وقال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
روى الإمام أحمد (١) عن رجل من الأعراب قال:
جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه. قال: فتلقاني بي أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم، حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها: يعزي بها على نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أنشدك بالذي أنزل التوراة: هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ ".
فقال برأسه هكذا؛ أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة؛ إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه. فقال:
"أقيموا اليهودي عن أخيكم". ثم وَلِيَ كفنه والصلاة عليه.
стр. 72
هذا إسناد جيد، وله شاهد (١) في "الصحيح" عن أنس بن مالك ﵁ (٢).
روى أبو القاسم البغوي بإسناده عن الفَلَتان (٣) بن عاصم، وذكر أن خاله قال:
كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ شخص بصره إلى رجل، فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان. قال: فجعل النبي ﷺ يكلمه وهو يقول: يا رسول اللَّه! فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أتشهد أني رسول اللَّه؟ ".
قال: لا. قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 73
"أتقرأ التوراة؟ ". قال: نعم. قال:
"أتقرأ الإنجيل؟ ". قال: نعم. قال:
"والقرآن؟ ". قال: لا، ولو تشاء (١) قرأته.
فقال النبي ﷺ :
"فبم (!) تقرأ التوراة والإنجيل أتجدني نبيًّا؟ ". قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفناك أنك لست به.
قال رسول اللَّه ﷺ :
"ولم يا يهودي؟ ". قال: إنا نجده مكتوبًا: يدخل من أمته الجنة سبعون ألفًا بغير حساب. ولا نرى معك إلا نفرًا يسيرًا.
فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إن أمتي (٢) لأَكْثَرُ من سبعين ألفًا، وسبعين ألفًا".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه (٣).
стр. 74
وثبت في "الصحيح" أن رسول اللَّه ﷺ مر بِمدراس اليهود، فقال لهم:
стр. 75
"يا معشر اليهود! أسلموا، فوالذي نفسي بيده؛ إنكم لتجدون صفتي في كتبكم". الحديث (١).
وروى أحمد والبخاري عن عطاء بن يسار قال:
لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول اللَّه ﷺ في التوراة. فقال:
أَجَلْ؛ واللَّه إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا صَخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه اللَّه حتى يقيم به (٢) الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (٣).
ورواه ابن جرير، وزاد:
قال عطاء: فلقيت كعبًا، فسألته عن ذلك؟ فما اختلفا [في] حرف.
стр. 76
ورواه البيهقي من طريق أخرى عن عطاء بن يسار عن ابن سلام: أنه كان يقول:
إنا لنجد صفة رسول اللَّه ﷺ : إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صحاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء: بأن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، يفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.
وقال عطاء بن يسار: وأخبرني الليثي: أنه سمع كعب الأحبار يقول مثلما قال ابن سلام (١).
قلت: وهذا عن عبد اللَّه بن سلام أشبه، ولكن الرواية عن عبد اللَّه بن عمرو أكثر: مع أنه كان قد وجد يوم (اليرموك) زاملتي من كتب أهل الكتاب، وكان يحدث عنهما كثيرًا.
وليعلم أن كثيرًا من السلف كانوا يطلقون (التوراة) على كتب أهل الكتاب، فهي عندهم أعم من التي أنزلها اللَّه على موسى، وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث.
والعلم بأنه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة، وقد دل
стр. 77
على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز: تكلمنا عليها في مواضعها، وللَّه الحمد.
فمن ذلك قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: ٥٢ و ٥٣].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء: ١٠٧ و ١٠٨].
وقال تعالى إخبارًا عن القسيسين والرهبان: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].
وفي قصة النجاشي وسلمان وعبد اللَّه بن سلام (١) وغيرهم؛ كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى، وللَّه الحمد والمنة.
وذكرنا في تضاعيف "قصص الأنبياء" وصفهم لبعثة رسول اللَّه ﷺ ، ونعته، وبلد مولده، ودار مهاجره، ونعت أمته في قصة موسى، وشعيًا، وأرمياء، ودانيال، وغيرهم.
стр. 78
وفي الإنجيل البشارة بـ (الفارقليط)، والمراد محمد ﷺ .
