك التَّسْمِيَة حَلَال، وَرُوِيَ مُرْسلا وموصولاً، وَقد علمت أَن الْوَصْل مقدم، وانتصر ابْن عبد الْبر وَابْن الْجَوْزِيّ لمذهبهما فَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» : فِي هَذَا الحَدِيث أَن مَا ذبحه الْمُسلم وَلم يعرف اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا أَنه لَا بَأْس بِأَكْلِهِ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنه قد سَمّى وَالْمُؤمن لَا يظنّ بِهِ إِلَّا الْخَيْر، وذبيحته وصيده أبدا مَحْمُول عَلَى السَّلامَة حَتَّى يَصح فِيهِ غير ذَلِك من تعمد ترك التَّسْمِيَة وَنَحْوه.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «مُشكل الصَّحِيحَيْنِ» : الظَّاهِر من الْمُسلم والكتابي أَنه يُسَمِّي، فَيحْتَمل أمره عَلَى سَائِر أَحْوَاله، وَلَا يلْزمنَا سُؤَاله عَلَى هَذَا. وَقَوله: «سموا أَنْتُم وكلوا» لَيْسَ بِمَعْنى أَنه يُجزئ عَمَّا لم يسم عَلَيْهِ وَلَكِن لِأَن التَّسْمِيَة عَلَى الطَّعَام سنة. هَذَا آخر كَلَامهمَا وَلَا يخْفَى مَا فِيهِ.
стр. 5652
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «الْمُسلم يذبح عَلَى اسْم الله سَمّى أَو لم يسم» .
هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه بعد الْبَحْث عَنهُ، وَأغْرب الْغَزالِيّ فِي «الْإِحْيَاء» فَقَالَ: حَدِيث الْبَراء صَحِيح. وَلَا أعلمهُ مرويًّا من هَذَا الْوَجْه عوضا عَن كَونه صَحِيحا، وَالَّذِي يحضرني رِوَايَته من حَدِيث ثَوْر بن يزِيد عَن الصَّلْت قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «ذَبِيحَة الْمُسلم حَلَال ذكر اسْم الله أَو لم يذكر؛ لِأَنَّهُ إِن ذكر لم يذكر إِلَّا اسْم الله» رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» قَالَ عبد الْحق: هَذَا مُرْسل وَضَعِيف، وَقد أسْندهُ [الدَّارَقُطْنِيّ] من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «الْمُسلم يَكْفِيهِ اسْمه، فَإِن نسي أَن يُسَمِّي حِين يذبح فليسم، وليذكر اسْم الله عَلَيْهِ ثمَّ ليَأْكُل» وَعَن أبي هُرَيْرَة فِيمَن نسي التَّسْمِيَة أَيْضا [قَالَ] قَالَ رَسُول الله ﷺ : «اسْم الله عَلَى فَم كل مُسلم» وكلا الْحَدِيثين ضَعِيف. وَلم يبين سَبَب ذَلِك، وَبَينه ابْن الْقطَّان فِي كَلَامه عَلَيْهِ فَقَالَ: سَبَب الضعْف فِي الأول هُوَ أَن الصَّلْت لَا يعرف لَهُ حَال، وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا، وَلَا رَوَى عَنهُ إِلَّا ثَوْر بن يزِيد.
قلت: لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَأما سَبَب الضعْف فِي
стр. 5653
الثَّانِي - فَلَيْسَ فِي إِسْنَاده عَلَى أصل عبد الْحق إِلَّا ثِقَة - مُحَمَّد بن يزِيد وَهُوَ ابْن سِنَان الرهاوي، وَقد رَوَى عَنهُ النَّاس مِنْهُم أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَمُحَمّد بن مُسلم بن وارة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمتين، هُوَ أَشد غَفلَة من أَبِيه مَعَ أَنه كَانَ رجلا صَالحا صَدُوقًا [لم يكن من أحلاس الحَدِيث وَكَانَ يرجع إِلَى ستر وَصَلَاح] وَكَانَ النُّفَيْلِي يرضاه. وَقَالَ أَبُو أَحْمد: لَهُ أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا. قَالَ: (وَأما معقل بن عبيد الله الْمَذْكُور) فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ يضعف فَإِن عبد الْحق يقبله.
قلت: وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ أعله فِي «تَحْقِيقه» بِهِ وَأغْرب فَقَالَ: إِنَّه مَجْهُول. وَهُوَ عجب؛ فَإِنَّهُ معقل بن عبيد الله الْجَزرِي الْحَرَّانِي، كَمَا صرح بِهِ الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْقطَّان، وَهُوَ من رجال مُسلم. وَقَالَ ابْن معِين وَغَيره: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة الكوسج: ثِقَة. وَقَالَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن صَالح: ضَعِيف. والغريب مِنْهُ أَنه ذكره فِي كتاب «الضُّعَفَاء» وَاقْتصر فِيهِ عَلَى هَذِه القولة الثَّالِثَة فَكيف يكون مَجْهُولا إِذن؟ ! وَأما سَبَب الضعْف فِي الثَّالِثَة فَهُوَ أَن فِيهِ مَرْوَان بن سَالم الْغِفَارِيّ، وَلَيْسَ بِثِقَة بل هُوَ ضَعِيف، وَلَيْسَ بِمَرْوَان بن سَالم الْمَكِّيّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: إِن الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَيْهِ.
