Полный текст (410 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
) بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا فالفتح نِسْبَة إِلَى الله تَعَالَى وَالْكَسْر نِسْبَة إِلَى العَبْد وَقَوله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ وَقَوله ﴿فأخرجناهم من جنَّات وعيون﴾ مَعَ أَنَّهُمَا فعل قوم فِرْعَوْن حَقِيقَة وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يزكون أنفسهم بل الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَول الله تَعَالَى حاكيا عَن يُوسُف ﵇ ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ مَعَ قَوْله ﴿لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ وَقَوله ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَالْإِيمَان﴾ مَعَ نِسْبَة الايمان إِلَى فعل الْمُؤمنِينَ فِي آيَات كَثِيرَة وَهَذَا بَاب وَاسع فِي السّمع وَهُوَ صَرِيح فِي الطَّاعَات كَمَا تقدم تَحْقِيقه وَأما فِي الْمعاصِي فَالَّذِي تحقق فِي السّمع أَنه لَو شَاءَ مَا عصى على مَا مر مُلَخصا فِي الارادة وَإِضَافَة أَفعَال الْعباد اليهم أَكثر وأوضح فأرادوا الْجمع بِنِسْبَة مَا يسى خلقا إِلَى الله تَعَالَى وَنسبَة مَا يُسمى كسبا وَطَاعَة ومعصية إِلَى الْعباد وَلم يُرِيدُوا بِكَوْن الافعال خلق الله تَعَالَى نفي كَونهَا أَفعَال الْعباد كَمَا لم يُرِيدُوا بِكَوْنِهَا كسبا للعباد نفي أَنَّهَا خلق الله
وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يُرِيدُوا نسبتها إِلَى الله تَعَالَى وَحده من كل جِهَة إِذْ لم تكن كسبا وَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة فان الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة من الله تَعَالَى وَحده محالان وَلَا أَرَادوا نسبتها إِلَى الْعباد وحسم لاعتقادهم أَنَّهَا تسمى مخلوقة وَأَن الْخلق من الْعباد محَال
стр. 282
قَالَ الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى قَالَ صَاحب الْمُعْتَمد يَعْنِي أَبَا الْحُسَيْن أَن الجهم بن صَفْوَان ذهب إِلَى أَن الله تَعَالَى خَالق لأفعال الْعباد فيهم وَلَيْسوا محدثين لَهَا وَلَا مكتسبين لَهَا وَذهب النجار والاشعري إِلَى أَنه خَالِقهَا وهم يكسبونها وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَبهم وَبِه قَالَ أَكثر أهل السّنة فنفرد لكل طَائِفَة من الجبرية الخالقية والكسبية مَسْأَلَة على حِدة
وَالْحَاصِل أَن الْمُخَالفين كلهم قَالُوا بقدرة العَبْد لَكِن الفلاسفة زَعَمُوا أَن الْقُدْرَة هِيَ عِلّة الْفِعْل مَعَ الدَّاعِي والاسفرايني زعم أَنَّهَا جُزْء من عِلّة الْفِعْل الْمَوْجُود بالقدرتين والباقلاني زعم أَنَّهَا عِلّة الْكسْب والجهم زعم أَنَّهَا معنى لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْفِعْل أصلا لكنه يُوجد مُتَعَلقا بِهِ اه وَفِيه تَحْقِيق بَالغ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَمثله ذكر ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ فانه يُسَمِّي الجبرية جهمية ويخص الْجَهْمِية بالجبر وَيُوجه الردود اليهم خَاصَّة كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي شَرحه لأبواب الْقدر
وَقَالَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره مفاتح الْغَيْب ان اثبات الاله يلجئ الى القَوْل بالجبر واسال الرُّسُل يلجئ الى القَوْل بِالْقدرِ بل هَهُنَا سر آخر وَهُوَ فَوق الْكل وَهُوَ أَنا لما رَجعْنَا الى الْفطْرَة السليمة وَالْعقل الأول وجدنَا مَا اسْتَوَى الْوُجُود والعدم بِالنِّسْبَةِ اليه لَا يتَرَجَّح أَحدهمَا الا بمرجح وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَبْر ونجد أَيْضا تفرقه بديهية بَين الحركات الاختيارية والاضطرارية وجزما بديهيا بِحسن الْمَدْح والذم والامر وَالنَّهْي وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فَكَانَ هَذِه الْمَسْأَلَة وَقعت فِي حيّز التَّعَارُض بِحَسب الْعُلُوم الضرورية وبحسب الْعُلُوم النظرية وبحسب تَعْظِيم الله تَعَالَى نظرا الى قدرته وبحسب تَعْظِيمه نظرا الى حكمته وبحسب التَّوْحِيد والنبوة وبحسب الدَّلَائِل السمعية فَلهَذَا الَّذِي شرحناه والاسرار الَّتِي كشفنا حقائقها صعبت الْمَسْأَلَة وعظمت فنسأل الله الْعَظِيم أَن يوفقنا للحق
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي كِتَابه طوالع الْأَنْوَار وَقد ذكر احتجاج الْمُعْتَزلَة
стр. 283
بِالْآيَاتِ الدالات على أَن أَفعَال الله تَعَالَى لَا تُوصَف بِصِفَات أَفعَال الْعباد من الظُّلم وَنَحْوه فَيجب الْفرق بَينهمَا ثمَّ قَالَ مَا لَفظه واجيب بَان كَونه ظلما اعْتِبَار يعرض فِي بعض الْأَحْوَال بِالنِّسْبَةِ الينا لقُصُور ملكنا واستحقاقنا وَذَلِكَ لَا يمْنَع صُدُور أصل الْفِعْل عَن الْبَارِي تَعَالَى مُجَردا عَن هَذَا الِاعْتِبَار
وَأعلم أَن أَصْحَابنَا لما وجدوا تَفْرِقَة بديهية بَين مَا نزاوله وَبَين مَا نحسه من الجمادات وَزَادَهُمْ قَائِم الْبُرْهَان عَن اضافة الْفِعْل الى العَبْد مُطلقًا جمعُوا بَينهمَا وَقَالُوا الْأَفْعَال وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وَكسب العَبْد على معنى أَن العَبْد إِذا صمم الْعَزْم فَالله يخلق الْفِعْل فِيهِ وَهُوَ أَيْضا مُشكل ولصعوبة هَذَا الْمقَام أنكر السّلف على الناظرين فِيهِ اهـ بِحُرُوفِهِ
وَأعلم أَن تَسْمِيَة الرَّازِيّ لمَذْهَب الأشعرية جبرا شَيْء تفرد بِهِ دونهم وَدون غَيرهم وَهُوَ خلاف مِنْهُ فِي الْعبارَة فقد صرح فِي نِهَايَة الْعُقُول بِبَقَاء اخْتِيَار العَبْد مَعَ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيه جبرا والمرجع بِهِ عِنْده إِلَى وُقُوع الرَّاجِح بالدواعي فانه فِي النِّهَايَة لما ذكر انه يلْزمهُم قبح الْمَدْح والذم والامر وَالنَّهْي أجَاب بَان مَذْهَبهم ان الِاخْتِيَار الى العَبْد فان اخْتَار الطَّاعَة خلقهَا الله فِيهِ عقيب اخْتِيَاره وَكَذَلِكَ الْمعْصِيَة كَمَا تَقول الْمُعْتَزلَة فِي المسببات كلون المداد وصبغ الثِّيَاب وازهاق الارواح وَالسحر وَنَحْو ذَلِك وَقد تطابق الرَّازِيّ والبيضاوي والشهرستاني على نِسْبَة هَذَا الى الاشعرية قَالَ الرَّازِيّ وَهُوَ الْوَجْه فِي تَوْجِيه الْأَمر وَالنَّهْي اليهم فقد أَجمعُوا بِنَقْل أَئِمَّة مَذْهَبهم هَؤُلَاءِ على ثُبُوت الِاخْتِيَار للْعَبد وان كَانَ الِاخْتِيَار وَاجِبا بالداعي قَالَ الرَّازِيّ مثل مَا أَجمعت الْمُعْتَزلَة على ثُبُوت الِاخْتِيَار لله تَعَالَى وان كَانَت أَفعاله وَاجِبَة بالدواعي فانه لَا يجوز عَلَيْهِ اخلال بِوَاجِب وَلَا فعل لقبيح قطعا مَعَ ثُبُوت الِاخْتِيَار مِنْهُ فِي ذَلِك
وَاعْلَم أَن هَذَا الْقدر كَاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة دون زِيَادَة عَلَيْهِ أَعنِي معرفَة اخْتِيَار الْعباد وتمكين الله تَعَالَى لَهُم وَقيام حجَّته بذلك عَلَيْهِم مَعَ سبق قَضَائِهِ وَقدره وَقدرته على هدايتهم أَجْمَعِينَ وحكمته فِي ذَلِك كُله
وَأما بَيَان أَقْوَالهم التفصيلية فِي ذَلِك فَاعْلَم انهم اخْتلفُوا فِي الْقدر الْمُقَابل بالجزاء وَالْقدر الْمَخْلُوق على قَوْلَيْنِ
القَوْل الأول ان فعل العَبْد الِاخْتِيَارِيّ كسب للْعَبد مَخْلُوق لله تَعَالَى
стр. 284
مَقْدُور بَين قَادِرين وَكَذَلِكَ اخْتِيَاره لذَلِك الْكسْب وَهُوَ مُخَاطب بالامر وَالنَّهْي مجازى على أَفعاله بالثواب وَالْعِقَاب لما لَهُ فِي فعله واختياره من الْكسْب الِاخْتِيَارِيّ لَا لما الله فيهمَا من الْخلق وَالتَّقْدِير السَّابِق من غير تَمْيِيز للقدر المكسوب من الْقدر الْمَخْلُوق الا بالوجوه والاعتبارات فان الْفرق بهَا ضَرُورِيّ لَان معنى ذَلِك ان العَبْد فعل مَا فعله من ذَلِك طَاعَة وعصيانا وَلَوْلَا انه اوقفه على ذَلِك بارادته لذَلِك وَنِيَّته لم يُوصف بذلك وَلَا تميزت الطَّاعَة من الْمعْصِيَة وَالله سُبْحَانَهُ فعل مَا فعل من ذَلِك امتنانا وامتحانا على مَا يَأْتِي وَلَو فعله على الْوَجْه الَّذِي فعله العَبْد لسمى مُطيعًا وعاصيا وَذَلِكَ محَال فِي حَقه وانما يُسمى بأفعاله خَالِقًا ومحسنا ومبتليا وحكيما وانما قَالُوا ذَلِك وَتركُوا التَّمْيِيز جمعا بَين الْأَدِلَّة المتعارضة الْمُتَقَدّمَة وفرارا من الْخَوْض فِيمَا لم يخض فِيهِ السّلف من الفروق الدقيقة بَين هَذِه الْمعَانِي على نَحْو قَول أبي عَليّ الجبائي فِي تلاوتنا لِلْقُرْآنِ انه كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة وكلامنا حَقِيقَة وَأَن الله يتَكَلَّم مَعَ كل قَارِئ سَوَاء كَانَ صَادِق النِّيَّة مُطيعًا أَو مرائيا عَاصِيا قَالَ بذلك جمعا بَين الادلة أَدِلَّة الْعقل على ان التِّلَاوَة فعلنَا وكلامنا وَدلَالَة الاجماع على ان كَلَام الله تَعَالَى هُوَ المتلو فِي المحاريب الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وَلذَلِك الْتزم أَن كَلَام الله فِي الْمَصَاحِف حَقِيقَة وان الصَّوْت كامن فِي الْحُرُوف كَمَا نَقله عَنهُ ابْن متوية فِي التَّذْكِرَة وَغَيره فَلم تلْزمهُ الْمُعْتَزلَة الْجَبْر بذلك وَلَا الضلال وَالْكفْر فَكَذَلِك كثير من أهل الحَدِيث والاثر اعتقدوا مثل ذَلِك فِي سَائِر أَفعَال الْعباد على جِهَة الايمان بِأَن الله خَالق كل شَيْء
وَاخْتَارَ هَذَا من متكلميهم جمَاعَة وَهُوَ ظَاهر عبارَة الْبَيْضَاوِيّ فِي الطوالع والسبكي فِي جمع الْجَوَامِع وَالْغَزالِيّ فِي الاحياء فانه نَص فِيهِ على بطلَان الْجَبْر بِالضَّرُورَةِ وعَلى خلق الِاخْتِيَار وَالْفِعْل وروى هَذَا صَاحب الْجَامِع الْكَافِي من عُلَمَاء أهل الْبَيْت الْمُتَقَدِّمين عَن الامام أَحْمد بن عِيسَى بن زيد بن عَليّ ﵈ وروى فِيهِ عَن أَحْمد بن عِيسَى انه روى عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ ان رجلا سَأَلَهُ عَن أَفعَال الْعباد فَقَالَ هِيَ من الله خلق وَمن الْعباد فعل لَا تسْأَل عَنْهَا أحدا بعدِي قَالَ أَحْمد بن عِيسَى بعد رِوَايَته انما يعذب الله الْعباد على فعلهم لَا على خلقه
стр. 285
قلت رَوَاهُ مُنْقَطِعًا بِغَيْر اسناد وَلَو صَحَّ مثل هَذَا عَن عَليّ ﵇ أَو عَن غَيره من الصَّحَابَة ﵃ مَا غفل عَن تدوينه أهل الحَدِيث قاطبة وَظَاهر كَلَام السَّيِّد أبي عبد الله الحسني فِي الْجَامِع الْكَافِي ان هَذَا مَذْهَب أهل ذَلِك الْعَصْر من أهل الْبَيْت وشيعتهم فانه ذكر ذَلِك عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن أَحْمد ابْن عِيسَى وَلم يذكر خلافًا لأحد
فاما الطَّاعَة وَالْخَيْر فَلَا نَكَارَة فِي مُشَاركَة الرب لعَبْدِهِ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَلَكِن لَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك على عدم تَمْيِيز فعل العَبْد من فعل الله أصلا بل ظَاهر الْآيَات يُعْطي التَّمْيِيز بَينهمَا وَأكْثر مَا يلتبس مثل قَول عِيسَى ﵇ ﴿وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ وَلَا شكّ ان الَّذِي من عِيسَى ﵇ انما هُوَ الدُّعَاء الى الله تَعَالَى أَو الْأَمر لَهُنَّ بذلك كَمَا قَالَ لابراهيم ﵇ ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ بل كَمَا قَالَ عِيسَى فانفخ فِيهِ طائرا باذن الله فميز فعله الَّذِي هُوَ النفخ فِي الصُّورَة فَقَط
وَأما فِي الْمعاصِي فَهُوَ الْمُشكل وَالَّذِي وجهوا فِيهِ انه يُمكن من طَرِيق الِابْتِلَاء ان يفعل الله من ذَلِك مَا يتم بِهِ تَمْكِين العَبْد من فعل الْقَبِيح كخلقه للقدرة عِنْد الْجَمِيع لَكِن عِنْد هَؤُلَاءِ انه لَا يتم التَّمْكِين بهَا وَحدهَا لِاسْتِحَالَة ذَلِك عِنْدهم عقلا وسمعا فلابد من أَمر زَائِد على خلق الْقُدْرَة لحكمة الله تَعَالَى فِي تَمام الِابْتِلَاء وَمِثَال ذَلِك قَوْله فِي السحر ﴿فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله﴾ وَقَوله ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فأخرجناهم من جنَّات وعيون﴾ وَتسَمى فِي الْمعاصِي ابتلاء وامتحانا وَفِي الطَّاعَات لطفا ومعونة وَمِثَال ذَلِك عِنْد الْجَمِيع فعل
стр. 286
السَّبَب بِالنّظرِ الى المسببات الَّتِي هِيَ غير مقدورة لنا كالمداد وَنَحْوه وَقد يكون عمله قبيحا كالمغصوب وَعَمله للظلمة وَسَيَأْتِي الْفرق بَين قَول هَؤُلَاءِ وَبَين قَول الاشعرية الكسبية فِي آخر الْمَذْهَب الثَّالِث من القَوْل الثَّانِي بعد هَذَا
