Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
السكرِي، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن عَطِيَّة، عَن أبي سعيد رَفعه بِمثلِهِ سَوَاء. فَهَذَا طَرِيق لَيْسَ فِيهِ ابْن أبي لَيْلَى، وَعبد الْملك من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» وَإِن لين. وَفِي «التَّهْذِيب» أَنه رَوَى عَن عَطِيَّة الْقرظِيّ فَليُحرر عَطِيَّة هَذَا هُوَ الْقرظِيّ أَو الْعَوْفِيّ.
الطَّرِيق الثَّالِث وَهُوَ أجدرها بالتقدم: عَن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، عَن أبي الوداك، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، عَن أبي عُبَيْدَة الْحداد، عَن يُونُس بِهِ. وَأَبُو عُبَيْدَة هَذَا اسْمه [عبد الْوَاحِد] بن وَاصل، احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّة ابْن معِين وَغَيره، لَا جرم أخرجهَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الثَّقَفِيّ، ثَنَا عَلّي بن أنس العسكري، ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة ... فَذكره، وَاقْتصر عَلَى هَذَا الطّرق الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» وَعَزاهَا إِلَى ابْن حبَان وَحده، وَقَالَ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» : هَذَا بَاب كَبِير مَدَاره عَلَى طَرِيق عَطِيَّة عَن أبي سعيد
стр. 5777
الْخُدْرِيّ وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَطَرِيق أبي الوداك، عَن أبي سعيد تفرد بِهِ عَلان. كَذَا قَالَ، وَلَا أعرف هَذَا فِي طرقه. ثمَّ قَالَ: وَفِيه زيادات فِي اللَّفْظ وَلَا تقوم بِهِ حجَّة. قَالَ: وَمن تَأمل هَذَا الْبَاب من أهل الصَّنْعَة قَضَى [فِيهِ] بالعجب أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَاهُ فِي الصَّحِيح.
قلت: حاشاهما من إِخْرَاج كل طرقه، نعم بَعْضهَا جيد كَمَا عَرفته وستعرفه، وَلما ذكر التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي سعيد هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جَابر، وَأبي أُمَامَة، وَأبي الدَّرْدَاء، وَأبي هُرَيْرَة. زَاد الْبَيْهَقِيّ بِدُونِ أبي أُمَامَة: وَعلي بن أبي طَالب، وَابْن مَسْعُود، وَابْن عمر، وَابْن عَبَّاس، وَأبي أَيُّوب، والبراء بن عَازِب.
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن كَعْب بن مَالك، ولنذكر طرق هَذِه الْأَحَادِيث ونتكلم عَلَيْهَا، فَإِن هَذَا الحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة، فَنَقُول:
أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارمِيّ، وَأَبُو دَاوُد، من حَدِيث إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، عَن عتاب بن بشير، عَن عبيد الله بن أبي زِيَاد القداح، عَن أبي الزبير، عَن جَابر رَفعه «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» .
أعله عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» بعبيد الله القداح وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف الحَدِيث. وَتعقبه ابْن الْقطَّان بِأَنَّهُ لم يبين أَنه من روايه عتاب بن بشير عَنهُ، قَالَ: وعتاب هُوَ الْحَرَّانِي، زَعَمُوا أَنه رَوَى بِأخرَة أَحَادِيث مُنكرَة وَأَنه اخْتَلَط عَلَيْهِ الْعرض وَالسَّمَاع فتكلموا فِيهِ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي من
стр. 5778
الوسواس وَلَا يضرّهُ ذَلِك؛ فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا تحمل صَحِيح. واستمداد هَذَا التَّعْلِيل من كتاب أبي مُحَمَّد بن حزم فَهُوَ عَن مَجْهُول، ثمَّ لم يَأْتِ عَن [أبي] الزبير إِلَّا من طَرِيق حَمَّاد بن شُعَيْب وَالْحسن بن بشر وعتاب بن بشير عَن عبيد الله القداح وَكلهمْ ضعفاء. انْتَهَى. فَأَما القداح هَذَا فَقَالَ ابْن معِين فِيهِ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَحْمد: صَالح الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: لم أر لَهُ شَيْئا مُنْكرا. وَصحح التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن الْقَاسِم، عَن: «عَائِشَة إِنَّمَا جعل الطّواف (وَالسَّعْي والجمار لإِقَامَة ذكر الله تَعَالَى» . وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ) وَلَا بالمتين يحول من الضُّعَفَاء. وَأما عتاب بن بشير، فقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ. وَوَثَّقَهُ ابْن معِين مرّة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. وَقَول ابْن حزم لم يَأْتِ عَن [أبي] الزبير إِلَّا من الطّرق الَّذِي ذكرهَا للتبين كَذَلِك هَذَا خرجه الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» من حَدِيث زُهَيْر، عَن أبي الزبير، عَن جَابر: «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» . ثمَّ قَالَ: تَابعه من الثِّقَات عبيد الله
стр. 5779
بن زِيَاد، عَن أبي الزبير ... فَذكره بِإِسْنَادِهِ، ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ، وَإِنَّمَا يعرف من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى وَحَمَّاد بن شُعَيْب، عَن أبي الزبير. وَهَذَا طَرِيق آخر لم يذكرهُ ابْن حزم وَهُوَ طَرِيق ابْن أبي لَيْلَى، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبان، عَن صباح بن يَحْيَى الْمدنِي، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن أبي الزبير، عَن جَابر رَفعه: «كل الْجَنِين فِي بطن أمه» وَفِي لفظ: «فِي بطن النَّاقة»
وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث يُوسُف بن عدي، نَا بشر بن عمَارَة، عَن الْأَحْوَص بن حَكِيم، عَن رَاشد بن سعد، عَن عتبَة بن عبد، عَن أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» ثمَّ أخرجه من حَدِيث رَاشد بن سعد، عَن أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء. وَرَاشِد هَذَا ثِقَة، والأحوص بن حَكِيم ضَعْفه مَحْض وَعتبَة بن عبد كَأَنَّهُ صَحَابِيّ.
وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فقد عَرفته الْآن. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عمر بن قيس، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ «أَنه قَالَ فِي الْجَنِين: ذَكَاته ذَكَاة أمه» . قَالَ عبد الْحق: لَا يحْتَج بِإِسْنَادِهِ. وَلم يبين مَوضِع الْعلَّة، وَبَينهَا
стр. 5780
ابْن الْقطَّان بعمر بن قيس فَقَالَ: هُوَ مَتْرُوك. وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِن ابْن الْقطَّان ذكره عَن طَاوس، عَن [ابْن] عَبَّاس، عَن أبي هُرَيْرَة. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَلم [يذكر] أَبَا هُرَيْرَة. وَقَالَ: حَدِيث مُنكر لَكِن ذكره الْحَاكِم من رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن سعيد المَقْبُري، عَن جده، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه بِهِ ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح.
وَفِيه وَقْفَة، فعبد الله هَذَا قَالَ البُخَارِيّ: تَرَكُوهُ.
وَأما حَدِيث عَلّي فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِيه الْحَارِث الْأَعْوَر الْكذَّاب وَعنهُ مُوسَى بن عُثْمَان الْكُوفِي. ادَّعَى ابْن الْقطَّان جهالته وَغلط، نعم هُوَ ضَعِيف، قَالَ ابْن عدي: حَدِيثه لَيْسَ بالمحفوظ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَلْقَمَة عَنهُ أرَاهُ رَفعه: «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» . وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا أَن شيخ شَيْخه أَحْمد بن حجاج بن الصَّلْت ذكره الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» وَذكر لَهُ [حَدِيثا] وَأَنه آفته وَالظَّاهِر أَنه هُوَ.
