Полный текст (6 131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَابْن طَاهِر: فِي تواليفهم.
وَمَا زَاده الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي اختصاره لكَلَام الْخَطِيب، والحافظ: أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي آخر كِتَابه الْمُسَمَّى ب «تلقيح فهوم [أهل] الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالسير» .
وَمن كتب شُرُوح الحَدِيث والغريب:
مَا ذكره القَاضِي عِيَاض، والمازري قبله، وَالنَّوَوِيّ، والقرطبي: فِي شروحهم ل «مُسلم» .
وَمَا شرحهُ الْخطابِيّ من: «سنَن أبي دَاوُد» ، و «البُخَارِيّ» المسمَّى ب «الْأَعْلَام» .
وَمَا شرَحه (النَّوَوِيّ) من: «البُخَارِيّ» ، و «سنَن أبي دَاوُد» وَلم يكملهما.
وَمَا شرَحه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين من أَوَائِل «الإِلمام» .
وَمَا شَرحه شَيخنَا، حَافظ مصر فتح الدَّين ابْن سيد النَّاس من «جَامع التِّرْمِذِيّ» ، وَلَو كَمُلَ كَانَ فِي غَايَة الْحسن.
و «شرح مُسْند الإِمَام الشَّافِعِي» لِابْنِ الْأَثِير، وللإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ أَيْضا، وَهُوَ من جملَة مَا يُعْرَفُ بِهِ قدره فِي هَذَا الْفَنّ.
وَمَا أودعهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام فِي «غَرِيبه» (الَّذِي) جمعه فِي أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَ خُلَاصَة عمره. والحَرْبيّ - صَاحب الإِمام أَحْمد - فِي «غَرِيبه الْكَبِير» ، والزَّمَخْشَرِيّ فِي «فَائِقِه» ، وَابْن قُرْقُول فِي «مطالعه» ،
стр. 37
والهَرَوِيّ فِي «غَرِيبه» ، وَابْن الْأَثِير فِي «نهايته» .
وَمَا ذكره فِي «جَامع الْأُصُول» .
وَمَا ذكره القَلْعِي، وَابْن بَاطِيْش، وَابْن مَعْن: فِي كَلَامهم عَلَى (الْمُهَذّب) .
والخَطَّابي فِي كِتَابه: «تصاحيف الْمُحدثين» ، والصولي فِيهِ أَيْضا، والعَسْكري فِيهِ أَيْضا. والمُطَرِّزِيّ فِي «مغربه» ، وَمَا أَكثر فَوَائده.
وَمن كتب أَسمَاء الْأَمَاكِن:
مَا أودعهُ الْوَزير أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي «مُعْجم مَا استعجم من الْبلدَانِ» ، (والحافظ أَبُو بكر الْحَازِمِي) فِي تأليفه الْمُسَمَّى ب «الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن» وهما غَايَة فِي بابهما.
وَمن كتب أُخرى حَدِيثِيَّةٌ:
كمعجم أبي (يعْلى) الْموصِلِي، و «جَامع المسانيد بألخص الْأَسَانِيد» لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ، وَهُوَ تَلْخِيص مُسْند الإِمام أَحْمد بن حَنْبَل، و «نقي النَّقْل» لَهُ، وَكتاب «تَحْرِيم الْوَطْء فِي الدبر» لَهُ، و «بَيَان خَطَأِ من أَخْطَأَ عَلَى الشَّافِعِي فِي الحَدِيث» للبيهقي، و «فِي اللُّغَة» لَهُ أَيْضا، و «حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم» لَهُ أَيْضا، وَكتاب «الْأَشْرِبَة» للإِمام أَحْمد، و «الْحِلْية» لأبي نعيم، و «أَمْثَال الحَدِيث» للرَّامَهُرْمُزِيّ، و «الْأَوَائِل» للطبراني، و «عُلُوم الحَدِيث» للْحَاكِم أبي عبد الله، وَابْن الصّلاح.
و «الدَّعْوَات الكافية فِي الْأَدْوِيَة الشافية» لِابْنِ الْقُسْطَلَانِيّ،
стр. 38
و «الْأَدْعِيَة» لِلْحَافِظِ أبي الْفضل الْمَقْدِسِي، و «الصَّوْم» لَهُ، و «الصّيام من السّنَن المأثورة» للْقَاضِي يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل.
و «كَلَام الحافظِ أبي الْفضل بن طَاهِر عَلَى حَدِيث معَاذ» ، و «أَحَادِيث الشهَاب» .
و «المُحَلَّى شرح المُجَلَّى» لأبي مُحَمَّد بن حزم.
وَمَا رَدَّه عَلَيْهِ ابْن عبد الْحق، وَابْن مُفَوِّز، وَشَيخنَا قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي، الْحَافِظ، فِي جُزْء جيد، وَمَا أَكثر فَوَائده.
و «رسائل ابْن حزم فِي الْقيَاس» ، و «فَضَائِل الْجِهَاد» لبهاء الدَّين بن عَسَاكِر، ابْن الْحَافِظ الْمَشْهُور.
وَمن مصنفات أبي الْخطاب بن دِحْيَة: «الْآيَات البَيِّنات فِي أَعْضَائِهِ ﵇» ، و «مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين» ، و «العَلَم الْمَشْهُور فِي فَضَائِل الْأَيَّام والشهور» ، و « (خَصَائِص) الْأَعْضَاء» ، و « (التَّنْوِير)
стр. 39
فِي مولد السراج الْمُنِير» وَغَيرهَا من مؤلفاته المفيدة.
وَمن كتب أُخْرَى مُتَعَلقَة بالفقه:
ك «تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب» للشَّيْخ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ، رَأَيْت مِنْهُ إِلَى أَوَاخِر الْحَج، وشأنه إِيرَاد الْأَحَادِيث بأسانيده. وَكَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ عَلَى «الْوَسِيط» ، و «الْمُهَذّب» ، وَكَلَام الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «التذنيب» الَّذِي لَهُ عَلَى «الْوَجِيز» .
وَكَلَام الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرِّفْعَة، فِي شرحي «الْوَسِيط» ، و «التَّنْبِيه» ، وَغير ذَلِك.
هَذَا مَا حضرني الْآن من الْكتب الَّتِي نظرتها، واعتمدت عَلَيْهَا فِي هَذَا التصنيف وانتخبتها.
وَأما الْأَجْزَاء الحديثية، والمصنفات اللطيفة، والفوائد المنتخبة من الخبايا والزوايا فَلَا ينْحَصر مصنفاتها، وكل نقولاتها فِي الْكتاب معزوة إِلَى (قَائِلهَا) وناقلها، فإنْ كَانَ فِي المظنة أطلقته، وإنْ لم يكن (فِيهَا) قَيَّدتهُ بِبَابِهِ.
وَعَدَدْتُ هَذِه الْكتب هَا هُنَا لفائدتين:
إِحْدَاهمَا: أَن النَّاظر قد يُشْكِل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة، فيراجعه من تواليفهم.
(الثَّانِيَة) : ليعرف مِقْدَار هَذَا الْكتاب، وبذل جهد الطَّاقَة والوسع فِيهِ.
стр. 40
فإنْ كَمُلَ مَا رُمْنَاهُ، وَحصل مَا قَصَدْنَاه حصل عنْدك أَيهَا الطَّالِب خزانَة من أَنْوَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِيهِ، وكملت فَائِدَة شرح الرَّافِعِيّ، لِأَن محصلهما حينئذٍ يكون جَامعا للفنين - أَعنِي عِلْمَي: الْفِقْه والْحَدِيث - (وحائِزًا (للمنقبتين) ، ويلتحق بِمن إِذا ذكرُوا فِي الْقَدِيم والْحَدِيث) ، يُقَال فِي حَقهم: الجامعون بَين الْفِقْه والْحَدِيث.
وأتوسط فِي الْعبارَة فِيمَا أُورده من علل الحَدِيث، ومتعلقاته، وَإِذا توارد عَلَى التَّعْلِيل - أَو غَيره من الْفُنُون الْمُتَعَلّقَة بِهِ - (أَقْوَال) أَئِمَّة ذكرتُ قَول أشهرهم لَئِلَّا يطول الْكتاب.
وأُنَبِّه - مَعَ ذَلِكَ - عَلَى مَا أَظهره الله عَلَى يَدي مِمَّا وَقع للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من وهم، أَو غلط، أَو اعْتِرَاض، أَو (اسْتِدْرَاك) ، قَاصِدا بذلك النَّصِيحَة للْمُسلمين، حاشا الظُّهُور أَو التنقيص، معَاذ الله من ذَلِكَ، فَهَل الْفضل إلَّا للمتقدم، وغالب ذَلِكَ إِنَّمَا يَقع (من) التَّقْلِيد، وَنحن (برَاء مِنْهُ) بِحَمْد الله وَمَنِّه.
وأُتْبعُ الْكَلَام غَالِبا - بعد بَيَان صِحَة الحَدِيث، وَضَعفه، وغرابته، إِلَى غير ذَلِكَ من فنونه - بِمَا وَقع فِيهِ من ضبط ألفاظٍ، وَأَسْمَاء، وفوائدَ، وإشكالات.