وَهَذَا القَوْل على انه أقل أَفْوَاههم تكلفا لم يَصح فِيهِ نَص من كتاب وَلَا سنة وَلَا اجماع الصَّحَابَة وَلَا قَول وَاحِد مِنْهُم وَقد ادّعى فِيهِ اجماع الْمُتَأَخِّرين وَذَلِكَ أبعد فقد خالفهم أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ امام الْحَرَمَيْنِ وَأَصْحَابه وَالشَّيْخ أَبُو اسحاق وَكِلَاهُمَا من أجل ائمتهم فَكيف غَيرهم وَسَيَأْتِي كَلَام ابْن الْحَاجِب الدَّال على تفرد الاشعري بذلك وعَلى انه أول من قَالَ بِهِ فَلَا يسلم هَذَا الْمَذْهَب من تَسْمِيَته بِدعَة لانه لَا معنى للبدعة الا مَا حدث من العقائد بعد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلم يَصح عَنْهُم فِيهِ نَص
وَأما الِاسْتِنَاد الى العمومات وَنَحْوهَا فَلَا يَكْفِي فِي ثُبُوت السّنَن والا لاكتفت الْمُعْتَزلَة بقوله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ على ان الْقُرْآن مَخْلُوق وان القَوْل بذلك سنة فَافْهَم هَذِه النُّكْتَة فانها نفيسة جدا فان السّنة مَا اشْتهر عَن السّلف وَصَحَّ بطرِيق النصوصية وَلَوْلَا هَذَا لكَانَتْ الْبدع كلهَا من السّنَن لانه مَا من بِدعَة الا ولأهلها شبه من العمومات والمحتملات والاستخراجات الا ترى أَن الاتحادية أبعد المبتدعة من السّنة واشنعهم بِدعَة وافحشهم مقَالا وهم مَعَ ذَلِك يحتجون بقوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَبقول النَّبِي ﷺ ان أصدق كلمة قَالَهَا لبيد الشَّاعِر أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل مُتَّفق على صِحَّته وَنَحْو ذَلِك كثير وَلَو كَانَ فِي اعْتِقَاد خلق الافعال خير مَا سكت عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَآله وَأَصْحَابه ولاسبقهم الْمُتَأَخّرُونَ الى اشاعته والزام الْمُسلمين باعتقاده وتعريفهم بِوُجُوبِهِ وَكَانَ معدودا فِي أَرْكَان الدّين والاسلام المعدودة المنصوصة وَالله يحب الانصاف وَسَيَأْتِي بَقِيَّة ادلتهم وَالْجَوَاب عَنْهَا قَرِيبا ان شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 287
القَوْل الثَّانِي للاشعرية من أهل الْكَلَام ان فعل العَبْد الْمُقَابل بالجزاء متميز عَن الْقدر الْمَخْلُوق لله تَعَالَى ومغاير لَهُ وَهُوَ قَول الاشعرية وَأكْثر متكلميهم ذَكرُوهُ كَمَا ذكره الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي وَرَوَاهُ عَن شيخ الاعتزال ابي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي كَيْفيَّة تَمْيِيز كسب العَبْد عَن خلق الرب على مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول مُقَابل لِلْقَوْلِ الأول هُوَ مَا ذكره الشهرستاني فِي نِهَايَة الاقدام والرازي فِي نِهَايَة الْعُقُول وَغَيرهمَا عَن امام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ انه أثبت لقدرة العَبْد أثرا هُوَ الْوُجُود يَعْنِي ايجاد الْحَرَكَة والسكون مَعَ اعْتِقَاد الْجُوَيْنِيّ انهما شَيْء حَقِيقِيّ وَهَذَا لفظ الشَّهْر ستاني قَالَ وغلا امام الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ أثبت للقدرة الْحَادِثَة أثرا هُوَ الْوُجُود الا انه لم يثبت للْعَبد اسْتِقْلَالا بالوجود مَا لم يسْتَند الى سَبَب آخر يَعْنِي الدَّوَاعِي قَالَ وانما حمله على تَقْدِير ذَلِك الِاحْتِرَاز عَن ركاكة الْجَبْر وَقَالَ الرَّازِيّ فِي نِهَايَة الْعُقُول ان الْجُوَيْنِيّ صرح بذلك فِي كِتَابَة النظامي وَنسبه الرَّازِيّ أَيْضا الى الشَّيْخ أبي اسحق
وَقَالَ أَبُو نصر السُّبْكِيّ فِي جمع الْجَوَامِع عَن الْجُوَيْنِيّ انه يَقُول الطَّاعَة مخلوقة وَالرِّوَايَة الاولى أصح وَأشهر وَهِي المنصوصة فِي مصنفاته فَفِي مُقَدمَات كِتَابه الْبُرْهَان التَّصْرِيح بَان الْكسْب تمويه لَان الْمُكَلف هُوَ المتمكن وان التَّكْلِيف لَا يكون الا بالممكن وان تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق بَاطِل وأمثال هَذَا والجويني مَعَ هَذَا لَا يُخَالف فِي ان أَفعَال الْعباد مخلوقة بِمَعْنى آخر أَي مقدرَة فان الْخلق بِمَعْنى التَّقْدِير حَقِيقَة لغوية صَحِيحَة وَمَعَ خلاف الْجُوَيْنِيّ هَذَا لم يكن خَارِجا من أهل السّنة وَكَذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو اسحق بل هما معدودان من أجل أئمتهم والدعاة الى السّنة والحماة عَنْهَا وَذَلِكَ لما قدمت فِي مَسْأَلَة الارادة ان مدَار الْخلاف بَين الْمُعْتَزلَة وَأهل السّنة عَلَيْهَا فِي مَسْأَلَة الافعال فَمن قَالَ ان مَشِيئَة الله تَعَالَى نَافِذَة وَقدرته عَامَّة وَلَو شَاءَ لهدى النَّاس جَمِيعًا فَهُوَ على السّنة وان خَالف فِي مَسْأَلَة خلق الافعال لَان الْقدر الْمجمع عَلَيْهِ بَين أهل السّنة أَن العَبْد فَاعل مُخْتَار مستعين بِاللَّه غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ طرفَة عين على مَا يَقْتَضِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وأمثالها كَمَا تقدم وتكرر ذكره
стр. 288
الْمَذْهَب الثَّانِي لأهل السّنة مَذْهَب شيخ الاسلام ومتكلم أهل الْآثَار أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي وَهُوَ مثل مَذْهَب الْجُوَيْنِيّ سَوَاء الا أَنه لَا يرى الاكوان أمورا حَقِيقِيَّة بل يَرَاهَا صِفَات اضافية كَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ والامام يحيى بن حَمْزَة ﵇ على مَا مضى فِي أول الْمَسْأَلَة وَهَذَا أقوى من قَول الْجُوَيْنِيّ أَدِلَّة لما يرد على مثبتي الاكوان من الاشكالات الصعبة وَهُوَ أنسب لمَذْهَب أهل السّنة لَان صَاحبه لم يَجْعَل للقدرة الْحَادِثَة أثرا فِي اخراج شَيْء حَقِيقِيّ من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَالْقَوْل بَان الاكوان صِفَات اضافية قَول جمَاعَة من الْمُحَقِّقين وَعَزاهُ الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى الى الْمُحَقِّقين وَهُوَ يُوَافق قَول الاشعرية كُله فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الا قَوْلهم ان الاكوان أَشْيَاء حَقِيقِيَّة وَهُوَ أقوى هَذِه التفاصيل وأقربها الى الْفطْرَة وأسلمها من الْبِدْعَة لانه لَا بِدعَة فِي اثبات الْحَرَكَة والسكون وَلَا فِي انهما صفتان للاجسام وَلَا فِي انهما فعلان للعباد مقدران لَهُم وَنَحْو ذَلِك وَلم يتَوَقَّف شئ من هَذَا على النّظر الدَّقِيق والبحث العميق
الْمَذْهَب الثَّالِث قَول الأشعرية الكسبية وَقد اجْمَعُوا على ان الْقدر الْمُقَابل بالجزاء من فعل العَبْد غير مَخْلُوق لله تَعَالَى وَقد جود بَيَان هَذَا مِنْهُم الشهرستاني فِي نِهَايَة الاقدام ونقلت كَلَامه على طول الى العواصم لنفاسته وَحسن سِيَاقه وَبَيَانه وهم مَعَ هَذَا يطلقون القَوْل بَان أَفعَال الْعباد مخلوقة وانما يُرِيدُونَ ذَوَات الاكوان الَّتِي هِيَ الْحَرَكَة والسكون مجردين عَن الْوُجُوه والاعتبارات وَسَائِر الاحوال الَّتِي هِيَ أثر قدرَة الْعباد عِنْدهم والاحوال عبارَة عَمَّا تخْتَلف بِهِ الاكوان المتماثلة أَلا ترى أَن الحركات متماثلة من حَيْثُ أَنَّهَا حركات وحوادث ثمَّ هِيَ مُخْتَلفَة فِي الْحسن والقبح والاصابة وَالْخَطَأ والسرعة والبطئ متمايزة فِي أَنه بَعْضهَا حَرَكَة كِتَابَة وَبَعضهَا حَرَكَة صياغة وَبَعضهَا حَرَكَة غياصة ولاختلاف أحوالها وتمايزها كَانَ بَعْضهَا مجونا مضحكا وَبَعضهَا هائلا مفزعا وَبَعضهَا خارقا معجزا وَبَعضهَا محكما متقنا إِلَى غير ذَلِك وَلَا شكّ أَن الْقدر الَّذِي اخْتلفت فِيهِ غير الْقدر الَّذِي اتّفقت فِيهِ وَهُوَ مُجَرّد الِانْتِقَال والحدوث فاضافوا هَذِه الاحوال المقدورة للعباد اليهم وأضافوا ذَات الْحَرَكَة وحدوثها إِلَى الله تَعَالَى وَالَّذِي ألجأهم إِلَى ذَلِك أَن الْحَرَكَة
стр. 289
والسكون عِنْدهم من الاشياء الْحَقِيقِيَّة مثل الْأَجْسَام وَأَنه لَا يقدر على إِيجَاد الْأَشْيَاء الْحَقِيقِيَّة إِلَّا الله وتأولوا على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ أَي للاشياء الْحَقِيقِيَّة وَلم يجْعَلُوا من ذَلِك الْأَشْيَاء اللُّغَوِيَّة الْمُسَمَّاة فِي عرفهم بالاحوال وبالوجوه وبالاعتبارات وبالاضافات وبالمعاصي والطاعات
وَلَا خلاف بَين عُلَمَاء اللَّطِيف أَن الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة ليسَا بِشَيْء حَقِيقِيّ كالاجسام بل هما معقولان حَتَّى فِي التروك الَّتِي هِيَ عدم الافعال على الصَّحِيح فانا نعقل قبح التّرْك لقَضَاء الدّين وَترك رد الْوَدِيعَة وَترك الصَّلَاة ونعقل حسن ترك الْمَظَالِم وَترك الْعدوان على الْمَسَاكِين قبل أَن نعقل أَن التّرْك كف النَّفس عَن الْفِعْل أَو عدم مَحْض فالواقع عِنْدهم بقدرة الله تَعَالَى هُوَ الْحَرَكَة من حَيْثُ هِيَ حَرَكَة مُجَرّدَة وَلَا قبح فِيهَا من هَذِه الْجِهَة إِجْمَاعًا وَكَذَلِكَ لَا قبح فِيهَا من حَيْثُ هِيَ حَادِثَة فَلذَلِك نسبوا الْحَرَكَة وحدوثها إِلَى الله تَعَالَى وَالْوَاقِع بقدرة العَبْد هُوَ كَون الْحَرَكَة طَاعَة أَو مَعْصِيّة أَو حجا أَو صَلَاة أَو ظلما أَو قتلا أَو نَحْو ذَلِك من الْأَحْوَال
قَالُوا وَلذَلِك يشتق من هَذِه الْأَشْيَاء أَسمَاء الفاعلين لَهَا دون الله تَعَالَى فقد بَالغ الشهرستاني فِي نِهَايَة الاقدام فِي رد مَذْهَب الْمُعْتَزلَة الْمُتَقَدّم فِي حِكَايَة الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وعارضهم بمعارضات جدلية مُعَارضَة عَارِف لمذهبهم مُحَقّق لمقاصدهم من ذَلِك قَالَ ان الْحُدُوث والوجود صفة غير مَطْلُوبَة من العَبْد وَلَا مَمْنُوعَة وَلَا محمودة وَلَا مذمومة من هَذِه الْجِهَة لِأَنَّهَا مُشْتَركَة بَين الْحسن والقبيح إِذْ كل مِنْهُمَا حَادث مَوْجُود قَالَ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُضَاف إِلَى العَبْد مَا طلب مِنْهُ أَو نهي عَنهُ وَهُوَ أَمر أخص من ذَلِك وَهُوَ كَون ذَلِك الْحُدُوث طَاعَة أَو مَعْصِيّة وهما أثر قدرَة العَبْد عِنْد الأشعرية وهما المقابلان بالجزاء قَالَ وَعند الْمُعْتَزلَة أثر قدرَة العَبْد من أثر قدرَة الرب عِنْد من يُطلق أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة وَمن الْأَمْثِلَة الَّتِي يظْهر فِيهَا الْمَقْدُور بَين قَادِرين حمل الْعَرْش فان الله تَعَالَى قد نسبه إِلَى حَملته من الْمَلَائِكَة من أَن الله تَعَالَى حَامِل لَهُم وَلما استقروا عَلَيْهِ من سَمَاء وَأَرْض وَالْحَامِل للقرار حَامِل
стр. 290
لما عَلَيْهِ قطعا فَثَبت أَن الْعَرْش مَحْمُول لله تَعَالَى مَعَ أَنه مَحْمُول لحملته ﵈
وَالْفرق بَين قَول هَؤُلَاءِ وَبَين أهل القَوْل الأول أَن هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ ذَات الْحَرَكَة خلقا لله تَعَالَى وَحده وَعِنْدهم تَأْثِير قدرَة العَبْد فِيهَا محَال مُطلقًا وَعند الطَّائِفَة الأولى أَن قدرَة العَبْد تُؤثر فِي ذَات الْحَرَكَة مَعَ خلق الله تَعَالَى للحركة لَا مُسْتقِلّا مُنْفَردا فَالْفرق أَن الَّذِي اخْتصَّ الله تَعَالَى بِهِ عِنْد هَؤُلَاءِ هُوَ عدم الِاسْتِقْلَال بالايجاد وَعند الأشعرية الكسبية هُوَ الايجاد مُطلقًا وَأما الْوُجُوه والاعتبارات فاتفقوا كلهم على أَنَّهَا من أثر قدرَة الْعباد فَلَا يُسمى العَبْد خَالِقًا عِنْد الْأَوَّلين لعدم استقلاله
стр. 291
فصل
