← Сира

Сира · id 592

صحيح السيرة النبوية - الألباني

ناصر الدين الألباني

Полный текст (232 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم أقمنا عنده حتى خرج مَنْ خرج منا إلى (مكة)، وأقام من أقام (١). قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: "ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! " فقلت: لا؛ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلًا، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه؛ فإن له اثني عشر رجلًا من صلبه؛ فتوارثوا الملك؛ لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلًا لا يكون بينهم اختلاف. فعدوا عليه فقتلوه، وملَّكوا أخاه. فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال. فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله، أو ليخرجه من بلادنا.

стр. 177

فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا؛ فإما أن تقتله؛ وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟! بل أخرجه من بلادكم. فخرجوا به، فوقفوه في السوق، وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم، أو بسبعمائة فانطلق به. فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته. ففزعوا إلى ولده؛ فإذا هم مُحمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره لَلَّذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة؛ فأدركوه قبل أن يذهب. فخرجوا في طلبه، فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه. فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذًا واللَّه لأكلمنه. فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك! إنى ابتعت غلامًا، فقبض مني الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي، ولم يردوا علي مالي. فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده، فليذهبن به حيث شاء.

стр. 178

فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه. فلذلك يقول: ما أخذ اللَّه مني الرِّشوة؛ فآخذ الرشوة حين رد عليّ ملكي؟! وما أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه (١)؟! والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة. والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرهما أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة (٢) -وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول اللَّه ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة (٣) -وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري (٤). والمقصود أنهما حين خرجا من (مكة) كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابًا حسنًا، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص؛

стр. 179

فألقى عمرًا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك (١). فحقد عمرو عليه. فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش. وقد ذكر الأموي (٢) قصته مطولة جدًّا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصَّده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني أرسلني وإلا متُّ. فلما لم يرسله مات من ساعته. فاللَّه أعلم. وروى ابن إسحاق بسنده عن عائشة ﵂ قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور (٣). ورواه أبو داود عن ابن إسحاق (٤). * * *

стр. 180

وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات (١). وروى البخاري في (موت النجاشي) (٢) بسنده عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ حين مات النجاشي: "مات اليوم رجل صالح؛ فقوموا فصلوا على أخيكم (أصحمة) ". وروي ذلك من حديث أنس بن مالك، وابن مسعود، وغير واحد. وفي بعض الروايات تسميته (أصحمة) (٣)، وفي رواية (مصحمة)، وهو (أصحمة بن بحر)، وكان عبدًا صالحًا لبيبًا ذكيًّا، وكان عادلًا عالمًا، ﵁ وأرضاه. وقال يونس عن ابن إسحاق: اسم النجاشي (مصحمة)، وفي نسخة صححها البيهقي: (أصحم)، وهو بالعربية: (عطية). قال: وإنما النجاشي اسم الملك؛ كقولك: (كسرى)، (هرقل) (٤).

стр. 181

قلت: كذا، ولعله يريد به (قيصر)؛ فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم. و (كسرى) علم على من ملك الفرس. و (فرعون) علم لمن ملك مصر كافة. و (المقوقس) لمن ملك الإسكندرية. و (تُبَّع) لمن ملك اليمن والشحْر. و (النجاشي) لمن ملك الحبشة. و (بطليموس) لمن ملك اليونان، وقيل: الهند. و (خاقان) لمن ملك الترك. وقال بعض العلماء (١): إنما صلى عليه؛ لأنه كان يكتم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه، فلهذا صلى عليه. قالوا: فالغائب إن كان قد صُلِّي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يُصَلَّ على النبي ﷺ في غير (المدينة)؛ لا أهل (مكة) ولا غيرهم. وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة؛ لم ينقل أنه صُلِّي على أحد منهم في غير البلدة التي صُلِّيَ عليه فيها. فاللَّه أعلم. [المستدرك] عن عمير بن إسحاق قال: قال جعفر: يا رسول اللَّه! ائذن لي أن آتي أرضًا أعبد اللَّه فيها؛ لا أخاف أحدًا. قال: قال: فأذن له فيها، فأتى النجاشي. قال عمير: حدثني عمرو بن العاص قال:

стр. 182

لما رأيت جعفرًا وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته؛ لأستقبلن لهذا وأصحابه، فأتيت النجاشي فقلت: ائذن لعمرو بن العاص. فأذن لي، فدخلت فقلت: إن بأرضنا ابن عم لهذا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنا -واللَّه- إن لم تُرِحنا منه وأصحابه؛ لا قطعت بليك هذه النطفة (١) ولا أحد من أصحابي أبدًا. فقال: وأين هو؟ قلت: إنه يجيء مع رسولك؛ إنه لا يجيء معي. فأرسل معي رسولًا، فوجدناه قاعدًا بين أصحابه، فدعاه، فجاء، فلما أتيت الباب ناديت: ائذن لعمرو بن العاص. ونادى خلفي: ائذن لحزب اللَّه . فسمع صوته، فأذن له قبلي، فدخل ودخلت، فإذا النجاشي على السرير، قال: فذهبت حتى قعدت بين يديه، وجعلته خلفي، وجعلت بين كل رجلين من أصحابه رجلًا من أصحابي، [قال: فسكت وسكتنا، وسكت وسكتنا، حتى قلت في نفسي: ألعن هذا العبد الحبشي؛ ألا يتكلم؟! ثم تكلم]، فقال النجاشي: نجروا. قال عمرو: يعني: تكلموا. قلت: إن بأرضك رجلًا ابن عمه بأرضنا، ويزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقطعه وأصحابه، لا أقطع إليك هذه النطفة أنا ولا أحد من أصحابي أبدًا. [قال: يا حزب اللَّه! نجر]. قال جعفر: صدق ابن عمي وأنا على دينه. قال: فصاح صياحًا، وقال: أوه. حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم. وقال: أَنَامُوسٌ كَنَامُوسِ موسى؟

стр. 183

قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ قال: أقول: هو روح اللَّه وكلمته. قال: فتناول شيئًا من الأرض، فقال: ما أخطأ في أمره مثل هذا، فواللَّه؛ لولا ملكي لاتبعتكم. وقال لي: ما كنت أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدًا، أنت آمن بأرضي، من ضربك قتلته، ومن سبك غرمته. وقال لآذنه: متى أستأذنك هذا فائذن له؛ إلا أن أكون عند أهلي، فإن أبى (١) فائذن له. قال: فتفرقنا، ولم يكن أحد أحب إليّ أن ألقاه من جعفر. قال: فاستقبلني من طريق مرة، فنظرت خلفه فلم أر أحدًا، فنظرت خلفي فلم أر أحدًا، فدنوت منه وقلت: أتعلم أني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ قال: فقد هداك اللَّه فاثبت. فتركني وذهب. فأتيت أصحابي، فكأنما شهدوه معي، فأخذوا قطيفة أو ثوبًا، فجعلوه عليّ حتى غموني بها. قال: وجعلت أخرج رأسي من هذه الناحية مرة، ومن هذه الناحية مرة، حتى أفلت وما علي قشرة (٢)، [ولم يدعوا لي شيئًا إلا ذهبوا به]، فمررت على حبشية، فأخذت قناعها فجعلته على عورتي.

стр. 184

فأتيت جعفرًا، فدخلت عليه، فقال: ما لك؟ فقلت: أخذ كل شيء لي، ما ترك عليّ قشرة، فأتيت حبشية، فأخذت قناعها فجعلته على عورتي. [فقال:] فانطلق وانطلقت معه حتى أتى إلى باب الملك، فقال جعفر لآذنه: استأذن لي. قال: إنه عند أهله. [فقال: استأذن لي عليه. فاستأذن له،] فأذن له، فقال: إن عمرًا تابعني على ديني. قال: كلا. قال: بلى. فقال لإنسان: اذهب معه؛ فإن فعل؛ فلا يقل شيئًا إلا كتبته. قال: فجاء فقال: نعم. فجعلت أقول، وجعل يكتب، حتى كتب كل شيء حتى القدح (١). قال: ولو شئت آخذ شيئًا من أموالهم إلى مالي فعلت. [قال: ثم كنت بعد من الذين أقبلوا في السفن مسلمين]. رواه الطبراني والبزار، وصدر الحديث في أوله والزيادة في آخره له (٢). وعن أبي مالك الأشجعي قال: كنت جالسًا مع محمد بن حاطب فقال: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 185

