← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير]ـ المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: ٨٠٤هـ) المحقق: مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض-السعودية الطبعة: الاولى، ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م عدد الأجزاء: ٩ [الكتاب مدقق إملائيا وترقيمه موافق للمطبوع]

стр. 2

مُقَدّمَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيئ لنا من أمرنَا رشدا) الْحَمد لله رَافع منار الْأَحْكَام، ومظهر دينه بأقوى (عُرًى) وإحكام، ومُشَيِّده بحفاظ جَهَابِذَة أَعْلَام، مستمرين مدى الدهور والأعوام. نحمده عَلَى ذَلِكَ كُله وَعَلَى سَائِر الإنعام، ونشكره عَلَى أَن جعلنَا مِمَّن تَصَدَّى لجمع السّنَن الْكِرَام. ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة مستمرة عَلَى الدَّوَام، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أفضل الْأَنَام، صلَّى الله عَلَيْهِ، وَعَلَى آله، وأصحابِه، وأزواجِه، وذرِّيَّاتِه، وَأَتْبَاعه الغُرِّ الْكِرَام. وبعدُ: فَإِن أولَى الْعُلُوم - بعد معرفَة كتاب الله - سنة الرَّسُول ﷺ ؛ إِذْ هِيَ مبينَة للْكتاب الْعَزِيز، الَّذِي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد) . وَلذَلِك أدلةٌ ظَاهِرَة، وبراهينُ متظاهرة: قَالَ تَعَالَى: (وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم) . وَقَالَ: (وَمَا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب إِلَّا لتبين لَهُم الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ) .

стр. 3

وَقَالَ ﵊ فِي حَدِيث طَوِيل: «إنَّ مَا حَرَّم رسُولُ اللهِ كَمَا حَرَّم اللهُ » . حَدِيث صَحِيح من غير شكّ وَلَا مرية، أودعهُ الْأَئِمَّة: التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» وحسَّنه، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وصحَّحه، وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح. هَذَا مَعَ اتِّفَاق أهل الْحل وَالْعقد عَلَى أَن من شَرط الْمُجْتَهد - من القَاضِي والمفتي - أَن يكون عالِمًا بِأَحَادِيث الْأَحْكَام، ليعرف بهَا الْحَلَال من الْحَرَام، وَالْخَاص من الْعَام، وَالْمُطلق من الْمُقَيد، والناسخ من الْمَنْسُوخ، وَشبه ذَلِكَ. وَقد نَدَبَ الشَّارِع - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - إِلَى نقلهَا، وحَثَّهم عَلَى حفظهَا، وتبليغها (من) لم يشهدها، فَقَالَ فِي خطبَته (حجَّة) الْوَدَاع: «هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغَّائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سامع» . حَدِيث صَحِيح بِاتِّفَاق (الْأَئِمَّة) ، أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) .

стр. 4

وَقَالَ ﷺ أَيْضا: «نَضَّرَ اللهُ امْرأ سمع مَقَالَتي، فَحَفِظَهَا، وَوَعَاهَا، فأَدَّاها إِلَى مَنْ (لَمْ) يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حاملِ فقه غيرِ فَقِيه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ» . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَ: « (بَلِّغُوا) عَنِّي وَلَو آيَة» . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» . وَقَالَ: «تَسْمَعُون وَيُسْمَع مِنْكُم، وَيُسْمَعُ مِمَّن (يسمع) مِنْكُم» . رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» ، وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. فامتثلت الصَّحَابَة حينئذٍ - الَّذين هم خير قُرُون هَذِه الْأمة، بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - فحفظوا عَنهُ أَحْوَاله (وأقواله) وأفعاله، امتثالًا لأَمره، وابتغاء ثَوَابه وأَجره.

стр. 5

ثمَّ فعل ذَلِكَ بعدهمْ التابعون وتابعوهم، قبيلًا بعد قبيل، وجِيلًا بعد جيل، تلقوا ذَلِكَ عَنْهُم، واستفادوه مِنْهُم - رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وعنهم. لَكِن دخل فِي ذَلِكَ قوم لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن، وَلَا جَرْيَ لَهُم فِي هَذَا الميدان، فأخطئوا فِيمَا نقلوا وحَرَّفوا، وَرُبمَا وضعُوا، فَدخلت الآفة من هَذَا الْوَجْه، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالسقيم، والمجروح بالسليم، فَحِينَئِذٍ أَقَامَ الله سُبْحَانَهُ - وَله الْحَمد والمِنَّة - طَائِفَة كَبِيرَة من هَذِه الْأمة، هم نُجُوم للدِّين وعَلَمٌ للمسترشدين، فدوَّنوا التصانيف (المبتكرة) ، المبسوطة والمختصرة، ونظروا فِي رجالها - جرحا وتعديلًا، وانقطاعًا ووصلًا - بِالنّظرِ التَّام، وبذلوا وسعهم فِي ذَلِكَ، وَقَامُوا بِهِ أحسن قيام، أعظم الله أَجرهم، وَلَا خَيَّب سعينا وسعيهم. وهم (مستمرون) عَلَى ذَلِكَ مدى الدهور والأعوام، من زَمَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا والذهاب، بإخباره عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قَالَ: «لَا تَزَالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهِرينَ عَلَى الحقِّ، لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ» . فَكَانَت هَذِه الطَّائِفَة كَمَا وَصفهم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنهُ، (مُرْسلا من جِهَة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري) ، وَمُسْندًا من جِهَة أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله بن عَمْرو - كَمَا

стр. 6

رَوَاهُمَا الْعقيلِيّ. قَالَ عبد الْحق: وَالْأول أحسن. ونَازَعَه ابْن الْقطَّان، وَفِيه وَقْفَة، فقد سُئل أَحْمد عَنهُ، فَقَالَ صَحِيح: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، يَنْفُون عَنْه تَحْرِيف الغالين، وانْتِحَالَ المُبْطِلِيْن، وَتَأْوِيل الجاهِلِيْن» . وَمَنَّ الله ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَى هَذِه الطَّائِفَة بِالْحِفْظِ الوافر، كالبحر الزاخر. وهاك نبذة من حَالهم، لتعرف قدرهم، واجتهادهم ومحلهم: قَالَ أَبُو زرْعَة: حُزِرَتْ كُتبُ الإِمام أَحْمد يَوْم مَاتَ، فبلغت [اثْنَي] عشر حملا و [عدلا] ، كل ذَلِكَ كَانَ يحفظه عَن ظهر قلب. قَالَ: كَانَ يحفظُ ألفَ ألفَ حَدِيث. فَقيل لَهُ: وَمَا يدْريك؟ قَالَ: ذَاكَرْتُه فأخذتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَاب. وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل: قَالَ لي أبي: خُذ أَي كتاب شِئْت من كتب وَكِيع، من المُصَنّف، فَإِن شِئْت تَسْأَلنِي عَن الْكَلَام حتَّى أخْبرك بِالْإِسْنَادِ، وَإِن شِئْت تَسْأَلنِي عَن الإِسناد حتَّى أخْبرك بالْكلَام. وَحفظ الإِمَام الشَّافِعِي «الْمُوَطَّأ» فِي ثَلَاثَة أَيَّام، وَالْقُرْآن فِي سَبْعَة

стр. 7

أَيَّام، كَمَا نقل (عَن) الإِمام فَخر الدَّين الرَّازِيّ. وَكَانَ يَحْيَى بن معِين (يَقُول) عَن الْأَثْرَم الْحَافِظ: إِن أحد أَبَوَيْهِ كَانَ جِنِّيًّا. يَعْنِي لقُوَّة حفظه. وَهُوَ أحفظ من أبي زرْعَة، وأتقن. كَمَا قَالَه إِبْرَاهِيم الْأَصْفَهَانِي. وَكَانَ أَحْمد بن نصر الخَفَّاف يذاكر بِمِائَة ألف حَدِيث. وَكَانَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يملي سبعينَ ألف حديثٍ حفظا، وأملى مرّة أحد عشر ألف حديثٍ من حفظه، ثمَّ قَرَأَهَا مرّة أُخْرَى، فَمَا زَاد حرفا وَلَا نقص حرفا، وَقَالَ مرّة: أحفظ مَكَان مائَة ألف حَدِيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا، وأحفظ مِنْهَا سبعين ألف حَدِيث من ظهر قلبِي (صَحِيحَة) ، وأحفظ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث مزوَّرة. فَقيل لَهُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لأجل إِذا مرَّ بِي مِنْهَا حَدِيث فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، فَلَيْتُهُ مِنْهَا فَلْيًا. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: مَا استَوْدَعْتُ أُذُنِي شَيْئا إلَّا حفظته، حتَّى أَمُرَّ بِكَلِمَة كَذَا - قَالَهَا - فأسد أُذُنِي، مَخَافَة أَن أحفظها. وَفِي رِوَايَة عَنهُ: حتَّى أَمُرَّ بالحائك. يَعْنِي: فأسدّ أُذُنِي. وَكَانَ أَبُو زرْعَة يحفظ سِتّمائَة ألف حَدِيث، كَمَا شهد لَهُ بذلك الإِمام أَحْمد، وَقَالَ فِي حَقه: مَا جَاوز الجسر أفضل مِنْهُ.

