Полный текст (6 131 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
قَالَ: «كَانَ عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ ... » وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد، عَن شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس (قَالَ: «كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ينامون ثمَّ يقومُونَ وَيصلونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» . ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن الْمُبَارك، ثَنَا معمر، عَن قَتَادَة، عَن أنس) قَالَ: «لقد رَأَيْت أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يوقظون للصَّلَاة حَتَّى إِنِّي لأسْمع لأَحَدهم غطيطًا، ثمَّ يقومُونَ فيصلون وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» . قَالَ ابْن الْمُبَارك: هَذَا عندنَا وهم جُلُوس. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَعَلَى هَذَا حمله عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، وَالشَّافِعِيّ. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي «الإِمَام» : (هَكَذَا أَوله) كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ؛ لِأَن اللَّفْظ مُحْتَمل، وَالْحَاجة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي هَذِه الرِّوَايَة أَشد لذكر الغطيط. وَأما رِوَايَة مُسلم الْمُتَقَدّمَة فمحتملة لذَلِك أَيْضا، لَكِن وَردت زِيَادَة تمنع هَذَا التَّأْوِيل، قَالَ ابْن الْقطَّان: هَذَا الحَدِيث بسياقته فِي مُسلم يحْتَمل أَن ينزل عَلَى نوم الْجَالِس، وَعَلَى ذَلِك (ينزله) أَكثر النَّاس، وَفِيه زِيَادَة تمنع من ذَلِك، رَوَاهَا يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، عَن شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس قَالَ: «كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ينتظرون الصَّلَاة فيضعون جنُوبهم، فَمنهمْ من ينَام ثمَّ يقوم إِلَى الصَّلَاة» .
стр. 982
قَالَ قَاسم بن أصبغ: نَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي، ثَنَا مُحَمَّد بن بشار، نَا يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، (نَا شُعْبَة ... فَذكره. قَالَ: وَهَذَا كَمَا ترَى صَحِيح من رِوَايَة الإِمَام عَن شُعْبَة) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَمن اعْتبر حَالَة النّوم فَلهُ أَن يحمل هَذَا عَلَى النّوم الْخَفِيف (أَو الْقصير) ويعارضه رِوَايَة (الغطيط) الْمُتَقَدّمَة.
قَالَ: وَرَوَى أَحْمد بن عبيد هَذَا الحَدِيث من جِهَة يَحْيَى بن سعيد، عَن شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس قَالَ: «كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ينامون ثمَّ يقومُونَ فيصلون وَلَا يَتَوَضَّئُونَ عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ » ، وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا ابْن الْقطَّان، وَلَيْسَ فِيهَا «فيضعون جنُوبهم» .
قَالَ الشَّيْخ: وَقَرِيب مِمَّا (ذكره) ابْن الْقطَّان رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد، عَن شُعْبَة، عَن قَتَادَة، عَن أنس «أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَانُوا يشبعون جنُوبهم؛ فَمنهمْ من يتَوَضَّأ، وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ» وَرَوَى ابْن عدي من حَدِيث (أبي هِلَال مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي) ، عَن
стр. 983
قَتَادَة، عَن أنس قَالَ: «كُنَّا ننام فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ؛ فَلَا نُحدث لذَلِك وضُوءًا» . وَمُحَمّد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وَضَعفه أَحْمد، وَأخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن عدي: فِي بعض رواياته مَا لَا يُوَافقهُ الثِّقَات عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه.
وَذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا فِيهِ عِنْد قَوْله تَعَالَى: (أَو لامستم النِّسَاء) أَن اللَّمْس المُرَاد بِهِ الجس بِالْيَدِ (كَذَلِك. و) رُوِيَ عَن ابْن عمر وَغَيره. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فقد رَوَى مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ عَنهُ، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم، عَن أَبِيه، وَهُوَ ابْن عمر ﵁ قَالَ: «قبْلَة الرجل امْرَأَته وجسها (بِيَدِهِ) من الْمُلَامسَة؛ فَمن قبل امْرَأَته (أَو) جسها بِيَدِهِ فَعَلَيهِ الْوضُوء» وَفِي رِوَايَة ابْن بكير عَن مَالك: «فقد وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» عَن ابْن عمر، عَن
стр. 984
عمر أَنه قَالَ: «إِن الْقبْلَة من (اللَّمْس) فَتَوضئُوا مِنْهَا» وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا عِنْدهم خطأ؛ لِأَن حفاظ أَصْحَاب ابْن شهَاب يجعلونه عَن (ابْن) عمر لَا عَن عمر، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» و «خلافياته» عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله - يَعْنِي: ابْن مَسْعُود - قَالَ: «الْقبْلَة من اللَّمْس، وفيهَا الْوضُوء، واللمس مَا دون الْجِمَاع» ثمَّ قَالَ: وَفِيه إرْسَال؛ أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من أَبِيه، قَالَ: وَقد رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَاد آخر صَحِيح مَوْصُول، ثمَّ أخرجه من طَرِيق طَارق بن شهَاب «أَن عبد الله قَالَ فِي قَوْله: (أَو لامستم النِّسَاء) قولا مَعْنَاهُ مَا دون الْجِمَاع» .
وَلما ذكر الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» قَول عمر السالف قَالَ: قد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَى إِخْرَاج أَحَادِيث فِي «صَحِيحَيْهِمَا» يسْتَدلّ بهَا عَلَى أَن اللَّمْس مَا دون الْجِمَاع، مِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة «فاليد زنَاهَا اللَّمْس» وَحَدِيث (ابْن عَبَّاس) : «لَعَلَّك لمست» وَحَدِيث ابْن مَسْعُود (وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار) وَبَقِي عَلَيْهِمَا أَحَادِيث صَحِيحَة فِي التَّفْسِير وَغَيره، مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة ﵂ «مَا كَانَ - أَو قل - يَوْم إِلَّا وَكَانَ رَسُول الله ﷺ (يأتينا) فَيقبل ويلمس ... » الحَدِيث. وَمِنْهَا
стр. 985
حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله «فِي قَوْله تَعَالَى: (أَو لامستم النِّسَاء) قَالَ: هُوَ مَا دون الوقاع؛ وَمِنْه الْوضُوء» وَمِنْهَا عَن عمر، وَقد قدمْنَاهُ، وَمِنْهَا حَدِيث معَاذ بِنَحْوِ حَدِيث ابْن مَسْعُود، وأسندها كلهَا. ثمَّ قَالَ: هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرتها أَن الشَّيْخَيْنِ اتفقَا عَلَيْهَا، غير أَنَّهَا مخرجة فِي الْكِتَابَيْنِ بالتفاريق، وَكلهَا صَحِيحَة دَالَّة عَلَى أَن اللَّمْس الَّذِي يُوجب الْوضُوء دون الْجِمَاع.
стр. 986
بَاب الْغسْل
ذكر فِيهِ ﵀ خَمْسَة وَعشْرين حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
«أنَّه ﷺ قَالَ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة، وَإِذا أَدْبَرت فاغتسلي وَصلي» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَن عَائِشَة قَالَت: «جَاءَت فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي امْرَأَة أسْتَحَاض وَلَا أطهر؛ أفأدع الصَّلَاة؟ فَقَالَ: لَا؛ إِنَّمَا ذَلِك عرق (وَلَيْسَ بالحيضة) ، فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة وَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي» .
