← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمد لله رب الْعَالمين أكمل الْحَمد على جَمِيع هداياته ومعارفه وعطاياه وعوارفه وَأفضل ﷺ وتحياته الطَّيِّبَات المباركات وإكرامه على رَسُوله وحبيبه وصفوته مُحَمَّد الْأمين خَاتم النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ الَّذِي جعل الله الذلة وَالصغَار على من خَالف أمره كَمَا ورد بِهِ الحَدِيث المتين وَالْقُرْآن الْمُبين حَيْثُ قَالَ رب الْعَالمين فِي بعض الْمُخَالفين لَهُ فِي الدّين ﴿سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نجزي المفترين﴾ وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى أهل بَيته الطيبين الطاهرين وَرَضي الله عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ الصَّادِقين السَّابِقين وَالَّذين جاؤا من بعدهمْ من التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين أما بعد فَإِنِّي نظرت إِلَى شدَّة الْخلاف وَاخْتِلَاف الْعُقَلَاء والأذكياء وَأهل الرياضات الْعَظِيمَة من الرهبان وَسَائِر أَجنَاس أهل الْأَدْيَان ثمَّ إِلَى مَا وَقع من ذَلِك بَين أهل الْإِسْلَام من أهل القوانين العلمية البرهانية وَأهل القوانين الرياضية الرهبانية وَأهل التفاسير والتآويل للآيات القرآنية وَأهل الْآثَار والأنظار فِي الْفُرُوع الظنية فَرَأَيْت اخْتِلَافا كَبِيرا وتعاديا نكيرا وتباعدا كثيرا سبق إِلَى ظن النَّاظر فِيهِ أَنه لَا طَرِيق لَهُ مَعَ سَعَة ذَلِك إِلَى تَمْيِيز المحق من الْمُبْطل والمصيب من الْمُخطئ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح لِأَن التَّمْيِيز الصَّحِيح لذَلِك لَا يحصل إِلَّا بعد بُلُوغ الْغَايَة القصوى فِي طرق جَمِيع هَذِه الطوائف حَتَّى يعْتَرف لَهُ بِالْإِمَامَةِ فِي كل فن من تِلْكَ الْفُنُون كل أَمَام بهَا وعارف ويتقن علم كل فرقة مثل اتقان كل من أئمتهم لدعواهم وحقائقهم مُمَيّزا لمعارفهم ومزالقهم والعمر أقصر من أَن يَتَّسِع لذَلِك مَعَ تفريغه عَن

стр. 2

الشواغل الْمُزَاحمَة لذَلِك تمّ الطّلب الشَّديد لَهُ فَكيف يَتَيَسَّر علم جَمِيع ذَلِك فِي أول أَوْقَات التَّكْلِيف مَعَ الشواغل الجمة وَالتَّقْصِير الْكثير من الأكابر المتصدرين للتعليم كَيفَ للمتعلمين الْمُقَصِّرِينَ على تلقن مَذَاهِب أسلافهم من غير الثِّقَات إِلَى الإهتمام بتحقيق أدلتهم الَّتِي تخصهم دع عَنْك الإهتمام بأدلة خصومهم وتحقيقها مَعَ شدَّة الإشكالات ودقتها ومعارضة الأذكياء والرهبان بَعضهم لبَعض فِي كل مِلَّة وكل فرقة وَمَعَ اسْتِمْرَار من ظَاهره الْفَهم والإنصاف من أهل الْإِسْلَام على ذَلِك الإختلاف فعظمت هَذِه الفكرة عِنْدِي واهتم لَهَا قلبِي لَوْلَا مَا عارضها من الْعلم الْيَقِين بل الضَّرُورِيّ بِمَا للأكثرين من العقائد الْبَاطِلَة ومعارضة الْحق الْوَاضِح بالشبه الساقطة وتعرف ذَلِك بمطالعة كتب الْملَل والنحل والأهواء والتجاهل فَنَظَرت فِي كَيْفيَّة النجَاة مَعَ ذَلِك مستمدا من الله تَعَالَى دَاعيا طَالبا رَاغِبًا رَاهِبًا وان الله تَعَالَى وَله الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء وفقني حِينَئِذٍ إِلَى أوضح الطّرق فِي علمي وأبعدها من الشّبَه والشكوك إِلَى معرفَة مَا تمس الضَّرُورَة إِلَى مَعْرفَته من الْحق الَّذِي تخَاف الْمضرَّة بجهله وَهُوَ الَّذِي جَاءَ الْإِسْلَام بِوُجُوب مَعْرفَته أَو أَمر بهَا أَو ندب إِلَيْهَا من الْكتاب وَالسّنة دون معرفَة مَا لم يدل عقل وَلَا سمع على وجوب مَعْرفَته وَلَا ثَبت فِي الشَّرِيعَة استحبابها وبترك هَذَا الْقسم يسهل الْأَمر ويهون الْخطب فَإِن الَّذِي وسع دَائِرَة المراء والضلال هُوَ الْبَحْث عَمَّا لَا يعلم وَالسَّعْي فِيمَا لَا يدْرك وَطول السّير وَالسَّعْي فِي الطَّرِيق الَّتِي لَا توصل إِلَى الْمَطْلُوب والإقتداء بِمن يظنّ فِيهِ الْإِصَابَة وَهُوَ مُخطئ والإشتغال بالبحث عَن الدقائق الَّتِي لَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا وَلَا يُوصل الْبَحْث عَنْهَا إِلَى الْيَقِين وَلَا إِلَى الْوِفَاق وَلَا ظَهرت للخوض فِيهَا مَعَ طوله ثَمَرَة نافعة لَا بِالْيَقِينِ صادعة وَلَا للإفتراق جَامِعَة وَلَا رُوِيَ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلَا صَحَّ عَن أحد من السّلف الْكِرَام وَرُبمَا انْقَطع هَذَا الْعُمر الْقصير فِي تِلْكَ الطّرق الْبَعِيدَة قبل الْبلُوغ إِلَى الْمَقْصُود بهَا وَهُوَ معرفَة الْحق الْوَاجِب من الْبَاطِل المهلك وَمَعْرِفَة المحق من الْمُبْطل وَلَيْسَ الطّلب لكل علم بمحمود وَلَا كل مَطْلُوب بموجود أما الثَّانِيَة فوفاقية وَأما الأولى فعقلا وسمعا أما الْعقل فَإِنَّهُ لَا يحسن قطع

