Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
هُوَ كَمَا قَالَ، أما الأول: فصح فِي عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث عَلّي ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «من أَتَى أَخَاهُ الْمُسلم عَائِدًا مشي فِي خرفة الْجنَّة حَتَّى يجلس؛ فَإِذا جلس غمرته الرَّحْمَة، فَإِن كَانَ غدْوَة صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يُمْسِي، وَإِن كَانَ مسَاء صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يصبح» رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ، وبيَّن بِذكر أَوله وَزَاد: «وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة» ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب.
وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من عَاد مَرِيضا نَادَى مُنَاد من السَّمَاء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الْجنَّة منزلا» روياه أَيْضا.
وَمِنْهَا حَدِيث ثَوْبَان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِن (الْمُؤمن) إِذا عَاد أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي [خرفة] الْجنَّة» رَوَاهُ مُسلم.
وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «من عَاد مَرِيضا لم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يجلس؛ فَإِذا جلس اغتمس فِيهَا» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» .
стр. 5882
وَأما الثَّانِي: وَهُوَ ترغيبه فِي إفشاء السَّلَام عَلَى الْمُسلمين، فَصَحِيح عَنهُ ﵊، وَقد تقدم جملَة مِمَّا ورد فِي ذَلِك فِي أَوَائِل كتاب السّير وَاضحا.
وَأما الثَّالِث: فَالَّذِي يحضرني مِنْهُ فِي اسْتِحْبَاب الزِّيَارَة مُطلقًا حَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي مُسلم عَن النَّبِي ﷺ : «أَن رجلا زار أَخا لَهُ فِي قَرْيَة أُخْرَى، فأرصد الله [لَهُ] عَلَى مدرجته ملكا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيد أَخا لي فِي هَذِه الْقرْيَة. قَالَ لَهُ: هَل لَك من نعْمَة ترُبُها؟ قَالَ: لَا؛ غير أَنِّي أحببته فِيهِ» . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من عَاد مَرِيضا أَو زار أَخا لَهُ فِي الله ناداه مناديان: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الْجنَّة منزلا» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَلَا يحضرني الْآن شَيْء من الْأَحَادِيث عَلَى طبق مَا ذكره المُصَنّف لَهُ.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يخْطب إِذا هُوَ بِرَجُل قَائِم فِي الشَّمْس فَسَأَلَ عَنهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيل، نذر أَن يقوم وَلَا يقْعد، وَلَا يستظل وَلَا يتَكَلَّم، ويصوم. فَقَالَ (: مروه فَلْيَتَكَلَّمْ وليستظل، وليقعد وليتم صَوْمه» .
стр. 5883
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَلَيْسَ فِيهَا «فِي الشَّمْس» نعم هُوَ فِي «صَحِيح ابْن حبَان» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كَذَلِك، وَكلهمْ من رِوَايَة عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ البُخَارِيّ: رَوَاهُ عبد الْوَهَّاب، عَن عِكْرِمَة، عَن النَّبِي ﷺ يَعْنِي: مُرْسلا. وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن حميد بن قيس وثور بن يزِيد مُرْسلا «أَن النَّبِي ﷺ رَأَى رجلا قَائِما فِي الشَّمْس ... » وَذكر الحَدِيث، وَزَاد قَالَ: «مَالك فَأمره رَسُول الله ﷺ بإتمام مَا كَانَ لله طَاعَة وَترك مَا كَانَ مَعْصِيّة» وَلم يبلغنِي أَنه أمره بكفارة. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن طَاوس، عَن أَبِيه، عَن أبي إِسْرَائِيل قَالَ: «دخل رَسُول الله ﷺ الْمَسْجِد وَأَبُو إِسْرَائِيل يُصَلِّي، [فَقيل] لرَسُول الله: هُوَ ذَا يَا رَسُول الله لَا يقْعد وَلَا يكلم النَّاس، وَلَا يستظل وَهُوَ يُرِيد الصّيام. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : ليقعد وليكلم النَّاس وليستظل وليصم» .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن طَاوس «أَن رَسُول الله ﷺ مر بِأبي إِسْرَائِيل وَهُوَ قَائِم فِي الشَّمْس ... » الحَدِيث، وَفِي آخِره: «وَلم يَأْمر بكفارة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مُرْسل جيد. قَالَ: وَفِيه وَفِيمَا قبله
стр. 5884
دلَالَة عَلَى أَنه لم يَأْمُرهُ بكفارة. قَالَ: وَرَوَاهُ الْحسن بن عمَارَة عَن حبيب بن أبي ثَابت، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس بِمثلِهِ، وَفِي آخِره: «وَلم يَأْمُرهُ بِالْكَفَّارَةِ» . وَرُوِيَ [عَن] مُحَمَّد بن كريب عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، وَفِيه الْأَمر بِالْكَفَّارَةِ، وَمُحَمّد بن كريب ضَعِيف. ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ، وَفِي آخِره: «فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : اقعد واستظل وَتكلم وَكفر» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا وجدته: «وَكفر» وَعِنْدِي أَن ذَلِك خطأ وتصحيف، وَإِنَّمَا هُوَ «وصم» كَمَا فِي سَائِر الرِّوَايَات.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي، نَا عبد الله بن عمر، عَن أَخِيه عبيد الله بن عمر، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس «أَن رَسُول الله ﷺ مر بِرَجُل قَائِم فِي الشَّمْس، فَقَالَ: مَا هَذَا ... » الحَدِيث، عبد الله - المكبر فِيهِ - ضَعِيف، وَرَوَى لَهُ مُسلم مَقْرُونا، وَقَالَ ابْن معِين: صُوَيْلِح. وَتكلم فِيهِ غَيره، والاعتماد فِي طرق هَذَا الحَدِيث عَلَى مَا تقدم.
(فَائِدَة) أَبُو إِسْرَائِيل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي «المبهمات» : هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل العامري، قيل: اسْمه: قَيْصر.
قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْبَصْرِيّ: لَيْسَ فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من كنيته أَبُو إِسْرَائِيل غير هَذَا، وَلَا من اسْمه: قَيْصر. غَيره، وَلَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث.
قلت: وَقيل اسْمه قُشَيْر، قَالَه المنيعي، وَلَعَلَّه الشَّيْخ زكي الدَّين فِي
стр. 5885
«حَوَاشِي السّنَن» عَن أبي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ، وَابْن [معن] فِي «التنقيب» عَن أبي نعيم، وَقَالَهُ أَيْضا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» وَهَذَا نَصه: قُشَيْر أَبُو إِسْرَائِيل الَّذِي نذر أَن يَصُوم وَلَا يتَكَلَّم وَيقوم فِي الشَّمْس. ذكره الْبَغَوِيّ وَسَماهُ قشيرًا، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «نذر أَبُو إِسْرَائِيل قُشَيْر» رَوَاهُ كريب عَنهُ، وَوَقع فِي بعض نسخ «الْمُهَذّب» : ابْن إِسْرَائِيل، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب أَبُو إِسْرَائِيل، كَمَا وَقع فِي بعض نسخه، نبه عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فِي «التَّهْذِيب» وَغَيره.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أَن الْمُشْركين استاقوا سرح الْمَدِينَة وَفِيه العضباء نَاقَة رَسُول الله ﷺ وأسروا امْرَأَة من الْأَنْصَار، فَلَمَّا نَامُوا قَامَت وَركبت العضباء، ونذرت لَئِن نجاها الله عَلَيْهَا لتنحرنها، فَلَمَّا أَتَت الْمَدِينَة أخْبرت النَّبِي ﷺ بذلك، فَأخذ النَّاقة وَقَالَ: لَا نذر فِيمَا لَا يملك ابْن آدم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة عمرَان بن الْحصين ﵁، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي بَاب الْأمان.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أنَّه ﷺ حج رَاكِبًا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح متكرر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة، وَمِنْهَا
стр. 5886
حَدِيث أنس فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» أَن رَسُول الله ﷺ حج عَلَى رَحل (وَكَانَ) زاملته» .
