← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فَرَوَاهُ عَن أبي شيبَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور (لَكِن) بِلَفْظ: «الْكَلَام ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء» . وَرُوِيَ مثل ذَلِك من حَدِيث مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان، عَن أَبِيه، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر رَفعه: «من ضحك مِنْكُم فِي صلَاته فَليَتَوَضَّأ ثمَّ ليعد الصَّلَاة» . ثمَّ قَالَ: (قَالَ) لنا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي: هَذَا مُنكر، وَالصَّحِيح عَن جَابر خِلَافه. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَيزِيد بن سِنَان ضَعِيف جدًّا وَابْنه ضَعِيف أَيْضا، وَقد وهم فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين فِي رَفعه، وَلَفظه وَالصَّحِيح عَن الْأَعْمَش، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر، من قَوْله: «من ضحك فِي الصَّلَاة أعَاد الصَّلَاة، وَلم يعد الْوضُوء» . كَذَلِك رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش جمَاعَة من الرفعاء الثِّقَات، مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ، ووكيع، وجماعات عَددهمْ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَة، وَابْن جريج، عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي

стр. 877

سُفْيَان، عَن جَابر، ثمَّ بسط ذَلِك. وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من طَرِيق الْأَعْمَش قَالَ، عَن الْحَاكِم: تفرد بِهِ يزِيد بن سِنَان أَبُو فَرْوَة الْكَبِير عَنهُ وَغَيره أوثق عندنَا مِنْهُ، وَكلهمْ ثِقَات إِلَّا هَذَا الْوَاحِد من بَينهم. (قَالَ) : وَقد خُولِفَ يزِيد فِي مَتنه. قَالَ: وَله شَاهد عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي سُفْيَان مُسْندًا إِن سلم الطَّرِيق إِلَيْهِ، ثمَّ أسْندهُ عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَاضِي: «الْكَلَام ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء» . قَالَ: وَرُوِيَ «الضحك» بدل «الْكَلَام» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِبْرَاهِيم بن عُثْمَان فِي هَذَا الطَّرِيق (وَالَّذِي قبله) هُوَ (أَبُو شيبَة الْعَبْسِي) جد (أبي بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة) غمزه شُعْبَة، وَيَحْيَى بن معِين. قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة، عَن يزِيد أبي خَالِد من قَول جَابر (مَوْقُوفا) بِلَفْظ: «فِي الضحك وضوء» . قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْن جريج. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر صَحِيح عَن جَابر ... فَذكره من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن حبيب الْمعلم، عَن عَطاء، عَن جَابر قَالَ: «كَانَ لَا يرَى عَلَى الَّذِي

стр. 878

يضْحك فِي الصَّلَاة وضُوءًا» . قلت: وَأخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» (عَنهُ) مُعَلّقا بِصِيغَة جزم، وَلَفظه: وَقَالَ جَابر: «إِذا ضحك فِي الصَّلَاة أعَاد الصَّلَاة وَلم يعد الْوضُوء» وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» : إِن رفع هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، وَوَقفه هُوَ الصَّحِيح. وَمَا (نَقَلْنَاهُ) فِيمَا سلف من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي تَضْعِيف يزِيد بن سِنَان، نَقله الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «خلافياته» عَنهُ، وَنقل قبله بأسطر عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِي مدخله: إِنَّه ثِقَة. قَالَ: وَكَذَا ابْنه يزِيد بن مُحَمَّد، وَإِنَّمَا جده يزِيد بن سِنَان، يروي الْمَنَاكِير الْكثير. فتلخص من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ضعف رفع هَذَا الحَدِيث (و) صِحَة وَقفه. وَكَذَا نَص عَلَى ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي (تَحْقِيقه) هَذَا الحَدِيث: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا. وَقد اخْتلف بِهِ عَن (أبي شيبَة) ، لكنه غلط فِي اسْم أبي شيبَة فِيمَا يظْهر فَقَالَ: إِن اسْمه عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَهُوَ ضَعِيف، كَمَا قَالَه يَحْيَى، وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء، فَذكر الحَدِيث. انْتَهَى.

стр. 879

وَأَبُو شيبَة هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، كَمَا نَص عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا مَضَى. وَقد غمزه غير وَاحِد كَمَا سلف، وَذَاكَ آخر، وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي الضحك حَدِيث صَحِيح. قَالَ ذَلِك عَنهُ بعد أَن قَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعا من سَبْعَة أوجه ومرسلاً من وُجُوه «الضحك فِي الصَّلَاة ينْقض الْوضُوء وَالصَّلَاة» ثمَّ ذكرهَا يعللها. وَقَالَ ابْن عدي: كل رُوَاة هَذَا الحَدِيث يرجع إِلَى أبي الْعَالِيَة الريَاحي، وَمن أَجله تكلم فِيهِ. قَالَ الشَّافِعِي: حَدِيث أبي الْعَالِيَة الريَاحي ريَاح. وقَالَ الذهلي: لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ فِي الضحك فِي الصَّلَاة خبر (كَمَا) نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» . وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن القهقهة لَا تنقض الْوضُوء، إِذا وجدت فِي الصَّلَاة، وَقد علمت حَاله. وَقد أسلفنا (أَيْضا) عَن الذهلي أَنه قَالَ: لَا يثبت فِي الضحك فِي الصَّلَاة خبر؛ وَهُوَ كَاف فِي الرَّد عَلَى الْمُخَالف. الحَدِيث الثَّالِث أنَّه ﷺ قَالَ: «توضئوا من لُحُوم الْإِبِل، وَلَا توضئوا من لُحُوم الْغنم» .

стр. 880

هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق: أَحدهَا: من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب ﵁ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ، وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عبد الله بن عبد الله الرَّازِيّ، الثِّقَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَنهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ: توضئوا مِنْهَا. وَسُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فَقَالَ: لَا تتوضئوا مِنْهَا» . هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد، (وَزَاد) «وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَقَالَ: لَا تصلوا فِي مبارك الْإِبِل؛ فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين. وسُئِل عَن الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم فَقَالَ: صلوا فِيهَا؛ فَإِنَّهَا بركَة» . وَأخرج ابْن مَاجَه الْقطعَة الأولَى من (روايتي) التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد، وَلَفظ ابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» : «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أأصلي) فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: لَا. قَالَ: (أفأتوضأ) من (لحومها) ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفأتوضأ من لحومها؟ قَالَ: لَا» .

стр. 881

وَلَفظ ابْن حبَان: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ ... » فَذكره بِمثلِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «أعطان» بدل «مبارك» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي «مُسْنده» بِلَفْظ: «سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَأمر بِهِ، وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَنَهَى عَنْهَا» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فرخّص فِي الْوضُوء مِنْهَا، وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مرابضها فَرخص فِيهَا» . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي «مُسْنده» بِلَفْظ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ: توضئوا مِنْهَا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: بَلغنِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، أَنَّهُمَا قَالَا: قد صَحَّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، وَحَدِيث جَابر بن سَمُرَة. قَالَ: وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لم أر خلافًا بَين عُلَمَاء الحَدِيث أَن هَذَا الْخَبَر صَحِيح، من جِهَة النَّقْل (لعدالة) ناقليه، يَعْنِي: حَدِيث الْبَراء. قلت: وَهَذِه الْمقَالة رَأَيْتهَا فِي «صَحِيحه» أَعنِي: «صَحِيح ابْن خُزَيْمَة» .