فِي بطلَان القَوْل بِأَن الْمعاصِي من الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك على جَمِيع هَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة عشر مذهبا إِلَّا على مَذْهَب الْجَهْمِية الجبرية وَهَذَا أوضح من أَن يحْتَج عَلَيْهِ ويوضح الاجماع عَلَيْهِ أَنه لَا خلاف بَين أحد من أهل الاسلام فِي وجوب كَرَاهَة معاصي الله تَعَالَى ومساخطة من الاعمال وَلَا فِي وجوب الرضى والتحسين لجَمِيع مَا كَانَ مِنْهُ وَذَلِكَ يُوجب أَن القبائح كلهَا لَيست مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه بعون الله تَعَالَى وَلَكِن فرق أهل السّنة الاربع لما كَانُوا يحتجون مَعَ فرقة الجبرية الْجَهْمِية فِي رد كثير من مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة الْمُقدمَة فِي مَسْأَلَة الْمَشِيئَة وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَخذ بَعضهم من عِبَارَات بعض وَقل من يدْرك التَّفَاوُت بَين الْعبارَات كَمَا قدمت ذكره مطولا فِي مُقَدمَات هَذَا الْمُخْتَصر وَكَانَت هَذِه الْعبارَة من عِبَارَات الجبرية الْجَهْمِية وَرُبمَا يُوجد فِي كَلَام بعض السّلف أَن الْخَيْر وَالشَّر من الله يعنون بِهِ الصِّحَّة والسقم والغنى والفقر وَنَحْو ذَلِك فجَاء من بدل ذَلِك من الجهلة بالطاعات والمعاصي كَمَا يدل ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا أشركوا﴾ بِأَنَّهُ مُرِيد للشرك وَبدل مرِيدا براض محب وبدلت الاتحادية رَاض محب بآمر مثيب كَمَا تقدم وَكم وَقع من الضلال الْعَظِيم من تَبْدِيل الْعبارَات وَظن تماثلها وَلذَلِك بنيت هَذَا الْمُخْتَصر على منع ذَلِك بالمرة فَلَمَّا كثر القَوْل من الْجَهْمِية بِأَن الْمعاصِي من الله تَعَالَى ظن كثير من متكلمي السّنة أَنَّهَا فِي قُوَّة أَن الْمعاصِي مقضية مقدرَة سَابِقَة فِي علم الله تَعَالَى وقضائه وَقدره الَّذِي لَا مرد لَهُ مَعَ اخْتِيَار الْعباد فِي فعلهَا وقدرتهم عَلَيْهَا خُصُوصا من لم يكن مِنْهُم من أَئِمَّة علم الْعَرَبيَّة الَّذين رُبمَا زادهم رسوخهم فِيهِ عَن مثل هَذَا الْوَهم الْفَاحِش
стр. 292
مثل الْغَزالِيّ فانه اعْترف أَنه لم يعرف من الْعَرَبيَّة إِلَّا الْقدر الَّذِي يُمَيّز بِهِ شنيع اللّحن وَلذَلِك أَكثر من التَّصْرِيح بِأَن جَمِيع الْمعاصِي وَالْكفْر وَالْفَوَاحِش من الله تَعَالَى وَلَوْلَا أَنه صرح مَعَ ذَلِك القَوْل بِالْكَسْبِ وَأَن الْجَبْر بَاطِل بِالضَّرُورَةِ مَا استربت فِي أَنه جبري وَأكْثر المغترون بِهِ من أهل السّنة وعوامهم من ذَلِك حَتَّى حَملَنِي ذَلِك على جمع شَيْء كثير فِي التَّعْرِيف بِبُطْلَان ذَلِك وَقد أودعته العواصم وَإِنَّمَا اختصرت مِنْهُ الْيَسِير واذكره هُنَا لَعَلَّ الله ينفع بِهِ من بقيت فِيهِ بَقِيَّة من التَّمْيِيز ولبيان الْخَطَأ فِي هَذِه الْعبارَة ذكرت الْمذَاهب والفروق بَينهَا وعنيت فِي تَمْيِيز بَعْضهَا من بعض وطولت فِي تَلْخِيص ذَلِك ليتضح الْحق من الْبَاطِل لِأَنَّهُ أعظم مَا طلبه الله تَعَالَى من عباده وَأكْثر مَا بعثت لَهُ الرُّسُل الْكِرَام كَمَا أقسم الله عَلَيْهِ فِي سُورَة الْعَصْر ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق﴾ وكما قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذِي خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما﴾ وَلَو لم ينزل فِي شرف الْعلم سواهَا لكَانَتْ كَافِيَة
أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الدَّلِيل على بطلَان ذَلِك الْعقل والسمع
أما الْعقل فَلِأَن القبائح عِنْده إِمَّا أَن تكون من الله تَعَالَى وَحده تَعَالَى عَن عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَا أثر فِيهَا من الْعباد فَهَذَا مَحْض الْجَبْر وَقد اعْترف أَن الْجَبْر بَاطِل بِالضَّرُورَةِ وَلَوْلَا ذَلِك لذكرنا هُنَا مَا يخزي الجبرية ويفضحهم وَيعرف بِأَنَّهُم من سقط الْمَتَاع الَّذين لَا يسْتَحقُّونَ مناظرة الْعلمَاء العارفين والاذكياء البارعين وَإِنَّمَا حَقهم أَن يجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام أَئِمَّة الْعدْل على حسب آرائهم من تنكيل وتطريد أَو قتل فحين اعْترف بِالْحَقِّ وناقضه فِي عِبَارَته لم يكن لَهُ بُد من أَن يَجْعَل لقدرة العَبْد نَصِيبا وأثرا وَهُوَ قَوْله فاما أَن يَجعله الْكسْب الْقَبِيح دون الْخلق الْحسن الَّذِي هُوَ من الله تَعَالَى كَمَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابه الاشعرية وَصَحَّ الامر فِي غلطه فِي قبح عِبَارَته أَو يَجْعَل
стр. 293
نصيب العَبْد من الْفِعْل وحظه وَأثر قدرته أمرا آخر غير الْمعاصِي والقبائح وَغير الْخلق والايجاد فَهَذَا شَيْء لَا يعقل وَلَا يتَصَوَّر فان ظن أَن ذَلِك يَصح على الْمَذْهَب الأول من مَذَاهِب أهل السّنة وَهُوَ مَذْهَب من لَا يُمَيّز أثر قدرَة العَبْد بِالذَّاتِ فقد غلط وأفحش فِي الْجَهْل فقد ذكرنَا قبل أَنهم يميزون بَينهمَا بالوجوه والاعتبارات وَأَنَّهُمْ لَا يميزون بَينهمَا بِالذَّاتِ وَمعنى ذَلِك أَنهم يَقُولُونَ أَن العَبْد فعل مقدوره على جِهَة الْمُخَالفَة لمَوْلَاهُ غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَكَانَ من هَذَا الْوَجْه مَعْصِيّة والرب فعل ذَلِك الْمَقْدُور بِعَيْنِه مُسْتقِلّا على وَجه الامتحان والابتلاء لحكمته الْبَالِغَة وحجته الدامغة فَلذَلِك يشتق لَهُ تَعَالَى من فعله ذَلِك من الاسماء مَا لَا يشتق لعَبْدِهِ من نَحْو الْخَالِق الْمُبْدع الْحَكِيم المبتلي فِي الْمعاصِي الْمعِين فِي غَيرهَا ويشتق للْعَبد من ذَلِك الْمَقْدُور بِعَيْنِه مَا يَسْتَحِيل على الله تَعَالَى من الظَّالِم الْفَاسِق العَاصِي الْخَبيث الْعَاجِز المفتقر وَنَحْو ذَلِك فَلَو لم تفترق الافعال بالوجوه والاعتبارات لم تفترق الاسماء المشتقات مَعَ فرض اتِّحَاد الْوُجُوه والذات جَمِيعًا فان كَانَ أَرَادَ بذلك التَّرْجَمَة عَن كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ وأصول الْأَشْيَاء فَكَانَ يلْزمه الِاقْتِصَار على عبارتهما فانها أصح وأشرف وأبرك وَأسلم وَإِن كَانَ أَرَادَ التَّرْجَمَة عَن مَذْهَب الأشعرية فقد عظمت جِنَايَته عَلَيْهِم فان الرِّجَال صَرَّحُوا بِأَن الْأَفْعَال لَا تُضَاف إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا خلقا وإيجادا وابداعا وذواتا وأعيانا مُجَرّدَة عَن الْوُجُوه الَّتِي تعلق بهَا قدر الْعباد ويوقعونها عَلَيْهَا فَتكون لأَجلهَا معاصي قبيحة مستلزمة للذم وَالنَّقْص فِي المنهيات وللذلة والخضوع فِي الْعِبَادَات وللافتقار وَالْحَاجة إِلَى الله تَعَالَى فِي التَّمام وَقَضَاء الْحَاجَات وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يجوز على بارئ البريات فَكيف نَجْعَلهَا من الله تَعَالَى حَيْثُ تكون وَاقعَة على هَذِه الْوُجُوه والاعتبارات وَلَوْلَا تنزيههم لله تَعَالَى مَا تكلفوا القَوْل بِالْكَسْبِ وَلَا فارقوا أهل الْجَبْر وردوا عَلَيْهِم وترفعوا عَن خسيس مقامهم وشنيع ضلالهم
وَلَو كَانَت الْمعاصِي من الله تَعَالَى كَانَ عَاصِيا وَقد تمدح بالمغفرة وَلَا تصح الْمَغْفِرَة مِنْهُ لنَفسِهِ وَلَا لمن لَيست الذُّنُوب مِنْهُ قطعا وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فمدحهم بذلك وَصَحَّ فِي سيد
стр. 294
الاسْتِغْفَار أَبُوء لَك بنعمتك على وأبوء بذنبي وَأجْمع أهل اللُّغَة والغريب أَن الْمَعْنى أقرّ واعترف بذنبي وَمن الْمحَال أَن يكون الْمَعْنى أقرّ واعترف أَنه لَيْسَ مني فان هَذَا مناقضة للاقرار وَالِاعْتِرَاف
وَمن زعم أَن المفر الْمُعْتَرف بالذنب هُوَ المتبرئ أَن يكون مِنْهُ أَلْبَتَّة لم يكن أَهلا للمناظرة أَلا ترى أَن المستغفرين إِذا قَالُوا اللَّهُمَّ اغْفِر لنا مَا كَانَ منا كَانَت عبارَة صَحِيحَة بالاجماع بل بِالضَّرُورَةِ وَلَو قَالُوا اللَّهُمَّ اغْفِر لنا مَا كَانَ مِنْك كَانَت عبارَة بَاطِلَة بالاجماع بل بِالضَّرُورَةِ بل قد صرح الْقُرْآن بذلك فِي الطَّاعَات الَّتِي تحسن اضافتها إِلَى الله تَعَالَى كَمَا يحسن مِنْهُ تَعَالَى أَن يتفضل بالهداية اليها قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْخَلِيل والذبيح ﵍ ﴿رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وَلم يقل رَبنَا تقبل مِنْك وأمثال هَذَا كثير فَكيف باضافة الْفَوَاحِش والمخازي إِلَى السبوح القدوس بِهَذِهِ الْعبارَة جلّ وَعز وتبارك وَتَعَالَى عَن ذَلِك وتقدست أسماؤه الْحسنى وَله الْمثل الْأَعْلَى
وَقد تتبعت الْقُرْآن وَالسّنة النَّبَوِيَّة والْآثَار الصحابية فَلم أجد لما أَدْعُوهُ فِي ذَلِك أصلا بل وجدت النُّصُوص فِي جَمِيع هَذِه الاصول رادة لهَذِهِ الْبِدْعَة فَمن الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أحس عِيسَى مِنْهُم الْكفْر﴾ ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا أَو إِثْمًا﴾ ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله﴾ ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله﴾ ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ وَأما قَوْله تَعَالَى قبلهَا ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ فَلِأَن المُرَاد بِالسَّيِّئَةِ عُقُوبَة الذَّنب وبالحسنة المثوبة على الْحَسَنَة وَلذَلِك قَالَ ﴿مَا أَصَابَك﴾ وَلم يقل مَا اصبت وَلكنهَا تُضَاف إِلَى العَبْد اضافة الْمُسَبّب إِلَى فَاعل السَّبَب كَقَوْل أَيُّوب ﴿أَنِّي مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾ لما كَانَ عُقُوبَة على ذَنبه وَقَوله
стр. 295
تَعَالَى ﴿ذوقوا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَفِي آيَة ﴿تكسبون﴾ فالسيئة الَّتِي هِيَ كسب العَبْد لَا تُضَاف إِلَّا اليه والسيئة الَّتِي هِيَ عُقُوبَة تجوز اضافتها الله تَعَالَى وَإِلَى فاعلها وَإِنَّمَا رد عَلَيْهِم بقوله ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ اضافتهم الْعقُوبَة على الشّرك إِلَى رَسُول الله ﷺ حِين تشَاء مؤابة فَلم يضيفوها إِلَى خَالِقهَا وَلَا إِلَى فَاعل سَببهَا
وَمن الْآيَات فِي الْبَاب الَّذِي نَحن فِيهِ ﴿حسدا من عِنْد أنفسهم﴾ ﴿رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ﴿إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس﴾ فَفرق بَين مَا هُوَ من الله وَمَا هُوَ من النَّاس ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ وَهَذَا الْحَلَال كَيفَ الْحَرَام ﴿وَلَا تزَال تطلع على خَائِنَة مِنْهُم﴾ ﴿وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة﴾ ﴿وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم﴾ ﴿فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك﴾ ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ﴾ ﴿فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم﴾ ﴿لَا نُرِيد مِنْكُم جَزَاء وَلَا شكُورًا﴾ ﴿ونري فِرْعَوْن وهامان وجنودهما مِنْهُم مَا كَانُوا يحذرون﴾ ﴿هَذَا من عمل الشَّيْطَان إِنَّه عَدو مضل مُبين﴾ ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان﴾ ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى من الشَّيْطَان ليحزن الَّذين آمنُوا﴾ وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ الاخيرتان مصدرتان بأنما الَّتِي تفِيد الْحصْر وَقصر هَذَا على أَنه من الشَّيْطَان دون غَيره على جِهَة الذَّم لما كَانَ مِنْهُ وَالْكَرَاهَة لَهُ والبراءة مِنْهُ من ذمه وخبثه وشرعه والامر بِهِ
стр. 296
بل من كل وَجه إِلَّا مَا اقتضته الْحِكْمَة من خلق المختارين لَهُ واقدارهم عَلَيْهِ وَتَقْدِير وُقُوعه مِنْهُم للحكمة الْبَالِغَة وَالْحجّة الدامغة
وَفِي الْقُرْآن الْكثير مِمَّا يقوم مقَام هَذَا لَكِن بِغَيْر لفظ من كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ فسوق بكم﴾ ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَقد ذكرت فِي العواصم من ذَلِك خَمْسَة وَعشْرين نوعا وَذكرت هُنَاكَ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الشهيرة قدر خَمْسَة عشر حَدِيثا ونسبتها إِلَى رواتها من الصَّحَابَة وَمن خرجها من الْأَئِمَّة مثل حَدِيث التثاؤب من الشَّيْطَان وَحَدِيث إِن تقليب الْحَصَى وَقت الْخطْبَة فِي الْجُمُعَة من الشَّيْطَان وَحَدِيث إِن تفرقكم فِي الشعاب والأودية إِنَّمَا ذَلِكُم من الشَّيْطَان وَحَدِيث الاناة من الله والعجلة من الشَّيْطَان وَحَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه وَحَدِيث الرُّؤْيَا الصَّالِحَة من الله تَعَالَى والحلم من الشَّيْطَان رَوَاهُ الْجَمَاعَة عَن أبي قَتَادَة وَلمُسلم مثله بل أبين عَن أبي هُرَيْرَة وروى البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ مثل ذَلِك عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَقَالَ إِنَّمَا هِيَ من الشَّيْطَان بالحصر وَخرج ابْن ماجة وَابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن عَوْف بن مَالك وَكلهَا مَرْفُوعَة إِلَى النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا تَوَاتَرَتْ النُّصُوص فِي الرُّؤْيَا أَكثر من غَيرهَا لِأَن الْأَمر يشْتَبه فِيهَا هَل هِيَ من الله تَعَالَى أَو من الشَّيْطَان وَلَا يتَمَيَّز إِلَّا بِالنَّصِّ وَأما الْفَوَاحِش والقبائح الصادرة من المنهيين عَنْهَا المذمومين عَلَيْهَا فَلم يشْتَبه الامر فِي ذَلِك حَتَّى يرْتَفع الِاشْتِبَاه فِيهِ بالنصوص وَلَو وَقع فِي ذَلِك غلط فِي ذَلِك الْعَصْر لتواترت النُّصُوص فِي الرَّد على صَاحبه
