Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الْجُمُعَة أَن أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي قَوْله: «وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ» عَلَى وُجُوه مِنْهَا أَنه عَلَى ظَاهره وَيجْعَل الْوضُوء وَاجِبا عَلَيْهِ، قَالُوا: لِأَن بدنه بِالْمَوْتِ صَار عَورَة (وَقيل) : إِن النّظر إِلَى بدنه حرَام إِلَّا لضَرُورَة فَصَارَ كبدن الْمَرْأَة كَذَا ذكره، وَهُوَ غَرِيب، وَجزم ابْن يُونُس أَيْضا فِي «شرح التَّعْجِيز» بِأَن بدنه عَورَة، وَيحرم النّظر إِلَى جَمِيع بدنه، وَلَا أعلم من ذكر ذَلِك غَيرهمَا.
الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن» .
هَذَا الحَدِيث فِيهِ مقَال رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت، ثمَّ شين مُعْجمَة - الْعَنسِي - بالنُّون - (الْحِمصِي، عَالم أهل الشَّام) عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ. وَقد وَقع لنا بعلو كَمَا ذكرته بإسنادي فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة. قَالَ: وَسمعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل -
стр. 1017
يَعْنِي: البُخَارِيّ - يَقُول: إِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش يروي عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق أَحَادِيث مَنَاكِير. كَأَنَّهُ ضعف رِوَايَته عَنْهُم فِيمَا ينْفَرد بِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا (حَدِيثه) عَن أهل الشَّام - أَي وَحَدِيثه هَذَا عَن أهل الْحجاز، كَمَا صرح بِهِ عبد الْحق (فِي «أَحْكَامه» ) - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: إِسْمَاعِيل أصلح من بَقِيَّة.
قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل، وَلَا نعلم يرْوَى عَن ابْن عمر من وَجه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَلَا يرْوَى عَن النَّبِي ﷺ فِي الْحَائِض إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : لَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيّ، وَاسْتشْهدَ بِهِ فِي «الْمعرفَة» وَقَالَ: إِن سلم (من) إِسْمَاعِيل وَمن تَابعه.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه، نَا عبد الله بن حَمَّاد الآملي، عَن عبد الْملك بن (مسلمة) عَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن مُوسَى بن عقبَة، وَلم يذكر الْحَائِض، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الحساني، عَن رجل، عَن أبي معشر، عَن مُوسَى بِهِ بِذكر الْحَائِض، وَمن حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة
стр. 1018
و (عبيد الله) بن (عمر) ، عَن نَافِع بِهِ، و (فيهمَا) رد عَلَى قَول الْبَزَّار أَنه (لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل؛ فقد تَابعه الْمُغيرَة وَأَبُو معشر) وَصحح شَيخنَا الْحَافِظ فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي «شَرحه لِلتِّرْمِذِي» طَرِيق الْمُغيرَة، وَنقل تَوْثِيق رواتها مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه، ذكره الْخَطِيب فِي «تَارِيخه» وَقَالَ: ثِقَة. والآملي أخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان، والمغيرة هُوَ الْحزَامِي مُتَّفق عَلَيْهِ، قَالَ: فَالْحَدِيث إِذا صَحِيح الْإِسْنَاد؛ لِأَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لم ينْفَرد بِهِ عَن مُوسَى بن عقبَة.
قلت: لَكِن فَاتَ شَيخنَا ذكر حَال عبد الْملك بن مسلمة الَّذِي يرويهِ عَن الْمُغيرَة، وَهُوَ ضَعِيف؛ فقد قَالَ ابْن حبَان: يروي مَنَاكِير كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن يُونُس: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: (مُضْطَرب) لَيْسَ بِقَوي، حَدثنِي بِحَدِيث فِي الْكَرم عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل مَوْضُوع. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عبد الْملك هَذَا كَانَ بِمصْر، وَهَذَا غَرِيب عَن مُغيرَة
стр. 1019
بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ ثِقَة. وَضَعفه الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» أَيْضا.
قلت: فَلَو سلم الْإِسْنَاد من هَذَا الرجل لصَحَّ. وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فأعل هَذِه الطَّرِيقَة فِي «تَحْقِيقه» بمغيرة بن عبد الرَّحْمَن وَقَالَ: إِنَّه مَجْرُوح ضَعِيف. وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ؛ فمغيرة هَذَا أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَة، وَهُوَ ثِقَة، قَالَ أَحْمد: مَا بحَديثه بَأْس. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رجل صَالح. نعم؛ وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ عَبَّاس (الدوري) عَن ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» لأجل هَذِه (المقولة) فِيهِ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ فقد قَالَ أَبُو دَاوُد: غلط عَبَّاس (عَلَى) ابْن معِين.
وَأما الطَّرِيقَة الثَّالِثَة الَّتِي أخرجناها عَن الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ للْحَدِيث أصل من حَدِيث عبيد الله - يَعْنِي: الْعمريّ - وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ أَيْضا: إِنَّه حَدِيث ينْفَرد بِهِ إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَإِسْمَاعِيل فِيمَا يروي (عَن) أهل (الْحجاز وَأهل) الْعرَاق غَيره أوثق مِنْهُ. ثمَّ نقل عَن يَحْيَى بن معِين أَن إِسْمَاعِيل كَانَ ثِقَة فِيمَا يروي عَن أَصْحَابه أهل الشَّام، وَمَا رَوَى عَن غَيرهم فخلط فِيهَا. وَقَالَ: (وَبَلغنِي) عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أَنه قَالَ: إِنَّمَا يروي هَذَا: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة، وَلَا أعرفهُ من حَدِيث غَيره،
стр. 1020
وَإِسْمَاعِيل مُنكر الحَدِيث عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق.
قلت: وَفِي كَلَام البُخَارِيّ هَذَا مَا أسفلناه (عَلَى) كَلَام الْبَزَّار.
وَأما الطَّرِيقَة الثَّانِيَة فَهِيَ معلولة من وَجْهَيْن: جَهَالَة الرجل وَضعف أبي معشر - وَهُوَ نجيح السندي - قَالَ ابْن نمير: كَانَ لَا يحفظ الْأَسَانِيد. وأجمل عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» القَوْل فِي ضعف (هَذَا الطَّرِيق) فَقَالَ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق إِسْمَاعِيل وَلَا يَصح أَيْضا. ثمَّ قَالَ: وَأحسن مَا (فِيهِ) حَدِيث سُلَيْمَان (بن مُوسَى) الْآتِي.
(قلت:) (ذَاك) فِي مس الْمُصحف لَا فِي قِرَاءَة الْجنب، كَمَا ذكره هُوَ بعد، وَقد أسلفناه (فِي الْبَاب) قبله فِي أثْنَاء الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي وَذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ... فَذكره من طَرِيق التِّرْمِذِيّ وَمن تَابعه، فَقَالَ أبي: هَذَا خطأ؛ إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله. وَفِي كتاب «الْخلال» و «ضعفاء الْعقيلِيّ» عَن عبد الله - يَعْنِي: ابْن أَحْمد بن حَنْبَل - وَذكر هَذَا الحَدِيث؛ قَالَ (أبي) : هَذَا بَاطِل أنكر عَلَى إِسْمَاعِيل. يَعْنِي: أَنه وهم مِنْهُ.
