Полный текст (2 638 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(١٤٩) وذكر أيضاً من طريق مسلم، حديث عمران بن حصين، في أنه ﵇، سلم سهواً من ثلاث، فقام إليه الخرباق، فذكر الحديث.
وفيه: «ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم».
(١٥٠) قال: وقال أبو داود: «فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم».
هكذا أورده، وقد أثبت بهذا العمل أن سجدتي السهو المفعولتين بعد السلام، يتشهد بعدهما ثم يسلم، وليس حديث أبي داود إذا وقف على نصه كذلك.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ «صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» انتهى حديثه.
وهو معني أبي محمد، وليس فيه أن ذلك بعد السلام.
(١٥١) فلقائل أن يقول: لعل هذا في ترك الجلسة الوسطى، كمروي
стр. 177
ابن بحينة، فاعلم ذلك.
(١٥٢) وذكر أيضاً من عند النسائي حديث علي قال: كان النبي ﷺ إذا زالت الشمس - يعني من مطلعها - قيد رمح أو رمحين - كقدر صلاة العصر مع مغربها - صلى ركعتين، ثم أمهل حتى إذا ارتفع الضحاء، صلى أربع ركعات، ثم أمهل حتى إذا زالت الشمس، صلى أربع ركعات قبل الظهر حتى تزول الشمس، فإذا صلى الظهر صلى بعدها ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات، فذلك ست عشرة ركعة.
ثم قال: هكذا رواه عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.
ورواه حصين بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، وقال: «يجعل التسليم في آخر ركعة» - يعني من الأربع الركعات -.
وخالفه شعبة، فرواه عن أبى إسحاق بهذا الإسناد، وقال: «يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين».
هذا نص ما أورده، وهو مباين للتحرز في النقل، فإنه جعل هذه الروايات
стр. 178
- أعني رواية العرزمي، وحصين، وشعبة، أحكاماً على رواية من ذكر ست عشرة ركعة، فجعل العرزمي روى مثل ذلك، وليس ذلك في حديثه، ولا أيضاً في حديثه بيان التسليم متى هو، فأخذ من حديث حصين، أنه في آخر كل أربع ركعات.
وحديث حصين ليس فيد ذكر الأربع المفعولة قبل العصر، ويجيء من اختصار أبي محمد كأن ذلك فيه، وأعطى حديث حصين أن التسليم في آخر ركعة من الأربع، ولم يعرض للتشهد في وسطهن بنفي ولا إثبات، فأخذه من حديث شعبة، الذي فيه «يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين».
ويتوهم من اختصاره أن ذلك في كل ثنتين من الست عشرة ركعة، وليس الأمر كذلك، بل ما في رواية شعبة أكثر من ثماني ركعات: «ثنتان قبل الظهر، وثنتان بعدها، وأربع قبل العصر».
وإنما عنيت بروايات هؤلاء ما في كتاب النسائي الذي منه نقل، وقد أوهم عنهم خلاف ما ذكر النسائي، فاعلم ذلك.
(١٥٣) وذكر أيضاً من طريق الترمذي، حديث المغيرة بن شعبة في أن
стр. 179
«الطفل يصلي عليه»، ثم قال: زاد أبو داود: «ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» وشك في رفعه.
هكذا ذكره، وهو خطأ، فإنه يفهم منه أنهما اتفقا في ذكر الطفل، وليس كذلك، وليس للطفل عند أبي داود ذكر، وإنما عنده «والسقط يصلي عليه» الحديث، فاعلم ذلك.
(١٥٤) وذكر أيضاً من طريق مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تصوم المرأة، وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له».
وقال أبو داود: «غير رمضان». انتهى ما أورد.
وليس في حديث أبي داود «وما أنفقت … إلى آخره».
(١٥٥) وذكر أيضاً من حديث ابن عباس، من عند الطحاوي، في أن «عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة موقف، وترتفع عن بطن محسر، وشعاب منى كلها منحر».
ثم قال: زاد ابن وهب: «ومن جاز عرفة قبل أن تغيب الشمس، فلا حج له»
\ ثم قال: رواه مرسلاً، ثم ذكر علته.
والمقصود، هو أن تعلم أن المرسل ليس فيه ذكر لمزدلفة، ومنى، وإنما فيه
стр. 180
فضل عرفة فقط، وفيه إخلال آخر، أذكره إذا ذكرت التغيير الواقع في المتون، إن شاء الله تعالى.
(١٥٦) وذكر أيضاً من طريق أبي داود عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي، فليحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
ثم قال: وخرجه مسلم أيضاً.
قال أبو داود: إنما هذا قول ابن عباس [انتهى قول أبي داود.
(١٥٧) وقد صح عن جابر قول النبي ﷺ : «دخلت العمرة في الحج»، ومعناه: إباحة العمرة في أشهر الحج] انتهى ما أورد بنصه
стр. 181
وفيه إخلال، من حيث أفهم أن حديث مسلم كحديث أبي داود، وليس كذلك، فإن حديث أبي داود قد أمكنه فيه أمران، لا يمكنان في حديث مسلم إلا على بعد.
وهما: قول أبي داود - في القطعة التي هي «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» - إنما هو قول ابن عباس.
والآخر: ما تأول هو عليه حديث جابر، من أن معناه، إباحة العمرة في أشهر الحج.