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «إِن ذَلِك عرق، وَلَكِن دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي» (وَفِي رِوَايَة لَهُ) : «فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة فاتركي الصَّلَاة؛ فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ السراج فِي «مُسْنده» ، والإسماعيلي فِي «صَحِيحه» : «فلتغتسل ولتصل» وَكَذَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه، وَرَوَاهُ بعض الروَاة عَن ابْن عُيَيْنَة، وَفِي الشَّك فِي الْغسْل.
فَائِدَة: (أَبُو) حُبَيْش: بحاء مُهْملَة (مَضْمُومَة) ثمَّ بَاء مُوَحدَة،
стр. 987
ثمَّ مثناة تَحت، ثمَّ شين مُعْجمَة، وَاسم أبي حُبَيْش هَذَا قيس بن الْمطلب، وَوَقع فِي أَكثر نسخ مُسلم: عبد الْمطلب - وَهُوَ غلط - بن أَسد بن عبد الْعُزَّى.
والحَيْضَةُ - بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا فِي قَوْله: «فَإِذا أَقبلت الْحَيْضَة» وَالْفَتْح مُتَعَيّن فِي قَوْله: «وَلَيْسَت بالحيضة» أَي: الْحيض. فَإِنَّهُ ﵇ أَرَادَ إِثْبَات الْحيض وَنفي الِاسْتِحَاضَة، وَاخْتَارَ الْخطابِيّ الْكسر، أَي: الْحَالة، بعد أَن نقل عَن أَكثر الْمُحدثين أَو كلهم الْفَتْح.
وفاطمةُ هَذِه قرشية أسدية، وَوَقع فِي (مبهمات) الْخَطِيب أَنَّهَا أنصارية، وَهل كَانَت مُمَيزَة أَو مُعْتَادَة، الَّذِي فهمه الْبَيْهَقِيّ: الأول، وَقَوله ﵇: «دعِي الصَّلَاة قدر الْأَيَّام الَّتِي كنت تحيضين فِيهَا» قد يسْتَدلّ بِهِ (عَلَى) من يرَى الرَّد (إِلَى) أَيَّام الْعَادة سَوَاء كَانَت مُمَيزَة (أَو غير مُمَيزَة) لِأَن ترك الاستفصال فِي قضايا الْأَحْوَال مَعَ قيام (الِاحْتِمَال) (يتنزل) منزلَة الْعُمُوم فِي الْمقَال؛ فَلَمَّا لم يستفصلها ﵇ عَن كَونهَا مُمَيزَة أَو لَا، كَانَ ذَلِك دَلِيلا عَلَى أَن الحكم عَام فيهمَا.
وَيحمل عَلَى هَذَا: إقبال الْحَيْضَة عَلَى وجود الدَّم فِي (أول)
стр. 988
أَيَّام الْعَادة (وإدبارها عَلَى انْقِضَاء أَيَّام الْعَادة) وَفِي قَوْله: «إِذا ذهب قدرهَا» إِشَارَة إِلَى ذَلِك؛ إِذْ الْأَشْبَه أَنه يُرِيد قدر أَيَّامهَا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَيحْتَمل أَنه كَانَ لَهَا حالتان: حَالَة تَمْيِيز، وَحَالَة لَا تميز، فَأمرهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادة.
الحَدِيث الثَّانِي
أَنه ﵇ قَالَ: «إِنَّمَا المَاء من المَاء» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ثَابت من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «إِنَّمَا (المَاء) من المَاء» وَذكره مطولا أَيْضا، وَأَن (سَببه) قصَّة (عتْبَان) فِي إعجاله، وَاقْتصر البُخَارِيّ عَلَيْهَا دون اللَّفْظ الْمَذْكُور، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» ، وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِلَفْظ الرَّافِعِيّ (وَفِي رِوَايَة لِابْنِ) خُزَيْمَة: «إِنَّمَا
стр. 989
المَاء من الإمناء» .
ثَانِيهَا: من حَدِيث أبي أَيُّوب (الْأنْصَارِيّ) ﵁ بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء، رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سنَنَيْهِمَا» بِإِسْنَاد جيد.
ثَالِثهَا: من حَدِيث رَافع بن خديج قَالَ: «ناداني رَسُول الله ﷺ وَأَنا عَلَى بطن امْرَأَتي، فَقُمْت وَلم أنزل، فاغتسلت وَخرجت، فَأخْبرت فَقَالَ: لَا عَلَيْك؛ المَاء من المَاء» . قَالَ رَافع: «ثمَّ أمرنَا رَسُول الله ﷺ بعد ذَلِك بِالْغسْلِ» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَقَالَ الْحَازِمِي: حَدِيث حسن.
وَله طَرِيق رَابِع: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِقصَّة وَلَفظه: «المَاء من المَاء، وَالْغسْل عَلَى من أنزل» . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، وَعَزاهُ إِلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» وَسكت عَنهُ.
وَطَرِيق خَامِس: من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: «المَاء من المَاء» رَوَاهُ ابْن شاهين من حَدِيث أَحْمد بن عَمْرو بن جَابر، ثَنَا عبد الله بن أُسَامَة الْحلَبِي، نَا يَعْقُوب بن كَعْب، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَن الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن أنس.
стр. 990
طَرِيق سادس: من حَدِيث عتْبَان - أَو ابْن عتْبَان - الْأنْصَارِيّ قَالَ: «قلت: أَي نَبِي الله ﷺ إِنِّي) كنت مَعَ أَهلِي، فَلَمَّا سَمِعت صَوْتك أقلعت فاغتسلت! فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : المَاء من المَاء» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» كَذَلِك من حَدِيث كثير بن زيد، عَن الْمطلب بن عبد الله (عَن) عتْبَان (بِهِ) .
وَحَدِيث رَافع (بن خديج لم يَصح) وَذكر فِيهِ النَّاسِخ وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام، وَقد أوضح نسخه: (ابْن) شاهين وَابْن الْجَوْزِيّ والحازمي فِي تواليفهم فِي ذَلِك.
الحَدِيث الثَّالِث
قَالَت عَائِشَة ﵂: «إِذا التقَى الختانان (فقد) وَجب الْغسْل؛ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن الثِّقَة، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه - أَو عَن يَحْيَى بن سعيد - عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة ... فَذَكرته بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : كَذَا رَوَاهُ الرّبيع عَن الشَّافِعِي عَلَى الشَّك، وَرَوَاهُ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي عَن الثِّقَة، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد
стр. 991
الرَّحْمَن (بن) الْقَاسِم من غير شكّ، والثقة فِي كَلَام الشَّافِعِي هَذَا قد بَينه (فِي) حَرْمَلَة فَقَالَ: أَنا الشَّافِعِي، عَن الْوَلِيد بن مُسلم، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن ... فَذكره بِلَا شكّ؛ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ غَيره عَن الْوَلِيد بن مُسلم (والوليد بن يزِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عبد الرَّحْمَن.
قلت: رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد أَيْضا عَن الْوَلِيد بن مُسلم) ثَنَا الْأَوْزَاعِيّ، حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان فقد وَجب الْغسْل؛ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا» .
(وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي، نَا الْوَلِيد بن مُسلم، نَا الْأَوْزَاعِيّ، حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد، عَن عَائِشَة قَالَت: «إِذا التقَى الختانان فقد وَجب الْغسْل؛ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﵌ فاغتسلنا) .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» فِي عشرَة النِّسَاء، عَن (عبيد الله بن سعيد) نَا الْوَلِيد ... فَذكره، لكنه قَالَ: «إِذا جَاوز الْخِتَان (الْخِتَان
стр. 992
فقد) وَجب الْغسْل؛ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﵌ فاغتسلنا» . وَرَوَاهُ أَيْضا التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمثنى، ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: «إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان وَجب الْغسْل؛ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا» ثمَّ أورد حَدِيثا آخر (عَنْهَا) .