قلت: وَقد أخرجه ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» كَذَلِك،
стр. 5654
وَعنهُ أَنه قَالَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: إِنَّه حَدِيث مُنكر.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
«أَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه مروا بِظَبْيٍ حَاقِف، فهم أَصْحَابه بِأَخْذِهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : دَعوه حَتَّى يَجِيء صَاحبه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان وَالْحَاكِم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث الضمرِي [عَن الْبَهْزِي] واسْمه زيد بن كَعْب - عَلَى مَا قَالَه الْخَطِيب فِي مبهماته وَغَيره - «أَن رَسُول الله ﷺ خرج يُرِيد مَكَّة وَهُوَ محرم حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذا حمَار وَحشِي عقير، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله: دَعوه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِي صَاحبه. فجَاء الْبَهْزِي - وَهُوَ صَاحبه - إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، شَأْنكُمْ بِهَذَا الْحمار. فَأمر رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر فَقَسمهُ بَين الرفاق، ثمَّ مَضَى حَتَّى إِذا كَانَ بالأثاية بَين الرُّوَيْثَة وَالْعَرج إِذا ظَبْي حَاقِف وَفِيه سهم، فَزعم أَن رَسُول الله ﷺ أَمر رجلا يقف عِنْده لَا يرِيبهُ أحد من النَّاس حَتَّى يُجَاوِزهُ» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِنَحْوِهِ.
فَوَائِد: الأولَى: قَالَ الْخَطِيب فِي «مبهماته» : الرجل الْمَأْمُور
стр. 5655
بِالْإِقَامَةِ عَلَيْهِ ليحفظه هُوَ أَبُو بكر الصّديق ﵁.
قلت: وَوَقع فِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله، عَن أَبِيه طَلْحَة «أَن النَّبِي ﷺ أعطَاهُ حمَار وَحش وَأمره أَن يفرقه فِي الرفاق» قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «أَطْرَافه» : قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: هَذَا الحَدِيث لَا أعلم رَوَاهُ هَكَذَا غير ابْن عُيَيْنَة، وَأَحْسبهُ أَرَادَ أَن يختصره فَأَخْطَأَ فِيهِ، وَقد خَالفه النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث، رَوَاهُ مَالك وجماعات من حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة، عَن عُمَيْر بن سَلمَة، عَن رجل من بهز، عَن النَّبِي ﷺ وَقَالُوا جَمِيعًا فِي حَدِيثهمْ: «فَأمر رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر أَن يقسمهُ فِي الرفاق وهم محرمون» وَلَعَلَّ ابْن عُيَيْنَة حِين اخْتَصَرَهُ لحقه الْوَهم؛ لِأَن فِي إِسْنَاد الحَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة فَقَالَ: عَن أَبِيه. والبهزي يُقَال إِن اسْمه زيد بن كَعْب وَهُوَ من بني سليم، وَهُوَ صَاحب الظبي الحاقف.
قلت: وَقد رَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ النَّاس أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي آخر كتاب المناقب فِي تَرْجَمَة عُمَيْر بن سَلمَة الضمرِي قَالَ: «بَينا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ محرم إِذا نَحن بِحِمَار وَحش معقور فَذَكرته للنَّبِي (فَقَالَ: دَعوه. فَأَتَاهُ الَّذِي عقره وَهُوَ رجل من بهز ... » الحَدِيث كَمَا سلف، وَإِسْنَاده صَحِيح. ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ تَغْيِير فِي اسْم رَاوِي هَذَا
стр. 5656
الحَدِيث الَّذِي أوردناه فَقَالَ: رجل من فهر بهاء مَكْسُورَة وَرَاء.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : وَكَذَا نَقله بعض الْأَئِمَّة الْفُضَلَاء عَن خطّ المُصَنّف وَهُوَ غلط وتصحيف، وَالصَّوَاب: رجل من بهز. بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالزاي.
الْفَائِدَة الثَّانِيَة: «الروحاء» مَمْدُود: قَرْيَة جَامِعَة لمزينة عَلَى لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا. قَالَه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ. وَقَالَ الْمُحب فِي «أَحْكَامه» : الروحاء منهل مَعْرُوف قَرِيبا من الْمَدِينَة.
الْفَائِدَة الثَّالِثَة: مَعْنَى «عقير» : معقور، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
الرَّابِعَة: فِي ضَبطه أَسمَاء الْأَمَاكِن الْوَاقِعَة فِيهِ: «الأُثاية» بِضَم أَولهَا ثمَّ مُثَلّثَة وبهاء فِي الْآخِرَة قبلهَا يَاء مثناة تَحت. كَذَا ضَبطهَا الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» بِضَم أَولهَا. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي «المؤتلف والمختلف» : أثاية رَوَاهُ قوم أَثَاثَة وأثانة بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالنون، وَالصَّحِيح هُوَ الأول بِفَتْح همزته وكسرتها مَوضِع فِي طَرِيق الْجحْفَة، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخًا. وَعبارَة الْمُحب فِي «أَحْكَامه» أَنه مَوضِع مَعْرُوف بغرب مَكَّة، وَهِي مقَالَة بِالضَّمِّ وَبَعْضهمْ يكسرها. والرويثة اسْم مَوضِع قريب مِنْهَا. و «العرج» بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء، كَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي «أَسمَاء الْأَمَاكِن» : عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة عَلَى جادة الْحَاج.
وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» : هِيَ عقبَة بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة و [عشر] ميلًا، وَبَين الرُّوَيْثَة وَالْمَدينَة أحد وَعِشْرُونَ فرسخًا، وَمن
стр. 5657
العرج إِلَى السقيا سَبْعَة عشر ميلًا، وَالْعَرج من بِلَاد [أسلم] . قَالَ كثير: إِنَّمَا سمي العرج لتعريجه. وَعبارَة الْمُحب فِي «أَحْكَامه» : «العرج» - بِإِسْكَان الرَّاء ثمَّ جِيم - قَرْيَة جَامِعَة من عمل الْفَرْع عَلَى إِمَام الْمَدِينَة و «العرج» أَيْضا مَوضِع بِالطَّائِف، وَإِلَيْهِ ينْسب العرجي من ولد عُثْمَان بن عَفَّان لشكاية من أجل مَال كَانَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ الْقَائِل: أضاعوني ... الْبَيْت.
الْفَائِدَة الْخَامِسَة: «الحاقف» هُوَ المنحني الْعَاجِز عَن الِامْتِنَاع. قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب، وَعبارَة الْمُحب فِي «أَحْكَامه» : حَاقِف أَي: منحني كَأَنَّهُ قَائِم قد انحنى فِي نَومه لَا يرِيبهُ وَلَا يزعجه وَلَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا وَقد سلف فِي أثْنَاء الحَدِيث التَّاسِع عشر.
стр. 5658
كتاب الضَّحَايَا
стр. 5659
كتاب الضَّحَايَا
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فزائدة عَلَى الْأَرْبَعين.
الحَدِيث الأول
عَن أنس ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُضحي بكبشين أملحين أقرنين» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزَادا: «ذبحهما بِيَدِهِ وَسَمَّى وكب، ر وَوضع رجله عَلَى صفاحهما» .
فَائِدَة: فِي «الأملح» أَقْوَال ذكرتها فِي «شرحي للعمدة» اخْتَار الرَّافِعِيّ مِنْهَا أَنه الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد وَالْبَيَاض أَكثر، وَهُوَ قَول أبي زيد وَأبي عبيد. وَقَوله: «أقرنين» أَي لكل وَاحِد مِنْهُمَا قرنان حسنان. وَقَوله: «وَوضع رجله عَلَى صفاحهما» أَي صفحة الْعُنُق وَهِي جَانِبه. وَسبب اخْتِيَار الأملح قيل: إِنَّه لحسن منظره، وَقيل: لِكَثْرَة شحمه. حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ وَسَبقه إِلَيْهَا الْمَاوَرْدِيّ فِي «حاويه» .
الحَدِيث الثانى
عَن عَائِشَة ﵂ «أَن النَّبِي ﷺ أَمر بكبش أقرن يطَأ فِي
стр. 5660
سَواد، وَينظر فِي سَواد، ويبرك فِي سَواد، فأتيِ بِهِ ليضحي بِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَائِشَة، هَلُمِّي المدية. ثمَّ قَالَ: اشحذيها بِحجر. فَفعلت، ثمَّ أَخذهَا وَأخذ الْكَبْش فأضجعه ثمَّ ذبحه، ثمَّ قَالَ: بِسم الله، اللَّهُمَّ تقبل من مُحَمَّد وَمن أمة مُحَمَّد. ثمَّ ضحى» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» بِكُل هَذِه الْحُرُوف وَمِنْه نقلته وَفِيه زِيَادَة عَلَى مَا فِي الرَّافِعِيّ، وَزَاد النَّسَائِيّ «وَيَأْكُل فِي سَواد» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: «ضحى رَسُول الله ﷺ بكبش أقرن يمشي فِي سَواد [وَيَأْكُل] فِي سَواد، وَينظر فِي سَواد» .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر «الاقتراح» بعد أَن عزاهُ من هَذِه الطَّرِيق إِلَى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَتَصْحِيح التِّرْمِذِيّ: هُوَ عَلَى شَرط مُسلم.
فَائِدَة: مَعْنَى «يطَأ فِي سَواد، وَينظر فِي سَواد، ويبرك فِي سَواد» قوائمه وبطنه وَمَا حول عَيْنَيْهِ أسود. قَالَه النَّوَوِيّ فِي «شَرحه لمُسلم» وَسَبقه إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب وَقَالَ: وَقيل إِنَّه إِشَارَة إِلَى كَثْرَة ظله لسمِنه وضخامة جسده. وَمَعْنى «هَلُمِّي المدية» : هاتيها، وَهِي مُثَلّثَة الْمِيم، أَعنِي: المدية. و «اشحذيها» بالشين الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة
стр. 5661
وبالذال الْمُعْجَمَة أَي: حدديها. وَوَقع فِي «سنَن أبي دَاوُد» : «اشحثيها» بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهِي بِمَعْنى اشحذيها؛ لِأَن الذَّال والثاء متقاربان. وَقَوله: «وَأخذ الْكَبْش فأضجعه ثمَّ ذبحه ثمَّ قَالَ: بِسم الله ... » إِلَى آخِره فِيهِ تَقْدِيم وتأخي، ر وَالتَّقْدِير: فأضجعه ثمَّ أَخذ فِي ذبحه قَائِلا بِسم الله ... إِلَى آخِره مضحيًا بِهِ، وَلَفظه «ثمَّ» هُنَا متأولة عَلَى مَا ذكرته بِلَا شكّ.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: «عظموا أضحياكم فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاط مَطَايَاكُمْ» .