وَهَذَا النَّوْع - وَإِن كَانَ كتَابنَا هَذَا غير مَوْضُوع لَهُ - فبه تكمل الْفَائِدَة، وتتم العائدة، إلَّا أَنَّا نَتَحَرَّى الِاخْتِصَار فِي إِيرَاده، ونقتصر فِي إبرازه، حَذَرَ السَّآمَة (والملل) .
стр. 41
ووسمته ب «الْبَدْر الْمُنِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشَّرْح الْكَبِير» .
وقدمت فِي أَوله فصولًا، تكونُ لِمُحَصِّله وَغَيره قَوَاعِد يَرْجِع إِلَيْهَا، وأصولًا فِي شُرُوط الْكتب السِّتَّة، وَغَيرهَا من الْكتب المصنَّفة المتقدِّمة، ليعتمد عَلَى شَرطهَا من أول الْكتاب إِلَى آخِره.
وَفِي آخرهَا فصلا فِي حَال الإِمام (الرَّافِعِيّ) ومولده، ووفاته، وشيوخه، ومصنفاته، فإنَّه فِي الإِسلام بِمحل خطير، وَبِكُل فَضِيلَة جدير، ليُعْرَف قدره، وَيرد عَلَى (كل) من جَهِلَ حَاله وفضله.
وَبَيَان حَال وَالِده، ووالدته، فإنَّهما من الَّذين تتنزَّل الرَّحْمَة بذكرهم، ويُبْتَهل إِلَى الله ببركتهم.
جَعَلَه الله مُقَرِّبًا من رضوانه، مُبْعِدًا من سخطه وحرمانه، نَافِعًا لكَاتبه، وسامعه، نفعا شَامِلًا فِي الْحَال والمآل، إنَّه لِمَا يَشَاء فَعَّال، لَا رب سواهُ، وَلَا مَرْجُوًّا إلَّا إيَّاه.
اللَّهُمَّ انفعني بِهِ يَوْم الْقِيَامَة، يَوْم الْحَسْرَة والندامة، ووالدي، ومشايخي، وأحبائي، وَالْمُسْلِمين أَجْمَعِينَ، إِنَّه عَلَى مَا يَشَاء قدير، وَبِكُل مأمول جدير.
فصل
أمَّا «موطأ» إِمَام دَار الْهِجْرَة ، مَالك بن أنس: فشرطها أوضح من (الشَّمْس) . قَالَ بشر بن عمر الزهْرَانِي: سَأَلت مَالِكًا عَن رجلٍ، فَقَالَ:
стр. 42
رَأَيْتَه فِي كتبي؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَو كَانَ ثِقَة لرأيته فِي كتبي.
وَقَالَ الإِمام أَحْمد: مالكٌ إِذا رَوَى عَن رجلٍ لَمْ يُعْرَف فَهُوَ حجَّة.
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كَانَ مَالك لَا يبلغ من الحَدِيث إلَّا صَحِيحا، وَلَا يُحَدِّث إلَّا عَن ثِقَات النَّاس.
(وَقَالَ صَاحب «مُسْند الفردوس» : هُوَ أول كتاب صُنِّف فِي الْإِسْلَام، وعلِّقَ عَلَى بَاب الْكَعْبَة بسلسلة الذَّهَب) .
فصل
وَأما مُسْند الإِمام أَحْمد ، (وَذَلِكَ) فِيمَا روينَا بالإِسناد الصَّحِيح عَنهُ أَنه قَالَ: عملت هَذَا الْكتاب - يَعْنِي الْمسند - إِمَامًا، إِذا اخْتلف الناسُ فِي سُنَّةٍ عَن رَسُول الله ﷺ رُجِع إِلَيْهِ.
وَقَالَ حَنْبَل بن إِسْحَاق: جَمَعَنا أَحْمد بن حَنْبَل، أَنا وَصَالح، وَعبد الله وَقَرَأَ علينا «الْمسند» ، و (مَا) سَمعه مِنْهُ غَيرنَا، وَقَالَ لنا: هَذَا الْكتاب قد جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة ألف وَخمسين ألفا، فَمَا اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ فارجِعُوا إِلَيْهِ، فإنْ وجدتموه، وإلَّا فَلَيْسَ بحجَّة.
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرُّهَاوي فِي كتاب «المادح والممدوح» - وَمن خطّ الْمُنْذِرِيّ نقلت -: كَيفَ قَالَ الإِمام أَحْمد هَذَا و «الْمسند» يشْتَمل عَلَى الصِّحَاح، وغرائب، وَأَحَادِيث فِيهَا ضعف؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ
стр. 43
إنَّما أَرَادَ بقوله: فإنْ وجدتموه فِيهِ، وإلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة: الْأَحَادِيث الصِّحَاح الَّتِي احتوى عَلَيْهَا مُسْنده، دون الغرائب، والضعاف. يَعْنِي: أَن كل حَدِيث يُرَاد للاحتجاج بِهِ، وَالْعَمَل بِحكمِهِ، وَلَيْسَ فِي مُسْنده فَلَيْسَ بِصَحِيح، حكما مِنْهُ بأنَّه لم يبقَ حَدِيث صَحِيح خَارج «مُسْنده» ، وَهَذَا لسعة علمه بالأحاديث، وإحاطته بهَا وبطرقها، وصحاحها، وسقامها.
قَالَ: وَمن أَمْعَنَ فِي طلب الحَدِيث، واستكثر مِنْهُ، وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ فِي أَنْوَاع علومه، وَرَآهَا مشحونة بِكَلَامِهِ، وَرَأَى اعْتِمَاد المُصَنِّفين عَلَى كَلَامه، وإحالتهم عَلَيْهِ - من عصره، وزمانه وهلم جرًّا، إِلَى حِين قَلَّ طالبو الحَدِيث، وكَسَد سوقه - عَرفَ صِحَة مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي «خَصَائِصه» : وَلم يخرج - أَي أَحْمد - إلَّا عَمَّن يثبت عِنْده صدقه، وديانته، دون من طُعِنَ فِي أَمَانَته، يدل عَلَى ذَلِكَ قَول ابْنه عبد الله: سَأَلت أبي عَن عبد الْعَزِيز بن أبان فَقَالَ: لم أخرج عَنهُ فِي الْمسند شَيْئًا، قد أخرجت عَنهُ عَلَى غير وَجه الحَدِيث، لَمَّا حدَّث بِحَدِيث الْمَوَاقِيت تركته.
قَالَ أَبُو مُوسَى: وَمن الدَّلِيل (عَلَى) أنَّ مَا أودعهُ «مُسْنده» قد (احتاط) فِيهِ إِسْنَادًا ومتنًا، وَلم يوردْ فِيهِ إلَّا مَا صحَّ عِنْده (ضربه) عَلَى أَحَادِيث رجال (ترك) الرِّوَايَة عَنْهُم، رَوَى عَنْهُم فِي غير «الْمسند» .
فَائِدَة:
عَدَدُ أَحَادِيث «الْمسند» أَرْبَعُونَ ألفا، بِزِيَادَات ابْنه عبد الله. كَمَا قَالَه
стр. 44
ابْن دحْيَة فِي «فَوَائِد المشرقين والمغربين» .
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن (الْمُنَادِي) : إِنَّه ثَلَاثُونَ ألفا، (وَقَالَ صَاحب «مُسْند الفردوس» : يُقَال: إِنَّه ضمَّنَه خمسين ألف حَدِيث) .
فصل
وَأما «صَحِيح الإِمام أبي عبد الله البُخَارِيّ» فَهُوَ أصح الْكتب بعد الْقُرْآن.
روينَا عَنهُ أَنه قَالَ: مَا أدخلت فِي كتاب «الْجَامِع» إلَّا مَا صحَّ، وَتركت من الصِّحَاح لحَال الطول.
وروينا من جِهَات عَنهُ أَنه قَالَ: صنفت كتاب الصَّحِيح لستّ عشرَة سنة، خرجته من سِتّمائَة ألف حَدِيث، وَجَعَلته حجَّة بيني وَبَين الله .
قُلْتُ: وَأما زعم أبي مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ أَن فِيهِ حَدِيثا مَوْضُوعا - وَهُوَ حَدِيث «شقّ الصَّدْر» إِلَى آخِره - فَلَا يُقبل مِنْهُ.
стр. 45
وَقد أجَاب عَن ذَلِكَ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي جُزْء مُفْرد.
فصل
وَأما صَحِيح الإِمام أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج، فَهُوَ أصح الْكتب بعد الْقُرْآن أَيْضا، وَبَعض عُلَمَاء (الغرب يَقُولُونَ) : إنَّه أصح من كتاب البُخَارِيّ. وَلَيْسَ بصواب.
رُوِّينا عَنهُ ﵁ فِي «صَحِيحه» أَنه قَالَ: لَيْسَ كل حَدِيث صَحِيح وَضعته فِي كتابي، إنَّما وضعت هَا هُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح: أَرَادَ - وَالله أعلم - أَنه لم يضع فِي كِتَابه إلَّا الْأَحَادِيث الَّتِي وُجِدَ عِنْده فِيهَا شَرَائِط الصَّحِيح (الْمجمع) عَلَيْهِ، وإنْ لم يظْهر اجتماعها فِي بَعْضهَا عِنْد بَعضهم.