"إني قد رأيت أرضًا ذات نخل فاخرجوا". فخرج حاطب وجعفر في البحر قِبَلَ النجاشي. قال: فولدت أنا في تلك السفينة. رواه أحمد (٤/ ٢٥٩)، وسنده صحيح. وفي رواية له (٣/ ٤١٨ و ٦/ ٣٣٧) من طريق أخرى عن محمد بن حاطب عن أمه أم جميل بنت المجلل قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة، حتى إذا كنت من (المدينة) على ليلة أو ليلتين طبخت لك طبيخًا، ففني الحطب، فخرجت أطلبه، فتناولت القدر، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك النبي ﷺ ، فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه! هذا محمد بن حاطب، [وهو أول من سمي بك]. فتفل في فيك، ومسح على رأسك ودعا لك، وجعل يتفل على يدك ويقول: "أذهب الباس رب الناس! واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا". فقالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك (١) [انتهى المستدرك].

стр. 186

إسلام عمر بن الخطاب قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلًا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره؛ امتنع به أصحاب رسول اللَّه وبحمزة؛ حتى غاظوا قريشًا. فكان عبد اللَّه بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه (١). قلت: وثبت في "صحيح البخاري" (٢) عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب. وقال زياد البكائي: حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم قال: قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر؛ قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه (٣).

стр. 187

قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج مَنْ خرج مِنْ أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلى الحبشة. حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة [عن أبيه] (١) عن أمه أم عبد اللَّه بنت أبي حَثْمَة قالت: واللَّه؛ إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر، فوقف وهو على شركه، فقالت: وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا. قالت: فقال: إنه لَلانطلاق يا أم عبد اللَّه؟ قلت: نعم؛ واللَّه لنخرجن في أرض من أرض اللَّه -إذ آذيتمونا وقهرتمونا- حتى يجعل اللَّه لنا مخرجًا. قالت: فقال: صحبكم اللَّه. ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أخزنه فيما أرى خروجنا.

стр. 188

قالت: فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه! لو رأيت عمر آنفًا ورقته وحزنه علينا. قال: أَطَمِعْتِ في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم. قال: لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب! قالت: يأسًا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام. قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الأربعين من المسلمين، فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين. اللهم! إلا أن يقال: إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين. قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر ﵁، وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولًا في أول "سيرته" التي أفردتها على حدة، وللَّه الحمد والمنة. * * *

стр. 189

قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه. قال عبد اللَّه: وغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل! أني أسلمت ودخلت في دين محمد ﷺ ؟ قال: فواللَّه؛ ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذب؛ ولكني قد أسلمت، وشهدت أنا لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه. وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلَحَ (١) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف باللَّه؛ أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك؛ إذ أقبل شيخ من قريش -عليه حلة حبرة وقميص موشى- حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر!

стр. 190

قال: فمه؛ رجل اختار لنفسه أمرًا؛ فماذا تريدون؟! أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟! خلوا عن الرجل. قال: فواللَّه؛ لكأنما كانوا ثوبًا كُشِطَ عنه. قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى (المدينة): يا أبت! من الرجل الذي زجر القوم عنك بـ (مكة) يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك أي بني! العاص بن وائل السهمي. وهذا إسناد جيد قوي (١)، وهو يدل على تأخر إسلام عمر؛ لأن ابن عمر عرض يوم (أُحد) وهو ابن أرج عشرة سنة، وكانت (أحد) في سنة ثلاث من الهجرة، وقد كان مميزًا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين. واللَّه أعلم.

стр. 191

[المستدرك] عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم! أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل؛ أو بعمر بن الخطاب". قال: فكان أحبهما بليه عمر. أخرجه الترمذي (٣٧٦٤) وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن سعد (٣/ ٢٣٧)، والحاكم (٣/ ٨٣)، وأحمد (٢/ ٩٥)، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وهو عنده من طريقين آخرين عن نافع عنه. ثم رواه هو وابن ماجه (١٠٥) من حديث عائشة، وهو أيضًا من حديث ابن مسعود، وابن سعد (٣/ ٢٣٧ و ٢٤٢) من حديث عثمان بن الأرقم، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري مرسلًا. وعن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب. رواه الطبراني، وإسناده حسن؛ كما في "المجمع" (٩/ ٦٣). وعن عمر أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إني لا أدع مجلسًا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام. فأتى المسجد، وفيه بطون قريش متحلقة، فجعل يعلن الإسلام، ويشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه.

