Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
من وَجه صَحِيح. فَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب «الْوَهم وَالْإِيهَام» : الْحَارِث هَذَا لَا يعرف لَهُ حَال، وَلَا نَدْرِي رَوَى عَنهُ غير أبي عون مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَإِن كَانَ الْفُقَهَاء كلهم يذكرُونَهُ فِي كتبهمْ ويعتمدون عَلَيْهِ. قَالَ: (ولعمري مَعْنَاهُ صَحِيح) إِنَّمَا ثُبُوته لَا يعرف؛ لِأَن الْحَارِث بن عَمْرو مَجْهُول، وَأَصْحَاب معَاذ من أهل حمص لَا يعْرفُونَ، وَمَا هَذَا طَرِيقه فَلَا وَجه لثُبُوته. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن طَاهِر فِي المُصَنّف الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا الحَدِيث: اعْلَم أنني فحصت عَن هَذَا الحَدِيث فِي المسانيد الْكِبَار وَالصغَار، وَسَأَلت من لَقيته من أهل الْعلم بِالنَّقْلِ عَنهُ، فَلم أجد لَهُ غير طَرِيقين: أَحدهمَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن حَفْص بن عمر، عَن شُعْبَة، عَن أبي عون، عَن الْحَارِث بن عَمْرو بن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة، عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ، عَن رَسُول الله ﷺ . وَثَانِيهمَا: عَن مُحَمَّد بن جَابر اليمامي، عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء، عَن رجل من ثَقِيف، عَن معَاذ، عَن رَسُول الله ﷺ . وَالطَّرِيق الأول مَدَاره عَلَى الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول. وأناس من حمص لَا يعْرفُونَ، وَلم يبين أَنهم سَمِعُوهُ من معَاذ. قَالَ: وبمثل هَذَا الْإِسْنَاد لَا يعْتَمد فِي أصل من أصُول الشَّرِيعَة وَيحمل بذا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع. وَالطَّرِيق الثَّانِي: رَوَاهُ مُحَمَّد بن جَابر اليمامي - عَلَى ضعفه - عَن أَشْعَث، عَن رجل من ثَقِيف وَرجل لَا يعرف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ. ثمَّ نقل كَلَام ابْن عدي فِي «كَامِله» الَّذِي قدمْنَاهُ أَولا، ثمَّ قَالَ: وأقبح مَا رَأَيْت عَلَى هَذَا الحَدِيث قَول الْجُوَيْنِيّ فِي
стр. 5917
كِتَابه «أصُول الْفِقْه» فِي بَاب إِثْبَات الْقيَاس: والعمدة فِي هَذَا الْبَاب عَلَى حَدِيث معَاذ. قَالَ: وَهَذِه زلَّة مِنْهُ آفتها التَّقْلِيد، وَلَو كَانَ عَالما بِالنَّقْلِ لم يرتكب هَذِه الْجَهَالَة؛ لِأَنَّهُ جعل عمدته حَدِيثا بِهَذَا الْوَهم الْوَاضِح. قَالَ: ثمَّ يَقُول: قد رَأينَا الْأَحَادِيث الْوَاضِحَة الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الْكتب الْمَعْرُوفَة تصرح بِخِلَاف هَذَا؛ فَمن ذَلِك حَدِيث أبي مُوسَى «أَن رَسُول الله ﷺ لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن وَأَبا مُوسَى قَالَ لَهما: يسرا وَلَا تعسرا، وتطاوعا وَلَا تنفرا. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى إِن لنا شرابًا يصنع بأرضنا من الْعَسَل يُقَال لَهُ: البتع، وَمن الشّعير يُقَال: المزر؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : كل مُسكر حرَام» حَدِيث مخرج فِي الصَّحِيح وَغَيرهَا من الْكتب، لم يخْتَلف فِي صِحَّته اثْنَان من أهل الْمعرفَة فيظن بِخِلَاف مَا ورد فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم الْمَقْطُوع الْمَجْهُول رُوَاته، وَأَن الْوَصِيَّة كَانَت لَهما، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك. قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى إبِْطَال حَدِيث معَاذ أَيْضا أَنا وجدنَا معَاذًا لما سُئِلَ لما لم يكن عِنْده فِيهِ نَص توقف وَلم يجْتَهد رَأْيه، من ذَلِك مَا رَوَى طَاوس عَنهُ قَالَ: «أُتِي معَاذ بن جبل بوقص الْبَقر وَالْعَسَل حسب، فَقَالَ: لم يَأْمُرنِي النَّبِي ﷺ فيهمَا بِشَيْء» وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي «سنَنه» عَن عِيسَى بن طَلْحَة، عَن معَاذ «أَنه كتب إِلَى النَّبِي ﷺ يسْأَله
стр. 5918
عَن الخضراوات وهى الْبُقُول، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْء» قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى بُطْلَانه مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم، عَن معَاذ قَالَ: «لما بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا تقضين وَلَا تفصلن إِلَّا بِمَا تعلم، فَإِن أشكل عَلَيْك أَمر فقف حَتَّى تبينه أَو تكْتب إِلَيّ فِيهِ» .
قَالَ ابْن طَاهِر: فقد صَحَّ عِنْدِي فَسَاد حَدِيث معَاذ الْمَذْكُور لما أوضحته من وَهن إِسْنَاده، وَبِمَا أتبعته من الْأَحَادِيث الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الصَّحِيح وَوَجَب ترك الِاحْتِجَاج بِهِ. هَذَا ملخص كَلَامه فِي التَّأْلِيف الْمَذْكُور. الحَدِيث الَّذِي أوردهُ من طَرِيق ابْن مَاجَه عجبت مِنْهُ سُكُوته عَلَى إِسْنَاده وَفِيه مُحَمَّد ابْن (سعيد) المصلوب وَهُوَ كَذَّاب وَضاع كَمَا أسلفته فِي كتاب الْجِنَايَات. وَقَالَ أَبُو عمر وَعُثْمَان بن الإِمَام أبي عَلّي حسن بن عَلّي بن دحْيَة «إرشاد البائنية وَالرَّدّ عَلَى المعتدي مِمَّا وهم فِيهِ الْفَقِيه أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ» : هَذَا الحَدِيث لَا أصل لَهُ، وَرِجَاله مَجْهُولُونَ، وَلَا يَصح عِنْد أحد من الْأَئِمَّة النقاد، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور عِنْد ضعفاء أهل الْفِقْه لَا أصل لَهُ، يُوجب إطراحه. وَقَالَ: أحسن مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب مَا رَوَاهُ الشّعبِيّ عَن شُرَيْح القَاضِي «أَنه كتب إِلَى عمر بن الْخطاب يسْأَله فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن اقْضِ بِمَا [فِي] كتاب الله، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فَفِي سنة رَسُول الله ﷺ فَإِن لم [يكن] فِي سنة رَسُول الله وَإِلَّا فبمَا قَضَى بِهِ الصالحون، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا
стр. 5919
سنة رَسُول الله فَإِن شِئْت فَقدم وَإِن شِئْت فَأخر، وَلَا أرَى لنا خيرا إِلَّا خيرا لَك وَالسَّلَام عَلَيْك» فقد اتَّضَح بِحَمْد الله وَمِنْه ضعف هَذَا الحَدِيث وَصَحَّ دعوانا الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَالْحَمْد لله عَلَى ذَلِك وَأَمْثَاله. وَلم يصب بعض العصريين فِيمَا وَضعه عَلَى أَدِلَّة التَّنْبِيه حَيْثُ قَالَ: عقب قَول التِّرْمِذِيّ «إِنَّه لَيْسَ بِمُتَّصِل» : بل هُوَ حَدِيث مَشْهُور اعْتمد عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْقيَاس. وَكَأَنَّهُ جنح إِلَى قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي «الْبُرْهَان» أَن الشَّافِعِي احْتج ابْتِدَاء عَلَى إِثْبَات الْقيَاس بِهِ، ثمَّ وهم الإِمَام فَقَالَ: والْحَدِيث مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق عَلَى صِحَّته لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل. هَذَا كَلَامه وَهُوَ من الْأَعَاجِيب.