قُلْتُ: وَأما زعم أبي مُحَمَّد الظَّاهِرِيّ أَيْضا أَن فِيهِ حَدِيثا مَوْضُوعا - وَهُوَ حَدِيث أبي سُفْيَان يَوْم الْفَتْح الْمَشْهُور - فَلَا يقبل مِنْهُ.
وَقد أجَاب عَنهُ الْأَئِمَّة بأجوبة، نذكرها - إِن شَاءَ الله - فِي كتاب «الْوكَالَة» من ربع الْبيُوع، حَيْثُ يعرض لَهُ الرَّافِعِيّ.
стр. 46
وَاعْلَم أَن مَا ذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي كتاب «الْمدْخل إِلَى معرفَة كتاب الإِكليل» أَن الصَّحَابِيّ أَو التَّابِع إِذا لم يكن لَهُ إلَّا راوٍ واحدٍ، لم يخرِّجا حَدِيثه فِي «الصَّحِيحَيْنِ» - أَعنِي [الشَّيْخَيْنِ]- لم يشترطاه، وَلَا (وَاحِد مِنْهُمَا) ، وَهُوَ منقوض بِمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كتاب «أَدَاء الزَّكَاة» ، إِن شَاءَ الله - تَعَالَى.
فصل
وَأما «سنَن أبي دَاوُد» ﵀ فقد حَكَى عَنهُ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ - كَمَا أَفَادَهُ ابْن طَاهِر - أَن (شَرطه) إِخْرَاج أَحَادِيث أقوامٍ لم يُجْمَع عَلَى تَركهم، إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الإِسناد من غير قطع وَلَا إرْسَال.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي (كتاب) « (شُرُوط) الْأَئِمَّة» : قَالَ أَبُو دَاوُد: كتبت عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسمِائَة ألف حَدِيث، انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته «كتاب السّنَن» ، جمعت فِيهِ أَرْبَعَة (آلَاف) حَدِيث، (وَثَمَانمِائَة حَدِيث) ، ذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ، وَمَا يُقَارِبه.
وَقد اشْتهر عَنهُ من غير وَجه مَا مَعْنَاهُ: أَنه يذكر فِي كل بَاب أصح مَا عرفه فِي ذَلِكَ الْبَاب.
стр. 47
وَقَالَ: مَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ (وَهَنٌ) شَدِيد فقد بَيَّنْتُه، وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح، وَبَعضهَا أصح من بعض. نقل ذَلِكَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث» ، وَالشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَنه» عَنهُ.
وَذكر الْحَازِمِي فِي كِتَابه «شُرُوط الْأَئِمَّة الْخَمْسَة» بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، أَنه قَالَ فِي «رسَالَته» الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل مَكَّة وَغَيرهَا جَوَابا لَهُم: سَأَلْتُم أَن أذكر لكم الْأَحَادِيث الَّتِي فِي كتاب «السّنَن» (أَهِي) أصح مَا عرفت فِي هَذَا الْبَاب؟ فاعلموا [أَنه كَذَلِك] كُله، إِلَّا أَن يكون قد رُوِيَ من وَجْهَيْن صَحِيحَيْنِ، وَأَحَدهمَا أقدم إِسْنَادًا، وَالْآخر صَاحبه [أقوم] فِي الْحِفْظ، فَرُبمَا أكتب ذَلِكَ، وَلَا أرَى فِي كتابي [من] هَذَا عشرَة أَحَادِيث.
وَلم أكتب فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا أَو حديثين، وإنْ كَانَ فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح، فإنَّه يكبر، وإنَّما أردْت (قرب) منفعَته.
وَلَيْسَ فِي كتاب «السّنَن» الَّذِي صنَّفته عَن رجلٍ مَتْرُوك الحديثِ شيءٌ، فإنْ ذُكِرَ لَك عَن رَسُول الله ﷺ سُنَّةٌ لَيْسَ فِيمَا خَرَّجْتُه، فاعْلَم أنَّه
стр. 48
حَدِيث واهٍ، إلَّا أَن يكون فِي كتابي من طَرِيق (آخر) ، (فإنِّي) لم أخرج الطّرق (بِهِ) ، (فإنَّه يكثر) عَلَى المتعلم.
وَلَا أعرف أحدا جَمَعَ عَلَى الاستقصاءِ غَيْرِي.
وَنقل النَّوَوِيّ ﵀ النَّص الْمُتَقَدّم عَن أبي دَاوُد - الَّذِي (شَارك) ابْن الصّلاح فِيهِ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد - ثمَّ قَالَ: وَهَذَا يُشْكِل؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يُبَيِّنْها، مَعَ أَنَّهَا مُتَّفق عَلَى ضعفها عِنْد الْمُحدثين، كالمرسل، والمنقطع، وَرِوَايَة مَجْهُول. ك «شيخ» ، و «رجل» ، وَنَحْوه، فَلَا بدّ من تَأْوِيل هَذَا الْكَلَام.
قَالَ: وليعلم أَن مَا وَجَدْنَاهُ فِي «سنَنه» ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا، وَلَا نَص عَلَى صِحَّته أَو حسنه أحد مِمَّن يعْتَمد، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن عِنْد أبي دَاوُد أَو صَحِيح، فَيحكم بِالْقدرِ الْمُحَقق، وَهُوَ أَنه حسن. فإنْ نصَّ عَلَى ضعفه من يُعْتَمد، أَو رَأَى الْعَارِف فِي سَنَده مَا يَقْتَضِي الضعْف، وَلَا جابِرَ لَهُ حَكَمْنَا بضعفه.
وَقد قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: إِن أَبَا دَاوُد يخرج الإِسنادَ الضَّعِيف إِذا لم يجدْ فِي الْبَاب غَيره؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْده من رَأْي الرِّجَال.
وَقَالَ الْخطابِيّ: كتاب أبي دَاوُد جَامع للصحيح وَالْحسن، وأَمَّا الضَّعِيف فإنَّه خَليٌ مِنْهُ. قَالَ: وإنْ وَقع مِنْهُ شيءٌ - لضرب من الْحَاجة - فإنَّه لَا يَأْلُو أَن يبِّين أمره، وَيذكر علته، ويَخْرُجَ من عهدته.
قَالَ: ويُحكى لنا عَن أبي دَاوُد أنَه قَالَ: مَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا
стр. 49
اجْتمع الناسُ عَلَى تَركه.
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي أول «أَطْرَافه» : صنف أَبُو دَاوُد كِتَابه الَّذِي سمَّاه «السّنَن» ، فأجاد فِي تصنيفه وَأحسن، وَقصد أَن يَأْتِي فِيهِ بِمَا كَانَ صَحِيحا مشتهرًا، أَو غَرِيبا (حسنا) مُعْتَبرا، ويطرح مَا كَانَ مطَّرحًا مستنكرًا، (ويجتنب) مَا كَانَ شاذًّا مُنْكرا.
قلت: وَمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ فِيهِ نظر؛ فإنَّ فِي «سنَنه» أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يبينها، مَعَ أنَّها ضَعِيفَة كالمرسل، والمنقطع، وَرِوَايَة مَجْهُول: كشيخ، وَرجل، وَنَحْوه، كَمَا سَلَفَ.
وَأجَاب النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَنه» (عَنهُ) : بِأَنَّهُ - (وَهُوَ) مُخَالف أَيْضا لقَوْله: وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَيَّنْتُه - لَمَّا كَانَ ضَعْفُ هَذَا النوعِ ظَاهرا، اسْتَغنَى بظهوره عَن التَّصْرِيح ببيانه.
قلت: فعلَى كل حَال لَا بُد من تَأْوِيل كَلَام أبي دَاوُد، والحقُّ فِيهِ مَا قَرَّره النَّوَوِيّ.
وَأما قَول الْحَافِظ أبي طَاهِر السلَفِي: سنَن أبي دَاوُد من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب، فَفِيهِ تساهلٌ كبيرٌ.
وتَأَوَّلَ النوويُّ عَلَى إِرَادَة الْمُعظم.
فصل
وَأما جَامع أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ: فقد كفانا مُؤْنَة الْكَلَام عَلَيْهِ مُؤَلِفُه،
стр. 50
فإنَّه بَيَّن فِيهِ الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف، وَقَالَ: صنفت هَذَا الْكتاب، وعرضته عَلَى علماءِ أهلِ الْحجاز فَرَضُوا بِهِ، وعرضته عَلَى عُلَمَاء العراقِ فَرَضُوا (بِهِ) ، وعرضته عَلَى عُلَمَاء خُرَاسَان فَرَضُوا بِهِ، وَمن كَانَ فِي بَيته هَذَا الْكتاب، فكأنَّما فِي بَيته نَبِيٌّ يتَكَلَّم.