وروى البيهقي عن الحاكم بإسناده عن عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"مكتوب في الإنجيل: لا فظ، ولا غليظ، ولا صحاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح" (١).
[المستدرك]
عن عوف بن مالك الأشجعي قال:
انطلق النبي ﷺ [يومًا] وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود [بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم]، فقال [لهم]:
"يا معشر اليهود! أروني اثني عشر رجلًا يشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه: يحط اللَّه عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم".
قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه منهم أحد، فقال:
"أبيتم! فواللَّه؛ [إني] لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى؛ آمنتم أو كذبتم".
стр. 79
ثم انصرف وأنا معه، حتى [إذا] كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمد! فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: واللَّه؛ ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب اللَّه منك، ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له باللَّه أنه نبي اللَّه الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت! ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرًّا، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذ آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم".
قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول اللَّه ﷺ ، وأنا، وعبد اللَّه بن سلام، وأنزل اللَّه تعالى فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] (١). [انتهى المستدرك].
стр. 80
باب في هواتف الجان وهو ما ألقته الجان على ألسنة الكهان ومسموعًا من الأوثان
روى البخاري (١) عن عبد اللَّه بن عمر قال:
ما سمعت عمر يقول لشيء قط: إني لأظنه [كذا]. إلا كان كما يظن.
بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرَّجُلَ (٢).
فَدُعِيَ به، فقال له ذلك. فقال: ما رأيت كاليوم استُقبِل به رجل مسلم!
قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟
قال: بينما أنا في السوق يومًا؛ جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت:
ألم ترَ الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقِلاص وأحلاسها؟
стр. 81
قال عمر: صدق، بينا أنا عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جَليح! أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا اللَّه. فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح! أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا اللَّه. فقمت، فما نَشِبْنا أن قيل: هذا نبي.
وهذا الرجل هو سواد بن قارب الأزدي، ويقال: الدوسي من أهل السراة من جبال (البلقاء)، له صحبة ووفادة.
وروى الحافظ أبو نعيم عن جابر بن عبد اللَّه قال:
إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول اللَّه ﷺ أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض، فوقع على حائط لهم، فقالت له: ألا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا ونخبرك؟ فقال لها: إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا، ومنع منا القرار (١).
стр. 82
باب كيفية بدء الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ ، وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم
كان ذلك وله ﷺ من العمر أربعون سنة (١).
روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت:
أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة (٢) في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار (حراء)، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ". قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] ".
стр. 83
فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: "زَمِّلوني زمِّلوني". فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع.
فقال لخديجة -وأخبرها الخبر-: "لقد خشيت على نفسي".
فقالت خديجة: كلا؛ [أبشر] (١)؛ فواللَّه لا يخزيك اللَّه أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، [وتصدق الحديث] (١)، وتقري الضيف، وتحملُ الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت على ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة [أخي أبيها]، وكان امرءًا قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي.
فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (٢) الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول اللَّه ﷺ :
"أَوَ مُخْرِجِيَّ هم؟! ".
فقال: نعم؛ لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
стр. 84
ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة؛ حتى حزن رسول اللَّه ﷺ -فيما بلغنا- (١) حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل، فقال: يا محمد! إنك رسول اللَّه حقًّا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، قال: فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك.
هكذا وقع مطولًا في (باب التعبير) من "البخاري" (٢).
قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري -وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه-:
"بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري؛ فإذا الملَك الذي جاءني بـ (حِراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعبتُ منه، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني. فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. فحمي الوحي وتتابع" (٣).
стр. 85
رواه البخاري ﵀ في كتابه في مواضع منه، وتكلمنا عليه مطولًا في أول "شرح البخاري" في (كتاب بدء الوحي) إسنادًا ومتنًا، وللَّه الحمد والمنة.
وأخرجه مسلم في "صحيحه"، وانتهى سياقه إلى قول ورقة: "أنصرك نصرًا مؤزرًا".