стр. 882

وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا: الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن عبد الله بن عبد الله، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن أسيد بن حضير. وَالصَّحِيح: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن الْبَراء، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق قَالَ: وَرَوَى عُبَيْدَة الضَّبِّيّ، عَن عبد الله الرَّازِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن ذِي الْغرَّة - يَعْنِي: (عَن) النَّبِي ﷺ . قَالَ: وَرَوَى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث، عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقَالَ: عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن أَبِيه، عَن أسيد بن حضير. قَالَ: وَالصَّحِيح عَن عبد الله بن عبد الله، (عَن) عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن الْبَراء. يَعْنِي (السالف) وَكَذَا قَالَ فِي «علله» وَزَاد بِأَن ذَا الْغرَّة لَا يُدْرَى من هُوَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْحجَّاج ضَعِيف، وَذُو الْغرَّة لَا يُدْرَى من هُوَ، وَعبيدَة الضَّبِّيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه سَأَلَ أَبَاهُ عَنهُ بعد ذكر هَؤُلَاءِ الرِّوَايَات الثَّلَاث أَعنِي رِوَايَة الْبَراء، وَأسيد، وَذي الْغرَّة فَقَالَ: مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن عبد الله بن (عبد الله) عَن عبد الرَّحْمَن، عَن الْبَراء مَرْفُوعا،

стр. 883

وَالْأَعْمَش أحفظ. وَهُوَ مُوَافق لمقالة التِّرْمِذِيّ (السَّابِقَة) . الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة ﵁ رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث جَعْفَر بن أبي ثَوْر عَنهُ «أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ : (أأتوضأ) من لُحُوم الْغنم؟ قَالَ: إِن شِئْت فَتَوَضَّأ، وَإِن شِئْت فَلَا تتوضأ. قَالَ: أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل؟ قَالَ: نعم؛ فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل. قَالَ: أأصلي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أأصلي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: لَا» . قَالَ ابْن حبَان: جَعْفَر هَذَا هُوَ أَبُو ثَوْر بن عِكْرِمَة؛ فَمن لم يحكم صناعَة الحَدِيث توهم أَنَّهُمَا رجلَانِ مَجْهُولَانِ. وأمّا عَلّي بن الْمَدِينِيّ فَقَالَ: جَعْفَر هَذَا رجل مَجْهُول، وَقد شَفَى فِي ذَلِك الْبَيْهَقِيّ. وَصحح الحَدِيث أَيْضا مَعَ مُسلم: أَحْمد، وَإِسْحَاق - كَمَا أسلفناه عَنْهُمَا - وَابْن مَنْدَه أَيْضا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ (فِي «علله» ) : أَخطَأ شُعْبَة، فِي حَدِيث سماك، عَن جَعْفَر بن أبي ثَوْر، عَن جَابر «فِي الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل» فَقَالَ: (عَن) سماك عَن أبي ثَوْر. قَالَ: وجعفر بن أبي ثَوْر رجل مَشْهُور، رَوَى عَنهُ سماك وَغَيره، وَهُوَ من ولد جَابر بن سَمُرَة. الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة ابْن عمر ﵄ رَوَاهَا

стр. 884

ابْن مَاجَه من حَدِيث بَقِيَّة، عَن خَالِد بن يزِيد بن [عمر] (بن) هُبَيْرَة الْفَزارِيّ، عَن عَطاء بن السَّائِب، قَالَ: سَمِعت محَارب بن دثار قَالَ: سَمِعت (ابْن عمر) يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «توضئوا من لُحُوم الْإِبِل، وَلَا تتوضئوا من لُحُوم الْغنم. وَتَوَضَّئُوا من ألبان الْإِبِل، ولاتتوضئوا من ألبان الْغنم. وصلوا فِي مُراح الْغنم، وَلَا تصلوا فِي معاطن الْإِبِل» . قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: كنت أنكر هَذَا الحَدِيث؛ لِتَفَرُّدِهِ، فَوجدت لَهُ أصلا: نَا ابْن الْمُصَفَّى، عَن بَقِيَّة، حَدثنِي فلَان - سَمَّاهُ - عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن محَارب بن دثار، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، بِنَحْوِهِ. وحَدثني (عبيد الله بن سعد) الزُّهْرِيّ، حَدثنِي عمي يَعْقُوب، عَن أَبِيه، عَن ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي عَطاء بن السَّائِب الثَّقَفِيّ، أَنه سمع محَارب بن دثار يذكر، عَن ابْن عمر، بِنَحْوِ هَذَا وَلم (يرفعوه) . قَالَ أبي: حَدِيث ابْن إِسْحَاق أشبه مَوْقُوف.

стр. 885

الحَدِيث الرَّابِع عَن جَابر ﵁ قَالَ: «كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَئِمَّة من حَدِيث (عَلّي) بن عَيَّاش - بالشين الْمُعْجَمَة - ثَنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ. (رَوَاهُ) كَذَلِك أَبُو دَاوُد (عَن) مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ، عَن عَلّي بِهِ، إِلَّا أَنه قَالَ: «غيرت» بدل «مست» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه الْكَبِير وَالصَّغِير» عَن عَمْرو بن مَنْصُور، عَن عَلّي بِهِ بِاللَّفْظِ الأول الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن ابْن خُزَيْمَة إِمَام الْأَئِمَّة، عَن مُوسَى بن سهل الْمَذْكُور أَولا. وبلفظ النَّسَائِيّ، ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي «صَحِيح ابْن خُزَيْمَة» كَمَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَنهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا اخْتِصَار من الحَدِيث الأول؛ يَعْنِي من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر حَيْثُ «قَرَّب للنَّبِي (خبْزًا وَلَحْمًا فَأكل،

стр. 886

ثمَّ دَعَا بِوضُوء فتوضَّأ (ثمَّ صَلَّى) الظّهْر، ثمَّ دَعَا بِفضل طَعَامه فَأكل ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث يَعْنِي: حَدِيث «ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب الْمَتْن؛ إِنَّمَا هُوَ «أَن النَّبِي ﷺ أكل كَتفًا وَلم يتَوَضَّأ» كَذَا رَوَاهُ الثِّقَات، عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن جَابر؛ وَيُمكن أَن يكون شُعَيْب حدث بِهِ من حفظه فَوَهم فِيهِ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِنَّمَا هُوَ «أَن النَّبِي ﷺ أكل كَتفًا ثمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأ» . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي كِتَابه «الإِمَام» : الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد أقرب مِمَّا قَالَه أَبُو حَاتِم؛ فَإِن المتنين متباعدي اللَّفْظ (أَعنِي) قَوْله: «آخر الْأَمريْنِ» وَقَوله: «أكل كَتفًا ثمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأ» وَلَا يجوز التَّعْبِير بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر (والانتقال) من أَحدهمَا إِلَى الآخر؛ إِنَّمَا يكون عَن غَفلَة شَدِيدَة، وَأما مَا ذكره أَبُو دَاوُد من (أَنه) اخْتِصَار من حَدِيثه الأول (فأقرب) لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون (قد) عبَّر بِهَذِهِ الْعبارَة عَن مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى.

стр. 887

قلت: وَفِي التَّعْبِير أَيْضا بذلك نظر، إِلَّا أَن تكون تِلْكَ الْحَالة آخر الْأَمر عِنْده؛ فَعبر بهَا. (ونحا) ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» إِلَى مقَالَة أبي دَاوُد السالفة، فَقَالَ: هَذَا (خبر) مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل، اخْتَصَرَهُ شُعَيْب بن أبي حَمْزَة مُتَوَهمًا نسخ إِيجَاب الْوضُوء (مِمَّا مسته النَّار مُطلقًا، وَإِنَّمَا هُوَ نسخ لإِيجَاب الْوضُوء) مِمَّا مست النَّار خلا لحم الْجَزُور. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «إِعْلَامه بناسخ الحَدِيث ومنسوخه» : حَدِيث جَابر هَذَا وَمَا رُوِيَ مثله كَحَدِيث مُحَمَّد بن (مسلمة) كَانَ آخر الْأَمريْنِ من النَّبِي ﷺ : ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار. (وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِفِعْلِهِ، وَلم يتَوَضَّأ مفصحة بالنسخ ودالة عَلَى أَن مَا عارضها مَنْسُوخ، كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: «توضئوا مِمَّا مسته النَّار» ) . وَحَدِيث عَائِشَة: «مَا ترك رَسُول الله ﷺ الْوضُوء مِمَّا مست النَّار حَتَّى قبض» . وَقَالَ (الْجوزجَاني) فِي «مَوْضُوعَاته» : حَدِيث عَائِشَة هَذَا بَاطِل، وَحَدِيث جَابر يُخَالِفهُ وَهُوَ صَحِيح. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقد رُوِيَ لنا حَدِيث يدل عَلَى أَن المُرَاد (بِالْوضُوءِ) : غسل الْيَد؛ فَحِينَئِذٍ لَا يتَوَجَّه نسخ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث النَّضر بن طَاهِر، عَن عبيد الله بن عكراش، عَن أَبِيه «أَنه أكل مَعَ