وَقَالَ أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عبد الْخَالِق فِي كِتَابه الموسوم ب «مَذَاهِب الْأَئِمَّة فِي تَصْحِيح الحَدِيث» : كتاب أبي عِيسَى عَلَى أَرْبَعَة أَقسَام: (قسم) صَحِيح مَقْطُوع بِهِ، وَهُوَ مَا وَافق فِيهِ البخاريَّ وَمُسلمًا، وَقسم عَلَى شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقسم أخرجه [للضدِّيَّة] ، وأبَانَ عَن علته، وَقسم رَابِع أبَانَ عَنهُ فَقَالَ: مَا أخرجت فِي كتابي هَذَا إلَّا حَدِيثا قد عَمِلَ بِهِ بعض الْفُقَهَاء.
وَهَذَا شَرط واسعٌ، فإنَّ عَلَى هَذَا الأَصْل كل حَدِيث احْتج بِهِ مُحْتَج أَو عمل بِهِ عاملٌ، [أخرجه] ، سَوَاء صحَّ طَرِيقه أَو لم يصحّ طَرِيقه. وَقد أزاحَ عَن نفسِهِ الكلامَ؛ فإنَّه شَفَى فِي تصنيفه لكتابه، وتكلَّم (فِيهِ) عَلَى كلِّ حَدِيث بِمَا فِيهِ، وَظَاهر طَرِيقَته:
أَن يترجم الْبَاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث مَشْهُور، عَن صَحَابِيّ قد صَحَّ الطَّرِيق إِلَيْهِ، وأُخرِجَ من حَدِيثه فِي الْكتب الصِّحَاح، فيورد فِي الْبَاب
стр. 51
[ذَلِك الحكم] من حَدِيث صَحَابِيّ [آخر] لم يخرجوه من حَدِيثه، وَلَا تكون الطَّرِيق إِلَيْهِ كالطريق إِلَى الأول؛ لِأَن الحكم صَحِيح، ثمَّ يُتْبِعُه بِأَن يَقُول: وَفِي الْبَاب عَن فلانٍ وفلانٍ، ويعد (فيهم) جمَاعَة فِيهم الصَّحَابِيّ وَالْأَكْثَر الَّذِي أُخْرِجَ ذَلِكَ الحكم من حَدِيثه، وقَلَّما يسْلك هَذِه الطَّرِيقَة إلَّا فِي أَبْوَاب مَعْدُودَة. وَقَالَ ذَلِك [بنصه] : ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي أَيْضا.
وَقَالَ يُوسُف بن أَحْمد: لأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ الضَّرِير الْحَافِظ فَضَائِل تُجمع، وتُروى، وتُسمع، وَكتابه من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق أهل الْحل وَالْعقد، وَالْفضل، وَالْفِقْه من الْعلمَاء، وَالْفُقَهَاء، وَأهل الحَدِيث النبهاء عَلَى قبُولهَا، وَالْحكم بِصِحَّة أُصُولهَا، وَمَا ورد فِي أَبْوَابهَا وفصولها.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي: إنَّ جَامع التِّرْمِذِيّ من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب.
وَفِيهِمَا نظر؛ لِأَن فِيهِ الضَّعِيف، والواهي، والموضوع.
قَالَ ابْن (الْقطَّان) فِي «علله» : جَهِلَ التِّرْمِذِيّ بعضُ من لم يبْحَث عَنهُ، وَهُوَ: أَبُو مُحَمَّد بن حزم، فَقَالَ فِي كتاب الْفَرَائِض من «الإيصال» (إِثْر) حَدِيث أوردهُ: إنَّه مَجْهُول. فَأوجب ذَلِكَ فِي ذكره - من تعْيين من شهد لَهُ بالإِمامة - مَا هُوَ مستغنٍ عَنهُ، بِشَاهِد علمه، وَسَائِر شهرته، فَمِمَّنْ
стр. 52
(ذكره) - فِي جملَة -: (الإِمام) الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله.
وَقَالَ الخليلي فِي «كِتَابه» : ثِقَة مُتَّفق عَلَيْهِ.
وَمِمَّنْ ذكره أَيْضا: الْأَمِير ابْن مَاكُولَا، وَابْن الفرضي، والخَطَّابي.
وَنقل ابْن دِحْيَة فِي كتاب «التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير» جهالته عَن ابْن حزم، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ الْخَطِيب، وَلم يذكرهُ فِي تَارِيخه.
قَالَ: وَزعم أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أبي بكر [الصَّيْرَفِي] (أَن التِّرْمِذِيّ) لم يسمع هَذَا الْكتاب.
فصل
وَأما شَرط أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» ، فَقَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ - كَمَا أَفَادَهُ ابْن طَاهِر -: إنَّ شَرطه إِخْرَاج أَحَادِيث أَقوام لم يُجْمَع عَلَى تَركهم، إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الإِسناد، من غير قطع، وَلَا إرْسَال.
قَالَ ابْن طَاهِر: سَأَلت الإِمام أَبَا الْقَاسِم سعد بن عَلّي الزَّنْجَانيّ عَن حالِ رجلٍ من الروَاة فَوَثَّقَه، قُلْتُ: إنَّ أَبَا عبدَ الرَّحْمَن النَّسَائِيّ ضَعَّفَه. فَقَالَ لي: لأبي عبد الرَّحْمَن فِي الرِّجَال (شرطٌ) أَشد من شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم.
стр. 53
وَقَالَ أَبُو طَالب أَحْمد بن نصر الْحَافِظ: من يصبر عَلَى مَا يصبر عَلَيْهِ النَّسَائِيّ؟ كَانَ عِنْده حَدِيث ابْن لَهِيعَة تَرْجَمَة تَرْجَمَة، فَمَا حدَّث بهَا.
وَقَالَ أَحْمد بن مَحْبُوب الرَّمْلي: سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ يَقُول: لما عَزَمْتُ عَلَى جَمْع كتاب «السّنَن» استخرت الله - تَعَالَى - فِي الرِّوَايَة عَن شُيُوخ كَانَ فِي الْقلب مِنْهُم بعض الشَّيْء، فَوَقَعت الْخيرَة عَلَى تَركهم، فَنَزَلْتُ فِي جملَة من الْأَحَادِيث كنت أعلو فِيهَا عَنْهُم.
وَقَالَ أَبُو الْحسن [الْمعَافِرِي] الْفَقِيه: إِذا التُفِت إِلَى مَا يُخرجهُ أهل الحَدِيث، فَمَا خرجه النَّسَائِيّ أقرب إِلَى الصِّحَّة مِمَّا خَرَّجه غَيره.
بل من النَّاس من يعده من أهل الصَّحِيح؛ لِأَنَّهُ يبيِّن عَن علل الْأَسَانِيد، وإنْ أدخلها فِي كِتَابه.
وَقد حُدِّثْنا عَنهُ أَنه قَالَ: لم أُخْرِج فِي كتابي (السّنَن) من يُتَّفَق عَلَى تَركه، فإنْ أَخْرَج مِنْهُ أحدا بَيَّنه، وَهَذِه رُتْبَة شريفة.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: الَّذين أخرجُوا الصَّحِيح، وميِّزوا الثَّابِت من الْمَعْلُول، وَالْخَطَأ من الصَّوَاب أَرْبَعَة: البُخَارِيّ، وَمُسلم، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ.
وَقَالَ أَبُو بكر البرقاني الْحَافِظ: ذكرت لأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ أَبَا عبيد (بن حربويه) ، فَذكر من جلالته، وفضله، وَقَالَ: حدَّث عَنهُ أَبُو
стр. 54
عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي «الصَّحِيح» ، وَلَعَلَّه مَاتَ قبله بِعشْرين سنة.
قَالَ ابْن طَاهِر: فالدارقطني سمَّى كتاب «السّنَن» صَحِيحا، مَعَ فَضله، وتحقيقه فِي هَذَا الشَّأْن.
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ [الْمصْرِيّ] : سَمِعت أَبَا عَلّي الْحسن بن خضر (السُّيُوطِيّ) يَقُول: رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم، وَبَين يَدَيْهِ كُتب كَثِيرَة، مِنْهَا كتاب «السّنَن» لأبي عبد الرَّحْمَن، فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ : إِلَى مَتى وَإِلَى كَمْ؟ هَذَا يَكْفِي. وَأخذ بِيَدِهِ الْجُزْء الأول من كتاب الطَّهَارَة من «السّنَن» لأبي عبد الرَّحْمَن، فَوَقع فِي روعي أَنه يَعْنِي كتاب «السّنَن» لأبي عبد الرَّحْمَن.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: قَوَاعِد الإِسلام أَرْبَعَة: الصحيحان، وكتابَيْ أبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، فَارْجِعُوا إِلَيْهَا.
قُلْتُ: وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر (السلَفِي) : إِنَّه اتّفق عَلَى صِحَّته عُلَمَاء الْمشرق وَالْمغْرب، وَلَا يَخْلُو من نزاع.
فصل
وَأما سنَن أبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي: فَلَا أعلم لَهُ شرطا، وَهُوَ أَكثر السّنَن الْأَرْبَعَة ضعفا، وَفِيه مَوْضُوعَات، مِنْهَا: مَا ذكره فِي أَثْنَائِهِ فِي
стр. 55
«فضل قَزْوِين» .