وَإِنَّمَا أوضحت رُوَاة أَحَادِيث الرُّؤْيَا وَحدهَا كَيْلا يتَوَهَّم أَنه حَدِيث وَاحِد وَمن ذَلِك حَدِيث الْمُسْتَحَاضَة وَقَوله فِيهِ إِنَّمَا ذَلِك ركضة من الشَّيْطَان قَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته وَالْمعْنَى أَن الشَّيْطَان قد وجد سَبِيلا إِلَى التلبيس عَلَيْهَا فِي أَمر دينهَا ذكره فِي خرف الرَّاء مَعَ الْكَاف وَعِنْدِي فِيمَا قَالَه نظر لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ إِنَّمَا ذَلِك من الشَّيْطَان وَلم يذكر أَنه ركضة من وَلَا مَانع من تَمْكِينه من ركضته بعض الْعُرُوق حَتَّى تَنْقَطِع ليلبس بذلك عَلَيْهَا أَمر دينهَا
стр. 297
فانه يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم مثل مَا جَاءَ أَنه ينْفخ فِي الدبر فَلَا ينْصَرف أحدكُم حَتَّى من صلَاته حَتَّى يجد ريحًا أَو يسمع صَوتا فَكَمَا لَا يتَأَوَّل نفخه فَكَذَلِك لَا يتَأَوَّل ركضه
وَمن ذَلِك لَا تَأْكُل الشريقة فانها ذَبِيحَة الشَّيْطَان فِيهِ حديثان حَدِيث عَن ابْن عَبَّاس وَحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا فِي مُسْند أَحْمد وَفِي حَدِيث لِابْنِ عَبَّاس مَاتَت زَيْنَب بنت رَسُول الله ﷺ فَبَكَتْ النِّسَاء فَجعل عمر يضربهن بِسَوْطِهِ فَأخذ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ مهلا يَا عمر إِنَّه مَا كَانَ من الْعين وَالْقلب فَمن الله تَعَالَى وَمَا كَانَ من الْيَد وَاللِّسَان فَمن الشَّيْطَان رَوَاهُ أَحْمد وَابْن تَيْمِية فِي الْمُنْتَقى
فَهَذِهِ نَحْو خَمْسَة عشر حَدِيثا عَن أبي هُرَيْرَة مِنْهَا سِتَّة وَعَن ابْن عَبَّاس حديثان وبقيتها عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَعَائِشَة وَأبي ثَعْلَبَة وَسَهل ابْن سعد وَأبي قَتَادَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وعَوْف بن مَالك وَحمْنَة بنت جحش من غير الْآثَار الْمَوْقُوفَة على أكَابِر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ كَمَا نوضح الْآن طرفا مِنْهُ
فَمن ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ ابْن سِيرِين لم يكن أحد أهيب لما لَا يعلم من أبي بكر وَإِنَّهَا نزلت بِهِ فَرِيضَة لم يجد لَهَا فِي كتاب الله أصلا وَلَا فِي السّنة أثرا فَقَالَ أَقُول فِيهَا برأيي فان يكن صَوَابا فَمن الله تَعَالَى وَإِن يكن خطأ فمني وَأَسْتَغْفِر الله رَوَاهُ الْحَافِظ الْعَلامَة ابْن حجر الشَّافِعِي فِي الْقَضَاء من كِتَابه التَّلْخِيص الْكَبِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ الْكَبِير وَذكر سَنَده عَن عبد الله بن مهْدي عَن حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين بِهِ كَمَا تقدم قَالَ وَأخرجه قَاسم بن مُحَمَّد فِي كِتَابه الْحجَّة وَالرَّدّ على المقلدين
قلت وَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره فِي آيَة الْكَلَالَة وَجعل كَلَام أبي بكر ﵁ الَّذِي قَالَه هُوَ القَوْل عِنْده فِي الْكَلَالَة وَجَاء بذلك الْبَغَوِيّ من طَرِيق الشّعبِيّ عَن أبي بكر فازداد قُوَّة لاخْتِلَاف طرقه وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّامغَانِي فِي رسَالَته الْمَشْهُورَة فِي الْمذَاهب
стр. 298
وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ أصرح من ذَلِك وَأبين وأوضح وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْن حجر فِي كِتَابه الْمَذْكُور وأسنده إِلَى الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ أَنه رَوَاهُ من طَرِيق الثَّوْريّ عَن السفياني عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق قَالَ كتب كَاتب لعمر هَذَا مَا أرَاهُ الله تَعَالَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فانتهره عمر وَقَالَ بل أكتب هَذَا مَا رَآهُ عمر فان كَانَ صَوَابا فَمن الله تَعَالَى وَإِن كَانَ خطأ فَمن عمر قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر اسناده صَحِيح وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عمار بن يَاسر من كتاب النبلاء مَا لَفظه الاعمش عَن حبيب بن أبي ثَابت قَالَ سَأَلَهُمْ عمر عَن عمار فَأَثْنوا عَلَيْهِ وَقَالُوا وَالله مَا أَنْت أَمرته علينا وَلَكِن الله أمره فَقَالَ عمر اتَّقوا الله وَقُولُوا كَمَا يُقَال فوَاللَّه لأَنا أَمرته عَلَيْكُم فان كَانَ صَوَابا فَمن قبل الله وَإِن كَانَ خطأ أَنه لمن قبلى اه بِحُرُوفِهِ والاعمش وحبِيب من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَسَائِر الْجَمَاعَة
قلت رَضِي الله عَن عمر مَا كَانَ أصدعه بِالْحَقِّ وأخشنه فِيهِ وأغيظه للشَّيْطَان وأعرفه بِمَا يُنَافِيهِ وَعَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه نَحْو ذَلِك ذكره ابْن حجر فِي كِتَابه وأحال أَلْفَاظه الشَّرِيفَة إِلَى كَلَامه ﵇ فِي حكم أم الْوَلَد وَلم أجد أَلْفَاظه فِي ذَلِك وَلَو وَجدتهَا لسطرتها وصدرتها فَمن وجدهَا فيلحقها وَهَذَا الْمَعْنى عَنهُ ﵇ مَشْهُور كثيرا وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ فِي قصَّة بروع بنت واشق أَقُول فِيهَا بِجهْد رَأْي فان كَانَ صَوَابا فَمن الله وَحده لَا شريك لَهُ وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله مِنْهُ برَاء رَوَاهُ إِمَام أهل السّنة أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْند الْجراح بن أبي الْجراح من الْمسند وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَلَفظ أبي دَاوُد بريئان وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن الْأَثِير فِي جَامعه فِي كتاب الصَدَاق والحافظ أَبُو الْحجَّاج الْمزي الشَّافِعِي فِي أَطْرَافه فِي مُسْند معقل بن سِنَان وَإِمَام الشَّافِعِيَّة ابْن النَّحْوِيّ فِي كِتَابه الشهير الْمُسَمّى بالبدر الْمُنِير وَقَالَ صَحِيح وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْأَرْبَعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقَالَ الْحَاكِم على شَرط مُسلم وَقَالَ ابْن حزم لَا مغمز فِيهِ لصِحَّة
стр. 299
قلت وَهَذَا الْكَلَام كُله فِي الْمَرْفُوع أما كَلَام ابْن مَسْعُود الْمُقدم فِي أَن الْخَطَأ من الشَّيْطَان فَهُوَ صَحِيح بالِاتِّفَاقِ على شَرط الْجَمَاعَة كلهم رَوَاهُ الكبراء والنبلاء من أَئِمَّة التَّابِعين وَمن بعدهمْ مِنْهُم الشّعبِيّ وابراهيم التَّيْمِيّ وَمَنْصُور ابْن الْمُعْتَمِر وزائدة وَهِشَام وَيحيى الْقطَّان وَيزِيد بن هَارُون وَابْن مهْدي وخلاس بن عَمْرو وَأَبُو حسان وَدَاوُد بن أبي هِنْد وَعلي بن مسْهر وَعلي بن حجر وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وغندر وسُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة وَبُنْدَار وَعبد الرَّزَّاق وَكلهمْ رجال البُخَارِيّ وَمُسلم مَعًا إِلَّا اثْنَيْنِ فَانْفَرد مُسلم بهما وكل هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ وَلم ينكروه وَلم يشككوا على مَعْنَاهُ وَلم يتأولوه وَلم يحذروا من ظَاهره
وَفِي ظُهُور هَذِه الْأَخْبَار والْآثَار بَين السّلف من غير مناكرة أوضح دلَالَة على إِجْمَاعهم ﵃ على ذَلِك هَذَا وَلم يُوجد مُخَالف لَهُم توجب مُخَالفَته الاكثار من صُدُور النُّصُوص مِنْهُم فِي الرَّد عَلَيْهِ
وَذكر الامام الْعَلامَة إِمَام أهل السّنة أَبُو عَمْرو بن الصّلاح عَن أبي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ أَنه قَالَ وَكَانَ بعض السّلف إِذا أفتى يَقُول إِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمني قَالَ وَهَذَا معنى كره فِي هَذَا الزَّمَان لِأَن فِيهِ إضعاف نفس السَّائِل وَإِدْخَال قلبه الشَّك فِي الْجَواب اه بِحُرُوفِهِ وَقَررهُ ابْن الصّلاح فَلم يقل أحد مِنْهُم أَن ذَلِك ترك لِأَن الْحَقِيقَة أَن الْخَطَأ من الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَأَجْمعُوا على نقل ذَلِك عَن بعض السّلف من غير مناكرة بَين السّلف وَالْخلف فِي حسن ذَلِك وَصِحَّته وَلَو كَانَ مُخَالفا فِي ذَلِك مَا تركُوا ذكره وَقد تعرضوا لجَمِيع أَقْوَال عُلَمَاء الاسلام فِي ذَلِك واليهم الْمُنْتَهى فِي معرفَة الْخلاف والوفاق وَالسّنة والبدعة وَلذَلِك لم يتعقبهم أحد وينسبهم إِلَى التَّقْصِير وَالْحَمْد لله ذكره ابْن الصّلاح فِي كِتَابه فِي الْمُفْتى والمستفتى فِي الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من القَوْل فِي كَيْفيَّة الْفَتْوَى وآدابها وَأَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ شيخ أبي الْحسن الْمَاوَرْدِيّ صَاحب الْحَاوِي ذكره ابْن الصّلاح وتلميذ أبي
стр. 300
حَامِد الْمروزِي وَسَماهُ ابْن الصّلاح الامام أَبَا الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة من هَذَا الْبَاب وَقَالَ فِي مُقَدّمَة الْكتاب أَنه أحد أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة
وَأما قَوْلهم أَن ذَلِك كره فِي هَذَا الزَّمَان فانه متعقب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه لَا يسلم صِحَة الْكَرَاهَة من بعض الْخلف لما فعله بعض السّلف وَسكت عَنهُ بَقِيَّة السّلف لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْفَاعِل من قدمنَا من خلفائهم وكبرائهم والاجماعات المروية عَنْهُم مَا تزيد على هَذَا شَيْئا كَمَا تقدم تَقْرِيره وَقَوْلنَا فِيمَا هَذَا حَاله أَنه مَكْرُوه بِدعَة مَكْرُوهَة لما فِيهِ من نسبتهم إِلَى الْمَكْرُوه كَمَا لَو قَالَ أَنه بِدعَة وهم أعرف بالمكروهات والمحذورات وَثَانِيهمَا أَنهم لم يَقُولُوا ذَلِك فِي مواقع النُّصُوص بل فِي مواقع الرَّأْي الَّتِي يَنْبَغِي فِيهَا إِشْعَار المستفتي بهَا ليَأْخُذ لنَفسِهِ بالوثيقة من الِاحْتِيَاط فان ترخص تضرع إِلَى الله تَعَالَى فِي الْمُسَامحَة وَالْقَبُول واستغفر وَيَنْبَغِي اشعار المستفتى بِمَا هَذَا حَاله كَيْلا يكون على ظن ضَعِيف مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ مُعْتَقد أَنه على أثر مَعْلُوم من الدّين فانه طَالب للهداية لَا للعماية وَالله تَعَالَى يحب الانصاف وَكَانَ أقل الْأَحْوَال فِي أدب الْخلف مَعَ السّلف أَن يُقَال فِي فعلهم ثمَّ ترك وَلَا يُقَال كره مَعَ أَن الاولى بالخلف التَّسْلِيم للسلف والمتابعة وَلَا معنى لمَذْهَب أهل السّنة إِلَّا ذَلِك
فان قَالَ قَائِل إِن هَذَا كُله مَحْمُول على مُجَرّد الادب فِي حسن الْخطاب كَقَوْل الْخَلِيل ﵇ ﴿وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾ وكما لَا يُقَال لله تَعَالَى يَا رب الْكلاب والخنازير
فَالْجَوَاب أَن هَذَا لَيْسَ مثل ذَلِك لوجوه
الْوَجْه الأول إِن خلق الله تَعَالَى للكلاب والخنازير مَعْلُوم ضَرُورَة من الدّين وَمن إِجْمَاع الْمُسلمين وَأَنه لَا نقص فِيهِ على الله تَعَالَى فَلم يكن فِي حسن الْعبارَة مَعَ حسن الِاعْتِقَاد قبح وَلَا مخاطرة وَلَا بِدعَة فِي الدّين لِأَن الْبِدْعَة هُنَاكَ مَأْمُونَة وَيُمكن أَن يكون قبح ذَلِك من أجل مَفْهُوم اللقب فانه يَقْتَضِي نفي الربوبية لما سواهَا حَيْثُ يخصص بِالذكر من غير وَجه ظَاهر
стр. 301