стр. 5781
وَأما حَدِيث ابْن عمر فَلهُ طرق عَنهُ أَحدهَا: عَن عِصَام بن يُوسُف، عَن مبارك بن مُجَاهِد، عَن عبيد الله [بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْجَنِين: ذَكَاته ذَكَاة أمه أشعر أم لم] يشْعر» قَالَ عبيد الله: وَلكنه إِذا خرج من بطن أمه يُؤمر بذَبْحه حَتَّى يخرج الدَّم من جَوْفه. قَالَ عبد الْحق: إِسْنَاده ضَعِيف، فِيهِ عِصَام ومبارك. قَالَ ابْن الْقطَّان: لم يبين حَال عِصَام، وَهُوَ رجل لَا تعرف حَاله قَالَ: وَأرَاهُ الَّذِي ذكره ابْن أبي حَاتِم وَلم يعرف من حَاله. شَيْء غير أَنه قَالَ فِيهِ: الزَّاهِد.
قلت: قد تكلم فِيهِ ابْن عدي فَقَالَ: رَوَى عَن الثَّوْريّ وَغَيره أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا. ومبارك بن مُجَاهِد ضعفه البُخَارِيّ وَقَالَ عَن قُتَيْبَة: كَانَ قدريًّا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَا أرَى بحَديثه بَأْسا.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن وهب بن بَقِيَّة، ثَنَا مُحَمَّد بن الْحسن الوَاسِطِيّ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَفعه: «ذَكَاة الْجَنِين إِذا أشعر ذَكَاة أمه وَلكنه يذبح حَتَّى ينصاب مَا فِيهِ من الدَّم» أخرجه الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْأَوْسَط» من هَذِه الطَّرِيق بِلَفْظ: «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه إِذا أشعر» ثمَّ قَالَ: لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق إِلَّا مُحَمَّد بن الْحسن، تفرد بِهِ وهب بن بَقِيَّة، وَأخرجه ابْن حبَان فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» من هَذِه الطَّرِيق
стр. 5782
بِلَفْظ الْحَاكِم ثمَّ قَالَ: مُحَمَّد هَذَا يرفع الْمَوْقُوفَات ويسند الْمَرَاسِيل، وَإِنَّمَا هُوَ قَول ابْن عمر. وَأخرجه الْخَطِيب فِي كتاب «من رَوَى عَن مَالك» من حَدِيث أَحْمد بن عِصَام، ثَنَا مَالك، عَن نَافِع بِهِ وَلم يذكر «إِذا أشعر» ثمَّ قَالَ: هُوَ فِي «الْمُوَطَّأ» مَوْقُوف وَذَلِكَ أصح.
قلت: وَأحمد تكلم فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: ضَعِيف. وَلَفظ «الْمُوَطَّأ» عَن نَافِع عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: «إِذا نحرت النَّاقة فذكاة مَا فِي بَطنهَا فِي ذكاتها إِذا كَانَ قد تمّ خلقه وَنبت شعره، فَإِذا خرج من بطن أمه ذبح حَتَّى يخرج الدَّم من جَوْفه» .
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أَحْمد بن يَحْيَى الْأَنْطَاكِي، عَن عبد الله بن نصر بِهِ. ثمَّ قَالَ: لم يروه مَرْفُوعا عَن عبيد الله إِلَّا أَبُو أُسَامَة، تفرد بِهِ عبد الله بن نصر.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن أبي حُذَيْفَة، نَا مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي، عَن أَيُّوب بن مُوسَى قَالَ: ذُكِرَ [لي] عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ «فِي الْجَنِين إِذا أشعر فذكاته ذَكَاة أمه» .
ذكره ابْن حزم فِي «محلاة» ، ثمَّ قَالَ: أَبُو حُذَيْفَة ضَعِيف، وَمُحَمّد بن مُسلم أسقط مِنْهُ، ثمَّ هُوَ مُنْقَطع. قلت: أَبُو حُذَيْفَة هُوَ مُوسَى بن مَسْعُود الْبَصْرِيّ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» وَقيل ليحيى بن معِين: إِن بندارًا يَقع فِيهِ. قَالَ يَحْيَى: هُوَ خير من بنْدَار وَمن ملْء الأَرْض مثله. وَقَالَ أَحْمد: صَدُوق، هُوَ من أهل الصدْق. وَقَالَ الْعجلِيّ:
стр. 5783
ثِقَة صَدُوق. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. نعم قَالَ التِّرْمِذِيّ: يضعف [فِي] الحَدِيث. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا أحتج بِهِ. وَقَالَ الفلاس: لَا يحدث عَنهُ من يبصر الحَدِيث.
وَأما مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي فاحتج بِهِ مُسلم فِي «صَحِيحه» وَله فِيهِ حَدِيث وَاحِد، وَقَالَ ابْن معِين: لَا بَأْس بِهِ، فَإِذا حدث من حفظه يُخطئ. وَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ ابْن مهْدي: كتبه صِحَاح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن عدي: لم أر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا. وَقَالَ: اخْتلف فِي رَفعه عَن نَافِع. فَذكر الِاخْتِلَاف ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ أَيُّوب وَجَمَاعَة عدَّدهم عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَوْقُوفا وَهُوَ الصَّحِيح.
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عُثْمَان الْكِنْدِيّ، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عِكْرِمَة، عَنهُ مَرْفُوعا بِلَفْظ: «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» . أعله ابْن الْقطَّان بِجَهَالَة مُوسَى هَذَا وَهُوَ الْمُتَقَدّم ذكره فِي حَدِيث عَلّي.
وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب فَأخْرجهُ الْحَاكِم من حَدِيث شُعْبَة، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن أَخِيه، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن أبي أَيُّوب مَرْفُوعا بِهِ، وَقَالَ: رُبمَا توهم متوهم أَن حَدِيث أبي أَيُّوب صَحِيح وَلَيْسَ
стр. 5784
كَذَلِك. وَأخرجه ابْن حزم فِي «محلاه» من طَرِيق ابْن أبي لَيْلَى، عَن أَخِيه عِيسَى، عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ : «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه إِذا أشعر» . ثمَّ قَالَ ابْن أبي لَيْلَى: سيئ الْحِفْظ ثمَّ هُوَ مُنْقَطع.
قلت: قد ذكر بذلك مَوْصُولا.
وَأما حَدِيث الْبَراء فَلَا يحضرني غير مَا ذكرته عَن الْبَيْهَقِيّ.
وَأما حَدِيث كَعْب بن مَالك فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث الْحسن بن عَمْرو بن شَقِيق، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك ( ... ) أخرجه من حَدِيث عبد الله بن الجهم، ثَنَا عبد الله بن الْعَلَاء بن شبيب، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن ( ... ) عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن كَعْب رَفعه بِهِ.
فَهَذِهِ طرق هَذَا الحَدِيث وَهِي إِحْدَى عشر طَرِيقا مُوضحَة الْكَلَام عَلَيْهَا، وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : لَا يحْتَج بأسانيدها كلهَا. وَأقرهُ ابْن الْقطَّان عَلَى ذَلِك، وَسَبقه بذلك ابْن حزم فَإِنَّهُ قَالَ فِي «محلاه» : وَاحْتج المخالفون بأخبار واهية. ثمَّ ذكره من أَربع طرق ووهاها، وَقد عرفت أَن بَعْضهَا يصلح للاحتجاج بِهِ، وَهُوَ طَرِيق أبي سعيد الَّتِي أخرجهَا أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان، وَطَرِيق جَابر الَّتِي أخرجهَا الْحَاكِم، ويقابل قَول ابْن حزم وَعبد الْحق فِي تَضْعِيف مَا ورد من ذَلِك عَلَى سَبِيل الْإِجْمَال قَول الْغَزالِيّ فِي كِتَابه «الْإِحْيَاء» تبعا لإمامه
стр. 5785
إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي «الأساليب» : وَقد صَحَّ فِي الصِّحَاح من الْأَخْبَار حَدِيث الْجَنِين «فَإِن ذَكَاته ذَكَاة أمه» صِحَة لَا يتَطَرَّق احْتِمَال إِلَى مَتنه وَلَا ضعف إِلَى سَنَده، وَهَذَا من الْعجب العجاب، وَخير الْأُمُور أوسطها، وَإِن طرقه ضَعِيفَة خلا طَريقَة أبي سعيد وَجَابِر الْمُتَقَدِّمين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. كَيفَ وَقد رَوَى ابْن حزم من طَرِيق سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ، عَن ابْن كَعْب بن مَالك قَالَ: كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يَقُولُونَ: «ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه» وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مَا يُقَوي ذَلِك.