وحديث مسلم يأبى عليه الأمرين، ويعطي أن القطعة التي هي «دخلت العمرة في الحج» من كلام النبي ﷺ ، وأن معناه، فسخ الحج لمن أحرم به في العمرة، كما فعل الصحابة ﵃ بأمره لهم ﵇.
وذلك أن لفظ حديث مسلم، إنما هو هكذا:
«هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي، فليحلل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة».
ففيه أمره لهم بالإحلال، من أجل أن العمرة قد وجب أن تفعل قبل الحج تمتعاً، أو معه، قراناً إلى يوم القيامة.
فأما حديث أبي داود، فإنه باحتماله أن يكون ذلك اللفظ جملة مستقلة مقطوعة مما قبلها، أمكنه فيه ما تأول، وأمكن أبا داود ما أنكر، ويمكن في لفظ حديث أبي داود - أمر آخر، يأباه لفظ حديث مسلم، وهو ما تأولته عليه المالكية، من أنه: بمعنى سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج، كما سقط
стр. 182
عاشوراء برمضان، أي إن الحج قد أغنى عما دونه.
وأبو محمد ﵀ يظهر من أمره أنه إنما عدل عن لفظ حديث مسلم إلى لفظ حديث أبي داود المتسع لمراده، لمذهب ذهب إليه، في أن ما كان من فسخ الحج بالعمرة منسوخ، أو مختص.
وليس هذا من فعل المحدث بصواب، فإنما عليه الأداء، وعلى المتفقه التمييز والبناء.
وحديث مسلم ولفظه، ينبغي أن يكون هو الصحيح، لا حديث أبي داود.
وذلك أن أبا داود، إنما حدث بحديثه عن عثمان بن أبي شيبة، عن غندر عن شعبة.
ومسلم حدث به عن ابن بشار، وابن مثنى، كلاهما عن غندر، عن شعبة.
فالخلاف على غندر: عثمان يقول لفظ حديث أبي داود، وابن المثنى، وابن بشار يقولان لفظ حديث مسلم، ثم رواه مسلم أيضاً كذلك، عن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، فاشتد وترجح.
ويرويه شعبة عندهما جميعاً، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن عباس فاعلمه.
(١٥٨) وذكر أيضاً من طريق أبي داود حديث سعيد بن المسيب في
стр. 183
الأخوين اللذين قال أحدهما للآخر: «إن عدت تسألني قسمة أو غيرها، فكل مالي في رتاج الكعبة» فقال عن عمر بن الخطاب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك».
ثم قال: وروى هذا الحديث أيضاً أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر قصة الأخوين.
كذا أورده، وحديث سعيد، هو من رواية عمرو بن شعيب عنه.
وحديث عمرو هذا، عن أبيه، عن جده، إنما نصه هكذا: «لا نذر فيما يبتغى به وجه الله [تعالى] ولا يمين في قطيعة رحم».
ليس فيه غير هذا، وأبو محمد ﵀ إنما اعتنى منه باليمين في القطيعة، فلم يتحرز في الإيراد، فاعلم ذلك
(١٥٩) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عاصم بن عمر بن حفص بن
стр. 184
عاصم بن عمر بن الخطاب، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الذي يعمل عمل قوم لوط، ارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعاً»
ثم ضعفه بضعف عاصم بن عمر، ثم قال: ومن حديثه ذكره الترمذي.
كذا قال، والترمذي لا ذكر عنده لرجمهما، وإنما فيه عنده «قتلهما» كحديث عمرو بن أبى عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولا أيضاً ذكره بإسناده، وإنما أشار إليه.
ونص ما عنده هو هذا: وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن عمر، عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به».
هذا ما ذكر، ثم ضعفه بضعف عاصم، وسأنبه عليه - إن شاء الله تعالى - في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
(١٦٠) وذكر من طريق أبي داود، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا من ثيابكم البيض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، ينبت الشعر، ويجلو البصر».
(١٦١) زاد الترمذي: «وكان لرسول الله ﷺ مكحلة، يكتحل بها عند
стр. 185
النوم ثلاثاً في كل عين».
كذا أورد هذين الحديثين، جعل حديث الترمذي في شأن المكحلة، طرفاً لحديث ابن عباس الذي ذكره أبو داود، كأنه تضمن من أمر الثياب البياض ما تضمن، وليس كذلك، وإنما هما حديثان بإسنادين مختلفين، ومقتضيين متغايرين، إلا أنهما يتواردان في بعض ما فيهما، وأحدهما صحيح، والآخر ضعيف، وسكت عنهما سكوتاً واحداً.
وأما حديث ابن عباس، فقد سمعت نصه الآن وأما إسناده فهو هذا: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا عبد الله بن عثمان ابن خيثم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وأما حديث الترمذي فقال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن خير ما تداويتم [به] اللدود، والسعوط، والحجامة، والمشي، وخير ما اكتحلتم به الإثمد يجلو البصر، وينبت الشعر. وكان لرسول الله ﷺ مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثاً في كل عين».
قال فيه: حسن غريب.
