Полный текст (410 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
عَلَيْهِ السَّلَام من حسن الْعبارَة وإيضاح الْحجَّة أَلا ترى إِلَى قَوْله ﵇ فِيمَا حكى عَنهُ من حجاجهم فِي سُورَة العنكبوت ﴿إِنَّمَا تَعْبدُونَ من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا﴾ كَيفَ عقب بطلَان مَا هم عَلَيْهِ مَا يدل على سوء اختيارهم فِي اخْتلَافهمْ الافك افتراء من عِنْد أنفسهم فَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب لحَال المناظرة أَلا ترَاهُ لَا يصلح أَن يَقُول عوض قَوْله وتخلقون افكا وَالله الَّذِي خلق هَذَا الافك فِيكُم وأراده مِنْكُم لِأَنَّهُ يكون بذلك كالمعتذر لَهُم فِي حَال النكير عَلَيْهِم فَيكون مناقضا لقصده فَكَذَلِك لَو جعلنَا الْخلق بِمَعْنى انشاء الْعين فِي قَوْله ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَالْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿كتابا متشابها﴾ أَي يشبه بعضه بَعْضًا فِي مَعَانِيه وَأَحْكَامه فَهَذِهِ الْوُجُوه ترجح أَن مَا تَعْمَلُونَ بِمَعْنى لذِي تَعْمَلُونَ على أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن تجْعَل الْأَصْنَام هِيَ المعمولة لِأَنَّهَا لَا تسمى أصناما الا بعد عَمَلهم أَو على أَن تجْعَل مَعْمُولا فِيهَا وَلَوْلَا مَا شهد لذَلِك من الْقُرْآن وَالسّنة والمرجحات الضرورية مَا رضيت أَن أَتكَلّم فِي كتاب الله تَعَالَى بِغَيْر علم وأقصى مَا فِي الْبَاب أَن يكون الَّذِي ذكرته مُحْتملا غير رَاجِح فَكيف يجوز الْقطع بِأَنَّهُ غير مُرَاد الله تَعَالَى وَالْقطع على أَن نقيضه هُوَ المُرَاد والاحتجاج بذلك على مَسْأَلَة كبرى قَطْعِيَّة من مهمات مسَائِل الِاعْتِقَاد الَّتِي أوقعت الْفرْقَة بَين الْمُسلمين والعداوة وَالله تَعَالَى يوفق الْجَمِيع إِلَى مَا أمرنَا بِهِ رَبنَا من الِاجْتِمَاع ويعصمنا عَمَّا نَهَانَا عَنهُ من التَّفَرُّق وَلنْ يُوجد إِلَى ذَلِك سَبِيل أوضح من ترك مَا لم يَتَّضِح وَالرُّجُوع إِلَى مَا استبان من الْكتاب وَالسّنة والتقديم لَهُ على مَا وَقع فِيهِ الِاحْتِمَال وَالِاخْتِلَاف وَالله عِنْد لِسَان كل قَائِل وَنِيَّته وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
وَقد أوضحت فِي العواصم بَقِيَّة المباحث وَبطلَان دَعْوَى الاجماع على خلق الْأَعْمَال إِلَّا بِمَعْنى التَّقْدِير وَسبق الْقَضَاء وجفوف الاقلام كَمَا قد ورد فِي كتاب الله تَعَالَى وَعَن رَسُول الله ﷺ واتفقت الامة المرحومة المعصومة على صِحَة مَعْنَاهُ أَنه لَا يَقْتَضِي افحام الرُّسُل وَلَا يُنَاقض كَمَال
стр. 317
حجَّة الْحَكِيم الْعَلِيم على مَا عَصَاهُ من عباده وَذكر ذَلِك كُله هُنَا يخرجنا عَن قصد الِاخْتِصَار بالمرة
وَلَا نزاع فِي أَن الْأَفْعَال مخلوقة بِمَعْنى مقدرَة وَأما بِغَيْر ذَلِك الْمَعْنى فان سلمنَا أَن ذنوبنا تسمى مخلوقة لله تَعَالَى فِي اللُّغَة بِغَيْر ذَلِك الْمَعْنى مَعَ صدورها منا باختيارنا على وَجه تقوم الْحجَّة بِهِ علينا فَلَا وَجه لادخال ذَلِك فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد وأركان الاسلام وواجبات الايمان وَلَا حجَّة على ذَلِك وَلَا شُبْهَة وَلَا حرج على من لم يُؤمن بذلك لجهله بِهِ فَلَيْسَ كل حق يجب أَن يدْخل ذَلِك من وجود الموجودات وَعدم المعدومات وَقد علمنَا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ديننَا كَمَا علمه ربه وَحصر لنا أَرْكَان الاسلام وَعلمنَا الايمان والاحسان فَمَا عد فِيهِ خلق الافعال وَإِنَّمَا عد فِيهِ سبق الاقدار كَمَا تَوَاتر فِي الاخبار وَلذَلِك لم يذكرهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ كَمَا ذكر الْقدر وَغَيره فِي أواخره ثمَّ انْظُر مَعَ تَسْلِيم نفي الْجَبْر وَتَسْلِيم قيام الْحجَّة لله تَعَالَى بِخلق الْقُدْرَة وتمكين الْمُكَلّفين أَي ثَمَرَة تبقي لاعتقاد أَن الْأَفْعَال مخلوقة وَإِنَّمَا حَافظ على ذَلِك فِي الأَصْل من يَقُول بالجبر ثمَّ ظن كثير من أهل الْكَلَام والْحَدِيث بعد ذَلِك أَنه من لَوَازِم عقائد السّنة فقالوه مَعَ نفي الْجَبْر وَلذَلِك ذكر ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى أَن الْأَشْعَرِيّ ألزم من قَوْله بذلك القَوْل بتكليف مَا لَا يُطَاق وَفِي كَلَامه هَذَا دلَالَة على أَن القَوْل مِمَّا يخْتَص بالأشعري وَحده فِي أول الْأَمر وَالله أعلم
وعَلى تَسْلِيم ذَلِك كُله فاعتقاد أَنَّهَا مخلوقة بِمَعْنى مقدرَة يَكْفِي وَهُوَ صَحِيح بالاجماع كَمَا تقدم وَفِيه الحيطة والعصمة عَن تعديه إِلَى مواقع الْخلاف ومظان الْبِدْعَة وَلَكِن يعبر عَنْهَا بِأَنَّهَا مقدرَة لِأَنَّهَا صَرِيح عبارَة الْكتاب وَالسّنة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا يعبر عَنْهَا بِأَنَّهَا مخلوقة لِأَنَّهَا توهم خلاف الصَّوَاب وَلِأَنَّهَا عبارَة الجبرية وَأهل الْكَلَام الْمُتَأَخِّرين عَن عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ وَلِأَنَّهَا مُخْتَلف فِيهَا وَقد نهينَا عَن الِاخْتِلَاف واختياره مَعَ التَّمَكُّن من تَركه وَقد نهى الله تَعَالَى عَن قَوْلهم رَاعنا وَأمر أَن يَقُولُوا مَكَانَهُ انظرنا لمصْلحَة يسيرَة كَيفَ مَا نَحن فِيهِ وَالله الْهَادِي وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم
стр. 318
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف مَا لَا يُطَاق
وَهُوَ قَول الجماهير من جَمِيع طوائف الْمُسلمين وَإِجْمَاع العترة والشيعة والمعتزلة وَرَوَاهُ ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ عَن الْفُقَهَاء أَجْمَعِينَ وَنسب السُّبْكِيّ الْمَنْع مِنْهُ إِلَى الْغَزالِيّ وَالشَّيْخ أبي حَامِد وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين الشهير بِابْن دَقِيق الْعِيد وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ والآمدي على تَفْصِيل ذكره فِي الْفرق بَين الْمحَال لذاته وَلغيره
وَاعْلَم أَن هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَلَا ريب وَإِنَّمَا يتعجب من وُقُوع الْخلاف الشاذ فِي ذَلِك وَأي شكّ فِي ذَلِك وَالله تَعَالَى قد نَص فِي كِتَابه الْكَرِيم على ذَلِك فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى (لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا) بالنُّون وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿إِلَّا مَا آتاها﴾ وَمِنْه ﴿أم تَسْأَلهُمْ أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مكناهم فِي الأَرْض﴾ وَفِي آيَة ﴿وَلَقَد مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ الْآيَة وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى
وَالْمرَاد بالاحتجاج بِهَذِهِ الْآيَات وَنَحْوهَا أَنَّهَا شاهدة على اعْتِبَار مَا يُسمى حجَّة فِي عرف الْعُقَلَاء وَامْتِنَاع نقيض ذَلِك على أحكم الْحَاكِمين وَأَن هَذَا مَعْلُوم ضَرُورَة من كتب الله تَعَالَى وأديان رسله ﵈ وَنَصّ على مَا يسْتَلْزم ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى كَثْرَة من سَعَة رَحمته وَظُهُور عدله وعظيم فَضله وَعدل أَحْكَامه وَظُهُور حكمته وشمول نعْمَته وَقَوله من أَتَانِي يمشي أَتَيْته أسعى وَمن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت اليه ذِرَاعا بل سمح سُبْحَانَهُ من الوسع الْمُمكن الْمَقْدُور مَا لَا يُحْصى وَنَصّ على ذَلِك فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾
стр. 319
) فسمح مِمَّا يُطَاق الْكثير الَّذِي لَا يعلم مِقْدَاره إِلَّا هُوَ وَلم يبْق من التكاليف إِلَّا مَا جعله سَببا لِرَحْمَتِهِ وفضله وكرامته كَمَا جعل الْبذر فِي الدُّنْيَا سَببا للزَّرْع الَّذِي لَا ينميه ويتمه سواهُ وَبشر سُبْحَانَهُ وَيسر وَنهى عَن التعسير والتنفير وَجَاء على لِسَان نبيه نَبِي الرَّحْمَة ﷺ أَنه الْمَبْعُوث بالحنيفية السمحة وتلقى ذَلِك عُلَمَاء الاسلام بالتصديق والاشاعة وَعمِلُوا فِي الاحكام بِحَسب ذَلِك وَاحْتَجُّوا بِهِ وشاع فِيمَا بَينهم وذاع وانعقد على عدم انكاره الاجماع وَلم يُعَارض ذَلِك عقل وَلَا شرع وَلَا نَص وَلَا ظَاهر وناسب هَذَا كُله تمدح أصدق الْقَائِلين بِأَنَّهُ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَخير الرَّاحِمِينَ وَأكْرم الأكرمين وَلَا يخْتَص الْمُؤمنِينَ من رَحمته تَعَالَى إِلَّا كتَابَتهَا ووجوبها لَهُم وَنَحْو ذَلِك دون سعتها فانها لكل شَيْء كَمَا تبين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾ الْآيَة وَمن حرمهَا فَذَلِك لاستحقاقه ولحكمه بَالِغَة وَهِي تَأْوِيل الْمُتَشَابه على مَا نَص على أَن الْخُصُوم جوزوا تَكْلِيف الْمُؤمنِينَ المرحومين بِمَا لَا يُطَاق عقلا وسمعا بل جوزوا عقلا عقابهم بذنوب أعدائهم الْمُشْركين بل جوزوا ذَلِك فِي حق الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالله تَعَالَى تمدح بضد ذَلِك وَبِأَن لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَله أعظم الْحَمد وَالْمجد وَالشُّكْر وَالثنَاء دع عَنْك الْعدْل فِي الحكم وَالْجَزَاء وعضد ذَلِك الثَّنَاء الْعَظِيم من رَسُوله الْكَرِيم بِأَنَّهُ لَا أحد أحب اليه الْعذر مِنْهُ من أجل ذَلِك أرسل رسله إِلَى الْعَالمين وَأنزل كتبه على الْمُرْسلين وَجعل رسله تترى إِلَى خلقه مبشرين ومنذرين ومعلمين ومحتجين وميسرين غير معسرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل
وَالْعجب مِمَّن يَدعِي الْفِقْه والفهم بل الامامة الْعُظْمَى فِي الْعلم كَيفَ لم يعلم أَن مُرَاد الله تَعَالَى هُوَ أطيب الثَّنَاء وَأحسن الْأَسْمَاء وأجمل الْحَمد وَأتم الْعدْل وَأحمد الْأُمُور كلهَا أَو قد فهم هَذَا كُله وَلَكِن ظن أَن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَطلب تنجيزه من العَبْد الضَّعِيف وعقوبته عَلَيْهِ أَشد الْعقُوبَة وأدومها هُوَ أنسب بأطيب الثَّنَاء والممادح الربانية والمحامد الرحمانية من
стр. 320
عكس ذَلِك كَأَنَّهُ لم يعرف الْقُرْآن وَالسّنة قطّ قَالَ فِي ذَلِك ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ وَقَالَ ﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ وَقَالَ فِي الزمر ﴿أَن تَقول نفس يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله وَإِن كنت﴾ الْآيَات إِلَى قَوْله ﴿بلَى قد جاءتك آياتي فَكَذبت بهَا واستكبرت وَكنت من الْكَافرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذكرى وَمَا كُنَّا ظالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَجعل الْقسْط الَّذِي هُوَ الْعدْل مِمَّا هُوَ لَازم لتوحيده فِي الالهية وَمِمَّا هُوَ قَائِم بِهِ وَمِمَّا شهد بِهِ لنَفسِهِ وَشهد لَهُ بِهِ خَواص خلقه وَأهل مَعْرفَته وَالْعدْل هُوَ ضد الْجور والعنف والعسف وَذَلِكَ كُله دون تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فانه قد وصف بذلك كثير من مُلُوك الْجور وَلم يُوصف أحد مِنْهُم قطّ بتكليف مَا لَا يُطَاق كَمَا يَأْتِي تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا أَفلا يخَاف الْمُخَالف أَن لَا يكون من الْعلمَاء الَّذين شهدُوا لله بِهَذِهِ الشَّهَادَة إِلَى غير ذَلِك
وأوضح من ذَلِك أَنه كتب الاعمال فِي الْكتب وَأشْهد على خلقه مَلَائكَته الْكِرَام ثمَّ نصب الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وأنطق الْجُلُود والاعضاء بعد شَهَادَة الْمَلَائِكَة وصالحي خلقه بعد رسله ﵈ كل ذَلِك ليقيم الْحجَّة حجَّة عدله وعظيم فَضله وَيقطع اعذار المعاندين والجاهلين والمتجاهلين وَكم احْتج الله تَعَالَى بذلك وتمدح بِهِ فِي كريم كِتَابه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وهديناه النجدين﴾ وَقَوله عز سُلْطَانه ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ بل نفى مَا يسْتَلْزم ذَلِك أَو يُقَارِبه