للتخصيص وَلذَلِك قَالَ بِهِ الدقاق والصيرفي وَبَعض الْحَنَابِلَة وَغَيرهم وَرُبمَا كَانَ قبح هَذِه الصُّورَة وأمثالها من أدلتهم على ذَلِك بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ وَأَيْضًا فأسماء الله وَصِفَاته توقيفية شَرْعِيَّة وَهُوَ أعز من أَن يُطلق عَلَيْهِ عبيده الجهلة مَا رَأَوْا من ذَلِك فَلَا يجوز تَسْمِيَته رب الْكلاب والخنازير وَنَحْو ذَلِك من غير إِذن شَرْعِي وَإِنَّمَا يُسمى بِمَا سمى بِهِ نَفسه ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ وَأما الآلام فَيمكن أَن تكون عقوبات على ذنُوب فتحسن نسبتها إِلَى المذنب كَقَوْل أَيُّوب ﵇ ﴿أَنِّي مسني الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقيل للظالمين ذوقوا مَا كُنْتُم تكسبون﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿وَيَقُول ذوقوا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَسمى عقوباتهم كسبا لَهُم وَعَملا وَقَالَ ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس ليذيقهم بعض الَّذِي عمِلُوا لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تقدم فِي آخر الْكَلَام فِي الاسماء الْحسنى وَهَذَا يدل عَلَيْهِ كثير من الْكتاب وَالسّنة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَفِي قِرَاءَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَجَاء ذَلِك عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ جَاءَ من وُجُوه شَتَّى قَالَه أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد وَقد طولت فِي هَذَا وجودته فِي العواصم وَهُوَ صَحِيح فقف عَلَيْهِ هُنَالك وعَلى مَا فِيهِ من الْآيَات القرآنية الْكَثِيرَة فلكلام الْخَلِيل حِينَئِذٍ وَجه لطيف غير مُجَرّد حسن الْخطاب وَأما إِضَافَة الْمعاصِي إِلَى الله تَعَالَى وتسميته خَالِقهَا فَهُوَ عكس ذَلِك كُله من كل وَجه وَلَا هُوَ مَعْلُوم من ضَرُورَة الدّين وَلَا من إِجْمَاع الْمُسلمين وَلَا من الْأَدِلَّة القاطعة وَلَا من الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة وَلَا الْبِدْعَة فِيهِ مَأْمُونَة بل وَلَا هُوَ من الْمَسْكُوت عَنهُ حَتَّى تكون الْبِدْعَة فِيهِ لغوية وَالدّلَالَة ظنية بل مصادم النُّصُوص كتابا وَسنة وإجماعا من خير الامة وَكَونه نقصا مضادا للمادح الربانية ظَاهر مِنْهُ غير خَافَ فِيهِ فَوَجَبَ فِيهِ لُزُوم عِبَارَات
стр. 302
الْكتاب وَالسّنة وَالسَّلَف وَعدم التمحل لتأويلاتها الْبَعِيدَة المتعسفة المشكرهة
الْوَجْه الثَّانِي أَن الدّلَالَة على بطلَان الْجَبْر قاضية بِصِحَّة مَا ذكرنَا من إِضَافَة القبائح والفضائح إِلَى فاعلها الرَّاغِب فِيهَا الْمُخْتَار لعارها وَمَا فِيهَا من الذَّم والخزي وقبح اضافتها إِلَى السبوح القدوس الْمحرم لَهَا الناهي عَنْهَا الكاره لَهَا البريء من لومها وذمها ونقصها أصح الْبَرَاءَة ظَاهرا وَبَاطنا وَحقا وصدقا لَا كأكاذيب المداهنين للظلمة المطرين لَهُم بالممادح الكاذبة فان ذَلِك إِلَى الذَّم أقرب مِنْهُ إِلَى الْمَدْح لما فِيهِ من التَّذْكِير بِصَحِيح الْقدح وَلذَلِك قيل شعرًا
(إِذا أثنى عَلَيْك المراء يَوْمًا ... بِمَا هُوَ لَيْسَ فِيك فَذَاك هاجي)
فَكيف برد تمدح الرب بِالْبَرَاءَةِ من ذَلِك ونسبته إِلَى أعدائه وتسميته بالسبوح القدوس إِلَى نَحْو ذَلِك
الْوَجْه الثَّالِث إِنَّا قد قَررنَا غير مرّة أَن الْعَادة تحيل وُقُوع مثل هَذَا وَظَاهره الْخَطَأ والقبح وَلَا يظْهر تَأْوِيله وَلَا تعَارض فِيهِ الاقوال وَذَلِكَ إِن كل مَا كثر وتكرر من كَلَام السّلف وَلم تعَارض فِيهِ الاقوال وَلم ينبهوا على تَأْوِيله وَلم يحذروا من ظَاهره وَمَفْهُومه وَجب أَن يكون على ظَاهره كأحاديث الاقدار وآيات الارادة ونفوذ الْمَشِيئَة وَمن ذَلِك كَون الْمعاصِي والقبائح وَالْفَوَاحِش والفضائح من عبيد السوء المذمومين بهَا فِي الدُّنْيَا والموعودين بالجزاء فِي الْآخِرَة عَلَيْهَا
الْوَجْه الرَّابِع إِن فِي مَا ذَكرْنَاهُ عَن السّلف الصَّالح التَّصْرِيح بِنَفْي القبائح عَن الله تَعَالَى فِي قَول ابْن مَسْعُود ﵁ وَإِن كَانَ خطأ فَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله مِنْهُ بريئان وَذَلِكَ دَلِيل الْحَقِيقَة أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يُقَال على جِهَة الادب أَن الْكلاب والخنازير لَيست من خلق الله تَعَالَى وَلَا هُوَ رَبهَا وخالقها وَمن قَالَ ذَلِك كفر باجماع الْمُسلمين وَهُوَ نَظِير قَول ابْن مَسْعُود وَالله وَرَسُوله مِنْهُ بريئان أَتَرَى ابْن مَسْعُود يكون كَافِرًا وَيُصَرح بالْكفْر بَين خير أمة أخرجت للنَّاس وهم سكُوت ثمَّ يدونه أَئِمَّة الْمُسلمين مقررين لَهُ غير منكرين لَهُ وَابْن مَسْعُود هُوَ الَّذِي رَضِي رَسُول الله ﷺ لأمته مَا رَضِي لَهُم وَالَّذِي قَالَ فِيهِ ﵇ إِن الله أجاره من
стр. 303
الشَّيْطَان على أَنا لم نقل أَن الْمعاصِي من الْعباد على جِهَة المغالبة لارادته وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهَا مِنْهُم أَفعَال وذنوب وَسُوء اخْتِيَار كَمَا اجْتمعت عَلَيْهِ كلمة أهل السّنة والمعتزلة كَمَا علمنَا نَبينَا ﷺ أَن نقُول فِي حَدِيث أبي ذَر الَّذِي خرجه مُسلم وَغَيره فِي الصِّحَاح فِيهِ فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد شرا فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه وَلَكنَّا لَا نقُول كَمَا تَقول المبتدعة أَنه لَا يقدر على هِدَايَة أهل الضلال بل نقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ كَمَا تقدم مَبْسُوطا فِي مَسْأَلَة الْمَشِيئَة
الْوَجْه الْخَامِس ان ذَلِك ان كَانَ أدبا حسنا وثناء مناسبا لاسماء الله الحسى كَانَ نقيضه حَرَامًا فقد تقرر عِنْد الأشعرية أَنه لَا يُضَاف إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا الْمَدْح وَالثنَاء دون مَا فِيهِ نقص أَو مَا لَيْسَ فِيهِ نقص وَلَا ثَنَاء وَلَيْسَ فِي ذَلِك ثَنَاء وَلذَلِك اعْتَرَفُوا بِأَن الْأَدَب تَركه وتجنبه وكل مَا كَانَ كَذَلِك حرم وَلَا معنى للادب بِاللِّسَانِ دون الْجنان وَقد تقدم أَن ذَلِك خلاف مَذْهَب الأشعرية وَجِنَايَة عَلَيْهِم وَلَا يجوز خلاف ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل صَحِيح بِخلق الْكلاب والخنازير على وَجه لَا يُوهم الْخَطَأ
الْوَجْه السَّادِس أَن تَأْوِيل ذَلِك على الادب مَعَ الله تَعَالَى لَا يحْتَمل إِلَّا فِيمَا صدر من الرَّسُول ﷺ وَمن أَصْحَابه ﵃ على أَنا قد ذكرنَا مَا يمْنَع من ذَلِك فِي حَقهم أَيْضا لَكِن على تَسْلِيمه فانا قد ذكرنَا من كَلَام الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم اثْنَتَيْنِ وَعشْرين آيَة وَلَا يجوز حملهَا على ذَلِك لِأَن الادب من خَواص الْعباد وَلذَلِك وَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى أديبا كَمَا لَا يُسمى الادب من خَواص الْعباد وَلذَلِك لَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى أديبا كَمَا لَا يُسمى عَاقِلا وَلَا فَاضلا بالاجماع فانه أرفع وَأَعْلَى من ذَلِك جلّ وَعلا
الْوَجْه السَّابِع أَنه انْعَقَد اجماع الْمُسلمين على وجوب الرضى بِمَا كَانَ من الله تَعَالَى وعَلى تَحْرِيم الرضى بِالْمَعَاصِي وَوُجُوب كراهتها وَهَذَا على الْحَقِيقَة لَا يُمكن حمله على الادب وَهَذَا الْوَجْه كَانَ شاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقد اعْترف الْغَزالِيّ بِهِ وَهُوَ أعظم حجَّة عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّمَا يجب الرضى بِالْقضَاءِ بِالْمَعَاصِي لَا بِالْمَعَاصِي وَطول فِيهِ فِي بَاب الرضى بِالْقضَاءِ
стр. 304
فصل فِي تَفْسِير خلق الافعال (وَالِاخْتِلَاف فِي ذَلِك وَبَيَان الْأَحْوَط فِيهِ لطَالب السّنة)
اعْلَم أَنا قد بَينا فِيمَا تقدم أَن السّنة هِيَ مَا صَحَّ واشتهر واستفاض فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ وتابعيهم وبلغنا متواترا أَو مَشْهُورا من غير مُعَارضَة وَلَا شُبْهَة مثل الايمان بالاقدار لتواتره فِي الْأَخْبَار والْآثَار فَلَيْسَ خلق أَفعَال الْعباد من هَذَا وَلَا هُوَ قريب مِنْهُ فَلَا وَجه لكَونه من السّنة لِأَن رَسُول الله ﷺ حِين علم أَرْكَان الاسلام والايمان والاحسان لم يذكرهُ ثمَّ لم يَصح فِيهِ حَدِيث وَاحِد وَلَا أثر وَأما أَخذه من خَالق كل شَيْء فَهُوَ خلاف الِاحْتِيَاط فِي مَوَاضِع الْخطر حَيْثُ لَا ضَرُورَة وَهُوَ مثل أَخذ المعتزلي من ذَلِك أَن الْقُرْآن مَخْلُوق وأمثال هَذَا مِمَّا لَا يُحْصى ويوضح ذَلِك وُجُوه
الْوَجْه الأول إِن الْخلق لَفْظَة مُشْتَركَة وَأشهر مَعَانِيهَا التَّقْدِير وَلَا نزاع فِي ذَلِك والافعال مخلوقة بِهَذَا الْمَعْنى بِلَا نزاع كَمَا هُوَ قَول الامام الْجُوَيْنِيّ وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق واصحابهما من أهل السّنة بل هُوَ قَول الْمُعْتَزلَة والشيعة وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي صحاحه لِلْخلقِ معنى فِيمَا نَحن فِيهِ إِلَّا التَّقْدِير وَكَذَلِكَ ابْن الْأَثِير فِي نِهَايَة الْغَرِيب فانه قَالَ أصل الْخلق التَّقْدِير ثمَّ فسر خلق الله الاشياء بعد أَن لم تكن وانه تَعَالَى يُسمى الْخَالِق بِاعْتِبَار تَقْدِير وجود الْأَشْيَاء مِنْهُ أَو بِاعْتِبَار الايجاد على وفْق التَّقْدِير هَذَا مَعَ توسعه فِي النَّقْل وَعدم تهمته بعصبية وَلَا جهل فانه نقل كِتَابه من سِتَّة عشر مصنفا لأئمة اللُّغَة وهم أَبُو عُبَيْدَة والمازني والاصمعي وَالقَاسِم بن سَلام وَابْن قُتَيْبَة وثعلب
стр. 305
وشمر بِهِ حَمْدَوَيْه والأنباري وَأحمد بن الْحسن الْكِنْدِيّ وَأَبُو عَمْرو الزَّاهِد والخطابي والهروي والأزهري والزمخشري والأصفهاني وَابْن الْجَوْزِيّ قَالَ وَغير هَؤُلَاءِ من أَئِمَّة اللُّغَة والنحو وَالْفِقْه وَلَكِن لَا معنى لتسمية الافعال مخلوقة بِهَذَا الْمَعْنى أَعنِي إِيجَاب اعْتِقَاد ذَلِك على كل مُسلم وإيهام اخْتِصَاص أهل السّنة بِهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه لَا ثَمَرَة لَهُ لَا خلافية وَلَا وفاقية وَإِنَّمَا هُوَ مثل تَسْمِيَتهَا مَعْلُومَة ومكتوبة وَثَانِيهمَا أَن عِبَارَات الْكتاب وَالسّنة هُنَا وَردت بِأَلْفَاظ بَيِّنَة الْمعَانِي غير مُشْتَركَة بَين مَا يَصح وَمَا لَا يَصح وَقد أَجمعت الامة على أَنه لَا تجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى والتبديل لألفاظ الْمَعْصُوم إِلَّا عِنْد الاسْتوَاء والمعلوم بِالْيَقِينِ حَتَّى لَا يجوز تَبْدِيل الْخَفي بالجلي وَلَا الْعَكْس وَلَا الظَّاهِر الظني بِالنَّصِّ الْقَاطِع وَلَا مَا لَا اشْتِرَاك فِيهِ بالمشترك وَلَا الْعَكْس
الْوَجْه الثَّانِي مَا تقدم الْآن من اعْتِبَار مَا تجب كراهيته وَيحرم الرضى بِهِ فِي دقائق هَذِه الْمَسْأَلَة ومضائقها فانه ميزَان حق ومعيار صدق وَأَنت إِذا اعتبرته هُنَا وضح لَك الصَّوَاب وانكشف لَك الارتياب فانه يجب الرضى بِخلق الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ فعله بالاجماع فَلَو كَانَت الْمعاصِي من حَيْثُ هِيَ معاص خلقا لَهُ وفعلا وَجب الرضى بهَا وفَاقا لَكِن الرضى بهَا حرَام بالنصوص الجمة والاجماع الْمَعْلُوم من الْجَمِيع وَهَذَا وَجه وَاضح لَا غُبَار عَلَيْهِ وَلَا ريب فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
الْوَجْه الثَّالِث إِن أهل السّنة كلهم قد وافقوا على أَن أفعالنا لَا تسمى مخلوقة من حَيْثُ نسبت الينا وَإِنَّمَا تسمى بذلك من حَيْثُ نسبت إِلَى الله تَعَالَى ففارقوا الجبرية فِي الْمعَانِي مُفَارقَة بعيدَة وقاربوهم فِي الْعبارَات مقاربة كَثِيرَة حَتَّى غلط عَلَيْهِم خصومهم بِسَبَب ذَلِك ونسبوهم إِلَى الْجَبْر فَيَنْبَغِي مِنْهُم وَمِمَّنْ ينصر مَذْهَبهم تجنب الْعبارَات الَّتِي توهم مَذْهَب الجبرية ليتم بذلك نزاهتهم مِنْهُ حَتَّى لَا يحْتَج عَلَيْهِم بِتِلْكَ الْعبارَات جبري وَلَا معتزلي وَلَا يغلط بِسَبَبِهَا عَامي وَلَا سني فقد وَقع بِسَبَبِهَا خبط كثير وَغلط فَاحش وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَقولُوا رَاعنا وَقُولُوا انظرنا﴾ لما وَقع فِي أحد اللَّفْظَيْنِ من الْمفْسدَة دون اللَّفْظ الآخر فلنتكلم مَعَ كل فرقة من فرقهم
стр. 306
فَأَما إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَمن تَابعهمْ فقد وافقونا بِحَمْد الله تَعَالَى
وَأما الجبرية الْجَهْمِية فَلَيْسَ هم من فرق أهل السّنة على الْحَقِيقَة وَلَكِن نتكلم مَعَهم لنستقصي القَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَنَقُول لَهُم قَوْلكُم أَن فعل العَبْد مَخْلُوق لله تَعَالَى وَحده لَا يشركهُ العَبْد فِيهِ خلاف الضَّرُورَة الْعَقْلِيَّة والسمعية ويلزمكم على هَذَا أَن لَا تصح تَسْمِيَته فَاعِلا أَلْبَتَّة وَذَلِكَ يسْتَلْزم أَن لَا يكون مُطيعًا وَلَا عَاصِيا لِأَن كَونه مُطيعًا وعاصيا فرع على كَونه فَاعِلا والالزم أَن يكون الْيَهُود الممسوخون قردة مُطِيعِينَ بكونهم كَانُوا قردة هَذَا على جِهَة النَّافِلَة وَإِلَّا فالمختار عدم مناظرة من بلغ فِي الْجَهْل والعناد إِلَى هَذَا الْحَد