ثمَّ قَالَ: حَدِيث عَائِشَة حَدِيث حسن صَحِيح. اه.
وَاعْترض عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» عَلَيْهِ بِأَن قَالَ: قد قَالَ (هُوَ) فِي «علله» : قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا خطأ؛ إِنَّمَا يرويهِ الْأَوْزَاعِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم مُرْسلا. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: (سَأَلت) الْقَاسِم بن مُحَمَّد: سَمِعت فِي هَذَا الْبَاب شَيْئا؟ قَالَ: لَا.
وَأجَاب ابْن الْقطَّان عَن هَذَا فَقَالَ فِي كِتَابه «الْوَهم وَالْإِيهَام» : لم يصب فِيمَا اعْترض بِهِ؛ لِأَن اعتلال البُخَارِيّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يروي مُرْسلا لَيْسَ بعلة فِيهِ، وَلَا أَيْضا قَول الْقَاسِم أَنه لم يسمع فِي هَذَا الْبَاب شَيْئا فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ شَيْئا يُنَاقض هَذَا الَّذِي رويت. لَا بُد من حمله عَلَى هَذَا التَّأْوِيل؛ لصِحَّة الحَدِيث الْمَذْكُور كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ.
قلت: هَذَا الْجَواب لَا يَخْلُو من نظر، وَقد صَححهُ مَعَ التِّرْمِذِيّ
стр. 993
أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» (بِلَفْظِهِ) .
تَنْبِيه: هَذَا الحَدِيث ذكره أَيْضا الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وَلم يظفر بِهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي «مشكله» وَإِنَّمَا قَالَ: هُوَ ثَابت فِي «الصَّحِيح» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة، وَأما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور فَغير مَذْكُور فيهمَا. وَتَبعهُ النَّوَوِيّ، فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى مَوَاضِع مِنْهُ: هَذَا الحَدِيث مَشْهُور مخرج (فِي) «الصَّحِيحَيْنِ» بِمَعْنَاهُ لَا بِلَفْظِهِ.
(قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف لَا دلَالَة فِيهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يحْتَج بغَيْرهَا) وَقَالَ فِي «تنقيحه» : هَذَا الحَدِيث أَصله صَحِيح، وَلَكِن فِيهِ تَغْيِير. (قلت) قد علمت (أَنه) لَا تَغْيِير فِيهِ، وَأَنه صَحِيح بِلَفْظِهِ، وَللَّه الْحَمد.
الحَدِيث الرَّابِع
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا التقَى الختانان وَجب الْغسْل» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ (مَالك كَمَا سَيَأْتِي، وَرَوَاهُ) الشَّافِعِي كَمَا سلف (وَرَوَاهُ) ابْن حبَان أَيْضا فِي «صَحِيحه» كَذَلِك، وَرَوَاهُ أَيْضا
стр. 994
من طَرِيقين آخَرين بِلَفْظ: «إِذا جَاوز» (بدل) «التقَى» وَكَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» ثمَّ قَالَ: (حَدِيث عَائِشَة) حَدِيث حسن صَحِيح. وَأَصله فِي «صَحِيح مُسلم» بِلَفْظ: قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع وَمَسّ الْخِتَان الْخِتَان؛ فقد وَجب الْغسْل» .
وَله شَاهد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيهِ أَيْضا: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها؛ فقد وَجب (عَلَيْهِ) الْغسْل» وَفِي رِوَايَة لَهُ «وَإِن لم ينزل» وَفِي رِوَايَة (للنسائي) : «وألزق الْخِتَان الْخِتَان؛ فقد وَجب الْغسْل» . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : «أنزل أَو لم ينزل» وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «إِذا التقَى الختانان، وَجب الْغسْل أنزل أَو لم ينزل» .
وَلِحَدِيث عَائِشَة طَرِيق آخر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب «غرائب مَالك» من حَدِيث أبي قُرَّة مُوسَى بن طَارق الزبِيدِي - بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء - وَهُوَ ثِقَة، عَن مَالك، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي مُوسَى، عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِذا جَاوز الْخِتَان الْخِتَان وَجب الْغسْل» .
стр. 995
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: (لم يروه) عَن مَالك (غير) أبي قُرَّة.
الحَدِيث الْخَامِس
«أَن أم سليم جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: إِن الله لَا يستحيي من الْحق! هَل عَلَى الْمَرْأَة من غسل إِذا هِيَ احْتَلَمت؟ قَالَ: نعم، إِذا رَأَتْ المَاء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث أم سَلمَة قَالَت: «جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِن الله لَا يستحيي من الْحق! فَهَل عَلَى الْمَرْأَة من غسل إِذا (هِيَ) احْتَلَمت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : نعم، إِذا رَأَتْ المَاء. فَقَالَت أم (سَلمَة) : يَا رَسُول الله، وتحتلم الْمَرْأَة؟ ! فَقَالَ: تربت يداك، فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا؟ ! هَذَا لفظ مُسلم، وَفِي لفظ لَهُ: «قلت: فضحت النِّسَاء» وَلَفظ البُخَارِيّ مثله، وَقَالَ: «إِذا رَأَتْ المَاء» وَلم يذكر لَفْظَة: «نعم» وَزَاد: «فغطت أم سَلمَة - يَعْنِي: وَجههَا - وَقَالَت: يَا رَسُول الله، وتحتلم الْمَرْأَة؟ ! قَالَ: نعم تربت يَمِينك؛ فَبِمَ يشبهها وَلَدهَا؟ !» .
خرجه فِي كتاب الْعلم، فِي بَاب الْحيَاء (فِيهِ) (وَذكره) فِي الطَّهَارَة بِلَفْظ الرَّافِعِيّ (سَوَاء) وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي بَاب التبسم
стр. 996
والضحك: «فَضَحكت أم سَلمَة (فَقَالَت: أتحتلم) الْمَرْأَة؟ ! فَقَالَ: «فَبِمَ يشبه الْوَلَد؟ !» .
وَانْفَرَدَ مُسلم بِإِخْرَاجِهِ من حَدِيث أنس، عَن أم سليم بِنَحْوِهِ، وَمن حَدِيث عَائِشَة «أَن امْرَأَة سَأَلت ... » فَذكره.
وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» حَدِيث أم سَلمَة، وَذكر الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة وَلَا يَصح. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة (أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الْمَرْأَة تحتلم، فَقَالَ: تَجِد شَهْوَة؟ قَالَت: نعم. قَالَ: فلتغتسل» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: (عَن) عبد الله بن (طرفَة) عَن أم سَلمَة قَالَ: «قَالَت أم سليم: يَا رَسُول الله، الْمَرْأَة تحتلم؟ قَالَ: إِذا رَأَتْ المَاء الْأَصْفَر فلتغتسل» .
فَائِدَة: أم سليم اسْمهَا: سهلة (عَلَى) أحد الْأَقْوَال، وَهِي أم أنس، وَوَقع فِي كَلَام الصيدلاني، ثمَّ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (ثمَّ) الْغَزالِيّ، ثمَّ الرَّوْيَانِيّ، ثمَّ مُحَمَّد بن يَحْيَى أَنَّهَا جدته، وغلطهم ابْن الصّلاح، ثمَّ النَّوَوِيّ فِي ذَلِك، وَقد أبديت وَجهه فِي كتابي «تذكرة الأخيار بِمَا فِي الْوَسِيط من الْأَخْبَار» فسارع إِلَيْهِ.