стр. 8

وَحلف رجل بِالطَّلَاق أنَّ أَبَا زرْعَة يحفظ مِائَتي ألف حَدِيث، فَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا يَحْنَث. وَقَالَ مرّة: أحفظ مِائَتي ألف حَدِيث كَمَا يحفظ الْإِنْسَان (قل هُوَ الله أحد (، وَفِي المذاكرة ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث. وَقَالَ أَيْضا: فِي بَيْتِي مَا كتبته مُنْذُ (خمسين) سنة، وَلم أطالعه مُنْذُ كتبته، وَإِنِّي أعلم فِي أَي كتاب هُوَ، وَأي ورقة، وَأي (صفحة) ، وَفِي أَي سطر هُوَ، وَمَا سُمع أَو تُلي شَيْء من الْعلم إلَّا وَعَاه قلبِي، وَإِنِّي كنت أَمْشِي فِي سوق بَغْدَاد، فَأَسْمع من الغرف الْمُغَنِّيَات، فأضع أُصْبُعِي فِي أُذُنِي مَخَافَة أَن يَعِيَه قلبِي. وَقَالَ البُخَارِيّ: أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح، وأحفظ مِائَتي ألف حَدِيث غير صَحِيح. وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي: سَمِعت عدَّة مَشَايِخ يحكون: أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد، فَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث، واجتمعوا وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر، وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر، ودفعوها إِلَى عشرَة أنفس، فابْتَدَرَ رجل من الْعشْرَة، فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث، فقَالَ: لَا أعرفهُ. فَسَأَلَهُ عَن آخر، فَقَالَ: لَا أعرفهُ. فَمَا زَالَ يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد واحدٍ حتَّى فرغ، وَالْبُخَارِيّ يَقُول: لَا أعرفهُ. وَكَانَ

стр. 9

بعض الْفُقَهَاء يَقُول: الرجل فهم. وَبَعْضهمْ يقْضِي عَلَيْهِ بِالْعَجزِ. ثمَّ انْتُدِبَ رجل آخر، فَسَأَلَهُ عَن الْأَحَادِيث وَهُوَ يَقُول فِي كل حَدِيث: لَا أعرفهُ. حتَّى فرغ من عشرته، ثمَّ الثَّالِث، ثمَّ الرَّابِع إِلَى تَمام الْعشْرَة، وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم عَلَى: لَا أعرفهُ. فَلَمَّا فرغوا الْتفت البُخَارِيّ إِلَى الأول فَقَالَ: أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا، و [حَدِيثك] الثَّانِي كَذَا، وَالثَّالِث كَذَا، وَالرَّابِع كَذَا، حتَّى أَتَى عَلَى تَمام الْعشْرَة، فَرد كل متنٍ إِلَى إسنادٍ، وكل إِسْنَاد إِلَى متنٍ، وَفعل بِالْآخرِ مثل ذَلِك، فَأَقرَّ النَّاس لَهُ بِالْحِفْظِ، وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ. وَكَانَ البُخَارِيّ يخْتَلف إِلَى مَشَايِخ الْبَصْرَة وَلَا يكْتب، فَسَأَلُوهُ: لِمَ لَا تكْتب؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِم جَمِيع مَا سمع من حفظه، وَكَانَ يزِيد عَلَى خَمْسَة عشر ألف حَدِيث. وَأخرج مُسلم الصَّحِيح من ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث مسموعة، كَمَا أقَرَّ بِهِ هُوَ فِيمَا نَقله ابْن نقطة عَنهُ بِإِسْنَادِهِ. وَحفظ أَبُو دَاوُد - يَعْنِي: الطَّيَالِسِيّ - أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي عشرَة آلَاف، وَكَانَا شربا البَلاَذُر لأجل الْحِفْظ، فجَذِمَ أَبُو دَاوُد، وبَرِصَ عبد الرَّحْمَن. وَقَالَ عمر بن شَبَّة: كتبُوا عَن أبي دَاوُد - يَعْنِي الطَّيَالِسِيّ - أَرْبَعِينَ ألف حديثٍ، وَلَيْسَ مَعَه كتاب. وَقَالَ أَبُو دَاوُد - (يَعْنِي) - السجسْتانِي: كتبت عَن رَسُول الله ﷺ -

стр. 10

خَمْسمِائَة ألف حَدِيث، انتخبت مِنْهَا مَا تضمنته السّنَن، جمعت (فِيهِ) أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حَدِيث. وَكَانَ عبد الله ابْنه من الْحفاظ، أَمْلَى ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث من حفظه، فَإِنَّهُ لَمَّا خرج إِلَى سجستان، اجْتمع إِلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث، وسألوه أَن يُحَدِّثَهم فَأَبَى، وَقَالَ: لَيْسَ معي كتاب. فَقَالُوا: ابْن أبي دَاوُد وَكتاب! فأثاروه، فأملى عَلَيْهِم هَذَا الْقدر، ولَمَّا قَدِم بَغْدَاد قَالَ البغداديون: مَضَى يلْعَب بِالنَّاسِ، ثمَّ فَيَّجُوا فَيْجًا، (اكتروه) بِسِتَّة (دَنَانِير) إِلَى سجستان، فَكَتَبُوا بِهِ نُسْخَة، فَخَطَّئوه فِي سِتَّة أَحَادِيث، مِنْهَا ثَلَاثَة حَدَّث بهَا كَمَا حُدِّث، وَثَلَاثَة أخطأَ هُوَ فِيهَا ﵁. ولمَّا مَاتَ صُلِّي عَلَيْهِ ثَمَانُون مرّة، فحُزِر الْجمع، فَزَاد عَلَى ثَلَاثمِائَة ألف. وَقَالَ مَعْمَر: اجْتمعت أَنا وَشعْبَة وَالثَّوْري وَابْن جريج، فَقدم علينا شيخ، فأملى علينا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث عَن ظهر قلب، فَمَا أَخطَأ إلَّا فِي موضِعين، لم يكن الْخَطَأ مِنَّا وَلَا مِنْهُ، إنَّما الْخَطَأ مِمَّن فَوْقه. وَكَانَ الرجل: طَلْحَة بن عَمْرو الْحَافِظ. وَكَانَ عبد الله بن مُوسَى القَاضِي الْمَعْرُوف بعَبْدَان، يحفظ مائَة ألف حَدِيث. كَمَا قَالَ أَبُو عَلّي الْحَافِظ.

стр. 11

وَقَالَ الشَّعْبي: مَا كتبتُ سَوْدَاء فِي بَيْضَاء إلَّا وَأَنا أحفظها، وَلَا حدَّثني رجلٌ بحديثٍ فأحببتُ أَن يُعِيْدَه عليَّ. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: مَا استعدت حَدِيثا، وَلَا شَككت فِي حديثٍ، إلَّا حَدِيثا وَاحِدًا، فَسَأَلت صَاحِبي، فَإِذا هُوَ كَمَا حفظت. وَقَالَ عبيد الله بن عمر القَوَارِيري: أَمْلَى عليَّ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عشْرين ألف حديثٍ حفظا. وحدَّث أَبُو عبد الله عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الله [الخُتُّلي] بِخَمْسِينَ ألف حديثٍ من حفظه. ولَمَّا أَمْلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد الفِرْيَابِي - الْحَافِظ الَّذِي طَاف الْبِلَاد شرقًا وغربًا - بِبَغْدَاد: كَانَ عدد المستملين ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة عشر، وحُزِرَ الْجمع فَكَانُوا ثَلَاثِينَ ألفا، وَكَانَ الَّذين يَكْتُبُونَ (عَنهُ) نَحْو عشرَة آلَاف. وَقَالَ هشيم: كنت أحفظ فِي الْمجْلس مائَة حَدِيث، وَلَو سُئلت عَنْهَا أجبْت. وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ - صَاحب النَّسَب -:

стр. 12

حفظت مَا لَمْ يحفظه أحد، و (نسيت) مَا لَمْ (ينسه) أحد: كَانَ لي عمّ يعاتبني عَلَى حفظ الْقُرْآن، فَدخلت بَيْتا، وَحلفت أَنِّي لَا أخرج مِنْهُ حتَّى أحفظ الْقُرْآن، فحفظته فِي ثَلَاثَة أَيَّام، وَنظرت يَوْمًا فِي الْمرْآة، فقبضت عَلَى لحيتي لآخذ مَا دون القبضة، فَأخذت مَا فَوق القبضة. وَقَالَ يزِيد بن هَارُون: أحفظ ثَلَاثَة وَعشْرين ألف حَدِيث. وحدَّث بِبَغْدَاد، فَحُزِر مَجْلِسه تسعين ألفا. وَقَالَ أَحْمد بن أبي الطّيب: سَمِعت يزِيد بن هَارُون الْحَافِظ وَقيل لَهُ: إِن هَارُون الْمُسْتَمْلِي يُرِيد أَن يُدخل عَلَيْك فِي حَدِيثك، فَدخل هَارُون، فَقَالَ: يَا هَارُون، بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ (أَن) تدخل عليَّ فِي حَدِيثي، (فاجهد) جهدك، لَا رَعَى الله عَلَيْك إِن رَعيْت، أحفظ ثَلَاثَة وَعشْرين ألف حديثٍ، لَا أقامني الله إِن كنت لَا أقوم بحديثي. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد، الْمَعْرُوف بِابْن عقدَة - الَّذِي قَالَ فِي حَقه الدَّارَقُطْنِيّ: أجمع أهل الْكُوفَة أَنه لم يُرَ من زمن عبد الله بن مَسْعُود إِلَى زَمَنه أحفظ مِنْهُ -: أَنا (أُجِيب) فِي ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث، و (أذاكر) بِالْأَسَانِيدِ، وَبَعض الْمُتُون،