стр. 1021
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَن فِيهِ (نظرا) وَرَوَى عَن البُخَارِيّ نَحوا مِمَّا سلف. وَقَالَ الضياء الْمَقْدِسِي فِي «أَحْكَامه» : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تكلم فِيهِ غير وَاحِد من أهل الْعلم، غير أَن بعض الْحفاظ قَالَ: قد رُوِيَ من غير طَرِيقه بِإِسْنَاد لَا بَأْس (بِهِ) وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى الطَّرِيقَة الَّتِي صححت (وَبينا وهنها) (و) أَشَارَ إِلَى قَول ابْن عَسَاكِر فِي «أَطْرَافه» : قد رَوَاهُ عبد الله بن حَمَّاد الآملي، عَن القعْنبِي، عَن الْمُغيرَة، عَن مُوسَى بن عقبَة. لَكِن قَوْله عَن القعْنبِي الظَّاهِر وهمه فِيهِ؛ فَإِن عبد الله بن حَمَّاد إِنَّمَا رَوَاهُ عَن عبد الْملك بن مسلمة عَن الْمُغيرَة كَمَا تقدم، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا سلف أَيْضا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» بعد (ذكر) رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش: وَرُوِيَ أَيْضا عَن غَيره، عَن مُوسَى بن عقبَة - وَهُوَ ضَعِيف - ثمَّ سَاق مُتَابعَة الْمُغيرَة وَأبي معشر السالفتين.
وَأما الْمُنْذِرِيّ؛ فَإِنَّهُ حسن الحَدِيث، فَقَالَ فِي (الْقطعَة) الَّتِي خرجها من أَحَادِيث (الْمُهَذّب) بِالْإِسْنَادِ: هَذَا حَدِيث حسن، وَإِسْمَاعِيل تكلم فِيهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة.
قلت: وَحَاصِل مقالات الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل ثَلَاث:
стр. 1022
أَحدهَا: ضعفه مُطلقًا. ثَانِيهَا: ثقته مُطلقًا. ثَالِثهَا: أَنه ضَعِيف فِي غير الشاميين، و (عَلَيْهِ) الْأَكْثَرُونَ.
قَالَ الْفَسَوِي: تكلم قوم فِيهِ، وَهُوَ ثِقَة عدل أعلم النَّاس بِحَدِيث الشَّام، أَكثر مَا تكلمُوا فِيهِ قَالُوا: يغرب عَن ثِقَات الْحجاز. وَقَالَ عَبَّاس عَن يَحْيَى: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْس فِي أهل الشَّام. وَقَالَ دُحَيْم: هُوَ فِي الشاميين غَايَة وخلط عَن الْمَدَنِيين. وَقد أسلفنا قَول البُخَارِيّ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لين، مَا أعلم (أحدا) كف عَنهُ إِلَّا أَبُو إِسْحَاق (الْفَزارِيّ) . أَي: فَإِنَّهُ قَالَ: ذَا رجل لَا يدْرِي مَا يخرج من رَأسه! وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: كثير الْخَطَأ فِي حَدِيثه؛ فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: مَا كَانَ أحد أعلم بِحَدِيث أهل الشَّام مِنْهُ لَو ثَبت عَلَى حَدِيث أهل الشَّام، وَلكنه خلط فِي حَدِيثه عَن أهل الْعرَاق. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» فِي حَدِيث «إِذا قاء أحدكُم» : هُوَ سَاقِط؛ لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بِهِ. وَعبارَة الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِيهِ: وَثَّقَهُ أَحْمد وَيَحْيَى بن معِين مُطلقًا. وَأَثْنَى يزِيد بن هَارُون عَلَى حفظه ثَنَاء بليغًا (أَي) فَقَالَ: مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ، مَا أَدْرِي (مَا) الثَّوْريّ؟ !
قلت: وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ غير مَا (حَدِيث) من رِوَايَته عَن أهل
стр. 1023
بَلَده خَاصَّة، مِنْهَا حَدِيث: «لَا وَصِيَّة لوَارث» وَحَدِيث « (بِحَسب) ابْن آدم أكلات يقمن صلبه» وَحَدِيثه هَذَا - أَعنِي: الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ - قد علمت أَنه لم ينْفَرد بِهِ، وتوبع عَلَيْهِ، وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: «لَا تقْرَأ الْحَائِض وَلَا النُّفَسَاء شَيْئا من الْقُرْآن» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قبل الزَّكَاة فِي «سنَنه» من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل، عَن أَبِيه، عَن طَاوس، عَن جَابر بِهِ، وَمُحَمّد هَذَا مَتْرُوك وَنسب إِلَى الْوَضع، ووالده ثِقَة.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَيْهِ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أنيسَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، وَقَالَ: «لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض وَلَا النُّفَسَاء شَيْئا من الْقُرْآن» وَيَحْيَى هَذَا مَتْرُوك؛ كَمَا (قَالَه) أَحْمد وَغَيره، وَأَبُو الزبير يحْتَاج إِلَى دعامة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الْأَثر لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَصَحَّ عَن عمر ﵁ «أَنه كَانَ يكره أَن يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ جنب» قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» بعد أَن سَاقه بِإِسْنَادِهِ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح.
стр. 1024
فَائِدَة: يجوز لَك فِي قِرَاءَة قَوْله ﵇ لَا « (يقْرَأ» ) (كسر) الْهمزَة عَلَى النَّهْي، وَضمّهَا (عَلَى) الْخَبَر الَّذِي يُرَاد بِهِ النَّهْي، وهما صَحِيحَانِ.
الحَدِيث الثَّامِن
عَن عَلّي بن أبي طَالب ﵁ (أَنه) قَالَ: «لم يكن يحجب النَّبِي ﷺ عَن الْقُرْآن شَيْء سُوَى الْجَنَابَة» وَرُوِيَ «يحجزه» .
هَذَا الحَدِيث جيد رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي «مسنديهما» ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» و (ابْن) الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَالدَّارَقُطْنِيّ
стр. 1025
وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من رِوَايَة شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الله بن سَلمَة - بِكَسْر اللَّام - قَالَ: «دَخَلنَا عَلَى عَلّي أَنا ورجلان: رجل منا، وَرجل من بني أَسد، أَحسب قَالَ: فبعثهما لِحَاجَتِهِ، وَقَالَ: إنَّكُمَا عِلْجَانِ، فعالجا عَن دينكما. ثمَّ دخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا، ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخرج من الْخَلَاء (فيقرئنا) الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا (اللَّحْم) وَلم يكن يَحْجُبهُ - أَو قَالَ: يحجزه - عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة» هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ ابْن مَاجَه: «كَانَ يَأْتِي الْخَلَاء فَيَقْضِي (الْحَاجة) ثمَّ يخرج فيأكل مَعنا الْخبز وَاللَّحم، وَيقْرَأ الْقُرْآن لَا
стр. 1026
يَحْجُبهُ - وَرُبمَا قَالَ: لَا يحجزه - عَن الْقُرْآن شَيْء إِلَّا الْجَنَابَة» وَلَفظ النَّسَائِيّ: «كَانَ يخرج من الْخَلَاء فَيقْرَأ الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم، وَلم يكن يَحْجُبهُ من الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة» . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الله بن سَلمَة، عَن عَلّي: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ الْقُرْآن عَلَى كل حَال، إِلَّا الْجَنَابَة» وَلَفظ الْبَزَّار كهذين اللَّفْظَيْنِ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «كَانَ يقرئنا الْقُرْآن عَلَى كل حَال مَا لم يكن جنبا» وَلَفظ أَحْمد: «أتيت (عَلَى) عَلّي أَنا ورجلان، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْضِي حَاجته ثمَّ يخرج فَيقْرَأ الْقُرْآن وَيَأْكُل (مَعنا) اللَّحْم وَلَا يحجزه - وَرُبمَا قَالَ: يَحْجُبهُ - من الْقُرْآن شَيْء، لَيْسَ الْجَنَابَة» وَلَفظ ابْن حبَان: «كَانَ لَا يَحْجُبهُ عَن قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء مَا خلا الْجَنَابَة» وَفِي رِوَايَة لَهُ «لم يكن يَحْجُبهُ من قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء إِلَّا أَن يكون جنبا» وَلَفظ الْحَاكِم: «سُوَى الْجَنَابَة - أَو إِلَّا الْجَنَابَة» وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ: «كَانَ لَا يَحْجُبهُ عَن قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء إِلَّا أَن يكون جنبا» وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ، وَذكره فِي «خلافياته» من طَرِيق أبي دَاوُد وَالْحَاكِم. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَبِه قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة
стр. 1027
وَالتَّابِعِينَ، قَالُوا: يقْرَأ الرجل الْقُرْآن عَلَى غير وضوء، وَلَا يقْرَأ فِي الْمُصحف إِلَّا وَهُوَ طَاهِر. وَبِه يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.