стр. 997
الحَدِيث السَّادِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «من غسل مَيتا فليغتسل» .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق كَثِيرَة، يَدُور - فِيمَا حصرنا مِنْهَا - عَلَى سِتَّة من الصَّحَابَة أبي هُرَيْرَة، وَعَائِشَة، وَعلي، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، والمغيرة ﵃.
أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فيحضرنا من (طرقه) ثَلَاثَة عشر طَرِيقا:
الأول: عَن سُهَيْل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه عَنهُ مَرْفُوعا: «من غسله الْغسْل، وَمن حمله الْوضُوء - يَعْنِي: الْمَيِّت» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ، وَابْن مَاجَه وَلَفظه كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء؛ روياه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار، عَن سُهَيْل (بِهِ) .
الثَّانِي: (عَن سُهَيْل) أَيْضا عَن أَبِيه، عَن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمَعْنَاهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن حَامِد بن يَحْيَى، عَن سُفْيَان، عَن سُهَيْل بِهِ.
الثَّالِث: عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن صَالح مولَى التوءمة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» .
стр. 998
الرَّابِع: عَن عَمْرو بن عُمَيْر، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل الْمَيِّت (فليغتسل) وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب، عَن الْقَاسِم بن عَبَّاس، عَن عَمْرو بِهِ.
الْخَامِس: عَن زُهَيْر، عَن الْعَلَاء، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمثل الَّذِي قبله. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» .
السَّادِس: عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه مَرْفُوعا: «من غسل جَنَازَة - يَعْنِي: مَيتا - فليغتسل، وَمن حملهَا فَليَتَوَضَّأ» . رَوَاهُ الْبَزَّار فِي «مُسْنده» .
السَّابِع: عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» . رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا.
الثَّامِن: عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن رجل يُقَال لَهُ: أَبُو إِسْحَاق، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» .
التَّاسِع: عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مثل الَّذِي قبله. رَوَاهُ ابْن حزم فِي «محلاه» هَكَذَا، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من حَدِيث مُحَمَّد بن شُجَاع، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل» .
стр. 999
الْعَاشِر: عَن أبي بَحر البكراوي، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة (مَرْفُوعا) بِنَحْوِ مِمَّا قبله. رَوَاهُ الْبَزَّار عَن يَحْيَى بن حَكِيم (بِهِ) .
الْحَادِي عشر: عَن صَفْوَان بن سليم عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل الْمَيِّت الْغسْل، وَمن حمله الْوضُوء» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي رِوَايَة لَهُ: «من غسل مَيتا فليغتسل» لم يزدْ.
الثَّانِي عشر: عَن مُحَمَّد بن عجلَان، عَن الْقَعْقَاع بن حَكِيم، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» .
الثَّالِث عشر: عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة، ذكر هَذَا الطَّرِيق وَالَّذِي قبله الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي «كتاب الإِمَام» .
هَذَا مَجْمُوع مَا حصرنا من طَرِيق حَدِيث أبي هُرَيْرَة، ولنذكر أَولا مقالات الْحفاظ فِيهِ، ثمَّ نبين بعد ذَلِك مَا يَقْتَضِيهِ النّظر والبحث عَلَى وَجه الْإِنْصَاف؛ فَنَقُول: ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» (جَمِيع) مَا عزيناه مِمَّا قدمْنَاهُ عَنهُ وَضَعفه، ثمَّ قَالَ: وَالصَّحِيح فِيهِ أَنه مَوْقُوف عَلَى أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: الْأَشْبَه أَنه مَوْقُوف. (قَالَ:) وَقَالَ أَحْمد وَعلي
стр. 1000
بن الْمَدِينِيّ: لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء قَالَ: وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول - وَقد سُئِلَ عَن الْغسْل من غسل الْمَيِّت، فَقَالَ -: يُجزئهُ الْوضُوء.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِن أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ قَالَا: لم يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء، لَيْسَ بِذَاكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِنَّمَا مَنَعَنِي من إِيجَاب الْغسْل من غسل الْمَيِّت (أَن) فِي إِسْنَاده رجلا لم أَقف عَلَى معرفَة ثَبت حَدِيثه إِلَى يومي هَذَا عَلَى مَا يَقْتَضِي؛ فَإِن وجدت مَا يقنعني أوجبته وأوجبت الْوضُوء من مس الْمَيِّت مفضيًا إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَالَ مُحَمَّد بن يَحْيَى - يَعْنِي: الذهلي - شيخ البُخَارِيّ: لَا أعلم فِيمَن غسل مَيتا فليغتسل حَدِيثا ثَابتا (وَلَو ثَبت) لزمنا اسْتِعْمَاله. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالرِّوَايَات المرفوعة فِي هَذَا الْبَاب غير قَوِيَّة؛ لجَهَالَة بعض رواتها وَضعف بَعضهم، وَالصَّحِيح من قَوْله مَوْقُوفا غير مَرْفُوع.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن رَفعه فَقَالَ: خطأ؛ لَا يرفعهُ الثِّقَات؛ إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى أبي هُرَيْرَة. قَالَ: وَسَأَلته عَن الرجل - يَعْنِي: الَّذِي فِي الطَّرِيق الثَّامِن - من هُوَ، وَهل يُسمى؟ فَقَالَ: لَا.
стр. 1001
وَنقل أَصْحَابنَا عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ: إِن صَحَّ الحَدِيث قلت بِوُجُوبِهِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث يرويهِ ابْن أبي ذِئْب، عَن المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة، وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ حبَان بن عَلّي، عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ. وَخَالفهُ يَحْيَى الْقطَّان وَيَحْيَى بن أَيُّوب والدراوردي وحجاج بن مُحَمَّد وَعبد الصَّمد بن النُّعْمَان وَابْن أبي فديك، رَوَوْهُ عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن صَالح مولَى التوءمة، عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: وَأغْرب ابْن أبي فديك فِيهِ بِإِسْنَادَيْنِ آخَرين: أَحدهمَا: عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن سُهَيْل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن الْقَاسِم بن عَبَّاس، عَن عَمْرو بن عُمَيْر، عَن أبي هُرَيْرَة.
قَالَ: وَحَدِيث المَقْبُري أصح.
وَقَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي آخر الْجَنَائِز: هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِيهِ عَلَى مُحَمَّد بن (عَمْرو) وَهُوَ مرفوض.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَن الْمَحْفُوظ فِي الطَّرِيق الأول وَقفه عَلَى أبي هُرَيْرَة، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي صَالح مولَى التوءمة، قَالَ مَالك: لَيْسَ بِثِقَة. وَكَانَ شُعْبَة ينْهَى أَن يُؤْخَذ عَنهُ، وَلَا يروي (عَنهُ) وَفِي الثَّالِث - وَهُوَ فِيمَا قدمْنَاهُ التَّاسِع - مُحَمَّد بن عَمْرو، قَالَ يَحْيَى: مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه. وَفِي الرَّابِع - وَهُوَ فِيمَا قدمْنَاهُ الثَّامِن - رجل مَجْهُول، قَالَ: (وَقد) رَوَاهُ ابْن لَهِيعَة من
стр. 1002
حَدِيث صَفْوَان عَن أبي سَلمَة، وَابْن لَهِيعَة لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي «شرح مُسْند الشَّافِعِي» : عُلَمَاء الحَدِيث لم يصححوا فِي هَذَا الْبَاب شَيْئا مَرْفُوعا (وصححوه) عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا، وَقَالَ فِي هَذَا الْكتاب - أَعنِي «شرح الْوَجِيز» -: والْحَدِيث إِن ثَبت مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب. وَنقل النَّوَوِيّ عَن الْجُمْهُور تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث، وَأنكر عَلَى التِّرْمِذِيّ تحسينه.