الحَدِيث الثَّالِث عشر
اشْتهر عَن رَسُول الله ﷺ «أَنه قَالَ لعَائِشَة: أجرك عَلَى قدر نصبك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَنهُ (وَقد رَوَاهُ كَذَلِك البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَفِي رِوَايَة «عَلَى قدر عنائك ونصبك» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» رَوَى عَنْهَا «أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا فِي [عمرتها] : إِن لَك [من] الْأجر عَلَى قدر نصبك ونفقتك» ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَله شَاهد صَحِيح ... فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهَا «أَنه ﵇ قَالَ لَهَا: إِنَّمَا أجرك فِي عمرتك عَلَى قدر نَفَقَتك» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أَن أُخْت عقبَة نذرت أَن تحج مَاشِيَة، فَسئلَ النَّبِي ﷺ فَقيل: إِنَّهَا
стр. 5887
[لَا] تطِيق ذَلِك، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : فلتركب ولتهد هَديا» . وَفِي رِوَايَة «بَدَنَة» .
هَذَا الحَدِيث أَصله فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من طَرِيق أبي الْخَيْر [عَن] عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: «نذرت أختى أَن تمشي إِلَى بَيت الله، وأمرتني أَن أستفتي رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: لتمش ولتركب» .
وَمَعْنَاهُ - وَالله أعلم -: لتمش إِذا قدرت وتركب إِذا عجزت أَو شقّ عَلَيْهَا الْمَشْي. وَكَذَا ترْجم لَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَله طَرِيق آخر أوضحتها فِي «شرحي للعمدة» فَرَاجعهَا مِنْهُ تَجِد مَا يشفي العليل.
فَائِدَة: أُخْت عقبَة هِيَ أم حبَان - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة، ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ نون - بنت عَامر أسلمت وبايعت، أغفلها ابْن عبد الْبر فِي «استيعابه» واستدركته عَلَيْهِ، أَفَادَهُ الْمُنْذِرِيّ وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي «مُعْجَمه» .
تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «أَن النَّبِي ﷺ أَمر أُخْت عقبَة بن عَامر، وَقد نذرت أَن تمشي بِحَجّ أَو عمْرَة» وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة لَا يحضرني من خرجها بعد الْبَحْث عَنْهَا.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد: الْمَسْجِد
стр. 5888
الْحَرَام، ومسجدي هَذَا، وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى» .
هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵄. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «إِنَّمَا يُسَافر إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد: مَسْجِد الْكَعْبَة، ومسجدي، وَمَسْجِد إيلياء» .
فَائِدَة: أَكثر الرِّوَايَات: «لَا تشد الرّحال» بِضَم التَّاء، عَلَى مَا لم يسم فَاعله. وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي سعيد: «لَا تشدوا» فَسَمَّى الْفَاعِل.
الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن جَابر ﵁ «أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت إِن فتح الله عَلَيْك مَكَّة أَن أُصَلِّي فِي بَيت الْمُقَدّس رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ: صل هَا هُنَا. فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: صل هَا هُنَا - ثَلَاثًا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَجزم بِكَوْنِهِ عَلَى شَرط مُسلم الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي آخر «الاقتراح» وَاللَّفْظ الْمَذْكُور للبيهقي إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره: «فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فشأنك إِذا» وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: «قَالَ ذَلِك مرّة وَاحِدَة» زَاد أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: «فَقَالَ النَّبِي ﷺ : وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا
стр. 5889
بِالْحَقِّ، لَو صليت هَا هُنَا لأجزأ عَنْك صَلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَلَفظه: عَن إِبْرَاهِيم بن عمر [قَالَ: سَمِعت عَطاء] بن أبي رَبَاح [قَالَ] : «جَاءَ الشريد إِلَى النَّبِي ﷺ يَوْم الْفَتْح، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت إِن الله فتح عَلَيْك مَكَّة أَن أُصَلِّي فِي بَيت الْمُقَدّس. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : هَا هُنَا (أفضل) ثَلَاث مَرَّات» .
فَائِدَة: قَوْله: «شَأْنك» هُوَ مَنْصُوب، أَي: الزم شَأْنك؛ أَي: إِن أَن تَفْعَلهُ فافعله.
فَائِدَة أُخْرَى: هَذَا الرجل اسْمه: الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ، كَذَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ السالفة، وَكَذَا قَالَه الْخَطِيب فِي «مبهماته» وَالنَّوَوِيّ فِي «مختصرها» وَابْن معن فِي «تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب» قَالَ: وَهُوَ الَّذِي أردفه النَّبِي ﷺ خَلفه، واستنشده فِي شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت فَأَنْشد مائَة قافية.
الحَدِيث السَّابِع عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ: ورد النَّهْي عَن طروق الْمَسَاجِد إِلَّا لحَاجَة.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَله طرق:
стр. 5890
أَحدهَا: من حَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد: لَا يتَّخذ طَرِيقا، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح، وَلَا ينتثر فِيهِ بقوس، وَلَا ينشر فِيهِ بنبل، وَلَا يمر بِلَحْم فِيهِ، وَلَا يضْرب فِيهِ حد، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد» .
قَالَ عبد الْحق فِي «علله» إِنَّه حَدِيث لَا يَصح. وَله طَرِيق آخر من حَدِيث ابْن عمر: «أَيْضا أَنه ﵇ نهَى أَن تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا، أَو تُقَام فِيهَا الْحَد، أَو تنشد فِيهَا الْأَشْعَار، أَو ترفع فِيهِ الْأَصْوَات» . ذكره ابْن عدي وَأعله عبد الْحق بفرات بن السَّائِب، وَقَالَ: إِنَّه مُنكر الحَدِيث ضعيفه. هُوَ كَمَا قَالَ. وَفِي «صَحِيح الْحَاكِم» و «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد.
ثَانِيهَا: من طَرِيق أنس ﵁ مَرْفُوعا: «من أَمَارَات السَّاعَة أَن تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا، وَأَن يظْهر موت الْفُجَاءَة» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : يرويهِ الشّعبِيّ مُرْسلا.
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَفِيه مَعَ ذَلِك انْقِطَاع.
ثَالِثهَا: من طَرِيق خَارِجَة بن الصَّلْت قَالَ: «دَخَلنَا مَعَ عبد الله فِي الْمَسْجِد وَالْإِمَام رَاكِع، فَرَكَعَ عبد الله فَرَكَعْنَا مَعَه، وَجعل يمشي إِلَى الصَّفّ وَنحن رُكُوع، فَمر رجل فَسلم عَلَيْهِ، فَقَالَ: صدق الله وَرَسُوله. فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ: كَانَ يُقَال: من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يسلم الرجل
стр. 5891
عَلَى الرجل بالمعرفة، وَأَن تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا، وَأَن يتجر الرجل وَامْرَأَته، وَأَن تغلوا الْخَيل وَالنِّسَاء ثمَّ يرخصن ثمَّ لَا تغلوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب مَا يجوز من قِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر فِي الصَّلَاة يُرِيد بِهِ جَوَابا، من حَدِيث عبد الْأَعْلَى بن الحكم عَن خَارِجَة بِهِ.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: (صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره، وَصَلَاة فِي إيلياء تعدل صَلَاة فِي غَيره، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل مائَة ألف صَلَاة فِي غَيره» .
هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكره الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وَلَا نعلم هَذَا فِي حَدِيث وَاحِد. وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي «كَلَامه عَلَى الْوَسِيط» أَن الْغَزالِيّ سَاقه مساق حَدِيث وَاحِد، قَالَ: وَهُوَ هَكَذَا بِتَمَامِهِ غير ثَابت - فِيمَا أعلم - أما الصَّلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام» . وَفِي «صَحِيح مُسلم» من ابْن عمر ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عبد الْبر: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة
стр. 5892
فِي غَيره إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام؛ فَإِنَّهُ أفضل مِنْهُ بِمِائَة صَلَاة» . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جَابر بِلَفْظ مُسلم، وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث مَيْمُونَة بنت الْحَارِث مثل حَدِيث ابْن عمر.
وَأما الصَّلَاة فِي مَسْجِد إيلياء - وَهُوَ الْبَيْت الْمُقَدّس - فَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث مَيْمُونَة بنت سعد - وَيُقَال: بنت سعيد - مولاة رَسُول الله ﷺ أَنَّهَا قَالَت: «قلت: يَا رَسُول الله: أَفْتِنَا فِي بَيت الْمُقَدّس؟ قَالَ: أَرض الْمَحْشَر والمنشر، ائتوه فصلوا فِيهِ؛ فَإِن صَلَاة فِيهِ كألف صَلَاة فِي غَيره. قلت: أَرَأَيْت إِن لم أستطع أَن أحمل إِلَيْهِ؟ قَالَ: فتهدى إِلَيْهِ زيتًا يسرج فِيهِ. وَلم يذكر فضل الصَّلَاة» .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب بِلَفْظ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن بَيت الْمُقَدّس، قَالَ: نعم السكن بَيت الْمُقَدّس، وَمن صَلَّى فِيهِ صَلَاة بِأَلف صَلَاة فِيمَا سواهُ وَقَالَت: فَمن لم يطق ذَلِك؟ قَالَ: فليهد لَهُ زيتًا» . وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» و «كنى الْحَاكِم أبي أَحْمد» من حَدِيث أنس بن مَالك عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «صَلَاة الرجل فِي بَيته بِصَلَاة، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة» .
стр. 5893
وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي «تلخيصه» بِلَفْظ: «صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ صَلَاة، وَالصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي تجمع فِيهِ الْجُمُعَة بِخمْس وَعشْرين ألف صَلَاة، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين ألف صَلَاة» وَرَوَاهُ فِي غير هَذَا الْكتاب بِلَفْظ: «وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين ألف صَلَاة» وَفِي إِسْنَاده رُزَيْق - بِتَقْدِيم الرَّاء الْمُهْملَة - الْأَلْهَانِي. قَالَ أَبُو زرْعَة: فَلَا بَأْس بِهِ. نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي مُقْتَصرا، وَقَالَ ابْن حبَان فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «الضُّعَفَاء» : ينْفَرد بالأشياء الَّتِي لَا تشبه حَدِيث الْأَثْبَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَّا عِنْد الْوِفَاق.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح.
وَقَالَ الْخَطِيب: رُزَيْق هَذَا فِي عداد المجهولين.
قلت: وَرَأَيْت ابْن حبَان ذكره فِي «ثقاته» والراوي عَن رُزَيْق لَا يعرف، وَهُوَ أَبُو الْخطاب حَمَّاد. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» : لَيْسَ بالمشهور. وَوَقع فِي كَلَام ابْن بدر الْموصِلِي الْحَنَفِيّ أَمر غَرِيب، فَقَالَ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى «بالمغني عَن الْحِفْظ وَالْكتاب بقَوْلهمْ لم يَصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب» : بَاب فَضَائِل بَيت الْمُقَدّس والصخرة وعسقلان وقزوين. ثمَّ قَالَ: لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء عَن رَسُول الله ﷺ غير ثَلَاث أَحَادِيث فِي بَيت الْمُقَدّس:
стр. 5894
أَحدهَا: «لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاث مَسَاجِد» .
ثَانِيهَا: «أَنه سُئِلَ عَن أول بَيت وضع فِي الأَرْض، فَقَالَ: الْمَسْجِد الْحَرَام. ثمَّ قيل: مَاذَا؟ قَالَ: الْمَسْجِد الْأَقْصَى. قيل: كم بَينهمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ عَاما.
ثَالِثهَا: «إِن الصَّلَاة تعدل فِيهِ سَبْعمِائة صَلَاة» . كَذَا قَالَ، وَفِي الثَّالِث، وَفِيه: بل لَا أعلمهُ ورد عوضا عَن صِحَة. وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» عَن عبد الله بن الصَّامِت، عَن أبي ذَر مَرْفُوعا: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من أَربع صلوَات فِي بَيت الْمُقَدّس» وَكَذَا اخْتِلَافا فِي إِسْنَاده، وَرَوَاهُ الْحَاكِم كَذَلِك، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَمُقْتَضَى هَذَا أَن تكون الصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس بمائتين وَخمسين صَلَاة. وَرَوَى ابْن عدي فِي «كَامِله» من حَدِيث يَحْيَى بن أبي حَيَّة، عَن عُثْمَان [بن] الْأسود، عَن مُجَاهِد، عَن جَابر مَرْفُوعا: «الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة، وَفِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة صَلَاة» .
وَقد افْتَرَقت أَقْوَال الْأَئِمَّة فِي يَحْيَى هَذَا (فِي الصَّلَاة) وَأما الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فقد تقدم فِيهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر ومَيْمُونَة، وَرَوَى الإِمَام أَحْمد وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح
стр. 5895
عَن عبد الله بن الزبير ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة صَلَاة فِي مَسْجِدي» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من رِوَايَة أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة، وَالصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة صَلَاة» وَسَنَده مُحْتَمل وَفِيه عَن عطاف بن خَالِد، عَن عُثْمَان بن عبد الله بن الأرقم، عَن جده الأرقم مَرْفُوعا: «صَلَاة (هُنَا) خير من ألف صَلَاة ثمَّ» . يَعْنِي: مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس. قَالَ ابْن عبد الْبر فِي «التَّمْهِيد» هَذَا حَدِيث ثَابت لَا مطْعن لأحد فِيهِ. قَالَ الرَّافِعِيّ: قَالَ الْأَمَام: كَانَ شَيْخي يَقُول: لَو نذر صَلَاة فِي الْكَعْبَة فَصَلى فِي أَطْرَاف الْمَسْجِد الْحَرَام خرج عَن النّذر، وَإِن الزِّيَادَة الَّتِي رويت فِي الحَدِيث السَّابِق - يَعْنِي: الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ أَولا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «وَصَلَاة فِي الْكَعْبَة تعدل مائَة ألف صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام» . لم يصححها الْأَثْبَات؛ فَلَا تعويل عَلَيْهَا وَالْعلم عِنْد الله. انْتَهَى.
وَهَذِه الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة غَرِيبَة جدًّا وبعيدة أَيْضا، نعم فِي «سنَن النَّسَائِيّ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا
стр. 5896
أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْكَعْبَة» وَفِيه أَيْضا من حَدِيث مَيْمُونَة مَرْفُوعا «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ [من الْمَسَاجِد] إِلَّا الْمَسْجِد الْكَعْبَة» .