هَذَا الحَدِيث لَا يحضرني من خرَّجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» : إِنَّه غير مَعْرُوف وَلَا ثَابت فِيمَا علمناه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي «الأحوذي شرح التِّرْمِذِيّ» : لَيْسَ فِي فضل الْأُضْحِية حَدِيث صَحِيح. قَالَ: وَمِنْهَا قَوْله: «إِنَّهَا مَطَايَاكُمْ إِلَى الْجنَّة» وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْأُضْحِية. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَا عمل آدَمِيّ من عمل يَوْم النَّحْر أحب إِلَى الله من إهراق الدَّم، [إِنَّهَا] لتأتي يَوْم الْقِيَامَة بقرونها وَأَشْعَارهَا وأظلافها، وَإِن الدَّم ليَقَع [من] الله بمَكَان قبل أَن يَقع من الأَرْض، فطيبوا نفسا لَهَا» قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْأُضْحِية: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا
стр. 5662
نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. قلت: وَأخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد.
وَفِيه نظر؛ فَإِن فِي إِسْنَاده سُلَيْمَان بن يزِيد أَبُو الْمثنى الكعبي الْخُزَاعِيّ تَركه بَعضهم، وَقَالَ الرَّازِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَخَالف فِي «ثقاته» فَذكره فِيهَا.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عمرَان بن حُصَيْن، وَزيد بن أَرقم. قَالَ: وَيروَى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي الْأُضْحِية: «لصَاحِبهَا بِكُل شَعْرَة حَسَنَة» وَيروَى «بقرونها» .
قلت: أخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث زيد بن أَرقم: «قُلْنَا: يَا رَسُول الله، مَا هَذِه الْأَضَاحِي؟ قَالَ: سنة أبيكم إِبْرَاهِيم. قُلْنَا: فَمَا لنا مِنْهَا؟ قَالَ: بِكُل شَعْرَة حَسَنَة. قُلْنَا: يَا رَسُول الله فالصوف؟ قَالَ: بِكُل شَعْرَة من الصُّوف حَسَنَة» ثمَّ قَالَ: صَحِيح. وَفِيه نظر؛ لِأَن فِيهِ عَائِذ الله الْمُجَاشِعِي قَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح حَدِيثه.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الْمَنَاكِير، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
فَائِدَة: قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ: قيل: المُرَاد بهَا تهَيَّأ مراكب المضحين يَوْم الْقِيَامَة. وَقيل: المُرَاد أَن التَّضْحِيَة بهَا تسهل الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط.
стр. 5663
الحَدِيث الرَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «ثَلَاث هِيَ عَلّي فَرَائض وَلكم تطوع: النَّحْر، وَالْوتر، وركعتي الضُّحَى»
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب صَلَاة التَّطَوُّع وأسلفنا الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى: «ثَلَاث كتبت عليّ وَلم تكْتب عَلَيْكُم: الضُّحَى، والأضحى، وَالْوتر» وَهَذِه الرِّوَايَة بِمَعْنى الأولَى.
الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا دخل الْعشْر وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فَلَا يمس من شعره وبشره شَيْئا» .
هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث أم سَلمَة ﵂، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذا دخل الْعشْر وَعِنْده أضْحِية يُرِيد أَن يُضحي فَلَا يَأْخُذن شعرًا وَلَا يقلمن ظفرًا» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذا رَأَيْتُمْ هِلَال ذِي الْحجَّة وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فليمسك من شعره وأظافره» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الثَّانِي مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَى أم سَلمَة ثمَّ قَالَ: هَذَا شَاهد للَّذي قبله.
стр. 5664
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّحِيح عِنْدِي أَنه مَوْقُوف. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِاللَّفْظِ الثَّانِي مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره: قَالَ الشَّافِعِي: فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة عَلَى أَن الضحية لَيست بِوَاجِب لقَوْله ﷺ : «وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي» وَلَو كَانَت الضحية وَاجِبَة أشبه أَن يَقُول: فَلَا يمس من شعره حَتَّى يُضحي. قَالَ أَصْحَابنَا: وَالْحكمَة فِي النَّهْي أَن يَبْقَى كَامِل الْأَجْزَاء ليعتق من النَّار.
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب: وَقد ورد أَن الله - تَعَالَى - يعْتق بِكُل عُضْو من الضحية عضوا من المضحي. وَهَذَا غَرِيب لَا يحضرني من خرجه.
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» : إِنَّه حَدِيث غير مَعْرُوف وَإنَّهُ لم يجد لَهُ سندًا يثبت بِهِ. هَذَا كَلَامه.
قلت: وَفِي «مُعْجم الطَّبَرَانِيّ» نَحوه من حَدِيث أبي دَاوُد النَّخعِيّ، عَن عبد الله بن حسن بن حسن، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «من ضحى طيبَة بهَا نَفسه محتسبًا بأضحيته كَانَت لَهُ حِجَابا من النَّار» .