فَائِدَة: مِمَّا يدل عَلَى إِبَاحَة المقايسات فِي الدَّين كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» الحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي مُوسَى ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مثل الجليس الصَّالح وَمثل جليس السوء كحامل الْمسك ونافخ الْكِير، فحامل الْمسك إِمَّا أَن تبْتَاع مِنْهُ، وَإِمَّا أَن تَجِد [مِنْهُ] ريحًا طيبَة، ونافخ الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك، وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا خبيثة» .
الحَدِيث السَّادِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِن الله لَا يقدس أمة لَيْسَ فيهم من يَأْخُذ للضعيف حَقه» .
стр. 5920
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق يحضرنا مِنْهَا عشرَة:
أَحدهَا:
عَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «كَيفَ تقدس أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم» .
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» هَكَذَا فِي رِوَايَته وَهُوَ [عِنْد] ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» فِي أثْنَاء الْفِتَن بِلَفْظ: «كَيفَ يقدس الله أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم» وَذكر فِيهِ قصَّة، وَجَمِيع رِجَاله احْتج بهم مُسلم فِي «صَحِيحه» وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «فَوَائده» الَّتِي خرجها لنَفسِهِ بِلَفْظ: «كَيفَ يقدس الله قوما لَا يُؤْخَذ من شديدهم لضعيفهم» .
الطَّرِيق الثَّانِي:
عَن عُثْمَان بن جبلة [أَخْبرنِي أبي، ثَنَا شُعْبَة] قَالَ: حَدثنَا سماك بن حَرْب قَالَ: كُنَّا مَعَ مدرك بن الْمُهلب بسجستان فِي سرادق فَسمِعت شَيخا يحدث، عَن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِن الله لَا يقدس أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف من الْقوي حَقه وَهُوَ غير متعتع» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي «الكنى» وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة أبي سُفْيَان قَالَ: وَالشَّيْخ الَّذِي لم يسمه عُثْمَان بن جبلة قد سَمَّاهُ غنْدر، غير أَنه لم يذكر أَبَا سُفْيَان فِي الْإِسْنَاد. أخبرنَا مُحَمَّد بن صَالح بن هَانِئ، ثَنَا إِبْرَاهِيم
стр. 5921
بن أبي طَالب، ثَنَا أَبُو مُوسَى وَبُنْدَار قَالَا: ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، ثَنَا شُعْبَة، عَن سماك بن حَرْب، عَن عبد الله بن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب قَالَ: «كَانَ لرجل عَلَى النَّبِي ﷺ تمر فَأَتَاهُ يتقاضاه، فَاسْتقْرض النَّبِي ﷺ من خَوْلَة بنت حَكِيم تَمرا وَأَعْطَاهُ إِيَّاه. وَقَالَ: أما إِنَّه قد كَانَ عِنْدِي تمر وَلكنه [قد] كَانَ عثريًّا. ثمَّ قَالَ: كَذَلِك يفعل عباد الله الْمُؤمنِينَ، إِن الله لَا يترحم عَلَى أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف فيهم حَقه غير متعتع» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مُرْسل وَهُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ الْحَاكِم: وَلم يسند أَبُو سُفْيَان عَن النَّبِي ﷺ غَيره.
الطَّرِيق الثَّالِث:
عَن محَارب بن دثار، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه: «لما قدم جَعْفَر من الْحَبَشَة قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : مَا أعجب شَيْء رَأَيْته؟ قَالَ: رَأَيْت امْرَأَة عَلَى رَأسهَا مكتل من طَعَام، فَمر فَارس يرْكض فأذراه، فَجعلت تجمع طعامها وَقَالَت: ويل لَك يَوْم يضع الْملك كرسيه ليَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم. فَقَالَ النَّبِي ﷺ تَصْدِيقًا لقولها: لَا قدست أمة - أَو كَيفَ قدست - لَا يُؤْخَذ لضعيفها من شديدها وَهُوَ غير مُنْقَطع» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ.
الطَّرِيق الرَّابِع:
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ يتقاضاه دينا كَانَ عَلَيْهِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ: أحرِّج عَلَيْك إِلَّا قضيتني. فانتهره
стр. 5922
أَصْحَابه وَقَالُوا لَهُ: وَيحك تَدْرِي من تكلم! فَقَالَ: إِنِّي أطلب حَقي. فَقَالَ النَّبِي: (هلاّ مَعَ صَاحب الْحق كُنْتُم. ثمَّ أرسل إِلَى خَوْلَة بنت قيس فَقَالَ لَهَا: إِن كَانَ عنْدك تمر فأقرضينا حَتَّى يأتينا تمر فنقضيك. فَقَالَت: نعم بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله. قَالَ: فأقرضته، فَقَضَى الْأَعرَابِي وأطعمه، فَقَالَ: أوفيت أَوْفَى الله لَك. فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَار النَّاس، إِنَّه لَا قدست أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف (مِنْهَا) حَقه غير متعتع» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن أبي عُبَيْدَة أَظُنهُ قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح بِهِ. وَابْن أبي عُبَيْدَة هَذَا هُوَ مُوسَى بن عُبَيْدَة بن نشيط أَبُو عبد الْعَزِيز الربذي الْمدنِي أَخُو مُحَمَّد وهاه أَحْمد حَتَّى إِنَّه قَالَ: لَا تحل عِنْدِي الرِّوَايَة عَنهُ. وَقَالَ مرّة: لَا يشْتَغل بِهِ. وَقَالَ ابْن معِين: لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ وَغَيره: ضَعِيف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: الضعْف عَلَى رِوَايَته بَين. وَوَقع لَهُ فَائِدَة حَدِيثِيَّةٌ مستطرفة عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ لَا بَأْس أَن نذكرها وَهِي أَن مُوسَى هَذَا رَوَى عَن أَخِيه مُحَمَّد وَهُوَ أكبر مِنْهُ بِثَمَانِينَ سنة، قَالَه الْحَازِمِي.
стр. 5923
الْخَامِس:
عَن قَابُوس بن الْمخَارِق، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا قدست أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها من قويها غير متعتع» . رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي «مُعْجم الصَّحَابَة» عَن مطين. وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الوادعي القَاضِي قَالَا: ثَنَا عَلّي بن حَكِيم، نَا شريك، عَن سماك، عَن قَابُوس بِهِ.
السَّادِس:
عَن يَحْيَى بن جعدة رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي إحْيَاء الْموَات.
السَّابِع:
عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «كَيفَ تقدس أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها من قويها» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، نَا عبد الرَّحْمَن بن [أبي بكر الْمليكِي عَن ابْن أبي مليكَة] عَنهُ بِهِ.
التَّاسِع:
عَن خَوْلَة - غير منسوبة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَا يقدس الله لأمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها [الْحق] من قويها غير
стр. 5924
متعتع. قَالَ: من انْصَرف عَن غَرِيمه وَهُوَ راضٍ عَنهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَاب الأَرْض وَنون [المَاء] وَمن انْصَرف عَنهُ غَرِيمه وَهُوَ ساخط كتب عَلَيْهِ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وجمعة وَشهر ظلم» . رَوَى الحافظان الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْكَبِير» وَأَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» فِي إِسْنَاده بَقِيَّة وعنعنه. هَذَا أحد طرقي الطَّبَرَانِيّ أخرجه من حَدِيث حبَان بن عَلّي، عَن سعد بن طريف، عَن مُوسَى بن طَلْحَة، عَن خَوْلَة وَقَالَ: إِنَّهَا امْرَأَة حَمْزَة بِقصَّة، وَلَفظه: «لَا قدس الله أمة لَا يَأْخُذ ضعيفها حَقه من قويها وَهُوَ غير مضطهد» وَذكر فِيهِ قصَّة. أخرجه أَيْضا من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم، عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز، عَن ربيعَة بن يزِيد، عَن سَلمَة بن خَالِد، عَنهُ بِهِ.