стр. 321
كَمَا قَالَ ﴿أم تَسْأَلهُمْ أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ فأوضح أَنه لم يبْق لَهُم عذرا يتعللون بِهِ إِذْ لَا معنى لنفي المغرم الثقيل مَعَ وجود التَّكْلِيف الْمُمْتَنع لذاته المستحيل ثمَّ تمدح بِالْقضَاءِ الْحق يَوْم الْقِيَامَة فِي غير آيَة
فالعجب مِمَّن لم يفهم أَن ذَلِك يُنَافِي تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق ويضاده مِمَّن يَدعِي الانصاف وَفهم الدقائق والغوص على غوامض الْحَقَائِق وَأَنه فِي رُتْبَة الذب عَن الاسلام وَنَحْو ذَلِك كثير جدا فِي كتاب الله تَعَالَى فَكيف يقدم على هَذَا كُله مَفْهُوم ظَنِّي مَرْجُوح مُخْتَلف فِي مَعْنَاهُ كَمَا ذكره الْغَزالِيّ فِي قَوْله تَعَالَى حاكيا عَن عباده ﴿رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَيَقُول ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ وَلَا شكّ فِي وضوح الْآيَات فِي نفي ذَلِك وحسنها سمعا وعقلا وفضلا وعدلا
وَأما الْآيَة الَّتِي احْتج بهَا فقد ذكر الْبَغَوِيّ وَغَيره من هَل السّنة اخْتِلَاف الْمُفَسّرين فِي مَعْنَاهَا وفيهَا احْتِمَالَانِ لَا دَافع لَهما وَأيهمَا كَانَ تَفْسِيرهَا فَالثَّانِي تَفْسِير الَّتِي قبلهَا فَافْهَم أَحدهمَا أَن يكون المُرَاد التكاليف الشاقة مَعَ دُخُولهَا تَحت الْقُدْرَة وَقد دلّ على ذَلِك حَدِيث أبي قَتَادَة ﵁ خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح وَغير مُسلم وَفِيه أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَمَّن يَصُوم الدَّهْر فَقَالَ لَا صَامَ وَلَا أفطر فَقيل كَيفَ بِمن يَصُوم يَوْمَيْنِ وَيفْطر يَوْمًا قَالَ أَو يُطيق ذَلِك أحد إِلَى قَوْله فِيمَن يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وددت أَنِّي طوقت ذَلِك
وَقد نَص ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة على أَنه ﷺ لم يعجز عَن ذَلِك لضعف
стр. 322
وَأعظم من ذَلِك نفي رَسُول الله ﷺ أَن يُطيق أحد على صَوْم يَوْمَيْنِ وَفطر يَوْم وَذَلِكَ وَاضح فِي أَنه ﷺ فسر الطَّاقَة هُنَا بِمَا لَا مشقة فِيهِ وَلَا حرج فَدلَّ على أَن الشاق يُسمى غير مطاق فِي عرفهم وَلَا أصح من اثبات اللُّغَة بالسند الصَّحِيح بل الْمُتَّفق على صِحَّته من طَرِيق تلقتها الامة بِالْقبُولِ وَادّعى الاجماع على صِحَّتهَا بَاطِنا وظاهرا عدد كثير من أَئِمَّة الاسلام وَعَادَة اللغويين والمفسرين الِاكْتِفَاء فِي مثل ذَلِك بِرِوَايَة بعض أهل اللُّغَة بِغَيْر سَنَد وَلَا تَوْثِيق
الِاحْتِمَال الثَّانِي أَن يكون من تحميل عقوبات الذُّنُوب فِي الدَّاريْنِ مثل المصائب فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر فِي البرزخ وَعَذَاب النَّار فِي الْآخِرَة وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تدع مثقلة إِلَى حملهَا لَا يحمل مِنْهُ شَيْء وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ وَهَذَا صَرِيح فِي هَذَا الْمَعْنى وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ولنحمل خطاياكم وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شَيْء﴾
وَمِنْه حَدِيث عبد الْملك فِي ابْن الزبير وددت أَنِّي تركته وَمَا يحمل من الاثم فِي هدمها وبنائها ذكره ابْن الْأَثِير فِي نِهَايَة الْغَرِيب فِي مَادَّة ح م ل وَهُوَ معنى صَحِيح فصيح وَقد فسر بِهَذَا الْمَعْنى الْعَلامَة الْمُتَّفق على علمه وجلالته عبد الْملك بن جريج فَقَالَ هُوَ مسخ القردة والخنازير رَوَاهُ الْبَغَوِيّ عَنهُ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة فَجعله من قبيل مَا لَا يُطَاق من عقوبات الذُّنُوب وَجعله كثير من الْمُفَسّرين من الاول أَعنِي الشاق فَقَالَ مُجَاهِد هُوَ الغلمة وَقَالَ ابراهيم هُوَ الْحبّ وَقيل شماتة الْأَعْدَاء وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الْعِشْق وَقيل هُوَ الْفرْقَة والقطيعة ذكر ذَلِك كُله الْبَغَوِيّ وَلم يذكر قطّ عَن أحد من الْمُفَسّرين أَنه تَكْلِيف الْمحَال وَهُوَ من أهل السّنة فَكيف يرى هَذَا الْمَعْنى المتسع لمثل هَذِه الِاحْتِمَالَات والمعاني الْمُخْتَلفَة يقدم على النَّص الْجَلِيّ الَّذِي أثنى الله تَعَالَى بِهِ على نَفسه وتمدح بِهِ من قَوْله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَمَا فِي معنى ذَلِك من أَسمَاء الله الْحسنى وَمَا ذَكرْنَاهُ من الحَدِيث وَلَا سِيمَا ونزول قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ كل ذَلِك مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾
стр. 323
) فِي آيَة وَاحِدَة وَفِي وَقت وَاحِد فَلَا يجوز أَن يتناقض فَيكون أَحدهمَا نَاسِخا وَالْآخر مَنْسُوخا وكونهما نزلا مَعًا أَمر ثَابت فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَعَن أبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله ﷺ على أَنا لَو سلمنَا لمن احْتج بهَا مَا توهمه من أَن المُرَاد لَا تحملنا مَا لَا نطيقه من التكاليف الْمحَال وُقُوعهَا لما سلمنَا أَن الدُّعَاء بذلك يسْتَلْزم جَوَاز وُقُوعه من الله تَعَالَى فقد دلّ الدَّلِيل على جَوَاز الدُّعَاء بِمَا لَا يجوز على الله تَعَالَى خِلَافه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ﴾ فانه دُعَاء إِلَى الله تَعَالَى بِمَا لَا يَقع سواهُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل رب إِمَّا تريني مَا يوعدون رب فَلَا تجعلني فِي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ فانه مَعْلُوم أَن الله تَعَالَى لَا يَجْعَل رَسُوله الْكَرِيم عَلَيْهِ الحبيب اليه مَعَ خصومه المكذبين بِهِ المعاندين لَهُ فِيهِ وَكَذَلِكَ استغفاره ﷺ من ذنُوبه فانه مَأْمُور بِهِ فِي سُورَة النَّصْر وَهِي نزلت بعد قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْفَتْح ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَهُوَ سُؤال لما لَا يَقع وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ لعَلي ﵇ أَلا أعلمك كَلِمَات إِذا قلتهن غفر الله لَك مَعَ أَنه مغْفُور لَك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من حَدِيثه ﵇ فَيكون الدُّعَاء حِينَئِذٍ عبَادَة يحصل بهَا الثَّوَاب والتشريف للْعَبد والتقريب وَتَحْصِيل المسؤول بسببين لما لله تَعَالَى فِي ذَلِك من الْحِكْمَة فَأولى وَأَحْرَى قَوْله تَعَالَى ﴿رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ وَهَذَا أَمر شهير كثير جدا وَمِنْه قَول الْقَائِل
(وَهَذَا دُعَاء لَو سكت كفيته ... لِأَنِّي سَأَلت الله مَا هُوَ فَاعل)
وأعجب من ذَلِك قَول الْغَزالِيّ فِي الاحياء أَن ذَلِك وَقع جَازِمًا بِهِ محتجا عَلَيْهِ بتكليف أبي لَهب بِالْإِيمَان مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ وَقد رد هَذَا ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى بِأَنَّهُ مثل خبر قوم نوح ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ قلت بل هُوَ وَالْعلم السَّابِق سَوَاء وَالْكل مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي الْمَعْرُوفَة فِي علم الْأُصُول بالممتنع لغيره لَا لذاته والتكليف بذلك جَائِز بالاجماع وَلَا يُسمى محالا وفَاقا
стр. 324
وَقد بَين الْحلِيّ المعتزلي الشيعي فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى أَن ذَلِك هُوَ الَّذِي جوزه الْغَزالِيّ وَابْن الْحَاجِب لَا الْمحَال لنَفسِهِ قلت بل ذَلِك جَائِز عِنْد الْمُعْتَزلَة وَجَمِيع الْمُسلمين أَجْمَعِينَ إِلَّا من زعم أَن الله تَعَالَى لَا يعلم الْغَيْب مِمَّن يَدعِي الاسلام من الغلاة فِي نفي الْقدر وَقد بَين ذَلِك الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد فِي شرح نهج البلاغة فِي شرح قَوْله ﵇ اقْتُلُوهُ وَلنْ تقتلوه فَكيف أوهم الْغَزالِيّ فِي الاحياء أَنه يجوز التَّكْلِيف بالمحال مُطلقًا وأوهم أَن ذَلِك وَقع
وَقد قَالَ السُّبْكِيّ فِي جمع الْجَوَامِع وَالْحق وُقُوع الْمُمْتَنع بِالْغَيْر لَا بِالذَّاتِ وتسميتهم لهَذَا الْجِنْس بالممتنع من قبيل الْمجَاز وَهُوَ مِمَّا لَا يجوز إِلَّا مَعَ الْبَيَان لِأَن الْعلم غير مَانع بِنَفسِهِ عِنْد جَمِيع الْمُحَقِّقين
وَقد نَص الشهرستاني من كبار الأشعرية على أَن الْعلم غير مُؤثر بالاجماع وَصحح ذَلِك غير وَاحِد مِنْهُم دع عَنْك الْمُعْتَزلَة وَاحْتج الْجُوَيْنِيّ على ذَلِك بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعلم يُؤثر فِي الْمَعْلُوم لما تعلق الْعلم بالقديم نَفسه لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يُؤثر فِي الله تَعَالَى شَيْء
وَاحْتج الرَّازِيّ على ذَلِك بِوُجُوه كَثِيرَة مِنْهَا أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى نفي قدرَة الله تَعَالَى وَذَلِكَ كفر بالاجماع وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك لِأَن علم الله تَعَالَى مُتَعَلق بِجَمِيعِ أَفعاله وتروكه فَكَانَ يلْزم أَن مَا علم الله أَنه يَفْعَله فِي وَقت لم يُوصف بِالْقُدْرَةِ على تَركه وَلَا تَقْدِيمه وَلَا تَأْخِيره وَمَا علم أَنه يتْركهُ لم يُوصف بِالْقُدْرَةِ على فعله وَذَلِكَ يسْتَلْزم اسْتِقْلَال الْعلم بالتأثير واستغناء الْعَالم عَن الْقُدْرَة وَذَلِكَ يسْتَلْزم انقلاب الْعلم قدرَة وانقلاب الْفَاعِل الْمُخْتَار غير مُخْتَار وَذَلِكَ محَال
وَذكر ابْن الْحَاجِب أَن مثل هَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَن التكاليف كلهَا تَكْلِيف بالمحال قَالَ وَذَلِكَ خلاف الاجماع وَقَالَ أَيْضا أَن الْمُمكن لَا يخرج عَن امكانه بِخَبَر أَو علم انْتهى
стр. 325
وَاعْلَم أَنهم إِنَّمَا أَرَادوا أَن الْعلم لَا يُؤثر تَأْثِير الْقُدْرَة فِي إِيجَاد المعلومات وَفعل المأمورات وَلم يُرِيدُوا نفي كل تَأْثِير للْعلم مُطلقًا فان الْعلم يُؤثر تَأْثِير الدَّوَاعِي والصوارف مِثَاله أَن من علم أَن الْعقَاب يحصل على ترك الصَّلَوَات وَالثَّوَاب الْعَظِيم يحصل على فعلهَا كَانَ علمه ذَلِك مرجحا لفعلها على تَركهَا مؤثرا فِي وُقُوعهَا من الْعَالم بذلك أَلا ترَاهُ لَا يَتْرُكهَا مَعَ أَن تَركهَا أسهل مَا ذَاك إِلَّا لترجيح الْعلم نعم وَقد ذكرت فِي العواصم غير هَذِه الْوُجُوه فِي أَن الْعلم غير مُؤثر تَأْثِير الْقُدْرَة وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى جود الْكَلَام فِي ذَلِك وَذكرت فِي العواصم وَجها حسنا فِي افحام من يحْتَج على الله تَعَالَى بِالْعلمِ من المبتدعة والملاحدة وَذَلِكَ أَنا لَو سلمنَا تَسْلِيم جدل أَنه مُؤثر ومانع من خِلَافه منع اسْتِحَالَة لزم أَن تكون حجَّة الله تَعَالَى على عَذَاب العصاة لِأَن الْعلم بِأَفْعَال الله تَعَالَى كَمَا يتَعَلَّق بِأَفْعَال عباده إِجْمَاعًا فَكَمَا أَنهم لَا يستحسنون من الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة أَن يَقُول إِنَّمَا عذبتكم لسبق علمي بذلك فَكَذَلِك لَا يحسن مِنْهُم أَن يَقُولُوا إِنَّمَا عصيناك لسبق علمك بذلك وَإِن حسن ذَلِك مِنْهُم كَانَ من الله أحسن
وَيلْحق بِهَذِهِ أُمُور يشْتَد تعجب الْعَاقِل مِنْهَا
أَحدهَا أَن مَذْهَب الْغَزالِيّ نَفسه أَن التَّكْلِيف بالمحال لذاته لَا يجوز على الله وَهُوَ مَشْهُور عَنهُ فِي شرح الْمُنْتَهى وَجمع الْجَوَامِع وَغَيرهمَا حَتَّى ذكرُوا أَن حجَّته على ذَلِك هِيَ حجَّة ابْن الْحَاجِب وَإِنَّمَا أَرَادَ الْغَزالِيّ بِالْوَصِيَّةِ بذلك فِي إحْيَاء عُلُوم الدّين الْمُوَافقَة لعقيدة الاشعرية على أَن ذَلِك لم يَصح قطّ عَن الاشعري وَلَا لذَلِك عَنهُ أصل صَحِيح كَمَا أوضحته فِي العواصم وَلذَلِك صدر ابْن الْحَاجِب الْمَسْأَلَة بِأَن التَّكْلِيف بالمحال لَا يجوز ثمَّ قَالَ وَنسب خِلَافه إِلَى الاشعري على صِيغَة مَا لم يسم فَاعله ثمَّ ذكر أَن ذَلِك نسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ على جِهَة الالزام لَهُ لَا أَنه نَص على ذَلِك ثمَّ تعصب أَصْحَاب الاشعري لَهُ على توهم أَنه مذْهبه وقدموه على نُصُوص كتاب الله تَعَالَى ونصوص رَسُوله ﷺ وعَلى الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة فانا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَثَانِيهمَا أَن الْغَزالِيّ ذكر فِي كِتَابه الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد تَأْوِيل ذَلِك بِمَا يُخرجهُ عَن مَحل النزاع وَيَقْتَضِي جمع الْكَلِمَة على نَفْيه عَن الله سُبْحَانَهُ
