← Сира

Сира · id 592

صحيح السيرة النبوية - الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (232 стр.). Показаны 211–232 · переход к 216.

стр. 211

قال: فكفوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلي فيه، وكان رجلًا رقيقًا؛ إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء؛ يعجبون لما يرون من هيئته. قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدَّغنة، فقالوا: يا ابن الدَّغنة! إنك لم تُجِر هذا الرجل ليؤذينا! إنه رجل إذا صلى وقرأ يرقّ وكانت له هيئة، ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدَّغِنَة إليه فقال: يا أبا بكر! إني لم أجرك لتؤذي قومك، وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه. قال: فاردد عليّ جواري. قال: قد رددته عليك. قال: فقام ابن الدَّغنة فقال: يا معشر قريش! إن ابن أبي قحافة قد رد عليّ جواري، فشأنكم بصاحبكم (١). وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث منفردًا به (٢)، وفيه زيادة حسنة،

стр. 212

أخرجه عن عُقيل: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ (بَرك الغِماد) (١) لقيه ابن الدَّغنة، وهو سيد (القارة) (٢)، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدَّغنة: فإن مثلك يا أبا بكر! لا يَخْرُجُ، ولا يُخْرَجُ مِثْلُهُ، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتخرجون رجلًا يُكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويَقْرِي الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغِنة، وقالوا لابن الدَّغِنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصلَّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يَفْتِنَ نساءنا وأبناءنا. فقال ابن الدَّغِنة ذلك لأبي بكر.

стр. 213

فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدأ بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف [عليه] (١) نساء المشركين وأبناؤهم؛ يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءًا لا يملك عينه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك؛ فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا، فانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك؛ فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغِنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أُخفرتُ في رجل عقدتُ له. فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه . ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر ﵁ مع رسول اللَّه ﷺ ؛ كما سيأتي مبسوطًا.

стр. 214

فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق ﵀ قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة بدون إسناد. وكان سيدًا مطاعًا شريفًا في (دَوْس)، وكان قد قدم (مكة)، فاجتمع به أشراف قريش، وحذروه عن رسول اللَّه ﷺ ، ونهوه أن يجتمع به، أو يسمع كلامه. روى الإمام أحمد والبخاري (١) عن أبي هريرة قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول اللَّه ﷺ قال: إن دوسًا قد استعصت [وأبت، فادع اللَّه عليهم. فاستقبل رسول اللَّه ﷺ القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا]، قال: "اللهم! اهد دوسًا، وائت بهم، [اللهم! اهد دوسًا، وائت بهم] ".

стр. 215

قصة مصارعة ركانة روى أبو داود والترمذي (١) عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه: أن ركانة صارع النبي- ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ . وقال الترمذي: "غريب". قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄: أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات؛ كل مرة على مائةٍ من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد! ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه. فقام عنه رسول اللَّه ﷺ ، ورد عليه غنمه. * * *

стр. 216

قال ابن إسحاق (١): وكان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه: خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية، وصهيب، وأشباههم من المسلمين؛ هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون! أهؤلاء مَنَّ اللَّه عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق؟! لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم اللَّه به دوننا! فأنزل اللَّه فيهم: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٤]. قال (٢): وكان رسول اللَّه ﷺ كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له: جبر؛ عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون: واللَّه؛ ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر.

стр. 217

فأنزل اللَّه تعالى في ذلك من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. ثم ذكر (١) نزول سورة (الكوثر) في العاص بن وائل حين قال عن رسول اللَّه ﷺ : إنه أبتر. أي: لا عقب له؛ فإذا مات انقطع ذِكْره، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. أي: المقطوع الذِكْر بعده؛ ولو خلف ألوفًا من النسل والذرية، وليس الذكر والصيت ولسان الصدق بكثرة الأولاد والأنسال والعقب. وقد تكلمنا على هذه السورة في "التفسير"، وللَّه الحمد. [ثم روى ابن إسحاق (٢/ ٣٥) بإسناده الصحيح عن أنس قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وقيل له: يا رسول اللَّه! ما الكوثر الذي أعطاك اللَّه؟ قال: "نهر كما بين (صنعاء) إلى (أيلة)، آنيته كعدد نجوم السماء، ترده طيور لها أعناق كأعناق الإبل". قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول اللَّه! لناعمة. قال: "آكلُها أنعمُ منها" (٢).