стр. 13

والمراسيل، والمقاطيع. قَالَ ابْن عقدَة: وَدخل [البَرْدِيجي] الْكُوفَة، فَزعم أَنه أحفظ مِنَّا، فَقلت: لَا تُطَوِّل، نَتَقَدَّم إِلَى دكان وراق، وَنَضَع القَبَّان، ونزن من الْكتب مَا شئتَ، ثمَّ تُلْقَى (علينا) فنذكرها. فَبَقِيَ. ولَمَّا انْتقل ابْن عقدَة إِلَى مَكَان آخر كَانَت كتبه سِتّمائَة حمل. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن يُوسُف الدَّيْلَمي يحفظ أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، ويذاكر بسبعين ألف حَدِيث. وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: قَالَ لي الأزْهَري: كنت أحضر عِنْد أبي عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد بن (بكير) ، وَبَين يَدَيْهِ أَجزَاء (كبار) ، فَأنْظر بَعْضهَا، فَيَقُول لي: أَيّمَا أحبّ إِلَيْك، تذكر لي متن مَا تُرِيدُ من هَذِه الْأَحَادِيث حتَّى أخْبرك بِإِسْنَادِهِ؟ أَو تذكر لي إِسْنَاده حتَّى أخْبرك بمتنه؟ فَكنت أذكر لَهُ الْمُتُون فيخبرني بِالْأَسَانِيدِ من حفظه، وَفعلت هَذَا مرَارًا كَثِيرَة.

стр. 14

قَالَ: وحُبِّب إليَّ الحَدِيث، حتَّى رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي النّوم، فَلم أقل: ادْع الله لي. وَإِنَّمَا قُلْتُ: يَا رَسُول الله، أَيّمَا أثبت فِي الحَدِيث، مَنْصُور أَو الْأَعْمَش؟ فَقَالَ: مَنْصُور. مَنْصُور. وَقَالَ أَبُو حَفْص بن شاهين: صَلَّيْتُ خَلفه مرّة، فَافْتتحَ الصَّلَاة، ثمَّ قَالَ: نَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لُوَيْن. فَقيل لَهُ: سُبْحَانَ الله! فَقَالَ: نَا شَيبَان بن فروخ (الأُبُلِّي) . فَقيل لَهُ: سُبْحَانَ الله! فَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: أَنا [بشرى] بن عبد الله الرُّومِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن (سَلْم) يَقُول: لَمَّا قَدِم علينا

стр. 15

أَبُو مُسلم (الكَجِّي) أَمْلَى الحَدِيث فِي رحبة غَسَّان، وَكَانَ فِي مَجْلِسه (سَبْعَة) مستملين، يُبَلِّغ كل وَاحِد مِنْهُم صَاحبه الَّذِي يَلِيهِ، وَكتب النَّاس (عَنهُ) قِيَامًا بِأَيْدِيهِم المحابر، ثمَّ مُسِحَت الرَّحْبَة، وَحسب من حضر بمحبرة، فَبلغ ذَلِكَ نَيِّفًا وَأَرْبَعين ألف محبرة، سُوَى النَّظَّارة. قَالَ ابْن (سَلْم) : وَبَلغنِي أَن أَبَا مُسلم كَانَ نَذَرَ أَن يتصدَّق إِذا حَدَّث بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. وَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان البَاغَنْدِي: أحفظُ ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث من حَدِيث رَسُول الله ﷺ . وَكَانَ الْحَافِظ أَبُو (الْحُسَيْن) عَاصِم بن عَلّي الوَاسِطِيّ يجلس عَلَى سطح المسقطات، ويركب مستمليه نَخْلَة، يستملي عَلَيْهَا. فَقَالَ يَوْمًا: نَا اللَّيْث بن (سعد) ، فَأَعَادَ أَربع عشرَة مرّة، وَالنَّاس لَا

стр. 16

يسمعُونَ، فحزر الْجمع، فَكَانُوا مائَة ألف وَعشْرين [ألفا] . وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُسلم الجِعَابي: دخلت الرَّقَّة، وَكَانَ لي ثَمَّ قمطران كتب فأنفَذُت غلامي إِلَى ذَلِكَ الرجل الَّذِي كُتبي عِنْده، فَرجع الْغُلَام مغمومًا، فَقَالَ: ضَاعَت الْكتب. فَقلت: يَا بنيَّ، لَا تغتم، فَإِن فِيهَا (مِائَتي) ألف حديثٍ، لَا يُشْكَلُ عليَّ مِنْهَا حديثٌ، لَا إِسْنَادًا وَلَا متْنا. وَكَانَ يُقَال: إِنَّه يحفظ مِائَتي ألف حَدِيث، ويجيب فِي مثلهَا. وَقَالَ مرّة عَن نَفسه: أحفظ أَرْبَعمِائَة ألف حَدِيث، وأذاكر بستمائة ألف حَدِيث. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس جَعْفَر بن مُحَمَّد الْحَافِظ يَقُول: مَا رَأَيْت أحفظ من أبي عبد الله بن مَنْدَه، سَأَلته يَوْمًا: كم يكون سَماع (الشَّيْخ) ؟ فَقَالَ: يكون خَمْسَة آلَاف مَنًّا.

стр. 17

وَقَالَ الجعابي: كنت بليد الْحِفْظ، فَقَالَ لي الْأَطِبَّاء: كُلِ الخَبزَ بالجُلَّاب. فأكلته أَرْبَعِينَ يَوْمًا بالغديات والعشيات، لَا آكل غَيره، فصفا ذهني، وصرت حَافِظًا، حتَّى صرت أحفظ فِي كل يَوْم (ثَلَاثمِائَة) حَدِيث. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: بَلغنِي أَن الدَّارَقُطْنِيّ حضر فِي حداثته مجْلِس إِسْمَاعِيل الصَفَّار، فَجعل ينْسَخ جُزْءا كَانَ مَعَه، وَإِسْمَاعِيل يملي، فَقَالَ (لَهُ) بعض الْحَاضِرين: لَا يصحّ سماعك وَأَنت تنسخ. فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: فهمي للإِملاء غير فهمك. ثمَّ قَالَ: تحفظ كم أَمْلَى الشَّيْخ من حَدِيث إِلَى الْآن؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَمْلَى ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا. فَعُدَّت الْأَحَادِيث فَكَانَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، ثمَّ قَالَ: الحَدِيث الأول عَن فلَان عَن فلَان، وَمَتنه كَذَا، و (الحَدِيث) الثَّانِي عَن فلَان عَن فلَان، وَمَتنه كَذَا. فَلم (يزل) يذكر أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها عَلَى ترتيبها فِي الإِملاء حتَّى أَتَى عَلَى آخرهَا؛ فتعجب النَّاس مِنْهُ. وَقَالَ أَحْمد بن مَنْصُور: خرجت مَعَ أَحْمد بن حَنْبَل، وَيَحْيَى بن معِين، فَقَالَ يَحْيَى لِأَحْمَد: أُرِيد أختبر أَبَا نعيم. فَقَالَ: لَا تُرِد، الرجل ثِقَة. فَقَالَ: لَا بدّ لي. فَأخذ ورقة فَكتب فِيهَا ثَلَاثِينَ حَدِيثا من حَدِيث أبي نعيم، وَجعل عَلَى رَأس كل عشرَة مِنْهَا حَدِيثا لَيْسَ من حَدِيثه، ثمَّ جَاءُوا إِلَى أبي نعيم، فَقَرَأَ يَحْيَى عَلَيْهِ عشرَة، وَأَبُو نعيم