قلت: وَصَححهُ أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان، فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» كَمَا أسلفناه، وَقَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ: والشيخان لم يحْتَجَّا بِعَبْد الله بن سَلمَة، ومدار الحَدِيث عَلَيْهِ. قَالَ: وَعبد الله بن سَلمَة غير مطعون فِيهِ. و (أقره) الْبَيْهَقِيّ عَلَى ذَلِك فِي «خلافياته» وَذكره ابْن السكن (أَيْضا) فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : وَأخرجه الْحَافِظ أَبُو بكر بن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» وَقَالَ: سَمِعت أَحْمد بن الْمِقْدَام الْعجلِيّ يَقُول: ثَنَا (سعيد) بن الرّبيع، عَن شُعْبَة (بِهَذَا الحَدِيث) قَالَ شُعْبَة: هَذَا ثلث رَأس مَالِي. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: (قَالَ سُفْيَان) : مَا أحدث بِحَدِيث أحسن مِنْهُ. وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : إِنَّه حَدِيث صَحِيح. ثمَّ نقل عَن ابْن صَخْر أَنه قَالَ فِي «فَوَائده» : إِنَّه حَدِيث مَشْهُور. وَقَالَ الْبَزَّار: إِنَّه لَا يرْوَى عَن عَلّي إِلَّا من حَدِيث عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الله بن سَلمَة.
قلت: قد رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة، عَن أبي البخْترِي، عَن
стр. 1028
عَلّي، وَقيل: عَن عَمْرو بن مرّة عَن عَلّي مَوْقُوفا مُرْسلا، ذكر ذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» (ثمَّ) قَالَ: القَوْل قَول من قَالَ: عَن عَمْرو بن (مرّة) عَن (عبد الله) بن سَلمَة، عَن عَلّي. وَحَكَى البُخَارِيّ عَن عَمْرو بن مرّة (قَالَ) : كَانَ عبد الله بن سَلمَة يحدثنا فنعرف وننكر، وَكَانَ قد كبر لَا يُتَابع فِي حَدِيثه. وَقَالَ ابْن الْجَارُود - بَعْدَمَا أخرجه -: قَالَ يَحْيَى بن سعيد: وَكَانَ شُعْبَة يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث: نَعْرِف وننكر - يَعْنِي: عبد الله بن سَلمَة - كَانَ (كبر حَيْثُ) أدْركهُ عَمْرو. وَرَوَى هَذَا الحَدِيث الإِمَام الشَّافِعِي فِي «سنَن حَرْمَلَة» ، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَ ثَابتا فَفِيهِ دلَالَة عَلَى تَحْرِيم الْقُرْآن عَلَى الْجنب. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي جماع كتاب الطّهُور وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : إِنَّمَا توقف الشَّافِعِي فِي ثُبُوته؛ لِأَن مَدَاره عَلَى عبد الله بن سَلمَة، وَكَانَ قد كبر وَأنكر من (عقله وَفِي حَدِيثه) بعض (النكرَة) وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيث بَعْدَمَا كبر، قَالَه شُعْبَة. ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَصَحَّ عَن عمر أَنه كره الْقُرْآن للْجنب. ثمَّ سَاقه كَمَا أسلفناه،
стр. 1029
وَذكر الْخطابِيّ أَن أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ يوهن حَدِيث عَلّي هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة. وَذكر شَيخنَا فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي «شَرحه لِلتِّرْمِذِي» عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: لم يرو هَذَا الحَدِيث (أحد) عَن عَمْرو غير شُعْبَة. ثمَّ ناقشه فِي ذَلِك فَقَالَ: ذكر ابْن عدي أَنه رَوَاهُ عَن عَمْرو: الْأَعْمَش، وَشعْبَة، ومسعر، وَابْن أبي لَيْلَى، وَيَحْيَى بن سعيد، ورقبة أَو بَقِيَّة؛ لست (أَدْرِي) (أَيهمَا) هُوَ.
قلت: وَأَبَان بن تغلب أَيْضا فِيمَا ذكره الْخَطِيب فِي (كِتَابه) «موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق» وَمن خطه نقلت، ثمَّ قَالَ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبان بن تغلب، عَن عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الله بن سَلمَة، عَن عَلّي، تفرد بِهِ أَبُو عبد الله (الْجعْفِيّ) وَهُوَ مُعلى بن هِلَال عَنهُ.
قلت: وَأَبَان صَدُوق (و) شيعي غال، وَمعلى وَضاع هَالك. وَاعْترض من الْمُتَأَخِّرين: النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» عَلَى التِّرْمِذِيّ؛ فَقَالَ: إِن غَيره من الْحفاظ الْمُحَقِّقين قَالُوا: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف. وَقَالَ فِي «خلاصته» : خَالف التِّرْمِذِيّ (الْأَكْثَرُونَ) فضعفوه.
стр. 1030
قلت: لَا قدح فِي إِسْنَاده إِلَّا من جِهَة عبد الله بن سَلمَة (فَإِن) مَا عداهُ من رجال إِسْنَاده مُتَّفق عَلَى الِاحْتِجَاج (بِهِ) وَقد أسلفنا مَا حَكَاهُ البُخَارِيّ فِيهِ، وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: يُعرف ويُنكر. وَلَكِن قدمنَا عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِيهِ إِنَّه غير مطعون فِيهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَأخرج لَهُ مُسلم ٤ فَهُوَ عَلَى شرطهم، وَقَول من قَالَ فِيهِ: يعرف وينكر، لَيْسَ فِيهِ كَبِير جرح، وَإِن أوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» بِسَبَب هَذِه المقولة فِيهِ، وَلم ينْفَرد التِّرْمِذِيّ بِتَصْحِيحِهِ؛ بل تَابعه عَلَيْهِ جماعات كَمَا (أسلفناه) وَحَدِيث ابْن عمر السالف قبل هَذَا يشْهد لَهُ، وَكَذَا أثر عمر أَيْضا السالف، وَكَذَا أثر عَلّي «اقْرَءُوا الْقُرْآن مالم يصب أحدكُم جَنَابَة، فَإِن أَصَابَته فَلَا وَلَا حرفا وَاحِدًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: صَحِيح عَنهُ. وَرَوَاهُ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا يقْرَأ الْجنب من الْقُرْآن وَلَا حرفا» ثمَّ قَالَ: أَبُو إِسْحَاق رَأَى عليًّا. وَلم يزدْ عَلَى ذَلِك، وَكَذَا قصَّة عبد الله بن رَوَاحَة فِي «الدَّارَقُطْنِيّ» وَغَيره (من) حَدِيث زَمعَة عَن سَلمَة بن وهرام، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : وَوَصله لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
стр. 1031
الحَدِيث التَّاسِع
رُوِيَ أَنه ﷺ َ قَالَ: «لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، نَا أفلت بن خَليفَة قَالَ: حَدَّثتنِي جسرة بنت دجَاجَة قَالَت: سَمِعت عَائِشَة تَقول: «جَاءَ رَسُول الله ﷺ ووجوه بيُوت أَصْحَابه شارعة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: وجهوا هَذِه الْبيُوت عَن الْمَسْجِد، ثمَّ دخل النَّبِي ﷺ وَلم يصنع الْقَوْم شَيْئا رَجَاء أَن ينزل فيهم رخصَة، فَخرج إِلَيْهِم بعد فَقَالَ: وجهوا (هَذِه) الْبيُوت عَن الْمَسْجِد فَإِنِّي لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب» قَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ فليت العامري.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن أبي غنية، عَن أبي الْخطاب الهجري، عَن محدوج الذهلي، عَن جسرة (قَالَت) : أَخْبَرتنِي أم سَلمَة، قَالَت: «دخل النَّبِي ﷺ َ صرحة هَذَا الْمَسْجِد فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته: إِن الْمَسْجِد لَا يحل لجنب وَلَا لحائض» .