стр. 326
وَتَعَالَى فَللَّه الْحَمد وَذَلِكَ أَنه ذكر فِيهِ أَن المُرَاد بذلك مُجَرّد اعْتِقَاد الْمُكَلف أَنه مُخَاطب بذلك لَا أَنه مَطْلُوب مِنْهُ لَكِن خُوطِبَ بِهِ ليعتقد توجه الطّلب اللَّفْظِيّ اليه لَا أَنه أُرِيد مِنْهُ فعله وَلَا يجب عَلَيْهِ إِلَّا مُجَرّد ذَلِك الِاعْتِقَاد
قلت وَهَذَا على نَحْو قَول الله تَعَالَى للمصورين يَوْم الْقِيَامَة أحيوا مَا خلقْتُمْ للتعجيز لَا لطلب ذَلِك مِنْهُم وَمِنْه حَدِيث من كذب فِي حلمه كلف يَوْم الْقِيَامَة عقد شعيرَة وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجُوَيْنِيّ فِي مُقَدمَات الْبُرْهَان فَقَالَ إِن كَانَ المُرَاد وُرُود صِيغَة الامر لَا حَقِيقَته فَذَلِك جَائِز كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ فان مَعْنَاهُ كوناهم قردة فَكَانُوا كَمَا شِئْنَا وَإِن كَانَ المُرَاد تَحْصِيل الْمَأْمُور بِهِ فَذَلِك مُمْتَنع قلت قد صرح الْغَزالِيّ فِي الاقتصاد أَن الأول هُوَ المُرَاد وعَلى هَذَا فَلَا يكون اعلام أبي لَهب بِأَنَّهُ سيصلي نَارا ذَات لَهب بعد كفره الْعَظِيم مَحل النزاع لوجوه
الْوَجْه الأول إِن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي تَكْلِيف يَقع عَلَيْهِ الْجَزَاء والعقوبة وَحده كَمَا لَو كلف أعمى بنقط مصحف على الصَّوَاب وَلم يكلفه الله تَعَالَى بِغَيْر ذَلِك وَلَا عَاقِبَة على سواهُ وَكَانَ الاعمى يود أَنه تمكن من ذَلِك وامتثل ثمَّ يخلد فِي عَذَاب النَّار بترك ذَلِك فَهَذَا مَا لم ينْسبهُ أحد إِلَى معبوده من جَمِيع الْعُقَلَاء بل هَذَا مَا لم ينْسبهُ إِلَى أحد من رُؤَسَاء المخلوقين حَتَّى تفاحشت الْبدع ورذلت حَتَّى تكلم فِي مهمات قَوَاعِد الْإِسْلَام بالآراء والأوهام وَضربت فِيهَا المقاييس والأمثال وتجارى فِيهَا أهل الاهواء مجاراة المتنافسين وتجاروا على ذَلِك مجاراة المتعادين فَظن بَعضهم أَن هَذَا لَيْسَ بِصفة نقص عقلا مَعَ موافقتهم على أَن الْكَذِب صفة نقص عقلا وَالْكذب دون هَذَا النَّقْص بِكَثِير لَا سِيمَا الْكَذِب النافع ثمَّ تجاسروا بعد ذَلِك على تجويزه على الله تَعَالَى ثمَّ ادعوا وُقُوعه من الله تَعَالَى
وَاعْلَم أَنه لَا استبعاد أَن يُعَاقب الله تَعَالَى بذلك فِي الْآخِرَة من جوز عَلَيْهِ التَّكْلِيف بالمحال الَّذِي لَا يُطَاق كَمَا صَحَّ أَن يُقَال للمصورين يَوْم
стр. 327
الْقِيَامَة أحيوا مَا خلقْتُمْ وَأَن الْكفَّار يؤمرون بِالسُّجُود ويحال بَينهم وَبَينه فَلَا يَسْتَطِيعُونَ بل مجوز ذَلِك على الله تَعَالَى فِي دَار التَّكْلِيف أولى بِهَذِهِ الْعقُوبَة لما ثَبت عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن الله تَعَالَى يَقُول أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا يَشَاء وَلما ثَبت من مُنَاسبَة الْعُقُوبَات للمعاصي حَتَّى أَن من تردى من جبل فَهُوَ يتردى فِي النَّار من جبل وَمن طعن نَفسه بحديدة فَهُوَ يطعنها فِي النَّار بحديدة وَحَتَّى رأى رَسُول الله ﷺ وَآله امْرَأَة حبست هرة حَتَّى قتلتها والهرة تنهشها فِي النَّار وَحَتَّى ثَبت أَن الله تَعَالَى يَقُول أَلَيْسَ عدلا مني أَن أولى كلَاما تولى فَيَقُول الْخلق بلَى فَيرى كل عَابِد لغير الله معبوده ويأمره باتباعه حَتَّى يوردهم النَّار ويمثل لمن عبد عِيسَى صُورَة عِيسَى ﵇ وَأَمْثَاله من الصَّالِحين كَذَلِك وَحَتَّى قيل للمصورين أحيوا مَا خلقْتُمْ وَحَتَّى يكفر من قَالَ الآخر يَا كَافِر وَلَيْسَ كَذَلِك ويعفى يَوْم الْخَمِيس والاثنين عَن كل مُسلم إِلَّا المتهاجرين حَتَّى يصطلحا لِأَنَّهُمَا أختارا عدم الْعَفو مذهبا وَنَحْو ذَلِك فليحذر من هَذِه الْعقُوبَة الْخَاصَّة مَعَ سَائِر أَنْوَاع الْعَذَاب صَاحب هَذَا الْمَذْهَب بل يحذر من أَهْون من هَذَا وَهُوَ أَن يناقشه الله تَعَالَى الْحساب على جَمِيع مَا أقدره عَلَيْهِ ومكنه مِنْهُ وَلَا يسامحه فِي قَلِيل وَلَا كثير وَيَقُول لَهُ أَنْت جوزت مني تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وظننت ذَلِك فِي فَلَا أقل من أَن أحاسبك على التَّكْلِيف الَّذِي لَا يُطَاق وَلَا أسامحك بِشَيْء مِنْهُ وَفِي ذَلِك هَلَاكه كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ وَآله أَنه قَالَ (من نُوقِشَ الْحساب عذب وشواهده مَعْلُومَة) وَكفى بقول الله تَعَالَى ﴿وَلَو يُؤَاخذ الله النَّاس بِمَا كسبوا مَا ترك على ظهرهَا من دَابَّة﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿مَا ترك عَلَيْهَا﴾
الْوَجْه الثَّانِي أَن الله لم يعلم أَبَا لَهب بذلك بِالنَّصِّ وَلَا ظَاهر الْقُرْآن يَقْتَضِي ذَلِك أَيْضا وَإِنَّمَا أعلم رَسُوله ﷺ وَآله بذلك فَمن أَيْن أَن أَبَا لَهب علم ذَلِك يَقِينا وَالله قَادر على أَن لَا يُعلمهُ ذَلِك لتزداد الْحجَّة عَلَيْهِ وَقد ذكر هَذَا ابْن الْحَاجِب وَقَالَ أَنه مثل إِعْلَام نوح ﵇ أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن
стр. 328
الْوَجْه الثَّالِث أَنه وَإِن علم ذَلِك فانه خَارج مخرج الْوَعيد لَا مخرج الاخبار الْمَحْض وَالْفرق بَينهمَا وَاضح فان الْوَعيد مَشْرُوط بِعَدَمِ التَّوْبَة مثل وَعِيد جَمِيع الْكَافرين
الْوَجْه الرَّابِع أَنه لَا مَانع من أَن يكون الْخَبَر وَالْقَضَاء وَالْقدر وَالْكِتَابَة فِي مثل ذَلِك مَشْرُوطَة وَيكون مِمَّا يجوز أَن يدْخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾ وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء رَوَاهُ الْحَاكِم وَفِي الْبَاب عَن معَاذ وَعَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة ذكرهَا الهيثمي وَرُوِيَ عَن أبي قلَابَة عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِن كنت كتبتني فِي أهل الشَّقَاء فامحني وأثبتني فِي أهل السَّعَادَة وَقَالَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا أَن أَبَا قلَابَة لم يدْرك ابْن مَسْعُود وَهَذَا بَاب وَاسع وَقد ذكره الْغَزالِيّ وَغَيره فِي الْجَواب على مَا من قَالَ مَا فَائِدَة الدُّعَاء وَالْعَمَل مَعَ سبق الاقدار وجوده ابْن قيم الجوزية فِي الْجَواب الْكَافِي ونقلته فِي العواصم وزدت عَلَيْهِ زيادات مفيدة
الْوَجْه الْخَامِس أَنه لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنه لَا يُؤمن فَيجوز أَبُو لَهب فِي نَفسه حِين يسمعهُ أَن يكون لَو آمن من الْمُؤمنِينَ العصاة وَأَن يدْخل النَّار بذلك ويطمع فِي الْعَفو بعد دُخُولهَا على الاصل فِي حسن ذَلِك عقلا أَو لسماعه أَن السّمع ورد بذلك فانه لَا مَانع من ذَلِك فاذا جوز أَبُو لَهب وَمن فِي حِكْمَة هَذِه الْأُمُور أَو بَعْضهَا قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة والعذر الْحق الَّذِي هُوَ سنة الله تَعَالَى فِي عدله وحكمته يَوْم الْقِيَامَة فَكيف مَعَ هَذِه الْأُمُور واحتمالها يجوز للعاقل أَن يقطع على أَن تَكْلِيف الْمحَال قد وَقع والتقول على الله بِمَا لم يقل كالكذب عَلَيْهِ والتوصل إِلَى ذَلِك بالشبه الواهيات صَنِيع المخذولين من أهل الضلالات فان الاجتراء على الابتداع فِي الدّين ذَنْب عَظِيم وَرُبمَا أدّى صَاحبه إِلَى الْكفْر وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَهل ذَلِك إِلَّا كالاحتجاج على تَجْوِيز الْوَلَد بقوله تَعَالَى ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين﴾ مَعَ وجود النُّصُوص الجمة على بطلَان ذَلِك وتعظيم تقبيحه بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى
стр. 329
﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا﴾ الى آخر الْآيَات وَلَو سلمنَا أَن النُّصُوص تَعَارَضَت فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة كَانَ الْوَاجِب على الْعَالم أَن يرجح مِنْهَا الْمُحكم الْمُوَافق الاكثر ثَنَاء على الله تَعَالَى ومدحا لله تَعَالَى ومناسبة لاسمائه الحميدة المحكمة الْحسنى لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾ فَمَا الْمُوجب لترجيح تَشْبِيه أَفعَال أحكم الْحَاكِمين بِأَفْعَال المجانين والاطفال حِين لَاحَ لذَلِك أدنى خيال وَتَقْدِيم أَضْعَف الأوهام وَأبْعد الِاحْتِمَالَات والجزم بِوُقُوع ذَلِك دون نقيضه الَّذِي هُوَ مَنْطُوق بِهِ فِي نُصُوص الْقُرْآن الصادعة مَعْلُوم احكامه واثباته فِي الْبَرَاهِين القاطعة دَاخل فِي الْأَسْمَاء الْحسنى غرَّة فِي الْحَمد والمدح وَالثنَاء وأعجب من ذَلِك كُله الْمُحَافظَة من الْغَزالِيّ على الْوَصِيَّة باعتقاد ذَلِك لأهل الْجمل فِي الِاعْتِقَاد من المتعبدين والزهاد وَالَّذين لم يعرفوا الْخلاف فِي دقائق الْكَلَام مَعَ نهي الْغَزالِيّ عَن علم الْكَلَام وَذكر مساويه وَمَا يُؤَدِّي اليه الْخَوْض فِيهِ لِأَنَّهُ ذكر هَذَا فِي الرسَالَة القدسية من مُقَدمَات الاحياء الَّذِي بَالغ فِيهِ فِي ذمّ علم الْكَلَام لما جر اليه من الْبدع فاي بِدعَة بديعة ومحدثة شنيعة أبدع وأشنع من وَصِيَّة الزهاد وَالصَّالِحِينَ من عوام الْمُسلمين باعتقاد ذَلِك فِي أحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ وإيهامهم أَن اعْتِقَاده من الْفَرَائِض الْمُؤَكّدَة فِي دين الله تَعَالَى وان من لم يعْتَقد ذَلِك كَانَ على أعظم خطر من عَذَاب الله وَلَقَد مضى أَكثر عمر الدُّنْيَا على مَالا يُحْصى من الظلمَة والفجرة والفسقة والكفرة وَالْخُلَفَاء والسفهاء فَمَا علم أَن أحدا مِنْهُم فعل ذَلِك على الْوَجْه الَّذِي جوزه الْمُخَالف على الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَإِنَّمَا كَانُوا يعاقبون من لَا ذَنْب لَهُ لحاجتهم إِلَى تَحْصِيل الاموال أَو لدفع المضار أَو لمجموعهما أَو تشفيا من عَدو مُضر انتصافا مِنْهُ ونقما للثأر وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ألف وَعرف من عادات الْفجار وَهَذَا أَيْضا غير تَكْلِيف الْمحَال إِنَّمَا هَذَا أنزل المضار مِمَّن لَا يَسْتَحِقهَا وَأما ان أحدا من جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من أَنْوَاع الاشرار
стр. 330
وجد مَرِيضا لَيْسَ بَينه وَبَينه عَدَاوَة وَلَا لَهُ فِي تعذيبه حَاجَة أَلْبَتَّة وَلَا غَرَض لَهُ وَلَا دَاعِي وَلَا لَهُ ذَنْب وَلَا عَلَيْهِ حجَّة فَأمر بتكليفه حمل الْجبَال أَو مَا لَا يُطيق من الاحمال ومسابقة الرِّيَاح والحيل السَّابِقَة فان لم يفعل مَا لَا يُطيق من ذَلِك عذب أَشد الْعَذَاب وعوقب أفحش الْعقَاب فَمَا كَانَ هَذَا من فَاجر وَلَا كَافِر وَلَا خليع وَلَا سخيف وَلَا يجوز أَن يكون مِنْهُم وَلَو فعل مَخْلُوق لَكَانَ الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يشْتَد عَلَيْهِ غَضَبه وَسخطه ويتولى عُقُوبَته وملامته وإذاقته أعظم الخزي الهوان والمقت والفضوح فَكيف ينْسب جَوَاز ذَلِك بل وُقُوعه وتجويز أفحش مَا يكون من جَمِيع أَنْوَاعه الْفَاحِشَة إِلَى الْملك الْعلي الحميد الصَّمد الْمجِيد السبوح القدوس الَّذِي كره ذَلِك وَسخطه وَحرمه ويعادي على أقل مِنْهُ كل جَبَّار عنيد وَقَالَ فِي كِتَابه الْمجِيد ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ وَقَالَ على لِسَان رَسُوله ﷺ وَآله يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته محرما بَيْنكُم فَلَا تظلموا كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح عَن حَدِيث أبي ذَر الْغِفَارِيّ ﵁