وَأما الاشعرية الَّذين قَالُوا أَن فعل العَبْد الَّذِي هُوَ كسب متميز من فعل الله الَّذِي هُوَ خلق فان الْحجَّة عَلَيْهِم وَاضِحَة وَذَلِكَ أَن الأَصْل الْمَعْلُوم أَن لَا يُضَاف إِلَى كل فَاعل إِلَّا مَا هُوَ أثر قدرته وَلما كَانَ أثر قدرَة الله تَعَالَى عِنْدهم هُوَ الذوات والأعيان وَأثر قدرَة العَبْد هُوَ الاحوال وَالْوُجُوه والاعتبارات لم يَصح وَلم يحسن أَن يُضَاف فعل العَبْد إِلَى الله وَلَا فعل الله إِلَى العَبْد لِأَنَّهُ من قبيل الْكَذِب الصَّرِيح الْمُتَّفق على تَحْرِيمه وَلَو جَازَ أَن يُضَاف فعل العَبْد الْقَبِيح إِلَى ربه الحميد الْمجِيد لجَاز أَن يُضَاف فعل الله تَعَالَى إِلَى عَبده فيسمى العَبْد خَالِقًا فَأَما تَسْمِيَة أَفعَال الْعباد مخلوقة حَقِيقَة فقد تعذروا واستحال على مَذْهَبهم وَأما تَسْمِيَتهَا مخلوقة مجَازًا فَهُوَ الَّذِي يُمكن أَن يَقع فِيهِ الْغَلَط أَو الغلاط وَالْحق أَنه مَمْنُوع وَدَلِيل مَنعه وُجُوه
أَولهَا أَن للمجاز شَرَائِط مَعْلُومَة عِنْد عُلَمَاء الْمعَانِي وَالْبَيَان من أوجبهَا الِاشْتِرَاك فِي أَمر جلي غير خَفِي يُوجب المقاربة أَو المشابهة بَين الْأَمريْنِ كاشتراك الشجاع والاسد فِي قُوَّة الْقلب والكريم وَالْبَحْر فِي كَثْرَة النَّفْع وَنَحْو ذَلِك وَلَا مُنَاسبَة بَين أَفعَال الرب السبوح القدوس الْحَكِيم الْعَلِيم وَبَين أَفعَال الشَّيَاطِين والسفلة والسفهاء وأخبث الْخلق
وَثَانِيها أَن جناب الْملك الْعَزِيز أرفع مرتبَة وَأبْعد قدرا من أَن يجوز لنا أَن نتصرف فِيهِ مثل هَذَا التَّصَرُّف من غير إِذن شرِيف
стр. 307
وَثَالِثهَا انا متفقون على أَن مثل هَذَا مَمْنُوع وَأَن هَذَا الْمقَام غير مُبَاح وَلَا مسكوت عَنهُ وَذَلِكَ من جِهَتَيْنِ الْجِهَة الأولى أَن الْبِدْعَة مَمْنُوعَة والجهة الثَّانِيَة أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف إِلَّا بِمَا قد تحقق فِيهِ أَنه مدح وثناء دون مَا فِيهِ نقص أَو مَا لَيْسَ فِيهِ نقص وَلَا ثَنَاء
وَرَابِعهَا أَن هَذَا من قبيل اثبات اللُّغَة بِالنّظرِ الْعقلِيّ واللغة لَا تثبت إِلَّا بِالنَّقْلِ الصَّحِيح عَن أئمتها عِنْد الْجُمْهُور فِي الْحَقَائِق الوضعية وَعند طَائِفَة فِي الْحَقَائِق وَالْمجَاز مَعًا وَلم ينقلوا فِي ذَلِك شَيْئا وَهَذِه كتب اللُّغَة مَوْجُودَة وَقد ذكرت فِيمَا تقدم قَرِيبا أَن الْجَوْهَرِي لم يذكر فِي صحاحه لِلْخلقِ معنى إِلَّا التَّقْدِير أَعنِي فِي هَذَا الْمَعْنى الَّذِي نَحن فِيهِ وَإِن كَانَ قد ذكر مَعَاني أخر كالخلق بِمَعْنى الْكَذِب فَافْهَم هَذِه النُّكْتَة
وخامسها أَن أهل اللُّغَة وَلَو أَجَازُوا شَيْئا فِي أسمائنا وأحوالنا فان أَسمَاء الله تَعَالَى توقيفية وَلذَلِك لَا يُسمى عَاقِلا وَلَا فَاضلا وَلَا يجوز نَحْو ذَلِك لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا بالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهُمَا من أجل الاسماء وأحمدها وَأَشْرَفهَا فَكيف يُسمى خَالق القبائح وَالْفَوَاحِش والفضائح من غير إِذن سَمْعِي مِمَّن لَا يُجِيز عَلَيْهِ أَن يُوصف بِوَصْف لَا ذمّ فِيهِ وَلَا مدح وَمَا الملجئ إِلَى هَذَا والداعي اليه وَالله تَعَالَى هُوَ الْملك الْعَزِيز الَّذِي لَيْسَ لعبيده أَن يتصرفوا فِي أنفسهم إِلَّا باذنه فَكيف فِي صِفَاته وأسمائه
وسادسها أَن هَذَا مَمْنُوع بالبرهان فَلَا يجوز التَّجَوُّز فِيهِ كَمَا لَا يجوز أَن يُسمى ظَالِما مجَازًا وَذَلِكَ الْبُرْهَان هُوَ إِخْبَار كتاب الله تَعَالَى الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه عَن حسن جَمِيع مخلوقات الله وَذَلِكَ قَوْله ﴿ذَلِك عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الرَّحِيم الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فَكيف يُضَاف إِلَى الحميد الْمجِيد السبوح القدوس الَّذِي تمدح بِأَنَّهُ أحسن الْخَالِقِينَ وَأَنه أحسن كل شَيْء خلقه بِغَيْر إِذن مِنْهُ أَنه خَالق جَمِيع من فِي الْعَالم من كل كذب
стр. 308
وظلم وخبث وَكفر وفحش وَقد نَص تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم على أَن أسماءه كلهَا حسنى وَالْحُسْنَى تَأْنِيث الاحسن وَالْحسن الرَّاجِع إِلَى الْحِكْمَة أنسب أولى بِكُل مخلوقات الله الْحَسَنَة من الْحسن الرَّاجِع إِلَى الصُّورَة فَمَا كَانَ من الصُّورَة الْحَسَنَة جمع الحسنين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وصوركم فَأحْسن صوركُمْ﴾ وَمَا لم يظْهر فِيهِ حسن الصُّورَة من الْحِجَارَة وَالتُّرَاب وَالْجِبَال لم يخل من حسن الْحِكْمَة وَالله أعلم
أَلا ترى أَن جَمِيع عِبَارَات الْكتاب وَالسّنة وَأهل اللُّغَة فِي الْجَاهِلِيَّة والاسلام وَالْمُسْلِمين من أهل السّنة والبدعة من الْعَامَّة والخاصة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بل والجبرية الْجَهْمِية المبتدعة كلهم عبروا عَن أَفعَال الْعباد بأسمائها الْخَاصَّة بهَا ويكسب الْعباد لَهَا وفعلهم واختيارهم دون خلق الله تَعَالَى لَهَا فيهم فَيَقُولُونَ إِذا زنى الزَّانِي مُخْتَارًا غير مكره وَجب عَلَيْهِ الْحَد وَكَذَلِكَ إِذا قتل وَجب عَلَيْهِ الْقصاص وَإِذا كفر وَجب جهاده وَنَحْو ذَلِك وَلَا يَقُول أحد مِنْهُم حَتَّى الجبرية الضلال إِذا خلق الله الزِّنَا فِي الزَّانِي جلد وَإِذا خلق الْقَتْل فِي الْقَاتِل قتل وَإِذا خلق الْكفْر فِي الْكَافِر حورب وَهَذِه كتبهمْ شاهدة بذلك وَلَو أَن أحدا قَالَ ذَلِك وحافظ عَلَيْهِ فَلم ينْطق بِمَعْصِيَة منسوبة إِلَى فاعلها وَبدل نِسْبَة الْمعاصِي إِلَى أَهلهَا بنسبتها إِلَى خلق الله تَعَالَى فِي أَهلهَا فِي جَمِيع كَلَامه أَو كثير مِنْهُ لَكَانَ ذَلِك من أوضح الْبدع وأشنع الشنع وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع
وَأما سَائِر من قَالَ أَن أَفعَال الْعباد مَقْدُور بَين قَادِرين من غير تَمْيِيز بِالذَّاتِ فَالْكَلَام مَعَهم مثل الْكَلَام مَعَ الاشعرية لأَنهم وَإِن لم يفرقُوا بَين فعل الرب وَفعل العَبْد بِالذَّاتِ فانهم يفرقون بَينهمَا بالوجوه والاعتبارات وَذَلِكَ أَمر ضَرُورِيّ فانهم لابد أَن يَقُولُوا أَن العَبْد فعل الطَّاعَة على وَجه الذلة والخضوع والامتثال والتقرب وَالرَّغْبَة والرهبة وَإِن الله تَعَالَى منزه عَن جَمِيع هَذِه الْوُجُوه وَإِن الله تَعَالَى فعل ذَلِك الْفِعْل إِمَّا لغير عِلّة كَمَا هُوَ قَول بَعضهم وَإِمَّا على جِهَة الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَالنعْمَة أَو على جِهَة الْحِكْمَة والابتلاء والامتحان فَثَبت بِهَذَا أَن فعل العَبْد مركب من أَمريْن اثْنَيْنِ أَحدهمَا من
стр. 309
الذَّات الَّتِي هِيَ مَقْدُور بَين قَادِرين وَثَانِيهمَا من تِلْكَ الْوُجُوه والاعتبارات الَّتِي يكفر من أجازها على الله سُبْحَانَهُ أَو سَمَّاهُ بهَا بالاجماع وَالله تَعَالَى مَا شَارك العَبْد إِلَّا فِي أجمل هذَيْن الامرين وأحمدهما فَكيف ينْسب اليه أخبثهما وشرهما وأقبحهما بِغَيْر إِذن مِنْهُ وهم إِنَّمَا فروا الْجَمِيع من قَول الجبرية لما يلْزم فِيهِ من نَحْو هَذِه الْأَشْيَاء فَيجب عَلَيْهِم أَن يتموا النزاهة عَن خبائث مَذْهَب الجبرية وَمَا يُقَارِبه ويضارعه مِمَّا لم ترد النُّصُوص الشَّرْعِيَّة بِوُجُوبِهِ على الْمُسلمين ودخوله فِي أَرْكَان الدّين
وَاعْلَم أَنه قد تقرر بالِاتِّفَاقِ أَن اسْم الْخلق لَا يُطلق على شَيْء كالتخليق قَالَ تَعَالَى فِي المضغة ﴿مخلقة وَغير مخلقة﴾ أَي مصورة وَغير مصورة وَلذَلِك قَالَ أهل السّنة أَن الْقُرْآن لَا يدْخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ لقَوْله تَعَالَى (أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر) وهما شَيْئَانِ فَدلَّ على أَن قَوْله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ مَخْصُوص بِكُل شَيْء يُسمى مخلوقا وَأَن هَذِه الْآيَة فِي عَالم الْخلق دون عَالم الْأَمر فَثَبت أَنه لَا حجَّة لمن سمى الله خَالِقًا لمعاصي الْعباد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ حَتَّى يدل على أَنَّهَا تسمى مخلوقة فِي اللُّغَة وَكَيف وَقد اتفقنا على انها تسمى كسبا وَعَملا وفعلا لَا خلقا
أَلا ترى أَن من جعل العَبْد من أهل السّنة مؤثرا فِي الذَّات باعانة الله تَعَالَى لَا يُسَمِّيه خَالِقًا باعانة الله تَعَالَى مَا ذَلِك إِلَّا لِأَن هَذِه الذَّات هِيَ الأكوان وَكَونهَا ذَوَات غير صَحِيح فِي لُغَة الْعَرَب وَفِي النّظر الصَّحِيح عِنْد محققي أهل الْمَعْقُول وَتَسْمِيَة الأشعرية لَهَا خلقا لله تَعَالَى لم تصح لُغَة يُوضحهُ أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ وَالشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَمن تابعهما من أهل السّنة لم يسموا العَبْد خَالِقًا مَعَ أَنهم يَقُولُونَ أَن قدرته هِيَ الَّتِي أثرت فِي ذَات فعله وَحدهَا بتمكين الله تَعَالَى ومشيئته تَعَالَى من غير زِيَادَة مُشَاركَة بَينه وَبَين قدرَة الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الذَّات الَّتِي هِيَ فعله وَكَسبه
فَثَبت أَن الْمَعْنى أَن الله خَالق كل شَيْء مَخْلُوق أَي يُسمى مخلوقا
стр. 310
فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي نزل عَلَيْهَا الْقُرْآن وَلم يكن أحد مِنْهُم يَقُول خلقت قيَاما وَلَا كلَاما وَلَا صَلَاة وَلَا صياما وَنَحْو ذَلِك وَلذَلِك ورد الْوَعيد للمصورين المشبهين بِخلق الله تَعَالَى فَلَو كَانَت أفعالنا خلق الله تَعَالَى لم يحرم علينا التَّشْبِيه بِخلق الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ لعن الْوَاشِمَات الْمُغيرَات خلق الله تَعَالَى وَلَا شكّ فِي جَوَاز تغييرنا لكثير من أفعالنا وَوُجُوب ذَلِك فِي كثير مِنْهَا وَكَذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى بعد ذكر مخلوقاته من الاجسام وتصويرها وَسَائِر مَا لَا يقدر الْعباد عَلَيْهِ من الاعراض ﴿هَذَا خلق الله فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه﴾ وَإِنَّمَا يعرف الْخلق فِي اللُّغَة لايجاد الاجسام وَيدل على مَا ذكرته مَا حَكَاهُ الله تَعَالَى وذم الشَّيْطَان بِهِ من قَوْله ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ فَدلَّ على أَن التَّغْيِير الَّذِي هُوَ فعلهم لَيْسَ هُوَ خلق الله تَعَالَى بل هُوَ مُغَاير لَهُ وَلذَلِك نَظَائِر كَثِيرَة ذكرتها فِي العواصم
وَقد احْتج البُخَارِيّ فِي جَامعه الصَّحِيح بِمثل هَذَا على أَن الْكَلَام لَا يُسمى مخلوقا فَقَالَ فِي بَاب قَول الله ﴿وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم﴾ وَلم يقل مَاذَا خلق ربكُم ذكره فِي آخر كِتَابه الْجَامِع الصَّحِيح فِي الْبَاب الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ من أَبْوَاب الرَّد على الْجَهْمِية وَقَالَت البغدادية الْخلق اسْم يخْتَص الايجاد بِغَيْر مُبَاشرَة
فان قَالَ جَاهِل حجَّة الاشعرية على أَن أَعمالنَا مخلوقة أَنَّهَا ذَوَات لَا صِفَات وَلَا أَحْوَال وَلَا يقدر على شَيْء من الذوات إِلَّا الله تَعَالَى
فَالْجَوَاب من وُجُوه الأول أوضحها وَهُوَ أَنهم لَا يَقُولُونَ بذلك بل يَقُولُونَ أَن أفعالنا هِيَ الاحوال وَالْوُجُوه والاعتبارات الْمُتَعَلّقَة بِتِلْكَ الذوات وَذَلِكَ هُوَ معنى الْكسْب كَمَا تقدم
وَثَانِيها أَنهم منازعون فِي أَن الأكوان الَّتِي هِيَ الْحَرَكَة والسكون والاجتماع والافتراق ذَوَات بل هِيَ صِفَات أَو أَحْوَال كَمَا ذهبت اليه
стр. 311
الجماهير وَأهل التَّحْقِيق كَابْن تَيْمِية وَأَصْحَابه مِنْهُم وَأَبُو الْحُسَيْن وَأَصْحَابه من الْمُعْتَزلَة وَمن لَا يُحْصى كَثْرَة من سَائِر طوائف الشِّيعَة والمتكلمين وَثَالِثهَا أَنه لَا يسلم لَهُم أَنه لَا يقدر على شَيْء من الذوات إِلَّا الله تَعَالَى بل قد خالفهم فِي ذَلِك امامهم الْكَبِير أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وأصحابهما فَقَالُوا أَنه يقدر على ذَلِك من أقدره الله تَعَالَى عَلَيْهِ ومكنه مِنْهُ وأراده لَهُ كَمَا تقدم