стр. 3

الْأَوْقَات فِي وزن الْحِجَارَة وَكيل التُّرَاب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يُفِيد وَالْعلَّة أَنه عَبث وَلعب لَا يضر وَلَا ينفع فَكيف بِمَا يضر أَو لَا يُؤمن أَنه يضر وَقد ذكر نَحْو ذَلِك القَاضِي جَعْفَر رَحمَه الله تَعَالَى وَأما السّمع فقد قَالَ تَعَالَى فِي متعلمي السحر أَنهم يتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم﴾ ﷺ وَالْآيَة تَقْتَضِي ذمّ علمهمْ وذمهم بِهِ وَفِي الحَدِيث أَن من الْعلم جهلا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة قيل فِي تَفْسِيره وَهُوَ أَن يتَعَلَّم مَا لايحتاج إِلَيْهِ كَالنُّجُومِ وعلوم الْأَوَائِل ويدع مَا هُوَ مُحْتَاج اليه فِي دينه من علم الْقُرْآن وَالسّنة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ وَعلم آدم الاسماء دون الْمَلَائِكَة وآتانا من الْعلم قَلِيلا مَعَ قدرته على أَن يؤتينا كثيرا فَقَالَ فِي ذَلِك ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يُوضحهُ قَول الْخضر لمُوسَى ﵉ مَا علمي وعلمك وَعلم جَمِيع الْخَلَائق فِي علم الله إِلَّا كَمَا أَخذ هَذَا الطَّائِر بمنقاره من هَذَا الْبَحْر وَقَالَ لمُوسَى أَنا على علم من علم الله لَا يَنْبَغِي لَك أَن تعلمه وَأَنت على علم من علم الله لَا يَنْبَغِي لي أَن أعمله فَدلَّ ذَلِك كُله على أَنه لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يتَعَرَّض لعلم مَا لم يعلمنَا الله وَرَسُوله ويتضح معقوله ومنقوله لقَوْل الْمَلَائِكَة ﵈ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم هَذَا ذكر من معي وَذكر من قبلي﴾ وَهَذِه الْآيَة دَالَّة على أَن كتب الله لَا تَخْلُو من الْبَرَاهِين الْمُحْتَاج اليها فِي أَمر الدّين كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْمُخْتَصر مستوعبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي قَول الْمَلَائِكَة لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِشَارَة إِلَى ذَلِك بل دلَالَة وَاضِحَة لأَنهم حِين قطعُوا على فَسَاد آدم مَعَ اخبار الله تَعَالَى لَهُم أَنه مستخلفه فِي الأَرْض إِنَّمَا أَتَوا من خوضهم فِيمَا لم يعلمهُمْ الله تَعَالَى إِذْ لَو كَانَ من تَعْلِيم الله مَا أخطأوا فِيهِ فَلَمَّا تبين لَهُم خطأهم نظرُوا من أَيْن جَاءَهُم الْخَطَأ على علو مَنْزِلَتهمْ فعرفوا أَنهم أخطأوا لما تعرضوا لعلم مَا لم يعلمهُمْ الله