стр. 192

فثار المشركون، فجعلوا يضربونه ويضربهم، فلما تكاثروا خلصه رجل. فقلت لعمر: من الرجل الذي خلصك من المشركين؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي. رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله ثقات؛ كما قال الهيثمي. [انتهى المستدرك].

стр. 193

فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول ﷺ - ورسول اللَّه ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، مناديًا بأمر اللَّه تعالى، لا يتقي فيه أحدًا من الناس. فجعلت قريش حي منعه اللَّه منها -وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به- يهمزونه، ويستهزؤون به ويخاصمونه. وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل القرآن في عامة من ذكر اللَّه من الكفار. فذكر ابن إسحاق (١) أبا لهب ونزول السورة فيه (٢)، والعاص بن وائل ونزول قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] فيه، وقد تقدم شيء من ذلك (٣). وأبا جهل بن هشام، وقوله للنبي ﷺ : لتتركن سب آلهتنا أو لنسبنَّ إلهك

стр. 194

الذي تعبد. ونزول قول اللَّه فيه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية (١) [الأنعام: ١٠٨]. * * *

стр. 195

قال ابن إسحاق: وجلس الرسول ﷺ فيما بلغنا- يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش. فتكلم رسول اللَّه ﷺ ، فعرض له النضر، فكلمه رسول اللَّه ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. ثم قام رسول اللَّه ﷺ ، وأقبل عبد اللَّه بن الزَّبَعْرَى السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: واللَّه؛ ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم! فقال عبد اللَّه بن الزَّبَعْرَى: أما -واللَّه- لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: أكل من يعبد من دون اللَّه حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد عيسى. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرَى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ . . . فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء: ١٠١ و ١٠٢]؛ أي: عيسى ابن مريم، وعزيرًا، ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة اللَّه تعالى.

стр. 196

ونزل -فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات اللَّه-: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾، والآيات بعدها [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]. ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزَّبَعْرَى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ (١) [الزخرف: ٥٧ و ٥٨]. وهذا الجدل الذي سلكوه باطل، وهم يعلمون ذلك؛ لأنهم قوم عرب، ومن لغتهم أن (ما) لما لا يعقل، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرًا، ولا أحدًا من الصالحين؛ لأن الآية لا تتناولهم لا لفظًا ولا معنى. فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.

стр. 197

ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: بنبوتنا، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: دليلًا على تمام قدرتنا على ما نشاء، حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا، ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]؛ أي: أمارة ودليلًا على قدرتنا الباهرة، ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ نرحم بها من نشاء. * * *

стр. 198

وذكر ابن إسحاق الوليد بن المغيرة حيث قال: أَيُنْزَلُ على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو (١) الثقفي سيد ثقيف؟! فنحن عظيما القريتين. ونزل قوله فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ والتي بعدها. [الزخرف: ٣١ و ٣٢]. وذكر أُبَيّ بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدًا وسمعت منه؟! وجهي من وجهك حرام؛ إلا أن تتفل في وجهه. ففعل ذلك عدو اللَّه عقبة لعنه اللَّه، فأنزل اللَّه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾، والتي بعدها (٢) [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. قال (٣): ومشى أبيّ بن خلف بعظم بال قد أرمَّ، فقال: يا محمد! أنت تزعم

стр. 199

أن اللَّه يبعث هذا بعد ما أرمّ؟! ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "نعم؛ أنا أقول ذلك؛ يبعثه اللَّه واياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار". وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ إلى آخر السورة [يس: ٧٨ - ٨٣]. قال (١): واعترضَ رسولَ اللَّه ﷺ فيما بلغني- وهو يطوف عند باب الكعبة الأسودُ بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، فقالوا: يا محمد! هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر!

стр. 200

فأنزل اللَّه فيهم: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ إلى آخرها. قال (١): ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه يكلمه، وقد طمع في إسلامه. فمر به ابن أم مكتوم: عاتكة بنت عبد اللَّه بن عنكثة الأعمى، فكلم رسول اللَّه ﷺ ، وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسًا وتركه.