стр. 18

سَاكِت، ثمَّ قَرَأَ الْحَادِي عشر، فَقَالَ أَبُو نعيم: لَيْسَ من حَدِيثي، اضْرِب عَلَيْهِ. ثمَّ قَرَأَ الْعشْرَة الثَّانِيَة، وَأَبُو نعيم سَاكِت، فَقَرَأَ الحَدِيث الثَّانِي، فَقَالَ: لَيْسَ من حَدِيثي، اضْرِب عَلَيْهِ. ثمَّ قَرَأَ الْعشْرَة الثَّالِثَة، وَأَبُو نعيم سَاكِت، ثمَّ قَرَأَ الحَدِيث الثَّالِث، فَتَغَيَّر أَبُو نعيم، وانقلبت عَيناهُ، وَأَقْبل عَلَى يَحْيَى فَقَالَ: أما هَذَا - وذراع أَحْمد بِيَدِهِ - فأورع من أَن يعْمل هَذَا، وَأما هَذَا - يُرِيدنِي - فَأَقل من أَن يفعل هَذَا، وَلَكِن هَذَا من فعلك يَا فَاعل، ثمَّ أخرج رجله، فرفس يَحْيَى، فَرَمَى بِهِ. فَقَالَ يَحْيَى: وَالله لرفسته أحبّ إليَّ من سَفَرِي. وَكَانَ قَتَادَة بن دِعامة السَّدُوسي يسْأَل سعيد بن الْمسيب فيكثر، فَقَالَ لَهُ سعيد: كل مَا سَأَلتنِي عَنهُ تحفظ؟ فقَالَ: نعم، سَأَلتك عَن كَذَا وَكَذَا، فَقلت: كَذَا وَكَذَا. قَالَ سعيد: مَا ظَنَنْت أَن الله خلق مثلك. وَكَانَ يَقُول: مَا سَمِعَتْ أذناي شَيْئا قطّ إلَّا وَعَاهُ قلبِي، وَمَا قُلْتُ لمحدثٍ قطّ: أَعِدْ عليَّ؛ فإنَّ إِعَادَة الحَدِيث تَذْهَبُ بنوره. وَقَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ - أحد الْأَئِمَّة الحفَّاظ، العارفين بعلل الحَدِيث، وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل -: أَحْصَيْتُ أَنِّي مشيتُ عَلَى قَدَمَيَّ زِيَادَة عَلَى ألف فَرْسَخ. وَقلت عَلَى بَاب أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ: من أَغْرَبَ عليَّ حَدِيْثًا مُسْندًا صَحِيحا، لم أسمع بِهِ؛ فَلهُ عليَّ (دِرْهَم) -

стр. 19

وَقد حضر أَبُو زرْعَة، وَإِنَّمَا كَانَ مرادي أَن يُلْقي إِلَيّ مَا لم أسمع، ليقول هُوَ عِنْد فلانٍ، فَأذْهب أسمع، ومرادي أَن أستخرج مِنْهُم مَا لَيْسَ عِنْدِي - (فَمَا تهَيَّأ) لأحد أَن يُغربَ عليَّ حَدِيثا. وَكَانَ أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم القَاضِي يحضر مجْلِس الحَدِيث فيحفظ خمسين وَسِتِّينَ حَدِيثا، فَيقوم فيمليها عَلَى النَّاس. وَقَالَ ابْن الْأَخْضَر القَاضِي: سَمِعت أَبَا حَفْص بن شاهين - صَاحب «النَّاسِخ والمنسوخ فِي الحَدِيث» - يَوْمًا يَقُول: حسبت مَا اشتريتُ بِهِ الحبر إِلَى هَذَا الْوَقْت، فَكَانَ سَبْعمِائة دِرْهَم. قَالَ القَاضِي: وَكُنَّا نشتري الحبر أَرْبَعَة أَرْطَال بدرهم. قَالَ القَاضِي: وَقد مكث ابْن شاهين بعد ذَلِكَ يكْتب زَمنا. وَجَاء عَن مُحَمَّد بن الْمسيب الأَرْغِيَاني أَنه قَالَ: كنت أَمْشِي بِمصْر وَفِي كُمي مائَة جُزْء، فِي كل جُزْء ألف حَدِيث.

стр. 20

فصل فَهَذِهِ نبذةٌ من أحوالِ هَؤُلَاءِ الْحفاظ، الَّذين تتنزل الرَّحْمَة بذكرهم، وَهِي مختصرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَرَكْنَاهُ. ذكرتها لَك مَجْمُوعَة أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْموضع؛ لتعرف مَنَازِلهمْ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَكَيف حَالهم فِي اجتهادهم فِي هَذَا الْعلم، والإِكباب عَلَيْهِ. فَلَعَلَّ ذَلِكَ يكون محركًا فِي المسارعة إِلَى تتبع أَثَرهم، وَالسير إِلَيْهِ، لَعَلَّك تصل إِلَى بعض بعض مَا وصلوا إِلَيْهِ، أَو إِلَى كلّه، ففضل الله وعطاؤه وَاسع، لَا زَالَ مُنْهَلًّا لَدَيْهِ. ثمَّ وفَّق الله الْعَظِيم - وَله المِنَّة - هَؤُلَاءِ الحفَّاظ، الْأَئِمَّة النقَّاد إِلَى وُصُول مَا حفظوه إِلَيْنَا، وتقريب مَا تقلَّدوه علينا، فصنَّفوا فِي ذَلِكَ مصنفات مبتكرة ، مُطَوَّلَة ومختصرة. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أول من صنَّف الْكتب عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: عبد الْملك بن جريج. ثَانِيهَا: الرّبيع بن صَبِيح. ثَالِثهَا: (سعيد) بن أبي عرُوبَة. حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» . وَاخْتلف فِي ذَلِكَ مقاصدهم، وتشعَّبت آراؤهم، وَكلهَا مَقَاصِد حَسَنَة، وأفعال مستحسنة. فَمنهمْ من رَأَى أَن تدوينه عَلَى مسانيد الصَّحَابَة ﵃ أقرب إِلَى ضَبطه، فرتَّبه كَذَلِك، كالإِمام أَحْمد بن حَنْبَل فِي «مُسْنده» ، ونظرائه. (قَالَ الْحَاكِم: أول من صنَّف الْمسند عَلَى [تراجم الرِّجَال] :

стр. 21

عبيد الله بن مُوسَى العَبْسي، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ) . وَمِنْهُم من رَأَى أَن تدوينه عَلَى تَرْتِيب أَبْوَاب الْفِقْه أسْرع لتنَاوله، فرتَّبه كَذَلِك. وَقيل: أول من فعل ذَلِكَ الرّبيع بن صبِيح. وَقيل: مَالك بن أنس فِي «موطئِهِ» وَبِه جزم الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «أَمَالِيهِ» . ثمَّ مِنْ بعدهمْ جمع كَبِير، وجمٌّ غفير، كَعبد الرَّزَّاق، وَابْن أبي شيبَة، وَغَيرهمَا. وهلم جرًّا إِلَى زمن الإِمامين، الحافظين، الناقدين: أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن (الْحجَّاج) الْقشيرِي، فصنفا كِتَابَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ، والتزما ألَّا يوردا فيهمَا إلَّا حَدِيثا صَحِيحا، وتلقَّتهما الْأمة بِالْقبُولِ. ثمَّ ألَّف جمَاعَة فِي زمنهما كتبا أُخر عَلَى الْأَبْوَاب، من غير الْتِزَام فِيهَا مَا التزماه، فَلم تلتحق بهَا، كسنن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي، وجامع أبي عِيسَى مُحَمَّد بن سَوْرة التِّرْمِذِيّ (الضَّرِير) ، وَسنَن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ، وَسنَن أبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي. وألَّف جمَاعَة أُخر كتبا كَذَلِك: فبعضهم شَرط أَن يكون مُصَنفه مُخرَّجًا عَلَى أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا، ككتاب أبي نعيم،

стр. 22

وَالْبرْقَانِي، والإسماعيلي، وَأبي عَوَانَة. وَبَعْضهمْ شَرط أَن يسْتَدرك مَا أهمله الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، كَمَا فعل الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْكتاب الَّذِي سَمَّاه ب «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» . وَبَعْضهمْ شَرط فِي مُصَنفه الصِّحَّة مُطلقًا، لَا عَلَى رأيٍ، بل عَلَى رَأْيهمْ، كصحيح إِمَام الْأَئِمَّة، أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وصحيح أبي حَاتِم بن حبَان، الْمُسَمَّى ب «التقاسيم والأنواع» ، وَهَذَا لم يرتبه مُصَنفه عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا رتَّبه عَلَى ترتيبٍ خَاص بديع. (وَبَعْضهمْ لم يَشْتَرِطْ) شَرْطًا، وإنَّما أودعا فِي تصانيفهما الصَّحِيح والضعيف، مبينين ذَلِكَ، ك «سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ) ، و «السّنَن الْكَبِير» لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ، المرتَّب عَلَى تَرْتِيب «الْمَبْسُوط» الَّذِي صنَّفه عَلَى تَرْتِيب (مُخْتَصر) الْمُزنِيّ. هَذَا كُله كَانَ (عَلَى) رَأْي السّلف الأول، يذكرُونَ الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ فِي هَذِه التصانيف، إذْ عَلَيْهِ المُعَوَّل. وَأما الْمُتَأَخّرُونَ، فاقتصروا عَلَى إِيرَاد الْأَحَادِيث فِي تصانيفهم بِدُونِ الْإِسْنَاد، مقتصرين عَلَى الْعزو إِلَى الْأَئِمَّة الأُوَل -[إلاّ أفرادًا] من ذَلِكَ وآحادًا -: كأحكام عبد الْحق «الْكُبْرَى» ، و «الصُّغْرَى» و «الْوُسْطَى» .