وَأَبُو دَاوُد هَذَا كَذَّاب، قَالَ أَحْمد: كَانَ يضع الحَدِيث. وَمن الْعلمَاء من أبدى لذَلِك حِكْمَة أُخْرَى وَهِي التَّشَبُّه بالمحرم، وَللشَّافِعِيّ ﵀ فِي قَوْله: «لَا يمس من شعره وبشره» تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد من الشّعْر شعر الرَّأْس وَمن الْبشر شعر الْبدن. وَعَلَى هَذَا لَا يكره تقليم الْأَظْفَار، وَقد سلف التَّصْرِيح بِأَنَّهُ لَا يقلم الظفر، فَالْقَوْل بِعَدَمِ الْكَرَاهَة بعيد.
стр. 5665
الحَدِيث السَّادِس
أنَّه ﷺ قَالَ فِي حَدِيث الْعَقِيقَة: «لَا يضركم ذكرانًا كن أَو إِنَاثًا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أم كرز الْكَعْبِيَّة الصحابية ﵂ «أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ: عَن الْغُلَام شَاتَان (وَعَن الْجَارِيَة شَاة) وَلَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا» . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. وَاللَّفْظ الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ أخرجه عَن الْحسن بن عَلّي، ثَنَا عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن جريج، أَخْبرنِي عبيد الله بن أبي يزِيد، عَن سِبَاع بن ثَابت أَن مُحَمَّد بن ثَابت بن سِبَاع أخبرهُ أَن أم كرز أخْبرته «أَنَّهَا سَأَلت ... .» الحَدِيث، وَلَفظ أبي دَاوُد: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: «عَن الْغُلَام شَاتَان، وَعَن الْجَارِيَة شَاة، لَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا» . أخرجه هَكَذَا عَن مُسَدّد، نَا سُفْيَان، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد، عَن سِبَاع بن ثَابت بِهِ. إِلَى قَوْله: «شَاة» ثمَّ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الحَدِيث، وَحَدِيث سُفْيَان وهم. وَلَفظ النَّسَائِيّ: «أتيت النَّبِي ﷺ بِالْحُدَيْبِية أسأله عَن لُحُوم الْهَدْي فَسَمعته يَقُول: عَلَى الْغُلَام شَاتَان وَعَلَى الْجَارِيَة شَاة، لَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا» . أخرجه هَكَذَا عَن قُتَيْبَة، ثَنَا سُفْيَان، عَن عبيد الله - وَهُوَ ابْن أبي يزِيد - عَن سِبَاع، عَن أم كرز ... الحَدِيث. قَالَ: وأبنا عَمْرو بن عَلّي،
стр. 5666
ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا ابْن جريج، حَدثنِي عبيد الله بن أبي يزِيد، عَن سِبَاع بن ثَابت، عَن أم كرز مَرْفُوعا: «عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة، لَا يضركم ذكرانًا كن أَو إِنَاثًا» .
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَرِوَايَة أبي دَاوُد معلولة بِأبي يزِيد وَالِد عبيد الله وَهُوَ لَا يعرف حَاله وَلَا رَوَى عَنهُ غير ابْنه، وَعلة أُخْرَى وَذَلِكَ أَن مَا بَين سِبَاع وَأم كرز مُنْقَطع، يتَبَيَّن ذَلِك من رِوَايَة التِّرْمِذِيّ - وَقد تقدّمت - فَإِنَّهَا تورث شكًّا فِي سَماع سِبَاع من أم كرز، لَا جرم أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: إِنَّه وهم. وَقد تبين عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبيد الله سمع من سِبَاع، وَأَن سباعًا سمع من أم كرز فَصَارَ حَدِيث سُفْيَان وهما. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ثَنَا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي، ثَنَا يزِيد بن سِنَان، ثَنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي، ثَنَا ابْن جريج، أَخْبرنِي عبيد الله بن أبي يزِيد أَن سِبَاع بن ثَابت ابْن عَم مُحَمَّد بن ثَابت أخبرهُ أَن أم كرز أخْبرته «أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ: يعق عَن الْغُلَام شَاتَان، وَعَن الْجَارِيَة شَاة، وَلَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا» قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَا بعد فِي أَن يكون عبيد الله سَمعه من سِبَاع، فدليل قَوْله آنِفا أَنه أخبرهُ وسَمعه من أَبِيه عَنهُ فَحدث بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قلت: وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» ، وَخرج فِيهِ بِأَن أَبَاهُ حَدثهُ بِهِ، أخرجه من حَدِيث الْحميدِي، ثَنَا سُفْيَان، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد، حَدثنِي أبي، عَن سِبَاع بن ثَابت، عَن أم كرز قَالَت: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «أقرُّوا الطير عَلَى مكناتها» وسمعته يَقُول: «عَن الْغُلَام
стр. 5667
شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة، لَا يَضرك ذكرانًا كن أَو إِنَاثًا» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. وَرَوَاهُ كَذَلِك أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» فَقَالَ: أَنا أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى، ثَنَا أَبُو خَيْثَمَة، نَا سُفْيَان بِهِ سَوَاء، لكنه قَالَ: «لَا يضركم» .
الحَدِيث السَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «ضحوا بالجذع من الضَّأْن» .