خَاتِمَة: نقل ابْن دحْيَة فِي كتاب «التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير» أَنه حسب الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عَلَى رِوَايَة ابْن عمر وَابْن الزبير، فبلغت صَلَاة وَاحِدَة فِيهِ عمر خمس وَخمسين سنة وَسِتَّة أشهر وَعشْرين لَيْلَة، وَصَلَاة يَوْم وَلَيْلَة فِيهِ مِائَتي وَسبع وَسبعين سنة وَتِسْعَة أشهر وَعشر لَيَال، وَهَذَا قد سبقه بِهِ أَبُو بكر النقاش؛ فَإِنَّهُ لما رَوَى عَن أَحْمد بن فياض، ثَنَا أَبُو أَحْمد أَخُو الإِمَام، ثَنَا عبد الله بن عَمْرو، عَن عبد الْكَرِيم، عَن عَطاء، عَن جَابر - رَفعه -: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة ألف صَلَاة» قَالَ: فَحسب ذَلِك عَلَى هَذِه الرِّوَايَة فَذكر مثله حرفا بِحرف، ذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» فِي الْحَج، وَقَوله: «عَن عبد الله بن عَمْرو» خطأ، صَوَابه: عبيد الله - بِالتَّصْغِيرِ - وَحَدِيث جَابر هَذَا أخرجه أَحْمد فِي «الْمسند» بِإِسْنَاد صَحِيح، فَقَالَ أَحْمد: [ثَنَا] ابْن عبد الْملك، حَدثنَا عبيد الله، عَن عبد الْكَرِيم، عَن عَطاء، عَن جَابر مَرْفُوعا: «صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من
стр. 5897
مائَة ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ» وَعبد الْكَرِيم هُوَ ابْن مَالك الْجَزرِي، أحد الثِّقَات.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
«أَن رجلا نذر أَن ينْحَر إبِلا فِي مَوضِع - سَمَّاهُ - فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل فِيهِ وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أوف بِنَذْرِك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، كل رِجَاله أَئِمَّة، مجمع عَلَى عدالتهم من رِوَايَة ثَابت بَين الضَّحَّاك، قَالَ «نذر رجل عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ أَن ينْحَر [إبِلا ببوانة، فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نذرت أَن أنحر إبِلا] ببوانة. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل كَانَ فِيهَا وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَهَل فِيهَا عيد من أعيادهم؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَسُول الله: أوف بِنَذْرِك؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة الله وَلَا فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم» .
وَرَوَاهُ أَحْمد بِسَنَدِهِ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن ابْنة كردم، عَن أَبِيهَا «أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نذرت أَن أنحر ثَلَاثَة من إبلي. فَقَالَ: إِن كَانَ عَلَى جمع من جمع الْجَاهِلِيَّة أَو عَلَى عيد من أعياد الْجَاهِلِيَّة أَو عَلَى وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة فَلَا، وَإِن كَانَ عَلَى [غير] ذَلِك فَاقْض نذرك. قَالَ: يَا رَسُول الله، إِن عَلَى أم هَذِه الْجَارِيَة مشيًا،
стр. 5898
أفأمشي، عَنْهَا؟ قَالَ نعم» . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن عَبَّاس «أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت أَن أنحر ببوانة؟ فَقَالَ: فِي نَفسك شَيْء من أَمر الْجَاهِلِيَّة؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أوف بِنَذْرِك» وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة مَيْمُونَة بنت كردم الثقفية «أَن أَبَاهَا لَقِي النَّبِي ﷺ وهى رديفة كردم، فَقَالَ: إِنِّي نذرت أَن أنحر ببوانة. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل فِيهَا وثن؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أوف بِنَذْرِك» وإسنادهما حسن.
وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم تعْيين المنحور خلاف مَا وَقع فِي «مُسْند أَحْمد» وَهَذَا لَفظه: «إِنِّي نذرت أَن أذبح عددا من الْغنم. قَالَ: لَا أعلم إِلَّا [خمسين] شَاة عَلَى رَأس بوانة ... » الحَدِيث.
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: ذكر ابْن دحْيَة فِي كتاب «الْآيَات الْبَينَات» هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أَحْمد، وَفِيه زِيَادَة أنكرها، فعقب ذَلِك بِأَن قَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل بِيَقِين إِذْ لم يَنْقُلهُ أحد من ثِقَات الْمُسلمين. وَهَذَا الْإِطْلَاق لَيْسَ بجيد مِنْهُ.
ثَانِيهَا: بُوانة - بِضَم أَوله وبالنون عَلَى بِنَاء فعالة -: مَوضِع بَين الشَّام وَبَين ديار بني عَامر. كَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» وَكَذَا الْحَازِمِي؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب «الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن» : بوان بِضَم الْبَاء. وَكَذَا النَّوَوِيّ فِي «مُخْتَصر المبهمات» قَالَ: بوانة، أَولهَا بَاء مُوَحدَة مَضْمُومَة، وَألف ثمَّ نون ثمَّ هَاء. وَحَكَى
стр. 5899
ابْن الْأَثِير فِي «نهايته» ثمَّ الْمُنْذِرِيّ فتح الْبَاء أَيْضا.
قَالَ الْجَوْهَرِي فِي «صحاحه» : وَيُقَال: بوان. بِلَا هَاء، قَالَ ابْن الْأَثِير، ثمَّ الْمُنْذِرِيّ: وبوانة هضبة من وَرَاء يَنْبع قَرْيَة من سَاحل الْبَحْر. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: بوانة أَسْفَل مَكَّة أَسْفَل يَلَمْلَم.
ثَالِثهَا: هَذَا الرجل هُوَ كردم بن سُفْيَان، كَمَا سلف عَن رِوَايَة ابْن ماجة، وَقد نبه عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي «مبهماته» أَيْضا.
رَابِعهَا - وَهُوَ مُهِمّ -: وَهُوَ أَن صَاحب «الْمُهَذّب» ذكر فِي هَذَا الْموضع من كِتَابه حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده «أَن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت أَن أذبح مَكَان كَذَا وَكَذَا - مَكَان يذبح فِيهِ أهل الْجَاهِلِيَّة - قَالَ: لصنم؟ قَالَت: لَا. قَالَ: لوثن؟ قَالَت: لَا. قَالَ: أوف بِنَذْرِك» فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث غَرِيب، وَلَكِن مَعْنَاهُ مَشْهُور من رِوَايَة ثَابت بن الضَّحَّاك. ثمَّ سَاق الحَدِيث السالف، وَهَذَا من أغرب مَا اتّفق لَهُ؛ فَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب هَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» حَدِيث ثَابت فِي كل النّسخ و «الْأَطْرَاف» للمزي وَغَيرهمَا من كتب الْأَحْكَام؛ فَتنبه لذَلِك.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
حَدِيث «الرواح فِي السَّاعَة الأولَى فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة ... » الحَدِيث.
стр. 5900
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَقد سلف فِي بَابه.
خَاتِمَة: قَالَ الرَّافِعِيّ - قبل الحَدِيث الثَّانِي عشر -: إِذا نذر صَوْم بعض يَوْم، هَل ينْعَقد نَذره؟ فِيهِ وَجْهَان: أصَحهمَا: الْمَنْع، وَبَنَى الْمُتَوَلِي الْمَسْأَلَة عَلَى أَن المتنفل إِذا نَوى الصَّوْم نَهَارا يكون صَائِما من وَقت النِّيَّة، أَو من ابْتِدَاء النَّهَار، فَإِن قُلْنَا الأول انْعَقَد نَذره، وَإِن قُلْنَا الثَّانِي؛ فَوَجْهَانِ أَحدهَا: لَا، وَثَانِيها: نعم؛ لِأَنَّهُ ورد أَنه نذر بإمساك بعض النَّهَار [كَمَا] فِي حق من أصبح مُفطرا يَوْم الشَّك ثمَّ بَان أَنه من رَمَضَان. هَذَا آخر مَا ذكره.
وَترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بَاب من أصبح يَوْم الشَّك لَا يَنْوِي الصَّوْم ثمَّ علم أَنه من رَمَضَان أمسك بَقِيَّة يَوْمه اسْتِدْلَالا بِحَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع «أَن رَسُول الله ﷺ بعث رجلا من أسلم إِلَى قومه يَوْم عَاشُورَاء، فَقَالَ: مرهم فليصوموا [هَذَا الْيَوْم] فَقَالَ: [يَا] رَسُول الله ﷺ مَا [أَرَانِي آتيهم] حَتَّى يطعموا! فَقَالَ: من طعم مِنْهُم فليصم بَقِيَّة يَوْمه» رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ مُسلم من وَجه آخر عَن يزِيد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ فِي الحَدِيث «أَنه أَمر بِالْقضَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مسلمة عَن عَمه «أَن أسلم أَتَت النَّبِي ﷺ يَوْم عَاشُورَاء، فَقَالَ: صمتم يومكم هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه» هَذَا مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب.