стр. 888

النَّبِي ﷺ فِي قَصْعَة من ثريد، ثمَّ أُتِي بِمَاء فَغسل يَده وفمه، وَمسح بِوَجْهِهِ وَقَالَ: يَا عِكْراش، هَذَا الْوضُوء مِمَّا مست النَّار» . رَوَاهُ ابْن شاهين، عَن هَارُون بن أَحْمد النجراني، عَن النَّضر بِهِ. قلت: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث الْعَلَاء بن الْفضل، عَن عبيد الله بِهِ، وَفِيه: «فَغسل رَسُول الله ﷺ (يَده) ثمَّ مسح ببلل كفيه وَجهه وذراعيه وَرَأسه، ثمَّ قَالَ: يَا عِكْراش، هَكَذَا الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار» . وَعبيد الله هَذَا ضَعِيف. قَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر، وَقَالَ (أَبُو) حَاتِم: مَجْهُول. وَقَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث. وَأخرج التِّرْمِذِيّ طرفا مِنْهُ وَهُوَ: أَنه ﵇ قَالَ لَهُ فِي الثَّرِيد: «كل من مَوضِع واحدٍ» . ثمَّ قَالَ: غَرِيب تفرد بِهِ الْعَلَاء. قلت: هُوَ صَدُوق؛ لَكِن قَالَ ابْن حبَان: كَانَ (مِمَّن) ينْفَرد بأَشْيَاء مَنَاكِير عَن أَقوام مشاهير، لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بأخباره الَّتِي انْفَرد بهَا، فَأَما مَا وَافق الثِّقَات فَإِن اعْتبر بهَا مُعْتَبر لم (أر) بذلك بَأْسا. وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ ﵀ ذكر الحَدِيث الَّذِي قبل هَذَا دَلِيلا لمن قَالَ بِالْوضُوءِ من أكل لحم الْجَزُور. ثمَّ ذكر حَدِيث جَابر هَذَا فِي أَنه لَا يتَوَضَّأ (مِنْهُ) .

стр. 889

وَقد أسلفت لَك من كَلَام أبي حَاتِم بن حبَان أَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة اخْتَصَرَهُ مُتَوَهمًا نسخ إِيجَاب الْوضُوء مِمَّا مست النَّار مُطلقًا (وَإِنَّمَا هُوَ نسخ لإِيجَاب الْوضُوء مِمَّا مست النَّار) خلا لحم الْجَزُور. وَحِينَئِذٍ فَلَا يحسن من الرَّافِعِيّ الرَّد بِهِ (عَلَى) الْمُخَالف؛ لِأَن جِهَة كَونه ممسوسًا بالنَّار غير جِهَة كَونه لحم جزور، وَمن أوجب الْوضُوء (مِنْهُ) لَا يَجْعَل سَببه (ممسوسًا) بالنَّار؛ بل كَونه لحم جزور (مُطلقًا) فمنتقض مُطلقًا. الحَدِيث الْخَامِس «أنَّه ﷺ قَالَ فِي الرجل يُصِيبهُ الْمَذْي: ينضح فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من رِوَايَة عَلّي ﵁ قَالَ: «كنت رجلا مذاء؛ فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله ﷺ لمَكَان ابْنَته، فَأمرت الْمِقْدَاد بن الْأسود. فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «تَوَضَّأ (واغسل) ذكرك» وفيهَا: «فَأمرت رجلا» وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «تَوَضَّأ وانضح فرجك» وَهِي مُنْقَطِعَة كَمَا نبه

стр. 890

عَلَيْهَا الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد بيّنت ذَلِك فِي كتَابنَا «الْإِعْلَام بفوائد عُمْدَة الْأَحْكَام» وَذكرت فِيهِ الْجمع بَين رِوَايَة «الصَّحِيحَيْنِ» : «فَأمرت الْمِقْدَاد» (وَرِوَايَة) أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان: «فَأمر عمار بن يَاسر» (وَرِوَايَة) ابْن خُزَيْمَة: «أَن عليًّا سَأَلَ بِنَفسِهِ» وَغير ذَلِك من الْفَوَائِد، فَبلغ الْكَلَام عَلَيْهِ نَحْو كراسة؛ فسارع إِلَى اقتناص (ذَلِك مِنْهُ، وَذكرت فِيهِ أَيْضا أَن فِي «أبي دَاوُد» الْأَمر بِغسْل الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الذّكر، وَأَنَّهَا مُنْقَطِعَة؛ لِأَنَّهَا من حَدِيث عُرْوَة عَن عليّ، وَعُرْوَة لم يسمع مِنْهُ. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «مراسيله» : سَمِعت أبي يَقُول: عُرْوَة عَن عليّ مَرَاسِيل. وَقَالَ عبد الْحق أَيْضا: لم يسمع مِنْهُ، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ من رِوَايَة الثِّقَات أَنه قَول عُرْوَة. قَالَ: وَلَا يَصح أَيْضا عَن غَيره. ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق أبي دَاوُد، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن الْعَلَاء، عَن الْحَارِث، عَن (حرَام) بن حَكِيم، عَن عَمه عبد الله بن سعد قَالَ: «سَأَلت

стр. 891

رَسُول الله ﷺ عَن المَاء يكون بعد المَاء قَالَ: ذَاك الْمَذْي، وكل فَحل يمذي؛ فتغسل من ذَلِك فرجك (وأنثييك) وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة» ثمَّ قَالَ: لَيْسَ يَصح غسل الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَيْسَ يحْتَج بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «كِتَابه» : كَذَا قَالَ عبد الْحق، وَهُوَ كَذَلِك، وَلَكِن بَقِي عَلَيْهِ أَن يبين مِنْهُ مَوضِع الْعلَّة، وَهُوَ الْجَهْل بِحَال حرَام بن حَكِيم الدِّمَشْقِي، وَهُوَ حرَام - بالراء بعد الْحَاء - وَقد يصحف بحزام بن حَكِيم - بالزاي بعد الْحَاء الْمَكْسُورَة - وَكِلَاهُمَا فِي طبقَة وَاحِدَة. وَقَالَ: عَلَيْهِ مُؤَاخذَة فِي ذَلِك؛ فَإِنَّهُ يقبل رِوَايَة المستور، وَحرَام هَذَا رَوَى عَنهُ الْعَلَاء بن الْحَارِث وَزيد بن وَاقد وَعبد الله بن الْعَلَاء، وَرَوَى أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: كَذَا نسب ابْن الْقطَّان حرَام بن حَكِيم إِلَى الْجَهَالَة، وَأقرهُ عَلَى ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» وَلَيْسَ كَذَلِك؛ فقد وَثَّقَهُ دُحَيْم كَمَا أَفَادَهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «تهذيبه» ، وَابْن حزم؛ فَإِنَّهُ ضعفه، ثمَّ ظَفرت بعد ذَلِك بطريقة خَالِيَة من الِانْقِطَاع الْمَذْكُور وَعَن حرَام هَذَا فِي «صَحِيح أبي عوَانَة» رَوَاهَا من حَدِيث سُلَيْمَان بن (حَيَّان) ، عَن هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي، عَن عَلّي قَالَ: «كنت رجلا مذاء، فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله ﵌، فَأرْسلت الْمِقْدَاد فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل

стр. 892

أنثييه وَذكره وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة» وَذكرت هَذِه الْفَائِدَة أَيْضا فِي الشَّرْح الْمَذْكُور، وَللَّه الْحَمد. الحَدِيث السَّادِس أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كتاب الطّهُور بِزِيَادَة وَلَفظه: «لَا وضوء إِلَّا من حدث أَو صَوت أَو ريح» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : هَذَا حَدِيث ثَابت قد اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاج مَعْنَاهُ من حَدِيث عبد الله بن زيد. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: إِسْنَاد حسن ثَابت. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي «الإِمَام» : إِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم. قَالَ: وَهُوَ - وَالله أعلم - مُخْتَصر بِالْمَعْنَى من حَدِيث أطول مِنْهُ أخرجه مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا وجد أحدكُم فِي بَطْنه شَيْئا فأشكل عَلَيْهِ أخرج مِنْهُ

стр. 893

شَيْء أم لَا؛ فَلَا يخْرجن من الْمَسْجِد حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا» . قلت: قد سبق إِلَى هَذَا، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت [أبي]- وَذكر حَدِيث شُعْبَة، عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه [عَن أبي هُرَيْرَة] مَرْفُوعا: «لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح» قَالَ أبي: هَذَا وهم، اختصر شُعْبَة متن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: «لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح» وَرَوَاهُ أَصْحَاب سُهَيْل، عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا كَانَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَوجدَ ريحًا من نَفسه؛ فَلَا يخرج حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا» . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» هَذَا حَدِيث مُخْتَصر، وَتَمَامه، فِيمَا أخبرنَا أَبُو عبد الله، وَذكر الحَدِيث. وَفِي كَونه مُخْتَصرا مِنْهُ نظر؛ إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لوجد فِي الثَّانِي مَعَ زِيَادَة، وَعُمُوم الْحصْر الْمَذْكُور فِي الأول لَيْسَ فِي الثَّانِي؛ فَالظَّاهِر اخْتِلَافهمَا. قلت: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من غير طَرِيق أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك، أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء حَدثهمْ قَالَ: رَأَيْت السَّائِب يشم ثَوْبه، فَقلت لَهُ فَلم ذَلِك؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﵌ يَقُول: «لَا وضوء إِلَّا من ريح أَو سَماع» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَابْن قَانِع فِي «مُعْجم الصَّحَابَة» ، وَأَبُو أَحْمد فِي

стр. 894

«كِتَابه» من حَدِيث هِشَام - يَعْنِي ابْن عمار - ثَنَا إِسْمَاعِيل - يَعْنِي ابْن عَيَّاش -، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن عبيد الله، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو قَالَ: «رَأَيْت السَّائِب بن خباب وَهُوَ يشم ثِيَابه، فَقلت لَهُ: مِم ذَاك أصلحك الله؟ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﵌ يَقُول: لَا وضوء إِلَّا من ريح أَو سَماع» . الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أَنه ﵌ قَالَ: «الْوضُوء مِمَّا خرج» . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ) دَلِيلا عَلَى (أَن) النَّادِر ينْقض، فَقَالَ: لنا ظَاهر مَا رُوِيَ أَنه ﵇ قَالَ: «الْوضُوء مِمَّا خرج» وَنَحْو ذَلِك. وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» من حَدِيث الْفضل بن الْمُخْتَار، عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن شُعْبَة مولَى ابْن عَبَّاس، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا: «الْوضُوء مِمَّا يخرج وَلَيْسَ مِمَّا يدْخل» وَسبب ضعفه: الْفضل بن مُخْتَار وَشعْبَة هَذَا. أما الأول: قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مَجْهُول، وَأَحَادِيثه مُنكرَة يحدث بالأباطيل. وَقَالَ الْأَزْدِيّ: مُنكر الحَدِيث جدًّا. وَقَالَ ابْن عدي: لَعَلَّ الْبلَاء فِي هَذَا الحَدِيث مِنْهُ لَا من شُعْبَة؛ لِأَن لَهُ أَحَادِيث (مُنكرَة)

стр. 895

وعامتها لَا يُتَابع عَلَيْهَا. قَالَ: وَالْأَصْل فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مَوْقُوف. وَأما الثَّانِي: فَقَالَ مَالك فِيهِ: لَيْسَ بِثِقَة. كَذَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» عَنهُ، وَكَذَا عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» ، وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا قلَّة إنصاف من عبد الْحق؛ فَإِن مَالِكًا لم يُضعفهُ، وَإِنَّمَا شح عَلَيْهِ بِلَفْظ «ثِقَة» وَقد كَانُوا بهَا أشحاء. وَقَالَ البُخَارِيّ: إِن مَالِكًا تكلم فِي شُعْبَة هَذَا، وَيحْتَمل مِنْهُ - يَعْنِي من شُعْبَة - وَنِهَايَة مَا يُوجد لمَالِك فِيهِ أَنه قَالَ: لم يكن يشبه الْقُرَّاء. وَقَالَ يَحْيَى فِيهِ: لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ (مرّة) : لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَكَذَا قَالَ أَحْمد: (و) مُرَاد يَحْيَى بقوله: لَيْسَ بِهِ بَأْس أَنه ثِقَة، كَمَا نَقله عَنهُ ابْن أبي خَيْثَمَة. وَقَالَ السَّعْدِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: لم أر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا جدًّا فأحكم عَلَيْهِ بالضعف، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ (وَلم أجد) لَهُ أنكر من هَذَا الحَدِيث، وَلَعَلَّ الْبلَاء فِيهِ من الْفضل. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث لَا يثبت عَن رَسُول الله صَلَّى الله

стр. 896

عَلَيْهِ وَآله وَسلم. قَالَ: وَرَوَاهُ وَكِيع، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي ظبْيَان، عَن ابْن عَبَّاس «أَنه ذكر عِنْده الْوضُوء من الطَّعَام - قَالَ الْأَعْمَش (مرّة) : والحجامة للصَّائِم - فَقَالَ: إِنَّمَا الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل، وَإِنَّمَا الْفطر مِمَّا دخل وَلَيْسَ مِمَّا خرج» . قلت: و (أخرجه) شُعْبَة فِي «مُسْنده» ، عَن أبي إِسْحَاق، عَن يَحْيَى بن وثاب قَالَ: «سَأَلت ابْن عَبَّاس عَن الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار، قَالَ: لَا؛ إِنَّمَا الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل، إِنَّمَا يدْخل طيبا وَيخرج خبيثًا» . وَقد ضعف طَريقَة الرّفْع من الْمُتَأَخِّرين: عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه وَعلله» فَقَالَ فِي «تَحْقِيقه» بعد أَن ضعفه (بشعبة) وَالْفضل: (و) كَلَام ابْن عدي السالف إِنَّمَا يحفظ هَذَا الْكَلَام عَن ابْن عَبَّاس. كَذَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور، وَنقل فِيهِ عَن النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِي شُعْبَة السالف: لَيْسَ بِثِقَة، وَهُوَ خلاف مَا نَقله عَنهُ فِي «ضُعَفَائِهِ» من قَوْله: «إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ» كَمَا أسلفناه. وَقَالَ فِي «علله» : (هَذَا حَدِيث لَا يَصح ثمَّ ضعفه بِمَا سلف قَالَ

стр. 897

الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ أَيْضا عَن عَلّي) بن أبي طَالب من قَوْله قَالَ: (مُرَاده وَمُرَاد) ابْن عَبَّاس ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار. قلت: وَرُوِيَ أَيْضا عَن عبد الله بن مَسْعُود من قَوْله، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث الثَّوْريّ عَن وَائِل بن دَاوُد عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: «إِنَّمَا الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل، وَالصَّوْم مِمَّا دخل وَلَيْسَ مِمَّا خرج» ثمَّ ظَفرت بعد ذَلِك (للْحَدِيث) بطرِيق أُخْرَى مَرْفُوعَة لَكِنَّهَا واهية جدًّا رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث (عبيد الله) بن زحر، عَن عَلّي بن [يزِيد] ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة «أَنه ﵇ أكل الْعرق وَأَتَاهُ الْمُؤَذّن (فَقَالَ) : الْوضُوء مِمَّا خرج وَلَيْسَ علينا فِيمَا (دخل) » .