الحَدِيث السَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «من جعل قَاضِيا بَين النَّاس فقد ذبح بِغَيْر سكين» .
هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
стр. 5925
وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَمْرو بن أبي عَمْرو مولَى الْمطلب، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: «من ولي للْقَضَاء فقد ذبح بِغَيْر سكين» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد عَن المَقْبُري. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة دَاوُد بن خَالِد اللَّيْثِيّ، عَن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة بِاللَّفْظِ الأول، وَذَلِكَ ثَابت فِي رِوَايَة الأسيوطي للنسائي، وَلم يذكرهُ ابْن عَسَاكِر فِي «الْأَطْرَاف» واستدركه الْمزي عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي بعض طرقهما عَن الأخنسي [عَن الْأَعْرَج و] سعيد عَن أبي هُرَيْرَة.
стр. 5926
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» : عُثْمَان الأخنسي وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَمَشاهُ النَّسَائِيّ. وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ ذكره فِي «علله المتناهية» من طَرِيقين ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح؛ أما الأول فَفِي إِسْنَاده دَاوُد بن خَالِد اللَّيْثِيّ، قَالَ يَحْيَى بن معِين: لَا أعرفهُ.
قلت: فَفِي إِسْنَاده دَاوُد وَهَذِه الطَّرِيقَة قد تقدّمت عَن «سنَن النَّسَائِيّ» . وَذكره ابْن عدي وَقَالَ: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَأما الثَّانِي فَلَا يرويهِ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ غير بكر بن بكار، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء.
قلت: وَثَّقَهُ أَبُو عَاصِم النَّبِيل وَكَذَا ابْن حبَان وَقَالَ: رُبمَا يُخطئ. واقتصار ابْن الْجَوْزِيّ عَلَى هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ لَيْسَ بجيد، وَكَذَا قَوْله فِيهِ أَولا. وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي «علله» إِنَّه يرْوَى عَن أبي هُرَيْرَة عَلَى وُجُوه فَقيل: عَن (سعيد) المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة. وَقيل: سعيد عَن زيد بن أسلم، عَن أبي هُرَيْرَة. وَقيل: عَن سعيد أَو أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة. وَقيل: عَن أبي سعيد - بِغَيْر شكّ - عَن أبي هُرَيْرَة. وَقيل: عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة. وَهُوَ وهم، إِنَّمَا هُوَ سعيد المَقْبُري فَقيل: عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا. وهم فِي قَوْله:
стр. 5927
ابْن الْمسيب. وَقيل: عَن سعيد المَقْبُري، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: وَالْمَحْفُوظ: عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة.
فَائِدَة: قَالَ ابْن الصّلاح: مَعْنَى الحَدِيث - وَالله أعلم - فقد ذبح من حَيْثُ الْمَعْنى لَا من حَيْثُ الصُّورَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَين عَذَاب الدُّنْيَا إِن رشد وَعَذَاب الْآخِرَة إِن فسد. وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَالشَّيْخ زكي الدَّين وقبلهما الْخطابِيّ: قَوْله ﵊ «بِغَيْر سكين» يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الذّبْح فِي ظَاهر الْعرف وغالب الْعَادة إِنَّمَا هُوَ بالسكين، فَعدل (عَن ذَلِك ليعلم أَن المُرَاد مَا يخَاف عَلَيْهِ من هَلَاك دينه دون هَلَاك بدنه. وَالثَّانِي: الذّبْح الوجأ الَّذِي تقع بِهِ إراحة الذَّبِيحَة وخلاصها من الْأَلَم إِنَّمَا يكون بالسكين، وَإِذا ذبح بِغَيْر سكين كَانَ ذبحه خنقًا وتعذيبًا، فَضرب بِهِ الْمثل ليَكُون فِي الحذر أبلغ مِنْهُ. وَقَالَ الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي «الْكِفَايَة» : الذّبْح فِي الحَدِيث قيل: إِنَّه تعرض للذبح فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يحكم عَلَى الصّديق والعدو بِحكم وَاحِد فليحذر. وَقيل: صَار كمذبوح وَأَنه يحْتَاج إِلَى إماتة شَهْوَته وقهر نَفسه بِالْمَنْعِ من المخالطة. وَقَوله: «بِغَيْر سكين» كِنَايَة عَن شدَّة الْأَلَم؛ فَإِنَّهُ بالسكين موجئ مريح ويغيرها تَعْذِيب. وَقيل: إِنَّه عدل عَن السكين ليدل عَلَى أَنه مُفسد للدّين لَا للبدن؛ فَإِن الْمُفْسد للبدن الذّبْح بالسكين، وَهَذَا ذبح بغَيْرهَا. انْتَهَى مَا أوردهُ. وَقَالَ ابْن البياضي من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه «أدب الْقَضَاء» : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ عِنْدِي فِي كَرَاهِيَة الْقَضَاء وذمه؛ إِذْ الذّبْح
стр. 5928
بِغَيْر سكين مجاهدة النَّفس بِتَرْكِهِ وَالله - تَعَالَى - يَقُول: (وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا) وَثمّ أيد ذَلِك بِحَدِيث أوردهُ.
الحَدِيث الثَّامِن
أنَّه ﷺ قَالَ: «ليجاء بِالْقَاضِي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة، فَيلْقَى من شدَّة الْحساب مَا يتَمَنَّى أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي تَمْرَة قطّ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي «الْمسند» والعقيلي فِي «تَارِيخه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة عَائِشَة ﵂. وَلما رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» بِإِسْنَادِهِ قَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح. ثمَّ أتبعه بقول الْعقيلِيّ: عمرَان بن حطَّان لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه.
قلت: وَعمْرَان هَذَا من رجال البُخَارِيّ وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَيْسَ أهل الْأَهْوَاء أصح حَدِيثا من الْخَوَارِج. فَذكر عمرَان بن حطَّان وَغَيره. وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ لَا يتهم فِي الحَدِيث. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من طَرِيقه بِلَفْظ: «يُدعَى بِالْقَاضِي الْعَادِل يَوْم الْقِيَامَة فَيلْقَى من شدَّة الْحساب مَا يتَمَنَّى أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي عمره» وَأعله الْعقيلِيّ بِوَجْه آخر فَقَالَ: لَا يتَبَيَّن لي سَمَاعه من عَائِشَة.
قلت: فِي رِوَايَة الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: دخلت عَلَى عَائِشَة فذاكرتها حَتَّى ذكرنَا القَاضِي فَقَالَت عَائِشَة: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «ليَأْتِيَن
стр. 5929
عَلَى القَاضِي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة سَاعَة يتَمَنَّى أَنه لم يقْض ... » الحَدِيث، رَوَاهُ الخلعي.
الحَدِيث التَّاسِع
أنَّه ﷺ قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة: «لَا تسْأَل الْإِمَارَة فأنك إِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا، وَإِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» [من] طَرِيق الْحسن بن أبي الْحسن عَن عبد الرَّحْمَن.