وسيأتي تضعيف عباد بن منصور وما له فيه، عندما أذكر ما سكت عنه من أحاديثه إن شاء الله تعالى
стр. 186
ولم أتتبع هذا الباب حق تتبعه، لأنه قد يعذره فيما فيه من يعلم مقصوده من الأحاديث، ولم أر إخلاء هذا الكتاب من التنبيه على هذا النوع، فلذلك ذكرت منه هذا الذي وجدت، غير متتبع له بالقصد، فاعلم ذلك
стр. 187
(٦) باب ذكر أشياء متفرقة، تغيرت في نقله أو بعده عما هي عليه
стр. 188
الذي تقدم في الباب قبل هذا من الأحاديث، كان التغيير فيها بعطف بعضها على بعض، أو إرداف بعضها بعضاً، بحيث توهم المشاركة، وهذه التي أذكر في هذا الباب ليست كذلك، وهي تريك المقصود، وقد مر منها ما نبهت عليه في باب ذكر الزيادة في الأسانيد، في حديث سمرة: «كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه» جعله من جملة أحاديث التسليمة الواحدة، وثبت أنه ليس منها، لأنه أكمل مما أورده.
ومنها: «والزيت بالزيت». في حديث ابن عمر، وإنما هو: «الزبيب بالزبيب».
وهذا لا أعده عليه، فلعله تغير بعده، أو في بعض النسخ، ومنها في شهود الرضاع: «قال: رجل وامرأة»، وإنما هو «أو امرأة».
وقد تقدم في باب النقص في الأسانيد.
(١٦٢) ومنها أنه ذكر من طريق أبي داود حديث أبي بكرة أنه ﵇، «كان إذا جاءه أمر سرور، أو بشر به خر ساجداً لله».
كذا هو في النسخ، وهو عند أبي داود «خر ساجداً، شاكراً لله».
وسأذكره في باب الأحاديث التي أعلها بما ليس بعلة، وترك ما هو لها علة
стр. 189
(١٦٣) وذكر حديث سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ قال: «الصدقة على المسكين صلة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة».
كذا رأيته في النسخ، وصوابه: «الصدقة على المسكين صدقة»، كذلك هو في كتاب الترمذي، الذي نقله من عنده.
(١٦٤) وذكر من طريق أبي أحمد حديث جابر «ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة».
وفيه «ما أنفق الرجل من نفقة، فعلى الله خلفها، إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية».
وسقط له لفظ «ضامناً» وهو هكذا في الموضع الذي نقله منه، «فعلى الله خلفها، ضامناً، إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية».
(١٦٥) وذكر من طريق الترمذي حديث أبي هريرة «إذا بقي [النصف
стр. 190
من شعبان فأمسكوا».
وليس لفظه عند الترمذي هكذا، بل هكذا: «إذا بقي] نصف من شعبان فلا تصوموا».
وبينهما فرق بين، فإن الذي أورد هو من قوله: «فأمسكوا» نهى لمن كان صائماً [عن التمادي ولفظ الخبر الواقع عند الترمذي نهى لمن كان صائماً] ولمن لم يكن صائماً عن الصوم بعد النصف
ولفظ «فأمسكوا» الذي ذكر، هو لفظ يرويه وكيع، عن أبي العميس، عن العلاء.
وروى محمد بن ربيعة، عن أبي العميس، عن العلاء في هذا الحديث «فكفوا» ذكره النسائي، وهو أدل على مقصوده، وهو صحيح.
(١٦٦) وذكر من طريق الدارقطني، من رواية جابر، أن النبي ﷺ قال: «من أفطر يوماً من شهر رمضان، فليهد بدنة».
وسقط له «في الحضر»، وهو كذلك في كتاب الدارقطني.
(١٦٧) وذكر من طريق مسلم حديث عبد الله بن أنيس، في ليلة القدر، فيه «فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته»
стр. 191
كذا في النسخ، والحديث في كتاب مسلم، فيه «على جبهته وأنفه» وسقوطه فساد، فإن ثبوته يعطي أن السجود عليهما، وأن الأنف لا يمسح في الصلاة، كالجبهة.
(١٦٨) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت بيوم الأضحى عيداً، جعله الله لهذه الأمة» فقال رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أهلي أفأضحي بها؟ قال: «لا، ولكن تأخذ من شعرك وتحلق عانتك، فتلك تمام أضحيتك عند الله ».
كذا وقع عنده هذا الحديث، وقد سقط منه، وإنما عند أبي داود: «تأخذ من شعرك وأظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك».
وكذا وقع أيضاً عنده «منيحة أهلي» وإنما عند أبي داود: «منيحة ابني».
(١٦٩) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عبد الله بن نافع، مولى ابن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ : يضحي بالجزور، وبالكبش إن لم تكن جزور، وإن رسول الله ﷺ قال: «في الركاز الخمس العشر»
стр. 192
عبد الله بن نافع ضعيف.
هذا اللفظ وجدته هكذا في نسخ، ولعله أن يوجد في بعضها على الصواب، وأراه كان قد وقع أحد اللفظين، إما الخمس، وإما العشر، ووقع الآخر في الحاشية بدلاً منه، فجمعهما ناسخ معاً، فجاء منه تخليط.
وصوابه: «وفي الركاز العشور»، جمع عشر وكذلك وقع في رواية عبد الله بن نافع هذا، والمعروف: «في الركاز الخمس» ولكن في حديث أبي هريرة.
وإذا أردت تصحيح لفظ حديث عبد الله بن نافع هذا، فإنما هو كما أخبرتك، وكذلك هو في الموضع الذي نقله منه في غيره.