стр. 4

سُبْحَانَهُ فَقَالُوا حِينَئِذٍ ﴿سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا﴾ فَهَذَا وهم أَحَق الْخلق بِالْعلمِ والكشف للغائبات فَإِنَّهُم أنوار وعقول بِلَا شهوات حاجبة وَلَا أهواء غالبة وَلذَلِك ذمّ الله الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ بابتغاء تَأْوِيل الْمُتَشَابه ومدح الراسخين بالإعتراف بِالْعَجزِ كَمَا هُوَ مَعْرُوف عَن عَليّ ﵇ فِي أمالي السَّيِّد الامام أبي طَالب ﵇ وَفِي نهج البلاغة على مَا سَيَأْتِي تَقْرِيره وَالْحجّة عَلَيْهِ وذم الْيَهُود على تعَاطِي مَا لم يعلمُوا فَقَالَ تَعَالَى ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم﴾ وَمن ذَلِك أَن الله تَعَالَى أرى رَسُوله ﷺ وَالْمُسْلِمين يَوْم بدر الْكثير من الْمُشْركين قَلِيلا فِي الْمَنَام ثمَّ فِي الْيَقَظَة للْمصْلحَة وَاخْتلف لمن الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يرونهم مثليهم رَأْي الْعين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي السَّاعَة ﴿أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى﴾ أَي أُخْفِي علمهَا الْجملِي وَأما تعْيين وَقتهَا فقد أخفاه من الْخلق كَمَا قَالَ ﴿ثقلت فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة﴾ وَكفى بذلك حجَّة صادعة على أَن الْمصلحَة لِلْخلقِ قد تعلق بِجَهْل بعض الْعُلُوم وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَول عِيسَى ﵇ ﴿ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ﴾ كَمَا ذكر فِي الْكَشَّاف وَلِأَن حِكْمَة الله وَحكمه الَّذِي لَا يغالب قد يَقْتَضِي ذَلِك عُمُوما كَمَا اقْتَضَت كتم الْآجَال على الاكثرين وَجَاء فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أول رُؤْيا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ أصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا فَسَأَلَهُ بَيَان مَا أصَاب فِيهِ وَمَا أَخطَأ فَأبى عَلَيْهِ فَقَالَ أَقْسَمت عَلَيْك الا مَا أَخْبَرتنِي فَقَالَ لَا تقسم فَهَذَا مَعَ اكرامه لَهُ وانه على خلق عَظِيم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فلولا أَن الْجَهْل بِبَعْض الْأُمُور قد يكون راجحا أَو وَاجِبا لما تخلف

стр. 5

عَن اخباره بعد هَذَا الالحاح الْكثير من هَذَا الصاحب الْكَبِير فَدلَّ على أَنه لَيْسَ فِي كل علم صَلَاح الْعباد وَأَن قَدرنَا أَنه يحصل من غير خطأ وَلَا تَعب وَلَا خطر فَكيف مَعَ خوف الْفَوْت والخطر الْعَظِيم والتعب الشَّديد بل هُوَ مَعَ تحقق ذَلِك فِي حق الْأَكْثَرين بالتجارب الضرورية وَمن ذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ حِين رفع علم لَيْلَة الْقدر وَسُئِلَ عَنْهَا وَعَسَى أَن يكون خيرا لكم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَوله فِي حَدِيث معَاذ دعهم يعملوا مُتَّفق على صِحَّته وشواهده جمة كَثِيرَة صَحِيحَة وَمن ذَلِك وَهُوَ أعظمه وأشهره قصَّة الْخضر ومُوسَى ﵉ وَهِي شافية كَافِيَة وَهِي صَرِيحَة فِي اخْتِلَاف الْمصَالح فِي الْعُلُوم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى بعد حِكَايَة الإختلاف بَين دَاوُد وَسليمَان ﵉ ﴿وكلا آتَيْنَا حكما وعلما﴾ وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي فِي مقالاته الْمَشْهُورَة الْعَامَّة فَقَالَ هَنِيئًا لَهُم السَّلامَة مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَفِي شعر الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد المعتزلي وَقد حكى كَثْرَة بَحثه فِي علم الْكَلَام حَتَّى قَالَ (وأسائل الْملَل الَّتِي اخْتلفت ... فِي الدّين حَتَّى عَابِد الوثن) (وحسبت أَنِّي بَالغ أملي ... فِيمَا طلبت ومبريء شجني) (فاذا الَّذِي استكثرت مِنْهُ هُوَ ... الْجَانِي على عظائم المحن) (فضللت فِي تيه بِلَا علم ... وغرقت فِي يم بِلَا سفن) وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي ذَلِك (الْعلم للرحمن ﷻ ... وسواه فِي جهلاته يتغمغم) (مَا للتراب وللعلوم وَإِنَّمَا ... يسْعَى ليعلم أَنه لَا يعلم) وَقَالَ صَاحب نِهَايَة الاقدام (قد طفت فِي تِلْكَ الْمعَاهد كلهَا ... وسيرت طرفِي بَين تِلْكَ المعالم) (فَلم أر إِلَّا وَاضِعا كف حائر ... على ذقن أَو قارعا سنّ نادم)