هَذَا الحَدِيث ذكره أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي «محلاه» من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى، عَن أمه، عَن أم بِلَال مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء، وَعَزاهُ إِلَى رِوَايَة مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، ثمَّ أعله بِأم مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى، وَقَالَ: إِنَّهَا مَجْهُولَة. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بلفظين عَن أم بِلَال مَرْفُوعا: أَحدهمَا: «ضحوا بالجذع من الضَّأْن فَإِنَّهُ جَائِز» . ثَانِيهمَا: «يجوز الْجذع من الضَّأْن أضْحِية» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِاللَّفْظِ الأول من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة.
وَأم بِلَال هَذِه ذكرهَا ابْن عبد الْبر، وَأَبُو نعيم، وَابْن مَنْدَه فِي كتب الصَّحَابَة، وَذكرهَا الْعجلِيّ فِي «ثقاته» وَقَالَ: تابعية ثِقَة. فَخَالف،
стр. 5668
وَاقْتصر الْمزي فِي «تهذيبه» وتلميذه الذَّهَبِيّ عَلَى ذَلِك، وَلَيْسَ بجيد لما عَلمته، وَالْأَمر كَمَا قَالَه أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي جَهَالَة أم مُحَمَّد هَذِه، فَلَا أعلم حَالهَا بعد الْكَشْف التَّام عَنْهَا.
وَرَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن مَاجَه بالسند الْمَذْكُور عَن أم بِلَال بنت هِلَال، عَن أَبِيهَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «يجوز الْجذع من الضَّأْن أضْحِية» . وهلال ذكره ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة، وَذكره ابْن حزم بعد ذَلِك من الطَّرِيق السالفة ثمَّ قَالَ: أم مُحَمَّد لَا يُدْرَى من هِيَ، وَزَاد هُنَا أَن أم بِلَال مَجْهُولَة لَا يُدْرَى ألها صُحْبَة أم لَا. وَقد علمت حَالهَا فِيمَا قدمنَا.
الحَدِيث الثَّامِن
أنَّه ﷺ قَالَ: «نعمت الْأُضْحِية الْجذع من الضَّأْن» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي كباش قَالَ: «جلبت غنما جذعًا إِلَى الْمَدِينَة فكسدت عليّ، فَلَقِيت أَبَا هُرَيْرَة فَسَأَلته فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: نعم - أَو نعمت - الْأُضْحِية الْجذع من الضَّأْن. قَالَ: فانتهبه النَّاس» رَوَاهُ من حَدِيث عُثْمَان بن وَاقد - وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِي توثيقه، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وَقَالَ أَحْمد: لَا أرَى بِهِ بَأْسا. وَضَعفه أَبُو دَاوُد - عَن كدام - بِالدَّال - بن عبد الرَّحْمَن - وَهُوَ
стр. 5669
السّلمِيّ - عَن أبي كباش، وَلَا أعلم حَالهمَا فَيَأْتِي فيهمَا الْخلاف فِي الِاحْتِجَاج بالمستور. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب وَفِي بعض نسخه: حسن. قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا. قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس، وَأم بِلَال بنت هِلَال عَن أَبِيهَا، وَجَابِر، وَعقبَة بن عَامر، وَغَيرهم. وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمد فِي «الكنى» بِالْإِسْنَادِ السالف لَكِن بِلَفْظ: «نعم الْأُضْحِية الْجذع السمين من الضَّأْن» وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخه» ، والسياق لَهُ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث هِشَام بن سعد، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي ﷺ يَوْم الْأَضْحَى فَقَالَ [لَهُ النَّبِي ﷺ : يَا جِبْرِيل] كَيفَ رَأَيْت نسكنا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، لقد باهى بِهِ أهل السَّمَاء، وَاعْلَم يَا مُحَمَّد أَن الْجذع من الضَّأْن خير من الثَّنية من الْمعز وَالْإِبِل وَالْبَقر، وَلَو علم الله - تَعَالَى - فِيهِ [ذبحا] أفضل مِنْهُ لفدى بِهِ إِبْرَاهِيم» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: مُنكر، إِنَّمَا فدى بِهِ ابْن إِبْرَاهِيم، وَقَالَ الْعقيلِيّ: هَذَا حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْجَنبي، وَقد قَالَ البُخَارِيّ: فِي حَدِيثه نظر، وَلَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث ثِقَة.
قلت: هُوَ هَالك، وَهِشَام بن سعد لَيْسَ بمعتمد، قَالَ ابْن عدي: مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه. قَالَ الْعقيلِيّ: وَيروَى من حَدِيث زِيَاد بن مَيْمُون
стр. 5670
أَيْضا عَن أنس، وَزِيَاد هَذَا يكذب. وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ ذكره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - التِّرْمِذِيّ - وَمن طَرِيق الْعقيلِيّ وَالْحَاكِم، لَكِن أخرج هَذَا مُخْتَصرا بِلَفْظ: «إِن جِبْرِيل قَالَ لرَسُول الله ﷺ : يَا مُحَمَّد، إِن الْجذع من الضَّأْن خير من المسنة من الْمعز» ثمَّ قَالَ: وَطَرِيق أبي هُرَيْرَة الأول أسقطها كلهَا وفضيحة الدَّهْر؛ لِأَنَّهُ عَن عُثْمَان بن وَاقد - وَهُوَ مَجْهُول - عَن كدام بن عبد الرَّحْمَن - وَلَا نَدْرِي من هُوَ - عَن أبي كباش الَّذِي جلب الكباش الْجَذعَة إِلَى الْمَدِينَة فبارت عَلَيْهِ. هَذَا نَص حَدِيثه، وَهنا جَاءَ مَا جَاءَ أَبُو كباش، وَمَا أَدْرَاك مَا [أَبُو] كباش. والطريقة الثَّانِيَة فِيهَا هِشَام بن سعد وَهُوَ ضَعِيف.