стр. 218

قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال ﷺ : "من شرب منه لا يظمأ أبدًا"] (١). قلت: وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]. قال سفيان: عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المستهزؤون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والحارث بن عيطل (٢)، والعاص بن وائل السهمي. فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول اللَّه ﷺ ، فأراه الوليد، فأشار جبريل إلى أكحله (٣)، وقال: كُفِيتَهُ.

стр. 219

ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ إلى عينيه (١)، وقال: كُفِيتَهُ. ثم أراه الحارث بن عيطل، فأومأ إلى بطنه، وقال: كُفيته. ومر به العاص بن وائل، فأومأ إلى أخمصه (٢)، وقال: كفيته. فأما الوليد؛ فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلًا له، فأصاب أكحله، فقطعها. وأما الأسود بن عبد يغوث؛ فخرج في رأسه قروح؛ فمات منها. وأما الأسود بن المطلب فعمي، وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة، فجعل يقول: يا بَنِيَّ! ألا تدفعون عني؟ قد قتلت! فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا. وجعل يقول: يا بَنِيَّ! ألا تمنعون عني؟ قد هلكت! ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني. فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا. فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الحارث بن عيطل. فأخذه الماء الأصفر في بطنه؛ حتى خرج خرؤه من فيه؛ فمات منها.

стр. 220

وأما العاص بن وائل؛ فبينما هو كذلك يومًا. إذ دخل في رجله (١) شِبْرِقَة حتى امتلأت منها؛ فمات منها. وقال غيره (٢) في هذا الحديث. فركب إلى الطائف على حمار، فربض (٣) به على شِبْرِقَةٍ (يعني: شوكة)، فدخلت في أخمص قدمه شوكة، فقتلته. رواه البيهقي بنحو من هذا السياق (٤). [المستدرك] عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفَزاري، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حَقَرُوهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل

стр. 221

لنا مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأَعْبُدِ! فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم". قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب -ونحن قعود في ناحية- فنزل جبرائيل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، [فألقى رسول اللَّه ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا]. قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، [وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾]. وكان رسول اللَّه ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل اللَّه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ

стр. 222

عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تجالس الأشراف ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾؛ يعني: عيينة والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: قال: هلاكًا؛ قال: أمرُ عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها؛ قمنا وتركناه حتى يقوم. أخرجه ابن ماجه (٤١٢٧)، والسياق له، وابن جرير (٧/ ٢٠١)، وابن أبي شيبة أيضًا، وأبو يعلى، وأبو نعيم في "الحلية"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل"؛ كما في "الدر النثور" (٣/ ١٣)، وإسناده صحيح كما قال البوصيري. وله شاهد عن ابن مسعود مختصرًا. أخرجه أحمد (١/ ٤٢٠)، وابن جرير (٧/ ٢٠٠) من طريق أشعث عن كردوس الثعلبي عنه. وسنده صحيح إن كان أشعث بن أبي الشعثاء. ثم ترجح عندي أنه ابن سوار، وفيه ضعف؛ لأنه ممن رواه عن حفص بن غياث. عن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأ نعام: ٥٢].

стр. 223

أخرجه مسلم (٢٤١٣)، وابن ماجه (٤١٢٨)، وابن جرير (٧/ ٢٠٢)، والحاكم (٣/ ٣١٩) وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وعزاه المؤلف في "التفسير" لابن حبان والحاكم فقط! وعزاه في "الدر" (٣/ ١٣) لجمع آخر منهم أحمد، ولم أره في "مسنده". وعن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف (مكة) أتوه، فقالوا له: نحن أهل السقاية والسدانة، وأنت سيد أهل (المدينة)، فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا؟ قال: بل أنتم خير منه! فنزلت عليه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ هو. قال: وأنزلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾ [النساء: ٤٤ و ٤٥]. أخرجه ابن جرير في "التفسير" (٣٠/ ٣٣٠) بإسناد صحيح رجاله رجال "الصحيح"، وقال المؤلف في "التفسير": "رواه البزار، وإسناده صحيح". وفي "المجمع" (٧/ ٦): "رواه الطبراني، وفيه يونس بن سليمان الجمال، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال (الصحيح) ". قلت: قد توبع عند الأولين، فصح الحديث، والحمد للَّه. [انتهى المستدرك].