إِذا تقرر هَذَا فلنكمل الْفَائِدَة بِمَا بَقِي لَهُم من الْأَدِلَّة الَّتِي يُمكن أَن يغتر بهَا أحد فَمن ذَلِك قَول الْخَلِيل ﵇ فِي مجادلة عباد الاصنام وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنهُ ﴿قَالَ أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقد احْتج بهَا أَبُو عبيد لَهُم وَأنكر عَلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة كَمَا ذكره فِي مُشكل الْقُرْآن وَكِلَاهُمَا من أهل السّنة وَقَالَ ابْن كثير الشَّافِعِي فِي أول الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ وَسَوَاء كَانَت مَا مَصْدَرِيَّة أَو بِمَعْنى الَّذِي فَمُقْتَضى الْكَلَام أَنكُمْ مخلوقون والاصنام مخلوقة فَكيف عبَادَة مَخْلُوق لمخلوق فَأَشَارَ إِلَى مِثَال الْخلاف وَلم يتَعَرَّض لترجيح
وَاعْلَم أَن من يتَأَمَّل هَذَا توهم أَن الْآيَة من النُّصُوص على خلق الافعال وَلذَلِك يستروح كثير من الْقَائِلين بذلك اليها ويستأنسون بهَا وَلَو أنصفوا مَا استحلوا ذَلِك فان القَوْل فِي تَفْسِير كتاب الله تَعَالَى بِغَيْر علم حرَام بِالنَّصِّ وَفِيه حديثان معروفان عَن ابْن عَبَّاس وجندب بن عبد الله وَلَا خلاف فِي أَن فِي الْآيَة اجمالا واشتراكا بِالنّظرِ إِلَى لَفْظَة مَا تَعْمَلُونَ فانها مُحْتَملَة أَن تكون بِمَعْنى الَّذِي تَعْمَلُونَ كَقَوْلِه تَعَالَى فِي سُورَة يس ﴿ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم﴾ فَجعل مَا عملته أَيْديهم مَأْكُولا وكل مَأْكُول مَخْلُوق لله وَحده لَا عمل للْعَبد فِيهِ ألبته وَقد سَمَّاهُ مَعْمُولا لأيديهم لمباشرتهم لَهُ وَأَن تكون مَصْدَرِيَّة بِمَعْنى وعملكم وَلما كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَلم يحل أَن يتقول على الله تَعَالَى إِلَّا بِوَجْه صَحِيح وَإِلَّا وَجب الْوَقْف ورد ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى لقَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ لَكِن هُنَا وُجُوه ترجح أَنَّهَا بِمَعْنى الَّذِي تَعْمَلُونَ وَهُوَ الاصنام الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى حِجَارَة وعملونا أصناما
стр. 312
فَهِيَ معمولة مصنوعة حَقِيقَة وَقد يُسمى الْمَعْمُول عملا مجَازًا وَحَقِيقَة عرفية وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذَلِك فكونها معمولة كَاف فِي ذَلِك
وأصل ذَلِك أَن فعل العَبْد يَنْقَسِم إِلَى مَا يكون لَازِما فِي مَحل الْقُدْرَة مثل حَرَكَة يَد الصَّانِع وَإِلَى مَا يتَعَدَّى إِلَى مخلوقات الله تَعَالَى مثل تَصْوِير الصَّانِع الَّذِي يبْقى أَثَره فِي الْحِجَارَة وَغَيرهَا وَهُوَ الَّذِي منع ثُمَامَة المعتزلي والمطرفية أَن تكون فعلا للْعَبد فالآية تحْتَمل بِالنّظرِ إِلَى لَفظهَا ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَنه تَعَالَى خلق جَمِيع أَفعَال الْعباد على الْعُمُوم كَمَا قَالَ الْمُخَالف الثَّانِي أَنه خلق الاصنام الَّتِي هِيَ معمولات الْعباد ومصنوعاتهم لما فِيهَا من أثر تصويرهم وتشكيلهم
الثَّالِث أَنه خلق الاصنام الَّتِي فِيهَا عَمَلهم وتصويرهم وعَلى هَذَا الثَّالِث يكون التَّقْدِير وَمَا تَعْمَلُونَ فِيهِ وَالثَّانِي من هَذِه الِاحْتِمَالَات هُوَ الرَّاجِح لوجوه
الْوَجْه الأول أَن الله تَعَالَى سَاق الْآيَة فِي حجاج الْخَلِيل ﵇ للْمُشْرِكين وَأورد حجَّته عَلَيْهِم فِي بطلَان ذَلِك وتقبيحه وَلَيْسَ فِي كَون أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى حجَّة على ذَلِك من هَذِه الْجِهَة قطّ وَفِي كَون الاصنام مخلوقة لله تَعَالَى ذواتا وأعيانا معمولة للعباد نحتا وتصويرا أوضح برهَان على بطلَان ربوبيتها
الْوَجْه الثَّانِي أَن الله تَعَالَى نَص على هَذَا الْمَعْنى فِي غير هَذِه الْآيَة وَالْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْفرْقَان ﴿وَاتَّخذُوا من دونه آلِهَة لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون﴾ وَقَالَ فِي سُورَة النَّحْل ﴿وَالَّذين يدعونَ من دون الله لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون﴾
الْوَجْه الثَّالِث أَنه قد ورد فِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ مَا يَقْتَضِي ذَلِك وَقد أجمع أهل التَّفْسِير وَمن يحْتَج بِهِ من الجماهير إِلَى الرُّجُوع إِلَى مثل ذَلِك فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع المجملة من كتاب الله تَعَالَى وَذَلِكَ مَا أخرجه الْحَاكِم أَو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك فِي أول كتاب الْبر مِنْهُ فَقَالَ أخبرنَا
стр. 313
أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الزَّاهِد الاصبهاني أخبرنَا أَبُو إِسْمَاعِيل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن يحيى بن مُحَمَّد الْمدنِي السجْزِي حَدثنِي أبي عَن عبيد بن يحيى عَن معَاذ بن رِفَاعَة بن رَافع الزرقي عَن أَبِيه رِفَاعَة ابْن رَافع وَكَانَ قد شهد بَدْرًا مَعَ رَسُول الله ﷺ أَنه خرج وَابْن خَالَته معَاذ بن عفراء حَتَّى قدما مَكَّة فَلَمَّا هبطا من الثَّنية رَأيا رجلا تَحت الشَّجَرَة إِلَى قَوْله قُلْنَا من أَنْت قَالَ انزلوا فنزلنا فَقُلْنَا أَيْن الرجل الَّذِي يَدعِي وَيَقُول مَا يَقُول فَقَالَ أَنا فَقلت لَهُ فاعرض عَليّ فَعرض علينا الاسلام فَقَالَ من خلق السَّمَوَات وَالْجِبَال فَقُلْنَا الله فَقَالَ فَمن خَلقكُم قُلْنَا الله قَالَ فَمن عمل هَذِه الاصنام قُلْنَا نَحن قَالَ فالخالق أَحَق بِالْعبَادَة أم الْمَخْلُوق فَأنْتم عملتوها وَالله أَحَق أَن تَعْبُدُوهُ من شَيْء عملتموه قَالَ الْحَاكِم هَذَا حَدِيث صَحِيح الاسناد فسماها رَسُول الله ﷺ مخلوقة لله ومعمولة للعباد حَيْثُ قَالَ إِن الْخَالِق أَحَق بِالْعبَادَة من الْمَخْلُوق وَقَالَ إِن الله أَحَق بِالْعبَادَة من شَيْء عملتموه فَنَاسَبَ حجَّة أَبِيه ابراهيم ﵉ وماثلها فَفرق بَين الْخلق وَالْعَمَل وَجعل الاصنام مخلوقة من حَيْثُ هِيَ من الْجبَال الَّتِي قد قرر عَلَيْهِم أَنَّهَا مخلوقة وَجعلهَا معمولة من حَيْثُ أَنَّهَا لَا تسمى أصناما إِلَّا بعد تصويرهم وتشكيلهم لَهَا
الْوَجْه الرَّابِع أَن الْمَعْنى إِذا كَانَ على مَا ذكرنَا حصل مِنْهُ تَنْبِيه الْمُشْركين على أَنهم مثل الاصنام فِي كَونهم مخلوقين وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يكون العَبْد والرب من جنس وَاحِد لَا سِيمَا وَالْعَابِد مِنْهُمَا أشرف من المعبود بِالضَّرُورَةِ من جِهَتَيْنِ الْجِهَة الأولى أَنه حَيّ والصنم جماد وَالثَّانيَِة أَنه الَّذِي عمل صُورَة معبودة من الْأَصْنَام ونحته وشابه صورته بِخلق الله تَعَالَى وَهُوَ من هَذِه الْجِهَة يُسمى مَعْمُولا لَهُ ومصنوعا كَمَا يُقَال هَذَا السَّيْف صَنْعَة فلَان وَعَمله وَمَا أشبه ذَلِك من تصرف الصناع فِي خلق الله تَعَالَى فِي الحلى والاصباغ وَسَائِر المسببات وَهِي حقائق عرفية وَلم ينكرها إِلَّا ثُمَامَة والمطرفية على مَا تقدم بَيَانه
الْوَجْه الْخَامِس أَن قرينَة الْحَال وَصِيغَة الْبَيَان تَقْتَضِي أَن يكون قَوْله وَمَا تَعْمَلُونَ مُوَافقا فِي الْمَعْنى لقَوْله تَعَالَى ﴿مَا تنحتون﴾ فِي أَولهَا لِأَنَّهُ
стр. 314
صدر الْآيَة الْكَرِيمَة بانكار عبَادَة المنحوت ثمَّ أكد ذَلِك الانكار بِكَوْن الْعِبَادَة لَهُ وَقعت فِي حَال خلق الله لَهُ لكنه سَمَّاهُ فِي آخر الْآيَة مَعْمُولا وَفِي أَولهَا منحوتا لكَرَاهَة تَكْرِير الْأَلْفَاظ المتقاربة فِي بلاغة بلغاء الْعَرَب كَمَا خَالف اللَّفْظ فِي قَوْله ﴿فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين﴾ مَعَ أَن الْمُسلمين فِي آخر الْكَلَام هم الْمُؤْمِنُونَ المذكورون فِي أَوله وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَن الْوَاو حَالية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَالْمَعْنى كَيفَ غفلتم عَن قبح عبادتكم لَهَا وَالْحَال هَذِه
وَأَنت إِذا نظرت فِي طباق الْكَلَام وسياقه لم يحسن قطّ أَن يكون الْمَعْمُول غير المنحوت وَوَجَب أَن يكون هُوَ إِيَّاه أما أَنه لَا يحسن فلَان الْجُمْلَة الحالية تَقْتَضِي شدَّة النكارة فِي مثل هَذَا الْموضع وَلنْ يَصح أَن تقتضيها إِلَّا بذلك كَمَا تَقول أتجفو زيدا وَهُوَ أَبوك فَلَا يجوز أَن يكون الْأَب غير زيد كَمَا لَا يجوز أَن تَقول أتجفو زيدا وَأَبُوك خَالِد حَيْثُ لَا يكون بَينهمَا مَا يُوجب زِيَادَة النكارة وَلَو كَانَ الْمَعْمُول غير المنحوت لم يكن الشّرك مَعَه أقبح إِذا كَانَ الْمَعْمُول هُوَ المنحوت كَانَ الشّرك مَعَه أقبح وَكَذَلِكَ يكون الشّرك أقبح مَعَ عدم خلق الْأَعْمَال بِخِلَاف الشّرك مَعَ خلق الاعمال فانه لَيْسَ بأقبح مِنْهُ مَعَ عدم خلقهَا بل يلْزم أَن لَا يقبح وَأما أَنه يجب أَن يكون الْمَعْمُول هُوَ المنحوت فَلَمَّا فِي ذَلِك من زِيَادَة قبح الشّرك لِأَنَّهُ لَا يخفي على عَاقل أَن أقبح الشّرك أَن يَجْعَل العَبْد الْمَخْلُوق شَرِيكا لرَبه الْخَالِق لَهُ وَذَلِكَ الشَّرِيك مَخْلُوق لرَبه باقرار العَبْد وَلَا سِيمَا وَذَلِكَ الشَّرِيك الْمَخْلُوق جماد مسخر للْعَبد مَصْنُوع لَهُ ينحته ويكسره ويشكله ويطمسه ويضعه وَيَرْفَعهُ ويدنيه ويقصيه ويتصرف أَنْوَاع التَّصَرُّف فِيهِ
الْوَجْه السَّادِس أَن الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِي خلق الْمَفْعُول بِهِ الْمُنْفَصِل عَن مَحل قدرَة العَبْد لَا فِي الْفِعْل نَفسه لقَوْله تَعَالَى ﴿ليأكلوا من ثمره وَمَا عملته أَيْديهم﴾ وَلَا خلاف بَين الْمُعْتَزلَة والأشعرية أَنه مَخْلُوق لله تَعَالَى وَكَذَلِكَ صَنْعَة المداد وَسَائِر الاصباغ والمسببات مثل ازهاق الْأَرْوَاح
стр. 315
بالجراح والتغريق وَالتَّحْرِيق وَمثل السحر وآثاره وَلذَلِك احْتج الشهرستاني وَغَيره بِهَذِهِ الصُّورَة على الْمُعْتَزلَة حِين أَنْكَرُوا مَقْدُورًا بَين قَادِرين مَعَ اخْتِلَاف الْوُجُوه على أَنه لَا يَصح عَنْهُم انكار مثل ذَلِك وَمَعَ نزُول الْآيَة فِي هَذَا بالاجماع كَمَا ذكره ابْن كثير بل كَمَا هُوَ مَعْلُوم فَلَا وَجه للْقطع بتعديتها بل لَا يَصح ظُهُور ذَلِك على جِهَة الظَّن لما فِي عُمُوم مَا من الْخلاف وَلما فِي تَعديَة الْعُمُوم على غير مَا نزل فِيهِ من ذَلِك وَلما فِي خلاف ذَلِك من المرجحات وَلذَلِك وَأَمْثَاله لم تكن الْآيَة نصا وَلَا ظَاهرا بَين الظُّهُور فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
الْوَجْه السَّابِع أَن النَّص على أَن أَعْمَالهم مخلوقة لله تَعَالَى يُنَافِي توبيخهم عَلَيْهَا والاستنكار الشَّديد لصدورها عَنْهُم لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون ورد على مثل الشهرستاني والباقلاني من أَئِمَّة الأشعرية الَّذِي عرفُوا الْكَلَام فِي اللَّطِيف واعتقدوا صِحَة مَقْدُور بَين قَادِرين وَأَن أَفعَال الْعباد لَا تنْسب اليهم وحدهم لنُقْصَان قدرتهم عَن الِاسْتِقْلَال وَلَا إِلَى الله وَحده لكَمَال حجَّته عَلَيْهِم وقدسه عَن نقائصهم فَهَؤُلَاءِ لَو ورد عَلَيْهِم النَّص على خلق الاعمال لم يشكل عَلَيْهِم ظَاهره وَلَكِن يكون ذكره فِي هَذَا الْموضع غير مُنَاسِب للبلاغة لِأَن الْكَلَام البليغ لابد أَن يُنَاسب مُقْتَضى الْحَال وَمُقْتَضى الْحَال هُنَا زِيَادَة التقبيح والتوبيخ وَهُوَ لَا يزِيد على هَذَا التَّقْدِير وَلَكِن هَذَا التَّقْدِير مَعْلُوم الْبطلَان عِنْد الْجَمِيع واما أَن يكون الْخطاب بِهَذَا النَّص على خلق الاعمال ورد على أَجْهَل الْعَوام الطغام الَّذين عبدُوا لشدَّة غباوتهم الاصنام فانهم إِذا خوطبوا بِأَن أَعْمَالهم مخلوقة لله تَعَالَى لَا يسْبق إِلَى أفهامهم إِلَّا أَنه مُسْتَقل بهَا غير مشارك فِيهَا وَحِينَئِذٍ ينقص ذَلِك التقبيح أَو يبطل أَو يتناقض الْكَلَام وينفتح بَاب الِاعْتِرَاض على الْخَلِيل ﵇ حِينَئِذٍ لاعدائه وَيرْفَع الشَّيْطَان رَأسه إِلَى الهامهم الزام الِاحْتِجَاج على الرُّسُل بِالْقدرِ وافحامهم بذلك كَمَا حكى الله تَعَالَى ذَلِك عَنْهُم فِي غير آيَة وكل عَاقل يُرِيد افحام خَصمه أَو ارشاده لَا يُورد عِنْد جداله أعظم شبه الْخصم فِي حَال الصولة عَلَيْهِ بِالْحجَّةِ القاطعة فَلم يكن الْخَلِيل ﵇ يلقنهم فِي هَذِه الْحَال أعظم شبههم الَّتِي ضل بهَا كثير من الْمُسلمين بعد الاسلام ودق النّظر عَن جوابها على كثير من الْعلمَاء الاعلام مَعَ مَا أُوتِيَ الْخَلِيل