стр. 6

فَهَذَا كَلَام سلاطين أَئِمَّة المعارف الْعَقْلِيَّة من فريقي الْملَّة الإسلامية وَسَيَأْتِي هَذَا مَبْسُوطا فِي مَوْضِعه فَأَما بعض الطّلبَة من أَتبَاع أهل الْكَلَام الَّذين قلدوا فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد وهم يحسبون أَنهم من الْمُحَقِّقين فهم أبلد وَأبْعد من أَن يعرفوا مَا أوجب اعْتِرَاف هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة بِالْجَهْلِ وَالْعجز وَإِنَّمَا هم بِمَنْزِلَة من سمع أَخْبَار الحروب والشجعان وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة بِمَنْزِلَة من مارس مقارعة الْأَبْطَال ومنازلة الأقران وَلَا يلْزم من التزهيد فِي طلب مَا لَا يحصل والاشتغال بِمَا يضر من عُلُوم الفلاسفة والمبتدعة التزهيد فِي الْعلم النافع وَسَيَأْتِي اشباع القَوْل فِي عظم فَضله والحث عَلَيْهِ بعد تَقْرِير صِحَّته وَالرَّدّ الشافي على من نَفَاهُ وَمن هَا هُنَا أَمر رَسُول الله ﷺ وَآله وَسلم بالإقتصاد فِي الْأُمُور وَقَالَ إِن المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الله تَعَالَى معلما للأميين وَرَحْمَة للْعَالمين وَعلم بِالضَّرُورَةِ لَا بأخبار الْآحَاد إِن ذَلِك كَانَ خلقه وَدينه عِنْد الْعلمَاء النقاد فَتعين حِينَئِذٍ طلب الطَّرِيق الْقَرِيبَة الممكنة الَّتِي هِيَ فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا كَمَا نَص على ذَلِك فِي كِتَابه الْكَرِيم وَسنة رَسُوله عَلَيْهِ أفضل ﷺ وَلَوْلَا مَا وَقع فِيهَا من التَّغْيِير لما احْتَاجَت إِلَى طلب وَلكنه قد وَقع فِيهَا التَّغْيِير كَمَا أخبر بذلك رَسُول الله ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته عِنْد أهل النَّقْل وَفِيه تَفْسِير الْفطْرَة وتقريرها من الْمبلغ الْمُبين لما أنزل عَلَيْهِ من الْهدى والنور حَيْثُ قَالَ (كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه) وَفِي ذَلِك يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ فِي ممادح ربه الَّتِي أودعها خطبه فِي محافل الْمُسلمين وَأما العارفين وَعلمهَا من حَضَره من خِيَار الْمُؤمنِينَ حَيْثُ قَالَ فِي محامد رب الْعَالمين لم يطلع الْعُقُول على تَحْدِيد صفته وَلم يحجبها عَن وَاجِب مَعْرفَته فَهُوَ الَّذِي يشْهد لَهُ أَعْلَام الْوُجُود على إِقْرَار قلب ذِي الْجُحُود وَقد جود فِي شَرحه ونصرته الْعَلامَة ابْن أبي الْحَدِيد وَعَزاهُ إِلَى قَاضِي الْقُضَاة وَفرق بَينه وَبَين قَول الجاحظ فَقَالَ أَنا مَا ادعينا فِي هَذَا الْمقَام إِلَّا أَن الْعلم بِإِثْبَات الصَّانِع هُوَ الضَّرُورِيّ والجاحظ

стр. 7

ادّعى فِي جَمِيع المعارف أَنَّهَا ضَرُورِيَّة وَأَيْنَ أحد الْقَوْلَيْنِ من الآخر انْتهى كَلَام الشَّيْخ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ﴾ وَقَوله ﴿الم تَنْزِيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَلذَلِك كَانَ الْمُخْتَار فِي حَقِيقَة النّظر إِنَّه تَجْرِيد الْقلب عَن الغفلات لَا تَرْتِيب الْمُقدمَات كَمَا ذكره الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فَتَأمل ذَلِك قلت وَبَيَان هَذِه الْجُمْلَة فِي أَمريْن أَحدهمَا بَيَان الْمُحْتَاج إِلَيْهِ من المعارف الإسلامية فِي الْأُصُول وَهِي سَبْعَة أُمُور كلهَا فطرية جلية كَمَا يَأْتِي وَعَلَيْهَا مدَار خلاف الْعَالمين أَجْمَعِينَ وَإِنَّمَا تدْرك بالفطرة قبل التَّغْيِير أَو مَعَ الشُّعُور بذلك التَّغْيِير فَإِن مداواته بعد الشُّعُور بِهِ سهلة وَذَلِكَ لِأَن البصيرة فِي المعلومات كالبصر فِي المحسوسات كِلَاهُمَا مخلوقان فِي الأَصْل على الْكَمَال مَا لم يغيرا فَمَتَى وَقع فيهمَا التَّغْيِير وَلم يشْعر بِهِ صَاحبه فحش جَهله وَخَطأَهُ وَمَتى شعر بذلك سهل علاجه واستداركه وَالْحكم عَلَيْهِ بِحكم العميان وَالله الْمُسْتَعَان الْأَمر الثَّانِي بَيَان أَن خوض جَمِيع الْمُتَكَلِّمين فِي عقائدهم الخلافية بَين الْفرق الإسلامية يتَوَقَّف دَائِما أَو غَالِبا على الْخَوْض فِي مُقَدمَات لتِلْك العقائد وَجَمِيع تِلْكَ الْمُقدمَات مُخْتَلف فِيهَا أَشد الِاخْتِلَاف بَين أذكياء الْعَالم وفحول علم المعقولات من عُلَمَاء الْإِسْلَام دع عَنْك غَيرهم وَمن شَرط الْمُقدمَات أَن تكون أجلى وَأَن لَا تكون بِالشَّكِّ والإختلاف أولى فَلْينْظر بإنصاف من كَانَ من أهل النّظر من عُلَمَاء الْكَلَام فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد الدقيقة والمباحث العميقة والمعارضات الشَّدِيدَة والمناقشات اللطيفة فِي أَحْكَام الْقدَم وَمَتى يَصح من الله تَعَالَى إِيجَاد الْحَوَادِث وَمَا لزم كل خائض فِي ذَلِك حَتَّى الْتزم بعض شُيُوخ الْكَلَام نفي الْقُدْرَة على تَقْدِيم الْخلق عَن وقته وَبَعْضهمْ أَن الْحَوَادِث لَا نِهَايَة لَهَا فِي الِابْتِدَاء كَمَا لَا نِهَايَة لَهَا فِي الإنتهاء وَقَالَ جمهورهم أَنه قَادر فِي الْقدَم وَلَا يَصح مِنْهُ الْفِعْل فِيهِ مَعَ قدرته وَكَذَلِكَ اخْتلَافهمْ فِيمَا تعلق بِهِ الْعلم فِي الْقدَم وَفِي أَحْكَام الْوُجُود وَالْمَوْجُود وَهل هما شَيْء وَاحِد على

