← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث (عَلَى) أصح الْأَوْجه فِي كَيْفيَّة الِاسْتِنْجَاء، وَفِيه وَقْفَة؛ لِأَن من تتمته أَنه يمسح بالثالث الصفحتين والمسربة وَقَوله: «ويحلق بالثالث» قد يكون المُرَاد بِهِ حَلقَة الدبر فَقَط، وَهِي المسربة كَمَا حَكَاهُ صَاحب «الْمُهَذّب» . وَأما الْمَاوَرْدِيّ فَإِنَّهُ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث للْوَجْه الثَّانِي، وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق: أَن حجرا للصفحة الْيُمْنَى وحجرًا (للصفحة الْيُسْرَى) وحجرًا للوسط. فقد وَقع نزاع فِي مَعْنَى الحَدِيث عَلَى تَقْدِير مَعْرفَته. الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ أنَّه ﷺ قَالَ: «حجرا للصفحة الْيُمْنَى، وحجرًا للصفحة الْيُسْرَى، وحجرًا للوسط» . هَذَا الحَدِيث حسن، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» و «الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء» من رِوَايَة أُبي (بن) الْعَبَّاس بن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الاستطابة فَقَالَ: أَو لَا يجد أحدكُم ثَلَاثَة أَحْجَار حجرين للصفحتين وحجرًا للمسربة؟» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده حسن. وَقَالَ الْحَازِمِي: لَا يرْوَى عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي «الْكتاب» و «الشَّرْح

стр. 842

الصَّغِير» : إِنَّه حَدِيث ثَابت. وَخَالف الْعقيلِيّ؛ فَقَالَ: رَوَى الِاسْتِنْجَاء بِثَلَاثَة أَحْجَار عَن النَّبِي ﷺ جمَاعَة: مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة، وسلمان، وَخُزَيْمَة بن ثَابت، وَعَائِشَة، والسائب بن خَلاد الْجُهَنِيّ، وَأَبُو أَيُّوب، لم يَأْتِ أحد مِنْهُم بِهَذَا، ولأُبي أَحَادِيث لَا يُتَابع مِنْهَا عَلَى شَيْء، قَالَ يَحْيَى بن معِين: هُوَ ضَعِيف. قلت: وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هُوَ مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ والدولابي: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. قَالَ الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه «الْمِيزَان» : وأُبي هَذَا وَإِن لم يكن بالثبت فَهُوَ حسن بِالْحَدِيثِ. وَاعْلَم أَنه وَقع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ (وَالْبَيْهَقِيّ) «أَولا يجد أحدكُم حجرين وحجرًا» بِالنّصب كَمَا قدمْنَاهُ وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق «حجران وَحجر» بِالرَّفْع. قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» لَهُ: وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَالْأول عَلَى الْبَدَل من ثَلَاثَة، وَالثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاء. قلت: وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مرّة أَيْضا كَمَا ذكره الشَّيْخ وَهَذَا لَفظه «حجران للصفحتين وَحجر للمسربة» . وَقَالَ فِي الأول: كَذَا قَالَ فِي كِتَابه. رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» (أَيْضا كَمَا) أوردهُ الشَّيْخ فِي «الْمُهَذّب» وَهَذَا لَفظه «أَولا يَكْتَفِي أحدكُم بِثَلَاثَة أَحْجَار حجران (للصفحتين) وَحجر للمسربة» وَقد جَاءَ الْقُرْآن (أَيْضا) بِالْوَجْهَيْنِ فالبدل فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: (إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولَى

стр. 843

صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى) والابتداء فِي قَوْله تَعَالَى: (قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين التقتا فِئَة تقَاتل) . والمسربة هُنَا: مجْرى الْغَائِط (وَهُوَ) مَأْخُوذ من سرب المَاء، قَالَه ابْن الْأَثِير وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهمَا (قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَفتحهَا) . تَنْبِيه: هَذَا الحَدِيث احْتج بِهِ الإِمَام الرَّافِعِيّ؛ لقَوْل (أبي) إِسْحَاق: «أَن حجرا للصفحة الْيُمْنَى، وحجرًا لليسرى، وحجرًا للوسط» وَالْمَاوَرْدِيّ (من أَصْحَابنَا) احْتج بِهِ للراجح، وَهُوَ الْوَجْه الأول الَّذِي احْتج لَهُ الرَّافِعِيّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي قبل هَذَا، وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل؛ فَإِنَّهُ لما قَالَ: حجران للصفحتين. (احْتمل) أَن يكون الْمَعْنى (حجرا للصفحة وحجرًا لِلْأُخْرَى، وَاحْتمل أَن يكون الْمَعْنى) كل (وَاحِد) مِنْهُمَا للصفحتين. وَابْن الصّلاح (وَافق المارودي) حَيْثُ قَالَ فِي «مُشكل الْوَسِيط» : قَوْله: حجران للصفحتين. مَعْنَاهُ: كل وَاحِد مِنْهُمَا للصفحتين.

стр. 844

الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: « [كَانَت] يَد رَسُول الله ﷺ الْيُمْنَى لطهوره وَطَعَامه، وَكَانَت الْيُسْرَى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي « (مُسْنده» ) وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور (و) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: «كَانَ يفرغ (يَمِينه) لطعامه وَحَاجته، ويفرغ شِمَاله للاستنجاء وَمَا هُنَالك» . قَالَ الدوري: قَالَ ابْن معِين: لم يسمع إِبْرَاهِيم من عَائِشَة، ومراسيله صَحِيحَة إِلَّا حَدِيث «تَاجر الْبَحْرين» . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «مراسيله» : ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْبَراء قَالَ: قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لم يلق أحدا

стр. 845

من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ . قلت لَهُ: فعائشة؟ قَالَ: هَذَا لم يروه غير سعيد بن أبي عرُوبَة، عَن أبي معشر، عَن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَقُرِئَ عَلَى الْعَبَّاس (بن) مُحَمَّد الدوري، قَالَ: سَمِعت يَحْيَى بن معِين يَقُول: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أُدخل عَلَى عَائِشَة - أَظن يَحْيَى قَالَ وَهُوَ صبي - قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَسمعت أبي يَقُول: لم يلق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَّا عَائِشَة، وَلم يسمع مِنْهَا شَيْئا؛ فَإِنَّهُ دخل عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِير. وَكَذَا نَص غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى انْقِطَاع هَذَا الحَدِيث، مِنْهُم: الْحَازِمِي، وَالشَّيْخ زكي الدَّين وَالنَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى أبي دَاوُد، وَإِن كَانَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» لم يذكرهُ؛ بل قَالَ: رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح. وَلما أخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن حَاتِم بن بزيع، نَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء، عَن سعيد، عَن أبي معشر، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ. فاتصل الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه وَظهر الْوَاسِطَة بَين إِبْرَاهِيم وَعَائِشَة، وَقَالَ الْحَازِمِي: هَذَا حَدِيث مُتَّصِل عَلَى شَرط أبي دَاوُد، حسن من هَذَا الْوَجْه. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس من حَدِيث مَسْرُوق، عَن عَائِشَة، وَمن هَذِه الطَّرِيقَة أخرجه الشَّيْخَانِ وَبَاقِي السّنَن، وَقد تقدم فِي بَاب