قال أبو أحمد: حدثنا ابن أبي حسان، قال: حدثنا دحيم، قال: حدثنا ابن أبي فديك قال: حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يضحي بالجزور وبالكبش إذا لم تكن جزور، وإن رسول الله ﷺ قال: «في الركاز العشور».
وقال بقي بن مخلد: حدثنا دحيم، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: نبأني ابن نافع، عن أبيه، أن ابن عمر حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: «في الركاز العشر».
هذا صواب اللفظ المذكور فاعلم ذلك
стр. 193
(١٧٠) وذكر أيضاً من طريق ابن وهب «ومن جاز عرفة قبل غروب الشمس، فلا حج له».
وقد ذكر ته فيما تقدم، وأريد الآن منه، بيان أمر آخر، وذلك أنه إنما نقله بالمعنى، والنقل بالمعنى، شرط جوازه، الوفاء بالمقصود، ذلك أن لفظ الخبر عند ابن وهب، إنما هو: «فعليه حج قابل»: فنقله هو «فلا حج له».
وبلا شك أن الحج لا يتكرر وجوبه.
فإذا عرفنا أنه عليه الحج من قابل، فقد عرفنا أنه لم يحج قبل، فمن ها هنا رأى أنه قد وفى المعنى حقه.
وأقول: إنه بقي عليه أمر آخر، وذلك أن لفظ الخبر، يمكن أن يستفاد منه وجوب التعجيل في أول سني الإمكان، زيادة على الوجوب، حتى يكون من فسد حجه يجب عليه المجيء من قابل حاجاً، ولا يجوز له التراخي، ولو كنا نقول: إن الحج في الأصل على التراخي، واللفظ الذي نقله هو به، لا يعطي ذلك.
فإن قلت: وهذا الذي زعمت أنه يستفاد منه، لا يعرف قائل به.
أجبت بأنه لا يلزمني أن أجد به قائلاً، بل يكفي انقداحه فيما أردت من وجوب الإتيان بلفظ يؤديه للمتفقه، ثم يتركه بدليل إن دل، أو يقول به إن لم يكن هناك ما يأبى عليه القول به
стр. 194
وللحديث شأن آخر، سأذكره به في باب الأحاديث التي ضعفها بذكر رجال، وترك مثلهم أو أضعف، وهناك أذكر الخبر بإسناده ولفظه، إن شاء الله تعالى.
(١٧١) وذكر أيضاً من المراسل، عن يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم، أن رجلا من جذام جامع امرأته، وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ فقال لهما: «اقضيا نسككما، واهديا هدياً، ثم ارجعا حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فتفرقا ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، فأحرما، وإتما نسككما، واهديا».
كذا وجدته فيما رأيت فيه من النسخ، والإخلال فيه إما في الأمر بالتفرق في الرجوع وإما في الأمر بالتفرق في العودة، والذي وقع في المراسل هو هذا:
حدثنا أبو توبة، قال: حدثنا معاوية - يعنى ابن سلام عن يحيى، قال: انبأني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم - شك أبو توبة - أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فساله الرجل رسول الله ﷺ فقال لهما: «اقضيا نسككما، واهديا هدياً، ثم ارجعا حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، تفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وأتما نسككما، وأهديا».
стр. 195
هذا نص ما في المراسل وإنما فيه الأمر بالتفرق في الرجوع لا في العودة، وقد يروي على غير هذا الوجه.
قال ابن وهب في موطئه: أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب أن رجلاً من جذام، جامع امرأته - وهما محرمان - فسأل الرجل رسول الله ﷺ ، فقال لهما: «أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، فأقبلا، حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتما نسككما وأهديا».
فهذا الحديث يفسر ما أمرا به، وهو أن يتفرقا في العودة، فأما الأول فغير بين، ولا سيما على سياق ابي محمد، وكلاهما لا يصح، وأما هذا فأمره بين بابن لهيعة، وأما الأول فزيد بن نعيم مجهول، ويزيد بن نعيم ثقة، ولم يعرف عمن هو منهما، فهو لا يصح.
(١٧٢) وذكر أيضاً من طريق الدارقطني، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فهو ضامن».
ثم قال: في إسناده السري بن إسماعيل، وهو متروك الحديث
стр. 196
كذا أورده، ونصه في الموضع الذي نقله منه هكذا: «من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيد أو رجل، فهو ضامن» فلا أدري، أسقطه؟ أم سقط له، أم للرواة بعده، وأقل ما فيه، التسوية بين اليد والرجل.
(١٧٣) وذكر أيضاً من كتاب مسلم، حديث أنس «وقت لنا في قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة».
كذا أورده، وكذلك ألفيته في النسخ، ونقصه منه «تقليم الأضافر» بين قص الشارب، ونتف الإبط كذلك هو في كتاب مسلم.
(١٧٤) وذكر من طريق النسائي عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم».
كذا وقع في النسخ، وإنما هو [عند] النسائي: «لا تقولوا للمنافق سيد».
(١٧٥) وذكر أيضاً من طريق ابن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن إسرائيل،
стр. 197
ومن طريق أبي كريب عن مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن حمزة، عن شقيق بن سلمة، قال: رأيت عثمان يتوضأ، فذكر الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنثار.
قال موسى بن هارون: هو عندنا وهم.
وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل بهذا الإسناد، فبدأ فيه بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه.