وَمن الشّبَه فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا خفت عَلَيْهِ فألقيه فِي اليم وَلَا تخافي وَلَا تحزني﴾ قَالُوا فَحرم عَلَيْهَا الْخَوْف والحزن فِي هَذِه الْحَال وكلفها اعدامهما عَن قَلبهَا وَهِي لَا تَسْتَطِيع ذَلِك
وَالْجَوَاب أَن النَّهْي هُنَا لم يرد للتَّحْرِيم فقد ذكر السُّبْكِيّ فِي جمع الْجَوَامِع للنَّهْي ثَمَانِيَة معَان أَحدهَا بَيَان الْعَاقِبَة كَمَا فِي هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة وَذَلِكَ أَن النَّهْي فِيهَا إِنَّمَا ورد للبشرى بِوُقُوع مَا لَا يَنْبَغِي عِنْده الْخَوْف والحزن فانه مقَام تكريم لَا مقَام تَكْلِيف وَلذَلِك عقبه بقوله ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ وَهَاتَانِ بشارتان عظيمتان مِمَّن علمت صدقه فِي كل خبر وَقدرته على كل شَيْء واحاطة علمه بِكُل غيب فَهِيَ تقَابل مَا فِي طبعها البشري مَعَ مَا ذكره الله تَعَالَى بعد ذَلِك من ربطه على قَلبهَا
يُوضحهُ أَنه مقَام لطف وتشريف لَا مقَام تحريج وتعنيف وَلَو سلمنَا أَنه نهي تَحْرِيم لوَجَبَ فِي حِكْمَة الله تَعَالَى وعوائده مَعَ عباده الْمُؤمنِينَ
стр. 331
أَن يُمكنهَا من مفارقه مَا نهاها عَنهُ كَمَا ذكره وَابْن عَبَّاس ﵁ فِي تَكْلِيف الْوَاحِد بِقِتَال عشرَة أَنهم لَو صَبَرُوا عَلَيْهَا لطوقوها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَو سلمنَا أَن ظَاهر التَّحْرِيم توجه إِلَى مَا لَا يُطَاق لوَجَبَ تَأْوِيله لوضوحه لِأَنَّهُ متشابه على مَا يُوَافق الْمُحكم الَّذِي هُوَ أم الْكتاب كَمَا ثَبت فِي تَحْرِيم النِّيَاحَة أَنه لَا يُؤَاخذ بِمَا كَانَ من الْعين وَالْقلب فَثَبت أَن سلمنَا أَنه للتَّحْرِيم أَن المُرَاد النَّهْي عَن الاسترسال مَعَ الطبيعة البشرية ومقابلتها ومدافعتها بِمَا علمنَا الله تَعَالَى من نَحْو قَوْله ﴿وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم﴾ وتذكير عَظِيم ثَوَابه وخفي ألطافه وَصدق مواعيده وَأَنه كاشف الكروب علام الغيوب وَمَا يحصل بِهِ الرِّضَا لدوّنَ أم مُوسَى
وَقد ذكر بعض الْمُفَسّرين نَحْو هَذَا الْوَجْه الثَّالِث فِي تَفْسِير ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل سأريكم آياتي فَلَا تَسْتَعْجِلُون﴾ فَقَالَ أَنهم أقدروا ومكنوا من مدافعه الطبيعة المخلوقة فَلذَلِك نهوا عَن الاستعجال وَقد خلقُوا على هَذِه الطبيعة كَمَا أَن الْمَخْلُوق على طبع الشُّح مَأْمُور باخراج الزَّكَاة مُمكن من ذَلِك فانه يتَصَرَّف فِي شهواته أضعافها
وَإِنَّمَا ذكرت مثل هَذِه الْأَشْيَاء على جِهَة التَّقَرُّب إِلَى الله وَإِلَّا فجوابها لَا يخفى على أهل الممارسة للْجمع بَين المتعارضات ورد الْفُرُوع الى الْأُصُول والمظنون إِلَى الْمَعْلُوم
стр. 332
المختصرات عُمُوم الْمُسلمين فيوهمون أَن ذَلِك من أَرْكَان الاسلام فلولا أَن هَذَا قد وَقع مِنْهُم مَا كَانَ الْعَاقِل يصدق بِوُقُوعِهِ مِمَّن هُوَ دونهم فنسأل الله تَعَالَى الْعَافِيَة
وَإِنَّمَا أوضحت هَذَا الْكَلَام أَيهَا السنى لتغتبط بِعلم الْقُرْآن والاثر ولتصونه عَن شوبه بأمثال هَذَا من بدع أهل الدَّعَاوَى للحذق فِي النّظر فقد صَارَت أَقْوَالهم فِي الركة أَمْثَالًا وعبرا لمن اعْتبر وَجَمِيع مَا يرد على هَذَا من الأسئلة وأجوبتها تقدم فِي الْمَسْأَلَة الأولى فِي إِثْبَات حِكْمَة الله تَعَالَى فَخذه إِن احتجت اليه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
خَاتِمَة تشْتَمل على فَائِدَة نفيسة
وَهِي أَن هَذِه الْمَسْأَلَة وأمثالها مِمَّا بالغت فِي نصرته مثل اثبات حِكْمَة الله تَعَالَى وتعظيم قدرته من قبيل الثَّنَاء الْحسن بِحَيْثُ لَو قَدرنَا الْخَطَأ فِي شَيْء مِنْهَا مَا كَانَ يخَاف مِنْهُ الْكفْر وَالْعَذَاب قطعا وَأما أضدادها فانه يخَاف ذَلِك عِنْد تَقْدِير الْخَطَأ فِيهَا لاستلزامها مَا لَا يجوز على الله تَعَالَى من النَّقْص المضاد لاسمائه الْحسنى الَّتِي هِيَ جمع تَأْنِيث الاحسن من كل ثَنَاء لَا جمع تانيث الْحسن كَمَا مر تَقْرِيره فاعرض هَذِه الْفَائِدَة النفيسة على كل عقيدة لَك وَشد عَلَيْهَا يَديك فِي كل مَا لم يُعَارض الْمَعْلُوم ضَرُورَة من الدّين وَالله الْمُوفق وَالْهَادِي إِلَى الصَّوَاب
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة أَن الله تَعَالَى لَا يعذب أَطْفَال الْمُشْركين بذنوب آبَائِهِم وَلَا بِغَيْر ذَنْب وَهَذِه من فروع اثبات الْحِكْمَة وَهِي أُخْت الَّتِي قبلهَا وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير الاسلام بل لم يعرف فِيهِ خلاف بَين السّلف فانهم كَانُوا مُجْمِعِينَ على عدل الله تَعَالَى وحكمته فِي الْجُمْلَة والاجماع على ذَلِك يتقضي الْمَنْع من كل مَا يضاده وَمِمَّنْ صرح بِاخْتِيَار هَذَا البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَالنَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَقواهُ وَاحْتج عَلَيْهِ وَنسبه إِلَى الْمُحَقِّقين وَكَذَلِكَ اخْتَارَهُ عَليّ بن عبد الْكَافِي الشهير بالسبكي فِي كتاب جمعه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وهما من عُيُون أَئِمَّة السّنة والطائفة الشَّافِعِيَّة وَكَذَلِكَ اخْتَار ذَلِك الْعَلامَة أَبُو
стр. 333
عمر بن عبد الْبر فِي كِتَابه التَّمْهِيد وَهُوَ من أَئِمَّة السّنة وَاخْتَارَهُ غير وَاحِد مِنْهُم دع عَنْك خصومهم فِي ذَلِك من الشِّيعَة والمعتزلة
وَاحْتج النَّوَوِيّ وَغَيره على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن سَمُرَة فِي حَدِيثه الطَّوِيل وَفِيه ذكر رُؤْيا النَّبِي ﷺ وَآله وفيهَا مَا لَفظه وَالشَّيْخ فِي أصل الشَّجَرَة ابراهيم ﵇ وَالصبيان حوله أَوْلَاد قَالُوا يَا رَسُول الله وَأَوْلَاد الْمُشْركين قَالَ وَأَوْلَاد الْمُشْركين وَهَذَا نَص فِي مَوضِع النزاع من أصح كتب الاسلام عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث وَأما كَونه رُؤْيا فَلَا يضر لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء ﵈ وَحي وَحقّ وَلذَلِك عزم الْخَلِيل ﵇ على ذبح وَلَده بِسَبَبِهَا وَهَذَا إِجْمَاع وَثَانِيهمَا أَن هَذَا السُّؤَال عَن أَوْلَاد الْمُشْركين وَجَوَابه كَانَ فِي الْيَقَظَة لَا فِي الرُّؤْيَا
وَقد أوضحت فِي العواصم أَنه لم يَصح فِي تَعْذِيب الْأَطْفَال بِغَيْر ذَنْب مِنْهُم حَدِيث قطّ وَلَا صَحَّ ذَلِك عَمَّن ينظر اليه من أَئِمَّة السّنة وَإِنَّمَا قَالَت طوائف مِنْهُم بأقوال مُحْتَملَة مِنْهَا أَن الله تَعَالَى يكمل عقول الصّبيان ويكلفهم فِي عَرصَة من عرصات يَوْم الْقِيَامَة بتكيلف يُنَاسب ذَلِك الْيَوْم مثل مَا روى أَنه يخرج لَهُم عنقًا من النَّار فيأمرهم بورودها فَمن كَانَ سعيدا فِي علم الله تَعَالَى لَو أدْرك الْعَمَل وردهَا فَكَانَت عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَمن كَانَ شقيا فِي علم الله تَعَالَى لَو أدْرك الْعَمَل امْتنع وَعصى فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُم عصيتموني الْيَوْم كَيفَ رُسُلِي لَو أتتكم أَو كَمَا ورد
وَسبب مصير من صَار مِنْهُم إِلَى هَذَا القَوْل أَحَادِيث كَثِيرَة وَردت بذلك مِنْهَا عَن أبي سعيد وَأنس ومعاذ والاسود بن سريع وَأبي هُرَيْرَة وثوبان وروى ذَلِك أَيْضا أَحْمد بن عِيسَى بن زيد بن عَليّ ﵇ عَن جده زيد بن عَليّ ذكره صَاحب الْجَامِع الْكَافِي وَقَالَ السُّبْكِيّ فِي كِتَابه فِي ذَلِك أَن أَسَانِيد هَذِه الْأَحَادِيث صَالِحَة
قلت وفسروا بِهَذِهِ الاحاديث حَدِيث الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين وَهُوَ الَّذِي اتّفق على صِحَّته فِي الْبَاب وَسنة الله فِي إِقَامَة الْحجَج على خلقه
стр. 334
لَا تحيل هَذَا احالة قَاطِعَة كَمَا تحيل تَكْلِيف الْمحَال وَلَا حجَّة وَاضِحَة على أَن هَذِه الاحاديث مَوْضُوعَة يجوز الْجَزْم بتكذيبها وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فَأثْبت تكليفا بذلك السُّجُود يَوْم الْقِيَامَة وَصَحَّ وتواتر أَن الْمَيِّت يمْتَحن فِي قَبره فِي الْمَسْأَلَة عَن الشَّهَادَتَيْنِ وَأَن الْمُؤمن يثبت فيقولهما وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق يتلجلج أَو يَقُول لَا أَدْرِي
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء أَن قَوْله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ نزلت فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ أجمع أهل السّنة على أَن للبرزخ حكما بَين حكم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمِنْه أَن مُوسَى ﵇ كَانَ يُصَلِّي فِي قَبره رَوَاهُ مُسلم وَمِنْه ضمة الْقَبْر وَنَحْوهَا فنكل علم تِلْكَ الاخبار إِلَى الله وَلَا نجوز على الله تَعَالَى ظلما لأحد من عباده وَلَا عَبَثا وَلَا لعبا وَلَا مُبَاحا لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّنَاء وَالْحَمْد وَإِنَّمَا نجوز عَلَيْهِ مَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّنَاء وَالْحَمْد سَوَاء علمنَا وَجهه أم لَا وَكَذَلِكَ لَا نجوز عَلَيْهِ تَعْذِيب الْمَيِّت ببكاء أَهله عَلَيْهِ من غير حِكْمَة وَلَا ذَنْب وَلَا عوض لَكِن قد روى ذَلِك ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ وَآله وردته عَلَيْهِ عَائِشَة ﵂ وَرَوَاهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ غير ابْن عمر فَاحْتمل تَأْوِيله على أحد وُجُوه
الْوَجْه الأول أَن يكون الْمَيِّت أوصى بذلك وعَلى ذَلِك حمله البُخَارِيّ وَغَيره لِأَن ذَلِك كَانَ عَادَتهم وَهِي قرينَة قَوِيَّة لهَذَا التَّأْوِيل
الْوَجْه الثَّانِي أَن يكون الْعَذَاب مُسْتَحقّا للْمَيت على ذنُوبه لما ثَبت فِي الصَّحِيح أَن من نُوقِشَ الْحساب عذب وَأَن أحدا لَا يدْخل الْجنَّة بِعَمَلِهِ وَإِنَّمَا يدخلهَا برحمة الله تَعَالَى وَإِن الْبَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ بَاء السَّبَب لَا بَاء الثّمن جمعا بَين النُّصُوص وَهُوَ من حمل الْمُشْتَرك على أحد الحقيقتين بِالْحجَّةِ لَا من صرف الظَّاهِر إِلَى
стр. 335
الْمجَاز والعقول والفطرة ترجح ذَلِك فان سُبْحَانَ الله تملأ الْمِيزَان وَالله أكبر تملأ مَا بَين السَّمَاء والارض بل قد صحت النُّصُوص قُرْآنًا وَسنة أَن السَّيئَة بِمِثْلِهَا أَو يعْفُو الله عَنْهَا والوحسنة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء وَالصَّبْر وَالصَّوْم بِغَيْر حِسَاب
فاذا تقرر ذَلِك جَازَ أَن يكون الْبكاء الْمحرم الْمُغْضب لله سَببا لمؤآخذة الْمَيِّت بِمَا يسْتَحقّهُ من الْعقُوبَة على ذنُوبه الَّتِي قدمهَا وَنسب التعذيب إِلَى الْبكاء لهَذِهِ السَّبَبِيَّة مَعَ حسن تعذيبه لَو لم يبك عَلَيْهِ بذلك وَيكون هَذَا التعذيب والاخبار بِهِ زاجرا عَن الاصرار على سنة الْجَاهِلِيَّة المستحكمة فِي طباعهم المقوية للدواعي إِلَى إِظْهَار الْجزع وَلَطم الخدود وشق الْجُيُوب وَحلق الشُّعُور وَإِن لم يبكوا امتثالا لأمر الله عَفا الله عَن ميتهم وَترك تعذيبه الْمُسْتَحق بذنوبه مَعَ ثوابهم على امتثالهم وَيكون هَذَا الْعَفو والاخبار بِهِ دَاعيا ومرغبا ولطفا فِي فعل هَذِه الطَّاعَة
الْوَجْه الثَّالِث أَن يكون عَذَاب الْقَبْر مثل الآلام الدُّنْيَوِيَّة للعوض وَالِاعْتِبَار مثل مَا صَحَّ من ضمة اللَّحْد وَيكون مَعَ بكاء فَقَط وَإِن ترك الْبكاء لم يزدْ على ضمة اللَّحْد وَهَذَا أَشَارَ اليه الذَّهَبِيّ وَذكر أَن للبرزخ حكما بَين حكم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَنه لَيْسَ مثل الْحَال بعد اقرار أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة وَأهل النَّار فِي النَّار وَالْحجّة فِي ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة كَمَا مضى وَادّعى الاشعري أَنه اجماع أهل السّنة ذكره ابْن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة وَالله أعلم