لَكِن قَالَ أَبُو زرْعَة - فِيمَا روينَا عَنهُ -: طالعت كتاب أبي عبد الله بن مَاجَه، فَلم أجد فِيهِ إلَّا قدرا يَسِيرا مِمَّا فِيهِ شَيْء. وَذكر قدر بضعَة عشر، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ.
وَهَذَا الْكَلَام من أبي زرْعَة ﵀ لَوْلَا أَنه مَرْوِيّ عَنهُ من أوجه، لجزمتُ بِعَدَمِ صِحَّته عَنهُ، فإنَّه غير لائقٍ (بجلالته) .
لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين قَالَ فِي «شرح الإِلمام» : هَذَا الْكَلَام من أبي زرْعَة لَا بُد من تَأْوِيله، وإخراجه عَن ظاهرِه، وَحمله عَلَى وَجه (يَصح) .
وَعَجِيب قَول ابْن طَاهِر: حَسبك من كتاب يعرض عَلَى أبي زرْعَة الرَّازِيّ، وَيذكر هَذَا الْكَلَام بعد إمعان النّظر والنقد.
وَقَوله: ولعمري إنَّ كتاب أبي عبد الله بن مَاجَه، من نظر فِيهِ علم منزلَة الرجل: من حسن التَّرْتِيب، وغزارة الْأَبْوَاب، وَقلة الْأَحَادِيث،
стр. 56
وَترك التّكْرَار، وَلَا يُوجد فِيهِ من النَّوَازِل، والمقاطيع، والمراسيل، وَالرِّوَايَة عَن الْمَجْرُوحين، إلَّا هَذَا الْقدر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو زرْعَة.
وَرَوَى ابْن عَسَاكِر عَن أبي الْحسن بن [بابويه] : قَالَ أَبُو عبد الله بن مَاجَه: عرضت هَذِه النُّسْخَة عَلَى أبي زرْعَة، فَنظر فِيهِ وَقَالَ: أَظن إنْ وَقع هَذَا فِي أَيدي النَّاس تعطَّلت هَذِه الْجَوَامِع كلهَا، أَو أَكْثَرهَا. ثمَّ قَالَ: لَعَلَّه لَا يكون فِيهِ تَمام ثَلَاثِينَ حَدِيثا مِمَّا فِي إِسْنَاده ضعف، أَو قَالَ: عشْرين وَنَحْوهَا من الْكَلَام. قَالَ: وَحكي عَنهُ أَنه نظر فِي جُزْء من أَجْزَائِهِ، وَكَانَ عِنْده فِي خَمْسَة أَجزَاء.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: لَا بُد من تَأْوِيله جزما، وَلَعَلَّه أَرَادَ ذَلِكَ الْجُزْء الَّذِي نظر فِيهِ، أَو غَيره مِمَّا يَصح.
وَقَالَ ابْن طَاهِر: وَسنَن ابْن مَاجَه وإنْ لم تشتهر عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء، فإنَّ لَهُ ب «الرّيّ» ، وَمَا وَالاَهَا من «ديار الْجَبَل» و «قوهستان» - وعدَّد بلادًا - شأنٌ عظيمٌ، عَلَيْهِ اعتمادهم، وَله عِنْدهم طرق كَثِيرَة.
فصل
وَأما «صَحِيح» أبي حَاتِم بن حبَان ، فشرطه - كَمَا قَالَ فِي خطْبَة صَحِيحه -: نملي الْأَخْبَار بأشهرها إِسْنَادًا، وأوثقها (عمادًا) من غير
стр. 57
وجود قطعٍ فِي سندها، وَلَا ثُبُوت جرح فِي ناقلها.
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِكَ بأوراق: وشرطنا فِي (نقل) مَا أودعناه كتَابنَا هَذَا من السّنَن، فإنَّا لَمْ نحتج فِيهِ إلَّا بحديثٍ اجْتمع فِي كل شيخٍ من رُوَاته خَمْسَة أَشْيَاء:
الأول: الْعَدَالَة فِي الدَّين بالستر الْجَمِيل.
وَالثَّانِي: الصدْق فِي الحَدِيث بالشهرة فِيهِ.
وَالثَّالِث: الْعقل مَا يحدث من الحَدِيث.
وَالرَّابِع: (الْعلم) بِمَا يحِيل من مَعَاني مَا يُروى.
وَالْخَامِس: (المتعري خَبره) عَن التَّدْلِيس (عَلَى رِوَايَته) .
فَكل من (اجْتمع) عِنْده هَذِه الْخِصَال الْخمس احتججنا بحَديثه، وبنينا الْكتاب عَلَى رِوَايَته، وكل من تَعَرَّى عَن خصْلَة من هَذِه الْخِصَال الْخمس لم نحتج بِهِ.
ثمَّ شرع - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - فِي بَيَان الشُّرُوط الْمَذْكُورَة وَاحِدًا بعد واحدٍ، فَأفَاد وأجاد، فَمَا أحسن كَلَامه.
وَلَعَلَّ غَالب «صَحِيحه» منتزع من صَحِيح شَيْخه، إِمَام الْأَئِمَّة، (أبي بكر) مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، فإنِّي رَأَيْت قِطْعَة من «صَحِيح
стр. 58
ابْن خُزَيْمَة» إِلَى كتاب الْبيُوع، وكلَّما يَقُول ابْن حبَان (فِي «صَحِيحه» ) : نَا ابْن خُزَيْمَة. رَأَيْته فِي الْقطعَة الْمَذْكُورَة.
وترتيب هَذَا «الصَّحِيح» تَرْتِيب بديع، لم يُسْبَق إِلَيْهِ، يتَعَيَّن عَلَى طَالب الحَدِيث الْوُقُوف عَلَيْهِ، والكشف مِنْهُ من أصعب شَيْء.
وَقد رَتَّبه عَلَى تَرْتِيب (الْكتب) الْفِقْهِيَّة الشَّيْخ الإِمَام (عَلَاء) الدَّين أَبُو الْحسن (عَلّي) بن بلبان الْفَارِسِي (الْحَنَفِيّ) ، تغمده الله برحمته.
فصل
وَأما «الْمُسْتَدْرك» للْحَاكِم أبي عبد الله ، فشرطه كَمَا قَالَ هُوَ فِي خطْبَة كِتَابه: «سَأَلَني - جمَاعَة من أَعْيَان (أهل) الْعلم بِهَذِهِ الْمَدِينَة، (وَغَيرهَا) أَن أجمع كتابا يشْتَمل عَلَى الْأَحَادِيث المروية بأسانيد يحْتَج مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن الْحجَّاج بِمِثْلِهَا، إِذْ لَا سَبِيل إِلَى إِخْرَاج مَا لَا علَّة لَهُ، فإنَّهما - رحمهمَا الله - لم يدعيا ذَلِكَ لأنفسهما.
وَقد خَرَّج جمَاعَة من عُلَمَاء [عصرهما] ، وَمن بعدهمَا عَلَيْهِمَا أَحَادِيث قد أَخْرَجَاهَا وَهِي معلولة، وَقد (جهدت) فِي الذَّبِّ عَنْهُمَا فِي «الْمدْخل إِلَى الصَّحِيح» بِمَا رضيه أهل الصَّنْعَة.
стр. 59
وَأَنا أستعينُ الله عَلَى إِخْرَاج أَحَادِيث رواتها ثِقَات، قد احْتج بِمِثْلِهَا الشَّيْخَانِ ﵄ أَو أَحدهمَا، وَهَذَا شَرط الصَّحِيح عِنْد كَافَّة فُقَهَاء الإِسلام: أَن الزِّيَادَة فِي الْأَسَانِيد والمتون من الثِّقَات مَقْبُولَة.
هَذَا لفظ الْحَاكِم برمتِهِ، وَهُوَ صَرِيح فِي أَن مُرَاده بقوله: عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا: أَن رجال إِسْنَاده احتجا بمثلهم، لَا أنَّ نَفْس رِجَاله احتجا [بهم] .
نعم، خَالف هَذَا الِاصْطِلَاح فِي كِتَابه فَاعْترضَ (عَلَيْهِ) من هَذَا الْوَجْه: الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح، والنواوي، وتقي الدَّين بن دَقِيق الْعِيد، والحافظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي «اختصاره للمستدرك) ، (فَيَقُولُونَ عقيب) قَوْله: إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا: فِيهِ فلَان، وَلم يخرج لَهُ مَنْ صَححهُ عَلَى شَرطه.
ثمَّ فِي تَسْمِيَة هَذَا (المُصَنّف) ب «الْمُسْتَدْرك» أَولا نظرٌ؛ لِأَنَّهُمَا لم يلتزما اسْتِيعَاب الصَّحِيح بإقرارهما - كَمَا قدَّمناه عَنْهُمَا - فَكيف يسْتَدرك عَلَيْهِمَا؟ !