وتابع عبد الرحمن بن مهدي على هذا أبو غسان: مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، وهو الصواب.
وذكر الحديث والتعليل أبو الحسن الدارقطني. انتهى ما أورد بنصه.
وهو موهم أن الحديث المذكور من رواية ابن نمير ومصعب بن المقدام، عن إسرائيل، بتقديم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق بحيث لا يحتمل.
[وأن رواية ابن مهدي له عن إسرائيل بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، بحيث لا يحتمل].
والأمر ليس كذلك، وما الحديث في كتاب الدارقطني، من رواية المذكورين: مصعب، وابن نمير، عن إسرائيل إلا هكذا:
«رأيت عثمان يتوضأ، فغسل يديه ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ومضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً» الحديث.
[ورواية] ابن مهدي عن إسرائيل هكذا: «فغسل كفيه ثلاثاً، ومضمض، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه»
стр. 198
فما في هذا ما يتناقض، إذ هو بالواو، وهي لا ترتب، ولا يخرج من هذا تقديم مضمضة على غسل وجه.
وهبه أنه ذهب إلى أن الواو [ترتب، لم يكن] ينبغي له، من حيث هو محدث، أن يسوي الألفاظ على مذهبه، وإنما عليه نقلها كما هي، لينظر فيها من تنتهي إليه.
وإن جاز له النقل بالمعنى، فبشرط مرادفة اللفظ الذي يأتي به للذي يترك ولا بد.
وما أوقعه في هذا، إلا تقليد موسى بن هارون الحمال فيما ذكر عنه، فلو قال في اختصاره: فذكر الابتداء بغسل الوجه، قبل المضمضة والاستنشاق بالواو، كان صواباً.
(١٧٦) وتأخير المضمضة والاستنشاق إلى ما بعد غسل الوجه والذراعين بحيث لا يحتمل، إنما أعرفه من حديث المقدام بن معدي كرب، إلا أنه من رواية من لا تعرف حاله، وهو عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، ذكر الحديث بذلك أبو داود، فاعلمه.
(١٧٧) وذكر من طريق مسلم، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض في الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت»
стр. 199
ثم قال: لم يصله مسلم، ووصله أبو بكر البزار، هذا نص ما ذكر.
وهو خطأ، فإن مقتضى هذا الحديث هكذا، أن الثانية لا يسكت فيها قبل القراءة، كما يسكت في الأولى التي قبلها، وهذا شيء لم يذكره مسلم لا موصولاً ولا مقطوعاً، وإنما ذكره البزار موصولاً.
فأما مسلم، فإنه أورد الحديث منقطعاً، ولفظه عنده: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية، استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت»
هذا نص حديثه، فإنما مقتضاه أنه إذا استوى قائماً في الثالثة، لم يسكت في ابتداء هاتين الركعتين الأخيرتين، كما سكت في ابتداء الأوليين.
وسيأتي أم انقطاعه واتصاله، في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة، إن شاء الله تعالى.
(١٧٨) وذكر أيضاً من عند ابي أحمد في غسل الجمعة، حديث أنس،
стр. 200
أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «اغتسلوا يوم الجمعة، ولو كانت بدينار».
ثم رده بضعف راويه: حفص بن عمر الأيلي.
كذا رأيته في نسخ، وأراه تصحيفاً من الرواة، وإنما هو في كتاب أبي أحمد: «ولو كأساً بدينار».
قال أبو أحمد: حدثنا الحسن بن يونس بن سعيد بن وهب - يلقب عجرة - بمصر قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو إسماعيل الأيلي - هو حفص ابن عمر - قال حدثنا عبد الله بن المثنى عن عميه النضر وموسى، ابني أنس بن مالك، عن أبيهما أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال لأصحابه ﵃: «اغتسلوا يوم الجمعة، ولو كأساً بدينار».
(١٧٩) وذكر أيضاً في باب التيمم من كتاب الطهارة، من طريق العقيلي، عن صالح بن بيان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن جده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «يمسح المتيمم هكذا - ووصف صالح، من وسط رأسه إلى جبهته -».
ثم قال: محمد، هو ابن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ولا يعرف بالنقل وحديثه غير محفوظ
стр. 201
هذا نص ما أورد، وهو خطأ وتصحيف من عمله، وحققه عليه إدخاله إياه في التيمم، ولقد كان زاجراً عن ذلك انه لم يسمع قط، لا في رواية ولا في رأي، بمسح الرأس في التيمم.
وليس لقائل أن يقول: لعله تصحف للعقيلي الذي نقله من عنده، فإن العقيلي إنما يترجم بأسماء الرجال، ويذكر في أبوابهم بعض ما ينكر عليهم من الأحاديث، أو كل ما رووا من ذلك، بحسب إقلالهم وإكثارهم، كما يفعل الساجي، وأبو أحمد، وغيرهما، فهو إذن لم يقيد بباب، ولا أدخله من الفقه في كتاب
وإلى هذا فإن الأمر فيه بين، لا عند العقيلي ولا عند غيره ممن ذكره، ولو قرأ آخر الحديث تبين له سوء نقله.
قال العقيلي - في باب محمد بن سليمان -: حدثنا محمد بن علي المروزي، قال: حدثنا محمد بن مرزوق، قال: حدثنا صالح الناجي، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن علي، أمير البصرة، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «يمسح اليتيم هكذا». ووصف صالح من وسط رٍأسه إلى جبهته.