стр. 898

قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عبيد الله لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَعلي مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن حبَان: [عبيد الله] يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات، وَإِذا رَوَى عَن عَلّي أَتَى بالطامات. قَالَ: وَإِذا اجْتمع فِي إِسْنَاد خبر عبيد الله بن زحر، وَعلي بن يزِيد، وَالقَاسِم أَبُو عبد الرَّحْمَن لم يكن (متن) ذَلِك الْخَبَر إِلَّا مِمَّا عملته أَيْديهم. قلت: قد اجْتَمعُوا هُنَا؛ فنسأل الله السَّلامَة. وَقَول الإِمَام الرَّافِعِيّ بعد إِيرَاد هَذَا الحَدِيث: وَنَحْو ذَلِك. أَرَادَ وَنَحْوه من الْأَدِلَّة، فيستدل لَهُ بِالْحَدِيثِ الْخَامِس «أَنه ﵌ أوجب من الْمَذْي الْوضُوء» وَقد تقدم وَاضحا، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يقْتَصر عَلَى هَذَا عوضا عَمَّا ذكره؛ فَإِنَّهُ حَدِيث ثَابت دون مَا اسْتدلَّ بِهِ لكنه تبع فِي ذَلِك بعض الْأَصْحَاب. الحَدِيث الثَّامِن أَنه ﵌ قَالَ: «العينان وكاء السه؛ فَإِذا نَامَتْ العينان اسْتطْلقَ الوكاء [فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ] » .

стр. 899

هَذَا الحَدِيث ذكره الْمُزنِيّ فِي «الْمُخْتَصر» بِغَيْر إِسْنَاد، وَهُوَ مَرْوِيّ من حَدِيث (عَلّي بن) أبي طَالب وَمُعَاوِيَة ﵄ أما حَدِيث عَلّي فَرَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» من حَدِيث بَقِيَّة، عَن الْوَضِين بن عَطاء، عَن مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن عايذ - بِعَين مُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ يَاء مثناة تَحت ثمَّ ذال مُعْجمَة - عَن عَلّي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الْعين وكاء السه؛ فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ» (هَذَا لفظ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد «وكاء السه العينان؛ فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ» وَلَفظ أَحْمد: «إِن السه وكاء الْعين؛ فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ) » كَذَا هُوَ فِي «مُسْنده» وَكَأَنَّهُ مقلوب. وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَيْضا فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث» . والعقيلي فِي «تَارِيخه» كَمَا رَوَاهُ أَحْمد. وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَرَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد، والدارمي فِي «مسنديهما» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم، عَن أبي بكر (بن عبد الله) بن أبي مَرْيَم، عَن عَطِيَّة بن قيس قَالَ: سَمِعت مُعَاوِيَة

стр. 900

يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إِنَّمَا الْعين وكاء السَّه؛ فَإِذا نَامَتْ الْعين انْطلق الوكاء (فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ) » . هَذَا لفظ الطَّبَرَانِيّ، وَلَفظ البَاقِينَ: «الْعين وكاء السه؛ فَإِذا نَامَتْ الْعين (اسْتطْلقَ) الوكاء» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق بَقِيَّة، عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم (بِهِ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ مَرْوَان بن (جنَاح) عَن عَطِيَّة بن قيس، عَن مُعَاوِيَة «الْعين وكاء السه ... » مَوْقُوفا، قَالَ: الْوَلِيد بن مُسلم، ومروان أثبت من أبي بكر بن أبي مَرْيَم. وَالَّذِي يعل بِهِ حَدِيث عليّ أَمْرَانِ: الأول: أَن فِي إِسْنَاده جمَاعَة تكلم فيهم؛ أَوَّلهمْ بَقِيَّة، وَهُوَ ثِقَة فِي نَفسه، لكنه (يُدَلس عَن الْكَذَّابين) وَقد أسلفنا كَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ فِي بَاب النَّجَاسَات فِي الحَدِيث الرَّابِع مِنْهُ وَاضحا. ثانيهم: الْوَضِين بن عَطاء بن كنَانَة أَبُو كنَانَة الشَّامي، وَفِيه لين،

стр. 901

قَالَ ابْن (حزم) : ضَعِيف. وَقَالَ السَّعْدِيّ: واهي الحَدِيث. وَقد أنكر عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث نَفسه، وَوَثَّقَهُ جماعات. قَالَ الدَّارمِيّ، عَن دُحَيْم: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: صَالح. وَقَالَ أَحْمد: مَا كَانَ بِهِ من بَأْس. وَفِي رِوَايَة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: سَأَلت عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم عَنهُ فَقَالَ: ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: مَا أرَى بحَديثه بَأْسا. وثالثهم: عبد الرَّحْمَن بن عَائِذ الْأَزْدِيّ الْحِمصِي، نسبه ابْن الْقطَّان إِلَى جَهَالَة الْحَال، وَهُوَ من الْعَجَائِب؛ فقد أرسل عَن معَاذ وَغَيره، وَرَوَى عَن أبي أُمَامَة وَكثير بن مرّة، وَرَوَى عَنهُ مَحْفُوظ وَنصر ابْنا عَلْقَمَة، وثور بن يزِيد، وَصَفوَان بن عَمْرو، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، كَمَا أَفَادَهُ (الْمزي) ، وَذكره ابْن حبَان أَيْضا فِي «ثقاته» وَقَالَ: يُقَال إِن لَهُ صُحْبَة. وَذكره أَبُو الْحسن بن سميع فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة من تَابِعِيّ أهل الشَّام، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحَابَة (و) لَا يَصح. قَالَ أَبُو الْقَاسِم: كَذَا حَكَى ابْن مَنْدَه عَن البُخَارِيّ؛ وَلم يذكرهُ فِي الصَّحَابَة فِي «التَّارِيخ» . وَقَالَ أَبُو نعيم: يُقَال إِنَّه أدْرك رَسُول الله ﷺ ، ذكره البُخَارِيّ فِي الصَّحَابَة مُخْتَلف فِيهِ. قلت: فَمن هَذِه حَالَته كَيفَ يكون مَجْهُولا، وَلابْن الْقطَّان من هَذَا الْقَبِيل نَظَائِر جمعتها فِي جُزْء مُفْرد، وَالله الْمعِين عَلَى إكماله.

стр. 902

الْأَمر الثَّانِي: الِانْقِطَاع بَين عبد الرَّحْمَن وَعلي. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «مراسيله وَعلله» : قَالَ أَبُو زرْعَة: عبد الرَّحْمَن بن عَائِذ الْأَزْدِيّ عَن عَلّي مُرْسل. وَقَالَ عبد الْحق: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل. قَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ كَمَا قَالَ لَيْسَ بِمُتَّصِل، وَلَكِن بَقِي عَلَيْهِ أَن يبين أَنه من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَلِيد؛ وَهُوَ ضَعِيف، وَهُوَ دَائِما يضعف (بِهِ الْأَحَادِيث) ، عَن الْوَضِين وَهُوَ واهي الحَدِيث؛ قَالَه السَّعْدِيّ. وَمِنْهُم من يوثقه عَن مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة وَهُوَ ثِقَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَائِذ وَهُوَ مَجْهُول الْحَال، عَن عَلّي وَلم يسمع مِنْهُ. قَالَ: فَهَذِهِ ثَلَاث علل سُوَى الْإِرْسَال؛ كل [وَاحِدَة] تمنع (من) تَصْحِيحه مُسْندًا كَانَ أَو مُرْسلا. وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة ﵁ فَالَّذِي يعل بِهِ أَيْضا أَمْرَانِ: الأول: حَال أبي بكر بن عبد الله بن أبي مَرْيَم، وَقد اخْتلف فِي اسْمه؛ فَقيل: بكر (وَقيل: بكير) وَقيل: عبد السَّلَام، وَقيل: عمر. وَهِي حَاله واهية، وَهُوَ كثير الْغَلَط؛ ضعفه أَحْمد، وَأَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَكَذَا يَحْيَى بن معِين. وَقَالَ مرّة:

стр. 903

صَدُوق، نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» وَجزم بِأَن اسْمه (بكيرًا) وَقَالَ السَّعْدِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ من خِيَار أهل الشَّام؛ وَلكنه كَانَ رَدِيء الْحِفْظ (فَيحدث) بالشَّيْء ويهم، وَكثر ذَلِك حَتَّى اسْتحق التّرْك. وَأورد لَهُ ابْن عدي جملَة مَنَاكِير، وَأما ابْن حزم فنسبه إِلَى الْكَذِب كَمَا سَيَأْتِي، وَلم أر أحدا نسبه إِلَى ذَلِك إِلَّا مَا رُوِيَ عَن عِيسَى بن يُونُس أَنه قَالَ: لَو أردْت أَبَا بكر بن أبي مَرْيَم أَن يجمع لي فلَانا وَفُلَانًا لفعل - يَعْنِي يَقُول: عَن رَاشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحبِيب بن عبيد، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة قد رَوَى أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم (عَنْهُم) - فَانْتَفَى أَن يكون يقبل التَّلْقِين إِن كَانَ أَرَادَ ذَلِك - يَعْنِي أَنه يقبل التَّلْقِين - وَإِن كَانَ أَرَادَ بِهِ (أَنه) يروي عَن (هَؤُلَاءِ) الثَّلَاثَة فَهَذَا نوع مدح. الثَّانِي: أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا، وَقد أسلفنا أَن الْوَلِيد بن مُسلم رجحها عَلَى رِوَايَة الرّفْع؛ وَأعله ابْن حزم بِأَمْر ثَالِث فَقَالَ فِي «محلاه» : هَذَا حَدِيث سَاقِط؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة بَقِيَّة - وَهُوَ ضَعِيف - عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ مَذْكُور بِالْكَذِبِ، عَن عَطِيَّة بن قيس وَهُوَ مَجْهُول. انْتَهَى كَلَامه. ونسبته عَطِيَّة بن قيس إِلَى الْجَهَالَة من الغرائب؛ فَهُوَ تَابِعِيّ

стр. 904

مَشْهُور، أرسل عَن أبي بن كَعْب وَنَحْوه، وغزا مَعَ أبي أَيُّوب، وَرَوَى عَن مُعَاوِيَة وَطَائِفَة، وَقَرَأَ الْقُرْآن عَلَى أم الدَّرْدَاء، وَرَوَى عَنهُ سعيد بن عبد الْعَزِيز وَطَائِفَة، وَكَانُوا يصلحون مصاحفهم عَلَى قِرَاءَته، وَعمر دهرًا جَاوز الْمِائَة، وَرَوَى لَهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» وَأَصْحَاب «السّنَن الْأَرْبَعَة» وَعلم (لَهُ الصريفيني) فِيمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ عَلامَة البُخَارِيّ أَيْضا، وَهُوَ كَمَا علم لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتشْهد (بِهِ) . وَنقل عَن أبي مسْهر أَنه ولد فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ ، وَقد تعقب ابْن عبد الْحق ابْن حزم فِي رده عَلَى «محلاه» ، وَنقل عَن أبي حَاتِم أَنه قَالَ فِي حَقه: صَالح الحَدِيث. قلت: وَوَثَّقَهُ ابْن الْقطَّان أَيْضا؛ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة وثقوه: مُسلم، وَأَبُو حَاتِم، وَابْن الْقطَّان، وحالته كَمَا عرفتها؛ فَكيف يكون مَجْهُولا؟ ! وَله فِي «محلاه» أَيْضا من هَذَا النَّحْو عدَّة مَوَاضِع تعقبها عَلَيْهِ (غير وَاحِد مِنْهُم) شَيخنَا: قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَغَيره من شُيُوخنَا، وَللَّه الْحَمد. وَقد نَص عَلَى ضعف هذَيْن الْحَدِيثين أَيْضا غير من سلف: قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنْهُمَا؛ فَقَالَ: ليسَا بقويين. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي «استذكاره» : وهما ضعيفان لَا حجَّة فيهمَا من جِهَة النَّقْل. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : قَالَ أَحْمد - فِيمَا بَلغنِي عَنهُ -: حَدِيث عَلّي الَّذِي يرويهِ الْوَضِين بن عَطاء أثبت من حَدِيث مُعَاوِيَة فِي هَذَا

стр. 905

الْبَاب، وَنَقله عَنهُ الْمجد فِي «أَحْكَامه» أَيْضا بِلَفْظ: أثبت وَأَقْوَى، وَمرَاده أَنه أثبت عَلَى علاته، وَنقل غَيرهمَا عَن عبد الله بن أَحْمد أَنه (رَوَى) حَدِيث مُعَاوِيَة وجادة فِي كتاب أَبِيه بِخَط يَده، وَقَالَ: أَظُنهُ كَانَ فِي المحنة قد ضرب عَلَى هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه. وَقَالَ الْحَاكِم فِي «عُلُوم الحَدِيث» : هَذَا حَدِيث مَرْوِيّ من غير وَجه، لم يذكر فِيهِ: «فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ» غير إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ، وَهُوَ ثِقَة مَأْمُون (عَن) بَقِيَّة. قلت: لَا؛ فقد (تَابعه) ابْن الْمُصَفَّى؛ كَمَا أخرجه ابْن مَاجَه وحيوة بن شُرَيْح فِي آخَرين؛ كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَسليمَان بن (عمر) الأقطع (كَمَا رَوَاهُ) الدَّارَقُطْنِيّ كلهم عَن بَقِيَّة، (وخفف) ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» القَوْل فِي أَمر حَدِيث عَلّي وَمُعَاوِيَة فَقَالَ: فيهمَا مقَال. ونحا نَحوه الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ؛ فَقَالَ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» : حَدِيث عَلّي حَدِيث حسن. وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (جمَاعَة) وَفِي إِسْنَاده شَيْء، وَهُوَ - إِن شَاءَ الله - حسن، وَحسنه النَّوَوِيّ أَيْضا، وَلَا يخْفَى مَا فِيهِ. فَائِدَة: السّه الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، وَكسر

стр. 906

الْهَاء المخففة -: الدبر، وَمَعْنَاهُ: الْيَقَظَة. وكاء الدبر أَي: (حافظة) مَا فِيهِ من الْخُرُوج؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ مستيقظًا (أحس) بِمَا يخرج مِنْهُ؛ فَإِذا نَام زَالَ (ذَلِك) الضَّبْط (وَأَصله: سته، وَهُوَ العَجُزُ، وَقد يُرَاد بِهِ حَلقَة الدبر، كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي، وَجعل مِنْهُ هَذَا الحَدِيث. ثمَّ قَالَ: وَرُوِيَ «وكاء السِّت» بِحَذْف الْهَاء وبالتاء. والوكاء - بِكَسْر الْوَاو -: الْخَيط الَّذِي يرْبط بِهِ الشَّيْء) . الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «من استجمع نومًا فَعَلَيهِ الْوضُوء» . هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ. وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ: الْبَيْهَقِيّ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من اسْتحق النّوم وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء» ثمَّ قَالَ: وَلَا يَصح رَفعه. وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَى أبي هُرَيْرَة، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَكَذَا قَالَ فِي «خلافياته» فِي الْمَرْفُوع أَنه لَا يَصح. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر ... فَذكره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ: «إِذا (استحد) أحدكُم وَاسْتحق نومًا؛ وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء» ثمَّ نقل عَن ابْن عدي أَنه قَالَ: لَا يرويهِ عَن عَوْف، عَن مُحَمَّد، عَن أبي هُرَيْرَة غير الرّبيع بن بدر.