стр. 5901
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء قَالَت: «أرسل النَّبِي ﷺ غَدَاة عَاشُورَاء إِلَى قرَى الْأَنْصَار الَّتِي حول الْمَدِينَة: من كَانَ أصبح صَائِما فليتم صَوْمه، وَمن كَانَ أصبح مُفطرا فليتم بَقِيَّة يَوْمه. وَكُنَّا بعد ذَلِك نصومه ونصوم صبياننا الصغار» .
قَالَ الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنه من تعين عَلَيْهِ صَوْم يَوْم وَلم يُنَوّه لَيْلًا أَن يُجزئهُ نَهَارا قبل الزَّوَال. وَفِيمَا ذكره نظر.
стр. 5902
كتاب الْقَضَاء
стр. 5903
كتاب الْقَضَاء
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فَأَرْبَعَة عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
نقل عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: «إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر، وَإِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من طَرِيق عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور - قَالَ يَعْنِي: ابْن الْهَاد - فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث أَبَا بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم فَقَالَ: هَكَذَا حَدثنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ .
قلت: وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» .
стр. 5904
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، لَا نعرفه من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر.
قلت: وَلَا يضر تفرده بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثِقَة، أحد الْأَعْلَام، وَلَا عِبْرَة بِمن تكلم فِيهِ.
وَقَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : مَا رَوَى معمر عَن الثَّوْريّ مُسْندًا غير هَذَا الحَدِيث.
قلت: وَلِلْحَدِيثِ لفظ آخر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو وَعقبَة بن عَامر وَأبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر، وَإِن أصَاب فَلهُ عشرَة أجور» . وَرَوَى الْحَاكِم حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: وَفِيه: فرج بن فضَالة التنوخي ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره، وَقواهُ الإِمَام أَحْمد، وَأخرجه فِي «مُسْنده» بِدُونِ «فرج» هَذَا، نعم فِيهِ ابْن لَهِيعَة، وَلَفظ رِوَايَته: «فَإِذا اجْتهد وَأَخْطَأ كَانَ لَهُ [أجر أَو] أَجْرَانِ» .
وَأخرجه من حَدِيث عَمْرو بن العَاصِي بِلَفْظ: «إِن أصبت الْقَضَاء
стр. 5905
فلك عشرَة [حَسَنَات] وَإِن أَنْت اجتهدت فأخطأت فلك حَسَنَة» وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَإِذا أَخطَأ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ» .
تَنْبِيه: يحْتَاج إِلَى الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث؛ فَإِن ظَاهرهَا الِاخْتِلَاف، وَجمع بَينهمَا الْمَاوَرْدِيّ فِي «حاويه» بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه جعل لَهُ أَجْرَيْنِ إِذا وصل إِلَى الصَّوَاب بِأول اجْتِهَاده، وَعشرَة أجور [إِذا] وصل بتكرار الِاجْتِهَاد وكثرته، وَثَانِيهمَا: أَنه أخبر بِالْحَسَنَة لمضاعفة الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا، وَأخْبر فِي الْأجر أَمريْن من غير مضاعفة؛ لِأَنَّهُ فِي الأَصْل أجر وَفِي المضاعفة عشر. هَذَا لَفظه.
الحَدِيث الثَّانِي
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة: الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه، وَإِذا سئلوه بذلوه، وَإِذا حكمُوا بَين النَّاس حكمُوا كحكمهم لأَنْفُسِهِمْ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْند» عَن حسن [وَيَحْيَى بن إِسْحَاق] ثَنَا ابْن لَهِيعَة، نَا خَالِد بن أبي عمرَان، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ من السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله تَعَالَى [يَوْم الْقِيَامَة] قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه، وَإِذا سئلوه بذلوه، وحكموا للنَّاس
стр. 5906
كحكمهم نفسهم» وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه «حلية الْأَوْلِيَاء» من هَذَا الْوَجْه سَوَاء، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة عَن خَالِد بن أبي عمرَان، حدث بِهِ أَحْمد بن حَنْبَل فِي «مُسْنده» رِوَايَته عَن حسن، عَن ابْن لَهِيعَة، وَكَذَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» وَرَوَاهُ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس بن الْقَاص - بتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، من أَصْحَاب الشَّافِعِيَّة - فِي كتاب «الْقَضَاء» من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن ابْن زحر، عَن عَلّي بن زيد، عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة ﵂ مَرْفُوعا: «هَل تَدْرُونَ من السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة؟ ... » فَذكره إِلَّا أَنه قَالَ: «وَإِذا حكمُوا للْمُسلمين حكمُوا كحكمهم لأَنْفُسِهِمْ» بدل مَا ذكر.
وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «المقسطون عِنْد الله عَلَى مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن، وكلتا يَدَيْهِ يَمِين: الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهلهم وَمَا ولوا» . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو هَذَا، فَقَالَ: الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف.
الحَدِيث الثَّالِث
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا جلس الْحَاكِم للْحكم بعث الله لَهُ ملكَيْنِ يسددانه ويوفقانه (ويرشدانه مَا لم يجر) ، فَإِذا جَار عرجا وتركاه» .
стр. 5907
سكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده: يَحْيَى بن (يزِيد) بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، يكنى أَبَا بردة، وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ أَحْمد وَيَحْيَى: وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: رَوَى أَحَادِيث مُنكرَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ أَبُو عَلّي صَالح بن مُحَمَّد الْحَافِظ: هُوَ ضَعِيف الحَدِيث. قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ لَهُ أصل. قَالَ ابْن جريج: لَا يحْتَمل هَذَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : خبر مُنكر أخرجه البُخَارِيّ - أَي: فِي «تَارِيخه» - وَهُوَ [سَاقِط] لِأَنَّهُ من رِوَايَة الْعَلَاء بن عَمْرو الْحَنَفِيّ عَنهُ، والْعَلَاء واه، وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث ابْن أبي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ « [إِن] الله مَعَ القَاضِي مَا لم يجر» وَفِي رِوَايَة للبيهقي «فَإِذا جَار تخلى عَنهُ وَلَزِمَه الشَّيْطَان» وَلابْن حبَان مِنْهُ إِلَى قَوْله: «مَا لم يجر» وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: «برِئ الله
стр. 5908
مِنْهُ وَلَزِمَه الشَّيْطَان» . وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن مَاجَه: «إِن الله مَعَ القَاضِي مَا لم يجر؛ فَإِذا جَار وَكله إِلَى نَفسه» وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: «فَإِذا جَار تَبرأ الله مِنْهُ» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عمرَان الْقطَّان. وَقَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده صَحِيح.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ ابْن صاعد: رَوَاهُ عَمْرو بن عَاصِم عَن عمرَان الْقطَّان. فَلم يذكر فِي إِسْنَاده حُسَيْنًا - يَعْنِي: الْمعلم.
وَفِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني من حَدِيث عَنْبَسَة بن سعيد، عَن حَمَّاد مولَى بني أُميَّة، عَن جنَاح مولَى الْوَلِيد، عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع مَرْفُوعا: «مَا من مُسلم ولي من أَمر الْمُسلمين شَيْئا إِلَّا بعث الله إِلَيْهِ ملكَيْنِ يسددانه مَا (نَوى) الْحق؛ فَإِذا نَوى الْجور عَلَى عمله كلأه إِلَى نَفسه» .