«ومن له أب فهكذا». ووصف صالح من جبهته إلى وسط رأسه.
قال العقيلي - في محمد بن سليمان -: «ليس يعرف بالنقل، وحديثه غير محفوظ، لا يعرف إلا به» يعني هذا الحديث.
فالحديث - كما ترى - إنما جاء في مسح رأس اليتيم ومن له أب على معنى التحنن والشفقة، وقد ذكره غير العقيلي كذلك
стр. 202
قال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق بن بكير، قال حدثنا صالح الناجي، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «اليتيم يمسح رأسه هكذا»، ووصف صالح أنه وضع كفه وسط رأسه، ثم أحدرها إلى مقدمه، أو إلى جبهته
«ومن كن له أب هكذا»، ووصف أنه وضع كفه على مقدم رأسه مما يلي جبهته، ثم اصعدها إلى وسط رٍأه.
قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم له إسناداً غير هذا الإسناد، ولم يشارك محمد بن سليمان في هذه الرواية أحد، وكان أميراً بالبصرة.
والحديث إنما كتبناه على ما فيه، لأنا لم نحفظه عن رسول الله ﷺ إلا من هذا الوجه فلذلك ذكرناه.
انتهى كلام البزار.
وقد رواه عن صالح الناجي غير محمد بن مرزوق.
قال أبو بكر بن ثابت الخطيب، في كتاب تاريخ بغداد: حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن إسماعيل المستملي، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا العباس بن أبي طالب، حدثنا سلمة بن حيان العتكي، حدثنا صالح الناجي، قال: كنت عند محمد بن سليمان - أمير البصرة - فقال: أخبرني أبي عن جدي الأكبر - يعني ابن عباس - أن النبي ﷺ قال: «امسح رأس اليتيم هكذا إلى مقدم رأسه، ومن له أب هكذا إلى مؤخر رأسه».
كذا وقع في هذا الإسناد في النسخة في تاريخ الخطيب، وأظن أنه سقط
стр. 203
منه لفظ «عن جدي» قبل قوله: «عن جدي الأكبر».
قال الخطيب: «محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أخو جعفر، وإسحاق، وكان عظيم أهله، وجليل رهطه، ولي إمارة البصرة في عهد المهدي، ثم قدم بغداد على الرشيد لما أفضت إليه الهلافة، فأخبرني أبو القاسم الأزهري، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: ولما بويع الرشيد بالخلافة، قدم عليه محمد ابن سليمان وافداً، فأكرمه وأعظمه وصنع به ما لم يصنع بأحد وزاده فيما كان يتولاه من أعمال البصرة كور دجلة والأعمال المفردة، والبحرين، والغوص، وعمان، واليمامة، وكور الأهواز، وكور فارس، ولم يجمع هذا لأحد غيره، فلما أراد الخروج، شيعه الرشيد إلى كلواذا وقد روى محمد بن سليمان [عن أبيه] حدثنا مسنداً، ولا يحفظ له غيره، فذكر ما تقدم.
ثم قال: أنبأني الأزهري، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن عرفة، قال: ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين - يعني ومائة - ففيها توفي محمد بن سليمان، وسنه إحدى وخمسون سنة، خمسة اشهر، وأمر الرشيد بقبض أمواله، فأخذ له ودائع وأموالاً من منزله، فكانت نيفاً وخمسين ألفَ ألفِ ألف درهم»
стр. 204
وقد انتهيت بما كتبت من هذا كله إلى المقصود، وهو بيان تصحيفه اللفظة المذكورة تصحيفاً محققاً، بإدخاله إياها في كتاب الطهارة بين أحاديث التيمم، وإنما هو «اليتيم».
وقد كتبته أيضاً في باب الأحاديث التي أعلها بشيء، وترك مثله أو أشد منه، فاعلم ذلك والله الموفق.
(١٨٠) وذكر في الأشربة، من طريق الدارقطني عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال في إهاب الميتة: «إن دباغه يحل كما يحل خمر الخل» ثم ضعفه.
كذا ذكره، ورأيته كذلك في نسخ، وصوابه الذي هو عليه في كتاب الدارقطني «كما يحل خل الخمر».
(١٨١) وذكر ايضاً من طريق الترمذي عن عائشة أن النبي ﷺ : «كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن شيئاً»
стр. 205
ثم قال: هذا يرويه زهير بن محمد، قال أبو عمر: حديث زهير بن محمد في التسليمتين لا يصح مرفوعاً، وزهير ضعفه ابن معين وغيره في التسليمتين.
وحديث ابن مسعود في التسليمتين صحيح.
هكذا وقع، وتكرر في النسخ الخطأ في قوله: «حديث زهير في التسليمتين» وليس كذلك، وهو فاسد من قبل أبي عمر، أو مفسد من قبل أبي محمد، أو من روى عنه، وهو غالب الظن.
فإن أبا عمر إنما ذكر الأحاديث بالتسليمة الواحدة هكذا: روي عن النبي ﷺ أنه: «كان يسلم تسليمة واحدة» من حديث سعد، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس.
ثم أعلها، فكان من ذلك قوله: وأما حديث عائشة: «أنه كان يسلم تسليمة واحدة»، فلم يرفعه إلا زهير بن محمد وحده، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة.