стр. 846

الْوضُوء، وَهُوَ الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ (مِنْهُ) وَمِمَّا يعضد حَدِيث عَائِشَة الَّذِي فِيهِ الِانْقِطَاع حَدِيث حَفْصَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَشَرَابه وثيابه، وَيجْعَل شِمَاله لما سُوَى ذَلِك» . أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم. الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ عَن أبي قَتَادَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا بَال أحدكُم فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، فَلفظ البُخَارِيّ: «إِذا شرب أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء، وَإِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ، وَلَا (يستنجي بِيَمِينِهِ) » . وَلَفظ مُسلم: «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى أَن يتنفس فِي الْإِنَاء، وَأَن يمس ذكره بِيَمِينِهِ، وَأَن يَسْتَطِيب بِيَمِينِهِ» . (وَفِي رِوَايَة: «لَا (يمس) أحدكُم ذكره بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُول، وَلَا

стр. 847

يتمسح من الْخَلَاء بِيَمِينِهِ، وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء» ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذا دخل أحدكُم الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ» . قَالَ ابْن مَنْدَه: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مجمع عَلَى صِحَّته. وَهُوَ كَمَا قَالَ. الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ «إِن الله أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء - وَكَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء و (الْأَحْجَار) - فَقَالَ تَعَالَى: (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين» ) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي «مُسْنده» فَقَالَ: نَا عبد الله بن شبيب، ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ: وجدت فِي كتاب أبي عَن الزُّهْرِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله، (عَن) ابْن عَبَّاس قَالَ: «نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين) فَسَأَلَهُمْ رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا نُتبع الْحِجَارَة المَاء» .

стр. 848

قَالَ الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز، وَلَا نعلم أحدا رَوَى عَنهُ إِلَّا ابْنه. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» بعد ذكر مَا تقدم: قَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَالَ أبي: ثَلَاثَة إخْوَة ضعفاء: مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز هَذَا، وَعبد الله بن عبد الْعَزِيز، وَعمْرَان بن عبد الْعَزِيز، وَلَيْسَ لَهُم حَدِيث مُسْتَقِيم. قَالَ الشَّيْخ: وَرَوَى أَبُو الْحسن الصفار فِي «مُسْنده» من حَدِيث زَائِدَة، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ: قَالَ عَلّي بن أبي طَالب: «إِنَّهُم كَانُوا يبعرون بعرًا وَأَنْتُم تثلطون ثلطًا، فأتبعوا الْحِجَارَة بِالْمَاءِ» . قَالَ: وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا فِي «جمعه» لحَدِيث مسعر. قلت: وَأخرج هَذَا الْبَيْهَقِيّ من جِهَة الصفار ثمَّ قَالَ: تَابعه مسعر عَن عبد الْملك، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث الثَّوْريّ، عَن عبد الْملك. وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: اخْتلف فِيهِ، فَقيل كَمَا مر، وَقيل: عَن زَائِدَة، عَن عبد الْملك، عَن كرْدُوس، عَن عَلّي. وَقيل: عَن جرير، عَن عبد الْملك، عَن رجل عَن عَلّي. وَقيل: عَن السّديّ، عَن عبد خير. وَلَا

стр. 849

يثبت فِي هَذَا عبد خير. ثمَّ سَاقه من حَدِيث سُفْيَان، عَن عبد الْملك، عَن عَلّي. قَالَ الشَّيْخ: وَيُقَال: بعَر الْبَعِير يبعَر - بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي والمستقبل - وثَلَط - بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام أَيْضا - يثلِط - بِكَسْر اللَّام فِي الْمُسْتَقْبل - إِذا ألْقَى بعره رَقِيقا. انْتَهَى. فرواية الْبَزَّار هَذِه مُوَافقَة لما أوردهُ الإِمَام الرَّافِعِيّ وَغَيره من الْفُقَهَاء، وَقد ورد قَرِيبا من ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث: أَحدهَا: عَن يُونُس بن الْحَارِث، عَن إِبْرَاهِيم بن أبي مَيْمُونَة، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) الْآيَة، وَكَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ، فَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي إِسْنَاده رجلَانِ مُتَكَلم فيهمَا: أَحدهمَا: يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي، قَالَ أَحْمد: أَحَادِيثه مضطربة (وَضَعفه) وَقَالَ النَّسَائِيّ: (ضَعِيف) وَقَالَ يَحْيَى: لَا شَيْء.

стр. 850

وَقَالَ فِي رِوَايَة: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَيكْتب حَدِيثه. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: عِنْدِي أَنه لم تثبت عَدَالَته، وَلَيْسَ لَهُ من الحَدِيث إِلَّا الْيَسِير. قَالَه ابْن عدي، وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» عَن الْأَكْثَرين تَضْعِيفه. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن أبي مَيْمُونَة قَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ مَجْهُول لَا [يعرف] رَوَى عَنهُ غير يُونُس بن الْحَارِث (قَالَ:) وَالْجهل بِحَالهِ كَاف فِي تَعْلِيل الْخَبَر الْمَذْكُور. قلت: إِبْرَاهِيم هَذَا ذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي كتاب «التَّهْذِيب» وَقَالَ: رَوَى عَن أبي صَالح السمان رَوَى عَنهُ يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي، وَلم يعقبه بِجرح ولاتعديل (وَمَشى) عَلَى ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي كِتَابيه «التذهيب» و «الكاشف» وَقَالَ فِي «الكاشف» و «الْمِيزَان» : مَا نعلم رَوَى عَنهُ سُوَى يُونُس هَذَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : فِيهِ جَهَالَة. وَاعْترض (صَاحب) «الإِمَام» عَلَى ابْن الْقطَّان فِي دَعْوَاهُ جهالته بِأَن

стр. 851

قَالَ: إِبْرَاهِيم هَذَا ذكره أَبُو حَاتِم (بن حبَان) فِي «ثقاته» فِي أَتبَاع التَّابِعين، وَقَالَ: يروي عَن أبي صَالح عَن ابْن عمر، رَوَى عَنهُ يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي، وَهُوَ الَّذِي يروي عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «نزلت هَذِه الْآيَة: (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ، فَنزلت هَذِه الْآيَة» . وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخ، وَقد رَأَيْته بعد ذَلِك فِيهِ، وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ فِي «علله» : يرويهِ شهر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مُتَّصِلا مرّة، وَأُخْرَى مُرْسلا (وَمرَّة) عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام عَن أَبِيه مَرْفُوعا، وأرسله غَيره. الحَدِيث الثَّانِي: عَن عُويم - بِضَم الْعين الْمُهْملَة ثمَّ وَاو ثمَّ يَاء مثناة تَحت ثمَّ مِيم - ابْن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ العقبي البدري ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهُم فِي مَسْجِد قبَاء فَقَالَ: إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور، فَمَا هَذَا الطّهُور الَّذِي تطهرون بِهِ؟ قَالُوا: وَالله يَا رَسُول الله مَا نعلم شَيْئا إِلَّا أَنه كَانَ لنا جيران من الْيَهُود و [كَانُوا] يغسلون أدبارهم [من الْغَائِط] فغسلنا كَمَا يغسلوا» .