стр. 316
عَلَيْهِ السَّلَام من حسن الْعبارَة وإيضاح الْحجَّة أَلا ترى إِلَى قَوْله ﵇ فِيمَا حكى عَنهُ من حجاجهم فِي سُورَة العنكبوت ﴿إِنَّمَا تَعْبدُونَ من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا﴾ كَيفَ عقب بطلَان مَا هم عَلَيْهِ مَا يدل على سوء اختيارهم فِي اخْتلَافهمْ الافك افتراء من عِنْد أنفسهم فَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب لحَال المناظرة أَلا ترَاهُ لَا يصلح أَن يَقُول عوض قَوْله وتخلقون افكا وَالله الَّذِي خلق هَذَا الافك فِيكُم وأراده مِنْكُم لِأَنَّهُ يكون بذلك كالمعتذر لَهُم فِي حَال النكير عَلَيْهِم فَيكون مناقضا لقصده فَكَذَلِك لَو جعلنَا الْخلق بِمَعْنى انشاء الْعين فِي قَوْله ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَالْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿كتابا متشابها﴾ أَي يشبه بعضه بَعْضًا فِي مَعَانِيه وَأَحْكَامه فَهَذِهِ الْوُجُوه ترجح أَن مَا تَعْمَلُونَ بِمَعْنى لذِي تَعْمَلُونَ على أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن تجْعَل الْأَصْنَام هِيَ المعمولة لِأَنَّهَا لَا تسمى أصناما الا بعد عَمَلهم أَو على أَن تجْعَل مَعْمُولا فِيهَا وَلَوْلَا مَا شهد لذَلِك من الْقُرْآن وَالسّنة والمرجحات الضرورية مَا رضيت أَن أَتكَلّم فِي كتاب الله تَعَالَى بِغَيْر علم وأقصى مَا فِي الْبَاب أَن يكون الَّذِي ذكرته مُحْتملا غير رَاجِح فَكيف يجوز الْقطع بِأَنَّهُ غير مُرَاد الله تَعَالَى وَالْقطع على أَن نقيضه هُوَ المُرَاد والاحتجاج بذلك على مَسْأَلَة كبرى قَطْعِيَّة من مهمات مسَائِل الِاعْتِقَاد الَّتِي أوقعت الْفرْقَة بَين الْمُسلمين والعداوة وَالله تَعَالَى يوفق الْجَمِيع إِلَى مَا أمرنَا بِهِ رَبنَا من الِاجْتِمَاع ويعصمنا عَمَّا نَهَانَا عَنهُ من التَّفَرُّق وَلنْ يُوجد إِلَى ذَلِك سَبِيل أوضح من ترك مَا لم يَتَّضِح وَالرُّجُوع إِلَى مَا استبان من الْكتاب وَالسّنة والتقديم لَهُ على مَا وَقع فِيهِ الِاحْتِمَال وَالِاخْتِلَاف وَالله عِنْد لِسَان كل قَائِل وَنِيَّته وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
وَقد أوضحت فِي العواصم بَقِيَّة المباحث وَبطلَان دَعْوَى الاجماع على خلق الْأَعْمَال إِلَّا بِمَعْنى التَّقْدِير وَسبق الْقَضَاء وجفوف الاقلام كَمَا قد ورد فِي كتاب الله تَعَالَى وَعَن رَسُول الله ﷺ واتفقت الامة المرحومة المعصومة على صِحَة مَعْنَاهُ أَنه لَا يَقْتَضِي افحام الرُّسُل وَلَا يُنَاقض كَمَال
стр. 317
حجَّة الْحَكِيم الْعَلِيم على مَا عَصَاهُ من عباده وَذكر ذَلِك كُله هُنَا يخرجنا عَن قصد الِاخْتِصَار بالمرة
وَلَا نزاع فِي أَن الْأَفْعَال مخلوقة بِمَعْنى مقدرَة وَأما بِغَيْر ذَلِك الْمَعْنى فان سلمنَا أَن ذنوبنا تسمى مخلوقة لله تَعَالَى فِي اللُّغَة بِغَيْر ذَلِك الْمَعْنى مَعَ صدورها منا باختيارنا على وَجه تقوم الْحجَّة بِهِ علينا فَلَا وَجه لادخال ذَلِك فِي مسَائِل الِاعْتِقَاد وأركان الاسلام وواجبات الايمان وَلَا حجَّة على ذَلِك وَلَا شُبْهَة وَلَا حرج على من لم يُؤمن بذلك لجهله بِهِ فَلَيْسَ كل حق يجب أَن يدْخل ذَلِك من وجود الموجودات وَعدم المعدومات وَقد علمنَا نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ديننَا كَمَا علمه ربه وَحصر لنا أَرْكَان الاسلام وَعلمنَا الايمان والاحسان فَمَا عد فِيهِ خلق الافعال وَإِنَّمَا عد فِيهِ سبق الاقدار كَمَا تَوَاتر فِي الاخبار وَلذَلِك لم يذكرهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ كَمَا ذكر الْقدر وَغَيره فِي أواخره ثمَّ انْظُر مَعَ تَسْلِيم نفي الْجَبْر وَتَسْلِيم قيام الْحجَّة لله تَعَالَى بِخلق الْقُدْرَة وتمكين الْمُكَلّفين أَي ثَمَرَة تبقي لاعتقاد أَن الْأَفْعَال مخلوقة وَإِنَّمَا حَافظ على ذَلِك فِي الأَصْل من يَقُول بالجبر ثمَّ ظن كثير من أهل الْكَلَام والْحَدِيث بعد ذَلِك أَنه من لَوَازِم عقائد السّنة فقالوه مَعَ نفي الْجَبْر وَلذَلِك ذكر ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى أَن الْأَشْعَرِيّ ألزم من قَوْله بذلك القَوْل بتكليف مَا لَا يُطَاق وَفِي كَلَامه هَذَا دلَالَة على أَن القَوْل مِمَّا يخْتَص بالأشعري وَحده فِي أول الْأَمر وَالله أعلم
وعَلى تَسْلِيم ذَلِك كُله فاعتقاد أَنَّهَا مخلوقة بِمَعْنى مقدرَة يَكْفِي وَهُوَ صَحِيح بالاجماع كَمَا تقدم وَفِيه الحيطة والعصمة عَن تعديه إِلَى مواقع الْخلاف ومظان الْبِدْعَة وَلَكِن يعبر عَنْهَا بِأَنَّهَا مقدرَة لِأَنَّهَا صَرِيح عبارَة الْكتاب وَالسّنة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا يعبر عَنْهَا بِأَنَّهَا مخلوقة لِأَنَّهَا توهم خلاف الصَّوَاب وَلِأَنَّهَا عبارَة الجبرية وَأهل الْكَلَام الْمُتَأَخِّرين عَن عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ وَلِأَنَّهَا مُخْتَلف فِيهَا وَقد نهينَا عَن الِاخْتِلَاف واختياره مَعَ التَّمَكُّن من تَركه وَقد نهى الله تَعَالَى عَن قَوْلهم رَاعنا وَأمر أَن يَقُولُوا مَكَانَهُ انظرنا لمصْلحَة يسيرَة كَيفَ مَا نَحن فِيهِ وَالله الْهَادِي وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم
стр. 318
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف مَا لَا يُطَاق
وَهُوَ قَول الجماهير من جَمِيع طوائف الْمُسلمين وَإِجْمَاع العترة والشيعة والمعتزلة وَرَوَاهُ ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ عَن الْفُقَهَاء أَجْمَعِينَ وَنسب السُّبْكِيّ الْمَنْع مِنْهُ إِلَى الْغَزالِيّ وَالشَّيْخ أبي حَامِد وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين الشهير بِابْن دَقِيق الْعِيد وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ والآمدي على تَفْصِيل ذكره فِي الْفرق بَين الْمحَال لذاته وَلغيره
وَاعْلَم أَن هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ وَلَا ريب وَإِنَّمَا يتعجب من وُقُوع الْخلاف الشاذ فِي ذَلِك وَأي شكّ فِي ذَلِك وَالله تَعَالَى قد نَص فِي كِتَابه الْكَرِيم على ذَلِك فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى (لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا) بالنُّون وَفِي آيَة أُخْرَى ﴿إِلَّا مَا آتاها﴾ وَمِنْه ﴿أم تَسْأَلهُمْ أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مكناهم فِي الأَرْض﴾ وَفِي آيَة ﴿وَلَقَد مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ الْآيَة وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى
وَالْمرَاد بالاحتجاج بِهَذِهِ الْآيَات وَنَحْوهَا أَنَّهَا شاهدة على اعْتِبَار مَا يُسمى حجَّة فِي عرف الْعُقَلَاء وَامْتِنَاع نقيض ذَلِك على أحكم الْحَاكِمين وَأَن هَذَا مَعْلُوم ضَرُورَة من كتب الله تَعَالَى وأديان رسله ﵈ وَنَصّ على مَا يسْتَلْزم ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى كَثْرَة من سَعَة رَحمته وَظُهُور عدله وعظيم فَضله وَعدل أَحْكَامه وَظُهُور حكمته وشمول نعْمَته وَقَوله من أَتَانِي يمشي أَتَيْته أسعى وَمن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت اليه ذِرَاعا بل سمح سُبْحَانَهُ من الوسع الْمُمكن الْمَقْدُور مَا لَا يُحْصى وَنَصّ على ذَلِك فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾
стр. 319
) فسمح مِمَّا يُطَاق الْكثير الَّذِي لَا يعلم مِقْدَاره إِلَّا هُوَ وَلم يبْق من التكاليف إِلَّا مَا جعله سَببا لِرَحْمَتِهِ وفضله وكرامته كَمَا جعل الْبذر فِي الدُّنْيَا سَببا للزَّرْع الَّذِي لَا ينميه ويتمه سواهُ وَبشر سُبْحَانَهُ وَيسر وَنهى عَن التعسير والتنفير وَجَاء على لِسَان نبيه نَبِي الرَّحْمَة ﷺ أَنه الْمَبْعُوث بالحنيفية السمحة وتلقى ذَلِك عُلَمَاء الاسلام بالتصديق والاشاعة وَعمِلُوا فِي الاحكام بِحَسب ذَلِك وَاحْتَجُّوا بِهِ وشاع فِيمَا بَينهم وذاع وانعقد على عدم انكاره الاجماع وَلم يُعَارض ذَلِك عقل وَلَا شرع وَلَا نَص وَلَا ظَاهر وناسب هَذَا كُله تمدح أصدق الْقَائِلين بِأَنَّهُ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَخير الرَّاحِمِينَ وَأكْرم الأكرمين وَلَا يخْتَص الْمُؤمنِينَ من رَحمته تَعَالَى إِلَّا كتَابَتهَا ووجوبها لَهُم وَنَحْو ذَلِك دون سعتها فانها لكل شَيْء كَمَا تبين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾ الْآيَة وَمن حرمهَا فَذَلِك لاستحقاقه ولحكمه بَالِغَة وَهِي تَأْوِيل الْمُتَشَابه على مَا نَص على أَن الْخُصُوم جوزوا تَكْلِيف الْمُؤمنِينَ المرحومين بِمَا لَا يُطَاق عقلا وسمعا بل جوزوا عقلا عقابهم بذنوب أعدائهم الْمُشْركين بل جوزوا ذَلِك فِي حق الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالله تَعَالَى تمدح بضد ذَلِك وَبِأَن لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَله أعظم الْحَمد وَالْمجد وَالشُّكْر وَالثنَاء دع عَنْك الْعدْل فِي الحكم وَالْجَزَاء وعضد ذَلِك الثَّنَاء الْعَظِيم من رَسُوله الْكَرِيم بِأَنَّهُ لَا أحد أحب اليه الْعذر مِنْهُ من أجل ذَلِك أرسل رسله إِلَى الْعَالمين وَأنزل كتبه على الْمُرْسلين وَجعل رسله تترى إِلَى خلقه مبشرين ومنذرين ومعلمين ومحتجين وميسرين غير معسرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل
وَالْعجب مِمَّن يَدعِي الْفِقْه والفهم بل الامامة الْعُظْمَى فِي الْعلم كَيفَ لم يعلم أَن مُرَاد الله تَعَالَى هُوَ أطيب الثَّنَاء وَأحسن الْأَسْمَاء وأجمل الْحَمد وَأتم الْعدْل وَأحمد الْأُمُور كلهَا أَو قد فهم هَذَا كُله وَلَكِن ظن أَن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَطلب تنجيزه من العَبْد الضَّعِيف وعقوبته عَلَيْهِ أَشد الْعقُوبَة وأدومها هُوَ أنسب بأطيب الثَّنَاء والممادح الربانية والمحامد الرحمانية من
стр. 320
عكس ذَلِك كَأَنَّهُ لم يعرف الْقُرْآن وَالسّنة قطّ قَالَ فِي ذَلِك ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ وَقَالَ ﴿أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين﴾ وَقَالَ فِي الزمر ﴿أَن تَقول نفس يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله وَإِن كنت﴾ الْآيَات إِلَى قَوْله ﴿بلَى قد جاءتك آياتي فَكَذبت بهَا واستكبرت وَكنت من الْكَافرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذكرى وَمَا كُنَّا ظالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَجعل الْقسْط الَّذِي هُوَ الْعدْل مِمَّا هُوَ لَازم لتوحيده فِي الالهية وَمِمَّا هُوَ قَائِم بِهِ وَمِمَّا شهد بِهِ لنَفسِهِ وَشهد لَهُ بِهِ خَواص خلقه وَأهل مَعْرفَته وَالْعدْل هُوَ ضد الْجور والعنف والعسف وَذَلِكَ كُله دون تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فانه قد وصف بذلك كثير من مُلُوك الْجور وَلم يُوصف أحد مِنْهُم قطّ بتكليف مَا لَا يُطَاق كَمَا يَأْتِي تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا أَفلا يخَاف الْمُخَالف أَن لَا يكون من الْعلمَاء الَّذين شهدُوا لله بِهَذِهِ الشَّهَادَة إِلَى غير ذَلِك
وأوضح من ذَلِك أَنه كتب الاعمال فِي الْكتب وَأشْهد على خلقه مَلَائكَته الْكِرَام ثمَّ نصب الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وأنطق الْجُلُود والاعضاء بعد شَهَادَة الْمَلَائِكَة وصالحي خلقه بعد رسله ﵈ كل ذَلِك ليقيم الْحجَّة حجَّة عدله وعظيم فَضله وَيقطع اعذار المعاندين والجاهلين والمتجاهلين وَكم احْتج الله تَعَالَى بذلك وتمدح بِهِ فِي كريم كِتَابه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وهديناه النجدين﴾ وَقَوله عز سُلْطَانه ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ بل نفى مَا يسْتَلْزم ذَلِك أَو يُقَارِبه
следующие страницы →