وزهير بن محمد، ضعيف عند الجميع، كثير الخطأ، لا يحتج به، وذكر ليحيى بن سعيد هذا الحديث، فقال: عمرو بن أبي سلمة، وزهير، ضعيفان، لا حجة فيهما.
هذا نص كلام أبي عمر وهو لم ينسب فيه لزهير بن محمد إلا حديث التسليمة الواحدة، وذلك معروف مشهور، فنسبة التسليمتين إليه خطأ فينبغي أن يكون الكلام المذكور هكذا:
стр. 206
حديث زهير في التسليمة، لا يصح مرفوعاً، وزهير ضعفه ابن معين وغيره في التسليمة.
وفي كلام أبي عمر حمل على زهير، وعمرو بن أبي سلمة بفوق ما يستحقان، وليس كذلك عند أهل العلم بهما.
وليس هذا موضع بيانه، فإني لم أقصد تصحيح كلام أبي عمر والمعروف لابن معين توثيق زهير.
وقد اضطرب أبو محمد في أمره، فإنه إن كان هو عنده من المضعف في هذا الخبر، فما باله سكت عن هذا الحديث.
(١٨٢) «إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدق» الحديث.
وهو من رواية زهير ولم ينبه على أنه من روايته.
(١٨٣) وذكر حديث: «لا يتجردا تجرد العيرين» - يعني عند الجماع
стр. 207
وعرض من إسناده لصدقة بن عبد الله، ولم يعرض لزهير.
وفي أحاديث أخر، أتبعها تضعيفاً أقل من هذا الذي هنا، فقال - إثر حديث:
(١٨٤) «اتركوا الترك ما تركوكم» - زهير سييء الحفظ، وإثر حديث:
(١٨٥) «إذا ادعت المرأة طلاق زوجها»: زهير ليس بالحافظ ولا يحتج به.
وليس هذا مما قصدت بيانه في هذا الباب، ولكنه انجر
стр. 208
(١٨٦) وذكر حديث علي وعمار، في التكبير من غداة عرفة، إلى عصر آخر أيام التشريق ثم قال: إنه ضعيف، وأعله بجابر الجعفي، ثم قال: واختلف عليه فيه.
وهذا ليس بشيء، وما اختلف إلا على راويه عنه، وهو عمرو بن شمر وقد أخرت بيان هذا إلى باب الأحاديث التي ضعفها بقوم، وترك من هو متهم أو أضعف.
لأن هذه المؤاخذة التي نبهت عليها الآن، هي صناعية، وقد يخرج كلامه على غيرها، فلذلك أخرت الكلام إلى موضع هو أولى بذكر الحديث فيه من هذا.
(١٨٧) وذكر من حديث ابن عباس: «موت الغريب شهادة»
وأتبعه أن الدارقطني ذكره وصححه.
وهو لم يفعل، وإنما تغير هذا في نقله.
وقد بينت هذا في باب الأحاديث التي أتبعها كلاماً يقتضي ظاهره تصحيحها وليست بصحيحة.
(١٨٨) وذكر من طريق الترمذي عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن
стр. 209
مسعود، عن النبي ﷺ : «في ثلاثين من البقر تبيع» الحديث.
ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وقد وصله خصيف، عن أبي عبيدة عن أمه، عن عبد الله، والذي رواه مقطوعاً أحفظ.
كذا وقع هذا الكلام منه، وهو خطأ وتغيير للواقع في كتاب الترمذي، فإنه يفهم منه أن الموصول من رواية خصيف، والمقطوع من غير روايته، وليس كذلك، وما رواه في الحالين إلا خصيف، ولكنه اختلف عليه، فعبد السلام بن حرب - وهو حافظ - لا يذكر عن أمه ويجعله مقطوعاً، وشريك - وهو ممن ساء حفظه - يذكر «عن أمه» فيجعله موصولاً، وكلاهما يرويه عن خصيف عن أبي عبيدة.
(١٨٩) وذكر أيضاً من طريق الترمذي، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر به» الحديث
стр. 210
ثم قال: قال أبو عيسى: إنما روي من هذا الوجه، وفي إسناده مقال.
ثم قال هو من عنده: المقال الذي في إسناده أنه رواه المثنى بن الصباح، والمثنى ضعيف لا يحتج به.
كذا أورد هذا الموضع، جعل ما قال الترمذي هو «في إسناده مقال» ثم أخذ هو في تفسير المقال.
والواقع في كتاب الترمذي نصه. «وإنما روي هذا الحديث من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث».
(١٩٠) وذكر حديث: «من كان عليه قضاء من رمضان، فليسرده ولا يقطعه».
ثم أتبعه أن أبا حاتم أنكره على عبد الرحمن بن إبراهيم القاص.
وليس كذلك، وأبو حاتم لم يعينه، وإنما أنكر عليه حديثاً رواه عن العلاء، وهذا وإن كان عن العلاء، فلعله إنما عنى أبو حاتم غيره، فقد قالوا: كان عنده عن العلاء كراسة، والرجل ثقة.
وقد بينت هذا في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة، أو حسنة.
(١٩١) وذكر من طريق مسلم عن يعلى بن أمية، حديث الرجل الذي
стр. 211
أحرم بالعمرة، وهو في جبة. فلما فرغ منه قال:
وفي طريق أخرى: «عليه جبة، متضمخ بطيب».