فقول أم المؤمنين عائشة: "أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي: أن النبي ﷺ قال:
"فجاءني جبريل وأنا نائم بنَمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ. فَغَتَّنِي حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني" (١).
وذكر نحو حديث عائشة سواء.
فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحًا بهذا في "مغازي موسى بن عقبة" عن الزهري أنه رآى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة.
وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسنده عن علقمة بن قيس قال:
"إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد" (٢).
стр. 86
قال أبو شامة: وقد كان رسول اللَّه ﷺ يرى عجائب قبل بعثته.
فمن ذلك ما في "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن" (١). انتهى كلامه.
وإنما كان رسول اللَّه ﷺ يحب الخلاء والانفراد عن قومه؛ لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء اللَّه إليه، صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وقوله في الحديث: "والتحنث: التعبّد" تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية -فيما قاله السهيلي-: الدخول في الحنث. ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها: الخروج من ذلك الشيء: كتحنث؛ أي: خرج من الحنث، وتحوب، وتحرج وتأثم. وتهجد: هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة، وتنجس وتقذر. أوردها أبو شامة.
قال ابن هشام: والعرب تقول: التحنث والتحنف. يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدّف وجدث، كما قال رؤبة:
لو كان أحجاري من الأجداف.
يريد: الأجداث.
стр. 87
قال: وحدثني أبو عبيدة: أن العرب تقول: (فُمَّ) في موضع (ثُمَّ).
قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين: ﴿وَفُوْمِهَا﴾ أن المراد: ثومها.
وقوله: "حتى فَجَأَهُ الحق وهو بغار حراء": أي: جاء بغتة على غير موعد؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية [القصص: ٨٦].
وقد كان نزول هذه السورة الكريمة وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]-وهي أول ما نزل من القرآن: كما قررنا ذلك في "التفسير"، وكما سيأتي أيضًا- في يوم الاثنين: كما ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن أبي قتادة: أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال:
"ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم أُنزل عليَّ فيه؟.
وقال ابن عباس:
ولد نبيكم محمد ﷺ يوم الاثنين، ونُبِّي يوم الاثنين.
وهذا ما لا خلاف فيه.
والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان؛ كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما، واستدل ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 88
وروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع: أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"أُنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضي من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" (١).
وروى ابن مردويه في "تفسيره" عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا نحوه.
ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.
وأما قول جبريل: "اقرأ"، فقال: "ما أنا بقارئ": فالصحيح أن قوله: "ما أنا بقارئ" نفي: أي: لست ممن يحسن القراءة، وممن رجحه النووي، وقبله الشيخ أبو شامة (٢).
ومن قال: إنها استفهامية. فقوله بعيد: لأن الباء لا تزاد في الإثبات.
وقوله: "حتى بلغ مني الجهد": يُروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع (٣)، وفعل به ثلاثًا، قال الخطابي:
"وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه (الرُّحَضاء): أي: البهر والعرق".
стр. 89
وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يُلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس: كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، ولهذا كان ﵊ إذا جاءه الوحي يحمر وجهه، ويغط كما يغط البَكْر من الإبل (١)، ويتفصَّد جبينه عرقًا في اليوم الشديد البرد (٢).
وقوله: "فرجع بها رسول اللَّه" إلى خديجة يرجف فؤاده"، وفي رواية: "بوادره": جمع بادرة؛ قال أبو عبيدة: وهي لحمة بين المنكب والعنق. وقال غيره: هي عروق تضطرب عند الفزع.
وقوله: "لقد خشيت على نفسي"، وذلك لأنه شاهد أمرًا لم يعهده قبل ذلك، ولا كان في خلده، ولهذا قالت خديجة: كلا؛ أبشر (٣) واللَّه؛ لا يخزيك اللَّه أبدًا. قيل: من الخزي، وقيل: من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى اللَّه به جميل العوائد في خلقه: أن من كان متصفًا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: "إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث". وقد كان مشهورًا بذلك صلوات اللَّه وسلامه عليه عند الموافق والمفارق.
стр. 90
"وتحمل الكلَّ"؛ أي: عن غيرك، تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤونة عياله.