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي التحسين الْعقلِيّ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم مَا خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَتقدم طرف من ذَلِك فِي الْمَسْأَلَة الأولى فِي إِثْبَات حِكْمَة الله تَعَالَى ونزيد هُنَا فَنَقُول اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك اخْتِلَافا ظَاهره التباعد الْكثير وَمَعَ تَلْخِيص مَحل النزاع والتوسط يسهل الامر وَيقرب من الِاتِّفَاق فقد ذكر الرَّازِيّ وَغَيره من متكلمي الأشعرية أَنه لَا خلاف فِيهِ باعتبارات ثَلَاثَة
стр. 336
أَحدهَا بِاعْتِبَار الشَّهْوَة والنفرة وَثَانِيها بِاعْتِبَار جلب النَّفْع وَدفع الضّر وَثَالِثهَا بِاعْتِبَار صفة النَّقْص كالكذب وَالْجهل وَصفَة الْكَمَال كالصدق وَالْعلم وعنوا بِالْكَذِبِ الَّذِي لم تدع اليه ضَرُورَة وبالصدق الَّذِي لَيْسَ بضار
وَمن هُنَا لم يجوزوا وُقُوع الْكَذِب فِي كَلَام الله تَعَالَى لِأَنَّهُ صفة نقص قَالُوا وَإِنَّمَا الْخلاف فِي معرفَة الْعقل لوُجُوب اسْتِحْقَاق الذَّم فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَاب فِي الْآخِرَة على فعل صفة النَّقْص لَا جوزها من غير وجوب وَكَذَلِكَ معرفَة الْعقل لوُجُوب اسْتِحْقَاق الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب وَالثنَاء فِي الْآخِرَة على فعل صفة الْكَمَال لَا جَوَاز ذَلِك من غير وجوب وَلذَلِك حكى الزَّرْكَشِيّ فِي شَرحه لكتاب السُّبْكِيّ الْمُسَمّى جمع الْجَوَامِع أَن قوما توسطوا فَقَالُوا إِن الْقبْح وَاسْتِحْقَاق الذَّم عَلَيْهِ ثَابت بِالْعقلِ وَأما الْعقَاب فمتوقف على الشَّرْع قَالَ وَهُوَ الَّذِي ذكره أسعد بن عَليّ الزنجاني من أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة وَأَبُو الْخطاب من الْحَنَابِلَة وذكرته الْحَنَفِيَّة وحكوه عَن أبي حنيفَة قَالَ وَهُوَ الْمَنْصُور لقُوته من حَيْثُ الْفطْرَة وآيات الْقُرْآن الْمجِيد وسلامته من الوهن والتناقض اه
وَقد تقدم فِي الْمَسْأَلَة الأولى أَن تَسْلِيم هَذَا الْقدر من التحسين الْعقلِيّ يُوجب الْمُوَافقَة على إِثْبَات الْحِكْمَة فِي أَفعَال الله تَعَالَى وَأَنه لَا فرق فِي التحسين بَين الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَقد ثَبت وقُوف الْأَقْوَال على الْحِكْمَة حَيْثُ وَجب الْقطع بِأَن الله تَعَالَى يخْتَار الصدْق على الْكَذِب فِي جَمِيع كَلَامه وَكتبه والموجب ذَلِك هُوَ بِعَيْنِه يُوجب مُرَاعَاة الْحِكْمَة فِي الْأَفْعَال وَهَذِه فَائِدَة مهمة وَحجَّة بَيِّنَة يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهَا فِي دُعَاء من يُنكر الْحِكْمَة إِلَى الْحق وَالله الْهَادِي
وَقَول الزَّرْكَشِيّ أَن ذَلِك هُوَ الْمَنْصُور لموافقته الْفطْرَة وآيات الْقُرْآن الْمجِيد قَول صَحِيح وَأَرَادَ بآيَات الْقُرْآن الْمجِيد مَا ورد فِي ذَلِك مثل مَا قدمنَا من قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم يتفكروا فِي أنفسهم﴾ الْآيَة وَمثل قصَّة مُوسَى وَالْخضر ﵉ فانها صَرِيحَة فِي ذَلِك وَالْحجّة فِيهَا من وَجْهَيْن
стр. 337
أَحدهمَا أَن مُوسَى ﵇ إِنَّمَا أنكر ذَلِك بالفطرة الْعَقْلِيَّة بِدَلِيل أَن الله تَعَالَى قد كَانَ أعلمهُ أَن الْخضر أعلم مِنْهُ والتفاضل إِنَّمَا هُوَ فِي الشرعيات ودقائق العقليات فَلَمَّا كَانَ مَا أنكرهُ مُوسَى من جليات العقليات حسب مُوسَى أَنه لَا مفاضلة فِيهَا إِذْ كَانَت مَعْرفَتهَا بالبصيرة مخلوقة مثل خلق الاسماع والابصار أَو حسب أَن تفضيله لم يكن فِي ذَلِك لِأَن مُوسَى لم يدع أَنه أعلم النَّاس بالعقليات وَالْحجّة من هَذَا الْوَجْه تحْتَمل النزاع الْبعيد
وَثَانِيهمَا وَهِي الْحجَّة القاطعة أَن الْخضر لم يحْتَج على مُوسَى بِمُجَرَّد وُرُود أَمر الله تَعَالَى بذلك وان الامر الشَّرْعِيّ هُوَ المحسن بذلك بِمُجَرَّدِهِ وَأَن تقبيح الْعُقُول لما يقبحه بَاطِل بل جعل الْجَواب الشافي عَن ذَلِك الرافع للريب عَن مُوسَى ﵇ هُوَ بَيَان الْحِكْمَة الْخفية الْمُنَاسبَة لمقْتَضى الْعُقُول فِي الموازنة بَين المضار والمصالح وَتَقْدِيم مَا ثَبت من ذَلِك أَنه الرَّاجِح وتحسين المضار مَتى اشْتَمَلت على الْمصَالح الراجحة وَأَدت إِلَى الغايات الحميدة وَهَذَا عين مَسْأَلَتنَا وَمحل النزاع وَلَكِن الْعُقُول أقل وأجهل وَأدنى وأحقر من أَن تحيط بِجَمِيعِ حكم الله تَعَالَى وأسراره وغايات ارادته فِي قضاياه وأقداره فَلَا يُمكن الْجَزْم بقبح شَيْء معِين من أَفعَال الله تَعَالَى لِأَن أَفعاله وَاضِحَة الْحِكْمَة بَيِّنَة النَّفْع وَالصَّلَاح للمتفكرين فِي ذَلِك وَمَا كَانَ مِنْهَا متشابها وَهُوَ الْقَلِيل فَهُوَ مُحْتَمل للْحكم الْخفية وَلَيْسَ فِي أَفعاله مَا هُوَ مَعْلُوم الْقبْح للعقول بِالضَّرُورَةِ أَلْبَتَّة
وَبَيَان ذَلِك أَن الْمَعْلُوم قبحه بِالضَّرُورَةِ هِيَ المضار الَّتِي لَا نفع فِيهَا بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا فِيهَا احْتِمَال لذَلِك عَاجلا وَلَا آجلا أَلْبَتَّة وَكَيف يُمكن أَن تحيط الْعُقُول بذلك فِي شَيْء من أَفعَال الْحَكِيم الْعَلِيم وَهُوَ يَقُول ﴿وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شَرّ لكم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَقد صرح الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا الْمَعْنى فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾
стр. 338
) وَمِثَال الْقَبِيح بِالضَّرُورَةِ الَّذِي لَا يجوز على الله بعثة الْكَذَّابين لما فِيهِ من الْفساد المتفاحش وَهُوَ عدم الثِّقَة بِكَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام جَمِيع رسله ﵈ لَا فِي دين وَلَا فِي دنيا وَلَا فِي حد وَلَا فِي مُهِمّ وَلَا ترغيب وَلَا ترهيب وَهَذَا هدم للْمصَالح كلهَا وَالصَّلَاح أجمع وَلذَلِك كَانَ الله أصدق الْقَائِلين وَكَانَ من أبْغض الْخلق اليه الْملك الْكذَّاب لِأَن الَّذِي قد يهون قبح الْكَذِب فِي بعض الْمَوَاضِع ويعارض مَا فِيهِ من الْفساد هُوَ الضَّرُورَة الملجئة اليه كخوف المضار وَنَحْو ذَلِك والملوك أبعد النَّاس مِنْهَا لقدرتهم على دفع المضار وَإِن كَانَت قدرتهم قَاصِرَة فَكيف بِملك الْمُلُوك الَّذِي هُوَ على كل شَيْء قدير وَعَن كل شَيْء غَنِي وَإِنَّمَا يجوز عَلَيْهِ مَا تخفى فِيهِ الْحِكْمَة على الْخلق لقُصُور علومهم من الامور المحتملة مثل مَا سَأَلت عَنهُ الْمَلَائِكَة ﵈ من الْحِكْمَة فِي خلق آدم وَذريته لظنهم أَنهم كلهم أشرار لَا خير فِي أحد مِنْهُم وَالشَّر الْمَحْض الَّذِي لَا خير فِيهِ أَلْبَتَّة لَا عَاجلا وَلَا آجلا قَبِيح فِي الْعُقُول وَأما الشَّرّ الْمُشْتَمل على الْخَيْر والغايات الحميدة أَو المجوز فِيهِ شَيْء من ذَلِك فَلَا مجَال للعقول فِي الْقطع بقبحه وَلذَلِك أجَاب عَلَيْهِم بقوله تَعَالَى ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَلم يقل إِنَّه يحسن مني كل مَا تستقبحون وكل مَا تستقبحه العارفون وَلَو كَانَت أَفعَال الله معطلة من الحكم لم يكن لذكر علمه وزيادته على علمهمْ معنى فِي هَذَا الْموضع لِأَن الْحِكْمَة على قَول الْخصم ممتنعة الامكان فِي حق الله تَعَالَى فَلم يتَعَلَّق بهَا علمه كَمَا لَا يتَعَلَّق بِرَبّ ثَان مشارك لَهُ فِي الربوبية وَمن ثمَّ أظهر الله تَعَالَى بعد ذَلِك فضل آدم بِعلم الاسماء وَلَو كَانَ كَمَا زَعَمُوا من تَعْطِيل أَفعاله من الحكم لفضله بِغَيْر سَبَب فَدلَّ على أَنه أَرَادَ بِبَيَان شَيْء من الْخَيْر الَّذِي أحَاط بِهِ علمه فِي خلق آدم ﵇ وَذريته وَلم يحيطوا بِشَيْء من الْخَيْر فِي ذَلِك فَبين لَهُم أَن فِيهِ خيرا كثيرا وَبَان بذلك أَن الشَّرّ الْمَحْض لَا يكون من أَفعاله تَعَالَى بِخِلَاف الشَّرّ الْمُشْتَمل على الْخَيْر فَيكون فِيهَا وَيكون ذَلِك الْخَيْر هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْمُسَمّى تَأْوِيل المتشابة فِي لِسَان الشَّرْع وغرض الْغَرَض فِي لِسَان الْحُكَمَاء وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى لَهُم بعد ذَلِك إِنَّه يعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيعلم مَا لَا يعلمُونَ وَهَذَا يدل على مَا قيل أَن الْعَالم كُله كالشجرة وَأهل الْخَيْر من الْخلق هم ثَمَرَة تِلْكَ الشَّجَرَة وَيدل عَلَيْهِ
стр. 339
قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ أَي ليعبدني العابدون مِنْهُم على أحد التفاسير كَمَا قَرّرته بشواهده فِي العواصم
يُوضح ذَلِك حَدِيث الْخَلِيل ﵇ وَفِيه نَهْيه عَن الدُّعَاء على من رَآهُ يَعْصِي الله وَفِيه ان الله تَعَالَى قَالَ لَهُ إِن قصر عَبدِي مني إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن يَتُوب إِلَيّ فأتوب عَلَيْهِ أَو يستغفرني فَأغْفِر لَهُ أَو أخرج من صلبه من يعبدني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ثمَّ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَهَذِه الاشارة مَعَ الْفطْرَة تَكْفِي بِحَسب هَذَا الْمُخْتَصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَتَقَدَّمت بَقِيَّة المباحث فِي الْمَسْأَلَة الأولى فِي إِثْبَات حِكْمَة الله تَعَالَى
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي الْوَعْد والوعيد والاسماء الدِّينِيَّة وَلَيْسَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تَكْفِير وَلَا تفسيق بِاتِّفَاق الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا علمت إِلَّا مَا يَأْتِي ذكره فِي إِحْدَى صُورَتَيْنِ لَا يَقع فيهمَا أحد من أهل الْعلم وَالْخَيْر وهما التَّكْذِيب بعد التَّوَاتُر وتجويز الْخلف على الله تَعَالَى فِي الْوَعْد بِالْخَيرِ لِأَن الْفَرِيقَيْنِ متفقون على وجوب صدق الله تَعَالَى وَإِنَّمَا اخْتلفُوا عِنْد تعَارض بعض السّمع فِي كَيْفيَّة الْجمع بَين المتعارضات وَالتَّرْجِيح لبعضها على بعض فِيمَا يَصح فِيهِ التَّرْجِيح أَو الْوَقْف عِنْد عدم التَّمَكُّن من الْجمع وَالتَّرْجِيح وَقد صَحَّ بعض الِاخْتِلَاف بَين الْمَلَائِكَة ﵈ كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لي من علم بالملإ الْأَعْلَى إِذْ يختصمون﴾ كَمَا تقدم شواهده فِي مَسْأَلَة اثبات الْحِكْمَة وَورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح اخْتِلَاف الْمَلَائِكَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِعَينهَا وَذَلِكَ حَيْثُ اخْتلفُوا فِي حكم النادم المُهَاجر بعد قتل مائَة نفس حَتَّى جَاءَهُم ملك فَحكم بَينهم فَكَانَت الاصابة لملائكة الرَّحْمَة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة والْحَدِيث طَوِيل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلَا يَصح تأثيم أحد مِنْهُم بالاجماع لِأَن الَّذين أَرَادوا عَذَابه إِنَّمَا اشْتَدَّ غضبهم لله تَعَالَى وَالَّذين أَرَادوا نجاته إِنَّمَا رجوا لَهُ سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى فَكَذَلِك عُلَمَاء الاسلام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِنَّمَا خَافَ بَعضهم من مفاسد الامان وَخَافَ بَعضهم من مفاسد الْقنُوط وَمن مفْسدَة تَكْذِيب الْبُشْرَى ومفسدة ثِقَة الانسان بِنَفسِهِ وَحَوله وقوته وَعلمه وَنَحْو ذَلِك وَمن نظر بِعَين التَّحْقِيق وجد القَوْل الْحق الْوَارِد فِي السّنة خَالِيا من جَمِيع هَذِه الْمَفَاسِد
стр. 340