стр. 852

رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» وَقَالَ: إِسْنَاده صَحِيح. وَعَزاهُ أَيْضا الْمَقْدِسِي فِي «أَحْكَامه» وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» وَغَيرهمَا إِلَى «صَحِيح ابْن خُزَيْمَة» أَيْضا، ورأيته بعد ذَلِك فِيهِ، وَفِي صِحَّته عِنْدِي وَقْفَة؛ لِأَن فِي سَنَده: شُرَحْبِيل بن سعد الرَّاوِي عَن عويم، قَالَ ابْن أبي ذِئْب: كَانَ مُتَّهمًا. وَقَالَ مَالك: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ ذكره فِي «الثِّقَات» . الحَدِيث الثَّالِث: عَن (عتبَة) بن أبي حَكِيم حَدثنِي طَلْحَة بن نَافِع، أَخْبرنِي (أَبُو) أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَجَابِر بن عبد الله وَأنس بن مَالك ﵃ «أَن هَذِه الْآيَة نزلت (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين) قَالَ رَسُول الله ﷺ : يَا معشر الْأَنْصَار، قد أَثْنَى الله

стр. 853

عَلَيْكُم فِي الطّهُور، فَمَا طهوركم؟» قَالُوا: نَتَوَضَّأ للصَّلَاة، ونغتسل من الْجَنَابَة، ونستنجي بِالْمَاءِ. قَالَ: فَهُوَ ذَاك، فعليكموه» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» بالسند الْمَذْكُور، وَلَفظه: «يَا معشر الْأَنْصَار، إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم خيرا فِي الطّهُور؛ فَمَا طهوركم هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُول الله ﷺ ١٢٤٢) ، نَتَوَضَّأ للصَّلَاة، ونغتسل من الْجَنَابَة. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَل مَعَ ذَلِك غَيره؟ قَالُوا: لَا، غير أَن أَحَدنَا إِذا خرج من الْغَائِط أحب أَن يستنجي بِالْمَاءِ. قَالَ: هُوَ ذَاك» . وَعتبَة بن أبي حَكِيم مُخْتَلف فِي توثيقه، ضعفه ابْن معِين (فِي أحد قوليه، وَلينه أَحْمد وَضَعفه) النَّسَائِيّ فَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ مرّة: ضَعِيف. وَفِي «الْمُغنِي» للذهبي عَنهُ أَنه قَالَ فِي حَقه: لَا بَأْس بِهِ. وَلم ينْقل هَذَا فِي «مِيزَانه» وَإِنَّمَا نقل عَنهُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمين، وَقَالَ

стр. 854

السَّعْدِيّ: غير مَحْمُود فِي الحَدِيث. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْوتر: غير قوي. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. وَلم يبين من ضعفه سَبَب ضعفه، وَالْجرْح لَا يُقبل إِلَّا مُفَسرًا. وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» عَن الْجُمْهُور توثيقه، وَقَالَ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» : هَذَا حَدِيث كَبِير صَحِيح فِي كتاب الطَّهَارَة؛ فَإِن مُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور - يَعْنِي: الَّذِي رَوَاهُ عَن عتبَة (وَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة - وَعتبَة) بن أبي حَكِيم من أَئِمَّة الشَّام، والشيخان إِنَّمَا أخذا (مخ) الرِّوَايَات، وَمثل هَذَا الحَدِيث لَا يتْرك لَهُ، قَالَ إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب: مُحَمَّد بن شُعَيْب أعرف النَّاس بِحَدِيث الشاميين. قَالَ الْحَاكِم: وَلِهَذَا الحَدِيث شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح. فَذكر حَدِيث عويم الَّذِي قدمْنَاهُ، وَذكره ابْن السكن أَيْضا فِي «صحاحه» . الحَدِيث الرَّابِع: عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما نزلت (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين) بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى عويم بن سَاعِدَة فَقَالَ: مَا هَذَا (الطُّهْر) الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْكُم بِهِ؟ فَقَالَ: يَا نَبِي الله، مَا خرج منا رجل وَلَا امْرَأَة من الْغَائِط إِلَّا غسل دبره - أَو قَالَ: مقعدته - فَقَالَ النَّبِي ﷺ : فَفِي هَذَا» . رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» بِهَذَا اللَّفْظ ثمَّ قَالَ:

стр. 855

هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. قلت: فِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق وعنعنه، لَكِن قَالَ الْحَاكِم: لَهُ شَاهد من حَدِيث أبي أَيُّوب. فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُول الله، من هَؤُلَاءِ الَّذين قيل فيهم: (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين (؟ قَالَ: كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ وَكَانُوا لَا ينامون اللَّيْل كُله» . الحَدِيث الْخَامِس: عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام قَالَ: «لما قدم النَّبِي ﷺ علينا - يَعْنِي: قبَاء - قَالَ: إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم فِي الطّهُور خيرا؛ أَفلا تخبروني؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّا نجد مَكْتُوبًا علينا فِي التَّوْرَاة: الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَأحمد فِي (مسنديهما) عَن يَحْيَى بن آدم، ثَنَا مَالك بن مغول، سَمِعت سيارًا أَبَا الحكم غير مرّة يحدث عَن شهر بن حَوْشَب، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام بِهِ، وَرَوَاهُ ابْن قَانِع فِي «مُعْجم الصَّحَابَة» بِهِ عَن سعيد بن عبدويه الصفار، نَا أَبُو همام، نَا عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد، عَن مَالك بن مغول، عَن سيار أبي الحكم، عَن شهر بن حَوْشَب، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام قَالَ: «لما قدم علينا رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قَالَ: إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم فِي الطّهُور، أَفلا تخبروني؟ قَالُوا: نجده مَكْتُوبًا عندنَا فِي التَّوْرَاة: الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ» .

стр. 856

وَرَوَاهُ بَعضهم عَن عبد الله بن سَلام،، عَن أَبِيه، وَذكر أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك وَاضحا، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : وَهُوَ مُخْتَلف فِي إِسْنَاده، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول: الصَّحِيح عندنَا: مُحَمَّد بن [عبد الله بن] سَلام فَقَط، لَيْسَ فِيهِ: عَن أَبِيه. قلت: وَكَذَا أخرجه ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح» وَقَالَ أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» : وهم فِي هَذَا الحَدِيث جَعْفَر بن عبد الله السالمي؛ فَرَوَاهُ عَن الرّبيع بن بدر، عَن رَاشد الْحمانِي عَن ثَابت الْبنانِيّ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي بن سلول قَالَ: «أَتَانَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا معشر الْأَنْصَار، إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور فَكيف تَصْنَعُونَ؟ ... » فَذكر الحَدِيث وَصَوَابه مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف لعبد الله بن أبي بن سلول ابْن اسْمه مُحَمَّد. قلت: وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث شهر بن حَوْشَب، عَن أبي أُمَامَة، فَهَذَا طَرِيق سادس، وإمامنا الشَّافِعِي ذكره فِي (الْأُم) بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ: وَيُقَال: إِن قوما من الْأَنْصَار استنجوا بِالْمَاءِ، فَنزلت فيهم (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين) .