"وتَكسِب المعدوم"؛ أي: تسبق إلى فعل الخير، فتبادر إلى إعطاء الفقير، فتكسب حسنته قبل غيرك، ويسمى الفقير معدومًا: لأن حياته ناقصة، فوجوده وعدمه سواء؛ كما قال بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الأحياء
واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بـ (المعدوم) هاهنا: المال المُعطى؛ أي: يعطي المال لمن هو عادمه.
ومن قال: إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير؛ فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما ليس له علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبًا، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما. واللَّه أعلم.
"وتَقْري الضيف": أي: تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه.
"وتعين على نوائب الحق"، ويروى "الخير"؛ أي: إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادًا من عيش، أو قوامًا من عيش.
وقول ورقة: "يا ليتني فيها جَذَعا"؛ أي: يا ليتني أكون اليوم شابًا متمكنًا من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح.
"يا ليتني أكون حيًا حتي يخرجك قومك"؛ يعني: حتى أخرج معك وأنصرك.
стр. 91
"نصرًا مُؤَزَّرًا"؛ أي: أنصرك نصرًا عزيزًا أبدًا.
وقوله: "ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي"؛ أي: توفي بعد هذه القصة بقليل، ﵀ ورضي عنه، فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وُجِد، وإيمان بما حصل من الوحي، ونية صالحة للمستقبل.
وقد روى الإمام أحمد عن ابن لهيعة: حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة: أن خديجة سألت رسول اللَّه ﷺ عن ورقة بن نوفل؟ فقال:
"قد رأيته؛ فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض".
وهذا إسناد حسن؛ لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلًا. فاللَّه أعلم (١).
وروى الحافظ أبو يعلى عن مجالد (٢) عن الشعبي عن جابر بن عبد اللَّه: أن
стр. 92
رسول اللَّه ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل؟ فقال:
"قد رأيته؛ فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس".
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل؟ فقال:
"يبعث يوم القيامة أمة وحده".
وسئل عن أبي طالب؟ فقال:
"أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها".
وسئل عن خديجة؛ لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن؟ فقال:
"أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب (١)؛ لا صخب فيه ولا نصب".
إسناده حسن، ولبعضه شواهد في "الصحيح". واللّه أعلم.
وروى البزار وابن عساكر عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين".
وهذا إسناد جيد، وروي مرسلًا، وهو أشبه (٢).
* * *
стр. 93
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
كنا مع رسول اللَّه ﷺ بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه! (١)
وفي رواية:
لقد رأيتني أدخل معه الوادي، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليكم يا رسول اللَّه! وأنا أسمعه.
ومضى قريبًا (٢) حديث مسلم:
"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن".
стр. 94
فصل
وفي "الصحيحين" عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال:
"فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء. . . فَجَثيتُ منه فَرَقًا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمِّلوني زمِّلوني. فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥].
قال: ثم حمي الوحي وتتابع" (١).
فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي لا مطلقًا، ذاك قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٢).
وقد ثبت عن جابر: أن أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه: فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجيء الملك الذي عرفه ثانيًا بما عرفه به أولًا إليه. ثم قوله: "يحدث عن فترة الوحي" دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء. واللَّه أعلم.
وقد ثبت في " الصحيحين" عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة ابن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل قبلُ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
فقلت: و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟
стр. 95
فقال: سألت جابر بن عبد اللَّه: أيّ القرآن أنزل قبل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. فقلت: و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ فقال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"إني جاورت بـ (حراء) شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت ببن يدي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أرَ شيئًا، ثم نظرت إلى السماء: فإذا هو على العرش في الهواء، فأخذتني رعدة -أو قال: وحشة- فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ حتى بلغ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ".
وفي رواية:
"فإذا المَلَك الذي جاءني بـ (حراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثيت منه".
وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه، وإنزاله الوحي من اللَّه عليه؛ كما ذكرناه. واللَّه أعلم.