стр. 201

فأنزل اللَّه تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ إلى قوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ [عبس: ١ - ١٤]. وقد قيل: إن الذي كان يحدث رسول اللَّه ﷺ حين جاءه ابن أم مكتوم: أمية بن خلف. فاللَّه أعلم (١). [المستدرك] عن علي ﵁ قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ : قد نعلم يا محمد! أنك تصل الرحم، وتصدق الحديث، ولا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به. فأنزل اللَّه : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. أخرجه الترمذي (٥٠٥٨)، والحاكم (٢/ ٣١٥) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" (٢).

стр. 202

وعن ابن عباس ﵄: أن أبا معيط كان يجلس مع النبي ﷺ بـ (مكة) لا يؤذيه، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط. وقدم خليله من الشام ليلًا، فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمرًا. فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبا. فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه، فلم يرد عليه التحية. فقال: ما لك لا ترد عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوتَ؟! قال: أو قد فعلتها قريش؟! قال: نعم. قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه، وتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم! ففعل، فلم يزد النبي ﷺ أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال: "إن وجدتك خارجًا من جبال (مكة) أضرب عنقك صبرًا". فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج. فقال له أصحابه: اخرج معنا. قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجًا من جبال (مكة) أن يضرب عنقي صبرًا.

стр. 203

فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم اللَّه المشركين، وحل به جمله في جدد (١) من الأرض؛ فأخذه رسول اللَّه ﷺ أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: "نعم؛ بما بزقت في وجهي". فأنزل اللَّه في أبي معيط (٢): ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. أخرجه ابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل" بسند صحيح من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس؛ كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٨). وعن ابن عباس أيضًا: إن قريشًا وعدوا رسول اللَّه ﷺ أن يعطوه مالًا؛ فيكون أغنى رجل بـ (مكة)، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء. فإن لم تفعل؛ فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ماهي؟ ".

стр. 204

قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة. قال: "حتى أنظر ما يأتي من عند ربي". وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢]. وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحًا؛ لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضعها (١). إلا أن أصل القصة في "الصحيح". روى البخاري دون مسلم عن ابن عباس قال: فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ

стр. 205

الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. أخرجه ابن جرير (٣٠/ ٣٣١)، وابن أبي حاتم، والطبراني؛ كما في "الدر" (٦/ ٤٠٤)، وإسناده حسن. [انتهى المستدرك]. * * *

стр. 206

ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى (مكة). وذلك حين بلغهم إسلام أهل (مكة)، وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب. وهو ما ثبت في "الصحيح" وغيره: أن رسول اللَّه ﷺ جلس يومًا مع المشركين، وأنزل اللَّه عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ. . .﴾ يقرؤها عليهم حتى ختمها، وسجد، فسجد من هناك من المسلمين والمشركين، والجن والإنس (١). سجد النبي ﷺ بـ (النجم)، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس (٢). وروى هو ومسلم وأبو داود والنسائي (٣) عن عبد اللَّه (ابن مسعود) قال:

стр. 207

قرأ النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بـ (مكة)، فسجد فيها وسجد من معه؛ غير شيخ أخذ كفًّا من حصًا أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. فرأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا (١). وروى أحمد وعنه النسائي عن المطلب بن أبي وداعة قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ بـ (مكة) سورة (النجم)، فسجد، وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد. ولم يكن أسلم يومئذٍ المطلب، فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها إلا سجد معه (٢). وقد يجمع بين هذا والذي قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارًا، وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية. واللَّه أعلم. والمقصود أن الناقل لا رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول اللَّه ﷺ ؛ اعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع بينهم. فطار الخبر بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك،

стр. 208

فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيب فيما فعل. وقال البخاري: وقالت عائشة: قال رسول اللَّه ﷺ : "أريت دار هجرتكم؛ ذات نخل بين لابتين". فهاجر من هاجر قِبلَ (المدينة)، ورجع من كان هاجر بأرض الحبشة إلى (المدينة). وفيه عن أبي موسى وأسماء ﵄ عن النبي ﷺ (١). وقد تقدم حديث أبي موسى (ص ١٧٠)، وهو في "الصحيحين"، وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح (خيبر) حي قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة؛ إن شاء اللَّه، وبه الثقة. وروى البخاري -واللفظ له- ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد اللَّه قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو يصلي، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا. فقلنا: يا رسول اللَّه! إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم تردَّ علينا؟ قال:

стр. 209

"إن في الصلاة شغلًا" (١). وهو يقوي تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في "الصحيحين": كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام (٢). على أن المراد جنس الصحابة، فإن زيدًا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بـ (مكة)، فتعين الحمل على ما تقدم. وأما ذكره الآية -وهي مدنية- فمشكل، ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك، وإنما كان المحرم له غيرها معها. واللَّه أعلم (٣).