стр. 857

تَنْبِيه: اعْلَم أَن الشَّيْخ محيى الدَّين النَّوَوِيّ ﵀ قَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» عِنْد قَول الشَّيْخ أبي إِسْحَاق «وَالْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر؛ لِأَن الله - تَعَالَى - أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين) فَسَأَلَهُمْ النَّبِي ﷺ : مَا طهوركم؟ فَقَالُوا: نتبع الْحِجَارَة المَاء» : هَكَذَا يَقُوله أَصْحَابنَا وَغَيرهم فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير. قَالَ: وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي كتب الحَدِيث. قَالَ: وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي «التَّعْلِيق» : إِن أَصْحَابنَا رَوَوْهُ. قَالَ: و (لَا) أعرفهُ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمَعْرُوف من طرق الحَدِيث أَنهم كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنهم كَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء والأحجار، ثمَّ ذكر من الْأَحَادِيث الَّتِي قدمناها حَدِيث أبي هُرَيْرَة وعويم وَأبي أَيُّوب، ثمَّ قَالَ: فَإِذا علم أَنه لَيْسَ (لَهُ أصل) من جِهَة الرِّوَايَة فَيمكن تَصْحِيحه من جِهَة الاستنباط؛ لِأَن الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم وَأما الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ فَهُوَ الَّذِي انفردوا بِهِ وَلِهَذَا ذكر، وَلم يذكر الْحجر؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَينهم وَبَين غَيرهم، ولكونه مَعْلُوما؛ فَإِن الْمَقْصُود بَيَان فَضلهمْ الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْهِم بِسَبَبِهِ. قَالَ: يُؤَيّد هَذَا قَوْلهم: «إِذا خرج أَحَدنَا من الْغَائِط (أحب) أَن يستنجي

стр. 858

بِالْمَاءِ» فَهَذَا يدل عَلَى أَن استنجاءهم بالماءكان بعد خُرُوجهمْ من الْخَلَاء، وَالْعَادَة جَارِيَة بِأَنَّهُ لَا يخرج من الْخَلَاء إِلَّا بعد (الْمسْح) بِمَاء أَو حجر، وَهَكَذَا يسْتَحبّ أَن يستنجى بِالْحجرِ فِي مَوضِع قَضَاء الْحَاجة وَيُؤَخر المَاء إِلَى أَن ينْتَقل إِلَى مَوضِع آخر. هَذَا آخر كَلَام النَّوَوِيّ. وَكَذَا قَالَ فِي غَيره من كتبه أَن الَّذِي اشْتهر فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير من جمع أهل قبَاء بَين المَاء والأحجار بَاطِل لَا يُعرف. (وَتَبعهُ) الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي «الْمطلب» فَقَالَ: لَا يُوجد هَذَا فِي كتب الحَدِيث. وَقد تيَسّر - بِحَمْد الله وَمِنْه - إِخْرَاج الطَّرِيقَة الَّتِي أنكرها، وَادَّعَى عدم أصالتها فِي كتب الحَدِيث وَأَنَّهَا لَا (تلقى) فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير، وَلَعَلَّه قلد فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا حَامِد فِي قولته الْمُتَقَدّمَة، لَكِن أَبُو حَامِد لم ينف وجوده، وَإِنَّمَا نَفَى مَعْرفَته، وَلَا يلْزم من نفي الْمعرفَة نفي الْوُجُود، وَقَرِيب مِمَّا ذكره النَّوَوِيّ قَول الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فِي «شَرحه للتّنْبِيه» : كَذَا رَوَاهُ الْفُقَهَاء، وَالْمَشْهُور فِي كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة خِلَافه. و (قد) قدمناها (نَحن لَك) فِي أول مَا ذكر الرَّافِعِيّ ذَلِك عَن «مُسْند الْبَزَّار» تَصْرِيحًا لَا يحْتَمل تأولاً، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد

стр. 859

هُوَ أول مُفِيد لذَلِك (فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك فِي كتاب «الإِمَام» الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي بَابه، وَالنَّوَوِيّ ﵀ مَعْذُور فِي ذَلِك) فَإِنَّهَا طَريقَة غَرِيبَة عزيزة فِي خبايا وزوايا، فَافْهَم مَا أوضحناه لَك؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ عَظِيم، لَو طعنت فِيهِ أكباد الْإِبِل لَكَانَ قَلِيلا. فَائِدَة: قبَاء الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث فِيهَا سِتّ لُغَات: التَّذْكِير والتأنيث، وَالْمدّ وَالْقصر، وَالصرْف وَعَدَمه، وَالأَصَح الْأَشْهر: مده وَصَرفه وتذكيره، وَمِمَّنْ حَكَى هَذِه اللُّغَات وأرجحيتها الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» (وَالنَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» ) وَهِي قَرْيَة عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، وَقيل: أَصْلهَا اسْم بِئْر هُنَاكَ يُسمى: بِئْر (أريس) وَهِي (الَّتِي) وَقع فِيهَا خَاتم سيدنَا رَسُول الله ﷺ (من يَد عُثْمَان، وَثَبت فِي «الصَّحِيح» «أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ ) كَانَ يزور قبَاء كل سبت رَاكِبًا وماشيًا» هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب؛ فَالله الْمُوفق للصَّوَاب. وَأما آثاره فَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ: سَبَب الْمَنْع فِي تَحْرِيم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء مَا ذكره الْأَصْحَاب: أَن الصَّحرَاء لَا تَخْلُو من مصلٍ من ملك أَو جني أَو إنسي؛ فَرُبمَا يَقع بَصَره عَلَى عَوْرَته، فَأَما فِي