стр. 907

قلت: وَقد تَركه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره، ونصَّ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» أَيْضا أَن وقف رِوَايَة الأول هُوَ الصَّوَاب، وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن الْجريرِي أَنه سَأَلَ خَالِد بن غلاق الرَّاوِي، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن اسْتِحْقَاق النّوم؛ فَقَالَ: هُوَ أَن يضع جنبه. وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله عَلَى أَن النّوم من نواقض الْوضُوء، وَقد علمت حَالهمَا. ويغني فِي الدّلَالَة عَنْهُمَا حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال الْآتِي فِي مسح الْخُف - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - (فَإِنَّهُ) حَدِيث صَحِيح. الحَدِيث الْعَاشِر رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا وضوء عَلَى من نَام قَاعِدا، إِنَّمَا الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا؛ فَإِن من نَام مُضْطَجعا استرخت مفاصله» وَرُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا وضوء عَلَى من نَام قَائِما أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْأَئِمَّة، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي «مُسْند أَبِيه» عَن عبد الله بن مُحَمَّد، عَن عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني - نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم - عَن قَتَادَة، عَن أبي الْعَالِيَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى من نَام سَاجِدا وضوء حَتَّى يضطجع؛ فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله» .

стр. 908

وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» من رِوَايَة عبد الله بن أَحْمد، عَن أَبِيه، عَن عبد السَّلَام. وَالَّذِي رَأَيْته فِي «الْمسند» من رِوَايَة ابْنه (عَن) غير أَبِيه. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بالسند االمذكور بِلَفْظ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر، ونام حَتَّى غط وَنفخ وَهُوَ ساجد - أَو جَالس - ثمَّ قَامَ فَصَلى؛ فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّك قد (نمت) ! قَالَ: إِنَّمَا يجب الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا؛ فَإِذا اضْطجع استرخت مفاصله» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ «أَنه ﵇ كَانَ يسْجد وينام وينفخ، ثمَّ يقوم فَيصَلي وَلَا يتَوَضَّأ، فَقلت لَهُ: صليت وَلم تتوضأ [وَقد نمت!] فَقَالَ: إِنَّمَا الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا -[زَاد عُثْمَان وهناد]- فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بالسند الْمَذْكُور أَيْضا بِلَفْظ: «أَنه رَأَى النَّبِي ﷺ نَام وَهُوَ ساجد حَتَّى غط أَو نفخ، ثمَّ قَامَ يُصَلِّي؛ فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّك قد نمت! قَالَ: إِن الْوضُوء لَا يجب إِلَّا عَلَى من نَام مُضْطَجعا؛ فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك وَالْبَيْهَقِيّ

стр. 909

بِلَفْظ: «لَا يجب الْوضُوء عَلَى من نَام جَالِسا أَو قَائِما أَو سَاجِدا حَتَّى يضع جنبه؛ فَإِذا وضع جنبه استرخت مفاصله» . قَالَ الرَّافِعِيّ عقب الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي أسلفناها عَنهُ: ضعفه أَئِمَّة الحَدِيث. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ تبع فِي ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ؛ فَإِنَّهُ نقل فِي «أساليبه» إِجْمَاع أهل الحَدِيث عَلَى ضعفه، وَنقل أَيْضا الِاتِّفَاق عَلَى ضعفه: النَّوَوِيّ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا وَمِمَّنْ صرح بضعفه من الْمُتَقَدِّمين: أَحْمد، وَالْبُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحَرْبِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وَغَيرهم. قَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» : قَوْله: «الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا» هُوَ حَدِيث مُنكر، لم يروه إِلَّا يزِيد الدالاني عَن قَتَادَة. وَرَوَى أَوله جمَاعَة عَن ابْن عَبَّاس لم يذكرُوا شَيْئا من هَذَا؛ وَكَانَ النَّبِي ﷺ مَحْفُوظًا. وَقَالَت عَائِشَة: قَالَ النَّبِي ﷺ : «تنام عينايَ وَلَا ينَام قلبِي» قَالَ شُعْبَة: إِنَّمَا سمع قَتَادَة من أبي الْعَالِيَة أَرْبَعَة أَحَادِيث: حَدِيث يُونُس بن مَتى، وَحَدِيث ابْن عمر فِي الصَّلَاة، وَحَدِيث الْقُضَاة ثَلَاثَة، وَحَدِيث [ابْن عَبَّاس] حَدثنِي رجال مرضيون. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَسمع أَيْضا حَدِيث ابْن عَبَّاس فِيمَا يَقُول عِنْد الكرب، وَحَدِيثه فِي رُؤْيَة النَّبِي ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ مُوسَى وَغَيره. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «كتاب الْعِلَل» - وَهُوَ مُجَلد مُفْرد - بعد أَن ذكره بِلَفْظِهِ فِي

стр. 910

«جَامعه» إِلَّا أَنه ذكره بِلَفْظ « (نَام» ) بدل «اضْطجع» : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: إِنَّه لَا شَيْء، رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة، عَن قَتَادَة، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا الْعَالِيَة، وَلَا أعرف لأبي خَالِد الدالاني سَمَاعا من قَتَادَة. قلت: أَبُو خَالِد كَيفَ هُوَ؟ قَالَ: صَدُوق، وَإِنَّمَا يهم فِي الشَّيْء. قَالَ مُحَمَّد: وَعبد السَّلَام (بن حَرْب) صَدُوق. وَقَالَ فِي «جَامعه» : رَوَاهُ (سعيد) ، عَن قَتَادَة، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا الْعَالِيَة وَلم يرفعهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» : تفرد بِهِ (أَبُو) خَالِد الدالاني، وَلَا يَصح. قلت: لَهُ متابع لكنه ضَعِيف كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِره. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : تفرد بِهِ يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني. ثمَّ ذكر عَن التِّرْمِذِيّ مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ من «علله» ثمَّ ذكر. عَن أبي دَاوُد السجسْتانِي أَن قَوْله: «الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا» : حَدِيث مُنكر. لم يروه إِلَّا الدالاني، عَن قَتَادَة، وَإنَّهُ ذكر هَذَا الحَدِيث لِأَحْمَد بن حَنْبَل فَقَالَ: مَا ليزِيد الدالاني يدْخل عَلَى أَصْحَاب قَتَادَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يَعْنِي أَحْمد بِهَذَا: مَا ذكره البُخَارِيّ من أَنه لَا يعرف لأبي خَالِد سَماع من قَتَادَة، وَسَيَأْتِي مثل هَذَا، عَن أبي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ مَعَ مَا فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : لَعَلَّ هَذِه إِشَارَة إِلَى المحكي

стр. 911

عَن البُخَارِيّ (و) غَيره من اشْتِرَاط الِاتِّصَال فِي السماع وَلَو مرّة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر. وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد: لَا يُتَابع الدالاني فِي بعض أَحَادِيثه. قَالَ: وَلَا أعلم أحدا رَوَى هَذَا الحَدِيث غير عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن أبي خَالِد، عَن قَتَادَة. وَلما (ذكره) الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» بِلَفْظ «أَنه ﵇ نَام وَهُوَ ساجد حَتَّى غط أَو نفخ، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّك قد نمت! قَالَ: إِن الْوضُوء لَا يُوجب حَتَّى تنام مُضْطَجعا؛ فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله» . تفرد بآخر هَذَا الحَدِيث: أَبُو خَالِد الدالاني، عَن قَتَادَة؛ وَأنْكرهُ عَلَيْهِ جَمِيع (أَئِمَّة) أهل الحَدِيث، ثمَّ ذكر كَلَام أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ السالفين. وَنقل عَن شُعْبَة أَنه قَالَ: لم يسمع قَتَادَة من أبي الْعَالِيَة إِلَّا ثَلَاثَة أَشْيَاء. قَالَ يَحْيَى الْقطَّان: هِيَ قَول عَلّي فِي الْقُضَاة ثَلَاثَة، وَحَدِيث لَا صَلَاة بعد الْعَصْر، وَحَدِيث يُونُس بن مَتى (ثمَّ) نقل كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ الَّذِي أسلفناه عَنهُ وَأقرهُ، وَقد علمت مَا فِيهِ من المناقشة. ثمَّ نقل عَن أبي حَاتِم بن حبَان أَنه قَالَ: فِي «كتاب الْمَجْرُوحين» (و) رَأَيْته فِيهِ أَيْضا: يزِيد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو خَالِد الدالاني، من أهل وَاسِط، كَانَ كثير الْخَطَأ، فَاحش الْوَهم، يُخَالف الثِّقَات فِي الرِّوَايَات، حَتَّى إِذا سَمعهَا الْمُبْتَدِئ فِي هَذِه الصِّنَاعَة علم أَنَّهَا (معمولة) أَو مَقْلُوبَة