стр. 8

التَّحْقِيق أَو بَينهمَا فرق دَقِيق وَفِي دَعْوَى أبي هَاشم وَأَصْحَابه أَن الثُّبُوت غير الْوُجُود حَتَّى جمعُوا بَين الثُّبُوت والعدم دون الْوُجُود والعدم وقضوا بِأَن الله تَعَالَى لَا يدْخل فِي قدرته سُبْحَانَهُ أَن يكون هُوَ الْمُثبت للأشياء الثَّابِتَة فِي الْعَدَم مَعَ قضائهم بِثُبُوت جَمِيع الْأَشْيَاء فِي الْعَدَم بِغَيْر مُؤثر وَإِنَّمَا تَفْسِير خلق الله للأشياء عِنْدهم أَن يكسبها بعد ثُبُوتهَا صفة الْوُجُود مَعَ مُخَالفَة جُمْهُور الْعُقَلَاء لَهُم فِي ذَلِك وَفِي أدلتهم عَلَيْهِ كَمَا أوضحه صَاحبهمْ أَبُو الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وأوضحوا أَيْضا مخالفتهم فِي اثبات الأكوان والإستدلال بهَا إِلَى أَمْثَال لذَلِك كَثِيرَة مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّذْكِرَة لِابْنِ متويه والملخص للرازي وَشَرحه والصحائف الإلهية لبَعض الْحَنَفِيَّة وَنَحْوهَا من جَوَامِع هَذَا الْفَنّ فعلى قدر مَا فِي تِلْكَ الْقَوَاعِد من الشكوك والإحتمالات تعرف ضعف مَا تفرع عَنْهَا وَلَعَلَّ كثيرا من النظار الْمُتَأَخِّرين يعْتَرف بِأَنَّهَا محارات ومجاهل لَا هِدَايَة للعقول فِيهَا إِلَى الْيَقِين ثمَّ يعْتَقد أَن عقائده المبنية عَلَيْهَا صَحِيحَة قَطْعِيَّة وَهَذِه غَفلَة عَظِيمَة فَإِن الْفَرْع لَا يكون أقوى من الأَصْل لَا فِي عُلُوم السّمع وَلَا فِي عُلُوم الْعقل ثمَّ أَن الْمُتَكَلِّمين كثيرا مَا يقفون المعارف الجليلة الْوَاضِحَة على أَدِلَّة دقيقة خُفْيَة فيتولد من ذَلِك مفاسد مِنْهَا إِيجَاب مَا لَا يجب من الإستدلال وتكلفه وتكليفه الْمُسلمين وَمِنْهَا تَكْفِير من لَا يعرف ذَلِك أَو تأثيمه ومعاداته وَمَعَ ذَلِك تَحْرِيمه يُؤَدِّي إِلَى حرَام آخر وَهُوَ التَّفَرُّق الَّذِي نَص الْقُرْآن الْكَرِيم على النَّهْي عَنهُ وَمِنْهَا تَمْكِين أَعدَاء الْإِسْلَام من التشكيك على الْمُسلمين فِيهِ وَفِي أَمْثَاله وَمِنْهَا الإبتداع وتوسيع دائرته وَمَا أحسن قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ فِي مثل ذَلِك الْعلم نُكْتَة يسيرَة كثرها أهل الْجَهْل ولنذكر شَيْئا من ذَلِك نخرج بِهِ عَن التُّهْمَة بِدَعْوَى مَا لم يكن مِنْهُم فَنَقُول انا لَا نحتاج إِلَى دَلِيل على وجوب الله تَعَالَى بعد علمنَا بِالضَّرُورَةِ الفطرية أَنه الَّذِي أوجد الموجودات وَخلق العوالم ودبرها وَاسْتحق المحامد جَمِيعهَا والأسماء الْحسنى كلهَا وَأَنه على كل شَيْء قدير وَبِكُل شَيْء عليم خَبِير وَهَذَا هُوَ قَول الشَّيْخ أبي الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وَأكْثر الْعُقَلَاء وجماهير الْأمة وَذهب الشَّيْخ أَبُو هَاشم الجبائي وَأَتْبَاعه إِلَى أَنا بعد علمنَا بذلك كُله نشك هَل هُوَ سُبْحَانَهُ مَوْجُود أَو مَعْدُوم بعد علمنَا بِأَنَّهُ موجد