стр. 860

الْأَبْنِيَة والحشوش فَلَا يحضرها إِلَّا الشَّيَاطِين، وَمن يُصَلِّي يكون خَارِجا مِنْهَا فيحول الْبناء بَينه وَبَين الْمُصَلِّي، وَلَيْسَ السَّبَب مُجَرّد احترام الْكَعْبَة. وَقد نقل مَا (ذَكرُوهُ) عَن الشّعبِيّ. قلت: هُوَ كَذَلِك، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار، ثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري، نَا مُوسَى بن دَاوُد، نَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل، عَن عِيسَى بن أبي عِيسَى قَالَ: قلت لِلشَّعْبِيِّ: «عجبت لقَوْل أبي هُرَيْرَة وَنَافِع عَن ابْن عمر. قَالَ: وَمَا قَالَا؟ قلت: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: «لَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها» وَقَالَ نَافِع عَن ابْن عمر: «رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ذهب مذهبا مواجه الْقبْلَة» فَقَالَ: أما قَول أبي هُرَيْرَة فَفِي الصَّحرَاء، إِن لله خلقا من عباده يصلونَ فِي الصَّحرَاء؛ فَلَا تستقبلوهم وَلَا تستدبروهم، وَأما بُيُوتكُمْ هَذِه الَّتِي تتخذونها للنتن؛ فَإِنَّهُ لَا قبْلَة لَهَا» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عِيسَى بن أبي عِيسَى الحناط، [وَهُوَ عِيسَى بن ميسرَة] وَهُوَ ضَعِيف. وَقد تقدم أَقْوَال الْأَئِمَّة فِي عِيسَى فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَنقل مَا ذَكرُوهُ عَن ابْن عمر أَيْضا. قلت: لَا أعلم من (خرجه) عَنهُ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا التَّعْلِيل الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَو قعد قَرِيبا من حَائِط واستقبله ووراءه فضاء وَاسع جَازَ بِلَا شكّ، كَمَا صرح بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا،

стр. 861

وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عمر «أَنه أَنَاخَ رَاحِلَته مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ جلس يتبول إِلَيْهَا، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّمَا نهي عَن ذَلِك فِي الفضاء، فَإِذا كَانَ بَيْنك وَبَين الْقبْلَة شَيْء يسترك فَلَا بَأْس بِهِ» . وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَفعل ابْن عمر هَذَا يبطل التَّعْلِيل الْمَذْكُور؛ فَإِنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لم يجز فِي هَذِه الصُّورَة، فَإِنَّهُ مستدبر الفضاء الَّذِي فِيهِ المصلون. قَالَ: وَالتَّعْلِيل الصَّحِيح الَّذِي اعْتمد القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ (وَغَيرهمَا) أَن جِهَة الْقبْلَة معظمة؛ فَوَجَبَ صيانتها فِي الصَّحرَاء (وَرخّص فِيهَا فِي الْبناء) للْمَشَقَّة. وَمِمَّا بَقِي من هَذَا الْبَاب مَا قد يُقَال: يجب علينا عزوه. وَهُوَ مَا نَقله الإِمَام الرَّافِعِيّ فِيمَا إِذا انْتَشَر الْخَارِج أَكثر من الْقدر الْمُعْتَاد وَلم يُجَاوز الأليتين، فَفِي جَوَاز الِاقْتِصَار فِيهِ عَلَى الْأَحْجَار قَولَانِ: أظهرهمَا الْجَوَاز، وَاحْتج الشَّافِعِي لَهُ بِأَن قَالَ: لم يزل فِي زمَان رَسُول الله ﷺ وَإِلَى الْيَوْم رقة الْبُطُون، وَكَانَ أَكثر أقواتهم التَّمْر، وَهُوَ مِمَّا يرقق الْبَطن، وَمن رق بَطْنه انْتَشَر الْخَارِج مِنْهُ عَن الْموضع وَمَا حواليه، وَمَعَ ذَلِك أمروا بالاستجمار. انْتَهَى.

стр. 862

وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ذكره الشَّافِعِي فِي «الْأُم» وَقَالَ فِيهِ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : إِنَّه صَحِيح مَشْهُور. وَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ أَيْضا عقب الْكَلَام عَلَى النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد وإيراده الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِيهِ: وَقيل: إِنَّه لِئَلَّا (يجن) فَيَنْبَغِي أَن يجْتَنب حِينَئِذٍ تَحَرُّزًا مِنْهُم. وَهَذَا الْمَذْكُور لَا أعلم من رَوَاهُ حَدِيثا وَلَا أثرا وَلَا خَبرا، نعم فِي «كَامِل ابْن عدي» من حَدِيث أبي الزبير، عَن جَابر مَرْفُوعا: «لَا يدْخل أحدكُم المَاء إِلَّا بمئزر؛ فَإِن للْمَاء عَامِرًا» . قَالَ ابْن عدي: فِيهِ يَحْيَى بن سعيد التَّمِيمِي الْمدنِي، مُنكر الحَدِيث ضَعِيف، وَلَيْسَ بِالْأَنْصَارِيِّ ذَلِك ثِقَة جليل. وَفِي «الْمُسْتَدْرك» (عَن أبي الْعَبَّاس - هُوَ الْأَصَم -) ، ثَنَا الدوري، نَا الْهَمدَانِي، نَا زُهَيْر، عَن أبي الزبير، عَن جَابر «أَن النَّبِي ﷺ نهَى أَن يدْخل المَاء إِلَّا بمئزر» ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم (وَلم يخرجَاهُ) . وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث عَلّي بن زيد، عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِن مُوسَى بن عمرَان كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يدْخل المَاء لم يلق ثَوْبه حَتَّى يواري عَوْرَته فِي المَاء» .

стр. 863

وَحَكَى أَحْمد عَن الْحسن وَالْحُسَيْن: «وَقد قيل لَهما، وَقد دخلا المَاء وَعَلَيْهِمَا بردَان، فَقَالَا: إِن للْمَاء سكانًا» . خَاتِمَة لَا يَنْبَغِي إهمالها وَهِي: مَا يُقَال عِنْد دُخُول الْخَلَاء وَالْخُرُوج مِنْهُ، وَالْعجب أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ أهمل (ذَلِك) وَذكره الشَّيْخ فِي «التَّنْبِيه» نعم ذكره فِي «الشَّرْح الصَّغِير» و «الْمُحَرر» وَقد ورد فِي ذَلِك عدَّة أَحَادِيث: (أَحدهَا) عَن أنس ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث» . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ تَعْلِيقا: «إِذا أَرَادَ أَن يدْخل ... » وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث» وَفِي رِوَايَة لسَعِيد بن مَنْصُور وَأبي حَاتِم وَابْن السكن فِي «صحاحه» : «بِسم الله، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث» . والخُبُث - بِضَم الْخَاء وَالْبَاء وَيجوز إسكانها - جمع خَبِيث، والخبائث جمع خبيثة، وَكَأَنَّهُ استعاذ من ذكران الشَّيَاطِين وإناثهم، وَغلط الْخطابِيّ من (أجَاز إسكان) الْبَاء فِي الْخبث، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَن فُعُلا - بِضَم الْفَاء وَالْعين - يسكن عينه قِيَاسا، فَلَعَلَّ من سكنها جوز

стр. 864

ذَلِك، (لَا جرم أَن) أَبَا الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ قَالَ: رَوَيْنَاهُ بِالضَّمِّ والإسكان. الحَدِيث الثَّانِي: عَن زيد بن أَرقم ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن هَذِه الحشوش محتضرة؛ فَإِذا أَتَى أحدكُم الْخَلَاء فَلْيقل: أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث» . رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فِي إسناه اضْطِرَاب، وَسَأَلَ البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ: لَعَلَّ قَتَادَة (سَمعه) من الْقَاسِم بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ وَالنضْر بن أنس، عَن أنس وَلم يقْض فِي (هَذَا) بِشَيْء. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار: اخْتلفُوا فِي إِسْنَاده. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أَبُو زرْعَة: (هَذَا الحَدِيث) اخْتلفُوا فِي إِسْنَاده. وَقَالَ عبد الْحق: اخْتلف فِي إِسْنَاده، وَالَّذِي أسْندهُ ثِقَة. قلت: فِي هَذِه الْعبارَة نظر؛ لِأَنَّهُ لم يرم بِالْإِرْسَال حَتَّى يكون الحكم لمن أسْندهُ، إِنَّمَا رمي بِالِاضْطِرَابِ عَن قَتَادَة، وَقد صَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم؛ فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَلَفظ

стр. 865

ابْن حبَان كَلَفْظِ أَحْمد: «فَإِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يدْخل ... » الحَدِيث، وَكَذَا أخرجه أَحْمد، قَالَ ابْن حبَان: وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور عَن شُعْبَة وَسَعِيد جَمِيعًا، وَهُوَ مِمَّا تفرد بِهِ قَتَادَة. ثمَّ أخرجه من طَرِيق آخر، وَلَفظه: «فَإِذا دَخلهَا أحدكُم فَلْيقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك ... » الحَدِيث، وَلَفظ الْحَاكِم من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن النَّضر [بن] أنس: «إِن هَذِه الحشوش محتضرة؛ فَإِذا أحدكُم دخل الْغَائِط فَلْيقل: أعوذ بِاللَّه من الرجس النَّجس من الشَّيْطَان الرَّجِيم» . قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج مُسلم بِحَدِيث لِقَتَادَة، عَن النَّضر بن أنس [عَن زيد بن أَرقم] وَاحْتج البُخَارِيّ بِعَمْرو بن مَرْزُوق، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِيهِ (عَلَى) قَتَادَة، رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة، عَن قَتَادَة، عَن الْقَاسِم بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ، عَن زيد بن أَرقم - رَفعه -: «إِن هَذِه الحشوش محتضرة؛ فَإِذا أحدكُم دَخلهَا فَلْيقل: أعوذ بك من الْخبث والخبائث» ثمَّ قَالَ: كلا الإسنادين من شَرط الصَّحِيح، وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ. الحَدِيث الثَّالِث: عَن أبي (أُمَامَة) ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا

стр. 866

يعجز أحدكُم إِذا دخل مرفقه (أَن يَقُول) : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرَّجِيم» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث (عبيد الله) بن زحر الأفريقي - وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ وَله مَنَاكِير، ضعفه أَحْمد، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ - عَن عَلّي بن يزِيد - وَهُوَ الْأَلْهَانِي وَقد ضعفه جمَاعَة - عَن الْقَاسِم (بن) عبد الرَّحْمَن، عَن أبي أُمَامَة. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن الْحسن «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أَرَادَ دُخُول الْخَلَاء قَالَ: ... » فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : والرجس - بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْجِيم - وَالنَّجس - بِكَسْر النُّون وَإِسْكَان الْجِيم - إتباعًا للرجس. الحَدِيث الرَّابِع: عَن عَلّي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «ستر مَا بَين أعين الْجِنّ وعورات بني آدم إِذا دخل الكنيف أَن يَقُول: بِسم الله» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ. الحَدِيث الْخَامِس: عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ: غفرانك» .

стр. 867

رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» وَالنَّسَائِيّ فِي «الْيَوْم وَاللَّيْلَة» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن [غَرِيب] . قلت: وصحيح؛ فقد صَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَلَفظ إِحْدَى روايتيه: «كَانَ إِذا قَامَ من الْغَائِط» بدل: «إِذا خرج» (زَاد) ابْن خُزَيْمَة «غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذِه [الزِّيَادَة] لم أَجدهَا إِلَّا فِي رِوَايَته وَهُوَ إِمَام [وَقد رَأَيْته] فِي نُسْخَة قديمَة من كِتَابه وَلم أجد هَذِه الزِّيَادَة، ثمَّ ألحقت فِي الْحَاشِيَة بِخَط آخر، فالأشبه أَن تكون مُلْحقَة بكتابه من غير علمه. قَالَ: وَقد أخبرنَا الصَّابُونِي، عَن مُحَمَّد بن الْفضل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق

стр. 868

بن خُزَيْمَة، نَا جدي ... فَذكره بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة. وَقَالَ: فصح بذلك بطلَان هَذِه الزِّيَادَة فِي الحَدِيث. قلت: وَلم أرها أَنا أَيْضا فِي نُسْخَة أَصْلِيَّة مِنْهُ، فتأيد مَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ. قَالَ التِّرْمِذِيّ - بعد إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث وَحكمه عَلَيْهِ بالْحسنِ والغرابة -: لَا نَعْرِف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة. قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي «مُخْتَصر السّنَن» : وَفِي الْبَاب حَدِيث أبي ذَر ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي (أذهب) عني الْأَذَى وعافاني» . قلت: أخرجه النَّسَائِيّ فِي «عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة» من حَدِيث أبي الْفَيْض عَنهُ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَقد قيل إِن أَبَا الْفَيْض لم يدْرك أَبَا ذَر. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» وَقَالَ: (وَقفه) عَلَى أبي ذَر أصح. كَمَا سَيَأْتِي، وَحَدِيث أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ مثله، وَفِي لفظ: «الْحَمد لله الَّذِي أحسن (إليَّ فِي) أَوله وَآخره» - وَفِي اللَّفْظ (الأول) : أخرجه ابْن مَاجَه - وَحَدِيث عبد الله بن عمر «أَن النَّبِي ﷺ يَعْنِي: كَانَ إِذا خرج - قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وَأَبْقَى مِنْهُ قوته، وأذهب عني أَذَاهُ» قَالَ: غير أَن هَذِه الْأَحَادِيث أسانيدها

стр. 869

ضَعِيفَة، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: أصح مَا فِيهِ حَدِيث عَائِشَة. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا مِمَّا لم (يذكر) حديثان: أَحدهمَا: حَدِيث طَاوس، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث زَمعَة بن صَالح، عَن سَلمَة بن (وهرام) قَالَ: سَمِعت طاوسًا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا أَتَى أحدكُم البرَاز فَليُكرم قبْلَة الله؛ فَلَا تستقبلوها وَلَا تستدبروها، ثمَّ ليستطب بِثَلَاثَة أَحْجَار، أَو ثَلَاثَة أَعْوَاد، أَو ثَلَاثَة حثيات من تُرَاب، ثمَّ ليقل: الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني مَا يُؤْذِينِي، وَأمْسك عَلّي مَا يَنْفَعنِي» ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر بِذكر ابْن عَبَّاس فِيهِ (فَقَالَ: ثَنَا عبد الْبَاقِي) بن قَانِع، نَا أَحْمد بن الْحسن المضري، [أَنا أَبُو عَاصِم] أَنا زَمعَة بن صَالح، عَن سَلمَة بن وهرام، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «إِذا قَضَى أحدكُم حَاجته فليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار، أَو ثَلَاثَة أَعُود، أَو ثَلَاث حثيات من تُرَاب» . قَالَ زَمعَة: فَحدثت بِهِ ابْن طَاوس فَقَالَ: أَخْبرنِي [أبي] عَن ابْن عَبَّاس بِهَذَا سَوَاء. زَمعَة أخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا، وَضَعفه أَحْمد وَابْن معِين وَقَالَ مرّة: صُوَيْلِح الحَدِيث. وَسَلَمَة بن وهرام أَكْثَرهم يوثقه، قَالَ