الحَدِيث الرَّابِع
«أنَّه ﷺ بعث عليًّا - كرم الله وَجهه - إِلَى الْيمن قَاضِيا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، بعثتني أَقْْضِي بَينهم وَأَنا شَاب لَا أَدْرِي مَا الْقَضَاء! قَالَ: فَضرب رَسُول الله ﷺ فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ اهده وَثَبت لِسَانه. فوالذي فلق الْحبَّة مَا شَككت فِي قَضَاء بَين اثْنَيْنِ» .
стр. 5909
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث شريك عَن سماك بن حَرْب، عَن حَنش، عَن عَلّي ﵁ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن قَاضِيا، فَقلت: يَا رَسُول الله، ترسلني وَأَنا حَدِيث السن وَلَا علم لي بِالْقضَاءِ؟ قَالَ: فَقَالَ لي: إِن لله سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك؛ فَإِذا جلس بَين يَديك خصمان فَلَا تقضين (لأَحَدهمَا مَا لم) تسمع من الآخر كَمَا سَمِعت من الأول؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يتَبَيَّن لَك الْقَضَاء. قَالَ: فَمَا زلت قَاضِيا [أَو] مَا شَككت فِي قَضَاء قطّ» .
وحنش هَذَا هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَيُقَال: ابْن ربيعَة، كُوفِي وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ البُخَارِيّ: يَتَكَلَّمُونَ فِي حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ عبد الْحق: كَانَ رجلا صَالحا، وَفِي حَدِيثه ضعف.
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهُوَ من رِوَايَة شريك عَن سماك عَنهُ وَلم يبين ذَلِك عبد الْحق وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن حزم وَأَنه قَالَ هَذَا خبر سَاقِط لِأَن شَرِيكا مُدَلّس وَسماك ابْن حَرْب يقبل التَّلْقِين، وحنش سَاقِط مطرح، وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي «مُسْنده» من حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، عَن عَلّي قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن، فَقلت: يَا رَسُول الله، بعثتني وَأَنا شَاب وهم كهول، وَلَا علم لي بالْكلَام! فَقَالَ: إِن
стр. 5910
الله ﵎ سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك. قَالَ: فوَاللَّه مَا تعاييت فِي شَيْء بعد» . ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن عَمْرو بن مرّة عَن [عبد الله] بن سَلِمة عَن عَلّي إِلَّا أَبُو إِسْحَاق، وَلَا عَن أبي إِسْحَاق إِلَّا عَمْرو بن أبي الْمِقْدَام، وَقد رُوِيَ عَن عَلّي من وُجُوه.
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد رَوَاهُ هُوَ بعد ذَلِك من حَدِيث جَارِيَة بن مضرب عَن عَلّي قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن، فَقلت: تبعثني إِلَى قوم هم أسن مني! فَكيف أَقْْضِي بَينهم؟ ! فَقَالَ: اذْهَبْ، فَإِن الله سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك» ثمَّ قَالَ هَذَا أحسن أسانيده. وَرَوَاهُ بعد ذَلِك بِنَحْوِ مَا سَاقه أَبُو دَاوُد - أَعنِي من رِوَايَة حَنش.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة عَلّي، وَابْن مَاجَه فِي هَذَا الْبَاب من حَدِيث أبي البخْترِي، عَن عَلّي قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي رجل شَاب وَإنَّهُ يرد عَلّي من الْقَضَاء مَا لَا علم لي بِهِ! قَالَ: فَوضع يَده فِي صَدْرِي وَقَالَ: (ثَبت الله لِسَانه) واهد قلبه. فَمَا شَككت فِي الْقَضَاء أَو فِي (فصل) بعد هَذَا» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
قلت: فِي تَصْحِيحه عوضا عَن كَونه عَلَى شَرطهمَا نظر؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطع.
стр. 5911
قَالَ شُعْبَة وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَالْبَزَّار: أَبُو البخْترِي لم يدْرك عليًّا، وَلم يره. وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا فِي أَوَائِل بَاب الْأَحْكَام من رِوَايَة حَنش الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، عَن عَلّي قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن، فَقلت: بعثتني إِلَى قوم ذَوي أَسْنَان وَأَنا حَدِيث السن! قَالَ: إِذا جلس إِلَيْك الخصمان فَلَا تقض لأَحَدهمَا حَتَّى تسمع من الآخر كَمَا سَمِعت من الأول. قَالَ عَلّي: فَمَا زلت قَاضِيا» ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَفِي رِوَايَة عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ «بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن عليًّا فَقَالَ: علمهمْ الشَّرَائِع واقض بَينهم. قَالَ: لَا علم لي بِالْقضَاءِ. فَدفع فِي صَدره، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهده للْقَضَاء» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سماك بن حَرْب، عَن حَنش، عَن عَلّي قَالَ: «قَالَ [لي] رَسُول الله ﷺ : إِذا تقاضى إِلَيْك رجلَانِ فَلَا تقض للْأولِ حَتَّى تسمع كَلَام الآخر، فَسَوف تَدْرِي كَيفَ تقضي. قَالَ عَلّي: فمازلت قَاضِيا بعد» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَأما ابْن حزم فأعله بسماك كعادته، وَفِي «مَرَاسِيل أبي دَاوُد» ، نَا [عبد الله] بن مُحَمَّد بن يَحْيَى، نَا مُحَمَّد بن الْمُغيرَة الْمدنِي المَخْزُومِي، نَا سُلَيْمَان بن مُحَمَّد
стр. 5912
بن يَحْيَى بن عُرْوَة، عَن [عبد الله بن] عبد الْعَزِيز الْعمريّ قَالَ: «لما اسْتعْمل النَّبِي ﷺ عليًّا عَلَى الْيمن (دَعَاهُ فَأَوْصَاهُ) قَالَ: قَدِّم الوضيع عَلَى الشريف، والضعيف عَلَى الْقوي، وَالرِّجَال عَلَى النِّسَاء» .
لم يرمه عبد الْحق بسوى الْإِرْسَال، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: فِي إِسْنَاده جمَاعَة لَا يعْرفُونَ. قَالَ: والعمري هُوَ الزَّاهِد، وحاله فِي الحَدِيث مَجْهُولَة، وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة غير هَذِه.
الحَدِيث الْخَامِس
رُوِيَ «أنَّه ﷺ لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا ﵁ إِلَى الْيمن قَالَ لَهُ: كَيفَ تقضي إِذا غلبك قَضَاء؟ قَالَ: أَقْْضِي بِكِتَاب الله قَالَ: فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله؟ قَالَ: بِسنة رَسُول الله. قَالَ: فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: أجتهد برأيي وَلَا آلو. فَضرب صَدره وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله - (- لما يرضاه رَسُول الله» .