стр. 9

الموجودات ومدبرها القيوم بهَا وَأَنا بعد الْعلم بذلك وَمَعَهُ نحتاج إِلَى النّظر الدَّقِيق فِي دَلِيل يدل على أَن خالقنا الْكَامِل الْأَسْمَاء والنعوت غير مَعْدُوم وَلَا يكفينا الْعلم بِأَنَّهُ خالقنا ومدبرنا دَلِيلا على وجوده قطّ وغفلوا عَن كَون وجود الْخَالِق القيوم بخلقه أقوى فِي التَّعْرِيف بِوُجُودِهِ من الدَّلِيل الَّذِي يتكلفونه على ذَلِك فِي فطر الْعُقَلَاء وَأَنه إِن أمكن الشَّك فِي هَذِه الْفطْرَة أمكن الشَّك فِي دليلهم عَلَيْهَا إِذْ لَا يُمكن أَن يكون أقوى مِنْهَا بل هُوَ أخْفى بِغَيْر شكّ كَمَا يعلم ذَلِك من وقف على أدلتهم فِي ذَلِك وَقد كنت أوردتها هُنَا وَبَيَان مَا فِيهَا من الشكوك ثمَّ صنت ديباجة هَذَا الْمُخْتَصر من ذَلِك وَنَحْوه من علم الجدل وَرَأَيْت أَن أورد ذَلِك فِي فصل مُفْرد فِي آخر هَذَا الْمُخْتَصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِلَّا فَهِيَ فِي العواصم مَجْمُوعَة وَفِي كتب الْكَلَام مفرقة وَإِنَّمَا فعلت ذَلِك مَعًا ليسلم أَولا من كدورته أهل الاثر ثمَّ ينْتَفع ثَانِيًا بِالنّظرِ فِي الشكوك الْوَارِدَة عَلَيْهِ أهل الْكَلَام وَالنَّظَر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا اضْطر أَبُو هَاشم وَأَتْبَاعه إِلَى ذَلِك لأَنهم جوزوا للمعدوم تحققا فِي الْخَارِج لَا فِي الذِّهْن على مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخ مُخْتَار المعتزلي فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي صِفَات الله تَعَالَى وَاعْلَم أَن كَثْرَة التعنت فِي النّظر تُؤدِّي إِلَى طلب تَحْصِيل الْحَاصِل والتشكيك فِيهِ وَقد جربنَا ذَلِك وتأثيره فِي الموسوسين فِي الطَّهَارَة وَفِي النِّيَّة وأمثالهما من الْأُمُور الضرورية فَإِذا صَحَّ مرض الْعُقُول فِي الضروريات بِسَبَب التعنت والغلو فِي تَحْصِيل الْحَاصِل فَكيف إِذا وَقع هَذَا السَّبَب فِي محارات الْعُقُول ودقائق الْكَلَام وتوهم المبتلي بالوسوسة أَنه لَا طَرِيق لَهُ إِلَى معرفَة الله تَعَالَى إِلَّا تِلْكَ الدقائق الْخفية وَالْقَوَاعِد الْمُخْتَلف فِيهَا بَين أذكياء الْبَريَّة وَمن أَمارَة عدم الْيَقِين فِيهَا اسْتِمْرَار الْخلاف بعد طول الْبَحْث من الأذكياء من أهل الْإِنْصَاف وَمن عُلَمَاء أهل الْإِسْلَام وَلَا تحسبن أَن الْعلَّة فِي ذَلِك وَقتهَا بل الْعلَّة عدم الطَّرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا يُوضح هَذَانِ علم الْحساب والفلك وتسيير الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَعْرِفَة أَوْقَات الكسوفيين من أدق الْعُلُوم وَمَعَ دقته فَإِن غالبه صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ بَين العارفين لَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ خفِيا ظنيا فَهُوَ مَعْرُوف بذلك بَين أَهله وَعكس ذَلِك علم أَحْكَام النُّجُوم