فتركنا وسَلَّمنا التَّسْمِيَة الْمَذْكُورَة، فَكل حَدِيث لَهُ إِسْنَاد صَحِيح، احتجَّ الشَّيْخَانِ بِمثلِهِ (فَهُوَ عَلَى شَرطهمَا، كَمَا قرَّره، وكل حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح، وَلم يحْتَج الشَّيْخَانِ بِمثلِهِ) ، كَيفَ يَصح استدراكه، مَعَ الْتِزَام الشَّيْخَيْنِ عدم اسْتِيعَاب الصَّحِيح؟
стр. 60
مَعَ أَن الْحَاكِم عَلَيْهِ مناقشة فِي كلا الْقسمَيْنِ، قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي أول «الموضوعات» : لَو نُوقِشَ فِيهِ بَانَ غلطه. وَقَالَ الشَّيْخ (تَقِيّ الدَّين) بن الصّلاح فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث» : اعتنى الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِالزِّيَادَةِ فِي عدد الحَدِيث الصَّحِيح الزَّائِد عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَجمع ذَلِكَ فِي كتاب سمَّاه «الْمُسْتَدْرك» أودعهُ مَا لَيْسَ فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ، مِمَّا رَآهُ عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، قد (أخرجَا) عَن رُوَاته فِي كِتَابَيْهِمَا، أَو عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَحده، أَو عَلَى (شَرط) مُسلم وَحده، وَمَا أَدَّى اجْتِهَاده إِلَى (تَصْحِيحه) ، وإنْ لم يكن عَلَى شَرط وَاحِد مِنْهُمَا.
وَهُوَ وَاسع الخطو فِي شَرط (الصَّحِيح) ، متساهلٌ فِي الْقَضَاء بِهِ، فَالْأَوْلَى أَن (نتوسط) فِي أمره فَنَقُول: مَا حكم بِصِحَّتِهِ، وَلم نجد ذَلِكَ فِيهِ لغيره من الْأَئِمَّة، إنْ لم يكن من قبيل الصَّحِيح، فَهُوَ من قبيل الْحسن يُحتج ويُعمل بِهِ، إلَّا أَن تظهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه.
قَالَ: ويقاربه فِي حكمه صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان البستي.
стр. 61
وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الشاذياخي: كُنَّا فِي مجْلِس السَّيِّد أبي الْحسن، فسُئِلَ الْحَاكِم عَن حَدِيث الطير، فَقَالَ: لَا يَصح، وَلَو صَحَّ لما كَانَ أحدٌ أفضل من عَلّي ﵁ بعد رَسُول الله ﷺ .
وَقَالَ ابْن طَاهِر (فِي) حَدِيث الطير الْمَشْهُور، الْمَرْوِيّ من (نَحْو) عشْرين طَرِيقا - عائبًا عَلَى إِخْرَاج الْحَاكِم لَهُ فِي « (مُسْتَدْركه» ) -: هَذَا حَدِيث مَوْضُوع، كل طرقه بَاطِلَة معلولة، إنَّما يَجِيء عَن سقاط أهل الْكُوفَة والمجاهيل عَن أنس وَغَيره.
قَالَ: وصنَّف الْحَاكِم فِي جمع طرقه جُزْءا. قَالَ: وَلَا يَخْلُو الْحَاكِم من أحد أَمريْن: إمَّا الْجَهْل بِالصَّحِيحِ، فَلَا يعْتَمد عَلَى قَوْله؛ وإمَّا الْعلم بِهِ، وَيَقُول بِخِلَافِهِ، فَيكون معاندًا كَذَّابًا.
قَالَ: وَله دسائس. قَالَ: وَبلغ الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْحَاكِم أَدخل حَدِيث الطير فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، فَقَالَ: يسْتَدرك عَلَيْهِمَا حَدِيث
стр. 62
الطير؟ ! فَبلغ الْحَاكِم، فَأخْرجهُ من الْكتاب.
وَكَانَ (يُتَّهم) بالتعصبِ للرافضة.
وَكَانَ يَقُول: هُوَ حَدِيث صَحِيح، وَلم يُخَرَّجْ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) .
قُلْتُ: حَدِيث الطير مَوْجُود فِي نسخ (الْمُسْتَدْرك) (الَّتِي) بِأَيْدِينَا الْآن بِمصْر وَالشَّام.
قَالَ الْخَطِيب: وحَدَّثَنَي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (الأرموي) بنيسابور - وَكَانَ شَيخا، فَاضلا، صَالحا، عَالما - (قَالَ) : جمع الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَحَادِيث، زَعَمَ أَنَّهَا صِحاح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، يلْزمهُمَا إخْرَاجهَا فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، مِنْهَا: حَدِيث الطير، و «من كنت مَوْلَاهُ فعليّ مَوْلَاهُ» فأنكرها عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث، وَلم يلتفتوا إِلَى قَوْله، وَلَا صوَّبُوه فِي فعله.
وَقَالَ ابْن القَطَّان فِي «علله» : هُوَ حَافظ، وَقد ينْسب إِلَى غَفلَة.
وَقَالَ ابْن طَاهِر: وَسمعت المظفر بن حَمْزَة بجرجان يَقُول: سَمِعت أَبَا سعد الْمَالِينِي يَقُول: طالعت كتاب «الْمُسْتَدْرك عَلَى الشَّيْخَيْنِ» الَّذِي صنفه الْحَاكِم من أَوله إِلَى آخِره، فَلم أر فِيهِ حَدِيثا عَلَى شَرطهمَا.
стр. 63
قُلْتُ: هَذَا الْكَلَام أستبعد صِحَّته عَن هَذَا الْحَافِظ؛ لِأَن الْمُشَاهدَة تَدْفَعهُ، و (قد) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي «عُلُوم الحَدِيث» : كتاب «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» للْحَاكِم أبي عبد الله كتاب كَبِير، (يشْتَمل مِمَّا) فاتهما عَلَى شَيْء كثير، وإنْ يكن عَلَيْهِ فِي بعضه مقَال، فَإِنَّهُ يصفو لَهُ مِنْهُ صَحِيح كثير.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ - عقب الْمقَالة الْمُتَقَدّمَة -: هَذَا إِسْرَاف وغلو من الْمَالِينِي، وإلَّا فَفِي (الْمُسْتَدْرك) جملَة وافرة عَلَى شَرطهمَا، وَجُمْلَة كَبِيرَة عَلَى شَرط أَحدهمَا، لَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِكَ نَحْو نصف الْكتاب، وَفِيه نَحْو الرّبع مِمَّا صَحَّ سَنَده، وَفِيه بعض الشَّيْء أَو لَهُ [عِلّة] ، وَمَا بَقِي -[وَهُوَ] نَحْو الرّبع - فَهُوَ مَنَاكِير وواهيات لَا تصحّ، وَفِي بعض ذَلِكَ مَوْضُوعَات.
قُلْتُ: وَقد أفردت مَا ردَّ بِهِ الذَّهَبِيّ عَلَى الْحَاكِم أبي عبد الله، فِي (تلخيصه لمستدركه) ، بِزِيَادَات ظَفرت بهَا، فَجَاءَت سَبْعَة كراريس، وَذَلِكَ قريب من مقَالَته الْمُتَقَدّمَة.
وَاعْلَم أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْكتاب إِذا رَأَيْتنَا نقلنا عَن الْحَاكِم تَصْحِيحا لحَدِيث، وسكتنا عَلَيْهِ فَشُدَّ عَلَى ذَلِكَ يَديك، (فَإنَّا سبرنا)
стр. 64
إِسْنَاده، وَيكون الْأَمر كَمَا قَالَه. وَمَا لم يكن كَذَلِك، فإنَّا نشفعه بالاعتراض عَلَيْهِ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فصل
هَذَا آخر مَا وقفت عَلَيْهِ من شُرُوط (بعض) الْكتاب الَّتِي نقلنا مِنْهَا هَذَا الْكتاب، ذكرتها هُنَا مَجْمُوعَة ليحال مَا يَقع بعْدهَا عَلَيْهَا، فإنَّ الْكتاب (بأسره) مَبْنِيّ عَلَيْهَا، وَبَاقِي الْكتب يسير حَالهَا عَلَى الصّفة المرضية فِي مواطنها - إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فصل
فِي معرفَة حَال الإِمام الرَّافِعِيّ، وشيوخه، ومولده، ووفاته، ومصنفاته، فإنَّه كَانَ فِي الإِسلام بِمحل خطير، وَبِكُل فَضِيلَة جدير، و (معرفَة) بَيته الطَّاهِر، وسلفه الْكِرَام، فَإِنَّهُم من الْعلمَاء الْأَعْلَام، وَالسَّلَف الْكِرَام، رجَالًا وَنسَاء.
أما هُوَ: فَهُوَ الإِمام، (الْعَالم) ، العلَّامة، الْمُجْتَهد، إِمَام الملَّة والدِّين، حجَّة الإِسلام وَالْمُسْلِمين، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل بن الْحسن بن الْحُسَيْن.
كَذَا سَاق فِي نسبه فِي «أَمَالِيهِ» ، وَكَذَا كتب لَهُ بِمَا قَدَّمناه من الْأَلْفَاظ أهلُ زمانِهِ.
القَزْوِيْنيّ الرَّافِعِيّ الشَّافِعِي، خَاتِمَة الْأَئِمَّة من أَصْحَابه المرجوعِ إِلَى
стр. 65
قَوْلهم.