قلت: أما كدام فقد رَوَى عَنهُ أَبُو حنيفَة [و] ابْن وَاقد، فارتفعت جَهَالَة عينه كَمَا سلف، وَبقيت جَهَالَة حَاله. وَأما عُثْمَان بن وَاقد فحاشاه من الْجَهَالَة، وَقد علمت أَنه مِمَّن اخْتلف فِيهِ كَمَا سلف لَك، وَقد رَوَى عَنهُ خلق. وَأما أَبُو كباش فَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير كدام، وَلَا رَوَى عَن غير أبي هُرَيْرَة. وَأما هِشَام فَقَالَ فِيهِ هُنَا مَا عَلمته، وَذكر عقبه أَنه ضَعِيف ضعفه أَحْمد بن حَنْبَل، وأساء القَوْل فِيهِ جدًّا وأطرحه، وَلم يجز الرِّوَايَة عَنهُ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، وَلَا ابْن معِين وَلَا غَيرهمَا، وَهِشَام هَذَا قَالَ ابْن معِين فِي حَقه فِي رِوَايَة صَالح: لَيْسَ بمتروك الحَدِيث. وَقَالَ فِي أُخْرَى: ضَعِيف. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مَحَله الصدْق. وَقَالَ الْعجلِيّ: جَائِز
стр. 5671
الحَدِيث حسن الحَدِيث. وَاحْتج بِهِ مُسلم، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وَقد أخرج الْحَاكِم حَدِيثه كَمَا تقدم، وَقَالَ: صَالح الْإِسْنَاد. وَذكر ابْن حزم هَذَا الحَدِيث مرّة وَقَالَ: إِنَّه كذب ظَاهر، وَهُوَ قَوْله: «الَّذِي فدى الله إِبْرَاهِيم» وَلم يفد إِبْرَاهِيم بِلَا شكّ، وَإِنَّمَا فدى ابْنه.
فَائِدَة: الْجذع من الضَّأْن مَا لَهُ سنة تَامَّة، هَذَا هُوَ الْأَصَح وَالْأَشْهر فِي اللُّغَة، وَقيل: سِتَّة أشهر. وَقيل: وَدخل فِي السَّابِعَة. وَقيل: ثَمَانِيَة. وَقيل: عشرَة. وَقيل: إِن كَانَ ابْن شابين فستة إِلَى سَبْعَة، وَإِن كَانَ ابْن هرمين فثمانية.
الحَدِيث التَّاسِع
عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: «خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم النَّحْر بعد الصَّلَاة، فَقَالَ: من صَلَّى صَلَاتنَا ونسك نسكنا فقد أصَاب النّسك، وَمن نسك قبل الصَّلَاة فَلَا نسك لَهُ. فَقَامَ أَبُو بردة بن نيار خَال الْبَراء بن عَازِب فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لقد نسكت قبل أَن أخرج إِلَى الصَّلَاة. فَقَالَ: تِلْكَ شَاة لحم. قَالَ: فَإِن عِنْدِي عنَاقًا جَذَعَة هِيَ خير من شاتي لحم فَهَل تجزي عني؟ قَالَ: نعم، وَلنْ تجزي عَن أحد بعْدك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، وَهَذَا اللَّفْظ هُوَ لفظ إِحْدَى روايتي أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا بدل
стр. 5672
«فَلَا نسك لَهُ» : «فَتلك شَاة لحم» وَقَالا بعد قَوْله «قبل أَن أخرج إِلَى الصَّلَاة» : «وَعرفت أَن الْيَوْم يَوْم أكل وَشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أَهلِي وجيراني. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : تِلْكَ شَاة لحم ... » الحَدِيث، وَلَفظ الشَّيْخَيْنِ عَن الْبَراء أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِن أول مَا نبدأ بِهِ فِي يَوْمنَا هَذَا نصلي ثمَّ نرْجِع فننحر، فَمن فعل ذَلِك فقد أصَاب سنتنا، وَمن ذبح قبل فَإِنَّمَا هُوَ لحم قدمه لأَهله لَيْسَ من النّسك فِي شَيْء. وَكَانَ أَبُو بردة بن نيار قد ذبح فَقَالَ: عِنْدِي جذع خير من مُسِنَّة. فَقَالَ: اذْبَحْهَا وَلنْ تجزي عَن أحد بعْدك» . وَفِي لفظ لَهما: «ذبح أَبُو بردة بن نيار قبل الصَّلَاة فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أبدلها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا جَذَعَة وَهِي خير من مُسنة. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : اجْعَلْهَا مَكَانهَا وَلنْ تجزي عَن أحد بعْدك» وَفِي رِوَايَة لَهما: «إِن عِنْدِي داجنًا جَذَعَة من الْمعز» وَفِي رِوَايَة لَهما: «عنَاق لبن» وَفِي أُخْرَى: «عنَاق جَذَعَة» .