الحَدِيث الْعَاشِر
رُوِيَ أنَّه ﷺ [قَالَ] : «إِنَّا لَا نكره أحدا عَلَى الْقَضَاء» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ، وَأورد ابْن الرّفْعَة أَيْضا بِلَفْظ: «إِنَّا لَا نلزم» وَلم يعزه لأحد.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «لن يفلح قوم وليتهم امْرَأَة» .
стр. 5930
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي بكرَة - بهاء التَّأْنِيث فِي آخِره ﵁ قَالَ: «بلغ النَّبِي ﷺ أَن أهل فَارس ملكوا عَلَيْهِم بنت كسْرَى قَالَ: لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة» .
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْقُضَاة ثَلَاثَة: وَاحِد فِي الْجنَّة، وَاثْنَانِ فِي النَّار، فَأَما الَّذِي فِي الْجنَّة فَرجل عرف الْحق ففى بِهِ، والَّلذان فِي النَّار رجل عرف الْحق فجار فِي الحكم، وَرجل قَضَى فِي النَّاس عَلَى جهل» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من خلال سعد بن عُبَيْدَة السّلمِيّ، عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه بُرَيْدَة مَرْفُوعا. وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هَاشم الرماني الْكَبِير - واسْمه يَحْيَى. وَقيل: نَافِع - عَن عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه بُرَيْدَة مَرْفُوعا. وَفِي إِسْنَاد أبي دَاوُد رجل فِيهِ لين. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن بكير، عَن حَكِيم بن جُبَير، عَن عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. قَالَ: وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ... فَذكره بطرِيق التِّرْمِذِيّ الَّتِي قدمناها.
стр. 5931
وَقَالَ الْحَاكِم فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث» : هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ الخراسانيون فَإِن رُوَاته عَن [آخِرهم] مراوزة، وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة ابْن عمر فِي أول الْآثَار من هَذَا الْبَاب من صَحِيح ابْن حبَان.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من سُئِلَ فَأفْتَى بِغَيْر علم فقد ضل وأضل» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعًا ينتزعه من النَّاس - وَفِي رِوَايَة: من الْعباد - وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم [يبْق] عَالما اتخذ النَّاس رُءُوسًا جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «إِن الله لَا ينْزع الْعلم بعد (إِعْطَائِهِ) وَلَكِن يَنْزعهُ مِنْهُم مَعَ قبض الْعلمَاء بعلمهم فَيَأْتِي نَاس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون» .
وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه و «الْمُسْتَدْرك» للْحَاكِم
стр. 5932
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أُفْتِي فتيا غير ثَبت فَإِنَّمَا إثمه عَلَى [من] أفتاه» لفظ ابْن مَاجَه، وَلَفظ أبي دَاوُد: من أُفْتِي فتيا بِغَيْر علم كَانَ إِثْم ذَلِك عَلَى الَّذِي أفتَى» .
رَوَاهُ الْحَاكِم باللفظين فِي كتاب الْعلم من «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: حَدِيث قد احْتج الشَّيْخَانِ بِجَمِيعِ رُوَاته عَن عَمْرو بن أبي نعيمة، وَقد وَثَّقَهُ بكر بن عَمْرو الْمعَافِرِي - وَهُوَ أحد أَئِمَّة أهل مصر - وَالْحَاجة بِنَا عَلَى لفظ التثبت فِي الْفتيا شَدِيدَة. هَذَا لفظ الْحَاكِم هُنَا [و] ذكره فِي آخر كتاب الْعلم بِنَحْوِ ورقة مِنْهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَلَا أعرف لَهُ عِلّة.
وَقَالَ ابْن الْقطَّان: عَمْرو مَجْهُول الْحَال، وَبُكَيْر لَا تعلم عَدَالَته، وَوَصفه أَحْمد بِأَنَّهُ يرْوَى عَنهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: شيخ.
وَفِيه يَحْيَى بن أَيُّوب الغافقي، قَالَ الْحَاكِم فِي «الْمدْخل» : أخرج حَدِيثه جَمِيعًا عَنهُ. وَقَالَ النَّسَائِيّ فِيهِ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. ذكره فِيمَن عيب عَلَى مُسلم إِخْرَاج حَدِيثه وَضَعفه أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: لسوء حفظه.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «من حكم بَين اثْنَيْنِ تَرَاضيا بِهِ فَلم يعدل فَعَلَيهِ لعنة الله» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرَّجه من أَصْحَاب الْكتب
стр. 5933
الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» عَن بعض أَصْحَابهم فَقَالَ: مَسْأَلَة يَصح التَّحْكِيم خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي، ثمَّ لنا مَا رَوَى أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز من أَصْحَابنَا من حَدِيث عبد الله بن جَراد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من حكم بَين اثْنَيْنِ تحاكما إِلَيْهِ وارتضيا بِهِ فَلم يقل بَينهمَا بِالْحَقِّ فَعَلَيهِ لعنة الله» .
قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يَصح للاحتجاج بِهِ؛ لِأَنَّهُ من نُسْخَة ابْن جَراد وَهِي نُسْخَة بَاطِلَة - وَقد ذكر ابْن الْجَوْزِيّ مرّة أَنَّهَا نُسْخَة مَوْضُوعَة، وَبَالغ فِي الْحَط عَلَى الْخَطِيب الْحَافِظ لما احْتج بِحَدِيث مِنْهَا. وَلما ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» مَا جَاءَ فِي التَّحْكِيم لم يذكر فِيهِ هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ حَدِيث أبي دَاوُد، عَن الرّبيع بن نَافِع، عَن يزِيد بن الْمِقْدَام بن شُرَيْح، عَن أَبِيه، عَن جده (شُرَيْح) عَن أَبِيه هَانِئ «أَنه لما وَفد إِلَى رَسُول الله ﷺ أَتَى الْمَدِينَة فسمعهم يكنونه بِأبي الحكم، فَدَعَاهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن الله هُوَ الحكم وَإِلَيْهِ يرجع الحكم فَلم تكنى أَبَا الحكم؟ قَالَ: إِن قومِي إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء أَتَوْنِي فحكمت بَينهم فَرضِي كلا الْفَرِيقَيْنِ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فَمَا أحسن هَذَا! فَمَا لَك من الْوَلَد؟ قَالَ: لي شُرَيْح وَمُسلم وَعبد الله. قَالَ: فَمن أكبرهم؟ قَالَ: قلت: شُرَيْح. قَالَ: فَأَنت أَبُو شُرَيْح» .
стр. 5934
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أَن عمر وَأبي بن كَعْب تحاكما إِلَى زيد بن ثَابت ﵃.
وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل عَن عَامر قَالَ: «كَانَ بَين عمر وَأبي خُصُومَة فِي حَائِط فَقَالَ عمر بيني وَبَيْنك زيد بن ثَابت. فَانْطَلقَا فطرق عمر الْبَاب، فَعرف زيد صَوته [فَفتح الْبَاب] فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَولا بعثت إِلَيّ حَتَّى آتِيك. قَالَ فِي بَيته يُؤْتَى الحكم ... » .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى أَن عُثْمَان وَطَلْحَة تحاكما إِلَى جُبَير بن مطعم ﵃.
وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا فِي الْبيُوع فِي بَاب: من قَالَ يجوز بيع الْغَائِب. من حَدِيث عبيد الله بن عبد الْمجِيد، نَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف، عَن ابْن أبي مليكَة «أَن عُثْمَان ابْتَاعَ من طَلْحَة بن عبيد الله أَرضًا بِالْمَدِينَةِ ناقله بِأَرْض لَهُ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا تباينا نَدم عُثْمَان ثمَّ قَالَ: بِعْتُك مَا لم أره. فَقَالَ طَلْحَة: إِنَّمَا النّظر لي، إِنَّمَا ابتعت مغيبًا، وَأما أَنْت فقد رَأَيْت مَا ابتعت. فَجعلَا بَينهمَا حكما جُبَير [بن] مطعم فَقَضَى عَلَى عُثْمَان أَن البيع جَائِز، وَأَن النّظر لطلْحَة أَن ابْتَاعَ مغيبًا» . وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» حَدِيث: «من اشْتَرَى مَا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ» . وَضَعفه قَالَ: لَا أصل فِي هَذَا. ثمَّ سَاق الْأَثر الْمَذْكُور.
فَائِدَة: مَعْنَى ناقله: بادله. ومُغَيبًا: بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن
стр. 5935
الْمُعْجَمَة، وَفتح الْمُثَنَّاة تَحت المتعددة. وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب حَدِيث معَاذ السالف حَيْثُ قَالَ فِي إثْبَاته: إِنَّه ﵇ اختبر معَاذًا ﵁. وَقد سلف بَيَانه وَاضحا، هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فثمانية:
أَحدهَا: «أَن عبد الله بن عمر امْتنع من الْقَضَاء لما استقضاه عُثْمَان ﵁» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من حَدِيث عبد الْملك - وَهُوَ ابْن جميلَة - عَن عبد الله بن موهب القَاضِي «أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: اذْهَبْ فَاقْض [بَين النَّاس. قَالَ: أَو تعافيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: فَمَا تكره من ذَلِك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى] بِالْعَدْلِ فبالحري أَن يَنْقَلِب مِنْهُ كفافًا. فَمَا أَرْجُو بعد ذَلِك؟ !» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: عبد الْملك بن أبي جميلَة و [عبد الله] بن موهب عَن عُثْمَان مُرْسل.
قلت: أما جَهَالَة عبد الْملك فَهِيَ كَمَا قَالَ، لَكِن ابْن حبَان ذكره فِي (ثقاته) . وَرَوَى عَن عبد الله بن موهب وَغَيره، وَعنهُ مُعْتَمر بن أبي سُلَيْمَان. وَأما الْإِرْسَال بَين عبد الله بن موهب فَلَا شكّ فِيهِ، وَقد قَالَ
стр. 5936
البُخَارِيّ أَيْضا: إِنَّه مُرْسل. وَأما ابْن حبَان فَخَالف وَأخرج الحَدِيث فِي «صَحِيحه» فَقَالَ: أَنا الْحسن بن سُفْيَان، نَا أُميَّة بن بسطَام، ثَنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان، سَمِعت عبد الْملك بن أبي جميلَة يحدث، عَن عبد الله بن وهب «أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: اذْهَبْ وَكن قَاضِيا. قَالَ: أَو تعفيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: عزمت عَلَيْك إِلَّا ذهبت فَقضيت. قَالَ: لَا تعجل، سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن أكون قَاضِيا. قَالَ: وَمَا يمنعك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول [من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بِالْجَهْلِ كَانَ من أهل النَّار] وَمن كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بالجور كَانَ من أهل النَّار، وَمن كَانَ قَاضِيا عَالما يقْضِي بِحَق أَو بِعدْل سَأَلَ التفلت كفافا. فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بعد ذَا؟ !» ثمَّ قَالَ ابْن حبَان: ابْن وهب هَذَا هُوَ عبد الله بن وهب بن ربيعَة ابْن الْأسود الْقرشِي من أهل [الْمَدِينَة] رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ. هَذَا كَلَامه وَعَلِيهِ بعد تَسْلِيم ثِقَة عبد الْملك اعتراضان: أَحدهمَا: إرْسَاله، كَمَا شهد بذلك التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم. ثَانِيهمَا: يُخَالف التِّرْمِذِيّ فِي إِبْدَال عبد الله بن موهب بِعَبْد الله بن وهب، وَيُمكن أَن يكون رَوَاهُ أَيْضا؛ فَإِنَّهُ رَوَى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر قَالَ أَحْمد فِي «مُسْنده» : نَا [عَفَّان] نَا حَمَّاد بن سَلمَة، أَنا أَبُو سِنَان، عَن يزِيد بن موهب أَن
стр. 5937
عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر: «اقْضِ بَين النَّاس. فَقَالَ: لَا أَقْْضِي بَين اثْنَيْنِ وَلَا [أؤم] رجلَيْنِ، أما سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ؟ قَالَ عُثْمَان: بلَى. قَالَ: فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن تَسْتَعْمِلنِي. فأعفاه، وَقَالَ: لَا تخبر بِهَذَا أحدا» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وهرب أَبُو قلَابَة من الْقَضَاء.
هُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة: نَا مُسَدّد نَا ابْن علية، عَن أَيُّوب: «لما توفّي عبد الرَّحْمَن بن أذينة ذكر أَبُو قلَابَة للْقَضَاء، فهرب حَتَّى أَتَى الشَّام فَوَافَقَ ذَلِك عزل قاضيها، فَذكر هُنَاكَ للْقَضَاء، فهرب فَلَقِيَهُ بعد ذَلِك فَقَالَ: مَا وجدت القَاضِي الْعَالم إِلَّا مثل سابح وَقع فِي الْبَحْر كم عَسى أَن يسبح حَتَّى يغرق» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وهرب الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة مِنْهُ، وَرُوِيَ أَن الشَّافِعِي أَوْصَى الْمُزنِيّ فِي مرض مَوته بِأَن لَا يتَوَلَّى الْقَضَاء، وَفرض عَلَيْهِ كتاب الرشيد بِالْقضَاءِ، فَلم يجبهُ الْبَتَّةَ، وَانْتَهَى امْتنَاع أبي عَلّي بن خيران - من أَصْحَابنَا - لما استقضاه الْوَزير ابْن الْفُرَات حَتَّى ختمت دوره بالطين أَيَّامًا. وَهُوَ كَمَا ذكر فَلَا نطول بِهِ.
الْأَثر الثَّانِي
قَالَ الرَّافِعِيّ: ذكر أَن القَاضِي الْعَادِل إِذا استقضاه أَمِير بَاغ أَجَابَهُ إِلَيْهِ، فقد سُئِلت عَائِشَة ﵂ عَن ذَلِك لمن استقضاه زِيَاد فَقَالَت: «إِن لم يقْض لكم خياركم قَضَى لكم شِرَاركُمْ» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ.
стр. 5938
الْأَثر الثَّالِث
أَن الصَّحَابَة ﵃ أحالوا فِي الْفَتَاوَى بَعضهم عَلَى بعض مَعَ مشاهدتهم التَّنْزِيل.
وَهَذَا مَشْهُور عَنْهُم فِي عدَّة وقائع قد يطول بهَا.
الْأَثر الرَّابِع
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَنه سُئِلَ عَمَّن [قتل أَله] تَوْبَة؟ [فَقَالَ مرّة: لَا. وَقَالَ مرّة: نعم.] فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: رَأَيْت فِي عَيْني الأول أَنه يقْصد الْقَتْل فقمعته، وَكَانَ الثَّانِي صَاحب وَاقعَة يطْلب الْمخْرج» .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ وتكرر ذكره فِي تصانيف آدَاب الْمُفْتِي والمستفتي.
الْأَثر الْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن فِي التَّحْكِيم وَقد أسلفناه قَرِيبا فَرَاجعهَا مِنْهُ.
стр. 5939
بَاب أدب الْقَضَاء
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فستة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا
أَحدهَا «أَنه ﵇ [كتب] كتابا لعَمْرو بن حزم ﵁ لما وَجهه إِلَى الْيمن» .
هَذَا صَحِيح وَقد أسلفناه بِطُولِهِ فِي الدِّيات.
الحَدِيث الثَّانِي
[كتب أَبُو بكر لأنس كتابا] .
هَذَا صَحِيح وَقد أسلفته بِطُولِهِ فِي كتاب الزَّكَاة.
الحَدِيث الثَّالِث
«أنَّه ﷺ دخل دَار الْهِجْرَة يَوْم الِاثْنَيْنِ» .
هَذَا صَحِيح مَشْهُور عَنهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام من ذَلِك حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت «لم أَعقل أَبَوي قطّ إِلَّا وهما يدينان الدَّين ... » الحَدِيث بِطُولِهِ ذكره البُخَارِيّ فِي الْهِجْرَة من «صَحِيحه» فِي أوراق وَفِيه «أَنه ﵇ نزل فِي بني عَمْرو بن عَوْف فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ من شهر ربيع الأول ... » .
стр. 5940
فَائِدَة غَرِيبَة: أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة الدِّمَشْقِي، نَا [يَحْيَى] بن صَالح الوحاظي، ثَنَا جَمِيع بن ثوب، نَا [أَبُو] سُفْيَان الرعيني، عَن أبي أُمَامَة قَالَ: « [كَانَ] رَسُول الله ﷺ : لَا يولي واليًا حَتَّى يعممه ويرخي لَهُ [عذبة] من جَانب الْأَيْمن نَحْو الْأذن» .
الحَدِيث الرَّابِع
«أَن النَّبِي ﷺ دخل يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة جَابر ﵁ وَهُوَ من رِوَايَة مُعَاوِيَة بن عمار الدهني عَن أبي الزبير عَن جَابر.
قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِمُعَاوِيَة بَأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يحْتَج بِهِ. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان: وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده وَإِن أخرجه مُسلم. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي التَّذْكِرَة هُوَ من حَدِيث شُعْبَة [بَاطِل،
стр. 5941
وَأحمد بن طَاهِر كَذَّاب، وَشعْبَة لم يحدث] عَن أبي الزبير إِلَّا بِحَدِيث وَاحِد وَهُوَ أَنه ﵇ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن عَفَّان، نَا حَمَّاد، نَا أَبُو الزبير، عَن جَابر «أَن رَسُول الله ﷺ دخل يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء» .
فَائِدَة: قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» فِي حَدِيث أنس «أَنه ﵇ دخل مَكَّة وَعَلَى رَأسه المغفر» قَالَ: وَفِي خبر جَابر هَذَا «أَنه ﵇ دَخلهَا وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء» قَالَ: وَلم يدْخل ﵇ مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَهُوَ يَوْم الْفَتْح. قَالَ: وَيُشبه أَن يكون الْمُصْطَفَى [ (] فِي ذَلِك الْيَوْم كَانَ عَلَى رَأسه المغفر وَقد تعمم بعمامة سَوْدَاء فَوْقه، فَإِذا جَابر ذكر الْعِمَامَة الَّتِي عاينها وَإِذا أنس ذكر المغفر الَّذِي (رَوَاهُ) من غير أَن يكون بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد.
الحَدِيث الْخَامِس
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمن الْمَشْهُور «أَنه كَانَ لرَسُول الله ﷺ كُتَّاب مِنْهُم: زيد بن ثَابت ﵁» .
هُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ صَحِيح مَشْهُور، وَقد عَددهمْ ابْن عَسْكَر فِي «تَارِيخ دمشق» بأسانيد فَذكر مِنْهُم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، وَالزبير، وَأبي بن كَعْب، وَزيد بن ثَابت، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَمُحَمّد بن مسلمة،
стр. 5942
[وأرقم] ابْن أبي الأرقم، وَأَبَان بن سعيد بن أبي العَاصِي، وَأَخُوهُ خَالِد بن سعيد وثابت بن قيس، وحَنْظَلَة بن الرّبيع، وخَالِد بن الْوَلِيد، وَعبد الله بن الأرقم، وَعبد الله بن زيد بن عبد ربه، والْعَلَاء بن عقبَة، والمغيرة بن شُعْبَة، والسّجل، وَزَاد غَيره: شُرَحْبِيل بن حَسَنَة قَالُوا: وَكَانَ أَكْثَرهم كِتَابَة زيد بن ثَابت وَمُعَاوِيَة. وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي «تنويره» : كِتَابه سِتَّة وَعِشْرُونَ فَزَاد: يزِيد بن أبي سُفْيَان أَخا مُعَاوِيَة، ومعيقيب بن أبي فَاطِمَة، وَعَمْرو بن العَاصِي، وجهم بن الصَّلْت، وَعبد الله بن رَوَاحَة، وَعبد الله بن أبي السَّرْح، وَعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، قَالَ ابْن دحْيَة: وَكتب لَهُ رجل من بني النجار فَتَنَصَّرَ فأظهر الله لنَبيه فِيهِ معْجزَة عَظِيمَة وَدفن وَلم تقبله الأَرْض. قلت: أخرج حَدِيثه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أنس.
الحَدِيث السَّادِس
أَن النَّبِي ﷺ [قَالَ:] «أَيّمَا عَامل استعملناه وفرضنا لَهُ رزقا فَمَا أصَاب بعد رزقه فَهُوَ غلُول» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث بُرَيْدَة ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ
стр. 5943
وَهُوَ كَمَا قَالَ لَا جرم ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد فِي آخر كتاب «الاقتراح» فِي الْقسم الرَّابِع فِي أَحَادِيث أخرج لروايتهما الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَلم يخرجَا تِلْكَ الْأَحَادِيث، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ « [و] الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي أَحدهمَا مِنْهَا بِشَيْء إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رقبته» . وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ مَرْفُوعا: «هَدَايَا الْأُمَرَاء غلُول» . وستعرف الْكَلَام عَلَى هَذَا قَرِيبا - إِن شَاءَ الله - حَيْثُ ذكره المُصَنّف.
الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ، وسل سُيُوفكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ، وَرفع أَصْوَاتكُم» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراركم وَبَيْعكُمْ، وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم، وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ، وَاتَّخذُوا عَلَى أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع» .
وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف فِي إِسْنَاده الْحَارِث بن نَبهَان الْبَصْرِيّ الْجرْمِي
стр. 5944
وَقد ضَعَّفُوهُ قَالَ يَحْيَى لَا يكْتب حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: خرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ وَفِي إِسْنَاده أَيْضا عَنهُ ابْن يقظان وَقد وَثَّقَهُ بَعضهم. وَقَالَ النَّسَائِيّ: غير ثِقَة. وَقَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد: لَا يُسَاوِي شَيْئا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي أُمَامَة وواثلة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم، وَذكره عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» كَذَلِك بِزِيَادَة [أبي] الدَّرْدَاء أَيْضا تبعا لِابْنِ عدي وَأَعلاهُ بِالْعَلَاءِ بن كثير الدِّمَشْقِي.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ شَامي مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ عبد الْحق: هُوَ ضَعِيف عِنْدهم. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَا يرويهِ عَن الْعَلَاء إِلَّا [أَبُو] نعيم النَّخعِيّ كُوفِي، وَقد قَالَ فِيهِ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ يَحْيَى: بِالْكُوفَةِ كذابان أَحدهمَا هُوَ وَالْآخر أَبُو نعيم ضرار بن صرد. قَالَ أَبُو أَحْمد: لَهُ أَحَادِيث أنْكرت عَلَيْهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: الْحمل فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى الْعَلَاء وَهُوَ لَا يرويهِ عَنهُ إِلَّا هَذَا الْكذَّاب؛ ظلم لَهُ. الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح. قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن
стр. 5945
يَحْيَى بن الْعَلَاء، عَن معَاذ مَرْفُوعا وَلَيْسَ بِصَحِيح.
وَذكره عبد الْحق من طَرِيق الْبَزَّار من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا «جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ» ثمَّ قَالَ: يرويهِ مُوسَى بن عُمَيْر، قَالَ الْبَزَّار: لَيْسَ لَهُ أصل من حَدِيث عبد الله. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا الحَدِيث وَالْكَلَام بعده لَيْسَ فِي سَنَد حَدِيث ابْن مَسْعُود من كتاب الْبَزَّار وَلَعَلَّه نَقله من بعض أَمَالِيهِ الَّتِي تقع لَهُ.
قلت: وَأخرجه أَيْضا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الله بن مُحَرر، عَن يزِيد [بن] الْأَصَم، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ» .
وَعبد الله هَالك ترك النَّاس حَدِيثه.
الحَدِيث الثَّامِن
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من ولي من أُمُور النَّاس شَيْئا فاحتجب حجبه، الله يَوْم الْقِيَامَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَن يزِيد بن أبي مَرْيَم، أَن الْقَاسِم بن مخيمرة أخبرهُ أَن أَبَا مَرْيَم الْأَزْدِيّ أخبرهُ قَالَ: «دخلت عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ: مَا أنعمنا بك يَا فلَان؟ - وَهِي كلمة تَقُولهَا الْعَرَب - فَقلت: حَدِيثا سمعته أخْبرك بِهِ، سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من ولاه الله شَيْئا
стр. 5946
من أَمر الْمُسلمين واحتجب دون حَاجتهم وخلتهم [وفقرهم] احتجب الله تَعَالَى [عَنهُ] دون حَاجته وَخلته وَفَقره. قَالَ: فَجعل رجلا عَلَى حوائج الْمُسلمين» . ذكره أَبُو دَاوُد فِي أَوَائِل كتاب الْفِتَن والامارة وَالْخَرَاج، وَرِجَال إِسْنَاده كلهم ثِقَات، وَأخرجه أَحْمد بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن أبي مَرْيَم أَيْضا قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «من ولي من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم [وفاقتهم] ، احتجب الله يَوْم الْقِيَامَة دون خلته وَحَاجته وفاقته وَفَقره» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَإسْنَاد شَامي صَحِيح قَالَ: وَله شَاهد بِإِسْنَاد الْبَصرِيين عَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ قَالَ: قلت لمعاوية بن أبي سُفْيَان: إِنِّي سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: «من أغلق بَابه دون [ذَوي] الْحَاجة والخلة والمسكنة أغلق الله بَاب السَّمَاء دون خلته وَفَقره ومسكنته» وَهَذَا الشَّاهِد الَّذِي ذكره الْحَاكِم أخرجه أَحْمد بِنَحْوِهِ وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِلَفْظِهِ، وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث غَرِيب. قَالَ: وَقد رُوِيَ من غير هَذَا الْوَجْه، قَالَ: وَرُوِيَ عَن أبي مَرْيَم صَاحب رَسُول الله ﷺ ، عَن رَسُول الله ﷺ نَحوه بِمَعْنَاهُ. يَعْنِي حَدِيث أبي دَاوُد الْمُتَقَدّم، وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَرْفُوع «أَيّمَا أَمِير
стр. 5947
احتجب عَن النَّاس بفاقتهم، احتجب الله عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة» . قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَهَذَا فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير وَخَالف الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» رَوَاهُ شريك، وَاخْتلف عَنهُ فِي رَفعه وَوَقفه، وَرَوَاهُ حَفْص بن عَلّي الْمَدَائِنِي عَن شريك. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي «الْمعرفَة» من حَدِيث أبي الشماخ [عَن ابْن عَم لَهُ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ] . مَرْفُوعا بِنَحْوِ مَا تقدم.
стр. 5948
الحَدِيث التَّاسِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يقْضِي القَاضِي إِلَّا وَهُوَ شبعان رَيَّان» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْقَاسِم بن عَاصِم، ثَنَا مُوسَى بن دَاوُد، ثَنَا الْقَاسِم بن عبد الله الْعمريّ، ثَنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي طوالة، عَن أَبِيه، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة. قَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : الْحق أَن عبد الله وأباه مَجْهُولَانِ، وَالقَاسِم بن عَاصِم مثلهمَا. وَأعله عبد الْحق بالقاسم الْعمريّ وَحده وَقَالَ: إِنَّه مَتْرُوك. وَأَخْطَأ فِي اسْم أَبِيه فَقَالَ: الْقَاسِم بن مُحَمَّد. وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عمر الْمُتَّهم، وَقد نبه عَلَى ذَلِك ابْن الْقطَّان أَيْضا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ الْقَاسِم الْعمريّ وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ: والْحَدِيث الصَّحِيح - يَعْنِي حَدِيث أبي بكرَة [الَّذِي] قبله - يُؤَدِّي مَعْنَاهُ.
الحَدِيث الْعَاشِر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يقْضِي القَاضِي بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» .
стр. 5949
هَذَا الحَدِيث صَحِيح من حَدِيث أبي بكرَة ﵁ أخرجه ابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ وَأخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة قَالَ: «كتب أبي وكتبت لَهُ بيَدي إِلَى ابْنه عبيد الله بن أبي بكرَة وَهُوَ وقاضٍ بسجستان: أَن [لَا تحكم بَين اثْنَيْنِ وَأَنت غَضْبَان فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول] : لَا يحكم أحد بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» . وَفِي رِوَايَة لَهما «لَا يقضين حكم بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» . وَفِي رِوَايَة للنسائي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة قَالَ: كتب إليَّ أَبُو بكرَة: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «لَا يقضين [أحد] فِي قَضَاء بقضاءين وَلَا يقضين أحد بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» .
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أنَّه ﷺ وَمن بعده من الْأَئِمَّة كَانُوا يحكمون وَلَا يَكْتُبُونَ المحاضر والسجلات» .