стр. 870

ابْن الْقطَّان: وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه أَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير المضري، وَهُوَ كَذَّاب، وَغَيره يرويهِ عَن طَاوس مُرْسلا لَيْسَ فِيهِ ابْن عَبَّاس، وَقد رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة، عَن سَلمَة، عَن طَاوس قَوْله. الحَدِيث الثَّانِي: عَن سُهَيْل بن أبي حثْمَة وَأبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ : «أَنه كَانَ إِذا خرج من الْغَائِط يَقُول: الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني» . ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» ثمَّ قَالَ: لَيْسَ هُوَ مَحْفُوظ. قَالَ: وَرَوَاهُ مَنْصُور عَن رجل - يُقَال لَهُ: الْفَيْض - عَن أبي حثْمَة، عَن أبي ذَر مَوْقُوفا، وَهُوَ أصح.

стр. 871

بِسم [١] الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة، وهيئ لنا من أمرنَا رشدا (. بَاب الْأَحْدَاث ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث، فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا. الحَدِيث الأول عَن أنس ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم وَصَلى وَلم يتَوَضَّأ، وَلم يزدْ عَلَى غسل محاجمه» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدارقطني فِي «سنَنه» : عَن أبي سهل بن زِيَاد، ثَنَا صَالح بن مقَاتل (ثَنَا أبي) ثَنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد أَبُو أَيُّوب، عَن حميد، عَن أنس مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء، إِلَّا أَنه قَالَ: فَصَلى - «بِالْفَاءِ» ، بدل «الْوَاو» . وَلم يعقبه بتصحيح وَلَا تَضْعِيف. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : لما عقد الْخلاف بَيْننَا وَبَين أبي حنيفَة فِي نقض الْخَارِج بذلك؛ رَوَى عَن أنس بن مَالك صَرِيحًا - إِن

стр. 872

صَحَّ الطَّرِيق فِيهِ إِلَى حميد. ثمَّ سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ الْمَذْكُورَة وَلَفظه. ثمَّ قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عبد الله الْحَاكِم قَالَ: سَأَلت الدَّارَقُطْنِيّ عَن صَالح بن مقَاتل بن صَالح، فَقَالَ: يحدث عَن أَبِيه، لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وأجمل فِي «سنَنه» القَوْل بتضعيفه، فَقَالَ: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضعف. وَلم يبين سَببه. وَقَالَ فِي بَاب الْغسْل من غسل الْمَيِّت من «سنَنه» : صَالح بن مقَاتل بن صَالح، يروي الْمَنَاكِير. قلت: وَسليمَان بن دَاوُد مَجْهُول، ووالد صَالح لَا يعرف. وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» بعد أَن أخرجه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة: إِسْنَاده حسن. وَأغْرب من هَذَا قَول ابْن الْعَرَبِيّ فِي «خلافياته» أَن الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح. وَمِمَّنْ ضعفه من الْمُتَأَخِّرين: النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وضعفوه. وَلَعَلَّه أَرَادَ تَضْعِيف الدَّارَقُطْنِيّ فِي غير «سنَنه» . (أَو) أَرَادَ كَلَامه فِي صَالح، كَمَا نَقله الْحَاكِم فِيمَا أسلفناه عَنهُ، وَذكره فِي «خلاصته» فِي فصل (الضَّعِيف) ثمَّ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي نقض

стр. 873

الْوضُوء بالقيء وَالدَّم والضحك فِي الصَّلَاة، وَلَا عدم ذَلِك حَدِيث صَحِيح. وَقَالَ ابْن (الحصَّار) فِي كِتَابه «تقريب المدارك» : لَا يَصح فِي الْوضُوء من الدَّم شَيْء إِلَّا وضوء الْمُسْتَحَاضَة. وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى (أَن) الْحجامَة لَا تنقض الطَّهَارَة، وَقد عرفت حَاله، ثمَّ قَالَ: وَرَوَى مثل مَذْهَبنَا؛ أَي: فِي أَن الفصد والحجامة وكل خَارج من غير السَّبِيلَيْنِ لَا ينْقض الطَّهَارَة عَن: (عبد الله بن عمر) وَابْن عَبَّاس، وَابْن أبي أَوْفَى، وَأبي هُرَيْرَة (وَجَابِر بن عبد الله) وَعَائِشَة ﵃، وَزَاد النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» : سعيد بن الْمسيب، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وطاوسًا، وَعَطَاء، ومكحولاً، وَرَبِيعَة، ومالكًا، و (أَبَا) ثَوْر، وَدَاوُد. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: وَهُوَ قَول أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَبسط الْبَيْهَقِيّ دَلَائِل الْمَسْأَلَة فِي «خلافياته» فِي عدَّة أوراق بأسانيده عَلَى عَادَته، وَرَوَى فِيهَا وَفِي «سنَنه» من حَدِيث عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: «أَنه

стр. 874

كَانَ إِذا احْتجم غسل محاجمه» . (وَفِي البُخَارِيّ: وَقَالَ ابْن عمر وَالْحسن فِيمَن يحتجم: «لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غسل محاجمه» ) . وأسنده ابْن أبي شيبَة عَن (عمر) بِلَفْظ: «كَانَ إِذا احْتجم (غسل أثر) محاجمه» . وَكَذَا أسْندهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم عَن بعض أَصْحَابهم، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: «أَنه كَانَ إِذا احْتجم غسل أثر المحاجم» . وَفِي (الْمُحَلَّى) لِابْنِ حزم: مَسحه بحصاة فَقَط. وَاحْتج الشَّافِعِي ﵁ فِي الْمَسْأَلَة؛ بِأَن ابْن عمر عصر بثرة بِوَجْهِهِ فَخرج مِنْهَا دم فدلكه بَين أصبعيه، ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَلم يغسل يَده. وَلقَوْل ابْن عَبَّاس ﵁: «اغسل أثر المحاجم عَنْك وحسبك» . و (بِأَن ابْن) الْمسيب: «رعف فَمسح أَنفه بِخرقَة ثمَّ صَلَّى» . وَبِأَن الْقَاسِم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المحتجم وضوء» . وسَاق الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» ذَلِك خلا قَول أبي الْقَاسِم بأسانيده؛ ثمَّ رَوَى عَن