فَائِدَة: «العناق» بِفَتْح الْعين: الْأُنْثَى من الْمعز إِذا قويت مَا لم تستكمل سنة. وَقَوله: «تجزي» هُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق غير مَهْمُوز فَهُوَ بِمَعْنى الْكِفَايَة. وَقَوله: «عنَاق لبن مَعْنَاهُ (صَغِيرَة) قريبَة بِمَا ترْضع. وَقَوله: «وَلنْ تجزي [عَن] أحد بعْدك» أَي جَذَعَة الْمعز، وَهُوَ مُقْتَضَى
стр. 5673
سِيَاق الْكَلَام، وَإِلَّا فجذعة الضَّأْن تجزى، وَالْمعْنَى أَنَّهَا الْوَاجِب عَن أحد بعْدك.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن عقبَة [بن] عَامر ﵁ قَالَ: «قسم رَسُول الله ﷺ ضحايا [فَأَعْطَانِي] عنَاقًا جَذَعَة فَقلت: عنَاق. فَقَالَ: ضح بِهِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: «قسم رَسُول الله ﷺ بَين أَصْحَابه ضحايا فَصَارَت لعقبة جَذَعَة فَقلت: يَا رَسُول الله، أصابني جذع. فَقَالَ: ضح بِهِ أَنْت» . وَفِي رِوَايَة لَهما «أَن النَّبِي ﷺ أعطَاهُ غنما يقسمها عَلَى أَصْحَابه فَبَقيَ عتود، فَذكره للنَّبِي (فَقَالَ: ضح بِهِ أَنْت» . وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث، وَالْجمع بَينه وَبَين الَّذِي قبله فِي شرحي للعمدة فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن مَاذَا يتقَى من الضَّحَايَا، فَقَالَ (: العرجاء الْبَين ظلعها - وَيروَى: عرجها - والعوراء
стр. 5674
الْبَين عورها، والمريضة الْبَين مَرضهَا، والعجفاء الَّتِي لَا تنقي» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، وَأحمد فِي «مُسْنده» ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة د ت ق ن وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَهُوَ حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول هَذَا الْبَاب، قَالَ الإِمَام أَحْمد: مَا أحْسنه من حَدِيث. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح لَا أعرفهُ إِلَّا من حَدِيث عبيد بن فَيْرُوز عَن الْبَراء، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح.
قلت: ومداره عَلَى عبيد بن فَيْرُوز، وَهُوَ أَبُو الضَّحَّاك مولَى بني شَيبَان عَن الْبَراء، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَنهُ مِنْهُم عَمْرو بن الْحَارِث. قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: عبيد بن فَيْرُوز هَذَا من أهل مصر، وَلم يدر ألقيه عَمْرو بن الْحَارِث أم لَا، فَنَظَرْنَا فَإِذا عَمْرو بن الْحَارِث لم يسمعهُ من عبيد بن فَيْرُوز، إِنَّمَا سَمعه من يزِيد بن أبي حبيب عَنهُ، ثمَّ نَظرنَا فَإِذا يزِيد بن أبي حبيب لم يسمعهُ من عبيد بن فَيْرُوز، إِنَّمَا سَمعه من سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، عَن عبيد بن فَيْرُوز لَكِن لم يذكر سَماع سُلَيْمَان بن عبد
стр. 5675
الرَّحْمَن من عبيد، ثمَّ نَظرنَا فَإِذا سُلَيْمَان هَذَا لم يسمعهُ من عبيد بن فَيْرُوز، وَإِنَّمَا رَوَاهُ لَيْث بن سعد، عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، عَن الْقَاسِم مولَى خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة، عَن عبيد بن فَيْرُوز. قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: فَإِذا الحَدِيث حَدِيث لَيْث بن سعد، عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ... إِلَى أَن قَالَ: قَالَ عُثْمَان بن عمر: فَقلت لليث بن سعد: يَا أَبَا الْحَارِث، إِن شُعْبَة يروي هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن أَنه سمع عبيد بن فَيْرُوز. قَالَ: لَا، إِنَّمَا حَدثنَا بِهِ سُلَيْمَان، عَن الْقَاسِم مولَى خَالِد، عَن عبيد بن فَيْرُوز. قَالَ عُثْمَان بن عمر: فَلَقِيت شُعْبَة فَقلت لَهُ: إِن ليثًا حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، عَن الْقَاسِم، عَن عبيد بن فَيْرُوز. قَالَ: فَقَالَ شُعْبَة: هَكَذَا حفظته كَمَا حدثت بِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بن عمر، عَن لَيْث بن سعد. وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن بكير، عَن اللَّيْث بن سعد، عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، عَن عبيد بن فَيْرُوز، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يزِيد بن أبي حبيب وَشعْبَة بن الْحجَّاج عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، وَذكر شُعْبَة سَماع سُلَيْمَان من عبيد بن فَيْرُوز. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِيمَا بَلغنِي عَن التِّرْمِذِيّ، عَن البُخَارِيّ أَنه كَانَ يمِيل إِلَى تَصْحِيح رِوَايَة شُعْبَة وَلَا يرْضَى رِوَايَة عُثْمَان بن عمر.
قلت: وَكَذَلِكَ أخرجه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، رَوَاهُ أَحْمد، عَن عَفَّان، نَا شُعْبَة، أَخْبرنِي سُلَيْمَان بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة شُعْبَة بِهِ، وَمن رِوَايَة يزِيد بن أبي حبيب عَن سُلَيْمَان بِهِ، وَرَوَاهُ
следующие страницы →