وَلَا شكّ أَن رَسُول الله ﷺ وَآله مُبين لكتاب الله أَمِين على تَأْوِيله وَأَن الْمرجع فِي بَيَان كتاب الله تَعَالَى إِلَى السّنة الصَّحِيحَة فَلَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى من تفاصيل الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وأمثالها إِلَّا الْيَسِير وَلَا شكّ أَن الِاسْتِثْنَاء من الْوَعْد والوعيد وَتَخْصِيص العمومات بالأدلة الْمُتَّصِلَة والمنفصلة مَقْبُول إِمَّا على جِهَة الْجمع وَلَا شكّ فِي جَوَازه وَصِحَّته وَحسنه والاجماع على ذَلِك وَكَثْرَة وُقُوعه من سلف الامة وَخَلفهَا بل لَا شكّ فِي تَقْدِيمه فِي الرُّتْبَة والبداية بذلك قبل التَّرْجِيح فان تعذر الْجمع فالترجيح فان وضح عمل بِهِ وَإِن لم يَتَّضِح وَجب الْوَقْف لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَلذَلِك اخْتَرْت الْوَقْف فِي حكم قَاتل الْمُؤمن بعد الانتصاف مِنْهُ للمظلوم وَالْقطع على أَنه فَاسق مَلْعُون وَاجِب قَتله والبراءة مِنْهُ وَالْقطع أَن جزاءه جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى على مَا أَرَادَ وَإِنَّمَا وقفت فِي مَحل التَّعَارُض الَّذِي أوضحته فِي العواصم لَا على حسب مَا قيل فِي أَن الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة هَل بَين جزاءه الَّذِي لَهُ أَن يَفْعَله إِن شَاءَ أَو بَين جزاءه الَّذِي تخير لَهُ فِي تنجيزه حِين لم يبْق إِلَّا حَقه بعد اسْتِيفَاء حق الْمَظْلُوم الْمَقْتُول وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
فَمن رجح الْجمع بَين وَعِيد الْقَاتِل وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَسَائِر آيَات الرَّجَاء وَأَحَادِيثه قَالَ بالاول وَمن رجح وَعِيد الْقَاتِل فِي هَذِه الْآيَة وَفِي الاحاديث المخصصة لقتل الْمُؤمن بِقطع الرَّجَاء كَمَا أوضحته فِي العواصم رجح وَعِيد الْقَاتِل وَمن تَعَارَضَت عَلَيْهِ وَلم ير فِي تَنْجِيز الِاعْتِقَاد مصلحَة وَلَا لَهُ مُوجبا وَلَا اليه ضَرُورَة رجح الْوَقْف وَالله عِنْد لِسَان كل قَائِل وَنِيَّته
وَلَا شكّ فِي تَرْجِيح النَّص الْخَاص على الْعُمُوم وتقديمه وَعَلِيهِ عمل عُلَمَاء الاسلام فِي أَدِلَّة الشَّرِيعَة وَمن لم يقدمهُ فِي بعض الْمَوَاضِع لم يُمكنهُ الْوَفَاء بذلك فِي كل مَوضِع واضطر إِلَى التحكم والتلون من غير حجَّة بَيِّنَة وَقد أجمع من يعْتد بِهِ من الْمُسلمين على تَخْصِيص الصَّغَائِر من آيَات الْوَعيد الْعَامَّة على جَمِيع الْمعاصِي مَتى كَانَ أهل الصَّغَائِر من الْمُسلمين وَلم يلْزم من ذَلِك خلف فِي آيَات الْوَعيد وَلَا كذب وَلَا تَكْذِيب لشَيْء مِنْهَا فَكَذَلِك
стр. 341
سَائِر مَا صَحَّ من أَحَادِيث الرَّجَاء لَيْسَ فِيهِ مناقضة لعمومات آيَات الْوَعيد وَلَا يسْتَلْزم تَجْوِيز الْخلف على الله تَعَالَى وَذَلِكَ بَاب وَاحِد وَلذَلِك اشتهرت أَحَادِيث الرَّجَاء فِي عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلم ينكرها أحد بل رواتها أكابرهم وأئمتهم
وَفِي العواصم من ذَلِك عَن عَليّ ﵇ بضعَة عشر أثرا بل المخصصات للعمومات فِي ذَلِك قرآنية وعمومات الْوَعْد مَانِعَة قبل تَخْصِيص الْوَعيد من الْجَزْم على وُقُوع عُمُومه دون عُمُوم الْوَعْد على أَن الْخلف عِنْد جماعات كَثِيرَة لَا يكون إِلَّا عدم الْوَفَاء بالوعد بِالْخَيرِ وَأما الْوَعيد بِالشَّرِّ فقد اخْتلف فِي تَركه وَأَجْمعُوا على أَنه يُسمى عفوا كَمَا قَالَ كَعْب ابْن زُهَيْر
(أنبئت أَن رَسُول الله أوعدني ... وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول)
وَإِنَّمَا اخْتلفُوا مَعَ تَسْمِيَته عفوا هَل يُسمى خلفا أم لَا وَمن منع من ذَلِك منع صِحَة النَّقْل لَهُ لُغَة وَاحْتج على امْتِنَاعه بِأَنَّهُ لَا يَصح اجْتِمَاع اسْم مدح وَاسم ذمّ على مُسَمّى وَاحِد وَقد تقدم زِيَادَة فِي هَذَا فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة فَلْينْظر هُنَاكَ
وَيسْتَثْنى من هَذَا كل وَعِيد جعله الله تَعَالَى نصر للانبياء وَالْمُؤمنِينَ وَوَعدهمْ بِهِ فانه يكون حِينَئِذٍ وَعدا لَا يجوز خَلفه كَمَا قَالَ صَالح ﵇ لِقَوْمِهِ ﴿تمَتَّعُوا فِي داركم ثَلَاثَة أَيَّام ذَلِك وعد غير مَكْذُوب﴾ وَلذَلِك سَمَّاهُ وَعدا
وَأما قصَّة يُونُس ﵇ فقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُبدل القَوْل لدي﴾ هَل هِيَ خَاصَّة فِيمَن نزلت فِيهِ من الْكفَّار وَهل فِيهَا شَيْء من ذَلِك لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾
стр. 342
أم لَا فَمن قَالَ بعمومها لم ينظر إِلَى سَبَب نُزُولهَا فِي الْكفَّار وَجعلهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك صدقا وعدلا لَا مبدل لكلماته وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وَمن قصرهَا عَلَيْهِم نظر إِلَى الْجمع بَين هَاتين الْآيَتَيْنِ وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ وخاصة إِذا جوز أَن نفي التبديل مُقَيّد بِيَوْم نقُول لِجَهَنَّم هَل امْتَلَأت وَأَنه ظرف لَهُ فَهَؤُلَاءِ فَهموا من مَجْمُوع الْآيَات أَن التبديل يَنْقَسِم إِلَى مَذْمُوم ومحمود فالمذموم مَا كَانَ من خير إِلَى شَرّ والمحمود مَا كَانَ من شَرّ إِلَى خير أَو من خير إِلَى خير أفضل مِنْهُ أَو مثله وَجعلُوا الْعَفو خيرا من الْعقُوبَة فِي حق الْمُسلمين لما ورد فِي الاحاديث فِي هَذَا بِعَيْنِه وَفِي من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا وأجمعت عَلَيْهِ الْأمة فِي من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا
وَيَنْبَغِي هُنَا تَحْقِيق النّظر فِي الْفرق بَين الْوَعيد وَالْخَبَر الْمَحْض عَن الْوَاقِع فِي الْمُسْتَقْبل وَذَلِكَ أَن الْوَعيد يحسن مِمَّن لَا يعلم الْغَيْب بِخِلَاف الْخَبَر الْمَحْض وَإِذا لم يَفْعَله لتوبة أَو رَحْمَة لم يعد فِي لُغَة الْعَرَب من الْكَذَّابين المذمومين فَكيف إِذا كَانَ إِنَّمَا بَين مُرَاده وَلم يرجع عَنهُ لِأَنَّهُ عِنْد هَؤُلَاءِ فِي خطاب المسخوطين خَاصَّة كَقَوْل يُوسُف ﴿معَاذ الله أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده إِنَّا إِذا لظالمون﴾ وَلَو كَانَ لَهُ رَغْبَة فِي رحمتهم وإسعادهم وجد اليه السَّبِيل وَالله سُبْحَانَهُ أعلم وَأحكم
وَمن أَمْثِلَة ذَلِك الْحَالِف على أَن لَا يفعل مَا يسْتَحبّ فعله فان كَانَ لَهُ حِكْمَة مرجحة لتَركه وَهُوَ يخفيها كَانَ لَهُ فِي الْيَمين عذر وَإِن أحب أَن يفعل الْمُسْتَحبّ كَانَ لَهُ فِيهِ الْمخْرج وَللَّه تَعَالَى من ذَلِك كُله أجمله وَأحسنه وَأَكْثَره حمدا وثناء
وَقد ذكرت فِي العواصم من أَحَادِيث الرَّجَاء المبينة للمراد فِي عمومات الْوَعيد أَكثر من أَرْبَعمِائَة حَدِيث من دواوين الاسلام الْمَعْرُوفَة مَعَ مَا شهد لَهَا من الْآيَات القرآنية وَمن أعظمها بشرى حَدِيث معَاذ الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَفِيه
стр. 343
أَنه قَالَ أَفلا أبشر النَّاس قَالَ دعهم يعملوا فَدلَّ على أَنه على ظَاهره وعَلى أَن جَانب الرَّجَاء مَكْتُوم للْمصْلحَة يُوضحهُ حَدِيث من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة لم تمسه النَّار قَالُوا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ فقد كَانَ أوهمهم بِمَفْهُوم الْعدَد أَن الرَّجَاء يخْتَص بِالثَّلَاثَةِ وَلم يبدأهم بالبشرى بالاثنين لمصْلحَة التخويف وَمِنْه قَوْله فِي ذَلِك لم تسمه النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم فَدلَّ على أَن الْقدر الْوَاجِب الْمقسم عَلَيْهِ مُجَرّد الْوُرُود فِي حق الْمُسلمين وَللَّه الْحَمد
وَمن ذَلِك أَحَادِيث خُرُوج من دخل النَّار من الْمُوَحِّدين برحمة الله تَعَالَى ثمَّ بشفاعة رَسُول الله ﷺ وَآله وشفاعته من رَحْمَة الله تَعَالَى وَالَّذِي حضرني الْآن من الْأَحَادِيث المصرحة بخروجهم من النَّار أَحَادِيث كَثِيرَة جدا عَن أَكثر من عشْرين من كبار أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله من ذَلِك فِي عُلُوم آل مُحَمَّد ﷺ وَآله عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵇ فِي بَاب مَا يُقَال بعد الصَّلَاة وَفِي مُسْند أَحْمد عَن أبي بكر ﵁ وَابْن عَبَّاس ﵄ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَفِي البُخَارِيّ وَحده عَن عمرَان بن حُصَيْن وَفِي صَحِيح مُسلم وَحده عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن أبي مُوسَى عشرتهم عَن رَسُول الله ﷺ وَآله بذلك بِأَلْفَاظ صَرِيحَة ضَرُورِيَّة لَا تحْتَمل التَّأْوِيل
وَفِي مجمع الزَّوَائِد مثل ذَلِك عَن عشرَة من الصَّحَابَة غير هَؤُلَاءِ الَّذين ذكرتهم ذكرتهم فِي العواصم والتواتر يحصل بِهَذَا بل بِدُونِ ذَلِك وَلَا يشْتَرط فِي رِجَاله الْعَدَالَة كَيفَ وَقد اجْتمعَا غَالِبا وَمَا زَالُوا يروون ذَلِك فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَآله وَبعده لَا يُنكره مُنكر وَلَا يزْجر عَنهُ أحد ثمَّ وافقهم جمَاعَة كَثِيرَة على هَذَا الْمَعْنى لَكِن بِغَيْر لفظ الْخُرُوج من النَّار وَذَلِكَ كثير جدا مِنْهُم من روى أَن الشَّفَاعَة نائلة من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا كَعبد الله بن عمر بن الْخطاب وَأبي ذَر الْغِفَارِيّ وَعبد الله بن عَمْرو وعَوْف بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس ومعاذ وَأبي مُوسَى وَأنس وَأبي أَيُّوب وَأبي سعيد وَمِنْهُم من روى حَدِيث شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي كَمَا ثَبت ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله
стр. 344
وَأنس بن مَالك وَابْن عَمْرو رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث جَعْفَر ابْن مُحَمَّد الصَّادِق عَن أَبِيه الباقر عَن جَابر وَفِي حَدِيث ابْن عمر حَرْب بن شُرَيْح وَثَّقَهُ جمَاعَة وَفِيه خلاف يسير ينجبر بالشواهد وروى عَنهُ نَحْو ذَلِك بِغَيْر لَفظه من طَرِيق النُّعْمَان بن قراد وَهُوَ ثِقَة رَوَاهُمَا الهيثمي فِي مجمعه وَلَفظ حَدِيث النُّعْمَان أَن شَفَاعَتِي لَيست للْمُؤْمِنين الْمُتَّقِينَ لَكِنَّهَا للمذنبين الخاطئين المتلوثين وروى الهيثمي نَحْو ذَلِك عَن أم سَلمَة وَعبد الله ابْن بسر وَأبي أُمَامَة وَمِنْهُم من روى أَن الله يفْدي كل مُسلم بِكَافِر كَمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي مُوسَى بأسانيد على شَرط الْجَمَاعَة
وَمن ذَلِك مَا ورد فِيمَن كَانَ آخر كَلَامه لَا أَله إِلَّا الله وَقد تقصاها الْحَافِظ ابْن حجر فِي تلخيصه فِي كتاب الْجَنَائِز ثمَّ مَا ورد فِي الرَّجَاء لأهل الْأَمْرَاض والفقر والمصائب وَفِي موت الاولاد والاصفياء وَفِي هَذَا النَّوْع وَحده عَن ثَمَانِيَة عشر صحابيا ثمَّ مَا جَاءَ فِي فَضَائِل الايمان والاسلام وَالْوُضُوء والصلوات وَالصَّدَََقَة والصلة وَالْجهَاد وَالشَّهَادَة والاذكار وَسَائِر الاعمال الصَّالِحَة مَعَ مَا شهد لذَلِك من سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى المنصوصة فِي الْكتاب وَالسّنة وَأَنَّهَا الْمُوجبَة دُخُول الْجنَّة لَا الْعَمَل فِي أَرْبَعَة عشر حَدِيثا وَيشْهد لَهَا أَن الله تَعَالَى سمى الْجنَّة فَضله فِي غير آيَة وَأَن الْمِائَة الرَّحْمَة أعدت ليَوْم الْقِيَامَة فِي عشرَة أَحَادِيث وَيشْهد لَهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ﴾ وَمَا دلّ على جَوَاز وُرُود ذَلِك من آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم وَهِي أَنْوَاع كَثِيرَة
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَهِي أبين آيَة فِي الْوَعْد والوعيد وَقد جودت الْكَلَام عَلَيْهَا فِي العواصم بِحَمْد الله تَعَالَى
стр. 345