هَذَا مَا حَضَرنَا من كَلَام الْحفاظ قَدِيما وحديثًا عَلَيْهِ، وَحَاصِله تَضْعِيف رَفعه وَتَصْحِيح وَقفه، وَلَا بُد من النّظر فِي ذَلِك عَلَى سَبِيل التَّفْصِيل دون الِاكْتِفَاء بالتقليد، وَقد قَامَ بذلك صَاحب «الإِمَام» وَحَاصِل مَا يعتل بِهِ فِي ذَلِك وَجْهَان:
أَحدهمَا: من جِهَة رجال الْإِسْنَاد، فَأَما رِوَايَة صَالح مولَى التوءمة - وَهِي الطَّرِيق الثَّالِث - (فقد) سلف قَول مَالك وَشعْبَة فِيهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : اخْتَلَط فِي آخر عمره، فَخرج عَن (حد) الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَأما رِوَايَة عَمْرو بن عُمَيْر - وَهِي الطَّرِيق الرَّابِع - فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ (فِيهِ) : إِنَّمَا (يعرف) بِهَذَا الحَدِيث، وَلَيْسَ بالمشهور. وَقَالَ
стр. 1003
ابْن الْقطَّان: إِنَّه مَجْهُول الْحَال لَا يعرف بِغَيْر هَذَا، (وَهَذَا) الحَدِيث من غير مزِيد ذكره (ابْن أبي حَاتِم) . قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا عِلّة الْخَبَر.
وَأما زُهَيْر الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الْخَامِس فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: رَوَى عَنهُ أهل الشَّام أَحَادِيث مَنَاكِير. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَأما حَدِيث الْعَلَاء - وَهُوَ السَّادِس - فَقَالَ ابْن الْقطَّان: لَيْسَ بِمَعْرُوف.
وَأما السَّابِع: فَفِي إِسْنَاده أَبُو (وَاقد) واسْمه: صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة. قَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِذَاكَ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَجَمَاعَة: ضَعِيف. وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث.
وَأما الثَّامِن: فَفِيهِ أَبُو إِسْحَاق، وَهُوَ مَجْهُول، كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ.
وَأما التَّاسِع: فمحمد بن (عَمْرو) قَالَ يَحْيَى: مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه.
وَأما الْعَاشِر: فالبكراوي، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان، طرح النَّاس حَدِيثه، كَمَا قَالَه أَحْمد، وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: ذهب حَدِيثه.
стр. 1004
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِقَوي، يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الْأَثْبَات، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَأما الْحَادِي عشر: فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (وحنين) بن أبي حَكِيم، وَلَا يحْتَج بهما.
الْوَجْه الثَّانِي: التَّعْلِيل؛ فَأَما رِوَايَة سُهَيْل فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه رُوِيَ مَوْقُوفا. وَأَيْضًا؛ فقد رَوَاهُ سُفْيَان، عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة، عَن أبي هُرَيْرَة - كَمَا سلف - فَأدْخل (رجلا) بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة، وَهَذَا اخْتِلَاف.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَإِنَّمَا لم يقو عِنْدِي أَنه يرْوَى عَن سُهَيْل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، وَيدخل بعض الْحفاظ بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة «إِسْحَاق مولَى زَائِدَة» . قَالَ: فَيدل عَلَى (أَن) أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة، وَلَيْسَت معرفتي [بِإسْحَاق] مولَى زَائِدَة مثل معرفتي بِأبي صَالح، وَلَعَلَّه أَن يكون ثِقَة.
(وَأما) رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب؛ فقد أسلفنا (روايتنا) لَهُ عَن
стр. 1005
صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، وَعَن الْقَاسِم بن عَبَّاس، عَن عَمْرو بن عُمَيْر، عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب (رِوَايَة) ابْن أبي ذِئْب: وَصَالح مولَى التوءمة لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو فقد رَوَاهَا عبد الْوَهَّاب عَنهُ مَوْقُوفَة عَلَى أبي هُرَيْرَة، وَرجحه بَعضهم عَلَى الرّفْع. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ. وَرَوَاهُ مُعْتَمر (أَيْضا) عَن مُحَمَّد فَوَقفهُ، وَقد أسلفنا عَن أبي حَاتِم أَن الرّفْع خطأ. ثمَّ شرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُجيب عَن ذَلِك فَقَالَ: لقَائِل أَن يَقُول: أما الْكَلَام عَلَى صَالح مولَى التوءمة فَهُوَ وَإِن كَانَ مَالك قَالَ فِيهِ: إِنَّه لَيْسَ بِثِقَة - كَمَا قدمْنَاهُ - واستضعفه غَيره (فقد قَالَ) يَحْيَى فِيهِ: إِنَّه ثِقَة حجَّة. قيل لَهُ: إِن مَالِكًا (ترك) السماع مِنْهُ! فَقَالَ: (إِن) مَالِكًا إِنَّمَا أدْركهُ بعد أَن خرف، وَلَكِن ابْن أبي ذِئْب سمع مِنْهُ قبل أَن يخرف.
وَقَالَ السَّعْدِيّ: تغير جدًّا، وَحَدِيث ابْن أبي ذِئْب (مَقْبُول) مِنْهُ لقدم سَمَاعه. قَالَ الشَّيْخ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَلَام مَالك فِيهِ بعد تغيره وَأَن رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب قديمَة مَقْبُولَة، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَنهُ. قَالَ: وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ «إِنَّه اخْتَلَط فِي آخر
стр. 1006
عمره؛ فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ» لِأَنَّهُ قد تبين بِشَهَادَة من تقدم بقدم سَماع ابْن أبي ذِئْب وَأَنه مَقْبُول.
قلت: وَبِه يُجَاب (أَيْضا) عَن إعلال ابْن الْجَوْزِيّ الحَدِيث بِهِ كَمَا أسلفناه عَنهُ. قَالَ الشَّيْخ: وَأما رِوَايَة سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة فسندها عِنْد التِّرْمِذِيّ من شَرط الصَّحِيح، وَقَالَ فِيهَا التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حَدِيث حسن، وَعبد الْعَزِيز (بن) الْمُخْتَار وَأَبُو صَالح مُتَّفق عَلَيْهِمَا، وَمُحَمّد بن عبد الْملك و (سُهَيْل) أخرج لَهما مُسلم. وَقَالَ الشَّيْخ فِي (الْإِلْمَام) أَيْضا: رِجَاله رجال مُسلم. وَقد أخرجهَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الشَّامي، حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة، عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَائِدَة أُخْرَى؛ وَهِي مُتَابعَة حمادٍ عبدَ الْعَزِيز.
وَأما رِوَايَة سُفْيَان وَإِدْخَال إِسْحَاق بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة، فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِي يدل عَلَى أَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة، وَلَكِن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة موثق أخرج لَهُ مُسلم، وَقَالَ يَحْيَى: ثِقَة. وَإِذا كَانَ ثِقَة، فكيفما كَانَ الحَدِيث عَنهُ أَو عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، لم يخرج عَن ثِقَة.
قلت: وَقَول الشَّافِعِي السالف إِن فِي إِسْنَاده رجلا لم أَقف (عَلَى
стр. 1007
معرفَة) ثَبت حَدِيثه إِلَى يومي عَلَى مَا يقنعني. الظَّاهِر أَنه أَرَادَ إِسْحَاق هَذَا وَقد وضح لَك ثقته، وَقد قَالَ فِيهِ مرّة أُخْرَى: لَعَلَّه أَن يكون ثِقَة. كَمَا أسلفناه عَنهُ.