هَذَا الحَدِيث كثيرا مَا يتَكَرَّر فِي كتب الْفُقَهَاء وَالْأُصُول والمحدثين ويعتمدون عَلَيْهِ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِإِجْمَاع أهل النَّقْل - فِيمَا أعلم - وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ أَن رَسُول الله ﷺ لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا إِلَى الْيَمين ... » فَذكره بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، ثمَّ رَوَاهُ من رِوَايَة الْحَارِث بن عَمْرو، عَن أنَاس من أَصْحَاب [معَاذ عَن] معَاذ بن جبل «أَن النَّبِي ﷺ لما بَعثه إِلَى الْيَمين ... » بِمَعْنَاهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحَارِث
стр. 5913
بن عَمْرو عَن [رجال] من أَصْحَاب معَاذ [أَن رَسُول الله ﷺ ] من حَدِيث الْحَارِث أَيْضا عَن أنَاس من أهل حمص عَن معَاذ عَن النَّبِي ﷺ . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو عَن معَاذ، كَذَا وجدت فِي النُّسْخَة الَّتِي نظرت مِنْهَا. وَأخرجه أَحْمد كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد ثَانِيًا. قَالَ ابْن عدي فِي «كَامِله» : قَالَ البُخَارِيّ فِي «التَّارِيخ» : الْحَارِث بن عَمْرو بن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ، عَن أَصْحَاب معَاذ، عَن معَاذ، وَرَوَى عَنهُ أَبُو عون وَلَا يَصح وَلَا يعرف إِلَّا بِهَذَا، وَهُوَ مُرْسل. قَالَ ابْن عدي: والْحَارث بن عَمْرو وَهُوَ مَعْرُوف بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَن معَاذ لما وَجهه النَّبِي ﷺ إِلَى الْيمن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي مُتَّصِل.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : رَوَاهُ شُعْبَة، عَن أبي عون، عَن الْحَارِث بن عَمْرو، عَن أَصْحَاب معَاذ، عَن مُعاذ. وأرسله عبد الرَّحْمَن
стр. 5914
بن مهْدي وجماعات، وَقَالَ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة قَالَ مرّة: عَن معَاذ، وَأكْثر مَا كَانَ يحدثنا عَن أَصْحَاب معَاذ أَن رَسُول الله ﷺ ، وَرُوِيَ [عَن مسعر] عَن أبي عون مُرْسلا، والمرسل أصح. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه «الْمُحَلَّى شرح المجلى» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ لم يروه أحد إِلَّا الْحَارِث بن عَمْرو - وَهُوَ مَجْهُول لَا نَدْرِي من هُوَ - عَن رجال من أهل حمص - لم يسمهم - عَن معَاذ. وَقَالَ فِي رسَالَته فِي إبِْطَال الْقيَاس: هَذَا الحَدِيث الْمَأْثُور وَهُوَ عِنْدهم، وَهُوَ حَدِيث غير صَحِيح؛ لِأَنَّهُ عَن الْحَارِث بن عَمْرو الْهُذلِيّ أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ، وَلَا يدْرِي أحد من هُوَ، وَلَا يعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث. ذكر ذَلِك البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه الْأَوْسَط» فِي الطَّبَقَات ثمَّ هُوَ أَيْضا عَن رجال من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ، وَلَا يجوز الْأَخْذ بِالدّينِ عَمَّن لَا يُدْرَى من هُوَ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ عَن الثِّقَات المعروفين. قَالَ: وَقد اتّفق الْجَمِيع عَلَى أَنه لَا يجوز شَهَادَة من لَا يُدْرَى حَاله، وَنقل الحَدِيث شَهَادَة من أعظم الشَّهَادَات؛ لِأَنَّهَا شَهَادَة عَلَى الله وَعَلَى رَسُوله، فَلَا يحل أَن يتساهل فِي ذَلِك أصلا. قَالَ: وقدموه قوم لم ينألوا بِالْكَذِبِ فَقَالُوا: إِن هَذَا الْخَبَر مَنْقُول نقل التَّوَاتُر. وَهَذَا كذب ظَاهر؛ لِأَن نقل التَّوَاتُر هُوَ أَن يكون نَقله فِي عصر متواتر من مبتدئه إِلَى مبلغه، وَأما مَا رَجَعَ من مبدئه إِلَى وَاحِد مَجْهُول فَهَذَا ضد التَّوَاتُر، وَهَذَا لم يعرف قطّ قَدِيما، وَلَا ذكره أحد من الصَّحَابَة عَنْهُم وَلَا من التَّابِعين عَن مسلمة عَن أبي عون حَتَّى
стр. 5915
يعلق بِهِ الْمُتَأَخّرُونَ، فانبثق إِلَى أتباعهم ومقلديهم فعرفوه، وَمَا احْتج بِهِ قطّ أحد من الْمُتَقَدِّمين؛ لِأَن مخرجه واه ضَعِيف، وَرَوَاهُ مَعَ ذَلِك عَن أبي عون شُعْبَة، وَأبي إِسْحَاق: سُلَيْمَان بن فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ فَقَط لم يروه غَيرهمَا، وَكِلَاهُمَا ثِقَة حَافظ، وَاخْتلفَا فِيهِ فَرَوَاهُ شُعْبَة، عَن أبي عون، عَن نَاس من أَصْحَاب معَاذ من أهل حمص «أَن رَسُول الله ﷺ ... » وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ - هُوَ أَبُو عون - قَالَ: «لما بعث رَسُول الله ﷺ ... » الحَدِيث، قَالَ: وَأَيْضًا فَمن الْبَاطِل الْمَقْطُوع بِهِ أَن يُضَاف مثل هَذَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ أَن يَقُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام لِمعَاذ: «إِن لم تَجِد فِي كتاب الله - تَعَالَى - وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ » وَهُوَ ﵊ قد سُئِلَ عَن الحمُرُ فَقَالَ: «مَا أنزل الله عَلّي فِيهَا شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة (فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره) فَلم يحكم فِيهَا ﵊ بِحكم الْبَتَّةَ بِغَيْر الْوَحْي، فَكيف يُجِيز ذَلِك لغيره وَهُوَ ﵊ قد أَتَانَا بقوله من ربه الصَّادِق (مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم) فَلَا سَبِيل إِلَى وجود شَرِيعَة لله - تَعَالَى - فَرضهَا فِي الْكتاب وَلم يسنها رَسُول الله ﷺ . قَالَ: فصح أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يجوز أَن يَقُوله رَسُول الله ﷺ . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ أبي مُحَمَّد بن حزم مُلَخصا.
وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : هَذَا الحَدِيث لَا يسند وَلَا يُوجد
стр. 5916
من وَجه صَحِيح. فَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب «الْوَهم وَالْإِيهَام» : الْحَارِث هَذَا لَا يعرف لَهُ حَال، وَلَا نَدْرِي رَوَى عَنهُ غير أبي عون مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَإِن كَانَ الْفُقَهَاء كلهم يذكرُونَهُ فِي كتبهمْ ويعتمدون عَلَيْهِ. قَالَ: (ولعمري مَعْنَاهُ صَحِيح) إِنَّمَا ثُبُوته لَا يعرف؛ لِأَن الْحَارِث بن عَمْرو مَجْهُول، وَأَصْحَاب معَاذ من أهل حمص لَا يعْرفُونَ، وَمَا هَذَا طَرِيقه فَلَا وَجه لثُبُوته. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن طَاهِر فِي المُصَنّف الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا الحَدِيث: اعْلَم أنني فحصت عَن هَذَا الحَدِيث فِي المسانيد الْكِبَار وَالصغَار، وَسَأَلت من لَقيته من أهل الْعلم بِالنَّقْلِ عَنهُ، فَلم أجد لَهُ غير طَرِيقين: أَحدهمَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن حَفْص بن عمر، عَن شُعْبَة، عَن أبي عون، عَن الْحَارِث بن عَمْرو بن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة، عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ، عَن رَسُول الله ﷺ . وَثَانِيهمَا: عَن مُحَمَّد بن جَابر اليمامي، عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء، عَن رجل من ثَقِيف، عَن معَاذ، عَن رَسُول الله ﷺ . وَالطَّرِيق الأول مَدَاره عَلَى الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول. وأناس من حمص لَا يعْرفُونَ، وَلم يبين أَنهم سَمِعُوهُ من معَاذ. قَالَ: وبمثل هَذَا الْإِسْنَاد لَا يعْتَمد فِي أصل من أصُول الشَّرِيعَة وَيحمل بذا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع. وَالطَّرِيق الثَّانِي: رَوَاهُ مُحَمَّد بن جَابر اليمامي - عَلَى ضعفه - عَن أَشْعَث، عَن رجل من ثَقِيف وَرجل لَا يعرف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ. ثمَّ نقل كَلَام ابْن عدي فِي «كَامِله» الَّذِي قدمْنَاهُ أَولا، ثمَّ قَالَ: وأقبح مَا رَأَيْت عَلَى هَذَا الحَدِيث قَول الْجُوَيْنِيّ فِي