فَائِدَة: قَوْله ﵊: «ذَكَاة الْجَنِين حَاصِلَة بِذَكَاة أمه» .
قَالَ النَّوَوِيّ، ويوضحه أَن فِي رِوَايَة للبيهقي «ذَكَاة الْجَنِين فِي ذَكَاة أمه» وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا «ذَكَاة الْجَنِين بِذَكَاة أمه» ، قَالَ: وَبَعض النَّاس ينصب «ذَكَاة» ويجعله بِالنّصب دَلِيلا لأَصْحَاب أبي حنيفَة فِي أَنه لَا يحل إِلَّا بِذَكَاة وَيَقُول: ذَكَاته كذكاة أمه، حذفت الْكَاف [فانتصب] . قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَن الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة بِالرَّفْع، وَكَذَا نَقله الْخطابِيّ وَغَيره، وَتَقْدِيره عَلَى الرّفْع يحْتَمل أوجهًا أحْسنهَا أَن «ذَكَاة الْجَنِين» خبر مقدم و «ذَكَاة أمه» مُبْتَدأ وَالتَّقْدِير: ذَكَاة أم الْجَنِين ذَكَاة لَهُ. كَقَوْل الشَّاعِر: بنونا بَنو أَبْنَائِنَا.
ونظائر ذَلِك؛ لِأَن الْخَبَر مَا حصلت بِهِ الْفَائِدَة، وَلَا تحصل [إِلَّا] بِمَا ذَكرْنَاهُ، وَأما رِوَايَة النصب عَلَى تَقْدِير صِحَّتهَا فتقديرها: ذَكَاة الْجَنِين
стр. 5786
حَاصِلَة وَقت ذَكَاة أمه. وَأما قَوْلهم بتقديره كذكاة أمه، فَلَا يَصح عِنْد النَّحْوِيين بل هُوَ لحن، وَإِنَّمَا جَاءَ النصب بِإِسْقَاط [الْحَرْف] فِي مَوَاضِع مَعْرُوفَة عِنْد الْكُوفِيّين بِشَرْط لَيْسَ مَوْجُودا هُنَا. هَذَا آخر كَلَام النَّوَوِيّ فِي «التَّهْذِيب» .
الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ
«أَن أَبَا طيبَة حجم رَسُول الله ﷺ فَأمر لَهُ بِصَاع من تمر، وَأمر أَهله أَن يخففوا من خراجه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أنس بن مَالك ﵁ «أَنه سُئِلَ عَن أجر الْحجام فَقَالَ: احْتجم رَسُول الله ﷺ حجمه أَبُو طيبَة وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ من طَعَام، وكلم موَالِيه فخففوا عَنهُ وَقَالَ: إِن أمثل مَا تداويتم بِهِ الْحجامَة والقسط البحري» . وَفِي رِوَايَة: «دَعَا رَسُول الله ﷺ غُلَاما حجامًا فحجمه فَأمر لَهُ بِصَاع أَو صَاعَيْنِ أَو مد أَو مَدين، وكلم فِيهِ موَالِيه فخفَّف من ضريبته» وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَأَبُو دَاوُد عَنهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي أوردهُ الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب، وَفِي رِوَايَة لأبي حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن جَابر «أَن النَّبِي ﷺ أَمر أَبَا طيبَة أَن يَأْتِيهِ
стр. 5787
مَعَ غيبوبة الشَّمْس فَأمره أَن يضع المحاجم مَعَ إفطار الصَّائِم ثمَّ سَأَلَهُ: كم خراجك قَالَ: صَاعَيْنِ» . فَوضع النَّبِي ﷺ عَنهُ صَاعا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن عِكْرِمَة قَالَ: «احْتجم رَسُول الله ﷺ وَأعْطَى [الْحجام] عمالته دِينَارا» . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث ابْن عَبَّاس « [أَنه] ﵇ بعث إِلَى أبي طيبَة لَيْلًا فحجمه وَأَعْطَاهُ أجره» . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جَعْفَر بن أبي وحشية، عَن سُلَيْمَان بن قيس، عَن جَابر قَالَ: «دَعَا رَسُول الله ﷺ أَبَا طيبَة فحجمه، فَسَأَلَهُ: كم ضريبتك؟ قَالَ: ثَلَاثَة آصَع. فَوضع [عَنهُ] صَاعا» .
فَائِدَة: «أَبُو طيبَة» بِفَتْح الطَّاء واسْمه نَافِع. وَقيل: ميسرَة. وَقيل: دِينَار ( ... ) لبني بياضة.
الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
«أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن كسب الْحجام فَنَهَى عَنهُ، وَقَالَ: أطْعمهُ رقيقك وأعلفه ناضحك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن ابْن محيصة الْأنْصَارِيّ «أَنه اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ فِي أُجْرَة الْحجام فِيهَا، وَكَانَ لَهُ
стр. 5788
مولَى حجامًا، فَلم يزل يسْأَله ويستأذنه حَتَّى قَالَ آخرا: أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن محيصة عَن أَبِيه. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ حَدِيث حسن. وَصَححهُ ابْن حبَان، وَقَالَ الْعقيلِيّ: إِسْنَاده صَالح. وَقَالَ عبد الْحق: ابْن محيصة هُوَ حرَام بن سعد بن محيصة ينْسب تَارَة إِلَى جده. قَالَ: وَلَيْسَت لِابْنِ محيصة صُحْبَة.
قلت: بلَى، لَهُ ولأبيه. وَقيل: سعيد. وَقيل: سَاعِدَة. قَالَ عبد الْحق: وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، عَن شُعْبَة، نَا أَبُو بلج قَالَ: سَمِعت عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع يحدث «أَن جده هلك وَترك غُلَاما حجامًا وناضحًا وأرضًا وَأمة، فَأمر رَسُول الله ﷺ أَن يَجْعَل كسب الْحجام فِي علف الناضح ... » الحَدِيث. قَالَ: وَلَا أعلم هَذَا أَيْضا مُتَّصِل.
قلت: وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن سُفْيَان، عَن أبي الزبير، عَن جَابر «أَنه ﵇ سُئِلَ عَن كسب الْحجام فَقَالَ: أعلفه ناضحك ... »
[الحَدِيث] الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ
رُوِيَ فِي الْخَبَر «إِن من الذُّنُوب مَا لَا يكفره صَوْم وَلَا صَلَاة، ويكفره عرق الجبين فِي الحرفة» .
стр. 5789
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كتاب «تَلْخِيص الْمُتَشَابه» من حَدِيث يَحْيَى بن بكير، عَن مَالك بن أنس، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِن من الذُّنُوب ذَنبا لَا يكفرهَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم وَلَا الْحَج وَلَا الْعمرَة. قيل: فَمَا يكفرهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: يكفرهَا الهموم فِي طلب الْمَعيشَة» . وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَا أكل [أحد] طَعَاما قطّ خير من أَن يَأْكُل من عمل يَده، وَإِن نَبِي الله دَاوُد (كَانَ يَأْكُل من عمل يَده» . وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «إِن الله يحب الْمُؤمن المحترف» سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: حَدِيث مُنكر.
الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «كسر عِظَام الْمَيِّت ككسر عِظَام الْحَيّ» .
стр. 5790
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد تقدم بَيَانه مَبْسُوطا فِي آخر كتاب الْغَصْب.
الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ
«أَن رَسُول الله ﷺ أَمر الرَّهْط العرنيين أَن يشْربُوا من أَبْوَال الْإِبِل» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من روايه أنس ﵁ «أَن نَاسا من عكل أَو عرينة اجتووا الْمَدِينَة، فَأمر لَهُم النَّبِي ﷺ بلقاح وَأمرهمْ أَن يشْربُوا من أبوالها وَأَلْبَانهَا، وَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صحُّوا قتلوا الرَّاعِي وَاسْتَاقُوا الْغنم، فجَاء الْخَبَر فِي أول النَّهَار فَبعث فِي آثَارهم، فَلَمَّا ارْتَفع النَّهَار جِيءَ فَأمر بِقطع أَيْديهم وأرجلهم وسملت أَعينهم، وَتركُوا فِي الْحرَّة يستسقون فَلَا يسقون.
قَالَ أَبُو قلَابَة أحد رُوَاة الحَدِيث: هَؤُلَاءِ سرقوا وَقتلُوا وَكَفرُوا بعد إِيمَانهم وحاربوا الله وَرَسُوله» .
قَالَ قَتَادَة: فَحَدثني ابْن سِيرِين أَن ذَلِك كَانَ قبل أَن تنزل الْحُدُود.
فَائِدَة: قَالَ ابْن شاهين: هَذَا الحَدِيث نسخه حَدِيث عمرَان بن حُصين قَالَ: «مَا قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا إِلَّا أمرنَا بِالصَّدَقَةِ ونهانا عَن الْمثلَة» . قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث ينْسَخ كل مثلَة كَانَت فِي الْإِسْلَام. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «الْإِعْلَام» : ادِّعَاء النّسخ يحْتَاج إِلَى تَارِيخ، وَقد قَالَ الْعلمَاء: إِنَّمَا سمل أعين أُولَئِكَ، لأَنهم سملوا الرعاء فاقتص مِنْهُم بِمثل
стр. 5791
مَا فعلوا، وَالْحكم بذلك ثَابت. وَمَا ادَّعَاهُ ابْن شاهين من نسخ حَدِيث العرنيين هَذَا سبقه بِهِ إمامنا الشَّافِعِي فَحَكَى الإِمَام فِي «نهايته» عَنهُ أَنه قَالَ: هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ؛ إِذْ فِيهِ أَنه مثل بهم ثمَّ مَا قَامَ فِي مقَام الْأَمر بِالصَّدَقَةِ وَنَهَى عَن الْمثلَة.
فَائِدَة ثَانِيَة: اسْم راعي رَسُول الله ﷺ الْمَذْكُور «يسَار» ذكره ابْن عبد الْبر فِي «الِاسْتِيعَاب» . قيل: كَانَ نوبيًّا وَكَذَا قَالَ الْبَغْدَادِيّ فِي «مبهماته» : إِن اسْم الرَّاعِي «يسَار» . قَالَ: وَكَانَ غُلَاما للنَّبِي (فَأعْتقهُ. وَكَذَا جزم بِهَذَا أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» . وَفِي رِوَايَته «أَنهم ذبحوه وَجعلُوا الشوك فِي عَيْنَيْهِ» . قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين: وَكَانَت قصَّة العرنيين سنة سِتّ من الْهِجْرَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «المبهمات» : عدد العرنيين ثَمَانِيَة. كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي «مُسْنده» ، وَهَذَا عجب مِنْهُ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنهم ثَمَانِيَة فعزوه إِلَيْهَا أولَى.
وَمَعْنى «اجتووا الْمَدِينَة» : استوخموها. وَفِي «مُسْند أَحْمد» «شكوا حمى الْمَدِينَة» . وَفِي «الْمُسْتَدْرك» لأبي عبد الله الْحَاكِم، عَن أنس «أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا سمل أَعينهم؛ لأَنهم سملوا أعين الرعاء» وَهَذَا لَا يسْتَدرك؛ لِأَنَّهُ فِي «صَحِيح مُسلم» . وَوَقع فِي «مُصَنف عبد الرَّزَّاق» «أَنهم من بني فَزَارَة قد مَاتُوا هزلا» . قَالَ ابْن الطلاع: وَفِي حَدِيث آخر «من بني سليم» .
стр. 5792
الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «مَا جعل شفاؤكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب حد الشّرْب.
الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ
قَالَ الرَّافِعِيّ: إِذا استضاف مُسلم لَا اضطرار بِهِ مُسلما لم تجب عَلَيْهِ ضيافته، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب مَحْمُولَة عَلَى الِاسْتِحْبَاب.
قلت: فلنذكر من ذَلِك خَمْسَة أَحَادِيث:
الأول: حَدِيث أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ الْمُتَقَدّم فِي كتاب الْجِزْيَة وَهُوَ الحَدِيث السَّابِع عشر مِنْهُ.
الثَّانِي: عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَيْلَة الضَّيْف حق عَلَى كل مُسلم فَمن أصبح بفنائه فَهُوَ عَلَيْهِ دين إِن شَاءَ (اقْتَضَى) وَإِن شَاءَ ترك» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح. الثَّالِث: عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُول الله، إِنَّك تبعثنا فَنَنْزِل بِقوم فَلَا يقرونا، فَمَا ترَى؟ فَقَالَ لنا رَسُول الله ﷺ : إِن نزلتم بِقوم فَأمروا لكم بِمَا يَنْبَغِي للضيف فاقبلوا، فَإِن لم يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُم حق الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُم» . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه.
الرَّابِع: عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «أَيّمَا رجل أضَاف قوما فَأصْبح الضَّيْف محرومًا فَإِن نَصره حق عَلَى كل مُسلم
стр. 5793
حَتَّى يَأْخُذ [بقرى] ليلته من زرعه وَمَاله» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح.
الْخَامِس: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا سُوَى ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح.
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تعليقة إِبْرَاهِيم الْمروزِي: إِنَّه وَردت أَخْبَار فِي النَّهْي عَن الطين الَّذِي يُؤْكَل، وَلَا يثبت شَيْء مِنْهَا، وَيَنْبَغِي أَن يحكم بِالتَّحْرِيمِ إِذا ظَهرت الْمضرَّة فِيهِ، وَإِن لم تثبت الْأَخْبَار. انْتَهَى مَا ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد وَردت فِي ذَلِك أَخْبَار كَثِيرَة وَلَا يَصح شَيْء مِنْهَا. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «من انهمك عَلَى أكل الطين فقد أعَان عَلَى قتل نَفسه» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: عبد الله بن مَرْوَان الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده مَجْهُول.
قلت: بل مَعْرُوف الْحَال واهٍ. قَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه فِيهَا نظر. وَقَالَ ابْن حبَان: يلزق الْمُتُون الصِّحَاح [الَّتِي لَا يعرف لَهَا إِلَّا طَرِيق وَاحِد] بطرِيق آخر لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ.
стр. 5794
ثمَّ رَوَى عَن أبي هُرَيْرَة الحَدِيث الْمُتَقَدّم ثمَّ قَالَ: قَالَ ابْن عدي: فِي إِسْنَاده مَجْهُول.
قلت: رَوَى عَنهُ بَقِيَّة وَسَهل بن عبد الله الْمَرْوذِيّ، قَالَ الْعقيلِيّ: صَاحب مَنَاكِير، غَلبه الْوَهم، لَا يُقيم شَيْئا من الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا لَو صَحَّ لم يدل عَلَى التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا دلّ عَلَى كَرَاهَة الْإِكْثَار مِنْهُ، والإكثار مِنْهُ وَمن غَيره حَتَّى يضر بِبدنِهِ مَمْنُوع.