وَأما طَرِيق أبي دَاوُد الَّذِي زيد فِيهِ «إِسْحَاق» فَلَا أرَى لَهُ عِلّة لصِحَّة إِسْنَاده واتصاله. حَامِد بن يَحْيَى الْمَذْكُور فِي أول إِسْنَاده مَشْهُور، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَذكر جَعْفَر الْفرْيَابِيّ أَنه سَأَلَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ عَنهُ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله، أُبْقِي حَامِد إلىأن يحْتَاج يسْأَل عَنهُ؟ ! وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَقَالَ: كَانَ أعلم زَمَانه وَمن بعده مخرج لَهُ فِي «الصَّحِيح» . وَقد جنح ابْن حزم الظَّاهِرِيّ (إِلَى تَصْحِيحه) فَإِنَّهُ احْتج بِهِ فِي الْمَسْأَلَة وَقَالَ: إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ثِقَة مدنِي، وَثَّقَهُ أَحْمد بن صَالح الْكُوفِي وَغَيره.
وَأما زُهَيْر فقد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة. وَقَالَ يَحْيَى: ثِقَة. وَقَالَ أَحْمد: مقارب الحَدِيث. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: جَائِز الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق، فِي حفظه سوء (وَقَالَ: حَدِيثه) بِالشَّام، أنكر من حَدِيثه بالعراق لسوء حفظه، وَمَا (حدث) بِهِ من حفظه فَهُوَ أغاليط.
стр. 1008
قلت: وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أهل الشَّام عَنهُ (الَّتِي) قَالَ البُخَارِيّ فِيهَا مَا سلف، لَكِن رَوَى البُخَارِيّ (أَيْضا) عَن أَحْمد أَنه قَالَ: كأنَّ (زهيرًا) الَّذِي رَوَى عَنهُ أهل الشَّام (زُهَيْر) آخر.
وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو (فقد) احْتج بهَا ابْن حزم حَيْثُ رَوَاهَا من جِهَة حَمَّاد بن سَلمَة، وَمُحَمّد بن عَمْرو رَوَى عَنهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ وتابع (بِهِ) مُسلم، وَقد رفع هَذَا الحَدِيث حَمَّاد، وَتَابعه أَبُو (بَحر) وَفِي قَول أبي حَاتِم: يكْتب حَدِيثه. مَا يَقْتَضِي أَن يَجْعَل تَأْكِيدًا فِي رَفعه، وَرِوَايَة الْوَقْف لم يَعْتَبِرهَا ابْن حزم تَقْدِيمًا للرفع عَلَيْهَا، وَقَالَ (عَلّي) بن الْمَدِينِيّ: كَانَ يَحْيَى بن سعيد حسن الرَّأْي فِي أبي بَحر.
وَأما ابْن لَهِيعَة فقد (سلفت) تَرْجَمته فِيمَا مَضَى، وَأما حنين بن أبي حَكِيم فقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان.
وَأما الِاخْتِلَاف عَلَى ابْن أبي ذِئْب فقد يُقَال: إنَّهُمَا إسنادان مُخْتَلِفَانِ لِابْنِ أبي ذِئْب لَا يُعلل أَحدهمَا بِالْآخرِ؛ لاخْتِلَاف رجالهما.
стр. 1009
وَأما قَول ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث الْعَلَاء: إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف. إِن أَرَادَ أَنه لَا يعرف مخرجه فَلَيْسَ كَذَلِك، فقد خرجه الْبَزَّار كَمَا أسلفناه، وَإِن أَرَادَ (مَعَ) (معرفَة طَرِيقه) أَنه غير مَشْهُور؛ فَلَا (يُنَاسِبه) ذَلِك، وَإِنَّمَا (يُنَاسِبه) النّظر فِي رجال إِسْنَاده.
وَأما أَبُو وَاقد فقد قَالَ أَحْمد فِيهِ: مَا أرَى بِهِ بَأْسا. فَلَعَلَّ ذَلِك يَقْتَضِي أَن يُتَابع بروايته، وَأما (جَهَالَة) بعض رُوَاته فَلَا يقْدَح فِيمَا صَحَّ مِنْهُمَا؛ فقد ظهر صِحَة بعض طرقه وَحسن بَعْضهَا ومتابعة الْبَاقِي لَهَا، فَلَا يخْفَى إِذا مَا فِي إِطْلَاق الضعْف عَلَيْهَا، وَإِن الْأَصَح الْوَقْف، وَقد علم أَيْضا مَا يعْمل عِنْد اجْتِمَاع الرّفْع وَالْوَقْف وشهرة الْخلاف (فِيهِ) ، وَقد نقل الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فِي «حاويه» عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه خرج لصِحَّة هَذَا الحَدِيث مائَة وَعشْرين طَرِيقا، فَأَقل أَحْوَاله (إِذا) أَن يكون حسنا.
تَنْبِيه: اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ أورد هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ «الْمس» دون «الْحمل» فَقَالَ: رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «من غسل مَيتا فليغتسل، وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ» . وَلم أَقف عَلَى لفظ «الْمس» فِي رِوَايَة بعد الفحص عَنهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بِلَفْظ «الْحمل» بدله، وَكَذَا أوردهُ هُوَ - أَعنِي: الرَّافِعِيّ - فِي كِتَابه «الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة» نعم كَلَام الشَّافِعِي السالف
стр. 1010
(دَال) عَلَى وُرُوده فِيهِ؛ إِذْ قَالَ: فَإِن وجدت مَا يقنعني (أوجبته) وأوجبت الْوضُوء من مس الْمَيِّت؛ فَإِنَّهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد. وَكَذَا قَول الْمُزنِيّ أَيْضا: الْغسْل من غسل الْمَيِّت غير مَشْرُوع، وَكَذَا الْوضُوء من مس الْمَيِّت وَحمله؛ لِأَنَّهُ لم يَصح فِيهَا شَيْء دَال عَلَى ذَلِك.
وَقد آن لنا أَن نعود إِلَى الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة الْأَحَادِيث؛ فَنَقُول: وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث مُصعب بن شيبَة، عَن طلق بن حبيب، عَن عبد الله بن الزبير، عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا حدثته) «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يغْتَسل من أَربع: من الْجَنَابَة، وَيَوْم الْجُمُعَة (وَمن) الْحجامَة، وَمن غسل الْمَيِّت» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ: «الْغسْل من أَرْبَعَة (من) الْجَنَابَة، وَالْجُمُعَة، والحجامة، وَغسل الْمَيِّت» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «الْغسْل من خَمْسَة: من الْجَنَابَة، والحجامة، وَغسل يَوْم الْجُمُعَة، وَالْمَيِّت، وَمن مَاء الْحمام» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» (بِثَلَاثَة أَلْفَاظ) «كَانَ يغْتَسل» ، «يُغتَسل» «الغُسل» وَأعله الْأَثْرَم بعلل:
أَحدهَا: أَنه سمع أَبَا (عبد الله) - يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل - يتَكَلَّم فِي مُصعب بن شيبَة، وَذكر (أَن) لَهُ أَحَادِيث (مَنَاكِير قَالَ: وسمعته
стр. 1011
يتَكَلَّم عَلَى هَذَا الحَدِيث) بِعَيْنِه.
ثَانِيهَا: أَن عَائِشَة كَانَت ترخص فِي غسل الْجُمُعَة؛ فَكيف تذكر أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِهِ؟ !
ثَالِثهَا: أَنه صَحَّ عَنْهَا إِنْكَار الْغسْل من غسل الْمَيِّت، فَكيف ترويه عَن النَّبِي ﷺ وتنكر (عَلَى من) فعله.