стр. 23

وَعَلَى «الْوُسْطَى» اعتراضات لِلْحَافِظِ أبي الْحسن بن الْقطَّان، وَمَا أَكثر نَفعه. وَعَن بَعْضهَا أجوبة لبَعض الْمُتَأَخِّرين. وَأَحْكَام (الْحَافِظ) أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، الْمَعْرُوف ب «الضياء الْمَقْدِسِي» ، وَلم يتمم كِتَابه، وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء الْجِهَاد، وَهُوَ أكثُرها نفعا. وَأَحْكَام الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي: «الْكُبْرَى» ، و «الصُّغْرَى» . وَأَحْكَام الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية، الْمُسَمَّى ب «المُنْتَقَى» ، وَهُوَ كاسمه، وَمَا أحْسنه، لَوْلَا إِطْلَاقه فِي كثير من الْأَحَادِيث الْعزو إِلَى (كتب) الْأَئِمَّة دون التحسين والتضعيف، يَقُول مثلا: (رَوَاهُ أَحْمد) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيكون الحَدِيث ضَعِيفا، وَأَشد من ذَلِكَ: كَون الحَدِيث فِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» مُبَيَّنًا ضعفه، فيعزيه إِلَيْهِ من غير بَيَان ضعفه. وَيَنْبَغِي لِلْحَافِظِ جمع هَذِه الْمَوَاضِع، وكتبها عَلَى حَوَاشِي هَذَا الْكتاب، أَو جمعهَا فِي مُصَنف لتكمل فَائِدَة الْكتاب الْمَذْكُور. وَقد شَرَعْتُ فِي كَتْبِ ذَلِكَ عَلَى حَوَاشِي نُسْخَتي، وَأَرْجُو إِتْمَامه. وَأَحْكَام الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ - نزيل مَكَّة، شرَّفها الله تَعَالَى - وَهُوَ أبسطها وأطولها. وَأَحْكَام بَقِيَّة الْمُجْتَهدين فِي هَذَا الْفَنّ: تَقِيّ الدَّين أبي الْفَتْح الْقشيرِي، الْمُسَمَّى ب «الْإِلْمَام» ، وشَرَطَ فِيهِ - كَمَا قَالَ فِي خطبَته - أَن لَا

стр. 24

يُخرج إلَّا حَدِيثا قد صحَّحه أحدٌ من الْأَئِمَّة، أَو زَكَّى (رُواته) واحدٌ مِنْهُم، وإنْ كَانَ غَيره قد ضعَّفه. وَأما كِتَابه «الإِمام» : فَهُوَ للْمُسلمين إِمَام، وَلِهَذَا الْفَنّ زِمَام، لَا نَظِير لَهُ، لَو تمَّ جَاءَ فِي خَمْسَة وَعشْرين مجلدًا، كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه «سير النبلاء» . وَهُوَ حقيق بذلك؛ فقد رَأَيْت من أوَّلِه إِلَى أثْنَاء كتاب الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى رفع الْيَدَيْنِ فِي ثَلَاث مجلداتٍ ضخماتٍ، وَنقل (الذَّهَبِيّ) فِي الْكتاب الْمَذْكُور، عَن شَيخنَا قطب الدَّين (عبد الْكَرِيم) الْحلَبِي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - أنَّه كَمَّل تسويد هَذَا الْكتاب. وَكَذَلِكَ سمعته من بعض مَشَايِخنَا، يَحْكِي عَن الهمذاني عَن المُصَنّف أَنه أكمله. وَالْمَوْجُود بِأَيْدِينَا مِنْهُ متواليًا مَا قَدَّمْتُه، وَقطعَة من الْحَج وَالزَّكَاة. وَلَو بُيِّض هَذَا الْكتاب، وَخرج إِلَى النَّاس، لاستغني بِهِ عَن كل كتاب صُنِّف فِي نَوعه، أَو بقيت مسودته. وَيُقَال: إِن بَعضهم أَفْسَدَ قِطْعَة مِنْهُ حسدًا. فَلَا حول وَلَا قُوَّة إلَّا بِاللَّه العليّ الْعَظِيم. هَذَا كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمتن الحَدِيث. وَأما متعلقاته: فَأمر غَرِيبه:

стр. 25

أفرده بالتصنيف: أَبُو عُبَيْدَة معمر بن المثنَّى، وتلميذه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام، وَالنضْر بن شُمَيْل، والهروي، وَابْن الْأَثِير، وَغَيرهم. وَأمر أَسمَاء رُوَاته جرحا وتعديلًا: وَأول من تكلَّم فِي ذَلِكَ: شُعْبَة، ثمَّ تبعه يَحْيَى بن سعيد القطَّان، ثمَّ أَحْمد بن حَنْبَل، وَيَحْيَى بن معِين. كَمَا قَالَه صَالح بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ - فأفرده بالتصنيف: يَحْيَى بن معِين - وَهُوَ أول من وضع كتابا فِي ذَلِكَ - ثمَّ البُخَارِيّ، ثمَّ أَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم، وَالنَّسَائِيّ. وَمن بعدهمْ: كالعُقَيْلي، والأزدي، وَابْن حبَان. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه «الاقتراح» : أَعْرَاض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار، وَقَفَ عَلَى شَفِيْرِها طَائِفَتَانِ من النَّاس: المحدثون والحكام. قَالَ: وَكَانَ شيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي يَقُول فِي الرجل الَّذِي يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيح: هَذَا جَازَ القنطرة. يَعْنِي بذلك: أَنه لَا (يلْتَفت) إِلَى مَا قيل فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ: وَهَكَذَا (نعتقد، و) بِهِ نقُول، وَلَا نخرج عَنهُ إلَّا ببيانٍ (شافٍ) ، وَحجَّة ظَاهِرَة. وَأمر صحابته أفرده بالتصنيف: أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان، وَابْن قَانِع، وَابْن عبد الْبر، وَابْن الْأَثِير، وَغَيرهم. وَكَذَلِكَ فعلوا - قَدَّس الله أَرْوَاحهم، ونَوَّر ضرائحهم - بباقي

стр. 26

أَنْوَاعه، وفنونه الزَّائِدَة عَلَى السِّتين نوعا، أَنْجَحَ الله قصدهم، وَلَا خَيَّبَ سعينا وسعيهم، فَلَقَد بذلوا جهدهمْ فِيمَا صنَّفوه، وأتعبوا فِكْرَهُم فِيمَا وضعوه وحرَّروه، وَلم يبْق هِمَّةُ أكثرِ الْفُضَلَاء (من) الْمُتَأَخِّرين إلَّا النّظر فِيمَا هَذَّبُوه، والاقتباس مِمَّا قَيَّدوه وضبطوه، ولعمري إنَّ ذَلِكَ (الْيَوْم) لمن أشرفِ المطالب، وأعظمِ الْمَقَاصِد. وَكنت مِمَّن أَنعمَ الله ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَيْهِ محبَّة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة، خُصُوصا هَذَا الْعلم الشريف، فَكنت أُعلِّق فَوَائده، وأَضبط شوارده، وأُقيِّد أوابده، وأَسمع عاليه ونازله، كاشفًا عَن فنونه، باحثًا عَن علومه، (أَعنِي) : صَحِيحه، وَحسنه، وضعيفه، ومتصله، ومرسله، ومنقطعه، ومعضله، ومقلوبه، ومشهوره، وغريبه، وعزيزه، ومنكره، و (معروفه) ، وآحاده، ومتواتره، وأفراده، وشاذه، ومعلله، ومدرجه، ومبينه، ومختلفه، وموضوعه، إِلَى غير ذَلِكَ من معرفَة حَال أسانيده جرحا وتعديلًا، وأنسابًا وتاريخًا، وصدقًا وتدليسًا، واعتبارًا ومتابعةً، ووصلًا وإرسالًا، ووقفًا وانقطاعًا، وَزِيَادَة الثِّقَات، وَمَا خُولف فِيهِ الْأَثْبَات، وَمَعْرِفَة الصَّحَابَة، وتابعيهم، وتابعي التَّابِعين ﵃ أَجْمَعِينَ. ويَسَّر الله - تَعَالَى - لنا - سُبْحَانَهُ، وَله الْحَمد والْمنَّة - من الْكتب الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا طَالب هَذَا الْفَنّ: زِيَادَة عَلَى مائَة تأليف، كَمَا سأعدها لَك فِي آخر الْخطْبَة. وأحببت أَن أشتغل بِكِتَابَة الحَدِيث النَّبَوِيّ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأعظم التَّحِيَّة والإِكرام - رَجَاء شَفَاعَته (فيَّ)

стр. 27

يَوْم الْقِيَامَة، يَوْم الهول والملامة، وثواب الله الْكَرِيم، وفضله العميم، وَقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فِيمَا (روينَا عَنهُ) : «اغْدُ عَالما أَو مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَغْدُ الثَّالِثَة فَتَهْلِك» . وَفِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني من حَدِيث عَطاء بن مُسلم، عَن خَالِد الحَذَّاء، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي [بكرَة] ، عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «اغْدُ عَالما، أَو مُتَعَلِّمًا، أَو مستمعًا، أَو مُحِبًّا، وَلَا تكن الْخَامِسَة فتهلك» ، قَالَ: يَعْنِي بالخامسة: المُبْغِض. ورجاءَ وُصُول هَذَا (الْعلم) الشريف إِلَى ذهني الركود، وقريحتي الَّتِي قَلَّ أَن تجود، وامتثالًا لقَوْل الْعلمَاء أولي الْفضل والتفضيل: التصنيف أحد (طريقَي) التَّحْصِيل. وَلَا شكّ وَلَا مرية أَن أهم أَنْوَاعه - قبل الْخَوْض فِي فهمه -: معرفَة صَحِيحه من سقيمه، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه «الاقتراح» : نَحن نرَى أَن [من] أهم عُلُوم الحَدِيث: مَا يُؤَدِّي إِلَى معرفَة صَحِيح الحَدِيث.

стр. 28

فَبَقيت زَمنا مُتَحَيِّرًا فِيمَ أكتبه، وَمَا أعلِّقه وأصنِّفه، إِلَى أَن خار الله والخيرة بِيَدِهِ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابه: (مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة) ، وَله الْحَمد والمنَّة - بتأليف كتاب نَفِيس، لم أُسْبَقْ إِلَى وَضعه، وَلم يُنسج عَلَى منواله وَجمعه، وَأهل زَمَاننَا وَغَيرهم (شديدو) الْحَاجة إِلَيْهِ، وكل الْمذَاهب تعتمد فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ، وَهُوَ: أَن أتكلَّم عَلَى الْأَحَادِيث (والْآثَار الْوَاقِعَة) فِي «الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز» ، وَهُوَ الشَّرْح الْكَبِير الَّذِي صنَّفه إِمَام الملَّة والدِّين، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه، فَإِنَّهُ كتاب لم يصنف فِي الْمَذْهَب عَلَى مثل أسلوبه، وَلم يجمع أحد سلف كجمعه، فِي ترتيبه وتنقيحه وتهذيبه، ومرجع فقهائنا فِي كل الأقطار - الْيَوْم - فِي الْفَتْوَى، والتدريس، والتصنيف إِلَيْهِ، واعتمادهم فِي هَذِه الْأُمُور عَلَيْهِ. لكنه - أَجْزَل الله مثوبته - مَشَى فِي هَذَا الشَّرْح الْمَذْكُور عَلَى طَريقَة الْفُقَهَاء الخُلَّص، فِي ذكر الْأَحَادِيث الضعيفة والموضوعات، والمنكرة والواهيات، وَالَّتِي لَا تعرف أصلا فِي كتاب حَدِيث، لَا قديم وَلَا حَدِيث، فِي معرض الِاسْتِدْلَال، من غير بَيَان ضَعِيف من صَحِيح، وسليم من جريح. وَهُوَ ﵀ إِمَام فِي الْفَنّ الْمَذْكُور، وَأحد فرسانه، كَمَا سَيَأْتِي إيضاحه فِي تَرْجَمته. فتوكلت - حينئذٍ - عَلَى الله فِي

стр. 29

ذَلِكَ، وسَأَلْتُه التوفيقَ فِي القولِ والعملِ، والعصمة من الْخَطَأ والخَطَل. وَكنت عزمت عَلَى أَن أرتِّب أَحَادِيث وآثار الْكتاب الْمَذْكُور عَلَى مسانيد الصَّحَابَة، فأذكر الصَّحَابِيّ وعدة مَا رَوَى من الْأَحَادِيث، وَمَا لَهُ من الْآثَار، فثنيت الْعَنَان عَن ذَلِكَ، لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الإِمام الرَّافِعِيّ ﵁ فِي كثير من المواطن لَا يذكر إلَّا نَفْس الحَدِيث، ويحذف الرَّاوِي، إذْ هُوَ مَوضِع الْحَاجة، فَلَا يَهْتَدِي طَالب الحَدِيث إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف مظنته. الثَّانِي: أَن ذَلِكَ يعسر عَلَى الْفَقِيه، فإنَّه يَسْتَدْعِي معرفَة جَمِيع الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَاقِعَة فِي شرح الرَّافِعِيّ، واستحضارها - وَهِي زَائِدَة عَلَى أَرْبَعَة آلَاف بمكررها - وَرُبمَا عسر ذَلِكَ عَلَيْهِم. فرتبته عَلَى تَرْتِيب «شرح الرَّافِعِيّ» ، لَا أُغَيِّر مِنْهُ شَيْئا بِتَقْدِيم وَلَا بِتَأْخِير، فأَذكر كل بَاب وَمَا تضمَّنه من الْأَحَادِيث والْآثَار. فَمَتَى طلب الطَّالِب حَدِيثا أَو أثرا فِي «كتاب الطَّهَارَة» مِنْهُ، فَزِعَ إِلَى كتاب الطَّهَارَة من هَذَا التَّأْلِيف، أَو فِي «كتاب الصَّلَاة» فَزِعَ إِلَى كتاب الصَّلَاة مِنْهُ، وَهَكَذَا أَولا فَأول، عَلَى التَّرْتِيب وَالْوَلَاء، إِلَى آخر الْكتاب - إِن شَاءَ الله تَعَالَى ذَلِكَ وقَدَّره - مُعْزِيًا إِلَى الْأُصُول الْمخْرج مِنْهَا: فَإِن كَانَ الحَدِيث أَو الْأَثر فِي صحيحي الإِمامين: أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج القُشَيْري، أَو أحدِهِما: اكتفيت بعزوه إِلَيْهِمَا، أَو إِلَيْهِ، وَلَا أُعَرِّجُ عَلَى من رَوَاهُ غَيرهمَا من بَاقِي (أَصْحَاب) الْكتب الستَّة، وَالْمَسَانِيد، والصحاح؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الإِطالة بذلك - وَإِن كَانَ الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام

стр. 30

ابْن تَيْمِية اعْتمد ذَلِكَ فِي «أَحْكَامه» - لِأَن الْغَرَض الِاخْتِصَار، وَذَلِكَ عِنْدِي - بِحَمْد الله - من أيسر شَيْء. اللَّهُمَّ إلَّا أَن يكون فِي الحَدِيث زِيَادَة (عِنْد غَيرهمَا) ، وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ذَلِكَ، فَأُشْفِعُه (بالعزو) إِلَيْهِم. وَإِن لم يكن الحَدِيث فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ، (عزوته) إِلَى من أخرجه من الْأَئِمَّة: كمالك فِي «موطئِهِ» ، وَالشَّافِعِيّ فِي « (الْأُم) » ، و «مُسْنده» الَّذِي جُمع من حَدِيثه، و «سنَنه» الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ، و «سنَنه» الَّتِي رَوَاهَا أَبُو عبد الله، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عَنهُ، وَأحمد فِي «مُسْنده» ، وَعبد الله بن وهب فِي «موطئِهِ» ، وَأبي دَاوُد فِي «سنَنه» ، وَأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» ، وَأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي «سنَنه الْكَبِير» المُسَمَّى ب «المجتنى» ، و «الصَّغِير» المُسَمَّى ب «الْمُجْتَبَى» ، وَأبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي «سنَنه» ، وَأبي عوَانَة فِي «صَحِيحه» ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي الْقطعَة الَّتِي وقفتُ عَلَيْهَا من «صَحِيحه» ، وَأبي حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه الْمُسَمَّى ب «التقاسيم والأنواع» ، وَفِي كِتَابه «وصف الصَّلَاة بِالسنةِ» ، وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي «صَحِيحه» وَأبي عبد الله الْحَاكِم فِيمَا استدرك عَلَى «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَابْن أبي شيبَة، والحُمَيْدِي، والدَّارِمِي، و (أبي) دَاوُد الطَّيَالِسي، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَأبي يَعْلَى، والبَزَّار، والْحَارث بن أبي أُسَامَة، فِي «مسانيدهم» ، وَابْن الْجَارُود فِي «المُنْتَقى» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي

стр. 31

«سنَنه» ، وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن الْكَبِير» ، وانْتَقَد عَلَيْهِ بعض شُيُوخنَا مواضعَ يُمكن الْجَواب عَنْهَا، و «معرفَة السّنَن والْآثَار» ، و «شعب الإِيمان» والمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني، والْكَبِير سِتُّونَ ألف حديثٍ، كَمَا قَالَه ابْن دحْيَة فِي كتاب «الْآيَات الْبَينَات» . قَالَ فِي (مَوضِع آخر) مِنْهُ: وَقيل: ثَمَانُون ألفا. وَجمع الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابه «خَصَائِص أَعْضَاء رَسُول الله ﷺ » . قَالَ: وعاش مائَة سنة. وَقَالَ صَاحب «مُسْند الفردوس» : وَيُقَال: إِن الْأَوْسَط ثَلَاثُونَ ألف حَدِيث. و «الطّهُور» لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام، و «سنَن» اللالكائي، و «سنَن» أبي عَلّي بن السَّكن، المسمَّى ب « (السّنَن) الصِّحَاح المأثورة» . نَاظرا عَلَى ذَلِك من كتب الصَّحَابَة: مَا صنَّفه أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان، وَابْن عبد الْبر، وَابْن قَانِع فِي «مُعْجَمه» ، و (عبد الْكَرِيم الْجَزرِي) فِي كِتَابه « (أَسد) الغابة» ، وَمَا زَاده الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ (من) «طَبَقَات ابْن سعد» وَغَيره، فِي اختصاره للْكتاب الْمَذْكُور وَمَا أهمله. وَمن كتب الْأَسْمَاء جرحا وتعديلًا وَغير ذَلِك: تواريخ البُخَارِيّ، و «الضُّعَفَاء» لَهُ، و «الضُّعَفَاء» للنسائي، و «الْجرْح