стр. 224

فصل وذكر البيهقي هاهنا دعاء النبي ﷺ على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف. وأورد ما أخرجاه في "الصحيح" عن ابن مسعود قال: خمس [قد] مضين: اللزام، والروم، والدخان، والبطشة، والقمر (١). وفي رواية عن ابن مسعود. قال: إن قريشًا لما استعصت على رسول اللَّه ﷺ ، وأبطؤوا عن الإسلام؛ قال: "اللهم! أَعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف". قال: فأصابتهم سَنَة حتى حَصَّتْ (٢) كلَّ شيء، حتى أكلوا الجيف، وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، ثم دعا، فكشف اللَّه عنهم، ثم قرأ عبد اللَّه هذه الآية: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥]. قال: فعادوا فكفروا، فَأُخِّرُوا إلى يوم بدر (٣).

стр. 225

قال عبد اللَّه: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم؛ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦]؛ قال: يوم بدر (١). وفي رواية عنه قال: لما رأى رسول اللَّه ﷺ من الناس إدبارًا قال: "اللهم! سبع كسبع يوسف". فأخذتهم سَنَةٌ؛ حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل (مكة)، فقالوا: يا محمد! إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع اللَّه لهم.

стр. 226

فدعا رسول اللَّه ﷺ ، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعًا، فشكا الناس كثرة المطر، فقال: "اللهم! حوالينا ولا علينا". فانحدرت السحابة (١) عن رأسه، فَسُقِيَ الناس حولهم. قال: لقد مضت آية الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وذلك قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥]، وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاف القمر، وذلك كله يوم بدر (٢).

стр. 227

قال البيهقي: يريد -واللَّه أعلم- البطشة الكبرى، والدخان، وآية اللزام كلها حصلت بـ (بدر). قال: وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية (١). ثم أورد من حديث ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ يستغيث من الجوع؛ لأنهم لم يجدوا شيئًا حتى أكلوا العهن (٢)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦]. قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ حتى فرج اللَّه عنهم (٣). ثم قال الحافظ البيهقي: وقد روي في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة، ولعله كان

стр. 228

مرتين. واللَّه أعلم (١). [المستدرك] عن أُبَيِّ بن كعب أنه قال:

стр. 229

في هذه الآية: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] قال المصيبات في الدنيا -قال:- والدخان قد مضى، والبطشة واللزام. أخرجه مسلم (٢٧٩٩)، وابن جرير (٢١/ ١٠٨)، وأحمد في "المسند" (٥/ ١٢٨)، وصححه الحاكم (٤/ ٤٢٨). [انتهى المستدرك].

стр. 230

فصل ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥]. ثم روى عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل الكتاب، وكان الشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ ، فقال: "أَمَا إنهم سيظهرون". فذكر ذلك أبو بكر للمشركين، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا؛ إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا. [فجعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا]. فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ ، فقال: "ألا جعلته -أراه (١) قال:- دون العشر؟ ". فظهرت الروم بعد ذلك (٢).

стр. 231

وقد أوردنا طرق هذا الحديث في "التفسير"، وذكرنا أن المُنَاحِبَ (١) -أي: المُرَاهِن- لأبي بكرٍ أُمَيَّةُ بنُ خلف، وأن الرهن كان على خمس قلائص، وأنه كان إلى مدة، فزاد فيها الصديق عن أمر رسول اللَّه ﷺ ، وفي الرهن، وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر، أو كان يوم الحديبية. فاللَّه أعلم.

стр. 232

فصل في الإسراء برسول اللَّه ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم عروجه من هناك إلى السماوات وما رأى هناك من الآيات ذكر ابن عساكر أحاديث الإسراء في أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق؛ فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وهو الأظهر. وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] [الإسراء: ١]. فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الأسانيد والعزو، والكلام عليها ومعها، ففيها مقنع وكفاية. وللَّه الحمد والمنة (١).