стр. 10

فِي حُدُوث الْحَوَادِث فَإِن غالبه بَاطِل لِأَنَّهَا لم تصح مِنْهُ الْمُقدمَات فَدلَّ الضعْف والإختلاف على ضعف الْقَوَاعِد لَا على دقتها وَلذَلِك لَا يخْتَلف أهل الْحساب الدَّقِيق فِي الْفَرَائِض وَقِسْمَة الْمَوَارِيث فِي المناسخات وَنَحْوهَا مَعَ دقته وَلذَلِك لَا تخْتَلف عُلَمَاء الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان فِي كل دَقِيق بل يتفقون حَيْثُ تكون الْمُقدمَات صَحِيحَة وَإِن دقَّتْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا حَيْثُ تكون الْمُقدمَات ظنية بل المتكلمون فِي الْحَقِيقَة كَذَلِك لكِنهمْ إِنَّمَا يتفقون فِي أُمُور يسْتَغْنى فِي مَعْرفَتهَا عَن علم الْكَلَام وَعَن مَعْرفَتهَا فِي علم الْكَلَام ثمَّ يختصون من بَين أهل الْعُلُوم بِدَعْوَى الْقطع فِي مَوَاضِع الظنون وتركيب التعادي والتأثيم والتكفير على تِلْكَ الدَّعَاوَى إِلَّا أفرادا من أئمتهم وأذكيائهم توغلوا حَتَّى فَهموا أَنهم انْتَهوا إِلَى محارات مُنْتَهى الْعُقُول فِيهَا الْميل إِلَى إمارات ظنية فَرَجَعُوا إِلَى التَّسْلِيم وَترك التَّكْفِير كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك عَنْهُم ونصوصهم فِيهِ وَمن العبر الجلية فِي هَذَا للمتأملين أَن أهل الدُّنْيَا الموصوفة بِأَنَّهَا لعب وَلَهو ومتاع قد اتقنوا مَوَازِين معرفَة الْحق من الْبَاطِل فِيمَا بَينهم وتمييز يسير الحيف فِي ذَلِك حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد تَدْلِيس الْبَاطِل مَعَ وزنهم وتمييزهم لذَلِك بِتِلْكَ الموازين الموصلة إِلَى الْعلم الْيَقِين الْقَاطِع لَا مَكَان اللجاج وَالْخلاف من الْمُخَالفين فَلَو اسْتَطَاعَ أهل الْكَلَام أَن يضعوا فِي أُمُور الدّين المهمة مَوَازِين حق تميز الْحق من الْبَاطِل على وَجه وَاضح يقطع الْخلاف ويشفي الصُّدُور مثل مَوَازِين أهل الدُّنْيَا مَا كَرهُوا ذَلِك وهم لَا يتهمون بالتقصير فِي ذَلِك وَإِنَّمَا أَتَوا من أَنهم تركُوا الإعتماد على تعلم الْحق من الْكتاب الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه الَّذِي أنزلهُ من أنزل الْمِيزَان ليتعرف بِهِ الْحق بعد دلَالَة الإعجاز على صدقه كَمَا يعرف الْحق فِي الْأَمْوَال بالميزان بعد دلَالَة الْعقل على صِحَّته وَلذَلِك جَمعهمَا الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان﴾ أنزل الْكتاب لتعريف الْحق الديني وَالْمِيزَان لتعريف الْحق الدنيوي فَترك الْأَكْثَرُونَ الإعتماد عَلَيْهِ لما سَنذكرُهُ من الْأَسْبَاب الَّتِي ظَهرت فِي أعذار

стр. 11

الْمُخَالفين وان كَانَ السَّبَب الْأَكْبَر الَّذِي أخبر عَنهُ علام الغيوب حَيْثُ يَقُول ﴿لقد جئناكم بِالْحَقِّ وَلَكِن أَكْثَرَكُم للحق كَارِهُون﴾ وتعرضوا لما لَا يُمكن من ايضاح المحارات الَّتِي لَا تتضح وَالسير فِي الطّرق الَّتِي لَا توصل وَالْوَزْن بِالْمَوَازِينِ الَّتِي لم ينزلها الله تَعَالَى وَلَا علمتها رسله وَلَا اجْتمعت عَلَيْهَا عقول الْعُقَلَاء وفطن الأذكياء وَمَا خرج عَن ذَلِك كُله فَمن أَيْن لَهُ الوضوح حَتَّى يكون لَهُ ميزَان يُمَيّز بِهِ الْحق من الْبَاطِل عِنْد الدقة والخفاء والإختلاف الشَّديد فَتَأمل ذَلِك بإنصاف وأعجب من كل عَجِيب تَكْفِير بَعضهم لبَعض بِسَبَب الإختلاف فِي هَذِه المحارات الخالية من ذَلِك كُله وَقد قَالَ الله تَعَالَى بعد الْأَمر بوفاء الْكَيْل وَالْوَزْن ﴿لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ مَعَ وضوح الْوَفَاء فيهمَا وامكان الإحتياط فَكيف حَيْثُ يدق ويتعذر فِيهِ الإحتياط لَكِن قد يُمكن أَن لَا يسامحوا فِي ذَلِك من جِهَة أَن الضَّرُورَة بل الْحَاجة لم تدع إِلَيْهِ كالوزن هَذَا مَعَ مَا فِي التَّكْفِير للمخطئ فِي هَذِه الدقائق من الْمفْسدَة وَذَلِكَ عدم جسرة النَّاظر على الْمُخَالفَة لِأَنَّهَا صَارَت مثل الرِّدَّة من الدّين وَلَوْلَا ذَلِك لاتضح كثير من الدقائق فَإِن أَوَائِل أهل علم الْكَلَام لابد أَن يقصروا كَمَا هُوَ الْعَادة الدائمة فِي كل من ابْتَدَأَ مَا لم يسْبق إِلَيْهِ فَلَمَّا كفرُوا الْمُخَالف كتم بَعضهم الْمُخَالفَة وتكلف بَعضهم الْمُوَافقَة بالتأويل الْبعيد وَفَسَد الاكثرون وَقد ذكر نَحْو هَذَا فِي دَلَائِل اعجاز الْقُرْآن أَنه أسلوب مُبْتَدأ جَاءَ على الْكَمَال فَحرق الْعَادَات بذلك على أَن فِي علم الْكَلَام من الْخطر مَا لَا يتَعَرَّض لَهُ حَازِم بعد مَعْرفَته وَذَلِكَ مَا ذكره السَّيِّد الْمُؤَيد بِاللَّه ﷺ فانه ذكر فِي أَوَاخِر كِتَابه مَا ذكره فِي الزِّيَادَات مَا لَفظه فصل فِيمَا يجب على الْعَاميّ والمستفتي قَالَ ﷺ وَالْأولَى عِنْدِي ترك الْخَوْض فِيمَا لَا تمس الْحَاجة إِلَى مَعْرفَته من علم الْكَلَام لِأَن الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن الْجَهْل قَبِيح وَيجوز أَن يصيره إِلَى حَالَة يسْتَحق صَاحبهَا الخلود فِي النَّار وَهَذَا غير مَأْمُون لَو نظر فِي مَسْأَلَة من الْكَلَام