وفي أخرى: «عليه (جبة) بها أثر من خلوق».
وفي أخرى: فقال النبي ﷺ : «أما الطيب فاغسله ثلاث مرات».
كذا أورد هذا الموضع، وهو خطأ، فإنه يعطي بتصريح أن الطريق التي روى بها قوله: «عليه جبة، متضمخ بطيب» غير الطريق التي روي بها قوله: «أما الطيب فاغسله ثلاث مرات»، وليس كذلك، وإنما هو عند مسلم حديث [واحد] وليس عنده الأمر بغسل الطيب ثلاث مرات، إلا في الحديث المذكور.
والذي اعتراه في هذا، هو عكس ما اعتراه في الباب الذي تقدم ذكره: من إيراد أحاديث أو زيادات في أحاديث، مردفه أحاديث رواة، كأنها عنهم وليست عنهم، أو في مواضع، أو في قصص.
وهاهنا اعتراه عكس ذلك، أتى بكلام أوهم في شيئين هما في حديث واحد، أنهما في حديثين، وليس الأمر كذلك فاعلمه.
(١٩٢) وذكر حديث: «من أهل بعمرة أو حجة من المسجد الأقصى».
ثم قال: قال أبو حاتم: يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، شيخ من شيوخ أهل المدينة ليس بالمشهور ممن يحتج به.
كذا ذكر عن ابي حاتم، وليس عنده من أين ينقل كلامه إلا من كتاب ابنه
стр. 212
أبي محمد، ولم يذكر عنه لفظة: «ممن يحتج به».
وهذا الحديث قد كتبناه في باب الأحاديث التي ضعفها بقوم، وترك أمثالهم أو أشد منهم.
(١٩٣) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عمر، عن النبي ﷺ «في طلاق الأمة وعدتها».
ثم قال: تفرد به عمر بن شبيب، الصحيح أنه من قول ابن عمر.
ثم قال: كذا قال - يعني الدارقطني - في عمر بن شبيب، يحيى بن معين يقول فيه: ليس بثقة، وضعفه أبو زرعة وأبو حاتم.
كذا وقع هذا الفصل له، وفيه تغيير، وذلك يعطي، أن الدارقطني سالم عمر بن شبيب، فرد هو مسالمته إياه، بأن بين أنه ضعيف عند من ذكر.
وليس الأمر كذلك في كتاب الدارقطني، بل هكذا: «تفرد به عمر بن شبيب مرفوعاً، وكان ضعيفاً، والصحيح عن ابن عمر ما رواه سالم ونافع من قوله».
فسقط لأبي محمد قوله: «وكان ضعيفاً»
стр. 213
(١٩٤) وذكر أيضاً من طريق أبي داود حديث علي: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً» الحديث.
ثم رده بأن قال: يرويه حنش بن المعتمر - ويقال: ابن ربيعة - عن علي، وكان رجلاً صالحاً وفي حديثه ضعف.
كذا قال هنا من عنده.
(١٩٥) ثم ذكر في الديات، حديث الذي وقع في البئر، ووقع بتعلقه فوقه ثلاثة، فقضى علي ﵁ بدية، ونصف دية، وثلث دية، وربع دية … الحديث.
ثم قال بإثره فيه: قال أبو حاتم: «كان عبداً صالحاً، ولا أراهم يحتجون بحديثه».
فعزا ذلك - كما ترى - إلى أبي حاتم، وأبو حاتم إنما سأله ابنه عنه فقال: «هو عندي صالح»، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: «ليس أراهم يحتجون
стр. 214
بحديثه».
هذا نص ما ذكر ابنه عنه، فمعنى: «هو عندي صالح» أي في الحديث، وهو لفظ متعارف منه ومن غيره، وأراه تصحف له «عندي» بعبد، فاعلم ذلك.
(١٩٦) وذكر في الطهارة حديث عائشة: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه» الحديث.
من رواية إبراهيم بن يزيد النخعي عنها، ثم أتبعه أن قال: قال العباس الدوري: لم يسمع إبراهيم بن يزيد النخعي من عائشة، ومراسله صحيحة.
(١٩٧) إلا حديث تاجر البحرين.
كذا ذكر هذا الكلام عن عباس الدوري، والقول بأن مراسله صحيحة إلا حديث تاجر البحرين، إنما حكاه الدوري في كتابه عن ابن معين، فاعلم ذلك
стр. 215
(
(١٩٨) وذكر أيضاً من طريق الدارقطني، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رجلاً قتل عبده متعمداً، «فجلده النبي ﷺ مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة».
ثم قال: في إسناده إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف في غير الشاميين وهذا الإسناد حجازي.
كذا هو عنده، وأخاف أن يكون تغير «شامي» «بحجازي» غلطاً.
على أنه لو كان قال: هذا الإسناد شامي، لكان قوله: إسماعيل بن عياش لا باس به في الشاميين، فلما قال: إسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، انتظم معه قوله: وهذا الإسناد حجازي
وبعد هذا، فاعلم أن إسناد هذا الحديث شامي لا حجازي.
قال الدارقطني: حدثنا الحسين بن الحسن بن الصابوني الأنطاكي، قاضي الثغور، حدثنا محمد بن الحكم الرملي، حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، «أن رجلاً قتل عبده عمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقد به، وأمره أن يعتق رقبة»
следующие страницы →