قلت: بل هُوَ دَال عَلَى التَّحْرِيم؛ لِأَن الْإِعَانَة عَلَى قتل النَّفس مُحرمَة فَكَذَا هَذِه، وَلِهَذَا قطع جمَاعَة من أَصْحَابنَا بِتَحْرِيمِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَذكر لعبد الله بن الْمُبَارك حَدِيث: «إِن أكل الطين حرَام» فَأنكرهُ، وَقَالَ: لَو علمت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَه لحملته عَلَى الرَّأْس وَالْعين والسمع وَالطَّاعَة.
هَذَا آخر مَا ذكر فِيهِ ﵀ من الْأَحَادِيث، وَذكر فِيهِ عَن مُجَاهِد أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ مَا يأمل الْجِيَف - يَعْنِي الصَّحَابَة - وَلم أره.
وَمن الْآثَار أثرا وَاحِدًا، وَهُوَ عَن أبي بكر ﵁ قَالَ: «مَا فِي الْبَحْر شَيْء إِلَّا قد ذكاه الله لكم» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَمْرو
стр. 5795
بن دِينَار، قَالَ: سَمِعت شَيخا يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر ... فَذكره بِلَفْظِهِ سَوَاء. وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة شريك، عَن ابْن أبي بشير، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر يَقُول: «إِن الله ذكى لكم صيد الْبَحْر» ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ. قَالَ: وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن دِينَار وَأبي الزبير أَنَّهُمَا سمعا رجلا أدْرك النَّبِي ﷺ قَالَ: «كل شَيْء فِي الْبَحْر مَذْبُوح» . قَالَ: وَرُوِيَ ذَلِك [عَن] أبي الزبير عَن شُرَيْح مَرْفُوعا، وَرُوِيَ عَن جَابر وَعبد الله بن سرجس مَرْفُوعا. وَفِي «الطّهُور» لأبي عبيد: ثَنَا مُحَمَّد، ثَنَا خلف بن هِشَام، ثَنَا خَالِد بن عبد الله، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة، عَن أبي الزبير، عَن عبد الرَّحْمَن مولَى بني مَخْزُوم أَن أَبَا بكر قَالَ: «مَا فِي الْبَحْر شَيْء إِلَّا وَقد كَانَ ذكاه الله لكم» وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» عَن ابْن عمر رَفعه: «كل دَابَّة من دَوَاب الْبر وَالْبَحْر لَيْسَ لَهَا دم ينْعَقد فَلَيْسَتْ لَهَا ذَكَاة» .
وَعَن عصمَة بن مَالك مَرْفُوعا: «إِن الله ذكى لكم صيد الْبَحْر» . فِي الأول سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز الدِّمَشْقِي قَالَ أَحْمد: مَتْرُوك الحَدِيث. [و] وهنه ابْن حبَان أَولا، ثمَّ أُخْرَى قَالَ: وَهُوَ مِمَّن أستخير الله
стр. 5796
فِيهِ، وَهُوَ بقريب من الثِّقَات. وَفِي الثَّانِي: الْفضل بن الْمُخْتَار قَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول يحدث بالأباطيل.
وَذكر فِيهِ «أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يكتسبون بِالتِّجَارَة» وَهَذَا مَشْهُور عَنْهُم لَا حَاجَة لنا إِلَى عزوه وإطالة الْكَلَام فِيهِ.
стр. 5797
كتاب السَّبق وَالرَّمْي
стр. 5798
كتاب السَّبق وَالرَّمْي
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فسبعة عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
عَن ابْن عمر ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ سَابق بَين الْخَيل الَّتِي قد ضُمِّرت من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع، وسابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضمر من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع، وسابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضَمَّر من الثَّنية إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِيهِمَا عَن مُوسَى بن عقبَة: «إِن بَين الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سَبْعَة» وللبخاري قَالَ سُفْيَان: من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة، وَمن ثنية الْوَدَاع إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق ميل.
فَائِدَة: يُقَال: أضمرت وضمرت، وَمَعْنَاهُ أَن يقلل عَلفهَا مُدَّة وَتدْخل بَيْتا وتجلل فِيهِ فتعرق ويجف عرقها فيخف لَحمهَا وتقوى عَلَى الجري. والحفياء بحاء مُهْملَة ثمَّ فَاء سَاكِنة، وبالمد وَالْقصر، الفصيح
стр. 5799
الْأَشْهر الْمَدّ، وَعَلِيهِ اقْتصر الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه والحاء مَفْتُوحَة بِلَا خلاف، وَأَخْطَأ من ضمهَا، كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب «الْمطَالع» وَيُقَال: بِتَقْدِيم الْيَاء عَلَى الْفَاء. حَكَاهُ الْحَازِمِي قَالَ: وَالْأَشْهر تَقْدِيم الْفَاء. وَقَوله: «لم تضمر» رُوِيَ بِسُكُون الضَّاد وتحريكها. وثنية الْوَدَاع عِنْد الْمَدِينَة، سميت بذلك؛ لِأَن الْخَارِج من الْمَدِينَة يمشي مَعَه المودعون إِلَيْهَا. وَبَنُو زُرَيْق [بِتَقْدِيم] الزَّاي عَلَى الرَّاء، وزريق أَخُو بياضة ابْنا عَامر بن زُرَيْق بن عبد جَارِيَة بن مَالك بن غصب - بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة - بن حسيم بن الْخَزْرَج أخي الْأَوْس ابْني جَارِيَة بَطنا من الْأَنْصَار، قَالَ ابْن دحْيَة فِي «تنويره» : وَفِي السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة سَابق النَّبِي ﷺ بِالْخَيْلِ أول سباق كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
الحَدِيث الثَّانِي
رُوِيَ «أَن العضباء نَاقَة رَسُول الله ﷺ كَانَت لَا تسبق، فجَاء أَعْرَابِي عَلَى قعُود لَهُ فسبقها فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَى الْمُسلمين، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن حقًّا عَلَى الله أَن لَا يرفع شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة حميد عَن أنس بن مَالك ﵁ والعضباء: المشقوقة الْأذن وَلم تكن نَاقَة رَسُول الله ﷺ عضباء، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا اسْما لَهَا كَمَا تقدم فِي كتاب الْحَج فِي الْقَصْوَاء، وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» : «أَن لَا يرفع من هَذِه الْقُدْرَة شَيْء إِلَّا
стр. 5800
وَضعه» قيل: لفظ «الْقُدْرَة» بِالدَّال الْمُهْملَة بِمَعْنى الْمَقْدُور، وَقيل: بِمَعْنى القذرة - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ: «خرج رَسُول الله ﷺ عَلَى قوم من أسلم يتناضلون بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ: ارموا بني إِسْمَاعِيل؛ فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَهَذَا لَفظه: «مر رَسُول الله ﷺ عَلَى نفر من أسلم يتنضلون، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ارموا بني إِسْمَاعِيل، فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا [ارموا] وَأَنا مَعَ بني فلَان. قَالَ: فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا لكم لَا ترمون؟ ! قَالُوا: كَيفَ نرمي وَأَنت مَعَهم؟ ! فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ» وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ «وَلَقَد رموا عَامَّة يومهم ذَلِك ثمَّ تفَرقُوا عَلَى السوَاء مَا نضل بَعضهم بَعْضًا» وَقَالا فِي أَوله: «حسن» لهَذَا اللَّهْو، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. قَالَ الْحَاكِم: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة «قَالُوا: يَا رَسُول الله، من كنت مَعَه غلب! ... » ثمَّ سَاق الحَدِيث قَالَ: وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم قَالَ: وَهُوَ شَاهد لحَدِيث
стр. 5801
ابْن عَبَّاس - الَّذِي عَلَى شَرطه أَيْضا - «أَن رَسُول الله ﷺ مر بِقوم يرْمونَ، فَقَالَ: (ارموا) بني إِسْمَاعِيل؛ فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا» .
الحَدِيث الرَّابِع
عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر يَقُول: (وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة) أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي، أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي، أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ من «ستفتح لكم أرضون ويكفيكم الله؛ فَلَا يعجز أحدكُم أَن يلهو بأسهُمه» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ: وَإِنَّمَا لم يُخرجهُ البُخَارِيّ؛ لِأَن صَالح بن كيسَان أوقفهُ.