و «قَزوين» : بِفَتْح الْقَاف، مَدِينَة مَعْرُوفَة، كَذَا قَالَه ابْن السَّمْعَانِيّ. وَقَالَ غَيره: هِيَ مَدِينَة كَبِيرَة فِي عراق الْعَجم، عِنْد قِلاَع الإِسماعيلية.
وَقد اخْتُلِف فِي نِسْبَة الرَّافِعِيّ إِلَى مَاذَا؟
فَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ ﵀: هُوَ مَنْسُوب إِلَى «رافعان» ، قَرْيَة من بِلَاد قزوين.
وَذكر الإِمام ركن الدَّين عبد الصَّمد بن مُحَمَّد الديلمي، الْقزْوِينِي، أَنه سَأَلَ القَاضِي مظفر الدَّين، قَاضِي قزوين: إِلَى مَاذَا ينْسب الرَّافِعِيّ؟ فَقَالَ: كتب بِخَطِّهِ، وَهُوَ عِنْدِي فِي كتاب «التدوين فِي أَخْبَار قزوين» أَنه مَنْسُوب إِلَى رَافع بن خديج ﵁.
وَقَالَ ركن الدَّين الْمَذْكُور: وَكنت سَمِعت قبل ذَلِكَ من الشَّيْخ شرف الدَّين أَنه مَنْسُوب إِلَى أبي رَافع، مولَى النَّبِي ﷺ ، وَرَضي عَنهُ.
وَذكر ركن الدَّين هَذَا أنَّه لم يسمع بِبِلَاد «قزوين» بقرية يُقَال لَهَا: «رافعان» .
ولَمَّا ذكر ابْن السَّمْعَانِيّ هَذِه النِّسْبَة - وَهِي الرَّافِعِيّ - فِي «كِتَابه» ، قَالَ: هِيَ نِسْبَة إِلَى أبي رَافع.
وَفِي «تَارِيخ خوارزم شاه» لأبي الْفضل المنسي - فِي أثْنَاء حِكَايَة ذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ هَذَا فَقَالَ: الشَّيْخ إِمَام الدَّين (الرَّافِعِيّ) .
стр. 66
قَالَ شَيخنَا (بَقِيَّة) الْحفاظ صَلَاح الدَّين العلائي شيخ الْقُدس الشريف - أبقاه الله فِي خير وعافية -: وَكَأَنَّهُ - وَالله أعلم - شُبِّه عَلَى من نسبه إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا: رافعان، وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظ نِسْبَة أَعْجَمِيَّة إِلَى رَافع، وَالظَّاهِر أَنه رَافع بن خديج، الصَّحَابِيّ، أحد الْأَنْصَار ﵃ كَمَا كتب هُوَ بِخَطِّهِ.
وأخبرت أَيْضا عَن قَاضِي الْقُضَاة جلال الدَّين الْقزْوِينِي ﵀ أَنه كَانَ يَقُول: إنَّ «رافعان» بالعجمي، مثل «الرَّافِعِيّ» بالعربي، فإنَّ الْألف وَالنُّون فِي آخر الِاسْم عِنْد الْعَجم (كياء النّسَب) فِي آخِره عِنْد الْعَرَب.
فرافعان نِسْبَة إِلَى رَافع، وَهَذَا مَشْهُور عِنْد الْعَجم بالإِمام رافعان.
قَالَ: ثمَّ إِنَّه لَا يعرف بنواحي قزوين بلد يُقَال لَهَا: رَافع، بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى (جد من) أجداده.
فَظهر بِهَذَا أَن مَا ادَّعاه النَّوَوِيّ لَا أصل لَهُ، فالرافعي (أعرف) بِنَفسِهِ، وَكَذَا أهل قزوين أعرف ببلادهم.
ولد ﵁ تَقْرِيبًا سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة؛ فإنَّه قَالَ فِي «الْأَرْبَعين» الَّتِي خرَّجها فِي الرَّحْمَة - وَلنَا بهَا رِوَايَة - أبنا وَالِدي حضورًا وَأَنا فِي الثَّالِثَة، سنة ثَمَان وَخمسين. أَفَادَ (ذَلِك) شَيخنَا صَلَاح الدَّين الْمَذْكُور.
стр. 67
(وَرَأَيْت) فِي «أَمَالِيهِ» - أَعنِي الرَّافِعِيّ - فِي أَوَائِل الْمجْلس الأول، مَا نَصه: - فِي تَرْجَمَة سعد الْخَيْر (بن) مُحَمَّد بن سهل الْأنْصَارِيّ المغربي الأندلسي - أَن سَعْدا هَذَا توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
قَالَ: وَسمع وَالِدي مِنْهُ الْكثير، وَكَانَ ﵀ يغلب عَلَيْهِ فِي آخر عمره مَا يغلب عَلَى المشتاقين. قَالَ: وَكنت أتولى خدمته فِي مرض وَفَاته، ودعا لي بالسعادة غير مرّة (فِيهِ) ، وَأَرْجُو أَن يستجيب الله دعاءه. وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي تِلْكَ المرضة:
أَنا إنْ مِتُّ فالهوى حَشْو قلبِي
وبذا الْهَوَى يَمُوت الْكِرَام
هَذَا نَص مَا ذكر، فَإِن كَانَ المُرَاد بقوله: «وَكنت أتولى خدمته» : وَالِد الإِمام الرَّافِعِيّ، فَلَا إِشْكَال؛ وَإِن كانَ المُرَاد الإِمام الرَّافِعِيّ نَفسه، فَهُوَ مُشكل؛ لِأَن سَعْدا توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَكَانَ الرَّافِعِيّ إذْ (ذَاكَ) يَخْدمه فِي مَرضه، وَأَقل من يتأهل للْخدمَة (أَن يكون) بَالغا، فَيكون مولد الرَّافِعِيّ عَلَى هَذَا - تخمينًا - سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة.
وَيبقى مُخَالفا لما أخبر بِهِ فِي «أربعينه» من أَن وَالِده أخبرهُ حضورًا (وَهُوَ) فِي الثَّالِثَة، سنة ثَمَان وَخمسين، فلينقح ذَلِك.
стр. 68
قَرَأَ الحَدِيث عَلَى وَالِده، قَالَ فِي «الْأَرْبَعين» : أَخْبرنِي وَالِدي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَعَلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل (الطَّالْقَانيِّ) خَال والدته، الْآتِي ذكره، وَعَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك.
وسَمعه من جماعات: كأحمد بن حسنويه بن حاجي الزبيري الشريف الأديب المناظر الْفَقِيه، والواقد بن خَلِيل الْحَافِظ، جد (الزبيري) لأمه، وَأحمد بن الْحسن العطَّار، وَالْحسن بن أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد العطَّار الهمذاني الْحَافِظ الْكَبِير، سمع مِنْهُ بهمذان، وَاللَّيْث بن (سعد الْكشميهني) الهمذاني، وحامد بن مَحْمُود بن عَلّي الماوراء النَّهْرِي الْخَطِيب الرَّازِيّ الْمُفْتِي المناظر الْمُحدث، وشهردار بن شيرويه بن فناخسرو الديلمي المتقن الْحَافِظ صَاحب «الفردوس» وَعبد الله بن أبي الْفتُوح بن عمرَان العمراني أَبُو حَامِد، أحد الْفُقَهَاء المعتبرين، وَعبد الْوَاحِد بن عَلّي بن مُحَمَّد، وَعلي بن [عبيد الله] بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن بابويه، الرَّازِيّ الْحَافِظ وَعلي بن الْمُخْتَار بن عبد الْوَاحِد العربوي، وَعلي بن سعيد الحَبَّار، ومبارك بن عبد الرَّحْمَن، وَمُحَمّد بن أبي طَالب - أَو طَالب - ابْن (بلكويه)
стр. 69
بن أبي طَالب الضَّرِير الْمُقْرِئ العابد، وَمُحَمّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد بن سلمَان أَبُو الْفَتْح [بن] (البَطِّي) ، سمع مِنْهُ بِبَغْدَاد، وَمُحَمّد بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي، وَيَحْيَى بن ثَابت (البَقَّال) ، وَأَبُو الْكَرم الْهَاشِمِي، وَأَبُو [عبد الله] مُحَمَّد [بن] النجَّار الْحَافِظ صَاحب « [ذيل تَارِيخ] بَغْدَاد» .
وَرَوَى بالإِجازة الْعَامَّة عَن: أبي (سعد) السَّمْعَانِيّ.
والخاصة عَن: أبي (زرْعَة) طَاهِر بن الْحَافِظ أبي الْفضل مُحَمَّد بن عَلّي الْمَقْدِسِي، وَرَجَب بن مَذْكُور بن (أرنب) ، وَغَيرهمَا.
стр. 70
رَوَى عَن هَؤُلَاءِ كلهم - خلا عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك - فِي «أَمَالِيهِ» ، وَهُوَ فِي «أربعينه» .