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه الْكَبِير» وَفِيه زِيَادَة، وَذكر بعده حَدِيث عَائِشَة ﵂: «سدوا هَذِه الْأَبْوَاب إِلَّا بَاب أبي بكر» ثمَّ قَالَ: وَهَذَا أصح.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أَبُو زرْعَة: الصَّحِيح حَدِيث جسرة عَن عَائِشَة.
стр. 1032
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفظه عَن جسرة، عَن أم سَلمَة قَالَت: «خرج النَّبِي ﷺ َ (إِلَى) الْمَسْجِد فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته: أَلا إِن هَذَا الْمَسْجِد لَا يحل لجنب وَلَا لحائض، إِلَّا للنَّبِي ﷺ َ وأزواجه وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد وَعلي، أَلا بيّنت [لكم] أَن تضلوا» .
وأعلت الطَّرِيقَة الأولَى بأفلت وَنسب إِلَى الْجَهَالَة، قَالَ الْخطابِيّ: ضعف جمَاعَة هَذَا الحَدِيث وَقَالُوا: إِن أفلت مَجْهُول لَا يصلح الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه: هَذَا حَدِيث بَاطِل، وأفلت غير مَشْهُور وَلَا مَعْرُوف بالثقة.
قلت: هَذَا عَجِيب مِنْهُ فَهُوَ مَشْهُور ثِقَة؛ فَإِنَّهُ أفلت - بِالْفَاءِ، وَيُقَال: فليت. كَمَا قدمْنَاهُ، وَوهم من قَالَ: هما اثْنَان كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن خلفون - ابْن خَليفَة عامري كُوفِي كنيته أَبُو حسان، رَوَى عَن: جسرة بنت دجَاجَة ودهيمة، وَعنهُ: سُفْيَان الثَّوْريّ، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَأَبُو بكر بن عَيَّاش. كَمَا أَفَادَ ذَلِك الْمزي فِي «تهذيبه» .
وَأخرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ: صَالح. وَسُئِلَ عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ: شيخ. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: مَا أرَى بِهِ بَأْسا. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وتعجبت من قَول الْفَقِيه نجم الدَّين بن الرّفْعَة
стр. 1033
فِي آخر شُرُوط الصَّلَاة من «مطلبه» : أفلت - كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره - ضَعِيف مَتْرُوك. فَإِنِّي لم أر هَذِه الْعبارَة فِيهِ لأحد من أهل هَذَا الشَّأْن وَعبارَة الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وأعلت هَذِه الطَّرِيقَة أَيْضا بجسرة - بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان السِّين الْمُهْملَة - بنت دجَاجَة - بِكَسْر الدَّال - لَا كواحدة الدَّجَاج، كَمَا أَفَادَهُ ابْن الْقطَّان فِي حَاشِيَة كِتَابه «الْوَهم وَالْإِيهَام» ، وَفِي «المؤتلف والمختلف» للدارقطني عَن ابْن حبيب أَنه قَالَ: كل اسْم فِي الْعَرَب دجَاجَة مكسور الدَّال.
(قلت) : لَكِن فِي «الْعباب» للصغاني وَمن خطه نقلت: (و) قد سموا دَجاجة. كَذَا هُوَ بِخَطِّهِ بِفَتْح الدَّال، وَكَذَا قَالَ الْأَزْهَرِي وَصَاحب «الْمُحكم» : دَجاجة - يَعْنِي بِالْفَتْح - اسْم امْرَأَة فاستفده.
قَالَ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه» : عِنْدهَا عجائب. وَقد خالفها غَيرهَا فِي سد الْأَبْوَاب، وَقَالَ الْعجلِيّ: هِيَ تابعية ثِقَة. قلت: وَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي نعيم نقلا عَن ابْن مَنْدَه أَن جسرة بنت دجَاجَة أدْركْت وَفَاة رَسُول الله ﷺ قَالَا ذَلِك بعد أَن ذكرهَا فِي الصَّحَابَة. وَفِي النَّسَائِيّ عَنْهَا حَدِيث ترديد النَّبِي ﷺ َ (إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك) من رِوَايَة قدامَة
стр. 1034
بن عبد الله بن عَبدة، كَذَا رَأَيْته مضبوطًا بِخَط الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي: العامري الْهُذلِيّ الْكُوفِي. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلم حدث عَن جسرة غير قدامَة.
قلت: (قد حدث عَنْهَا أفلت) ومحدوج الذهلي (كَمَا ستعلمه) و (عَمْرو) بن عُمَيْر بن محدوج.
وَذكرهَا ابْن حبَان فِي «ثقاته» فِي التَّابِعين وَقَالَ: تروي عَن عَائِشَة، وعنها أفلت بن خَليفَة وَقُدَامَة العامري، وَنقل أَبُو الْعَبَّاس الْبنانِيّ، عَن ابْن حبَان أَنه قَالَ فِي حَقّهَا: عِنْدهَا عجائب. وَلم أره فِي «ثقاته» نعم هُوَ قَول البُخَارِيّ - كَمَا سلف - وأجمل عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» القَوْل فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ بعد أَن عزاهُ إِلَى أبي دَاوُد وأبرز إِسْنَاده: لَا يثبت من قبل إِسْنَاده. وَضَعفه من الْمُتَأَخِّرين النَّوَوِيّ فِي «خلاصته» وَكَأَنَّهُ تبعه، وَأما ابْن الْقطَّان فَإِنَّهُ حسنه، وَقَالَ: قَول البُخَارِيّ فِي جسرة «أَن عِنْدهَا عجائب» لَا يَكْفِي فِي رد أَخْبَارهَا.
قلت: وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب فَالْحَدِيث من هَذَا (الْوَجْه) حسن لثقة رُوَاته، وَحَدِيث أم سَلمَة شَاهد لَهُ، وَقَول ابْن حزم فِيهِ «أَنه بَاطِل» جسارة مِنْهُ، (وَهُوَ أعل) حَدِيث أم سَلمَة بِأَمْر لَا ننازعه فِيهِ، فَإِنَّهُ
стр. 1035
قَالَ: فِيهِ محدوج الذهلي وَهُوَ سَاقِط يروي المعضلات عَن جسرة، وَأَبُو الْخطاب الهجري مَجْهُول. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِن رَوَى عَن أبي الْخطاب جمَاعَة، وَفِي «الْمُغنِي» للذهبي: محدوج الذهلي عَن جسرة قَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر. وأعل ابْن حزم رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ (السالفة) الَّتِي فِيهَا تِلْكَ الزِّيَادَة الغريبة، فَقَالَ بعد أَن رَوَاهَا من حَدِيث عبد الْوَهَّاب بن عَطاء الْخفاف، عَن ابْن أبي غنية، عَن إِسْمَاعِيل، عَن جسرة، عَن أم سَلمَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: «هَذَا الْمَسْجِد حرَام عَلَى كل جنب من الرِّجَال وَالنِّسَاء إِلَّا مُحَمَّد وأزواجه (و) عَلّي (وَفَاطِمَة) : أما عبد الْوَهَّاب فَهُوَ ابْن عَطاء بن مُسلم مُنكر الحَدِيث، وَأما إِسْمَاعِيل فمجهول. هَذَا كَلَامه، فَأَما عبد الْوَهَّاب فوثقه ابْن معِين من طرق عَنهُ، وَقَالَ أَحْمد: كَانَ يَحْيَى بن سعيد حسن الرَّأْي فِيهِ، وَكَانَ يعرفهُ معرفَة (قديمَة) . نعم أَنْكَرُوا عَلَيْهِ حَدِيثا فِي فضل الْعَبَّاس فَكَانَ يَحْيَى يَقُول: (هُوَ) مَوْضُوع وَلَعَلَّه دلّس، وَكَانَ ثِقَة، وَوَثَّقَهُ أَيْضا ابْن حبَان وَالْعجلِي والذهلي، وَاحْتج بِهِ مُسلم، وَأخرج (لَهُ) الْأَرْبَعَة أَيْضا - أَعنِي أَصْحَاب السّنَن - نعم قَالَ أَحْمد: ضَعِيف الحَدِيث مُضْطَرب. وَقَالَ
стр. 1036
(الرَّازِيّ) : لَيْسَ بِقَوي الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِقَوي.