رَابِعهَا: أَن فِيهِ الْغسْل من الْحجامَة، وَهُوَ مُنكر عَن النَّبِي ﷺ لإِجْمَاع الْأمة عَلَى أَنه لَا يجب، زَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ناسخه ومنسوخه» : وَلَا يسْتَحبّ إِجْمَاعًا. وَقَالَ فِي «علله» - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ -: هَذَا حَدِيث لَا يَصح. ثمَّ ذكر عَن أَحْمد أَنه قَالَ فِي مُصعب بن شيبَة: أَحَادِيثه مَنَاكِير. قَالَ: وَلَا يثبت فِي هَذَا حَدِيث.
وَقَالَ الْخطابِيّ: فِي إِسْنَاده مقَال. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن الْغسْل من الْحجامَة فَقلت: يرْوَى مَرْفُوعا «الْغسْل من أَربع ... » فَقَالَ: لَا يَصح هَذَا، رَوَاهُ مُصعب بن شيبَة، وَلَيْسَ بِقَوي. فَقلت لَهُ: لم (يرو عَن) عَائِشَة من غير حَدِيث مُصعب؟ قَالَ: لَا. وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» تَضْعِيفه عَن أَحْمد أَيْضا، وَعَن
стр. 1012
التِّرْمِذِيّ أَنه نقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ: لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَالَ فِي «سنَنه» : مَا أرَى مُسلما تَركه إِلَّا لطعن بعض الْحفاظ فِيهِ. وَجزم بضعفه من الْمُتَأَخِّرين: النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» فَقَالَ: إِسْنَاده ضَعِيف.
وَالْجَوَاب عَن الْعلَّة الأولَى أَن مُصعب بن شيبَة أخرج لَهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» محتجًّا بِهِ، وَكَذَا بَاقِي السّنَن الْأَرْبَعَة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات؛ فَإِن طلق بن حبيب وَمصْعَب بن شيبَة قد أخرج مُسلم بن الْحجَّاج وَجَمَاعَة حَدِيثهمَا فِي الصَّحِيح، وَرُوِيَ عَن (أبي كريب، عَن يَحْيَى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة) عَن أَبِيه بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه حَدِيث «عشر من الْفطْرَة» وَسَائِر رُوَاته مُتَّفق عَلَيْهِم. قَالَ: وَشَاهده حَدِيث أبي هُرَيْرَة ... فَذكره من حَدِيث إِسْحَاق مولَى زَائِدَة، وَعَمْرو بن عُمَيْر (عَنهُ) . وَقَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وَجزم الْمجد فِي «أَحْكَامه» بِأَنَّهُ عَلَى شَرط مُسلم، وَكَذَا الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «اقتراحه» أَي: لِأَن مصعبًا وطلقًا انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنْهُمَا مُسلم، وَرَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» (عَن عَبدة) عَن عبد الله الْخُزَاعِيّ، عَن
стр. 1013
مُحَمَّد بن بشر، عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن مُصعب بِهِ.
وَأما مَا ذكره بعد ذَلِك من «الْعِلَل» فَفِيهِ مَا لَيْسَ من صناعَة الْإِسْنَاد، كَمَا نبه عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين، وَنَقله الْإِجْمَاع عَلَى عدم (الْوُجُوب) لَا يَقْتَضِي تَضْعِيف الحَدِيث (لجَوَاز أَن) يحمل عَلَى الِاسْتِحْبَاب، وَأما نقل ابْن الْجَوْزِيّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنه لَا يسْتَحبّ الْغسْل من الْحجامَة فَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ فَإِن الشَّافِعِي (نَص) عَلَى اسْتِحْبَابه؛ كَمَا نَقله النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» (عَن) نَصه فِي الْقَدِيم، وَعَن حِكَايَة الْقفال عَن النَّص وَهَذَا نَص قديم لَا معَارض لَهُ فِي الْجَدِيد؛ فَيكون مذْهبه.
وَأما حَدِيث عَلّي فَسَيَأْتِي فِي الْجَنَائِز حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ.
وَأما حَدِيث أبي سعيد فَرَوَاهُ حَرْمَلَة بن يَحْيَى، عَن ابْن وهب، عَن أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الْغسْل من الْغسْل، وَالْوُضُوء من الْحمل» . وَأُسَامَة هَذَا صَدُوق فِيهِ (لين يسير) وَقد أخرج لَهُ م ٤.
وَأما حَدِيث حُذَيْفَة فَرَوَاهُ معمر، عَن أبي إِسْحَاق، عَن أَبِيه عَنهُ مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل» (ذكره) ابْن أبي حَاتِم فِي «علله»
стр. 1014
وَقَالَ: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: حَدِيث غلط. وَلم يبين غلطه، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» : إِنَّه لَا يثبت. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : إِسْنَاده سَاقِط. (وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» و «ناسخه ومنسوخه» ) وَقَالَ فِي «علله» : لَا يَصح. قَالَ: وَأَبُو إِسْحَاق تغير بِأخرَة، وَأَبوهُ لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي النَّقْل.
وَأما حَدِيث الْمُغيرَة، فَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» فَقَالَ: ثَنَا يَعْقُوب، ثَنَا أبي، عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: (وَقد) كنت حفظت (من) كثير من عُلَمَائِنَا بِالْمَدِينَةِ أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم كَانَ يروي عَن (ابْن) الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَحَادِيث مِنْهَا أَنه حَدثهُ (أَبوهُ) أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: «من غسل مَيتا فليغتسل» .
خَاتِمَة: لما ذكر أَبُو دَاوُد حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّه مَنْسُوخ. وَقَالَ مثله أَبُو حَفْص بن شاهين قَالَ: وناسخه حَدِيث ابْن عَبَّاس: «لَيْسَ عَلَيْكُم فِي ميتكم غسل إِذا غسلتموه، وحسبكم أَن تغسلوا أَيْدِيكُم»
стр. 1015
وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الْجُمُعَة حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ - إِن شَاءَ الله - وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ناسخه ومنسوخه» الْمُسَمَّى ب «الْإِعْلَام» فَذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف، وَكَذَا حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيثه، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «لَيْسَ عَلَيْكُم فِي ميتكم غسل إِذا غسلتموه إِن ميتكم لَيْسَ بِنَجس» وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي أرَاهُ أَن أَحَادِيث الْغسْل من غسل الْمَيِّت لَا تثبت، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: «وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» وَذَلِكَ مَتْرُوك بِالْإِجْمَاع؛ فَكَذَلِك الْغسْل. قَالَ: وَكَذَلِكَ من الْحجامَة مُنكر؛ فَإِنَّهُ لَا يجب وَلَا يسْتَحبّ إِجْمَاعًا، وَقد (أسلفت) لَك مَا فِي هَذَا، وَأول غَيره قَوْله: «وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» عَلَى: من أَرَادَ حمله ومتابعته فَليَتَوَضَّأ من أجل الصَّلَاة عَلَيْهِ. ذكره الْحَاكِم فِي «تَارِيخه» عَن أبي بكر الضبعِي حَيْثُ قَالَ: سمعته. وَقد سُئِلَ عَنهُ، فَقَالَ: إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر فَمَعْنَاه أَن يتَوَضَّأ قبل حمله شَفَقَة أَن تفوته الصَّلَاة بعد الْحمل، كَمَا (قَالَ) ﵇: «من رَاح إِلَى الْجُمُعَة فليغتسل» أَي: قبل الرواح. وَلما ذكر أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف قَالَ: أُضمر فِي الْخَبَر قَوْله: إِذا لم يكن بَينهمَا حَائِل.