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى بعد ذكر الْمُتَّقِينَ والفراغ مِنْهُ ﴿ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا لَا يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن﴾ فِي أَربع آيَات فانها أخص وَأبين من وصف الْمُؤمنِينَ بِعَمَل الصَّالِحَات إِذْ لَا يُمكن إحاطة الْوَاحِد مِنْهُم بهَا كلهَا كَمَا اعْترف بهَا الزَّمَخْشَرِيّ وَإِن الْمَعْنى فِي عَملهَا عمل بَعْضهَا فَأَما قَول الْكُوفِيّين إِن من قد تكون زَائِدَة فِي الاثبات فَلَا يقطع الرَّجَاء لَو سلم لِأَن الاكثر أَنَّهَا فِيهِ للتَّبْعِيض عِنْد الْجَمِيع وَمُجَرَّد تَجْوِيز أَنَّهَا للتَّبْعِيض يُوجب الرَّجَاء لَو كَانَ نَادرا كَيفَ وَهُوَ الْأَكْثَر إِذْ لَا يجوز الْقطع فِي مَوضِع الِاشْتِرَاك بِغَيْر قَاطع فَثَبت الرَّجَاء على كل تَقْدِير ويعضده الْوَعْد على الْوَاحِد مِنْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه﴾ و ﴿إِن تقرضوا الله قرضا حسنا﴾ مَعَ شَهَادَة السّنة لذَلِك مثل حَدِيث أَرْبَعِينَ خصْلَة وَحَدِيث اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة وَقد بسط فِي العواصم
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن رَبك فعال لما يُرِيد﴾ وَقد أوضحت هُنَالك وَفِي الاجادة أَن الِاسْتِثْنَاء من الشَّرّ للنقصان وَمن الْخَيْر للزِّيَادَة لقَوْله فِي أهل الْحسنى لَهُم الْحسنى وَزِيَادَة وَفِي آيَة ﴿لَهُم مَا يشاؤون فِيهَا ولدينا مزِيد﴾ وَفِي أُخْرَى ﴿ويزيدهم من فَضله﴾
وَفِي دواوين الاسلام الصِّحَاح من غير طَرِيق يَقُول الله الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا أَو أَزِيد والسيئة بِمِثْلِهَا أَو أعفو رَوَاهُ ابْن عَبَّاس وَأَبُو سعيد وَأَبُو ذَر وَأَبُو رزين أربعتهم عَن رَسُول الله ﷺ وَآله وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى بعد الِاسْتِثْنَاء من خُلُود أهل الْجنَّة ﴿عَطاء غير مجذوذ﴾ فَأَشَارَ إِلَى أَن الِاسْتِثْنَاء فِيهَا للزِّيَادَة كَمَا ثَبت فِي سَائِر الْآيَات وَالْأَحَادِيث وكما
стр. 346
قَالَ بعد ذكر ثَوَاب الْمُؤمنِينَ بِالْجنَّةِ ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ وَيشْهد لذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله﴾ وَلم يقل هُنَا إِلَّا هُوَ كَمَا قَالَ فِي كشف الضّر وَهَذَا من لطف هَذَا الْبَاب وأوضح مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿ليجزي الله الصَّادِقين بصدقهم ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ وَلم يقل ليجزي الصَّادِقين إِن شَاءَ كَمَا قَالَ فِي الْعَذَاب وَفِي سُورَة اللَّيْل تَخْصِيص الْحسنى وَهِي الْجنَّة بالوعد على التَّصْدِيق بهَا والوعيد على التَّكْذِيب بهَا وَفِي الصَّحِيح الْمُتَّفق على صِحَّته حَدِيث لم تمسه النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم وَفِيه مَأْخَذ قوي فِي معرفَة الْقدر الْمقسم عَلَيْهِ مِنْهُ وَالله أعلم
وَلِهَذَا شَوَاهِد فِي الْقُرْآن وَالسّنة يحصل بمجموعها قُوَّة كَثِيرَة وَمِمَّا قيل أَنه وَقع من ذَلِك قصَّة يُونُس لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا قوم يُونُس﴾ الْآيَة والوقوع فرع الصِّحَّة وأدل مِنْهَا فكم من مُمكن لم يَقع وَلَا يَقع ويستحيل فِيمَا وَقع أَن يكون غير مُمكن وَقد جود الْقُرْطُبِيّ الْكَلَام فِي قصتهم فِي تَذكرته وَقَالَ إِن تَوْبَة الله عَلَيْهِم مَحْض التفضل لأَنهم قد كَانُوا مضطرين إِلَيْهَا بمشاهدتهم الْعَذَاب الَّذِي وعدهم بِهِ يُونُس صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم لَكِن يُعَارض مَا ذكره قصَّة فِرْعَوْن فانه لم يقبل إيمَانه حِينَئِذٍ بل قَالَ الله تَعَالَى لَهُ ﴿آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين﴾
وَالْحق أَن الله لَا يخلف الْوَعيد الا أَن يكون اسْتثْنى فِيهِ وَلَيْسَ كل من شَاهد الْعَذَاب اضْطر إِلَى الايمان لِأَنَّهُ قد يشك فِي أَنه عَذَاب من الله أَو من مصائب الدُّنْيَا كَمَا كَانَ من ابْن نوح فانه قَالَ بعد مُشَاهدَة الْغَرق الخارق والوعيد بِهِ ﴿سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء﴾ فَدلَّ عَليّ
стр. 347
اخْتِلَاف أَحْوَال الْخلق فِي ذَلِك وَبعد فالاضطرار فعل الله تعالي بالِاتِّفَاقِ فَلَا يُنكر أَنه يَفْعَله لبَعض دون بعض
وَأَصَح التَّفْسِير تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ ثمَّ بِالْحَدِيثِ فاذا اجْتمعَا وَكَثُرت الْأَحَادِيث وَصحت كَانَ ذَلِك نورا عَليّ نور يهدي الله لنوره من يَشَاء وكل ذَلِك رَجَاء مقرون بالخوف مَقْطُوع عَن الامان لجهل الْخَوَاتِم وَلقَوْله تعالي ﴿لمن يَشَاء﴾ بعد قَوْله ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك﴾ وَلقَوْله فِي الصَّالِحين ﴿وَالَّذين هم من عَذَاب رَبهم مشفقون إِن عَذَاب رَبهم غير مَأْمُون﴾ وَفِي آيَة ﴿إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا﴾ فَلَا يَقْتَضِي شَيْء من ذَلِك الاغراء وَالْفساد لِأَن الشَّفَاعَة إِنَّمَا هِيَ شَفَاعَة من النَّار بعد دُخُولهَا وَذَلِكَ من أعظم الصوارف عَن الْمعاصِي مَعَ مَا يَقع بِسَبَب الْمعاصِي فِي الدُّنْيَا والقبر وَيَوْم الْقِيَامَة من الْمُؤَاخَذَة عَليّ مَا شهِدت بِهِ الْآيَات وَالْأَخْبَار وكفي بقوله تعالي فِي مصائد الدُّنْيَا ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَفِي قِرَاءَة ﴿فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾
وَقد ذكرت فِي العواصم فِي التخويف أَكثر من عشْرين آيَة من كتاب الله تعالي مِمَّا يخْتَص بعصاة الْمُسلمين وَذكرت هُنَالك أَيْضا حَدِيثا كثيرا فِي التحذير من مكر الله وشديد عِقَابه أعاذنا الله مِنْهُ وختمت بذلك الْكَلَام فِي الرَّجَاء كَيْلا يظنّ الْجُهَّال أَن الْمَقْصُود بالرجاء هُوَ الامان والتفريط وتضييع الاعمال واطراح التقوي وَقد جود الْكَلَام فِي هَذَا المعني الشَّيْخ الْعَلامَة الشهير بِابْن قيم الجوزية تلميذ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية فِي كِتَابه الْجَواب الْكَافِي فليطالع فانه مُفِيد جدا
وَالْجمع بَين الْخَوْف والرجاء سنة الله وَسنة رسله ﵈ وَسنة دين الاسلام والاولي للانسان تَغْلِيب الْخَوْف فِي حق نَفسه إِلَّا عِنْد اقتراب الاجل الاقتراب الْخَاص أَعنِي عِنْد ظُهُور امارات الْمَوْت فِي الْمَرَض الشَّديد
стр. 348
وَإِلَّا فالموت قريب غير بعيد وَذَلِكَ لما صَحَّ أَن الله تعالي يَقُول أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ وَلِهَذَا الحَدِيث لم يكن تَقْدِيم عمومات الْوَعيد أولي من تَقْدِيم خُصُوص آيَات الرَّجَاء وَأَحَادِيثه مَعَ مَا عضد هَذَا الحَدِيث من نَحْو قَول الْمَلَائِكَة ﵈ للخليل ﵇ ﴿فَلَا تكن من القانطين﴾ وَقَوله فِي جوابهم ﴿وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ مَعَ مَا ورد فِي كتاب الله تعالي من شَوَاهِد ذَلِك كَقَوْلِه تعالي ﴿يحذر الْآخِرَة ويرجو رَحْمَة ربه قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ هَذِه الْآيَة تَفْسِير قَوْله ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ لِأَنَّهُ قصر الخشية عَلَيْهِم حَيْثُ علمُوا الدَّار الْآخِرَة دون الْكَافرين كَمَا دلّ عَلَيْهِ أول الْآيَة وَلم يقصرهم عَليّ الخشية دون الرَّجَاء كَمَا دلّ عَلَيْهِ وَصفهم برجاء رَحْمَة الله تعالي فِي غير آيَة وَقَوله تعالي ﴿لقد كَانَ لكم فيهم أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ وَقَوله تعالي ﴿أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَقَوله تعالي ﴿يرجون تِجَارَة لن تبور﴾ وَقَوله تعالي ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ وَقَوله تعالي ﴿وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين﴾ إِلَيّ ﴿بِمَا قَالُوا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وادعوه خوفًا وَطَمَعًا إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ فأكد الطمع بقوله إِن رحمت الله قريب من الْمُحْسِنِينَ وهم المخلصون لإيمانهم من النِّفَاق كَمَا قرر فِي مَوْضِعه وَقَوله تَعَالَى ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا وَكَانُوا لنا خاشعين﴾ فأكد الرهب بِذكر الْخُشُوع فَبين أَنه الْمَقْصُود لَا الْقنُوط
стр. 349
وَقَول الْخَلِيل ﵇ ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ وَقَول عيسي ﵇ ﴿وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَفِي الْخَوْف أَكثر من ذَلِك كَقَوْلِه ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ وَقَوله تعالي ﴿ذَلِك لمن خشِي ربه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ وَقَوله تعالي فِي الْمَلَائِكَة ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ وَقَوله تَعَالَى فِي الصَّالِحين ﴿إِن عَذَاب رَبهم غير مَأْمُون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَفِي نسختها هدى وَرَحْمَة للَّذين هم لرَبهم يرهبون﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ وَآله وَالله إِنِّي لأخشاكم لله وأمثال ذَلِك مِمَّا يطول ذكره
وَالْجمع بَين الرَّجَاء وَالْخَوْف من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَرْجُو حِين يذكر صِفَات ربه وَيخَاف حِين يذكر صِفَات نَفسه لقَوْله تَعَالَى ﴿من خشِي الرَّحْمَن﴾ فَسَماهُ بالرحمن فِي حَال خَوفه وَثَانِيهمَا أَن يخَاف على نَفسه ويرجو لغيره وَتَأمل قَول الْخَلِيل ﵇ فِي خَوفه على نَفسه ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ وَلم يقل وَالَّذِي يغْفر لي كَمَا قَالَ ﴿وَالَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾ وَكَذَا قَوْله ﴿عَسى أَلا أكون بِدُعَاء رَبِّي شقيا﴾ وَقَالَ ﵇ فِي حق غَيره ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ فَانْظُر مَا أَشد خَوفه على نَفسه وأوسع رَجَاءَهُ لغيره وَهَذَا عكس مَا عَلَيْهِ الاكثرون وَالله الْمُسْتَعَان
فان قيل هَذَا الْكتاب مَبْنِيّ على الِاحْتِيَاط وَمذهب الوعيدية أحوط فَكيف لم تلتزمه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
فَالْجَوَاب أَن الِاحْتِيَاط بَاقٍ مَعَ الرَّجَاء وَالْخَوْف لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الْمفْسدَة إِنَّمَا هِيَ فِي الْأمان لَكِن من لم يتَأَمَّل لم يفرق بَين الامان والرجاء وَالْفرق بَينهمَا وَاضح وَلذَلِك قيل من رجا خَافَ وَمن خَافَ رجا وَمن قديم مَا قلت فِي هَذَا المعني هَذِه الأبيات
стр. 350
(عذلي عابوا رجائي ... عذلي جاروا وتاهوا)
(كَيفَ لَا أَرْجُو الَّذِي لَا ... يغْفر الذَّنب سواهُ)
(جَاءَ فِي الْقُرْآن مَنْصُوصا ... وكل قد رَوَاهُ)
(وَهُوَ أعلي رتب الْمجد ... بِعَفْو هُوَ مَا هُوَ)
(قصر الْمَدْح عَلَيْهِ ... فانظروا ذَا الْمَدْح مَا هُوَ)
(هُوَ حق أَو محَال ... أَو صَحِيح أَو سواهُ)
(لَا وَمن لَا يغْفر الذَّنب ... وَإِن جلّ سواهُ)
(إِنَّه للحق صدقا ... وصدوق من رَوَاهُ)
(وَسَعِيد من تلقا ... بِصدق ورجاه)
(وظلوم من يُسَمِّيه ... مني خَابَ مناه)
(الاماني رده الْحق ... اجْتِهَادًا بهواه)
(أَو يري أهدي من ... الْقُرْآن نهجا مَا رَآهُ)
(ويري الْبَاطِل فِي ... مَفْهُومه مهما تلاه)
(غير أَن الله للْعَبد ... بخوف ابتلاه)
(لصلاح فِيهِ لَا يُغني عَن الْخَوْف سواهُ)
(نحمد الله عَليّ الْخَوْف ... فمولانا قَضَاهُ)
(لَو محا الْخَوْف رجائي ... لمحا الْخَوْف قَضَاهُ)
(من رجا خَافَ من الله ... وَمن خَافَ رجاه)
(وَلذَا اخْتصَّ أولو الْعلم ... وَمن قد اصطفاه)
(بمزيد الْخَوْف لله ... مَعَ وعد رِضَاهُ)
(لَو رجا الْكَافِر أوخاف ... وَقَاه وَكَفاهُ)
(ذَا رجائي فِيهِ وَإِلَّا ... رَجَاء زور لَا أرَاهُ)
(فاعرف الارجاء تعلم ... أَن رجواه سَوَاء)
وَثَانِيهمَا أَن الِاحْتِيَاط إِنَّمَا هُوَ بِالْعَمَلِ الصَّالح فان الْعَمَل الصَّالح هُوَ مَوضِع الِاحْتِيَاط فاما مُجَرّد الِاعْتِقَاد فَلَا يُمكن أَن يكون أحد الاعتقادين
стр. 351