стр. 32

وَالتَّعْدِيل» لِابْنِ أبي حَاتِم، و «الضُّعَفَاء» للعقيلي، و «الْكَامِل» لِابْنِ عدي، و «الضُّعَفَاء» لِابْنِ حبَان، و «الثِّقَات» لَهُ، و «الثِّقَات» لِابْنِ شاهين، و «المُخْتَلَف فيهم» (لَهُ) ، و «الضُّعَفَاء» (لأبي الْعَرَب) ، و «الضُّعَفَاء» لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ، وَمَا جمعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ب «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» ، وَمَا ذيَّل عَلَيْهِ، وَمَا جمعه آخرا وسَمَّاه ب «ميزَان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال» ، وَهُوَ من أنفس كتبه. و «رجال الصَّحِيحَيْنِ» لِابْنِ طَاهِر، غير مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، و «الكُنى» للنسائي، و «الكُنى» للدولابي، و «الكُنى» لِلْحَافِظِ أبي أَحْمد الْحَاكِم، وَهُوَ (أكبرها) . و «الْمدْخل إِلَى الصَّحِيحَيْنِ» للْحَاكِم أبي عبد الله، و «التذهيب» لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ، وَأَصله المسمَّى ب «تَهْذِيب الْكَمَال» لِلْحَافِظِ جمال الدَّين المزيِّ، وَمَا (نُقد) عَلَيْهِ. «والكمال» ، و «الكاشف» ، و «الذبّ عَن الثِّقَات» ، و «من تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ موثق» لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ، و «الْأَسْمَاء المفردة» لِلْحَافِظِ أبي بكر البرديجي، و «أَسمَاء رُوَاة الْكتب» لأبي عبد الله بن نقطة، و «كشف النقاب عَن الْأَسْمَاء والألقاب» لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ، و «الْأَنْسَاب» لِابْنِ طَاهِر، و «إِيضَاح

стр. 33

[الْإِشْكَال] » لِلْحَافِظِ عبد الْغَنِيّ الْمصْرِيّ، و «غُنْيَة الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس» للخطيب الْبَغْدَادِيّ، و «مُوَضِّح أَوْهَام الْجمع والتفريق» لَهُ، وَهُوَ كتاب نَفِيس، وَقع لي بِخَطِّهِ. و «تَلْخِيص الْمُتَشَابه فِي الرَّسْم، وحماية مَا أشكل (مِنْهُ) عَن (بَوَادِر) التَّصْحِيف وَالوهم» لَهُ أَيْضا، و «أَسمَاء من رَوَى عَن مَالك» لَهُ، وَكتاب: «الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل» (لَهُ) ، و «التَّهْذِيب» للشَّيْخ محيي الدَّين النواوي. وَمن كتب الْعِلَل: مَا أودعهُ أَحْمد، وَابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي حَاتِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْن القَطَّان، وَابْن الْجَوْزِيّ: فِي عللهم. قَالَ ابْن مهْدي الْحَافِظ: لِأَن أَعْرِف عِلَّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي، أحبّ إليَّ من أَن أَكتبَ عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي. وَمن كتب الْمَرَاسِيل: مَا أودعهُ أَبُو دَاوُد، وَابْن أبي حَاتِم، وَابْن بدر الْموصِلِي، وَشَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي، حَافظ زَمَانه - أبْقَاه الله فِي خير وعافية - فِي مراسيلهم. وَمن كتب الموضوعات: مَا أودعهُ ابْن طَاهِر، والجَوْرَقَاني، وَابْن الْجَوْزِيّ، والصَّغَانيّ، وَابْن بدر الْموصِلِي: فِي موضوعاتهم.

стр. 34

وَمن كتب الْأَطْرَاف: أَطْرَاف الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي، حَافظ الْوَقْت، الْمُسَمَّاة ب «تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِِفَة الْأَطْرَاف» . اقْتَصَرْتُ عَلَيْهَا؛ لكَونه هَذَّبَ الْأَطْرَاف المتقدِّمة قبله، (مَعَ جمعهَا لَهَا) ك «أَطْرَاف» خلف، وَأبي مَسْعُود، وَابْن عَسَاكِر، وَابْن طَاهِر، واستدرك جملَة عَلَيْهِم. وأطراف خلف أقلُّ وهما وَخطأ من أَطْرَاف أبي مَسْعُود، وأطراف ابْن طَاهِر كَثِيرَة الْوَهم، كَمَا شهد بذلك حَافظ الشَّام ابْن عَسَاكِر. وَمن كتب الْأَحْكَام: أَحْكَام عبد الْحق «الْوُسْطَى» ، و «الصُّغْرَى» ، و «أَحْكَام» الضياء الْمَقْدِسِي، و «الْأَحْكَام الْكُبْرَى» لعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي، وَأَحْكَام أبي عبد الله مُحَمَّد (بن فرج) الْمَعْرُوف ب «الطَلَّاع» ، و «الْمُنْتَقَى» لمجد الدَّين ابْن تَيْمِية، و «الإِلمام» للشَّيْخ تَقِيّ الدَّين، وَالْمَوْجُود من «الإِمام» (لَهُ) ، و «الْخُلَاصَة» للشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ، وَهِي مفيدة، وَلم يُكَمِّلها. وَمَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كتاب «اخْتِصَار سنَن أبي دَاوُد» ، من اعتراضات وفوائد. وَمن كتب الخلافيات الحديثية: «خلافيات» الْحَافِظ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ، وَلم أرَ مثلهَا، بل وَلَا صُنِّف. وخلافيات الْحَافِظ جمال الدَّين أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ، الْمُسَمَّاة ب «التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث التَّعْلِيق» ، وَهِي مفيدة، وَمَا نقب عَلَيْهَا.

стр. 35

وَمن كتب الأمالي: « (أمالي» ) ابْن السَّمْعَانِيّ، «أمالي» ابْن مَنْدَه، «أمالي» ابْن عَسَاكِر، أمالي إِمَام الْملَّة وَالدّين، أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - الَّذِي تصدينا لإِخراج أَحَادِيث «شَرحه الْكَبِير» - وَهِي مفيدة جدًّا لم أرَ أحدا مَشَى عَلَى مِنْوَالِها، فإنَّه أملاها فِي ثَلَاثِينَ مَجْلِسا، ذكر فِي أول كل مجلسٍ مِنْهَا حَدِيثا بِإِسْنَادِهِ، عَلَى طَريقَة أهل الْفَنّ، ثمَّ تكلم (عَلَيْهِ) بِمَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ، وحالِ رواتِه، وغريبِه، وعربيته، وفقههِ، ودقائقه، ثمَّ يختمه بفوائد، (وأشعار) ، وحكايات، ورتبها ترتيبًا بديعًا عَلَى نظم كَلِمَات الْفَاتِحَة، بإرداف كلمة «آمين» لِأَنَّهَا بهَا ثَلَاثُونَ كلمة، فَاشْتَمَلَ الحَدِيث الأول عَلَى كلمة «الِاسْم» ، وَالثَّانِي عَلَى اسْم الله الْعَظِيم، وَالثَّالِث عَلَى «الرَّحْمَن» ، وهلم جرًّا إِلَى آخرهَا. وَهَذَا تَرْتِيب بديع، وسمَّاها: «الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة» ، ومَنْ نَظَر فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَرَفَ قدر هَذَا الإِمام، وَحكم لَهُ بتقدمه فِي (هَذَا) الْعلم خُصُوصا. وَمن كتب النَّاسِخ والمنسوخ: مَا أودعهُ الإِمام الشَّافِعِي فِي «اخْتِلَاف الحَدِيث» ، والأثرم، والحازمي، وَابْن شاهين، وَابْن الْجَوْزِيّ: فِي تواليفهم. وَمن كتب المبهمات فِي الحَدِيث: (مَا) أودعهُ الْحَافِظ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ، وَابْن بشكوال،