وَأما إِسْمَاعِيل فَذكر فِي تَرْجَمَة عبد الْملك بن أبي غنية أَنه رَوَى عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء بن سعد الْكُوفِي وَلم يذكر غَيره مِمَّن اسْمه إِسْمَاعِيل. وَإِسْمَاعِيل هَذَا وَثَّقَهُ يَحْيَى وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ، وَأخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» : وَقَالَ الْأَزْدِيّ وَحده: مُنكر الحَدِيث.
قلت: قد قَالَ ابْن حبَان أَيْضا: مُنكر الحَدِيث، يَأْتِي عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» : وَجُمْلَة من يَأْتِي فِي الحَدِيث إِسْمَاعِيل بن رَجَاء ثَلَاثَة لم يطعن إِلَّا فِي هَذَا.
قلت: قد طعن فِي إِسْمَاعِيل بن رَجَاء الْجَزرِي الرَّاوِي عَن مُوسَى بن أعين الدَّارَقُطْنِيّ وَضَعفه، والغريب أَن الذَّهَبِيّ لم يذكر فِي كِتَابه «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» سواهُ، وَحذف الأول، عَلَى أَنِّي لَا أحسن هَذِه الزِّيَادَة بِمَا ذكرت وَإِنَّمَا ذكرت ذَلِك عَلَى سَبِيل الْبَحْث مَعَه.
стр. 1037
فَائِدَة: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : إِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي حَدِيث جسرة - فَهُوَ مَحْمُول فِي الْجنب عَلَى الْمكْث فِيهِ دون العبور.
قلت: وَكَذَا فِي الْحَائِض إِلَّا أَن العبور إِنَّمَا يحرم عَلَيْهَا إِذا خَافت التلويث.
ووجوه الْبيُوت الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث المُرَاد بِهِ أَبْوَابهَا (قَالَه) الْخطابِيّ (قَالَ) : وَمَعْنى وجهوها عَن الْمَسْجِد: اصرفوا وجوهها عَنهُ.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كنت أَغْتَسِل أَنا وَالنَّبِيّ ﷺ َ من إِنَاء وَاحِد، تخْتَلف أَيْدِينَا فِيهِ من الْجَنَابَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه من هَذَا الْوَجْه (بِاللَّفْظِ) الْمَذْكُور، واتفقا عَلَى مثله أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة ومَيْمُونَة «أَنه ﵇ كَانَ يغْتَسل مَعَ كل مِنْهُمَا من إِنَاء وَاحِد» .
وَأما حَدِيث (النَّهْي) عَن غسل الرجل بِفضل الْمَرْأَة وَعَكسه فَعَنْهُ أجوبة ذكرتها فِي «شرح الْعُمْدَة» فَليُرَاجع مِنْهُ.
стр. 1038
تَنْبِيه: نقل الرَّافِعِيّ عقب إِيرَاده هَذَا الحَدِيث عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنه قَالَ: لَو فسر فضل مَاء الْجنب وَالْحَائِض بِمَا لم يمساه من المَاء فَلَا يتخيل امْتنَاع اسْتِعْمَاله، وَالَّذِي يتَوَهَّم فِيهِ الْخلاف - أَي بَيْننَا وَبَين الإِمَام أَحْمد - مَا مَسّه بدن الْجنب أَو الْحَائِض عَلَى وَجه لَا يصير المَاء بِهِ مُسْتَعْملا، وَلِهَذَا اسْتدلَّ الشَّافِعِي بأخبار تدل عَلَى طَهَارَة بدنهما. هَذَا آخر كَلَامه، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَقد ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَلَى ذَلِك حَيْثُ قَالَ: بَاب الدَّلِيل عَلَى طَهَارَة عرق الْجنب وَالْحَائِض. ثمَّ سَاق حَدِيث عَائِشَة الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» «كنت أرجله (وَأَنا حَائِض» . ثمَّ قَالَ: وَاحْتج الشَّافِعِي فِي ذَلِك أَيْضا بِمَا ثَبت من أَمر النَّبِي ﷺ الْحَائِض أَن تغسل دم الْحيض من ثوبها وَلم يأمرها بِغسْل الثَّوْب كُله، وَلَا شكّ فِي كَثْرَة الْعرق فِيهِ، ثمَّ ذكر حَدِيث عَائِشَة «ناوليني الْخمْرَة. قَالَت: إِنِّي حَائِض. قَالَ: إِن حيضتك لَيست فِي يدك. فناولتها إِيَّاه» . وَعَزاهُ إِلَى أبي دَاوُد وَإِن فِي رِوَايَة لمُسلم «ناوليني الْخمْرَة من الْمَسْجِد» ثمَّ ذكر حَدِيث عَائِشَة السالف فِي غسلهَا مَعَه من إِنَاء وَاحِد تخْتَلف أَيْدِيهِمَا فِيهِ من الْجَنَابَة، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ وهب «وتلتقي» ثمَّ ذكر حَدِيثهَا أَيْضا «أَنَّهَا سُئِلت عَن رجل يدْخل يَده الْإِنَاء وَهُوَ جنب قبل أَن يغْتَسل، فَقَالَت: إِن المَاء لَا (يُنجسهُ)
стр. 1039
شَيْء وَلَكِن ليبدأ فَيغسل يَده، قد كنت أَنا وَرَسُول الله ﷺ َ نغتسل من إِنَاء وَاحِد» ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عمر أَنه كَانَ يعرق فِي الثَّوْب وَهُوَ جنب ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ» . وَإِلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «لَا بَأْس بعرق الْجنب وَالْحَائِض فِي الثَّوْب» . وَإِلَى عَائِشَة «كَانَ ﵇ يغْتَسل من الْجَنَابَة ثمَّ يأتيني وَأَنا جنب فيستدفئ بِي» ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ حُرَيْث بن أبي مطر وَفِيه نظر.
قلت: هُوَ قَول البُخَارِيّ فِيهِ مرّة، وَقَالَ أُخْرَى: لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك (الحَدِيث) . ثمَّ ترْجم الْبَيْهَقِيّ تَرْجَمَة أُخْرَى فَقَالَ: لَيست الْحَيْضَة فِي الْيَد وَلَا الْمُؤمن ينجس. ثمَّ ذكر حَدِيث عَائِشَة السالف وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة «سُبْحَانَ الله إِن الْمُؤمن لَا ينجس» . وَحَدِيث حُذَيْفَة مثله.