стр. 5917
كِتَابه «أصُول الْفِقْه» فِي بَاب إِثْبَات الْقيَاس: والعمدة فِي هَذَا الْبَاب عَلَى حَدِيث معَاذ. قَالَ: وَهَذِه زلَّة مِنْهُ آفتها التَّقْلِيد، وَلَو كَانَ عَالما بِالنَّقْلِ لم يرتكب هَذِه الْجَهَالَة؛ لِأَنَّهُ جعل عمدته حَدِيثا بِهَذَا الْوَهم الْوَاضِح. قَالَ: ثمَّ يَقُول: قد رَأينَا الْأَحَادِيث الْوَاضِحَة الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الْكتب الْمَعْرُوفَة تصرح بِخِلَاف هَذَا؛ فَمن ذَلِك حَدِيث أبي مُوسَى «أَن رَسُول الله ﷺ لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن وَأَبا مُوسَى قَالَ لَهما: يسرا وَلَا تعسرا، وتطاوعا وَلَا تنفرا. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى إِن لنا شرابًا يصنع بأرضنا من الْعَسَل يُقَال لَهُ: البتع، وَمن الشّعير يُقَال: المزر؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : كل مُسكر حرَام» حَدِيث مخرج فِي الصَّحِيح وَغَيرهَا من الْكتب، لم يخْتَلف فِي صِحَّته اثْنَان من أهل الْمعرفَة فيظن بِخِلَاف مَا ورد فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم الْمَقْطُوع الْمَجْهُول رُوَاته، وَأَن الْوَصِيَّة كَانَت لَهما، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك. قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى إبِْطَال حَدِيث معَاذ أَيْضا أَنا وجدنَا معَاذًا لما سُئِلَ لما لم يكن عِنْده فِيهِ نَص توقف وَلم يجْتَهد رَأْيه، من ذَلِك مَا رَوَى طَاوس عَنهُ قَالَ: «أُتِي معَاذ بن جبل بوقص الْبَقر وَالْعَسَل حسب، فَقَالَ: لم يَأْمُرنِي النَّبِي ﷺ فيهمَا بِشَيْء» وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي «سنَنه» عَن عِيسَى بن طَلْحَة، عَن معَاذ «أَنه كتب إِلَى النَّبِي ﷺ يسْأَله
стр. 5918
عَن الخضراوات وهى الْبُقُول، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْء» قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى بُطْلَانه مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم، عَن معَاذ قَالَ: «لما بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا تقضين وَلَا تفصلن إِلَّا بِمَا تعلم، فَإِن أشكل عَلَيْك أَمر فقف حَتَّى تبينه أَو تكْتب إِلَيّ فِيهِ» .
قَالَ ابْن طَاهِر: فقد صَحَّ عِنْدِي فَسَاد حَدِيث معَاذ الْمَذْكُور لما أوضحته من وَهن إِسْنَاده، وَبِمَا أتبعته من الْأَحَادِيث الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الصَّحِيح وَوَجَب ترك الِاحْتِجَاج بِهِ. هَذَا ملخص كَلَامه فِي التَّأْلِيف الْمَذْكُور. الحَدِيث الَّذِي أوردهُ من طَرِيق ابْن مَاجَه عجبت مِنْهُ سُكُوته عَلَى إِسْنَاده وَفِيه مُحَمَّد ابْن (سعيد) المصلوب وَهُوَ كَذَّاب وَضاع كَمَا أسلفته فِي كتاب الْجِنَايَات. وَقَالَ أَبُو عمر وَعُثْمَان بن الإِمَام أبي عَلّي حسن بن عَلّي بن دحْيَة «إرشاد البائنية وَالرَّدّ عَلَى المعتدي مِمَّا وهم فِيهِ الْفَقِيه أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ» : هَذَا الحَدِيث لَا أصل لَهُ، وَرِجَاله مَجْهُولُونَ، وَلَا يَصح عِنْد أحد من الْأَئِمَّة النقاد، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور عِنْد ضعفاء أهل الْفِقْه لَا أصل لَهُ، يُوجب إطراحه. وَقَالَ: أحسن مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب مَا رَوَاهُ الشّعبِيّ عَن شُرَيْح القَاضِي «أَنه كتب إِلَى عمر بن الْخطاب يسْأَله فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن اقْضِ بِمَا [فِي] كتاب الله، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فَفِي سنة رَسُول الله ﷺ فَإِن لم [يكن] فِي سنة رَسُول الله وَإِلَّا فبمَا قَضَى بِهِ الصالحون، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا
стр. 5919
سنة رَسُول الله فَإِن شِئْت فَقدم وَإِن شِئْت فَأخر، وَلَا أرَى لنا خيرا إِلَّا خيرا لَك وَالسَّلَام عَلَيْك» فقد اتَّضَح بِحَمْد الله وَمِنْه ضعف هَذَا الحَدِيث وَصَحَّ دعوانا الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَالْحَمْد لله عَلَى ذَلِك وَأَمْثَاله. وَلم يصب بعض العصريين فِيمَا وَضعه عَلَى أَدِلَّة التَّنْبِيه حَيْثُ قَالَ: عقب قَول التِّرْمِذِيّ «إِنَّه لَيْسَ بِمُتَّصِل» : بل هُوَ حَدِيث مَشْهُور اعْتمد عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْقيَاس. وَكَأَنَّهُ جنح إِلَى قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي «الْبُرْهَان» أَن الشَّافِعِي احْتج ابْتِدَاء عَلَى إِثْبَات الْقيَاس بِهِ، ثمَّ وهم الإِمَام فَقَالَ: والْحَدِيث مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق عَلَى صِحَّته لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل. هَذَا كَلَامه وَهُوَ من الْأَعَاجِيب.
فَائِدَة: مِمَّا يدل عَلَى إِبَاحَة المقايسات فِي الدَّين كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» الحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي مُوسَى ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مثل الجليس الصَّالح وَمثل جليس السوء كحامل الْمسك ونافخ الْكِير، فحامل الْمسك إِمَّا أَن تبْتَاع مِنْهُ، وَإِمَّا أَن تَجِد [مِنْهُ] ريحًا طيبَة، ونافخ الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك، وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا خبيثة» .
الحَدِيث السَّادِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِن الله لَا يقدس أمة لَيْسَ فيهم من يَأْخُذ للضعيف حَقه» .
стр. 5920
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق يحضرنا مِنْهَا عشرَة:
أَحدهَا:
عَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «كَيفَ تقدس أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم» .
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» هَكَذَا فِي رِوَايَته وَهُوَ [عِنْد] ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» فِي أثْنَاء الْفِتَن بِلَفْظ: «كَيفَ يقدس الله أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم» وَذكر فِيهِ قصَّة، وَجَمِيع رِجَاله احْتج بهم مُسلم فِي «صَحِيحه» وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «فَوَائده» الَّتِي خرجها لنَفسِهِ بِلَفْظ: «كَيفَ يقدس الله قوما لَا يُؤْخَذ من شديدهم لضعيفهم» .
الطَّرِيق الثَّانِي:
عَن عُثْمَان بن جبلة [أَخْبرنِي أبي، ثَنَا شُعْبَة] قَالَ: حَدثنَا سماك بن حَرْب قَالَ: كُنَّا مَعَ مدرك بن الْمُهلب بسجستان فِي سرادق فَسمِعت شَيخا يحدث، عَن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِن الله لَا يقدس أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف من الْقوي حَقه وَهُوَ غير متعتع» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي «الكنى» وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة أبي سُفْيَان قَالَ: وَالشَّيْخ الَّذِي لم يسمه عُثْمَان بن جبلة قد سَمَّاهُ غنْدر، غير أَنه لم يذكر أَبَا سُفْيَان فِي الْإِسْنَاد. أخبرنَا مُحَمَّد بن صَالح بن هَانِئ، ثَنَا إِبْرَاهِيم
следующие страницы →