أحوط هَهُنَا لِأَنَّهُ من قبيل التَّصْدِيق وَهُوَ وَاجِب فِي الْمَوْضِعَيْنِ بل هُوَ فِي الرَّجَاء أوجب اجماعا وَإِنَّمَا يُمكن اعْتِقَاد الاصح وَلذَلِك اخْتلفت الْمَلَائِكَة ﵈ وَكَانَ الصَّوَاب مَعَ من رجا مِنْهُم كَمَا تقدم فِي أول هَذِه الْمَسْأَلَة
وَيدل عَليّ ذَلِك وُجُوه
الْوَجْه الأول أَن الْمُقْتَضِي للرجاء تَقْدِيم الْخَاص على الْعَام عِنْد تعَارض السّمع فِي ذَلِك وَذَلِكَ وَاجِب وَلَا يُمكن أَن يكون ترك الْوَاجِب أحوط لِأَن تَركه حرَام وارتكاب الْحَرَام يُنَاقض الِاحْتِيَاط وينافيه فَلم يُمكن الِاحْتِيَاط إِلَّا فِي الْعَمَل فان زَعَمُوا ان الْعُمُوم فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد قَطْعِيّ فَلَا يجوز تَخْصِيصه فَالْجَوَاب من وُجُوه أَولهَا أَنه يلْزمهُم مثله فِي عمومات الْوَعْد بالمغفرة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يغْفر لمن يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم وَيغْفر لكم﴾ وَقَوله تَعَالَى (وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن) فِي ثَلَاث آيَات وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أعدت للْكَافِرِينَ﴾ وَفِي الْجنَّة ﴿أعدت للَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَتقدم بعضه بل الْمُحَافظَة على الصدْق فِي الْوَعْد أوجب لِأَن الْخلف فِيهِ قَبِيح ضَرُورَة وإجماعا وَفِي الْوَعيد لَا ضَرُورَة فِيهِ وَلَا إِجْمَاع وَثَانِيها ان المخصصات قواطع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أعدت للْكَافِرِينَ﴾ وَقَوله ﴿أَن الْعَذَاب على من كذب وَتَوَلَّى﴾ وَقَوله ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَغير ذَلِك وَقد بسطت الردود على مطاعن الْمُخَالف فِي الِاحْتِجَاج بهَا وغايتها ظواهر مثل عموماتهم فان وَجب الْجَزْم على مَا يفهم من عموماتهم لعِلَّة وَجب الْجَزْم على ظواهر هَذِه لتِلْك الْعلَّة بِعَينهَا بل الْبعد عَن الْخلف فِي الْوَعْد أوجب لما تقدم وَإِن جَازَ حمل هَذِه على غير ظَاهرهَا لدَلِيل مُنْفَصِل جَازَ فِي عمومات الْوَعيد مثل
стр. 352
ذَلِك وَكَانَت هَذِه هِيَ الادلة الْمُنْفَصِلَة وَإِن لم يسلمُوا أَنَّهَا قَاطِعَة كَانَت مُعَارضَة توجب الْوَقْف وَأَحَادِيث الشَّفَاعَة المصرحة بِخُرُوج الْمُوَحِّدين من النَّار قَاطِعَة فِي مَعْنَاهَا بالاجماع وَهِي قَاطِعَة فِي ألفاظها كَمَا أوضحناه فِيمَا تقدم لورودها عَن عشْرين صحابيا أَو تزيد فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَأما شواهدها بِغَيْر لَفظهَا فقاربت خَمْسمِائَة حَدِيث فِيهَا كثير من طَرِيق أهل الْبَيْت ﵈ كَمَا مضى وَرَابِعهَا أَنه لَا يُمكن الْقطع على تَكْذِيب رواتها خَاصَّة وَمِنْهُم جمَاعَة من أهل الْبَيْت ﵈ وَمَتى لم يُمكن حصل التجويز وَمَتى حصل وَجب قبُول الثِّقَة وخامسها أَن الْمُخَالف وَافق على قبُول الْآحَاد فِي مثل ذَلِك حَيْثُ يَحْتَاجهُ كَمَا قبلوا اسْتثِْنَاء الدّين من الْمَغْفِرَة للشهيد وَهِي قرآنية واستثناء عَليّ ﵇ من قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن لم تَفعلُوا﴾ فِي آيَة النَّجْوَى وَغير ذَلِك وسادسها أَنهم أهل الدَّعْوَى وَالْحجّة عَلَيْهِم وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم إِلَّا ظواهر مُعَارضَة بأمثالها وَفِي الْموضع الثَّانِي من الْفَصْل الثَّالِث من الْجَوْهَرَة فِي أَقسَام الْخُصُوص أَنه لَا وَجه للْمَنْع من تَخْصِيص الاخبار مَعَ الْقَرَائِن والاحتجاج على الْجَوَاز بِالْعقلِ والسمع
قلت وَمن الْأَدِلَّة قَوْله تَعَالَى فِي ريح عَاد ﴿مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ وَقَوله تَعَالَى فِيهَا ﴿تدمر كل شَيْء بِأَمْر رَبهَا﴾ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ فَخص مساكنهم
وَقَالَ فِي سُورَة الْقَمَر ﴿إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر﴾ وَخص امْرَأَته من هَذَا الْعُمُوم فِي الْحجر والنمل خُصُوصا مُنْفَصِلا وأمثال ذَلِك كثير
وَأما الاشعار الْجملِي بِأَن هَذَا الْعُمُوم مَخْصُوص فَلَو كَانَ لوَجَبَ أَن ينْقل عَادَة لِكَثْرَة العمومات الْمَخْصُوصَة فَلَمَّا لم ينْقل أَلْبَتَّة علم بالعوائد أَنه لم يكن فَلم يبْق إِلَّا أَن كَثْرَة وُقُوع التَّخْصِيص بعد الْعُمُوم فِي اللُّغَة وَالشَّرْع تنزل منزلَة الاشعار بِأَن صِيغَة الْعُمُوم ظنية لَا يجوز استناد الِاعْتِقَاد الْقَاطِع
стр. 353
اليها وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَة الْقَرِينَة الصارفة عَن الْقطع كَمَا فهمت ذَلِك الصَّحَابَة على مَا شرح مطولا فِي العواصم لذَلِك جعلُوا الاسباب فِي كثير من الْمَوَاضِع قَرَائِن قَاصِرَة للْعُمُوم بل لأجل هَذِه الْكَثْرَة فِي تَخْصِيصه قَالَ المرتضى الموسوي أَنه مُشْتَرك بَين الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَمَتى لم يجد الوعيدي شِفَاء فِي هَذِه الادلة فَلْينْظر فِي عمومات الْوَعْد الَّتِي هِيَ أوجب صدقا من عمومات الْوَعيد وَكَيف أجتزئ فِيهَا باليسير من هَذَا وَلم يجتزأ مِنْهُ بِشَيْء فِي حق خَصمه فَيعرف طبيعة العصبية الْغَالِبَة فَرُبمَا خفيت على الْمنصف حَتَّى يَتَأَمَّلهَا حق التَّأَمُّل وَالله الْهَادِي وَفِي الْموضع الرَّابِع فِي وَقت بَيَان الْخطاب من الْفَصْل الثَّانِي فِي الْكَلَام فِي الْمُجْمل والمبين من الْجَوْهَرَة أَيْضا أَن ذَلِك يَعْنِي تَجْوِيز تَخْصِيص الاخبار يُؤَدِّي إِلَى الاغراء بالقبيح وَاعْتَرضهُ القَاضِي فِي تَعْلِيقه بِمَا حَاصله أَن الْجَزْم فِي مَوضِع الظَّن خطأ من الْمُكَلف وَقع مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ الْقَبِيح وَلَا ملجئ اليه وَإِن كَانَ يَكْفِيهِ اعْتِقَاد أَن ظَاهر ذَلِك الْعُمُوم حَقِيقَة لَا مجَاز مَا لم يرد مُخَصص مَعَ اعْتِقَاده أَيْضا لاحْتِمَال الْعُمُوم حِين ورد للتخصيص كَمَا هُوَ مُقْتَضى اللُّغَة الَّتِي نزل علها الْقُرْآن وكما هُوَ معتقده فِي عمومات الْوَعْد وَقد بسط هَذَا بسطا شافيا فِي العواصم فِي مِقْدَار مُجَلد كَبِير لمن أحب التَّوَسُّع فِي معرفَة مَا ورد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
الْوَجْه الثَّانِي من الأَصْل أَن الْمُرَجح لَهُ الِاحْتِرَاز من تَجْوِيز الْخلف على الله تَعَالَى فِي الْوَعْد بِالْخَيرِ لِأَنَّهُ مُتَّفق على الْمَنْع مِنْهُ عقلا وَشرعا وإجماعا من الامة الاسلامية وَسَائِر الْملَل والرجح للوعيد الْمُحَافظَة على الصدْق فِي الْوَعيد بالعقوبة وَقد تقدم مَا فِيهِ من الْخلاف وَالِاحْتِمَال والتعارض فِي الْأَدِلَّة وَأَنه قد يُسمى عفوا لَا خلفا وَأَنه من التبديل إِلَى مَا هُوَ خير وَنَحْو ذَلِك مَعَ أَنه قد اقْترن بِهِ مَا يمْنَع أَن يكون خلفا وفَاقا من شَرط الْمَشِيئَة وَمن الْفِدَاء لكل مُسلم بِكَافِر وَنَحْو ذَلِك وَلَا شكّ فِي تَرْجِيح الأول على الثَّانِي لِأَن من تعمد القَوْل بتجويز الْخلف على الله فِي الْوَعْد بِالْخَيرِ فقد كفر بالاجماع وَالْخَطَأ فِيمَا عمده كفر بالاجماع أَشد قبحا والاحتراز مِنْهُ أوجب عقلا وسمعا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾
стр. 354
) وَقَالَ ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾ وَلَا شكّ أَن تَغْلِيب جَانب الرَّحْمَة وَمَا يُنَاسِبهَا أَكثر ثَنَاء على الله تَعَالَى وَلذَلِك كتبهَا على نَفسه وتمدح بهَا وَكثر اسماءه المشتقة مِنْهَا ومدح العافين والكاظمين كَمَا يَجِيء فِي الْوَجْه السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْوَجْه الثَّالِث أَنه قد ورد الْوَعيد الشَّديد على سوء الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وعَلى عدم قبُول الْبُشْرَى كَمَا تقدم قَرِيبا فِي نهي الْمَلَائِكَة للخليل ﵇ عَن الْقنُوط وَفِي جَوَابه عَلَيْهِم وَقَالَ الله تَعَالَى فِي ذَلِك ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله ولقائه أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ فَخص الْكَافرين باليأس من رَحمته وتوعدهم عَلَيْهِ بأليم عِقَابه وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّا كُنَّا من قبل نَدْعُوهُ إِنَّه هُوَ الْبر الرَّحِيم﴾ بِفَتْح أَنه وَهِي قِرَاءَة وَبِذَلِك وَردت السّنة الصَّحِيحَة المفسرة لِلْقُرْآنِ فصح عَن رَسُول الله ﷺ وَآله أَنه قَالَ (يَقُول الله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ) وَحَدِيث الْأَمر بِقبُول الْبُشْرَى وَفِيه أَن النَّبِي ﷺ وَآله قَالَ لأعرابي أبشر فَقَالَ قد أكثرت عَليّ من أبشر فَأقبل على بعض أَصْحَابه وَقَالَ إِن هَذَا رد الْبُشْرَى فَأَقْبَلَا أَنْتُمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَفِي الْمُسْتَدْرك ومسند أَحْمد من حَدِيث عِكْرِمَة بن عمار عَن صمضم بن جوسي اليمامي عَن أبي هُرَيْرَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَآله يَقُول كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجلَانِ كَانَ أَحدهمَا مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة وَكَانَ الآخر مُسْرِفًا على نَفسه وَكَانَا متآخيين فَكَانَ الْمُجْتَهد لَا يزَال يرى الآخر على ذَنْب فَيَقُول يَا هَذَا أقصر فَيَقُول خَلِّنِي وربي أبعثت عَليّ رقيبا قَالَ إِلَى أَن رَآهُ يَوْمًا على ذَنْب استعظمه فَقَالَ لَهُ وَيحك أقصر فَقَالَ خَلِّنِي وربي أبعثت عَليّ رقيبا فَقَالَ وَالله لَا يغْفر لَك فَبعث الله اليهما ملكا فَقبض أرواحهما فاجتمعا عِنْده فَقَالَ للمذنب اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجنَّة برحمتي
стр. 355
وَقَالَ للْآخر أَكنت بِي عَالما أَكنت على مَا فِي يَدي قَادِرًا اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار قَالَ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لتكلم بِكَلِمَة أذهبت دُنْيَاهُ وآخرته اه وَيشْهد لَهُ أَحَادِيث ذمّ التألي على الله تَعَالَى وَالنَّهْي عَن ذَلِك كَمَا ذكره ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة ويعضده الحَدِيث الصَّحِيح صدفة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته
وَقد جمعت فِي هَذَا الْمَعْنى مصنفا مُفردا سميته قبُول الْبُشْرَى وَشرط الِاحْتِيَاط أَن لَا يكون فِيهِ مَخَافَة وَفِي الْقنُوط واليأس من رَحْمَة الله تَعَالَى وتقنيط النَّاس مِنْهَا مَعَ نَصه على أَنَّهَا كَالْعلمِ فِي سعتها أعظم مَخَافَة فَامْتنعَ أَن يكون ذَلِك وَمَا يستلزمه أَو شَيْء مِنْهُ أَو يُقَارِبه هُوَ الاحوط خُصُوصا وَقد يَنْتَهِي ذَلِك إِلَى الْكفْر فِي صُورَتَيْنِ أَحدهمَا أَن يرد ذَلِك أحد بعد التَّوَاتُر لَهُ ومعرفته بتواتره عنادا لخصمه وَيقرب مِنْهُ من يكذب مَعَ تجويزه أَنه صدر من رَسُول الله ﷺ وَآله فانه لَا يُؤمن مَعَ صِحَّته أَن يكون كفرا على اعْتِبَار الِانْتِهَاء كمن يستخف بمصحف وَقد أخبر أَنه مصحف وَهُوَ يجوز صدق من أخبرهُ وَلِأَن فِيهِ مضارعة للاستهانة بِأَمْر النُّبُوَّة حِين أقدم على التَّكْذِيب من غير ملجئ اليه مَعَ تَجْوِيز أَنه كَلَام رَسُول الله ﷺ وَآله وَلذَلِك حرم تَكْذِيب مَا يجوز صدقه من أَخْبَار أهل الْكتاب لَكِن لَا يقطع أَنه كفر لَا مَكَان أَن يكون الْحق اعْتِبَار الِابْتِدَاء دون الِانْتِهَاء أَو يسامح فِيهِ لعدم تحَققه
الْوَجْه الرَّابِع أَنه لَو اعْتبر الِاحْتِيَاط على مَا توهمه السَّائِل لَكَانَ الاحوط هُوَ مَذْهَب الْخَوَارِج من الوعيدية لأَنهم يجْعَلُونَ الصَّغَائِر المتعمدة كَبَائِر ويجعلون جَمِيع الْمعاصِي كفرا إِلَّا لسهو وَنَحْوه وَبِه فسروا الصَّغَائِر وَبَعْضهمْ يسْتَثْنى من ذَلِك مَا فِيهِ حد لِأَن الْكفْر لَا يجب مَعَه حد لَكِن الْأَدِلَّة قَامَت على بطلَان قَوْلهم والنصوص تَوَاتَرَتْ بمروقهم والامر بِقَتْلِهِم فصح أَن الْأَحْوَط اتِّبَاع الْبَرَاهِين الصَّحِيحَة دون مُجَرّد التَّشْدِيد
следующие страницы →