الحَدِيث الْخَامِس
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو نصل أَو حافر» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ نَافِع الْبَزَّاز الْمدنِي مولَى أبي أَحْمد - وَقد وَثَّقَهُ - عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَكَذَا قَالَ
стр. 5802
ابْن الصّلاح أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّه حَدِيث صَحِيح. وَلما ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» قَالَ عَن يَحْيَى بن معِين أَن نَافِع بن أبي نعيم ثِقَة.
قلت: وَله طرق عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمثلِهِ، وفروخ يُخَالف فِي حَدِيثه، قَالَ: وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ النَّاس عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن نَافِع بن أبي نَافِع، عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة من حَدِيث أبي بكر الْحَنَفِيّ عَن نَافِع، وَرَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي الحكم مولَى بني لَيْث، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ مُحَمَّد بن عمر - أحد رُوَاته -: وَيَقُولُونَ «أَو نصل» وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي فديك، عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن عباد بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا سبق إِلَّا فِي حافر أَو خف» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي عبد الله مولَى الجندعيين - حَيّ من بني لَيْث - قَالَ مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي: وَهُوَ [نَافِع] بن أبي نَافِع، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا يحل سبق إِلَّا بخف أَو حافر» .
стр. 5803
قلت: (وَرُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة) ، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَمن حَدِيث عبد الله بن عمر، وَلم يذكر فِي رِوَايَة ابْن عمر «أَو خف» قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» - وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث أبي الفوارس عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر» -: هَذَا الحَدِيث يرويهِ الثَّوْريّ، وَاخْتلف عَنهُ فِي رَفعه، فرفعه ابْن وهب عَن الثَّوْريّ، وَوَقفه مُعَاوِيَة [بن] هِشَام وَغَيره، وَالْمَوْقُوف أشبه، قَالَ: وَلَا يعرف أَبُو الفوارس إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث.
وَرَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن حبَان الْمَعْرُوف بِأبي الشَّيْخ فِي كتاب السَّبق من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «لَا سبق إِلَّا [فِي] نصل أَو حافر أَو خف» والنصل: هُوَ السهْم، والحافر: هُوَ الْفرس، والخف: هُوَ الْبَعِير، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من هَذَا الْوَجْه إِلَى قَوْله: «أَو خف» وَهُوَ من رِوَايَة قدامَة بن مُحَمَّد بن خشرم قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد.
قلت: وَحدث غياث بن إِبْرَاهِيم أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي هَذَا الحَدِيث وَزَاد فِيهِ بعد «أَو نصل» : «أَو جنَاح» لِأَن الْمهْدي كَانَ يحب
стр. 5804
الْحمام، فَأمر لَهُ الْمهْدي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَلَمَّا خرج قَالَ: أشهد أَن قفاك قفا كَذَّاب! ثمَّ أَمر بالحمام فذبحت.
فَائِدَة: قَالَ الْخطابِيّ: السَّبق - بِفَتْح الْبَاء -: مَا يَجْعَل للسابق عَلَى سبقه من جعل ونوال، وَأما السَّبق بِسُكُون الْبَاء فَهُوَ مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقًا. قَالَ: وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِي هَذَا الحَدِيث السَّبق مَفْتُوحَة الْبَاء، يُرِيد أَن الْعَطاء والجعل لَا يسْتَحق إِلَّا فِي سباق الْخَيل وَالْإِبِل وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا من النضال وَهُوَ الرَّمْي، وَهَكَذَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: إِن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِيهِ فتح الْبَاء. وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب: إِن الأثبت فِي الرِّوَايَة فتح الْبَاء. وَذكر ابْن دُرَيْد فِي «الجمهرة» لغتين فِي السَّبق بِمَعْنى الْخَيل أَنه بِفَتْح الْبَاء وإسكانها. وَقَوله: «أَو نصل» قَالَ المطرزي فِي «المعرب» : نصل السَّيْف: حديدته، وَالْجمع: نصول ونصال. قَالَ: وَأما قَوْله: «لَا سبق إِلَّا فِي كَذَا وَكَذَا» فَالْمُرَاد بِهِ: الموافاة. قَالَ: وَالضَّاد الْمُعْجَمَة تَصْحِيف؛ إِنَّمَا ذَاك المناضلة والنضال.
الحَدِيث السَّادِس
يرْوَى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «رهان الْخَيل طلق. أَي: حَلَال» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» فَقَالَ فِي تَرْجَمَة يَحْيَى: عَن أبي إِسْحَاق، عَن أمه، عَن أَبِيهَا - واسْمه: رِفَاعَة ابْن رَافع -: ثَنَا عبد الله بن جَعْفَر، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله، نَا أَبُو نعيم، ثَنَا عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن، عَن يَحْيَى بن إِسْحَاق
стр. 5805
بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، عَن أمه حميدة - أَو عُبَيْدَة - عَن أَبِيهَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «رهان الْخَيل طلق» قَالَ أَبُو نعيم: سَمّى أَبُو نعيم أَبَاهَا، فَقَالَ: رِفَاعَة بن رِفَاعَة.
قلت: أما أَبُو نعيم فَهُوَ الْملَائي، أحد الْحفاظ الْأَعْلَام، وَعبد السَّلَام بن حَرْب شريك أبي نعيم فِي بيع الملاء، ثِقَة بِإِجْمَاع، وَيزِيد بن عبد الرَّحْمَن هُوَ أَبُو خَالِد الدالاني، قد عرفت أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ فِي حَدِيث النّوم فِي بَاب الْأَحْدَاث، وَيَحْيَى بن إِسْحَاق وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين، وَأمه ذكرهَا الْمزي ثمَّ الذَّهَبِيّ وَلم يذكر لَهَا حَالا، وَقد أسلفت لَك حَالهَا فِي بَاب النَّجَاسَات فِي حَدِيث الْهِرَّة «إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم أَو الطوافات» .
الحَدِيث السَّابِع
عَن عُثْمَان ﵁ «أَنه قيل لَهُ: أَكُنْتُم تراهنون عَلَى عهد رَسُول الله؟ قَالَ: نعم» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيقين، لَكِن لَا ذكر لعُثْمَان فيهمَا.
أَحدهمَا: عَن أبي لبيد قَالَ: «أرسل الحكم بن أَيُّوب الْخَيل يَوْمًا فَقُلْنَا: لَو أَتَيْنَا أنس بن مَالك. فأتيناه فَسَأَلْنَاهُ: أَكُنْتُم تراهنون عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: نعم لقد رَاهن رَسُول الله ﷺ عَلَى فرس لَهُ يُقَال لَهَا: سبْحَة، جَاءَت سَابِقَة. فبهش لذَلِك وَأَعْجَبهُ» رَوَاهُ أَحْمد
стр. 5806
وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» . و «سبْحَة» من قَوْلهم: فرس سباح إِذا كَانَ حسن مد الْيَدَيْنِ فِي الجري. وَقَوله: «فبهش» أَي: هش وَفَرح. قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» وَأخرجه الدَّارمِيّ بِلَفْظ «فانهش» ثمَّ قَالَ: أنهشه، يَعْنِي: أعجبه.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، عَن حَمَّاد بن زيد أَو سعيد بن زيد، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة قَالَ: حَدثنِي مُوسَى بن عبيد قَالَ: « [أَصبَحت] فِي الْحجر بَعْدَمَا صلينَا الْغَدَاة، فَلَمَّا أسفرنا إِذا فِينَا عبد الله بن عمر فَجعل يستقرئنا رجلا رجلا يَقُول: أَيْن صليت يَا فلَان؟ قَالَ: يَقُول: هَاهُنَا. حَتَّى أَتَى عَلّي فَقَالَ: أَيْن صليت يَا ابْن عبيد؟ فَقلت: هَاهُنَا. فَقَالَ: بخ بخ! مَا نعلم صَلَاة أفضل عِنْد الله من صَلَاة الصُّبْح جمَاعَة يَوْم الْجُمُعَة، فَسَأَلُوهُ [فَقَالُوا] : يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، أَكُنْتُم تتراهنون عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: نعم؛ لقد رَاهن عَلَى فرس يُقَال لَهَا: سبْحَة، فَجَاءَت سَابِقَة» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: كَانَ سُلَيْمَان بن حَرْب ثَنَا بِهَذَا الحَدِيث عَن حَمَّاد بن زيد، ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: حَمَّاد بن زيد أَو سعيد بن زيد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد من غير شكّ، وَرَوَاهُ أَسد بن مُوسَى عَن حَمَّاد بن زيد قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا إِن صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ إِذا سبق أحد الفارسين صَاحبه فَيكون
стр. 5807
السَّبق مِنْهُ دون صَاحبه، وَأعله الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي، فَقَالَ فِي كتاب «الْخَيل» : سقط بَين مُوسَى بن عُبَيْدَة وَابْن عمر: نَافِع أَو عبد الله بن دِينَار.
الحَدِيث الثَّامِن
«أَن رَسُول الله ﷺ تسابق هُوَ وَعَائِشَة ﵂» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «السّنَن المأثورة» عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «سابقت رَسُول الله ﷺ فسبقته، فَلَمَّا حملت اللَّحْم سابقته فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِه بِتِلْكَ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أَبَى إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، وَعَن أَبَى سَلمَة عَن عَائِشَة ﵂ «أَنَّهَا كَانَت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر (فسابقني) فسبقته عَلَى رجْلي، فَلَمَّا حملت اللَّحْم سابقته فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِه بِتِلْكَ السبقة» .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث الْفَزارِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن [أَبَى] سَلمَة عَنْهَا «أَنَّهَا كَانَت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر وَهِي جَارِيَة، فَقَالَ لأَصْحَابه: تقدمُوا. فتقدموا، ثمَّ قَالَ: تعالي أسابقك. فسابقته
стр. 5808
فسبقته عَلَى رجْلي، فَلَمَّا كَانَ بعد خرجت مَعَه فِي سفر فَقَالَ لأَصْحَابه: تقدمُوا. ثمَّ قَالَ: تعالي أسابقك. ونسيت الَّذِي كَانَ، وَقد حملت اللَّحْم فَقلت: كَيفَ أسابقك يَا رَسُول الله وَأَنا عَلَى هَذِه الْحَال؟ ! فَقَالَ: لتفعلن. فسابقته فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِه بِتِلْكَ السبقة» . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة، عَن رجل غير مُسَمَّى، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة ﵂ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث سُفْيَان، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَنْهَا قَالَت: «سابقني رَسُول الله ﷺ فسبقته» .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» أَيْضا من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «سابقني النَّبِي ﷺ فسبقته، فلبثنا حَتَّى إِذا أرهقني اللَّحْم سابقني فَسَبَقَنِي، فَقَالَ (: هَذِه بِتِلْكَ» . وَفِي علل ابْن أبي [حَاتِم] عَن أبي زرْعَة أَنه قَالَ: رَوَى هَذَا الحَدِيث هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ هِشَام، عَن رجل، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا قَالَ أَبُو زرْعَة: وَهَذَا أصح. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، عَن هِشَام، عَن أَبِيه وَأبي سَلمَة، عَن عَائِشَة، قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَة، عَن هِشَام، عَن رجل، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ جرير، عَن هِشَام، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة.
قلت: وَكَذَا أخرجه الْأَئِمَّة: أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، كَمَا
стр. 5809
تقدم، وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا هُوَ الصَّوَاب؛ لِاجْتِمَاع عدَّة من الروَاة عَلَيْهِ لَا كَمَا قَالَ أَبُو زرْعَة، وَيحْتَمل أَنه سمع الحَدِيث من أَبِيه وَمن أبي سَلمَة.
الحَدِيث التَّاسِع
«أَن رَسُول الله ﷺ صارع ركَانَة عَلَى شِيَاه» .
هَذَا الحَدِيث [رَوَاهُ] أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي كتاب اللبَاس من «سُنَنهمَا» عَن قُتَيْبَة بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن ربيعَة، عَن أبي الْحسن الْعَسْقَلَانِي، عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن ركَانَة، عَن أَبِيه «أَن ركَانَة صارع النَّبِي ﷺ فصرعه، قَالَ ركَانَة: وَسمعت النَّبِي ﷺ يَقُول: فرق مَا بَيْننَا وَبَين الْمُشْركين العمائم عَلَى القلانس» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بالقائم، وَلَا نَعْرِف أَبَا الْحسن وَلَا ابْن ركَانَة.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: مُرْسل. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الكاشف» : لَا يَصح. قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «الْأَطْرَاف» : هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن بن العَبْد، وَغير وَاحِد عَن أبي دَاوُد بِمثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَذكر أَبُو الْقَاسِم - يَعْنِي: ابْن عَسَاكِر - أَن أَبَا دَاوُد قَالَه عَن أبي جَعْفَر [بن] مُحَمَّد بن ركَانَة قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْن بن قَانِع فِي «مُعْجَمه» عَن أَحْمد
стр. 5810
بن عبد الرَّحْمَن بن بشار النَّسَائِيّ، ومُوسَى بن هَارُون، عَن قُتَيْبَة، عَن مُحَمَّد بن ربيعَة، عَن أبي الْحسن، عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه «أَن ركَانَة صارع رَسُول الله ﷺ ... » وَلم يذكر أَبَا جَعْفَر. هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ بالبطحاء فَأَتَى عَلَيْهِ يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - وَمَعَهُ أعنز لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد، هَل لَك أَن تصارعني؟ فَقَالَ: مَا تسبقني؟ قَالَ: شَاة من غنمي. فصارعه [النَّبِي ﷺ ] فصرعه، فَأخذ شَاة، فَقَالَ ركَانَة: هَل لَك فِي الْعود؟ قَالَ: مَا تسبقني. قَالَ: أُخْرَى. ذكر ذَلِك مرَارًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، وَالله مَا وضع أحد جَنْبي إِلَى الأَرْض وَمَا أَنْت الَّذِي تصرعني! يَعْنِي: فَأسلم، فَرد عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ غنمه» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (هَذَا مُرْسل) قَالَ: وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد آخر مَوْصُولا إِلَّا أَنه ضَعِيف.
وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ الَّتِي قدمناها أَو إِلَى رِوَايَة أبي بكر الشَّافِعِي؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس قَالَ: «جَاءَ زيد بن ركَانَة إِلَى النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة من الْغنم، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، هَل لَك أَن تصارعني [قَالَ] وَمَا تجْعَل لي إِن صرعتك؟ قَالَ: مائَة من غنمي. قَالَ: فصارعه النَّبِي ﷺ فصرعه، ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، هَل لَك فِي الْعود؟ قَالَ: وَمَا تجْعَل لي إِن صرعتك؟ قَالَ: مائَة أُخْرَى. قَالَ فصارعه
стр. 5811
فصرعه، ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، هَل لَك فِي الْعود؟ قَالَ: وَمَا تجْعَل لي؟ قَالَ: مائَة من الْغنم. قَالَ: فصارعه فصرعه، قَالَ: يَا مُحَمَّد، وَمَا وضع ظَهْري أحد عَلَى الأَرْض فَتلك، وَمَا كَانَ أحد أبْغض إِلَيّ مِنْك؛ فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله. فَقَامَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ ورد عَلَيْهِ غنمه» . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» من حَدِيث الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة مطولا وَفِيه: أَن واديه أجم يُقَال لَهُ: إضم، وَأَنه صارعه عَلَى عشرَة فصرعه، ثمَّ مثلهَا فصرعه. ثمَّ مثلهَا فصرعه. وَفِيه: أَنه دَعَا الشَّجَرَة ثمَّ ردهَا ... وَفِي آخِره «فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِنِّي دَعَوْت رَبِّي فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، وَإِن رَبِّي أعانني عَلَيْهِ ببضع عشرَة وبقوة عشرَة» .