стр. 912

لَا يجوز الِاحْتِجَاج (بِهِ) إِذا وَافق الثِّقَات؛ فَكيف إِذا انْفَرد عَنْهُم بالمعضلات؟ ! وَقد غلظ أَبُو حَاتِم بن حبَان القَوْل فِيهِ وخطئ فِي ذَلِك. وَمُقَابل (هَذِه الْمقَالة) قَول الْحَاكِم أبي عبد الله فِي آخر «مُسْتَدْركه» فِي آخر كتاب الْأَهْوَال: أَبُو خَالِد الدالاني الْأَئِمَّة المتقدمون كلهم يشْهدُونَ لَهُ بِالصّدقِ والإتقان. وَتبع فِي ذَلِك أَبَا حَاتِم؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يجمع حَدِيثه فِي أَئِمَّة الْكُوفَة، لم (يخرجَا) لَهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» لما ذكر من انحرافه عَن السّنة فِي ذكر الصَّحَابَة. فَأَما الْأَئِمَّة المتقدمون؛ فَإِنَّهُم شهدُوا لَهُ بِالصّدقِ والإتقان. وَالْحق التَّوَسُّط فِي أمره؛ قَالَ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَكَذَا (قَالَه) أَحْمد، وَاقْتصر ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» فِي تَرْجَمته عَلَى قَول أَحْمد هَذَا (وَقَول) ابْن حبَان السالف مُخْتَصرا، وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي» ، وَذكره ابْن شاهين فِي «ثقاته» ، وَاقْتصر عَلَى (قولة) يَحْيَى بن معِين (السالفة) فِيهِ، وَسُئِلَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ عَنهُ فَقَالَ: صَدُوق ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: لَهُ أَحَادِيث صَالِحَة، وَفِي حَدِيثه لين، إِلَّا أَنه مَعَ لينه يكْتب حَدِيثه.

стр. 913

قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : فَأَما هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ قد أنكرهُ عَلَى أبي خَالِد الدالاني جَمِيع الْحفاظ. وَهَذَا قد أسلفناه عَنهُ من «خلافياته» . قَالَ: وَأنكر سَمَاعه من قَتَادَة: أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا. قَالَ: وَلَعَلَّ الشَّافِعِي وقف عَلَى عِلّة هَذَا الحَدِيث حَتَّى رَجَعَ عَنهُ فِي الْجَدِيد. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَلَو فرض استقامة حَال الدالاني (جَمِيع الْحفاظ كَانَ) فِيمَا علم من انْقِطَاع (سَنَده) واضطرابه، ومخالفته الثِّقَات (مَا) يعضد قَول من ضعفه من الْأَئِمَّة. قلت: وَمِمَّنْ ضعفه من الْمُتَأَخِّرين: ابْن حزم فِي «محلاه» فَقَالَ: هَذَا (حَدِيث) سَاقِط جملَة؛ وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : هَذَا حَدِيث مُنكر، وَلَيْسَ بِمُتَّصِل الْإِسْنَاد (وَقَالَ) أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فَقَالَ: إِن قَتَادَة لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أبي الْعَالِيَة، وَجزم بِهَذَا من الْفُقَهَاء القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي «شرح الرسَالَة» لَكِن ذكر صَاحب «الْكَمَال» أَنه سمع مِنْهُ، وَقَالَ ابْن شاهين فِي «ناسخه ومنسوخه» تفرد بِهَذَا الحَدِيث: عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن أبي خَالِد الدالاني، لَا أعلم لَهُ غَيره. وَخَالف الْحفاظ كلهم: ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» فرجح صِحَّته؛ فَقَالَ بعد أَن أخرجه من طَرِيق أَحْمد: وَفِيه مَا ناقشناه بِهِ مِمَّا سبق

стр. 914

(مستدلاً) عَلَى أحد قولي إِمَامه؛ أَنه إِذا نَام عَلَى حَالَة من أَحْوَال الصَّلَاة نومًا يَسِيرا لم يبطل وضوءه، وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه تفرد بِهِ يزِيد، عَن قَتَادَة، وَلَا يَصح (و) عَن ابْن حبَان: أَنه كَانَ كثير الْخَطَأ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ، و (أَن) ابْن أبي عرُوبَة رَوَاهُ، عَن قَتَادَة مَوْقُوفا -: قد ذكرنَا أَن مَذْهَب الْمُحدثين إِيثَار من وقف الحَدِيث احْتِيَاطًا، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء. قَالَ: وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ: لَا تصح: دَعْوَى بِلَا دَلِيل، وَقد قَالَ أَحْمد: يزِيد لَا بَأْس بِهِ (وَرِوَايَة) من وَقفه لَا يمْنَع كَونه مَرْفُوعا، فَإِن الرَّاوِي قد يسند وَقد يُفْتِي بِالْحَدِيثِ هَذَا كَلَامه، وَفِيه من التعسف مَا لَا يخْفَى، وَقد ذكر (هُوَ) فِي «ضُعَفَائِهِ» يزِيد بن خَالِد، وَنقل فِيهِ مقَالَة ابْن حبَان وَأحمد فَقَط، وَقَالَ فِي خطْبَة كِتَابه هَذَا - أَعنِي: الضُّعَفَاء -: إِنَّه قد يَقع خلاف فِي بعض الْمَجْرُوحين، فيعده بَعضهم من الثِّقَات، وترجيح أحد الْأَمريْنِ إِلَى الْمُجْتَهدين من عُلَمَاء النَّقْل، عَلَى أَن تَقْدِيم الْجرْح عَلَى التَّعْدِيل مُتَعَيّن. فقد نَاقض قَوْله بقوله، وَقَالَ أَيْضا فِي خطْبَة «تَحْقِيقه» : (ألوم) عِنْدِي (مِمَّن) (قد لمته) من الْفُقَهَاء جمَاعَة من كبار الْمُحدثين عرفُوا صَحِيح النَّقْل وسقيمه وصنفوا فِي ذَلِك، فَإِذا

стр. 915

جَاءَ حَدِيث ضَعِيف يُخَالف مَذْهَبهم بينوا وَجه الطعْن فِيهِ، وَإِن كَانَ مُوَافقا لمذهبهم سكتوا عَنهُ، وَهَذَا يُنبئ (عَن) قلَّة دين وَغَلَبَة هوى. هَذَا لَفظه، وَقد وَقع هُوَ فِيمَا عابه عَلَى غَيره، فضعف جمَاعَة (فِي مَوضِع) لما كَانَ الحَدِيث يُخَالف مذْهبه، ثمَّ احْتج بهم فِي مَوضِع آخر لما كَانَ يُوَافق مذْهبه، وَهَذَا الحَدِيث نَفسه قد ضعفه هُوَ فِي كتاب «الْإِعْلَام بناسخ الحَدِيث ومنسوخه» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، وَالله الْمُوفق. قلت: وَلَا ينفع مُتَابعَة جماعات ضعفاء يزِيد بن خَالِد هَذَا؛ فَإِنَّهُ قد تَابعه مهْدي بن هِلَال الْمُتَّهم بِالْوَضْعِ فَقَالَ: ثَنَا يَعْقُوب بن عَطاء، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «لَيْسَ عَلَى من نَام قَاعِدا أَو قَائِما وضوء حَتَّى يُضجع جنبه عَلَى الأَرْض» . قَالَ ابْن عدي بعد أَن رَوَاهُ من طَرِيق مهْدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَى حَدِيثه ضوء وَلَا نور! (وَعمر) بن هَارُون الْمَتْرُوك؛ فَرَوَاهُ عَن يَعْقُوب (بن) عَطاء، عَن عَمْرو بِهِ: «من نَام جَالِسا فَلَا وضوء عَلَيْهِ، وَمن وضع جنبه فَعَلَيهِ الْوضُوء» . وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان الْمُفَسّر الْكذَّاب؛ فَرَوَاهُ عَن عَمْرو بِهِ إِلَى قَوْله
следующие страницы →