стр. 875

ابْن مَسْعُود، وَسَالم بن عبد الله، وَطَاوُس «ترك الْوضُوء من الدَّم» . زَاد فِي «سنَنه» : الْحسن؛ وَذكر قَول الْقَاسِم أَيْضا ثمَّ قَالَ: وَاسْتدلَّ أَصْحَابهم بِأَحَادِيث سقيمة رُويَتْ بأسانيد واهية فَذكرهَا وبيَّن عللها. وَذكر فِي «سنَنه» عَن معَاذ أَنه قَالَ: «لَيْسَ الْوضُوء من الرعاف والقيء ... » إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ: فِيهِ مطرِّف بن (مَازِن) وَقد تكلمُوا فِيهِ. الحَدِيث الثَّانِي عَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الضحك ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء» . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث أبي شيبَة، عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء. ثمَّ قَالَ: خَالفه إِسْحَاق بن بهْلُول، عَن أَبِيه فِي لَفظه؛

стр. 876

فَرَوَاهُ عَن أبي شيبَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور (لَكِن) بِلَفْظ: «الْكَلَام ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء» . وَرُوِيَ مثل ذَلِك من حَدِيث مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان، عَن أَبِيه، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر رَفعه: «من ضحك مِنْكُم فِي صلَاته فَليَتَوَضَّأ ثمَّ ليعد الصَّلَاة» . ثمَّ قَالَ: (قَالَ) لنا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي: هَذَا مُنكر، وَالصَّحِيح عَن جَابر خِلَافه. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَيزِيد بن سِنَان ضَعِيف جدًّا وَابْنه ضَعِيف أَيْضا، وَقد وهم فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين فِي رَفعه، وَلَفظه وَالصَّحِيح عَن الْأَعْمَش، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر، من قَوْله: «من ضحك فِي الصَّلَاة أعَاد الصَّلَاة، وَلم يعد الْوضُوء» . كَذَلِك رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش جمَاعَة من الرفعاء الثِّقَات، مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ، ووكيع، وجماعات عَددهمْ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَة، وَابْن جريج، عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي

стр. 877

سُفْيَان، عَن جَابر، ثمَّ بسط ذَلِك. وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من طَرِيق الْأَعْمَش قَالَ، عَن الْحَاكِم: تفرد بِهِ يزِيد بن سِنَان أَبُو فَرْوَة الْكَبِير عَنهُ وَغَيره أوثق عندنَا مِنْهُ، وَكلهمْ ثِقَات إِلَّا هَذَا الْوَاحِد من بَينهم. (قَالَ) : وَقد خُولِفَ يزِيد فِي مَتنه. قَالَ: وَله شَاهد عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي سُفْيَان مُسْندًا إِن سلم الطَّرِيق إِلَيْهِ، ثمَّ أسْندهُ عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَاضِي: «الْكَلَام ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء» . قَالَ: وَرُوِيَ «الضحك» بدل «الْكَلَام» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِبْرَاهِيم بن عُثْمَان فِي هَذَا الطَّرِيق (وَالَّذِي قبله) هُوَ (أَبُو شيبَة الْعَبْسِي) جد (أبي بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة) غمزه شُعْبَة، وَيَحْيَى بن معِين. قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة، عَن يزِيد أبي خَالِد من قَول جَابر (مَوْقُوفا) بِلَفْظ: «فِي الضحك وضوء» . قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْن جريج. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر صَحِيح عَن جَابر ... فَذكره من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن حبيب الْمعلم، عَن عَطاء، عَن جَابر قَالَ: «كَانَ لَا يرَى عَلَى الَّذِي

стр. 878

يضْحك فِي الصَّلَاة وضُوءًا» . قلت: وَأخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» (عَنهُ) مُعَلّقا بِصِيغَة جزم، وَلَفظه: وَقَالَ جَابر: «إِذا ضحك فِي الصَّلَاة أعَاد الصَّلَاة وَلم يعد الْوضُوء» وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» : إِن رفع هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، وَوَقفه هُوَ الصَّحِيح. وَمَا (نَقَلْنَاهُ) فِيمَا سلف من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي تَضْعِيف يزِيد بن سِنَان، نَقله الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «خلافياته» عَنهُ، وَنقل قبله بأسطر عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِي مدخله: إِنَّه ثِقَة. قَالَ: وَكَذَا ابْنه يزِيد بن مُحَمَّد، وَإِنَّمَا جده يزِيد بن سِنَان، يروي الْمَنَاكِير الْكثير. فتلخص من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ضعف رفع هَذَا الحَدِيث (و) صِحَة وَقفه. وَكَذَا نَص عَلَى ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي (تَحْقِيقه) هَذَا الحَدِيث: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا. وَقد اخْتلف بِهِ عَن (أبي شيبَة) ، لكنه غلط فِي اسْم أبي شيبَة فِيمَا يظْهر فَقَالَ: إِن اسْمه عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَهُوَ ضَعِيف، كَمَا قَالَه يَحْيَى، وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء، فَذكر الحَدِيث. انْتَهَى.

стр. 879

وَأَبُو شيبَة هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، كَمَا نَص عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا مَضَى. وَقد غمزه غير وَاحِد كَمَا سلف، وَذَاكَ آخر، وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي الضحك حَدِيث صَحِيح. قَالَ ذَلِك عَنهُ بعد أَن قَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعا من سَبْعَة أوجه ومرسلاً من وُجُوه «الضحك فِي الصَّلَاة ينْقض الْوضُوء وَالصَّلَاة» ثمَّ ذكرهَا يعللها. وَقَالَ ابْن عدي: كل رُوَاة هَذَا الحَدِيث يرجع إِلَى أبي الْعَالِيَة الريَاحي، وَمن أَجله تكلم فِيهِ. قَالَ الشَّافِعِي: حَدِيث أبي الْعَالِيَة الريَاحي ريَاح. وقَالَ الذهلي: لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ فِي الضحك فِي الصَّلَاة خبر (كَمَا) نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» . وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن القهقهة لَا تنقض الْوضُوء، إِذا وجدت فِي الصَّلَاة، وَقد علمت حَاله. وَقد أسلفنا (أَيْضا) عَن الذهلي أَنه قَالَ: لَا يثبت فِي الضحك فِي الصَّلَاة خبر؛ وَهُوَ كَاف فِي الرَّد عَلَى الْمُخَالف. الحَدِيث الثَّالِث أنَّه ﷺ قَالَ: «توضئوا من لُحُوم الْإِبِل، وَلَا توضئوا من لُحُوم الْغنم» .

стр. 880

هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق: أَحدهَا: من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب ﵁ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ، وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عبد الله بن عبد الله الرَّازِيّ، الثِّقَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَنهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ: توضئوا مِنْهَا. وَسُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فَقَالَ: لَا تتوضئوا مِنْهَا» . هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد، (وَزَاد) «وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَقَالَ: لَا تصلوا فِي مبارك الْإِبِل؛ فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين. وسُئِل عَن الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم فَقَالَ: صلوا فِيهَا؛ فَإِنَّهَا بركَة» . وَأخرج ابْن مَاجَه الْقطعَة الأولَى من (روايتي) التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد، وَلَفظ ابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» : «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أأصلي) فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: لَا. قَالَ: (أفأتوضأ) من (لحومها) ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفأتوضأ من لحومها؟ قَالَ: لَا» .
следующие страницы →