فَائِدَتَانِ: أَحدهمَا: ركَانَة - بتَخْفِيف الْكَاف وَضم الرَّاء وبالنون - هُوَ ابْن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي قرشي حجازي مكي مدنِي، أسلم يَوْم فتح مَكَّة هَذَا الَّذِي نعرفه، وَإِن كَانَ ظَاهر رِوَايَة أبي دَاوُد وَأبي بكر الشَّافِعِي يُخَالف ذَلِك، لَا جرم قَالَ الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي كتاب «الْخَيل» - بعد أَن سَاق مثل رِوَايَة أبي دَاوُد عَن العسكري وَالصَّحِيح أَنه من مسلمة الْفَتْح -: وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره. هَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَغَيرهمَا، قَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ: وَهَذَا الحَدِيث أمثل مَا رُوِيَ فِي مصارعة النَّبِي ﷺ [فَأَما مَا رُوِيَ فِي مصارعته (] أَبَا جهل فَلَا أصل لَهُ، وركانة هَذَا هُوَ الَّذِي طلق امْرَأَته سهيمة أَلْبَتَّة، وَلَا أعرف لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين.
стр. 5812
الثَّانِيَة: وَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي هَذَا الْبَاب «أنَّه ﷺ صارع يزِيد بن ركَانَة» وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة أبي بكر السالفة، وَكَذَا رِوَايَة أبي دَاوُد، فَإِن فِيهَا يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - بِالشَّكِّ، لَكِن ركَانَة بن يزِيد هُوَ الْمَشْهُور؛ فَاشْتَدَّ إِنْكَار النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ فِي «التَّهْذِيب» : إِن هَذَا مِنْهُ غلط لَا شكّ فِيهِ. وَلم يطلع عَلَى رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي ذكرهَا فِي «الْمَرَاسِيل» .
فَائِدَة ثَالِثَة: هَذَا الحَدِيث يسْتَدلّ بِهِ من يجوز الْمُسَابقَة بالمصارعة بعوض، وَالْأَظْهَر عدم جَوَاز هَذَا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيُجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ كَانَ الْغَرَض فِي الْقِصَّة أَن يرِيه شدته ليسلم، فَلَمَّا أسلم رد عَلَيْهِ غنمه.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَدخل فرسا بَين فرسين وَقد أَمن أَن يسبقهما فَهُوَ قمار، وَإِن لم يُؤمن أَن يسبقهما فَلَيْسَ بقمار» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مَحْمُود بن خَالِد، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن سعيد بن بشير، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة. وَعَن مُسَدّد، عَن حُصَيْن بن نمير، وَعَن عَلّي بن مُسلم، عَن عباد بن الْعَوام، عَن سُفْيَان بن حُسَيْن، عَن الزُّهْرِيّ، عَن
стр. 5813
سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن هَارُون عَن سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَن يزِيد ثَنَا سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» عَن سعيد بن أَوْس الدِّمَشْقِي الإسكاف، عَن هِشَام بن خَالِد الْأَزْرَق، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن سعيد بن بشير، عَن قَتَادَة، عَن سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا كَمَا سلف، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن قَتَادَة إِلَّا سعيد، وَلَا عَنهُ إِلَّا الْوَلِيد، تفرد بِهِ هِشَام بن خَالِد.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طريقي أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ سُفْيَان بن حُسَيْن وَسَعِيد بن بشير.
وَرَوَاهُ شَيْخه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، فَإِن خَ وم وَإِن لم يخرجَا حَدِيث سعيد بن بشير وسُفْيَان بن حُسَيْن فهما إمامان بِالشَّام وَالْعراق، وَمِمَّنْ يجمع حَدِيثهمَا. قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا اعتمدا [حَدِيث] معمر عَلَى الْإِرْسَال؛ فَإِنَّهُ أرْسلهُ عَن الزُّهْرِيّ.
وَأقر الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» مقَالَة الْحَاكِم فِي أَنه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَسَعِيد بن بشير حَافظ وَثَّقَهُ شُعْبَة ودحيم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، تكلم فِيهِ غَيره، وسُفْيَان بن حُسَيْن صَدُوق تكلم فِيهِ وَاسْتشْهدَ بِهِ خَ
стр. 5814
وَذكره م فِي مُقَدّمَة «صَحِيحه» وَصحح التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن يُونُس بن عبيد عَن عَطاء عَن جَابر «أَنه ﵇ نهَى عَن المحاقلة والمزابنة وَالْمُخَابَرَة والثُّنْيَا إِلَّا أَن تعلم» وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» بعد أَن رَوَاهُ: سُفْيَان هَذَا ثِقَة أخرج لَهُ مُسلم، إِلَّا أَنه قد استضعف فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» رَوَى هَذَا الحَدِيث: معمر وَشُعَيْب وَعقيل، عَن الزُّهْرِيّ، عَن رجال من أهل الْعلم. ثمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا أصح عندنَا.
قَالَ ابْن الْقطَّان: هَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو دَاوُد من أَن وقف هَذَا الحَدِيث هُوَ الْأَصَح عِنْده لَيْسَ بعلة فِي الْحَقِيقَة لَو كَانَ سُفْيَان وَسَعِيد [رافعاه] ثقتين؛ إِذْ لَا بعد أَن يكون فِي الْخَبَر عِنْد الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَعَن رجال من أهل الْعلم ذَهَبُوا إِلَيْهِ ورأوه رَأيا لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا الشَّأْن فِي سُفْيَان وَسَعِيد. وَصَححهُ أَيْضا أَبُو مُحَمَّد بن حزم كَمَا صَححهُ الْحَاكِم وَأعله جماعات بِالْوَقْفِ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا خطأ لم يعْمل سُفْيَان بن حُسَيْن شَيْئا لاشتبه أَن يكون عَن رَسُول الله ﷺ وَأحسن أَحْوَاله
стр. 5815
أَن يكون عَن سعيد بن الْمسيب قَوْله، وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد - يَعْنِي: الْأنْصَارِيّ - عَن سعيد قَوْله. وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان مَرْفُوعا وَغَيره لَا يرفعهُ. وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: سَأَلت ابْن معِين فَقَالَ: بَاطِل. وَخط عَلَى أبي هُرَيْرَة، وَرجح ابْن عبد الْبر أَيْضا وَقفه عَلَى سعيد، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي [الْحِلْية] مُخْتَصرا من طَرِيق أبي دَاوُد الأولَى، لكنه قَالَ بدل «سعيد بن بشير» : «سعيد بن عبد الْعَزِيز» عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. ثمَّ قَالَ: غَرِيب من حَدِيث سعيد تفرد بِهِ الْوَلِيد.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«رُوِيَ أنَّه ﷺ سَابق بَين الْخَيل، وَجعل بَينهمَا سبقًا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن الْحسن بن سُفْيَان، ثَنَا [إِبْرَاهِيم] بن الْمُنْذر الْحزَامِي، ثَنَا عبد الله بن نَافِع، عَن عَاصِم بن عمر، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر «أَن رَسُول الله ﷺ سَابق بَين الْخَيل وَجعل بَينهمَا [سبقا] وَجعل بَينهمَا محللاً وَقَالَ: لَا سبق إِلَّا فِي حافر أَو نصل» وَعَاصِم هَذَا قد صحّح ابْن حبَان حَدِيثه كَمَا ترَى، وَذكره فِي «ثقاته» وَقَالَ: يُخطئ وَيُخَالف.
следующие страницы →