стр. 36

وَابْن طَاهِر: فِي تواليفهم. وَمَا زَاده الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي اختصاره لكَلَام الْخَطِيب، والحافظ: أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي آخر كِتَابه الْمُسَمَّى ب «تلقيح فهوم [أهل] الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالسير» . وَمن كتب شُرُوح الحَدِيث والغريب: مَا ذكره القَاضِي عِيَاض، والمازري قبله، وَالنَّوَوِيّ، والقرطبي: فِي شروحهم ل «مُسلم» . وَمَا شرحهُ الْخطابِيّ من: «سنَن أبي دَاوُد» ، و «البُخَارِيّ» المسمَّى ب «الْأَعْلَام» . وَمَا شرَحه (النَّوَوِيّ) من: «البُخَارِيّ» ، و «سنَن أبي دَاوُد» وَلم يكملهما. وَمَا شرَحه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين من أَوَائِل «الإِلمام» . وَمَا شَرحه شَيخنَا، حَافظ مصر فتح الدَّين ابْن سيد النَّاس من «جَامع التِّرْمِذِيّ» ، وَلَو كَمُلَ كَانَ فِي غَايَة الْحسن. و «شرح مُسْند الإِمَام الشَّافِعِي» لِابْنِ الْأَثِير، وللإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ أَيْضا، وَهُوَ من جملَة مَا يُعْرَفُ بِهِ قدره فِي هَذَا الْفَنّ. وَمَا أودعهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام فِي «غَرِيبه» (الَّذِي) جمعه فِي أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَ خُلَاصَة عمره. والحَرْبيّ - صَاحب الإِمام أَحْمد - فِي «غَرِيبه الْكَبِير» ، والزَّمَخْشَرِيّ فِي «فَائِقِه» ، وَابْن قُرْقُول فِي «مطالعه» ،

стр. 37

والهَرَوِيّ فِي «غَرِيبه» ، وَابْن الْأَثِير فِي «نهايته» . وَمَا ذكره فِي «جَامع الْأُصُول» . وَمَا ذكره القَلْعِي، وَابْن بَاطِيْش، وَابْن مَعْن: فِي كَلَامهم عَلَى (الْمُهَذّب) . والخَطَّابي فِي كِتَابه: «تصاحيف الْمُحدثين» ، والصولي فِيهِ أَيْضا، والعَسْكري فِيهِ أَيْضا. والمُطَرِّزِيّ فِي «مغربه» ، وَمَا أَكثر فَوَائده. وَمن كتب أَسمَاء الْأَمَاكِن: مَا أودعهُ الْوَزير أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي «مُعْجم مَا استعجم من الْبلدَانِ» ، (والحافظ أَبُو بكر الْحَازِمِي) فِي تأليفه الْمُسَمَّى ب «الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن» وهما غَايَة فِي بابهما. وَمن كتب أُخرى حَدِيثِيَّةٌ: كمعجم أبي (يعْلى) الْموصِلِي، و «جَامع المسانيد بألخص الْأَسَانِيد» لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ، وَهُوَ تَلْخِيص مُسْند الإِمام أَحْمد بن حَنْبَل، و «نقي النَّقْل» لَهُ، وَكتاب «تَحْرِيم الْوَطْء فِي الدبر» لَهُ، و «بَيَان خَطَأِ من أَخْطَأَ عَلَى الشَّافِعِي فِي الحَدِيث» للبيهقي، و «فِي اللُّغَة» لَهُ أَيْضا، و «حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم» لَهُ أَيْضا، وَكتاب «الْأَشْرِبَة» للإِمام أَحْمد، و «الْحِلْية» لأبي نعيم، و «أَمْثَال الحَدِيث» للرَّامَهُرْمُزِيّ، و «الْأَوَائِل» للطبراني، و «عُلُوم الحَدِيث» للْحَاكِم أبي عبد الله، وَابْن الصّلاح. و «الدَّعْوَات الكافية فِي الْأَدْوِيَة الشافية» لِابْنِ الْقُسْطَلَانِيّ،

стр. 38

و «الْأَدْعِيَة» لِلْحَافِظِ أبي الْفضل الْمَقْدِسِي، و «الصَّوْم» لَهُ، و «الصّيام من السّنَن المأثورة» للْقَاضِي يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل. و «كَلَام الحافظِ أبي الْفضل بن طَاهِر عَلَى حَدِيث معَاذ» ، و «أَحَادِيث الشهَاب» . و «المُحَلَّى شرح المُجَلَّى» لأبي مُحَمَّد بن حزم. وَمَا رَدَّه عَلَيْهِ ابْن عبد الْحق، وَابْن مُفَوِّز، وَشَيخنَا قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي، الْحَافِظ، فِي جُزْء جيد، وَمَا أَكثر فَوَائده. و «رسائل ابْن حزم فِي الْقيَاس» ، و «فَضَائِل الْجِهَاد» لبهاء الدَّين بن عَسَاكِر، ابْن الْحَافِظ الْمَشْهُور. وَمن مصنفات أبي الْخطاب بن دِحْيَة: «الْآيَات البَيِّنات فِي أَعْضَائِهِ ﵇» ، و «مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين» ، و «العَلَم الْمَشْهُور فِي فَضَائِل الْأَيَّام والشهور» ، و « (خَصَائِص) الْأَعْضَاء» ، و « (التَّنْوِير)

стр. 39

فِي مولد السراج الْمُنِير» وَغَيرهَا من مؤلفاته المفيدة. وَمن كتب أُخْرَى مُتَعَلقَة بالفقه: ك «تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب» للشَّيْخ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ، رَأَيْت مِنْهُ إِلَى أَوَاخِر الْحَج، وشأنه إِيرَاد الْأَحَادِيث بأسانيده. وَكَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ عَلَى «الْوَسِيط» ، و «الْمُهَذّب» ، وَكَلَام الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «التذنيب» الَّذِي لَهُ عَلَى «الْوَجِيز» . وَكَلَام الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرِّفْعَة، فِي شرحي «الْوَسِيط» ، و «التَّنْبِيه» ، وَغير ذَلِك. هَذَا مَا حضرني الْآن من الْكتب الَّتِي نظرتها، واعتمدت عَلَيْهَا فِي هَذَا التصنيف وانتخبتها. وَأما الْأَجْزَاء الحديثية، والمصنفات اللطيفة، والفوائد المنتخبة من الخبايا والزوايا فَلَا ينْحَصر مصنفاتها، وكل نقولاتها فِي الْكتاب معزوة إِلَى (قَائِلهَا) وناقلها، فإنْ كَانَ فِي المظنة أطلقته، وإنْ لم يكن (فِيهَا) قَيَّدتهُ بِبَابِهِ. وَعَدَدْتُ هَذِه الْكتب هَا هُنَا لفائدتين: إِحْدَاهمَا: أَن النَّاظر قد يُشْكِل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة، فيراجعه من تواليفهم. (الثَّانِيَة) : ليعرف مِقْدَار هَذَا الْكتاب، وبذل جهد الطَّاقَة والوسع فِيهِ.

стр. 40

فإنْ كَمُلَ مَا رُمْنَاهُ، وَحصل مَا قَصَدْنَاه حصل عنْدك أَيهَا الطَّالِب خزانَة من أَنْوَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِيهِ، وكملت فَائِدَة شرح الرَّافِعِيّ، لِأَن محصلهما حينئذٍ يكون جَامعا للفنين - أَعنِي عِلْمَي: الْفِقْه والْحَدِيث - (وحائِزًا (للمنقبتين) ، ويلتحق بِمن إِذا ذكرُوا فِي الْقَدِيم والْحَدِيث) ، يُقَال فِي حَقهم: الجامعون بَين الْفِقْه والْحَدِيث. وأتوسط فِي الْعبارَة فِيمَا أُورده من علل الحَدِيث، ومتعلقاته، وَإِذا توارد عَلَى التَّعْلِيل - أَو غَيره من الْفُنُون الْمُتَعَلّقَة بِهِ - (أَقْوَال) أَئِمَّة ذكرتُ قَول أشهرهم لَئِلَّا يطول الْكتاب. وأُنَبِّه - مَعَ ذَلِكَ - عَلَى مَا أَظهره الله عَلَى يَدي مِمَّا وَقع للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من وهم، أَو غلط، أَو اعْتِرَاض، أَو (اسْتِدْرَاك) ، قَاصِدا بذلك النَّصِيحَة للْمُسلمين، حاشا الظُّهُور أَو التنقيص، معَاذ الله من ذَلِكَ، فَهَل الْفضل إلَّا للمتقدم، وغالب ذَلِكَ إِنَّمَا يَقع (من) التَّقْلِيد، وَنحن (برَاء مِنْهُ) بِحَمْد الله وَمَنِّه. وأُتْبعُ الْكَلَام غَالِبا - بعد بَيَان صِحَة الحَدِيث، وَضَعفه، وغرابته، إِلَى غير ذَلِكَ من فنونه - بِمَا وَقع فِيهِ من ضبط ألفاظٍ، وَأَسْمَاء، وفوائدَ، وإشكالات. وَهَذَا النَّوْع - وَإِن كَانَ كتَابنَا هَذَا غير مَوْضُوع لَهُ - فبه تكمل الْفَائِدَة، وتتم العائدة، إلَّا أَنَّا نَتَحَرَّى الِاخْتِصَار فِي إِيرَاده، ونقتصر فِي إبرازه، حَذَرَ السَّآمَة (والملل) .
следующие страницы →