الحَدِيث (الْحَادِي عشر)
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ النَّبِي ﷺ َ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَلَفظ البُخَارِيّ عَنْهَا «كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب غسل فرجه وَتَوَضَّأ
стр. 1040
للصَّلَاة» . وَلَفظ مُسلم: «كَانَ إِذا كَانَ جنبا فَأَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام (تَوَضَّأ وضوءه [للصَّلَاة] » . وَفِي لفظ «كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام) وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة قبل أَن ينَام» . فَزَاد عَلَى البُخَارِيّ الْأكل.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ: « (كَانَ) إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام تَوَضَّأ - تَعْنِي وَهُوَ جنب» .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ المُصَنّف إِلَى قَوْله: «تَوَضَّأ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن حبَان فِي «صَحِيحه» «كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب لم ينم حَتَّى يتَوَضَّأ، وَإِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل غسل يَدَيْهِ» وَفِي رِوَايَة (للنسائي) أَيْضا «وَإِذا أرد أَن يَأْكُل أَو يشرب» .
(وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة: «كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يطعم وَهُوَ جنب) غسل يَدَيْهِ ثمَّ طعم» . وَهَذِه الرِّوَايَات (ترد) عَلَى قَول
стр. 1041
الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي النِّكَاح فِي بَاب غسل الْيَد قبل الطَّعَام و (بعده) : لم يثبت فِي غسل الْيَد قبل الطَّعَام حَدِيث. فَإِن قلت: مَا الْجَواب عَن حَدِيث سُفْيَان، عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة - عَن الْأسود، عَن عَائِشَة «أَن رَسُول الله ﷺ َ كَانَ ينَام وَهُوَ جنب وَلَا يمس مَاء» رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة؟
قلت: عَنهُ جوابان أَحدهمَا: الطعْن فِيهِ، قَالَ أَبُو دَاوُد عَن يزِيد بن هَارُون: وهم السبيعِي فِي هَذَا - يَعْنِي فِي قَوْله: «وَلَا يمس مَاء» - وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: يرَوْنَ أَن هَذَا غلط مِنْهُ. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: ذكرت هَذَا الحَدِيث يَوْمًا فَقَالَ لي إِسْمَاعِيل: يَا فَتى، سَنَد (هَذَا الحَدِيث سيئ. وَقَالَ أَحْمد) : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح. ثَانِيهمَا: تَصْحِيحه مَعَ تَأْوِيله. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: طعن الْحفاظ فِي هَذِه اللَّفْظَة وتوهموها مَأْخُوذَة عَن غير الْأسود، وَأَن السبيعِي دلّس. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَحَدِيث السبيعِي بِهَذِهِ الزِّيَادَة صَحِيح من جِهَة الرِّوَايَة؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ سَمَاعه من الْأسود، والمدلس إِذا بَيَّنَ سَمَاعه مِمَّن رَوَى عَنهُ وَكَانَ ثِقَة فَلَا وَجه لرده. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : إِن قيل أَخطَأ فِيهِ سُفْيَان؛ لِأَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة خَالف. قُلْنَا: بل أَخطَأ بِلَا شكّ من خطأ سُفْيَان بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيل. وسُفْيَان
стр. 1042
أحفظ من زُهَيْر بِلَا شكّ، وَتَبعهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الْإِلْمَام) فَقَالَ: رِجَاله ثِقَات. وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحدهمَا: أَن المُرَاد لَا يمس مَاء للْغسْل؛ ليجمع بَينه وَبَين حَدِيثهَا الآخر، وَهَذَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن شُرَيْح وَاسْتَحْسنهُ.
وَالثَّانِي: أَنه كَانَ يتْرك الْوضُوء فِي بعض الأحيان (لبَيَان) الْجَوَاز إِذْ (لَو واظب) عَلَيْهِ لاعتقد وُجُوبه، وَهُوَ حسن أَيْضا، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن ابْن عمر «أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ : أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جنب؟ فَقَالَ: نعم، وَيتَوَضَّأ إِن شَاءَ» .
وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: «لَا أحب أَن يبيت الْمُسلم وَهُوَ جنب؛ أَخَاف أَن يَمُوت فَلَا تحضره الْمَلَائِكَة» فَفِي إِسْنَاده يزِيد بن عِيَاض وَلَيْسَ هُوَ بِشَيْء كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «إِعْلَامه» وَسُئِلَ مَالك عَن ابْن سمْعَان، فَقَالَ: (كَذَّاب) . قيل: (فيزيد) بن عِيَاض؟ قَالَ: أكذب وأكذب.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أَنه ﵇ قَالَ: «إِذا أَتَى أحدكُم أَهله ثمَّ بدا لَهُ أَن يعاود فَليَتَوَضَّأ بَينهمَا وضُوءًا» .
стр. 1043
هَذَا الحَدِيث ضعفه الشَّافِعِي ﵁ فَقَالَ - عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي كتاب النِّكَاح -: قد رُوِيَ فِيهِ حَدِيث وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يثبت مثله.
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث جمَاعَة عَن عَاصِم، عَن أبي المتَوَكل، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا أَتَى أحدكُم أَهله ثمَّ أَرَادَ أَن يعود فَليَتَوَضَّأ» . وَفِي لفظ «بَينهمَا وضُوءًا. وَقَالَ ثمَّ أَرَادَ أَن يعاود» . وَهُوَ مَعْدُود من أَفْرَاده دون البُخَارِيّ.
(و) رَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ «إِذا غشي أحدكُم أَهله ثمَّ أَرَادَ أَن يعود فَليَتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة» زَاد أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بعد رِوَايَة مُسلم (السالفة) : « (بَينهمَا) وضُوءًا» : «فَإِنَّهُ أنشط للعود» .
(و) قَالَ ابْن حبَان: تفرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَترْجم عَلَيْهِ فَقَالَ: ذكر الْعلَّة الَّتِي من أجلهَا أَمر بِهَذَا الْوضُوء. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا
стр. 1044
اللَّفْظ، إِنَّمَا أَخْرجَاهُ إِلَى قَوْله «فَليَتَوَضَّأ» فَقَط، وَلم يذكرَا فِيهِ «فَإِنَّهُ أنشط للعود» . قلت: قَوْله: «إِنَّمَا أَخْرجَاهُ» إِلَى قَوْله: «فَليَتَوَضَّأ» وهم مِنْهُ؛ فَالْحَدِيث من أَصله من أَفْرَاد مُسلم كَمَا قدمْنَاهُ، ثمَّ قَالَ - أَعنِي الْحَاكِم -: وَهَذِه (لَفْظَة) تفرد بهَا شُعْبَة عَن عَاصِم، والتفرد من مثله مَقْبُول عِنْدهمَا. وَأخرجه أَيْضا ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَترْجم عَلَيْهِ مَا يدل عَلَى النشاط الْمَذْكُور للعود.
(تَنْبِيهَات) : (أَحدهَا) : ثَبت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث (أنس) «أَنه صَلَّى كَانَ يطوف عَلَى نِسَائِهِ بِغسْل وَاحِد» . وَفِي رِوَايَة (البُخَارِيّ) عَن قَتَادَة، عَن أنس «كَانَ ﷺ َ يَدُور عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة من اللَّيْل وَالنَّهَار وَهن إِحْدَى عشرَة. قلت لأنس: أوكان يطيقه؟ قَالَ: كُنَّا (نتحدث) أَنه أعطي قُوَّة ثَلَاثِينَ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ «كَانَ يطوف عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَة الْوَاحِدَة وَله يَوْمئِذٍ تسع نسْوَة» .
وَقَالَ مُجَاهِد - فِيمَا (أسْندهُ) أَبُو نعيم -: «أعطي رَسُول الله ﷺ َ قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا كل رجل من أهل الْجنَّة» . وَثَبت فِي الصَّحِيح «أَن
стр. 1045
طول كل رجل من أهل الْجنَّة سِتُّونَ ذِرَاعا عَلَى قدر آدم» «وَأَن أحدهم يُعطى قُوَّة مائَة رجل فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والشهوة وَالْجِمَاع» فَيحْتَمل أَنه ﷺ َ تَوَضَّأ بَينهمَا وَيحْتَمل أَنه تَركه لبَيَان الْجَوَاز.