ومنهم من زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها. وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي "الصحيح": من أن أول القرآن نزولًا بعد فترة الوحي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، ولكن نزلت سورة (والضحى) بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة: كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما عن جندب بن عبد اللَّه البجلي قال:
стр. 96
اشتكى رسول اللَّه ﷺ ؛ فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا، فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا تركك. فأنزل اللَّه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وبهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس، وبالأول حصلت النبوة.
* * *
стр. 97
ثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع؛ أي: تدارك شيئًا بعد شيء.
وقام حينئذٍ رسول اللَّه ﷺ الرسالة أتم القيام، وشْمر عن ساق العزم، ودعا إلى اللَّه القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذٍ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد.
فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق.
ومن الغلمان علي بن أبي طالب.
ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته ﵇.
ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي؛ ﵃ وأرضاهم.
стр. 98
فصل في منع الجان ومَرَدَة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفًا واحدًا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر ويختلط الحق
فكان من رحمة اللَّه وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء؛ كما قال اللَّه تعالى إخبارًا عنهم في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
وروى الحافظ أبو نعيم عن ابن عباس قال:
كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًّا، وأما ما زادوا فتكون باطلًا.
فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس -ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك- فقال لهم إبليس: هذا لأمر قد حدث في الأرض.
стр. 99
فبعث جنوده، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ قائمًا يصلي بي جبلين، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الأمر الذي حدث في الأرض (١).
وعنه قال:
انطلق رسول اللَّه ﷺ وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلتْ عليهم الشهب، فرجعَت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسِلتْ علينا الشهب. فقالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، [فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟! فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها].
فمر النفر الذين أخذوا نحو (تهامة) -وهو بـ (نخل) - عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء.
فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾، فأوحى اللَّه إلى نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾.
стр. 100
أخرجاه في "الصحيحين" (١).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عنه قال:
إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع، فإذا نزل الوحي؛ سمعت الملائكة صوتًا كصوت الحديد ألقيتها على الصفا، قال: فإذا سمعت الملائكة خروا سجدًا، فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل، فإذا نزل؛ قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فإن كان مما يكون في السماء ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وإن كان مما يكون في الأرض من: أمر الغيب، أو موتٍ، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به، فقالوا: يكون كذا وكذا. فتسمعه الشياطين، فينزلونه على أوليائهم.
فلما بُعِثَ النبي محمد ﷺ دُحِروا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه، فيذبح كل يوم شاة، وذو الإبل فينحر كل يوم بعيرًا، فأسرع الناس في أموالهم. فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا؛ فإن كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لأمر حدث. فنظروا؛ فإذا النجوم التي يُهتدَى بها كما هي لم يَزُلْ منها شيء، فكفوا.
стр. 101
وصرف اللَّه الجن فسمعوا القرآن، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾.
وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا حَدَثٌ حَدَثَ في الأرض، فأتوني من كل أرض بتربة، فأتوه بتربة تِهامة، فقال: هاهنا الحدث.
ورواه البيهقي والحاكم عن عطاء بن السائب (١).
وثبت في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال:
كان رسول اللَّه ﷺ جالسًا في نفر من أصحابه [من الأنصار]، فَرُمي بنجم عظيم فاستنار، قال:
"ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ ".
قال: كنا نقول: يولد عظيم، أو يموت عظيم -قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم؛ ولكن غلظت حين بعث النبي ﷺ قال: "فإنه لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماءً؛ حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويخطف الجن السمع
стр. 102
فيرمُون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون [فيه] ويزيدون" (١).
[المستدرك]
عن أبي هريرة ﵁ أن نبي اللَّه ﷺ قال:
"إذا قضى اللَّه الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله؛ كأنه سلسلة على صفوان [ينفذهم ذلك]، فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. فيسمعها مسترقـ[ـوا] السمع، ومسترقـ[ـوا] السمع هكذا: بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بكفه؛ فحرفها وبَدَّدَ (وفي لفظ: وفرَّج) بين أصابعه- فيسمع الكلمة، فيلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهابُ [المستمعَ] قبل أن يُلقِيَها [إلى صاحبه فيُحرق]، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فَيُصَدَّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء".