هُوَ كَمَا قَالَ نعم فِي الْبَيْهَقِيّ بَاب [القَاضِي] يحكم بشي فَيكْتب للمحكوم لَهُ بمسألته كتابا. ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ حَدِيث أنس «أَنه دَعَا
стр. 5950
رَسُول الله ﷺ الْأَنْصَار ليكتب لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا وَالله حَتَّى تكْتب لإِخْوَانِنَا [من قُرَيْش] بِمِثْلِهَا. فَقَالَ: ذَلِك لَهُم مَا شَاءَ الله كل ذَلِك يَقُول لَهُ، فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَرَوْنَ بعدِي أَثَرَة [فَاصْبِرُوا] حَتَّى (تروني) » . ثمَّ عزاهُ إِلَى رِوَايَة البُخَارِيّ ثمَّ رَوَاهُ حَدِيث أنس أَيْضا «أَنه ﵇ أقطع الْأَنْصَار الْبَحْرين وَأَرَادَ أَن يكْتب لَهُم كتابا فَقَالُوا: لَا. .» بِمثل مَا تقدم.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
حَدِيث «الزبير والأنصاري اللَّذين اخْتَصمَا فِي شراج الْحرَّة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف وَاضحا فِي إحْيَاء الْموَات، وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ قَالَ: ذكر عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة مِنْهُم «الإِمَام» وَصَاحب «التَّهْذِيب» [أَن الْمَنْع] من الْقَضَاء فِي حَالَة الْغَضَب مَخْصُوص بِمَا إِذا لم يكن الْغَضَب لله تَعَالَى، فَأَما إِذا غضب لله فِي حُكُومَة وَهُوَ مِمَّن يملك نَفسه فِيمَا يتَعَلَّق بِحقِّهِ فَلَا بَأْس بِهِ؛ لحَدِيث الزبير والأنصاري حِين تخاصما فِي شراج الْحرَّة، وَقد أوردناه فِي إحْيَاء الْموَات. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلَكِن احْتج آخَرُونَ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه لَو قَضَى فِي حَال من الْغَضَب نفذ، وَإِن كَانَ مَكْرُوها. وَاعْترض ابْن الرّفْعَة فَقَالَ فِي «كِفَايَته» : «أَنه ﵇ حكم فِي حَال غَضَبه» وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَا نَقله عَن الإِمَام وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا: أَن هَذِه الْكَرَاهَة فِيمَا إِذا لم يكن الْغَضَب لله - تَعَالَى - أما إِذا كَانَ لله - تَعَالَى - فِي الحكم، فَلَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ، وغضبه عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 5951
هَذَا لله - تَعَالَى - فَلَا يسْتَدلّ بِحكمِهِ فِيهِ عَلَى نُفُوذه فِي غَيره، نعم. قَالَ الرَّوْيَانِيّ: لَا فرق، لِأَن الْمَحْدُود وَهُوَ عدم توفره عَلَى الْجِهَاد لَا يخْتَلف فِي القضيتين. ثَانِيهمَا: أما إِذا قُلْنَا أَنه ﵇ لَا يحكم إِلَّا عَن وَحي فَلَيْسَ غَيره مثله، وَكَذَا إِن قُلْنَا بِمذهب الْجُمْهُور أَن لَهُ أَن يجْتَهد، وَأَنه مَعْصُوم وقيه من الْخَطَأ أما إِذا جَوَّزنَا مِنْهُ لَكِن لَا يقر عَلَيْهِ فقد يحْتَج بِهِ.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لعن الله الراشي والمرتشي» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا حَدِيث حسن. وَعَزاهُ صَاحب «التنقيب عَلَى الْمُهَذّب» إِلَى أبي دَاوُد، وَهُوَ غلط، وَتَبعهُ بعض العصريين الشاميين عَلَى ذَلِك فاجتنبه. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو وَعَائِشَة وَأم سَلمَة. قَالَ ابْن مَنْدَه: وَابْن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَيْضا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن عبد الله بن عَمْرو مَرْفُوعا، وَرُوِيَ عَن أبي سَلمَة عَن أَبِيه مَرْفُوعا وَلَا يَصح. قَالَ: وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن [يَقُول] : حَدِيث أبي سَلمَة عَن عبد
стр. 5952
الله مَرْفُوعا أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأَصَح ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ [فِي] «علله» أَنه أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه. وَقَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. رَوَاهُ أَيْضا - أَعنِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو - أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» . وَقَالَ ابْن الْقطَّان أَيْضا [أثْنَاء] كَلَامه عَلَى أَحْكَام عبد الْحق: إِسْنَاده صَحِيح. وَأما ابْن حزم فوهاه فَقَالَ: خبر «لعن الله الراشي والمرتشي» إِنَّمَا رَوَاهُ الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ.
قلت: هَذَا فِي طَرِيق حَدِيث عبد الله بن عَمْرو. وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي حق الْحَارِث: هَذَا لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَقد عرفت طَرِيق أبي هُرَيْرَة السالف وَقَول التِّرْمِذِيّ: إِن فِي الْبَاب عَن جمَاعَة. وَعَن ابْن مَنْدَه أَيْضا كَمَا سلف سردهم، فَهَذِهِ سقطة من ابْن حزم، وَفِي «مُسْند أَحْمد» «وصحيح الْحَاكِم» من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ: «لعن
стр. 5953
رَسُول الله ﷺ الراشي والمرتشي [والرائش] ) . يَعْنِي الَّذِي يمشي» بَينهمَا وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم. قَالَ: إِنَّمَا ذكرته فِي الشواهد لَا فِي الْأُصُول وَقَالَ الْبَزَّار: [قَوْله الرائش] إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «هَدَايَا الْعمَّال غلُول» .
هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن عُرْوَة بن الزبير، عَن أبي حميد رَفعه بِهِ سَوَاء، وَإِسْمَاعِيل ضَعِيف فِي رِوَايَته عَن الْحِجَازِيِّينَ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا إِلَّا أَنه قَالَ: «الْأُمَرَاء» بدل «الْعمَّال» وَلابْن شاهين مثل لفظ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِي إِسْنَاده يَحْيَى بن نعيم وَلَا أعرفهُ، وَمُحَمّد بن الْحسن بن بكير وَهُوَ كَذَّاب كَمَا قَالَ البرقاني، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: خلط الْجيد بالرديء فأفسده. وَلابْن عدي مثل لفظ الرَّافِعِيّ سَوَاء من حَدِيث أَحْمد بن مُعَاوِيَة الْبَاهِلِيّ، عَن النَّضر بن شُمَيْل، عَن ابْن عون، عَن مُحَمَّد، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ أَحْمد هَذَا حَدِيث بَاطِل
стр. 5954
وَكَانَ يسرق الحَدِيث. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «هَدَايَا الْعمَّال سحت» .
قلت: أخرجه بِهَذَا اللَّفْظ الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ فِي كِتَابه «تَلْخِيص الْمُتَشَابه» من حَدِيث أنس رَفعه «هَدَايَا السُّلْطَان سحت وَغُلُول» . قلت: وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِمَعْنَاهُ.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «عدلت شَهَادَة الزُّور الْإِشْرَاك بِاللَّه - تَعَالَى - وتلى قَوْله تَعَالَى (فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور) الْآيَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث خريم - بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة ثمَّ رَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة - بن فاتك الْأَسدي ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُول الله ﷺ صَلَاة الصُّبْح، فَلَمَّا انْصَرف قَامَ قَائِما، فَقَالَ: عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِاللَّه - ثَلَاث مَرَّات - ثمَّ قَرَأَ (وَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور حنفَاء لله غير مُشْرِكين) وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» كَذَلِك إِلَّا أَنه لم [يقل] «ثَلَاث مَرَّات» وَرِجَال إِسْنَاده كلهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا
стр. 5955
حبيب بن النُّعْمَان الْأَسدي فَلم يرو لَهُ إِلَّا (د ق) وَلَا أعرف من جرحه وَلَا من عدله. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث وَلَا يعرف حَاله. قلت: ثمَّ آخر اسْمه حبيب - مخفف، تَصْغِير حبيب بن النُّعْمَان الْأَسدي - لَهُ عَن أنس بن مَالك، وخريم أَيْضا أَو أَيمن بن خريم لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب السِّتَّة فِيمَا ظهر لي، قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي حَقه: لَهُ مَنَاكِير. وَقد يكونَانِ وَاحِدًا كَمَا تردد فِيهِ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» وَعَلَى هَذَا التَّقْدِير فإسناده واه؛ لِأَنَّهُ دائر بَين مَجْهُول وَضَعِيف إِلَّا زِيَاد الْكُوفِي الْعُصْفُرِي فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى من هُوَ، وَانْفَرَدَ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ د ق (وَقَالَ) ابْن الْقطَّان فِي حَقه: إِنَّه مَجْهُول. وَفِي «الْمِيزَان» للذهبي: زِيَاد أَبُو الورقاء الْكُوفِي الْعُصْفُرِي وَالِد سُفْيَان رَوَى عَن حُبيب - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالتَّخْفِيف - بن النُّعْمَان الْأَسدي عَن خريم بن فاتك، وَزِيَاد لَا يُدْرَى من هُوَ عَن مثله، رَوَى عَنهُ وَلَده سُفْيَان بن زِيَاد هَذَا الحَدِيث، وَقيل: عَن حبيب عَن أَيمن بن خريم. هَذَا كَلَامه، وَهُوَ جزم مِنْهُ بِأَنَّهُ هُوَ المخفف، قلت: وخريم بن فاتك لَهُ صُحْبَة، وَهُوَ مَشْهُور لَهُ عدَّة أَحَادِيث، وَهُوَ بَدْرِي كَمَا قَالَ البُخَارِيّ وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا
следующие страницы →