وَأما حَدِيث أبي رَافع «أَنه ﵇ طَاف عَلَى نِسَائِهِ ذَات لَيْلَة يغْتَسل عِنْد هَذِه وَعند هَذِه، فَقيل: يَا رَسُول الله، أَلا تَجْعَلهُ غسلا وَاحِدًا؟ فَقَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأطيب وأطهر» .
رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَفِيهِ جوابان: أَحدهمَا: أَنه حَدِيث لَا يَصح. قَالَه ابْن الْقطَّان، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدِيث أنس أصح مِنْهُ.
ثَانِيهمَا: أَنه عَلَى (تَقْدِير) صِحَّته مَحْمُول عَلَى أَنه كَانَ فِي وَقت وَذَاكَ فِي آخر، كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» قَالَ: وَالْحَدِيثَانِ محمولان عَلَى أَنه كَانَ برضاهن إِن قُلْنَا بالأصح، وَقَول الْأَكْثَرين أَن الْقسم كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ فِي الدَّوَام فَإِن الْقسم لَا يجوز (أَن يكون) أقل
стр. 1046
من لَيْلَة لَيْلَة إِلَّا برضاهن.
فَائِدَة: اخْتلف فِي عدد النسْوَة، فَقيل: تسع. كَمَا سلف، وَقيل: إِحْدَى عشرَة. (كَمَا) سلف أَيْضا، وَجمع بَينهمَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِأَن هَذَا كَانَ فِي آخر قدومه الْمَدِينَة، وَالْأول كَانَ فِي (أول) قدومه. قَالَ: وَهَذَا الْفِعْل وَقع مِنْهُ ﷺ َ مرَارًا كَثِيرَة لَا مرّة وَاحِدَة.
وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي كتاب الْقسم من «أَحْكَامه» : الْمَشْهُور عشر نسْوَة معروفات فِي الْقسم: عَائِشَة، وَحَفْصَة، وَأم سَلمَة و (أم) حَبِيبَة، وَسَوْدَة، وَزَيْنَب بنت جحش، وَزَيْنَب بنت خُزَيْمَة، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَجُوَيْرِية بنت الْحَارِث، وَصفِيَّة بنت حييّ. والحادية عشرَة: يجوز أَن تكون إِحْدَى ثَلَاث نسْوَة ثَبت أَنه دخل بِهن: فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك، وعالية بنت ظبْيَان - الكلابيتان - وَرَيْحَانَة بنت شَمْعُون.
التَّنْبِيه الثَّانِي: قد علمت الْحِكْمَة فِي اسْتِحْبَاب الْوضُوء بَينهمَا وَأَنَّهَا (للنشاط) إِلَى الْعود (وَمثله الْغسْل) ، وَنقل ابْن الصّلاح، عَن أبي (عبد الله) الفراوي خلافًا فِي الْحِكْمَة، فَقَالَ: (قيل) للتقذر. وَقيل: لِأَن تَركه يُورث الْعَدَاوَة. وَجزم الرَّافِعِيّ بِالْأولِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَقْصُود مِنْهُ التنظف وَدفع الْأَذَى.
الثَّالِث: عِنْد ابْن حزم مصححًا «فَلَا يعود حَتَّى يتَوَضَّأ» . ثمَّ
стр. 1047
قَالَ: لم نجد لهَذَا الْخَبَر مَا يخصصه وَلَا مَا يُخرجهُ إِلَى النّدب إِلَّا خَبرا ضَعِيفا رَوَاهُ يَحْيَى بن أَيُّوب عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن أبي إِسْحَاق، عَن الْأسود، عَن عَائِشَة «كَانَ النَّبِي ﷺ يُجَامع، ثمَّ (لَا) يعود وَلَا يتَوَضَّأ، وينام وَلَا يغْتَسل» . قَالَ: وبإيجاب الْوضُوء يَقُول عَطاء وَإِبْرَاهِيم وَعِكْرِمَة وَابْن سِيرِين وَالْحسن.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: «يَا رَسُول الله، أيرقد أَحَدنَا وَهُوَ جنب؟ قَالَ: نعم، إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليرقد» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث وَلَده عبد الله (عَنهُ) كَذَلِك، والسياق للْبُخَارِيّ وَزَاد «وَهُوَ جنب» . وَفِي لفظ لمُسلم: « (نعم، ليتوضأ) ثمَّ لينم حَتَّى يغْتَسل إِذا شَاءَ» بعد قَوْله «فليرقد» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» «قَالَ: نعم، وَيتَوَضَّأ إِن شَاءَ» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَقد يرْوَى أَنه قَالَ: «اغسل فرجك وَتَوَضَّأ ثمَّ نم» .
стр. 1048
قلت: مُتَّفق عَلَى صِحَّته أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: «ذكر عمر لرَسُول الله ﷺ َ أَنه (تصيبه) الْجَنَابَة من اللَّيْل، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: تَوَضَّأ واغسل ذكرك ثمَّ نم» فيستغرب إِذن من الرَّافِعِيّ فِي قَوْله: قد يرْوَى فِي حَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
قَوْله ﵇: «تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة، فبلوا الشّعْر وأنقوا الْبشرَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه فِي (سُنَنهمَا) ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتبه الثَّلَاثَة «السّنَن» ، و «الْمعرفَة» ، و «الخلافيات» ، والعقيلي فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁، (كاللفظ الْمَذْكُور) وَلَفظ د، ت: «فَاغْسِلُوا» (بدل «بلوا» ) ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، وَسبب ضعفه أَن مَدَاره عَلَى الْحَارِث بن وجيه، وَيُقَال: ابْن وجيه الرَّاسِبِي الْبَصْرِيّ وَهُوَ لَيْسَ
стр. 1049
بِشَيْء كَمَا قَالَه ابْن معِين وَغَيره، وَقَالَ البُخَارِيّ: فِي حَدِيثه بعض الْمَنَاكِير. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: (حَدِيثه) مُنكر وَهُوَ ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: ينْفَرد بِالْمَنَاكِيرِ عَن الْمَشَاهِير. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» ، عَن أَبِيه: هَذَا حَدِيث مُنكر، والْحَارث ضَعِيف (الحَدِيث) . وَقَالَ الْعقيلِيّ: الْحَارِث هَذَا لَهُ غير حَدِيث مُنكر وَلَا يُتَابع عَلَى هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَله إِسْنَاد آخر فِيهِ لين أَيْضا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إِنَّمَا (رُوِيَ) عَن الْحسن مُرْسلا، وَلَا يَصح مُسْندًا والْحَارث ضَعِيف.
قلت: وَكَذَا أخرجه مُرْسلا أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن فِي كتاب الصَّلَاة، وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت. و (ذكره) بِلَفْظ «بلوا» بدل «اغسلوا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : هُوَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ فِي «سنَنه» : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ مَوْصُولا الْحَارِث بن وجيه، وَقد تكلمُوا فِيهِ. قَالَ: وَسُئِلَ يَحْيَى بن معِين عَنهُ فَقَالَ: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء. قَالَ: وَأنْكرهُ غَيره من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ: البُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُد السجسْتانِي، وَغَيرهمَا. قَالَ: وَإِنَّمَا يرْوَى عَن الْحسن عَن النَّبِي ﷺ َ مُرْسلا، وَعَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا.
قَالَ فِي «الْمعرفَة» و «الخلافيات» : وَلَا يثبت سَماع الْحسن
стр. 1050
من أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث الْحَارِث بن وجيه وَهُوَ شيخ لَيْسَ بِذَاكَ، وَقد رَوَى عَنهُ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة، وَقد تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَن مَالك بن دِينَار. وَكَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : تفرد بِهِ الْحَارِث عَن مَالك مَرْفُوعا، وَإِنَّمَا يرْوَى هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : وروينا هَذَا الحَدِيث أَيْضا عَن عَائِشَة وَأنس مَرْفُوعا بِإِسْنَادَيْنِ لَا يتساويان ذكرهمَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن [عَلّي و] أنس أَيْضا.
قلت: و (فِيهِ) عَن أبي أَيُّوب أَيْضا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عتبَة بن أبي حَكِيم، حَدثنِي طَلْحَة بن نَافِع، حَدثنِي أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: «الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة وَأَدَاء الْأَمَانَة كَفَّارَة لما بَينهمَا. قلت: وَمَا أَدَاء الْأَمَانَة؟ قَالَ: غسل الْجَنَابَة فَإِن تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة» .
عزاهُ إِلَى ابْن مَاجَه ابْن عَسَاكِر فِي «أَطْرَافه» وَكَذَا صَاحب «الإِمَام» ورأيته أَنا فِي نُسْخَة من «سنَنه» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَعتبَة فِيهِ لين، وَكَذَا طَلْحَة وَإِن أخرج لَهُ مُسلم وَالْبُخَارِيّ مَقْرُونا.
стр. 1051
الحَدِيث الْخَامِس عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ فسروا قَول الشَّافِعِي «ثمَّ يغسل مَا بِهِ من الْأَذَى» بِموضع الِاسْتِنْجَاء إِذا كَانَ قد استنجى بِالْحجرِ، وَكَذَا فسروا لفظ الْأَذَى فِي الْخَبَر. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: وَمِنْهُم من فسَّرهُ (فِي كَلَام الشَّافِعِي) وَنَحْوه (مِمَّا) يستقذر. وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ ثَابت فِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي عَلَى الإثر، وَفِي حَدِيث مَيْمُونَة أخرجه البُخَارِيّ عَنْهَا قَالَت: «تَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ َ وضوءه للصَّلَاة غير رجلَيْهِ، وَغسل فرجه وَمَا أَصَابَهُ من الْأَذَى، ثمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ (المَاء) ثمَّ (ينحي) رجلَيْهِ فغسلهما، هَذَا غسله من الْجَنَابَة» .
الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ (إِذا اغْتسل) من الْجَنَابَة بَدَأَ فَغسل يَدَيْهِ، ثمَّ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة، ثمَّ يدْخل أَصَابِعه فِي المَاء فيخلل بهَا أصُول شعره، ثمَّ يفِيض المَاء عَلَى جلده كُله» .
стр. 1052
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن هِشَام بن عُرْوَة (عَن أَبِيه) عَن عَائِشَة بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «أصُول الشّعْر» بدل «أصُول شعره» . وَزَاد «ثمَّ يصب عَلَى رَأسه ثَلَاث غرف بِيَدِهِ» (ثمَّ ذكر الْإِفَاضَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور (فِيهِ) ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ كَذَلِك إِسْنَادًا ومتنًا.
وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة، عَن هِشَام، عَن أَبِيه) ، عَنْهَا قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة يبْدَأ فَيغسل يَدَيْهِ، ثمَّ يفرغ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَاله فَيغسل فرجه، ثمَّ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ يَأْخُذ المَاء فَيدْخل أَصَابِعه فِي أصُول الشّعْر حَتَّى إِذا رَأَى أَن (قد) اسْتَبْرَأَ، حفن عَلَى رَأسه ثَلَاث حفنات، ثمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جسده، ثمَّ غسل رجلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث وَكِيع عَن هِشَام بِهِ « (فَبَدَأَ) فَغسل كفيه ثَلَاثًا» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ من غير حَدِيث مَالك «حَتَّى إِذا ظن (أَنه) قد أروى بَشرته أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاء ثَلَاث مَرَّات» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَنْهَا: « (كَانَ إِذا
стр. 1053
اغْتسل) بَدَأَ بِيَمِينِهِ فصب عَلَيْهَا (من) المَاء فغسلها ثمَّ صب المَاء (عَلَى الْأَذَى) الَّذِي (بِهِ) بِيَمِينِهِ وَغسل عَنهُ بِشمَالِهِ حَتَّى إِذا فرغ من ذَلِك صب عَلَى رَأسه» .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» بعد قَوْله «ثَلَاث حثيات» : «وَأفضل فِي الْإِنَاء فضلا فَصَبَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا فرغ» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَوله فِي آخر الحَدِيث الْمُتَقَدّم «ثمَّ غسل رجلَيْهِ» غَرِيب صَحِيح، حفظه أَبُو مُعَاوِيَة دون غَيره من أَصْحَاب هِشَام من الثِّقَات وَذَلِكَ للتنظيف - إِن شَاءَ الله.
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن مَيْمُونَة ﵂ «أَنَّهَا (وصفت) غسل رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَت: ثمَّ تمضمض واستنشق وَغسل وَجهه وذراعيه، ثمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جسده، ثمَّ تنحى فَغسل رجلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيثهَا قَالَت: «أدنيت لرَسُول الله ﷺ َ غسله من الْجَنَابَة فَغسل كفيه مرَّتَيْنِ أَو
стр. 1054
ثَلَاثًا، ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء، ثمَّ أفرغ بِهِ عَلَى (فرجه) وغسله بِشمَالِهِ، ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ الأَرْض فدلكهما دلكا شَدِيدا، ثمَّ تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ أفرغ عَلَى رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كَفه، ثمَّ غسل سَائِر جسده، ثمَّ تنحى عَن مقَامه ذَلِك فَغسل رجلَيْهِ، ثمَّ أَتَيْته بالمنديل فَرده» .
(قَالَ مُسلم: وَفِي حَدِيث وَكِيع وصف الْوضُوء، فَذكر الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة غير رجلَيْهِ» وَقد أسلفناها فِي الحَدِيث الْخَامِس بِطُولِهَا، وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي صفة (وضوئِهِ) «غسل راسه ثَلَاثًا» .
فَائِدَة: (قَوْلهَا) : «غسله» ضَبطه النَّوَوِيّ فِي «شرح مُسلم» - بِضَم الْغَيْن - قَالَ: (وَهُوَ) المَاء الَّذِي يغسل بِهِ، وَضَبطه ابْن باطيش - بِكَسْرِهَا.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ ﵀: كَمَال الْغسْل يحصل بِأُمُور ...
стр. 1055
فَذكرهَا إِلَى أَن قَالَ: وَالرَّابِع يفِيض المَاء عَلَى رَأسه، ثمَّ عَلَى الشق الْأَيْمن، ثمَّ عَلَى الشق الْأَيْسَر (ورد) كَذَلِك فِي غسل رَسُول الله ﷺ . انْتَهَى.
الَّذِي ألفيته فِي (ذَلِك) حَدِيث عَائِشَة (الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ) «أَنه ﵊ كَانَ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء نَحْو الحِلابِ، فَأخذ بكفه بَدَأَ بشق رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر، ثمَّ أَخذ (بكفيه) فَقَالَ بهما عَلَى رَأسه» . هَذَا لفظ مُسلم وَقَالَ البُخَارِيّ: «فَبَدَأَ» بدل «بَدَأَ» وَقَالَ: «عَلَى وسط رَأسه» بدل «رَأسه» .
وَفِي رِوَايَة لأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي «مستخرجه عَلَى صَحِيح البُخَارِيّ» : «كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء دون الحلاب فَأخذ بكفه فَبَدَأَ بشقه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر، ثمَّ أَخذ (بكفيه) مَاء فأفرغ عَلَى رَأسه» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَنه كَانَ يغْتَسل من حلاب، ثمَّ يصب عَلَى شقّ رَأسه الْأَيْمن، ثمَّ يصب عَلَى شقّ رَأسه الْأَيْسَر، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيصب وسط رَأسه» .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة (من) حَدِيث الْقَاسِم أَنه سمع عَائِشَة تَقول: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يغْتَسل من حلاب فَيَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى
следующие страницы →