стр. 103
أخرجه البخاري (١).
وعن عائشة ﵂ قالت:
سأل أناس رسول اللَّه ﷺ عن الكهان؟ فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ليسوا بشيء".
قالوا: يا رسول اللَّه! فإنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقًّا؟ قال رسول اللَّه ﷺ :
"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فَيَقُرُّها في أذن وليه قَرَّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة".
أخرجه الشيخان (٢). [انتهى المستدرك].
стр. 104
فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ -
قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، وثاني مرة أيضًا.
وعن عائشة ﵂:
أن الحارث بن هشام سأل رسول اللَّه ﷺ قال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوحي؟ فقال:
"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ؛ ففينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا يكلمني؛ فأعي ما يقول".
قالت عائشة ﵂:
ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد؛ فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا.
أخرجاه في "الصحيحين"، وأحمد (١).
وفي حديث الإفك قالت عائشة:
فواللَّه؛ ما رام رسول اللَّه ﷺ ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء، حتى إنه كان يتحدَّر منه مثل الجُمان
стр. 105
من العرق -وهو في يوم شاتٍ- من ثقل الوحي الذي أنزل عليه (١).
وفي "صحيح مسلم" وغيره عن عبادة بن الصامت قال:
كان رسول اللَّه ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك، وتربّد وجهه (٢). (وفي رواية: وغمض عينيه، وكنا نعرف ذلك منه).
وفي "الصحيحين" (٣) حديث زيد بن ثابت حين نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
قال: وكانت فخذ رسول اللَّه ﷺ على فخذي، وأنا أكتب، فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي.
وفي "صحيح مسلم" (٤) عن يعلى بن أمية قال: قال لي عمر:
أيسرك أن تنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يوحى إليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه
стр. 106
وهو يوحى إليه بـ (الجعرانة)؛ فإذا هو محمر الوجه، وهو يغط كما يغط البَكر.
وثبت في "الصحيحين" (١) من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى (المناصع) (٢) ليلًا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة! فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسألته وهو جالس يتعشى والعَرْقُ (٣) في يده، فأوحى اللَّه إليه، [ثم رفع عنه]، والعَرْق في يده [ما وضعه]، ثم رفع رأسه فقال: "إنه قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن".
فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية؛ بدليل أنه جالس، ولم يسقط العَرْق أيضًا من يده؛ صلوات اللَّه وسلامه دائمًا عليه.
وروى أبو يعلى عن الفَلَتان (٤) بن عاصم قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ وأُنزل
стр. 107
عليه، وكان إذا أُنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة، وفرغ سمعه وقلبه لِمَا يأتيه من اللَّه ، [فكنا نعرف ذلك منه].
وروى أحمد وأبو نعيم عن أسماء بنت يزيد قالت:
إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول اللَّه ﷺ إذ نزلت عليه (المائدة) كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة (١).
وروى أحمد أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو قال:
أنزلت على رسول اللَّه ﷺ سورة (المائدة) وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها (٢).
وروى ابن مردويه عن أم عمرو عن عمها:
أنه كان في مسير مع رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت عليه سورة (المائدة)، فاندَقَّ عنق الراحلة من ثقلها.
وهذا غريب من هذا الوجه (٣).
стр. 108
ثم قد ثبت في "الصحيحين" نزول سورة (الفتح) على رسول اللَّه ﷺ مرجعه من الحديبية وهو على راحلته، فكان يكون تارة وتارة، بحسب الحال (١). واللَّه أعلم.
стр. 109
فصل
قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وكان هذا في الابتداء؛ كان ﵊ من شدة حرصه على أخذه من المَلَك ما يوحى إليه عن اللَّه يسابقه (١) في التلاوة، فأمره اللَّه تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته وتبليغه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، ويوقفه على المراد منه.
ولهذا قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾؛ أي: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: وتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾؛ أي: تلاه عليك المَلَكُ، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أي: فاستمع له وتدبره، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾؛ وهو نظير قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
стр. 110
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس قال:
كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه، فأنزل اللَّه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾؛ قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾؛ قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه .