Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
فصرعه، ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، هَل لَك فِي الْعود؟ قَالَ: وَمَا تجْعَل لي؟ قَالَ: مائَة من الْغنم. قَالَ: فصارعه فصرعه، قَالَ: يَا مُحَمَّد، وَمَا وضع ظَهْري أحد عَلَى الأَرْض فَتلك، وَمَا كَانَ أحد أبْغض إِلَيّ مِنْك؛ فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله. فَقَامَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ ورد عَلَيْهِ غنمه» . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» من حَدِيث الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة مطولا وَفِيه: أَن واديه أجم يُقَال لَهُ: إضم، وَأَنه صارعه عَلَى عشرَة فصرعه، ثمَّ مثلهَا فصرعه. ثمَّ مثلهَا فصرعه. وَفِيه: أَنه دَعَا الشَّجَرَة ثمَّ ردهَا ... وَفِي آخِره «فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِنِّي دَعَوْت رَبِّي فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، وَإِن رَبِّي أعانني عَلَيْهِ ببضع عشرَة وبقوة عشرَة» .
فَائِدَتَانِ: أَحدهمَا: ركَانَة - بتَخْفِيف الْكَاف وَضم الرَّاء وبالنون - هُوَ ابْن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي قرشي حجازي مكي مدنِي، أسلم يَوْم فتح مَكَّة هَذَا الَّذِي نعرفه، وَإِن كَانَ ظَاهر رِوَايَة أبي دَاوُد وَأبي بكر الشَّافِعِي يُخَالف ذَلِك، لَا جرم قَالَ الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي كتاب «الْخَيل» - بعد أَن سَاق مثل رِوَايَة أبي دَاوُد عَن العسكري وَالصَّحِيح أَنه من مسلمة الْفَتْح -: وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره. هَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَغَيرهمَا، قَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ: وَهَذَا الحَدِيث أمثل مَا رُوِيَ فِي مصارعة النَّبِي ﷺ [فَأَما مَا رُوِيَ فِي مصارعته (] أَبَا جهل فَلَا أصل لَهُ، وركانة هَذَا هُوَ الَّذِي طلق امْرَأَته سهيمة أَلْبَتَّة، وَلَا أعرف لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين.
стр. 5812
الثَّانِيَة: وَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي هَذَا الْبَاب «أنَّه ﷺ صارع يزِيد بن ركَانَة» وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة أبي بكر السالفة، وَكَذَا رِوَايَة أبي دَاوُد، فَإِن فِيهَا يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - بِالشَّكِّ، لَكِن ركَانَة بن يزِيد هُوَ الْمَشْهُور؛ فَاشْتَدَّ إِنْكَار النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ فِي «التَّهْذِيب» : إِن هَذَا مِنْهُ غلط لَا شكّ فِيهِ. وَلم يطلع عَلَى رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي ذكرهَا فِي «الْمَرَاسِيل» .
فَائِدَة ثَالِثَة: هَذَا الحَدِيث يسْتَدلّ بِهِ من يجوز الْمُسَابقَة بالمصارعة بعوض، وَالْأَظْهَر عدم جَوَاز هَذَا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيُجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ كَانَ الْغَرَض فِي الْقِصَّة أَن يرِيه شدته ليسلم، فَلَمَّا أسلم رد عَلَيْهِ غنمه.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَدخل فرسا بَين فرسين وَقد أَمن أَن يسبقهما فَهُوَ قمار، وَإِن لم يُؤمن أَن يسبقهما فَلَيْسَ بقمار» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مَحْمُود بن خَالِد، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن سعيد بن بشير، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة. وَعَن مُسَدّد، عَن حُصَيْن بن نمير، وَعَن عَلّي بن مُسلم، عَن عباد بن الْعَوام، عَن سُفْيَان بن حُسَيْن، عَن الزُّهْرِيّ، عَن
стр. 5813
سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن هَارُون عَن سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَن يزِيد ثَنَا سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» عَن سعيد بن أَوْس الدِّمَشْقِي الإسكاف، عَن هِشَام بن خَالِد الْأَزْرَق، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن سعيد بن بشير، عَن قَتَادَة، عَن سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا كَمَا سلف، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن قَتَادَة إِلَّا سعيد، وَلَا عَنهُ إِلَّا الْوَلِيد، تفرد بِهِ هِشَام بن خَالِد.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طريقي أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ سُفْيَان بن حُسَيْن وَسَعِيد بن بشير.
وَرَوَاهُ شَيْخه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، فَإِن خَ وم وَإِن لم يخرجَا حَدِيث سعيد بن بشير وسُفْيَان بن حُسَيْن فهما إمامان بِالشَّام وَالْعراق، وَمِمَّنْ يجمع حَدِيثهمَا. قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا اعتمدا [حَدِيث] معمر عَلَى الْإِرْسَال؛ فَإِنَّهُ أرْسلهُ عَن الزُّهْرِيّ.
وَأقر الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» مقَالَة الْحَاكِم فِي أَنه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَسَعِيد بن بشير حَافظ وَثَّقَهُ شُعْبَة ودحيم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، تكلم فِيهِ غَيره، وسُفْيَان بن حُسَيْن صَدُوق تكلم فِيهِ وَاسْتشْهدَ بِهِ خَ
стр. 5814
وَذكره م فِي مُقَدّمَة «صَحِيحه» وَصحح التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن يُونُس بن عبيد عَن عَطاء عَن جَابر «أَنه ﵇ نهَى عَن المحاقلة والمزابنة وَالْمُخَابَرَة والثُّنْيَا إِلَّا أَن تعلم» وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» بعد أَن رَوَاهُ: سُفْيَان هَذَا ثِقَة أخرج لَهُ مُسلم، إِلَّا أَنه قد استضعف فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» رَوَى هَذَا الحَدِيث: معمر وَشُعَيْب وَعقيل، عَن الزُّهْرِيّ، عَن رجال من أهل الْعلم. ثمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا أصح عندنَا.
قَالَ ابْن الْقطَّان: هَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو دَاوُد من أَن وقف هَذَا الحَدِيث هُوَ الْأَصَح عِنْده لَيْسَ بعلة فِي الْحَقِيقَة لَو كَانَ سُفْيَان وَسَعِيد [رافعاه] ثقتين؛ إِذْ لَا بعد أَن يكون فِي الْخَبَر عِنْد الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَعَن رجال من أهل الْعلم ذَهَبُوا إِلَيْهِ ورأوه رَأيا لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا الشَّأْن فِي سُفْيَان وَسَعِيد. وَصَححهُ أَيْضا أَبُو مُحَمَّد بن حزم كَمَا صَححهُ الْحَاكِم وَأعله جماعات بِالْوَقْفِ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا خطأ لم يعْمل سُفْيَان بن حُسَيْن شَيْئا لاشتبه أَن يكون عَن رَسُول الله ﷺ وَأحسن أَحْوَاله
стр. 5815
أَن يكون عَن سعيد بن الْمسيب قَوْله، وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد - يَعْنِي: الْأنْصَارِيّ - عَن سعيد قَوْله. وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان مَرْفُوعا وَغَيره لَا يرفعهُ. وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: سَأَلت ابْن معِين فَقَالَ: بَاطِل. وَخط عَلَى أبي هُرَيْرَة، وَرجح ابْن عبد الْبر أَيْضا وَقفه عَلَى سعيد، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي [الْحِلْية] مُخْتَصرا من طَرِيق أبي دَاوُد الأولَى، لكنه قَالَ بدل «سعيد بن بشير» : «سعيد بن عبد الْعَزِيز» عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. ثمَّ قَالَ: غَرِيب من حَدِيث سعيد تفرد بِهِ الْوَلِيد.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«رُوِيَ أنَّه ﷺ سَابق بَين الْخَيل، وَجعل بَينهمَا سبقًا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن الْحسن بن سُفْيَان، ثَنَا [إِبْرَاهِيم] بن الْمُنْذر الْحزَامِي، ثَنَا عبد الله بن نَافِع، عَن عَاصِم بن عمر، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر «أَن رَسُول الله ﷺ سَابق بَين الْخَيل وَجعل بَينهمَا [سبقا] وَجعل بَينهمَا محللاً وَقَالَ: لَا سبق إِلَّا فِي حافر أَو نصل» وَعَاصِم هَذَا قد صحّح ابْن حبَان حَدِيثه كَمَا ترَى، وَذكره فِي «ثقاته» وَقَالَ: يُخطئ وَيُخَالف.
стр. 5816
(وَذكره فِي الضُّعَفَاء وَقَالَ: لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ) .
فَخَالف كَلَامه فِي «ثقاته» وَقَالَ: يُخطئ وَيُخَالف. وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» وَلم يعقبه بِتَضْعِيف، وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل فِي كتاب «الْجِهَاد» فَقَالَ: ثَنَا عبد الله بن كاسب، ثَنَا عبد الله بن نَافِع، عَن عَاصِم بن عمر، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر «أَن النَّبِي ﷺ سبق بَين الْخَيل، وَجعل بَينهمَا محللاً» وَقَالَ قبيله: ثَنَا يَعْقُوب بن حميد، ثَنَا عبد الله بن نَافِع، عَن عَاصِم بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَنه ﵇ سَابق بَين الْخَيل، وَجعل بَينهمَا سبقًا» قَالَ أَبُو مُوسَى: عَن معمر، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن النَّبِي ﷺ سبق بَين الْخَيل وراهن» وَرَوَاهُ الْجَلِيّ فِي كتاب «فرق الفروسية» من حَدِيث عبد الله بن دِينَار أَيْضا عَن ابْن عمر «أَن رَسُول الله ﷺ سَابق بَين الْخَيل وَجعل بَينهمَا محللاً، وَقَالَ: لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو نصل» وَرَوَى فِيهِ أَيْضا من حَدِيث عبد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَنه ﵇ سَابق بَين الْخَيل ... » فَذكره بِمثلِهِ، وَرَوَى فِيهِ أَيْضا بِهَذَا السَّنَد «أَنه ﵇ سَابق بَين الْخَيل وراهن» وَهَذَا أخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» .
الحَدِيث الثَّانِي عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ: إِذا [سبق أحرز مَا] أخرج وَلَا شَيْء لَهُ عَلَى
стр. 5817
الآخر، وَإِن سبق الآخر أَخذ مَا أخرج الأول جَازَ؛ لما رُوِيَ «أَن النَّبِي ﷺ مر بحزبين من الْأَنْصَار يتناضلون وَقد سبق أَحدهمَا الآخر، فأقرهما عَلَى ذَلِك» وَعَن مَالك أَنه لَا يجوز، لِأَنَّهُ قمار، وَأجَاب الْأَصْحَاب بِأَن الْقمَار أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مترددًا بَين أَن يغنم وَيغرم، وليسا أَولا أحد مِنْهُمَا كَذَلِك، أما الْمخْرج فَإِنَّهُ يتَرَدَّد بَين أَن يغرم وَبَين أَن لَا يغرم وَلَا يغنم بِحَال وَأما الآخر فمتردد بَين أَن يغنم وَبَين أَن لَا يغنم وَلَا يغرم بِحَال. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ.
وَهَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرجه وَلَا دلَالَة فِيهِ للْمُدَّعِي.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ ﵀ وَإِن ذكرا غَايَة لَا يصبهَا السهْم بَطَل العقد، وَإِن كَانَت الْإِصَابَة فِيهَا نادرة فَفِيهِ الْوَجْهَانِ وَالْقَوْلَان فِي الشُّرُوط النادرة، وَقدر الْأَصْحَاب الْمسَافَة الَّتِي تقرب بِموضع الْإِصَابَة فِيهَا بمائتين وَخمسين ذِرَاعا، وَقد رُوِيَ عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَنه قيل لَهُ: كَيفَ كُنْتُم تقاتلون الْعَدو؟ فَقَالَ: إِذا كَانُوا عَلَى مِائَتَيْنِ وَخمسين ذِرَاعا قاتلناهم بِالْحِجَارَةِ، وَإِذا كَانُوا عَلَى أقل من ذَلِك قاتلناهم بِالسَّيْفِ. قَالَ: وقدروا الْمسَافَة [الَّتِي يتَعَذَّر فِيهِ] الْإِصَابَة بِمَا زَاد عَلَى ثَلَاثمِائَة وَخمسين، وَرووا أَنه لم يرم إِلَى أَرْبَعمِائَة إِلَّا عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ، وَجعلُوا مَا بَين المقدارين فِي حد النَّادِر. هَذَا كَلَام الرَّافِعِيّ.
وَأخرج الحَدِيث الْمَذْكُور بِنَحْوِهِ وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه»
стр. 5818
عَن أَحْمد بن [مابهرام] الإيذجي ثَنَا إِسْحَاق بن زيد الْقطَّان الْأَيْلِي، ثَنَا يَعْقُوب بن محمدٍ ثَنَا عَاصِم بن سُوَيْد، ثَنَا مُحَمَّد بن الْحجَّاج، عَن حُسَيْن بن السَّائِب بن أبي لبَابَة، ثَنَا أبي، عَن أَبِيه قَالَ: «قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر: كَيفَ تقاتلون الْقَوْم إِذا لقيتموهم؟ فَقَامَ عَاصِم بن ثَابت فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِذا كَانَ الْقَوْم منا حَيْثُ ينالهم النبل كَانَت المراماة بِالنَّبلِ، فَإِذا اقتربوا حَتَّى ينالنا وإياهم الْحِجَارَة كَانَت المراضخة بِالْحِجَارَةِ فَأخذ ثَلَاثَة أَحْجَار: حجرا فِي يَده، وحجرين فِي حجزته، فَإِذا اقتربوا حَتَّى ينالنا وإياهم الرماح كَانَت المداعسة بِالرِّمَاحِ فَإِذا انْقَضتْ الرماح كَانَت الجلاد بِالسُّيُوفِ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : بِهَذَا أنزلت الْحَرْب، من قَاتل فَيُقَاتل قتال عَاصِم» .
قلت: وَعَاصِم بن ثَابت هَذَا هُوَ ابْن أبي الأقلح - بِالْقَافِ لَا بِالْفَاءِ - كَمَا ورد فِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي نعيم، فَإِنَّهُ سَاقه كَذَلِك، وَهَذَا سياقته: ثَنَا أَبُو [عَمْرو] بن حمدَان، ثَنَا [الْحسن] بن سُفْيَان، ثَنَا مُحَمَّد بن الصَّباح، ثَنَا عَاصِم بن سُوَيْد، حَدثنِي رِفَاعَة بن الْحجَّاج
стр. 5819
الْأنْصَارِيّ، عَن أَبِيه، عَن حُسَيْن بن السَّائِب قَالَ: «لما كَانَ لَيْلَة الْعقبَة - أَو لَيْلَة الْبَدْر - قَالَ رَسُول الله ﷺ لمن مَعَه: كَيفَ تقاتلون؟ فَقَامَ [عَاصِم] بن ثَابت بن الأقلح، فَأخذ الْقوس وَأخذ النبل فَقَالَ: أَي رَسُول الله، إِذا كَانَ الْقَوْم قَرِيبا من مِائَتي ذِرَاع أَو نَحْو ذَلِك كَانَ الرَّمْي بالقسي، وَإِذا دنا الْقَوْم حَتَّى تنالنا وتنالهم الْحِجَارَة كَانَت المراضخة بِالْحِجَارَةِ، فَإِذا دنا الْقَوْم حَتَّى تنالنا وتنالهم الرماح كَانَت المداعسة بِالرِّمَاحِ حَتَّى تتقصف [فَإِذا تقصفت] وَضعنَا وَأخذ [السَّيْف فتقلد] واستُل السَّيْف، وَكَانَت السلَّة والمجالدة بِالسُّيُوفِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : بِهَذَا أنزلت الْحَرْب، من قَاتل فليقاتل قتال عَاصِم» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «مَا بَين الهدفين رَوْضَة من رياض الْجنَّة» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الزبير، عَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «وَجَبت محبتي عَلَى من سَعَى بَين الغرضين بقوسي لَا بقوس كسْرَى» . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: «رَأَيْت جَابر بن عبد الله وَجَابِر بن عُمَيْر الأنصاريين يرميان [فملَّ أَحدهمَا] فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ صَاحبه! أجلست
стр. 5820
أما سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: كل [شَيْء] لَيْسَ من ذكر الله فَهُوَ سَهْو وَلَهو إِلَّا أَربع: مشي الرجل بَين الغرضين، وتأديبه فرسه، وتعلمه السباحة، وملاعبته أَهله» .
الحَدِيث الْخَامِس عشر
«أنَّه ﷺ مر بحزبين من الْأَنْصَار يتناضلون، فَقَالَ: أَنا من الحزب الَّذِي فِيهِ ابْن الأدرع» .
هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مَرْوِيّ من طَرِيقين فِي أَحدهمَا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «خرج رَسُول الله ﷺ وَقوم من أسلم يرْمونَ، فَقَالَ: ارموا بني (أسلم) فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا، ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع. فَأمْسك الْقَوْم (رميهم) فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، من كنت مَعَه غلب. قَالَ: ارموا وَأَنا مَعَ كلكُمْ» . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي عَن مُحَمَّد بن إِيَاس بن سَلمَة بن الْأَكْوَع، عَن أَبِيه عَن جده «أَن رَسُول الله ﷺ مر عَلَى نَاس من أسلم يتناضلون، فَقَالَ: حسن هَذَا اللَّهْو - مرَّتَيْنِ - ارموا فَإِنَّهُ كَانَ لكم أَب يَرْمِي، ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع. فَأمْسك الْقَوْم أَيْديهم، فَقَالَ: مَا لكم؟ فَقَالُوا: لَا وَالله لَا نرمي وَأَنت مَعَه يَا رَسُول الله، إِذا ينضلنا. فَقَالَ رَسُول
стр. 5821
الله (: ارموا وَأَنا مَعكُمْ جَمِيعًا. قَالَ: فرموا عَامَّة يومهم، ثمَّ تفَرقُوا عَلَى السوَاء مَا نضل بَعضهم بَعْضًا» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد. وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من طَرِيقين، وَلم أر فِي طَرِيق من طرق هَذَا الحَدِيث وَلَا غَيره «أَنه ﵇ مر بحزبين من الْأَنْصَار» وَإِنَّمَا فِيهَا «أَنه [مر] بِقوم من أسلم» وَفِي بَعْضهَا «بِنَفر من أسلم» وَابْن الأدرع صَحَابِيّ نزل الْبَصْرَة واختط مَسْجِدهَا، واسْمه: محجن وَاسم الأدرع: سَلمَة بن ذكْوَان، والأدرع بِفَتْح الْهمزَة، وَإِسْكَان الدَّال وَفتح الرَّاء وبالعين المهملات.
الحَدِيث السَّادِس عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا جلب وَلَا جنب فِي الرِّهَان» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب أَدَاء الزَّكَاة وتعجيلها وَهُوَ الحَدِيث الْخَامِس مِنْهُ وَمِمَّا لم يقدمهُ هُنَاكَ أَن الْحَافِظ إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الْجوزجَاني رَوَى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا جلب وَلَا جنب وَإِذا لم يدْخل المراهنان فرسا يَسْتَبِقَانِ عَلَى السهْم فِيهِ فَهُوَ حرَام» وَفِي إِسْنَاده مَجْهُول وَرَوَاهُ القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل عَن رجل من ولد الْحَارِث بن هِشَام عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «لَا جنب وَلَا جلب وَإِذا أَدخل المرتهنان فرسا يَسْتَبِقَانِ عَلَى سَيْفه فَهُوَ حرَام» .
стр. 5822
الحَدِيث السَّابِع عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «من أجلب عَلَى الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث ضرار بن صرد - وَهُوَ أَبُو نعيم - ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، عَن ثَوْر بن زيد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «من جلب عَلَى الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا» وَضِرَار هَذَا كذبه ابْن معِين وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق صَاحب قُرْآن وفرائض وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره: ضَعِيف. وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم السالف عَن أبي شُعَيْب صَالح بن دِينَار السُّوسِي، ثَنَا مُوسَى بن دَاوُد، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن ثَوْر بن زيد الديلِي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من أجلب عَلَى الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا» . انْتَهَى الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره: عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: «علمُوا أَوْلَادكُم الرَّمْي وَالْمَشْي بَين الغرضين» .
وَلَا أعلم من رَوَاهُ عَنهُ هَكَذَا، وَالَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة ﵄: «أَن علمُوا غِلْمَانكُمْ العوم، ومقاتلتكم الرَّمْي. قَالَ: وَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ بَين الْأَغْرَاض، فجَاء سهم غرب فَأصَاب غُلَاما فَقتله» وَهَكَذَا هُوَ فِي مُسْند أَحْمد، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة
стр. 5823
عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سُلَيْمَان مولَى أبي رَافع، عَن أبي رَافع قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله أللولد علينا حق كحقنا عَلَيْهِم؟ قَالَ: نعم، حق الْوَلَد عَلَى الْوَالِد، أَن يُعلمهُ الْكِتَابَة والسباحة وَالرَّمْي [وَأَن يورثه طيبا] » قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الْهَاشِمِي هَذَا من شُيُوخ بَقِيَّة، مُنكر الحَدِيث ضعفه يَحْيَى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «الرَّمْي بَين الغرضين» عَن عقبَة وَابْن عمر وَأنس ﵃.
قلت: أثر عقبَة أخرجه مُسلم فِي «أَفْرَاده» من حَدِيث الْحَارِث بن يَعْقُوب، عَن عبد الرَّحْمَن بن شماسَة «أَن فقيمًا اللَّخْمِيّ قَالَ لعقبة بن عَامر: تخْتَلف بَين هذَيْن الغرضين وَأَنت كَبِير يشق عَلَيْك ذَلِك! فَقَالَ عقبَة: لَوْلَا كَلَام سمعته من رَسُول الله ﷺ لم أَعَانَهُ. قَالَ الْحَارِث: فَقلت لِابْنِ شماسَة: وَمَا ذَلِك قَالَ: إِنَّه [قَالَ] «من علم الرَّمْي ثمَّ تَركه فَلَيْسَ منا - أَو قد عَصَانِي» وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» بِسَنَد جيد عَن مُجَاهِد قَالَ: «رَأَيْت ابْن عمر يشْتَد بَين الغرضين وَيَقُول: (إِنِّي) بهَا ثمَّ أخرج بِسَنَدِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «من مَشَى بَين الغرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة
стр. 5824
حَسَنَة» وَفِي النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: رَأَيْت جَابر بن عبد الله وَجَابِر بن عُمَيْر (الْأنْصَارِيّ) يرميان، فمل أَحدهمَا فَجَلَسَ، فَقَالَ الآخر: [كسلت!] : سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «كل شَيْء لَيْسَ من ذكر الله فَهُوَ لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال: مشي الرجل بَين الغرضين، وتأديب فرسه، وملاعبته أَهله، وَتَعْلِيم السباحة» .
стр. 5825
كتاب الْأَيْمَان
стр. 5826
كتاب الْأَيْمَان
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا. أما الْأَحَادِيث فستة وَعِشْرُونَ حَدِيثا:
الحَدِيث الأول
أنَّه ﷺ قَالَ: «وَالله لأغزون قُريْشًا - وَفِي رِوَايَة «قَالَ ذَلِك» وَفِي رِوَايَة «قَالَ ذَلِك ثَلَاثًا» - ثمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة: «إِن شَاءَ الله» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عِكْرِمَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «وَالله لأغزون قُريْشًا [قَالَهَا ثَلَاثًا] ، ثمَّ قَالَ إِن شَاءَ الله» وَذكر أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» (وَابْن حبَان فِي غير «صَحِيحه» ) أَنه أسْندهُ غير وَاحِد عَن عِكْرِمَة عَن [ابْن] عَبَّاس، وَأخرجه فِي «صَحِيحه» من حَدِيث معمر عَن سماك، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه ... فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره: «ثمَّ سكت فَقَالَ: إِن شَاءَ الله» وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن
стр. 5827
عِكْرِمَة - يرفعهُ - أَنه قَالَ: «وَالله لأغزون قُريْشًا. ثمَّ قَالَ: إِن شَاءَ الله [ثمَّ قَالَ: وَالله لأغزون قُريْشًا إِن شَاءَ الله. ثمَّ قَالَ: وَالله لأغزون قُريْشًا. ثمَّ سكت، ثمَّ قَالَ:] إِن شَاءَ الله زَاد فِيهِ بعض الروَاة: «ثمَّ لم يغزهم» وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من هَذِه الطّرق، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي: «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: الْأَشْبَه إرْسَاله.
وَكَذَا قَالَ عبد الْحق: الصَّحِيح أَنه مُرْسل وَأَن الرِّوَايَة الموصولة ضَعِيفَة؛ لِأَن فِيهَا عبد الْوَاحِد بن صَفْوَان عَن عِكْرِمَة، وَهُوَ لَيْسَ [حَدِيثه] بِشَيْء.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ إِن صَحَّ هَذَا عَنهُ - يَعْنِي حَدِيث عِكْرِمَة الْأَخير - لم يقْصد رد الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْيَمين، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك امتثالاً (لكتابه) . وَأخرجه ابْن حبَان فِي «تَارِيخه الضُّعَفَاء» من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْبَلْخِي، ثَنَا سُفْيَان، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر - رَفعه - وَقَالَ فِي الثَّالِثَة: «إِن شَاءَ الله» ثمَّ قَالَ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْبَلْخِي يروي المقلوبات عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات كَأَنَّهُ كالمتعمد، لَا يكْتب حَدِيثه إِلَّا للاعتبار. وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا شَيْء رَوَاهُ مسعر وَشريك عَن سماك، عَن
стр. 5828
عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، أَرْسلَاهُ مرّة ورفعا أُخْرَى. وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: مُحَمَّد هَذَا لم يكن [يوثق] فِي علمه، كَانَ قُتَيْبَة يذكرهُ بِأَسْوَأ الذّكر وَيَقُول: حدثت أَنه شتم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْكُوفَةِ فَطلب فهرب.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن ابْن عمر ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ كثيرا مَا يحلف فَيَقُول: لَا ومقلب الْقُلُوب» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَفظه: «أَكثر مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يحلف: لَا ومقلب الْقُلُوب» وأرسله مَالك قَالَ: بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول: «لَا ومقلب الْقُلُوب» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مُسْندًا، وَلَفظه الْأَوَّلين «كثيرا مَا كَانَ يحلف بِهَذِهِ الْيَمين: لَا ومقلب الْقُلُوب» وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «أَكثر مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يحلف بِهَذِهِ الْيَمين: لَا ومقلب الْقُلُوب» . وَلَفظ النَّسَائِيّ «كَانَت يَمِين يحلف عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ : لَا ومقلب الْقُلُوب» وَفِي رِوَايَة لَهُ «كَانَت يَمِين رَسُول الله ﷺ الَّتِي يحلف بهَا لَا ومصرف
стр. 5829
الْقُلُوب. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه «كَانَت أَكثر أَيْمَان النَّبِي ﷺ لَا ومصرف الْقُلُوب» .
الحَدِيث الثَّالِث
«أنَّه ﷺ كَانَ إِذا اجْتهد فِي الْيَمين قَالَ: لَا وَالَّذِي نَفْس أبي الْقَاسِم بِيَدِهِ، أَو نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اجْتهد فِي الْيَمين قَالَ: لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ» وَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمخْرج فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا» . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا الثَّابِت فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ، لَو أَن عِنْدِي ملْء أحد ذَهَبا لأحببت أَن لَا يَأْتِي عَلّي ثَلَاث لَيَال وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أجد من يقبله، إِلَّا شَيْء أرصده لدين عَلّي» .
وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث المستفيضة الْمَعْرُوفَة.
стр. 5830
الحَدِيث الرَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَقتل النَّفس، وَالْيَمِين الْغمُوس» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن أعرابيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا الْكَبَائِر يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الْإِشْرَاك [بِاللَّه] قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: [عقوق الْوَالِدين. قَالَ ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ:] الْيَمين الْغمُوس. قلت: وَمَا الْيَمين الْغمُوس؟ قَالَ: الَّذِي يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم - يَعْنِي: يَمِين هُوَ فِيهَا كَاذِب» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن عبد الله بن أنيس - الْجُهَنِيّ مَرْفُوعا: «من أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس، مَا حلف حَالف بِاللَّه يَمِين صَبر (فأحل مِنْهَا) مثل جنَاح الْبَعُوضَة إِلَّا جعلهَا الله [نُكْتَة] فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة» . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي هَذَا: حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ
стр. 5831
ابْن الْقطَّان - تبعا لِلتِّرْمِذِي -: أَبُو أُمَامَة هَذَا قد رَوَى عَن النَّبِي ﷺ لَا يعرف اسْمه.
قلت: بلَى اسْمه: إِيَاس بن ثَعْلَبَة، وَقيل: عبد الله، وَقيل غير ذَلِك، قَالَ: وَفِيه أَيْضا: هِشَام بن سعد.
قلت: قد أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِدُونِهِ أخرجه [عَن] عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن زيد، عَن عبد الله بن أبي أُمَامَة، عَن عبد الله بن أنيس - رَفعه -: «من أكبر الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يحلف رجل عَلَى مثل جنَاح بعوضة إِلَّا كَانَت لَهُ كيَّة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة» .
الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْيَمين عَلَى من أنكر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «لَو أعطي النَّاس بدعواهم لادعى رجال دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ، وَلَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى من أنكر» وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَن ابْن عَبَّاس، أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» وَلمُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس
стр. 5832
دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ.
الحَدِيث السَّادِس
عَن عَائِشَة ﵂ مَرْفُوعا وموقوفًا «إِن لَغْو الْيَمين: لَا وَالله، وبلى وَالله» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أما رِوَايَة الرّفْع فرواها أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: اللَّغْو فِي الْيَمين [قَالَ:] قَالَت عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «هُوَ كَلَام الرجل فِي بَيته: كلا وَالله وبلى وَالله» وَأما رِوَايَة الْوَقْف فرواها البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن هِشَام قَالَ: حَدثنِي أبي عَن عَائِشَة فِي هَذِه الْآيَة: «لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم» . قَالَ: هُوَ قَول الرجل: لَا وَالله وبلى وَالله» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع قَالَ: قلت للشَّافِعِيّ: مَا لَغْو الْيَمين؟ قَالَ: الله أعلم، أما الَّذِي نَذْهَب [إِلَيْهِ] فَمَا قَالَت عَائِشَة، أخبرنَا مَالك، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «لَغْو الْيَمين: قَول الْإِنْسَان: لَا وَالله وبلى وَالله» .
стр. 5833
وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» أَيْضا كَذَلِك، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان؛ أخبرنَا سُفْيَان، أَنا عَمْرو [عَن] ابْن جريج، عَن عَطاء قَالَ: «ذهبت أَنا وَعبيد بن عُمَيْر إِلَى عَائِشَة وَهِي معتكفة، فسألناها عَن قَول الله - تَعَالَى -: «لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم» قَالَت: هُوَ لَا وَالله وبلى وَالله.
قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ غير وَاحِد عَن عَطاء، عَن عَائِشَة مَوْقُوفا عَلَيْهَا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من طرق مَوْقُوفا عَلَيْهَا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : وَالصَّحِيح فِيهِ الْوَقْف.
الحَدِيث السَّابِع
عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِسبع: بعيادة الْمَرِيض، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز، وتشميت الْعَاطِس، ورد السَّلَام، وَإجَابَة الدَّاعِي، وإبرار الْقسم، وَنصر الْمَظْلُوم» .
وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحهمَا» وَقد تقدم فِي كتاب السّير.
الحَدِيث الثَّامِن
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، لم يَحْنَث» .
стр. 5834
هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» وَالنَّسَائِيّ، وَابْن ماجة فِي «سُنَنهمَا» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن [ابْن] طَاوس، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي، وَلَفظ النَّسَائِيّ: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فقد اسْتثْنى» وَلَفظ ابْن مَاجَه: «من حلف فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فَلهُ ثنياه، وَلَفظ ابْن حبَان: «من حلف فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فقد اسْتثْنى» قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل - يَعْنِي: البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث خطأ أَخطَأ فِيهِ عبد الرَّزَّاق، اخْتَصَرَهُ من حَدِيث معمر عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَالَ: لأطوفن اللَّيْلَة عَلَى سبعين امْرَأَة، تَلد كل امْرَأَة غُلَاما فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلم تَلد امْرَأَة مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَة نصف غُلَام، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله. لَكَانَ كَمَا قَالَ» . رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «السّنَن المأثورة» عَنهُ للمزني، وَأحمد فِي «مُسْنده» وَأَصْحَاب «السّنَن الْأَرْبَعَة» من حَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله.
стр. 5835
فَلَا حنث عَلَيْهِ» هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ البَاقِينَ - خلا أَحْمد -: من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. فقد اسْتثْنى» وَفِي رِوَايَة لَهُم «من حلف عَلَى يَمِين فاستثنى، فَإِن شَاءَ رَجَعَ وَإِن شَاءَ ترك غير حنث وَلَفظ أَحْمد: «إِذا حلف الرجل فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ فليمض وَإِن شَاءَ فليترك» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. قَالَ: وَقد رَوَاهُ [عبيد الله] بن عمر وَغَيره عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَوْقُوفا، وَهَكَذَا رُوِيَ، عَن سَالم، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا.
قلت: وَقد أخرجه مَالك فِي «موطئِهِ» مَوْقُوفا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَلَا نعلم أحدا رَفعه غير أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم: كَانَ أَيُّوب أَحْيَانًا يرفعهُ وَأَحْيَانا لَا يرفعهُ.
قلت: وَأَيوب ثِقَة إِمَام مجمع عَلَى جلالته، فَلَا يضر تفرده بِالرَّفْع عَلَى أَنه لم ينْفَرد؛ فقد رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن عمر وحبان بن عَطِيَّة وَكثير بن فرقد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يَصح رَفعه إِلَّا من جِهَة أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَأَيوب يشك فِيهِ أَيْضا، وَرَوَاهُ الْجَمَاعَة من أوجه صَحِيحَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر من قَوْله غير مَرْفُوع.
قلت: وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث كثير بن فرقد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «من حلف عَلَى يَمِين ثمَّ
стр. 5836
قَالَ: إِن شَاءَ الله. فَإِن لَهُ ثنياه» قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَلم يُخرجهُ هَكَذَا، وَلما أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أَيُّوب، عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «من حلف فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. فقد اسْتثْنى» ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. ثمَّ أخرج عَن شَيْخه ابْن خُزَيْمَة بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن وهب، عَن سُفْيَان، عَن أَيُّوب بن مُوسَى، عَن نَافِع، وَلَفظه «فَقَالَ: إِن شَاءَ الله. لم يَحْنَث» ثمَّ أخرج من حَدِيث عبد الْوَارِث بن سعيد، ثَنَا أَيُّوب، عَن نَافِع، وَلَفظه: «من حلف فاستثنى فَهُوَ بِالْخِيَارِ؛ إِن شَاءَ أَمضَى وَإِن شَاءَ ترك غير حنث» .
الحَدِيث التَّاسِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا تحلفُوا إِلَّا بِاللَّه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تحلفُوا [إِلَّا]
стр. 5837
بِاللَّه [وَلَا تحلفُوا إِلَّا] وَأَنْتُم صَادِقُونَ» وَعَزاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» إِلَى أبي دَاوُد، وَلم أره فِيهِ، وَلم يذكرهُ ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه أَيْضا، نعم قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: هُوَ مَوْجُود فِي رِوَايَة أبي الْحسن بن العَبْد، وَأبي بكر بن داسة فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور.
الحَدِيث الْعَاشِر
«أَن النَّبِي ﷺ أدْرك عمر بن الْخطاب وَهُوَ يسير فِي ركب، فَسَمعهُ وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ، فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت. قَالَ عمر ﵁: فَمَا حَلَفت بهَا بعد ذَلِك ذَاكِرًا وَلَا آثرًا - أَي: حاكيًا عَن غَيْرِي» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عمر ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ، فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت» وَفِي رِوَايَة لَهما «أَنه ﵇ سمع عمر يَقُول: وَأبي
стр. 5838
وَأمي. فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمن كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه أَو لِيَسْكُت» . وَفِي أُخْرَى لَهما: «كل من كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه. وَكَانَت قُرَيْش تحلف بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ» وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «وَكَانَت الْعَرَب تحلف بِآبَائِهَا» وَفِي رِوَايَة لمُسلم «قَالَ عمر: وَالله مَا حَلَفت بهَا مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرًا «وَرِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ هِيَ عَن رِوَايَة الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر إِلَى قَوْله «أَو ليصمت» وَقَالَ بعد قَوْله: «فِي ركب وَيحلف بِاللَّه» بدل قَوْله: «فَسَمعهُ وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ» وَقَالَ: «من» بدل «فَمن» ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه قَالَ: «سمع النَّبِي ﷺ عمر يحلف بِأَبِيهِ فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، قَالَ عمر: فوَاللَّه مَا حَلَفت بهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرًا» .
فَائِدَة: تَفْسِير الإِمَام الرَّافِعِيّ: «آثرًا» أَي: حاكيًا عَن غَيره. هُوَ مَا جزم بِهِ الْأَزْهَرِي والجوهري، وَحَكَى القَاضِي حُسَيْن قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا هَذَا، وَقَالَ: هُوَ الْأَصَح. وَالثَّانِي: إِنَّه اتِّبَاع لذاكر، تَأْكِيدًا لقَولهم شَيْطَان بيطان، جَامع مَانع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا - يَعْنِي: عَامِدًا وَلَا نَاسِيا. وَالثَّانِي: مُعْتَقدًا لنَفْسي.
стр. 5839
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ للأعرابي الَّذِي قَالَ: لَا أَزِيد عَلَيْهَا وَلَا أنقص: أَفْلح (وَالله) إِن صدق» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة طَلْحَة بن عبيد الله، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي كتاب الصّيام.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من حلف بِغَيْر الله فقد كفر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور: الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» فِي أَوَائِله من رِوَايَة [سعد] بن عُبَيْدَة، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، قَالَ: وَهَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، فقد احتجا بِمثل إِسْنَاده، وخرجاه فِي كِتَابَيْهِمَا، وَلَيْسَ [لَهُ] عِلّة وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَله شَاهد عَلَى شَرط مُسلم ... فَذكره بِإِسْنَادِهِ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ، عَن الْحسن بن عبيد الله، عَن سعد بن عُبَيْدَة، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «كل يَمِين يحلف بهَا دون الله شرك» وَذكره أَيْضا بعد هَذَا بأوراق بِاللَّفْظِ الأول، ثمَّ قَالَ: هَذَا
стр. 5840
حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وخلا الْمَوْضِعَيْنِ فِي كتاب الْأَيْمَان فِي أَوَائِل كِتَابه. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى أنَّه ﷺ قَالَ: «من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك» .
قلت: هُوَ صَحِيح أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر، عَن عمر أَنه قَالَ: «لَا وَأبي. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَه! إِنَّه من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» [فِي كتابي] الْإِيمَان والأيمان من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة، عَن ابْن عمر وَحده قَالَ: قَالَ رَسُول (: «لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك» وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة سعد بن عُبَيْدَة «أَن ابْن عمر سمع رجلا يَقُول: والكعبة. فَقَالَ ابْن عمر: لَا يُحلف بِغَيْر الله؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من حلف بِغَيْر الله فقد كفر أَو أشرك» كَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ ب «أَو» الَّتِي هِيَ للشَّكّ، وَفِي الْحَاكِم وَابْن حبَان بحذفها، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
стр. 5841
قلت: ومدار طرق هَذَا الحَدِيث عَلَى سعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي وَهُوَ ثِقَة ثَبت أخرج لَهُ أَصْحَاب «الْكتب السِّتَّة» رَوَى عَن ابْن عمر والبراء بن عَازِب ﵄ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ سعد بن عُبَيْدَة من ابْن عمر.
قلت: وَفِي ذَلِك نظر؛ فقد صرح بِسَمَاعِهِ من ابْن عمر، وَقد بَين ذَلِك الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «الْأَطْرَاف» فَقَالَ بعد أَن أخرجه من طريقي أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد وفضيل بن سُلَيْمَان، عَن الْحسن بن عبيد الله عَن سعد بن عُبَيْدَة، وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن سعد بن عُبَيْدَة: «كنت عِنْد ابْن عمر ... » فَذكر فِيهِ قصَّة، وَقَالَ: روح (وَسَعِيد) عَن مَنْصُور، عَن سعد بن عُبَيْدَة: «كنت عِنْد ابْن عمر - فَذكر الْقِصَّة، وَقَالَ: وَمَعِي رجل من كِنْدَة - فَقُمْت من عِنْد ابْن عمر فَأتيت سعيد بن الْمسيب فَأَتَانِي الْكِنْدِيّ وَأَنا عِنْد سعيد، فَقَالَ: مَا سَمِعت مَا حدث ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ فَنَهَاهُ وَقَالَ: لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ» قَالَ أَبُو عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ: يُقَال: إِنَّه مُحَمَّد الْكِنْدِيّ. وَقَالَ الْأَعْمَش عَن سعد بن عُبَيْدَة، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن ابْن عمر، زَاد فِيهِ: عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي، وَمُلَخَّصه أَن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين:
أَحدهمَا: عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر. الثَّانِي: عَن سعد
стр. 5842
بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن ابْن عمر. وَمن طَرِيق ثَالِث عَن سعد الْمَذْكُور عَن ابْن عمر، وَله طَرِيق آخر شَاهد لَهُ، أدْركهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» فِي تَرْجَمَة مَكْحُول الْأَسدي بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ مَرْفُوعا: «من حلف بالشرك وآثم فقد أشرك، وَمن حلف (بالْكفْر) وآثم فقد أشرك» .
فَائِدَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ: فسر بعض الْعلمَاء قَوْله ﵇: «كفر أَو أشرك» عَلَى التَّغْلِيظ، كَمَا رُوِيَ أَنه ﵇ قَالَ: «الرِّيَاء شرك» قَالَ: وَقد فسر بعض أهل الْعلم قَوْله تَعَالَى: (وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا) قَالَ: لَا يرائي. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: قَوْله: «فقد أشرك» فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا: فقد أشرك بَين الله وَبَين غَيره فِي التَّعْظِيم، وَإِن لم يصر من الْمُشْركين الْكَافرين. وَثَانِيهمَا: صَار كَافِرًا بِهِ إِن اعْتقد لُزُوم يَمِينه بِغَيْر الله، كاعتقاد لُزُومهَا بِاللَّه.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
أنَّه ﷺ قَالَ فِي حَدِيث ركَانَة: «آللَّهُ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب الطَّلَاق، قَالَ الرَّافِعِيّ: رَوَاهُ صَاحب «الْبَيَان» بِالرَّفْع، وَالْقَاضِي الرَّوْيَانِيّ بِالْجَرِّ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ لِابْنِ مَسْعُود ﵁: « [آللَّهُ] قتلتَ أَبَا جهل» بِالنّصب.
стр. 5843
قلت: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق، عَن الحكم، عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «انْتَهَى عبد الله بن مَسْعُود إِلَى أبي جهل يَوْم بدر وَهُوَ وقيذ، فاستل سَيْفه فَضرب عُنُقه، فقدَّ رَأسه ثمَّ أَخذ سلبه، فَأَتَى إِلَى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ أَنه قتل أَبَا جهل، فأحلفه بِاللَّه ثَلَاث مَرَّات، فَحلف فَجعل لَهُ سلبه» ثمَّ أخرجه من حَدِيث أبي إِسْحَاق، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن أَبِيه، وَفِيه «فَقلت: قتلت أَبَا جهل. فَقَالَ: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؟ فاستحلفه ثَلَاث مَرَّات» وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ من هَذِه الطَّرِيق: «يَا رَسُول الله، لقد قتل الله أَبَا جهل. قَالَ: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؟ فَقلت: آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، لقد قتلته» ثمَّ أخرجه من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون عَنهُ، وَفِيه «فَقتلته ثمَّ قلت: يَا رَسُول الله ألم تَرَ أَن الله قتل أَبَا جهل. قَالَ: آللَّهُ؟ قلت: آللَّهُ. حَتَّى حلَّفَنى ثَلَاثًا» . وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه، كَمَا سَاقه الطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه لم يقل: «فاستحلفه ثَلَاث مَرَّات» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «وَايْم الله [إِنَّه] لخليق بالإمارة» .
стр. 5844
هَذَا الحَدِيث كَذَا وَقع فِي نسخ الإِمَام الرَّافِعِيّ، وَهُوَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا قَالَ: «بعث رَسُول الله ﷺ بعثًا وَأمر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد فطعن النَّاس فِي إمارته، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن [تطعنوا] فِي إمارته فقد كُنْتُم تطعنون فِي إِمَارَة أَبِيه من قبل، وَايْم الله إِن كَانَ لخليقًا بالإمارة، إِن كَانَ لمن أحب النَّاس إليّ، وَإِن هَذَا من أحب النَّاس إِلَيّ بعده» .
الحَدِيث الْخَامِس عشر
عَن عقبَة بن عَامر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «كَفَّارَة النّذر كَفَّارَة الْيَمين» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفْظهمَا: «كَفَّارَة النّذر إِذا لم يسم شَيْئا كَفَّارَة الْيَمين» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَمَا رَوَاهُ مُسلم، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّه مَحْمُول عندنَا عَلَى اللِّجاج الَّتِي تخرج مخرج الْأَيْمَان.
стр. 5845
تَنْبِيه: ذكر الرَّافِعِيّ هُنَا الْمُبَايعَة كَانَت فِي زمن رَسُول الله ﷺ بالمصافحة، وَهَذَا صَحِيح؛ فَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب عَن [مرْثَد] بن عبد الله، عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْجُهَنِيّ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ طلع راكبان، فَلَمَّا رآهما قَالَ: كنديان مَذْحِجِيَّان. حَتَّى أَتَيَاهُ، فَإِذا رجلَانِ من مذْحج، قَالَ: فَدَنَا أَحدهمَا إِلَيْهِ ليبايعه قَالَ: فَلَمَّا أَخذ بِيَدِهِ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت من رآك فَآمن بك وصدقك ثمَّ اتبعك، مَاذَا لَهُ؟ فَقَالَ: طُوبَى لَهُ. فَمسح عَلَى يَده فَانْصَرف، ثمَّ أقبل الآخر حَتَّى أَخذ بِيَدِهِ ليبايعه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت من آمن بك وصدقك واتبعك وَلم يَرك. قَالَ: طُوبَى لَهُ ثمَّ طُوبَى لَهُ [ثمَّ طُوبَى لَهُ] قَالَ: فَمسح عَلَى يَده وَانْصَرف» . وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» وَمُسلم من حَدِيث عَائِشَة ﵂: «كَانَ الْمُؤْمِنَات إِذا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُول الله ﷺ (يمْتَحن) بقول الله - تَعَالَى -: (يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات ... ) الْآيَة. قَالَت عَائِشَة: فَمن (آمن) بِهَذَا من الْمُؤْمِنَات، فقد أقرّ بالمحنة، وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أقررن بذلك من قولهن قَالَ لَهُنَّ: انطلقن؛ فقد بايعتكن. وَلَا وَالله مَا مست يَد رَسُول الله ﷺ يَد امْرَأَة قطّ غير أَنه يُبَايِعهُنَّ بالْكلَام» .
стр. 5846
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث [الشريد بن] سُوَيْد قَالَ: «كَانَ فِي وَفد ثَقِيف رجل مجذوم، فَأرْسل إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ إِنَّا قد بايعناك فَارْجِع» .
وَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي نعيم فِي تَرْجَمَة قريبَة العتوارية، عَنْهَا ابْنَتهَا عقيلة بنت عبيد بن الْحَارِث - وَقيل: غقيلة بالغين - من حَدِيث بكار بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا مُوسَى بن عُبَيْدَة، ثَنَا زيد بن عبد الرَّحْمَن، عَن أمه حجَّة بنت (قُرَيْظَة) عَن أمهَا عقيلة بنت عبيد بن الْحَارِث قَالَت: «جِئْت أَنا وَأمي قريرة بنت الْحَارِث العتوارية فِي نسَاء من [الْمُهَاجِرَات] إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ ضَارب عَلَيْهِ بقبة بِالْأَبْطح، فَأخذ علينا أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا. قَالَت: فأقررنا وبسطنا أَيْدِينَا لنبايعه، فَقَالَ: إنى لَا أمس يَد النِّسَاء. فَاسْتَغْفر لنا (وَكَانَ ذَلِك بيعتنا» ) قَالَ أَبُو نعيم: كَذَا وَقع فِي كتابي: قريرة. وفيهَا أَيْضا من حَدِيث أُمَيْمَة بنت رقيقَة «أَنَّهَا لما بَايَعت النَّبِي ﷺ قَالَت: قد ذهبت أصافحه، فَقَالَ: إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء؛ إِنَّمَا قولي لمِائَة مِنْكُن كَقَوْلي لامْرَأَة» وَهَذَا فِي «صَحِيح
стр. 5847
ابْن حبَان» بأطول مِنْهُ، وفيهَا أَيْضا من حَدِيث بهية بنت عبد الله البكرية قَالَت: «وفدت مَعَ أبي عَلَى النَّبِي ﷺ فَبَايع الرِّجَال وصافحهم، وَبَايع النِّسَاء وَلم يُصَافِحهُنَّ، وَنظر إليّ فدعاني وَمسح عَلَى رَأْسِي ودعا لي ولوالدي. قَالَ: فولد لَهَا سِتُّونَ ولد: أَرْبَعُونَ رجلا وَعِشْرُونَ امْرَأَة، وَاسْتشْهدَ مِنْهُم عشرُون» . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» الْحَدِيثين الْأَوَّلين من هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِى أخرجهَا أَبُو نعيم، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن [معقل] بن يسَار «أَنه ﵇ فِي بيعَة الرضْوَان كَانَ يُصَافح النِّسَاء من تَحت الثَّوْب» وَفِي [مُسْند] أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن [عَمْرو] «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يُصَافح النِّسَاء» .
الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «يَا عبد الرَّحْمَن، لَا تسْأَل الْإِمَارَة؛ فَإنَّك إِن أتتك عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا، وَإِن أتتك عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا، وَإِذا حَلَفت عَلَى يَمِين فَرَأَيْت غَيرهَا
стр. 5848
خيرا مِنْهَا فَائت الَّذِي هُوَ خير وَكفر عَن يَمِينك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من هَذَا الْوَجْه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «كفر عَن يَمِينك وائت الَّذِي هُوَ خير» . وَفِي رِوَايَة للنسائي: «إِذا حلف أحدكُم عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه، ولينظر الَّذِي هُوَ خير فليأتيه» وَفِي رِوَايَة لَهما: «فَكفر عَن يَمِينك ثمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خير» . وَهَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب، وَذكر رِوَايَة أُخْرَى وَهِي: «من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا، فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه» وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة أخرجهَا مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: «أعتم رجل عِنْد النَّبِي ﷺ ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله، فَوجدَ الصبية قد نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهله بطعامه فَحلف أَن لَا [يَأْكُل] من أجل صبيته، ثمَّ بدا لَهُ فَأكل، فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَذكر ذَلِك لَهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأتها وليكفر عَن يَمِينه» وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى [غَيرهَا] خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه وليفعل»
стр. 5849
وَفِي أُخْرَى «فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه» .
قَالَ عبد الْحق: وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا شَيْئا. وَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» من حَدِيث عبد الله بن عمر مَرْفُوعا: «من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير، وليكفر عَن يَمِينه» . وَهَذِه طبق رِوَايَة الرَّافِعِيّ سَوَاء، وأخرجها أَيْضا أَحْمد فِي «مُسْنده» كَذَلِك.
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا أَحْلف عَلَى يَمِين فَأرَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وتحللت عَن يَمِيني» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِيه قصَّة أَخْرَجَاهَا بِطُولِهَا عَن أبي مُوسَى قَالَ: «أتيت رَسُول الله ﷺ فِي رَهْط من الْأَشْعَرِيين نستحمله، فَقَالَ: وَالله لَا أحملكم، وَمَا عِنْدِي مَا أحملكم. ثمَّ لبثنا مَا شَاءَ الله، فَأتي بِإِبِل فَأمر لنا بِثَلَاث ذود فَانْطَلَقْنَا، قَالَ بَعْضنَا لبَعض: لَا يُبَارك الله لنا، أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ نستحمله فَحلف لَا يحملنا! قَالَ أَبُو مُوسَى: فأتينا النَّبِي ﷺ فَذَكرنَا ذَلِك
стр. 5850
لَهُ، فَقَالَ: مَا أَنا حملتكم؛ بل الله حملكم، إِنِّي وَالله لَا أَحْلف ... » الحَدِيث.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة، إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله ... » الحَدِيث. حَدِيث صَحِيح جليل حفيل، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إِن الْحَلَال وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا مُشْتَبهَات لَا يعلمهُنَّ كثير من النَّاس، فَمن اتَّقَى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه، وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات وَقع فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك أَن يواقعه، أَلا وَإِن لكل ملك حمى، أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه، أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فَسدتْ فسد كُله، أَلا وَهِي الْقلب» .
الحَدِيث التَّاسِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه وَاضحا فِي بَاب النَّجَاسَات وَالْمَاء النَّجس.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
«أنَّه ﷺ كَانَ لَا يَأْكُل الصَّدَقَة وَيقبل الْهَدِيَّة» .
следующие страницы →