стр. 210

ذكر عزم الصديق على الهجرة إلى أرض الحبشة قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ -كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة- حين ضاقت عليه (مكة)، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول اللَّه ﷺ في الهجرة؛ فأذن له. فخرج أبو بكر ﵁ مهاجرًا؛ حتى إذا سار من (مكة) يومًا أو يومين لقيه ابن الدَّغِنَة -أخو بني الحارث بن يزيد؛ أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة- وهو يومئذ سيد الأحابيش. [قال ابن إسحاق: و (الأحابيش): بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهُون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. قال ابن هشام: تحالفوا جميعًا، فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له: (الأحبش) بأسفل (مكة) للحلف]. فقال [ابن الدغنة]: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، وآذوني، وضيقوا عليّ. قال: ولم؟ واللَّه؛ إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فإنك في جواري. فرجع معه، حتى إذا دخل (مكة) قام معه ابن الدَّغِنة فقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير.

стр. 211

قال: فكفوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلي فيه، وكان رجلًا رقيقًا؛ إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء؛ يعجبون لما يرون من هيئته. قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدَّغنة، فقالوا: يا ابن الدَّغنة! إنك لم تُجِر هذا الرجل ليؤذينا! إنه رجل إذا صلى وقرأ يرقّ وكانت له هيئة، ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدَّغِنَة إليه فقال: يا أبا بكر! إني لم أجرك لتؤذي قومك، وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه. قال: فاردد عليّ جواري. قال: قد رددته عليك. قال: فقام ابن الدَّغنة فقال: يا معشر قريش! إن ابن أبي قحافة قد رد عليّ جواري، فشأنكم بصاحبكم (١). وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث منفردًا به (٢)، وفيه زيادة حسنة،

стр. 212

أخرجه عن عُقيل: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ (بَرك الغِماد) (١) لقيه ابن الدَّغنة، وهو سيد (القارة) (٢)، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدَّغنة: فإن مثلك يا أبا بكر! لا يَخْرُجُ، ولا يُخْرَجُ مِثْلُهُ، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتخرجون رجلًا يُكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويَقْرِي الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغِنة، وقالوا لابن الدَّغِنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصلَّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يَفْتِنَ نساءنا وأبناءنا. فقال ابن الدَّغِنة ذلك لأبي بكر.

стр. 213

فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدأ بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف [عليه] (١) نساء المشركين وأبناؤهم؛ يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءًا لا يملك عينه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك؛ فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا، فانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك؛ فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغِنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أُخفرتُ في رجل عقدتُ له. فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه . ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر ﵁ مع رسول اللَّه ﷺ ؛ كما سيأتي مبسوطًا.

стр. 214

فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق ﵀ قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة بدون إسناد. وكان سيدًا مطاعًا شريفًا في (دَوْس)، وكان قد قدم (مكة)، فاجتمع به أشراف قريش، وحذروه عن رسول اللَّه ﷺ ، ونهوه أن يجتمع به، أو يسمع كلامه. روى الإمام أحمد والبخاري (١) عن أبي هريرة قال: لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول اللَّه ﷺ قال: إن دوسًا قد استعصت [وأبت، فادع اللَّه عليهم. فاستقبل رسول اللَّه ﷺ القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا]، قال: "اللهم! اهد دوسًا، وائت بهم، [اللهم! اهد دوسًا، وائت بهم] ".

стр. 215

قصة مصارعة ركانة روى أبو داود والترمذي (١) عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه: أن ركانة صارع النبي- ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ . وقال الترمذي: "غريب". قلت: وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄: أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ ثلاث مرات؛ كل مرة على مائةٍ من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: يا محمد! ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه. فقام عنه رسول اللَّه ﷺ ، ورد عليه غنمه. * * *
следующие страницы →