رَوَى عَنهُ بِالسَّمَاعِ: وَلَده الإِمام (عَزِيز) الدَّين - مُحَمَّد، والحافظ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ، سمع مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة - عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - و (حَدَّث عَنهُ) فِي «مُعْجَمه» ، وَلم يكن حِين اجْتمع بِهِ عرف أَنه ذَلِك الإِمام؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زِيّ الْفُقَرَاء الصَّالِحين، وَآخَرُونَ.
وبالإِجازة: ابْن أُخْته أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن أبي سعيد الْقزْوِينِي الطاوسي، وَأَبُو الْفَتْح عبد الْهَادِي بن عبد الْكَرِيم الْقَيْسِي، خطيب المقياس، وفخر الدَّين عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة (عماد الدَّين) عبد الرَّحْمَن، الْمَعْرُوف ب «ابْن السكرِي» ، وَغَيرهم.
وَمن حَدِيثه: مَا أَنا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح الدَّين (أَبُو) سعيد خَلِيل بن (كيكلدي) بن عبد الله العلائي، بالقدس الشريف، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ: أَنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُؤَذّن (الواني) بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنا أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن (أبي) سعيد بن مَحْمُود بن الناصح الْقزْوِينِي (سَمَاعا) عَلَيْهِ، أَنبأَنَا (خَالِي) الإِمام أَبُو
стр. 71
الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الرَّافِعِيّ (ح) .
وَأَخْبرنِي مشافهة عَالِيا الْأَئِمَّة: أثير الدَّين أَبُو حَيَّان، وَعبد الْكَرِيم الْحلَبِي، وَبدر الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد الفارقي قَالُوا: أخبرنَا فَخر الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة عماد الدَّين، الْمَعْرُوف ب (ابْن) السكرِي - الْأَوَّلَانِ سَمَاعا، وَالثَّالِث إجَازَة - قَالَ: أَنبأَنَا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - قَدَّس الله روحه، ونَوَّر ضريحه - قَالَ: قَرَأت عَلَى وَالِدي، قيل لَهُ: أخْبركُم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل، فأقَرَّ بِهِ، أخبرتنا فَاطِمَة بنت (أبي عَلّي) الدقاق، أخبرنَا عبد الْملك بن الْحسن، أَنا أَبُو عوَانَة - يَعْنِي الإِسفراييني - نَا الصغاني، نَا (عبيد الله) بن مُوسَى، أَنا طَلْحَة بن يَحْيَى، عَن أبي بردة، عَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إنَّ هَذِه الأُمَّةَ أمة مَرْحُومَة، لَا عَذَاب عَلَيْهَا، (عَذَابُها فِي الدُّنْيَا) بأيديها، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، أُعطيَ كُلُّ رجلٍ مِنْهُم رجلا من أهلِ الأَدْيانِ، فَكَانَ فَكَاكَهُ من النَّار» .
وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أخبرنَا شيخ الشُّيُوخ فريد الْعَصْر أَبُو المجامع إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (بن) الْمُؤَيد
стр. 72
بن حمويه الْجُوَيْنِيّ فِيمَا شافهني بِهِ بمنى - شَرَّفَها الله - ثمَّ كتب بِهِ إليَّ.
وحدَّثني بعض أَصْحَابنَا الْحفاظ، أَنا الإِمام (عَزِيز) الدَّين مُحَمَّد بن الإِمام الْعَلامَة إِمَام الدَّين أبي الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بقزوين سنة (إِحْدَى وَسبعين) وسِتمِائَة، نَا وَالِدي من لَفظه سنة إِحْدَى عشرَة قَالَ: قَرَأت عَلَى وَالِدي، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد، أَنا أَحْمد بن عَلّي الأديب، أَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزيَادي - يَعْنِي أَبَا طَاهِر بن محسن الْفَقِيه - أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن، نَا أَحْمد بن يُوسُف، نَا عبد الرَّزَّاق، أَنا معمر، عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لله تِسْعَة وتسْعُونَ اسْمًا - مائَة إلَّا وَاحِدًا - منْ أحْصاها دَخَل الجنَّة، إنَّه وتْر يُحبُّ الْوتر» .
وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأخلاطي، أَنا مُحَمَّد بن (أبي) سعيد، أَنا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ إِذْنا، قَالَ: قَرَأت عَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك، وَأَجَازَ لي الْأَئِمَّة: وَالِدي، وَأحمد بن إِسْمَاعِيل، وَمُحَمّد بن عبد الْعَزِيز قَالُوا: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك بن مُحَمَّد، سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة، أَنا الإِمام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَلّي
стр. 73
الفيروزابادي سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البرقاني، نَا أَبُو بكر الإِسماعيلي الإِمام - لفظا - أَخْبرنِي أَبُو يعْلى - يَعْنِي: أَحْمد بن الْمثنى - نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي سَمِينَة، نَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان قَالَ: سَمِعت أبي، نَا قَتَادَة، أَن أَبَا رَافع حَدثهُ، أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول:
سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إنَّ الله تَعَالَى كَتبَ كِتَابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخلق: إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي، فَهُوَ عِنْده مَكْتُوب فَوق الْعَرْش» .
وَرُوِيَ لنا من (طَرِيق آخر) أَعلَى من هَذَا، إلَّا أنَّ هَذِه [الطَّرِيق] حَسَنَة جدًّا، لتسلسل غَالب رُواتها بالأئمة الْكِبَار من أَصْحَابنَا ﵃، وَقد ذكرت بِإِسْنَاد الإِمام الرَّافِعِيّ أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي «مناقبه» الَّتِي (أفردتها) بالتصنيف، وَهَذَا الْقدر كافٍ هُنَا؛ لِأَن الله وتر يحب الْوتر.
تفقَّه الإِمام الرَّافِعِيّ عَلَى وَالِده الْمَذْكُور، (الإِمام) أبي الْفضل،
стр. 74
لَا أعلم أحدا تفقَّه عَلَيْهِ غَيره، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة مَذْهَب الشَّافِعِي، ومعرفته بدقائقه فِي سَائِر الْبِلَاد.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: أَظن أَنِّي لم أرَ فِي بِلَاد الْعَجم مثله. قَالَ: وَكَانَ ذَا فنونٍ، حسن السِّيرَة، جميلَ الأثرِ.
وَقَالَ أَبُو عبد الله (مُحَمَّد) بن (مُحَمَّد بن عمر) بن أبي بكر الصفار الإِسفراييني فِي «أَرْبَعِينَ» خرَّجَها: شَيخنَا، إِمَام الدَّين حَقًّا، وناصرُ السُّنَّةِ صدقا، أَبُو الْقَاسِم، عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ، كَانَ أوحد عصره فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة، (أُصُولهَا) وفروعها، ومجتهد زَمَانه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي، وفريد وقته فِي تَفْسِير الْقُرْآن و (الْمَذْهَب) ، وَكَانَ لَهُ مجْلِس للتفسير، وإسماع الحَدِيث بِجَامِع قزوين.
وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النواوي ﵀: كَانَ إِمَامًا، بارعًا، (مُتَبَرعا) ، متبحرًا فِي علم (الْمَذْهَب) وعلوم كَثِيرَة، وَكَانَ زاهدًا، ورعًا، متواضعًا.
стр. 75
قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: هُوَ من الصَّالِحين المتمكنين، وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة.
قلت: لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ريب، فَمِنْهَا:
مَا أَخْبرنِي شَيخنَا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح (الدَّين العلائي) ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ: حَكَى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر الدِّمَشْقِي، أَنه سمع من شَيخنَا الزَّاهِد الْكَبِير وليّ الله أبي الْحسن عَلّي الوَاسِطِيّ - (قَالَ شَيخنَا) : وَسمعتهَا أَيْضا من جمَاعَة آخَرين مُرْسلَة - أَن الإِمامَ أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ بَات (عِنْد) بعض أَصْحَابه بكرم لَهُ خَارج بلد «قزوين» ، وَكَانَت عَادَته أَنه يكْتب بِاللَّيْلِ فِيمَا يصنف فِيهِ، فلمَّا كَانَ اللَّيْل لم يُوجد (هُنَاكَ) دهن يُشعل بِهِ السراج، وَلَا أمكن الدُّخُول إِلَى الْبَلَد لأجل ذَلِك لَيْلًا، فَجَلَسَ الرَّافِعِيّ إِلَى جنب (دالته) ، فأضاء لَهُ غُصْن مِنْهَا، فَكتب عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ.
قَالَ الشَّيْخ عَلّي الوَاسِطِيّ: وَهَذِه الْحِكَايَة مَشْهُورَة عندنَا بواسط، وَتلك الْبِلَاد.
وَمِنْهَا: مَا قرأته عَلَى شَيخنَا الْمَذْكُور قَالَ: حَكَى شيخ شُيُوخنَا العلَّامة تَاج الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْفَزارِيّ ﵀ فِي تاريخٍ علَّقه عَن القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان، أَنه حدَّثه أَن الْملك جلال الدَّين خوارزم شاه، غزا الكُرْج بتِفْليس سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، وَقتل فيهم بِنَفسِهِ حَتَّى جمد الدَّم عَلَى يَده، فَلَمَّا مرَّ بقزوين،
следующие страницы →