فَائِدَة: ذكر الشَّيْخ أَبُو عَلّي السنجي فِي «شرح التَّلْخِيص» فِي بَاب
стр. 1016
الْجُمُعَة أَن أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي قَوْله: «وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ» عَلَى وُجُوه مِنْهَا أَنه عَلَى ظَاهره وَيجْعَل الْوضُوء وَاجِبا عَلَيْهِ، قَالُوا: لِأَن بدنه بِالْمَوْتِ صَار عَورَة (وَقيل) : إِن النّظر إِلَى بدنه حرَام إِلَّا لضَرُورَة فَصَارَ كبدن الْمَرْأَة كَذَا ذكره، وَهُوَ غَرِيب، وَجزم ابْن يُونُس أَيْضا فِي «شرح التَّعْجِيز» بِأَن بدنه عَورَة، وَيحرم النّظر إِلَى جَمِيع بدنه، وَلَا أعلم من ذكر ذَلِك غَيرهمَا.
الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن» .
هَذَا الحَدِيث فِيهِ مقَال رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت، ثمَّ شين مُعْجمَة - الْعَنسِي - بالنُّون - (الْحِمصِي، عَالم أهل الشَّام) عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ. وَقد وَقع لنا بعلو كَمَا ذكرته بإسنادي فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة. قَالَ: وَسمعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل -
стр. 1017
يَعْنِي: البُخَارِيّ - يَقُول: إِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش يروي عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق أَحَادِيث مَنَاكِير. كَأَنَّهُ ضعف رِوَايَته عَنْهُم فِيمَا ينْفَرد بِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا (حَدِيثه) عَن أهل الشَّام - أَي وَحَدِيثه هَذَا عَن أهل الْحجاز، كَمَا صرح بِهِ عبد الْحق (فِي «أَحْكَامه» ) - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: إِسْمَاعِيل أصلح من بَقِيَّة.
قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل، وَلَا نعلم يرْوَى عَن ابْن عمر من وَجه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَلَا يرْوَى عَن النَّبِي ﷺ فِي الْحَائِض إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : لَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيّ، وَاسْتشْهدَ بِهِ فِي «الْمعرفَة» وَقَالَ: إِن سلم (من) إِسْمَاعِيل وَمن تَابعه.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه، نَا عبد الله بن حَمَّاد الآملي، عَن عبد الْملك بن (مسلمة) عَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن مُوسَى بن عقبَة، وَلم يذكر الْحَائِض، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الحساني، عَن رجل، عَن أبي معشر، عَن مُوسَى بِهِ بِذكر الْحَائِض، وَمن حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة
стр. 1018
و (عبيد الله) بن (عمر) ، عَن نَافِع بِهِ، و (فيهمَا) رد عَلَى قَول الْبَزَّار أَنه (لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل؛ فقد تَابعه الْمُغيرَة وَأَبُو معشر) وَصحح شَيخنَا الْحَافِظ فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي «شَرحه لِلتِّرْمِذِي» طَرِيق الْمُغيرَة، وَنقل تَوْثِيق رواتها مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه، ذكره الْخَطِيب فِي «تَارِيخه» وَقَالَ: ثِقَة. والآملي أخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان، والمغيرة هُوَ الْحزَامِي مُتَّفق عَلَيْهِ، قَالَ: فَالْحَدِيث إِذا صَحِيح الْإِسْنَاد؛ لِأَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لم ينْفَرد بِهِ عَن مُوسَى بن عقبَة.
قلت: لَكِن فَاتَ شَيخنَا ذكر حَال عبد الْملك بن مسلمة الَّذِي يرويهِ عَن الْمُغيرَة، وَهُوَ ضَعِيف؛ فقد قَالَ ابْن حبَان: يروي مَنَاكِير كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن يُونُس: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: (مُضْطَرب) لَيْسَ بِقَوي، حَدثنِي بِحَدِيث فِي الْكَرم عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل مَوْضُوع. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عبد الْملك هَذَا كَانَ بِمصْر، وَهَذَا غَرِيب عَن مُغيرَة
стр. 1019
بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ ثِقَة. وَضَعفه الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» أَيْضا.
قلت: فَلَو سلم الْإِسْنَاد من هَذَا الرجل لصَحَّ. وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فأعل هَذِه الطَّرِيقَة فِي «تَحْقِيقه» بمغيرة بن عبد الرَّحْمَن وَقَالَ: إِنَّه مَجْرُوح ضَعِيف. وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ؛ فمغيرة هَذَا أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَة، وَهُوَ ثِقَة، قَالَ أَحْمد: مَا بحَديثه بَأْس. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رجل صَالح. نعم؛ وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ عَبَّاس (الدوري) عَن ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» لأجل هَذِه (المقولة) فِيهِ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ فقد قَالَ أَبُو دَاوُد: غلط عَبَّاس (عَلَى) ابْن معِين.
وَأما الطَّرِيقَة الثَّالِثَة الَّتِي أخرجناها عَن الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ للْحَدِيث أصل من حَدِيث عبيد الله - يَعْنِي: الْعمريّ - وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ أَيْضا: إِنَّه حَدِيث ينْفَرد بِهِ إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَإِسْمَاعِيل فِيمَا يروي (عَن) أهل (الْحجاز وَأهل) الْعرَاق غَيره أوثق مِنْهُ. ثمَّ نقل عَن يَحْيَى بن معِين أَن إِسْمَاعِيل كَانَ ثِقَة فِيمَا يروي عَن أَصْحَابه أهل الشَّام، وَمَا رَوَى عَن غَيرهم فخلط فِيهَا. وَقَالَ: (وَبَلغنِي) عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أَنه قَالَ: إِنَّمَا يروي هَذَا: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة، وَلَا أعرفهُ من حَدِيث غَيره،
стр. 1020
وَإِسْمَاعِيل مُنكر الحَدِيث عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق.
قلت: وَفِي كَلَام البُخَارِيّ هَذَا مَا أسفلناه (عَلَى) كَلَام الْبَزَّار.
وَأما الطَّرِيقَة الثَّانِيَة فَهِيَ معلولة من وَجْهَيْن: جَهَالَة الرجل وَضعف أبي معشر - وَهُوَ نجيح السندي - قَالَ ابْن نمير: كَانَ لَا يحفظ الْأَسَانِيد. وأجمل عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» القَوْل فِي ضعف (هَذَا الطَّرِيق) فَقَالَ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق إِسْمَاعِيل وَلَا يَصح أَيْضا. ثمَّ قَالَ: وَأحسن مَا (فِيهِ) حَدِيث سُلَيْمَان (بن مُوسَى) الْآتِي.
(قلت:) (ذَاك) فِي مس الْمُصحف لَا فِي قِرَاءَة الْجنب، كَمَا ذكره هُوَ بعد، وَقد أسلفناه (فِي الْبَاب) قبله فِي أثْنَاء الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي وَذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ... فَذكره من طَرِيق التِّرْمِذِيّ وَمن تَابعه، فَقَالَ أبي: هَذَا خطأ؛ إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله. وَفِي كتاب «الْخلال» و «ضعفاء الْعقيلِيّ» عَن عبد الله - يَعْنِي: ابْن أَحْمد بن حَنْبَل - وَذكر هَذَا الحَدِيث؛ قَالَ (أبي) : هَذَا بَاطِل أنكر عَلَى إِسْمَاعِيل. يَعْنِي: أَنه وهم مِنْهُ.
следующие страницы →