стр. 12

وَأَخْطَأ وَلَو لم يشْتَغل بهَا وَترك النّظر فِيهَا أَمن ذَلِك وَلَو أصَاب كَانَ مَا يسْتَحق من الثَّوَاب على الْإِصَابَة يَسِيرا والعاقل إِذا اخْتَار الحزم اخْتَار الاعراض عَنْهَا دون النّظر فِيهَا إِلَى آخر كَلَامه فِي ذَلِك وَأَرَادَ ﷺ بِالْجَهْلِ الْقَبِيح الْجَهْل الاصطلاحي عِنْد أهل الْكَلَام وَهُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا الْجَهْل اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ التَّوَقُّف فِي مَوْضِعه فَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَحكم بنجاة صَاحبه وَمن عُيُوب علم الْكَلَام تعرضهم لما لَا نفع فِي الْخَوْض فِيهِ مَعَ عدم الامان من الْمضرَّة فِيهِ كالخوض فِي الرّوح وَالنَّفس وانهما شَيْء وَاحِد أَو شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ فان أدلتهم فِي ذَلِك كُله ضَعِيفَة ظنية وَأحسن مَا يستدلون بِهِ فِي ذَلِك هُوَ التلازم وَلَيْسَ من الْأَدِلَّة القاطعة وَقد اخْتَار ابْن متويه وَالْحَاكِم مِنْهُم وَغَيرهمَا أَن الرّوح هُوَ النَّفس الْجَارِي بِفَتْح الْفَاء لأجل التلازم فوهموا وهما فَاحِشا فان الْجَنِين فِي بطن أمه لَا يتنفس بعد حَيَاته وَنفخ الرّوح فِيهِ بِالنَّصِّ والحس بل حَيَوَان المَاء لَا يتنفس فِيهِ وَلَو سلم لَهُم جَوَاز دوَام التلازم لم يكن حجَّة قَاطِعَة على اتِّحَاد النَّفس وَالروح فليحذر الْخَوْض فِي أَمْثَال ذَلِك لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَلما تقدم من كَلَام الْمُؤَيد بِاللَّه فِي ذَلِك وَقد وَافق الْمُؤَيد بِاللَّه على ذَلِك خلائق من أَئِمَّة العترة والامة كَمَا ذكره صَاحب الْجَامِع الْكَافِي عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور فِي كتاب الْجُمْلَة والالفة وَحكى الْحَاكِم المعتزلي فِي مُخْتَصر لَهُ جلي فِي معرفَة الله أَن جَعْفَر بن مُبشر وجعفر بن حَرْب من أَئِمَّة الْكَلَام رجعا عَن الْخَوْض فِي دقيقه وَقد بَالغ الْغَزالِيّ فِي احياء عُلُوم الدّين وَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل بِذكر ذَلِك وَهُوَ مَعْرُوف فِي موَاضعه وَإِنِّي لما رَأَيْت طَرِيق النجَاة من علم الْكَلَام مِمَّا لَا يجْتَمع عَلَيْهَا أهل الْكَلَام دع غَيرهم ورأيتها ان كَانَت طَرِيقا صَحِيحَة فانها متوقفة وَلَا بُد على التَّحْقِيق فِيهِ والبحث العميق عَن الطَّائِفَة وخوافيه المودعة فِي علم اللَّطِيف الَّذِي تذكره ابْن متويه من مختصراته وجلياته وَمُلَخَّص الرَّازِيّ من موجزاته ومتوسطاته وأئمة أَهله أعي علم الْكَلَام فِي غَايَة المباعدة

стр. 13

والمنافاة حَتَّى أَن الشَّيْخ أَبَا الْحُسَيْن ذكر أَنه يَكْفِي فِي معرفَة بطلَان مَذَاهِب أَصْحَابه البهاشمة من الْمُعْتَزلَة مُجَرّد معرفَة مقاصدهم مَعَ أَنهم الْجَمِيع من أَئِمَّة الاعتزال هَذَا مَعَ وُقُوع كثير من أَئِمَّة الْكَلَام فِي الشَّك والحيرة فَلَمَّا عرفت ذَلِك كُله علمت من غير شكّ صعوبة معرفَة طَرِيق النجَاة من هَذَا الْفَنّ على الاكثرين وَقد ألهم الله تَعَالَى وَله الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء إِلَى أسهل طَرِيق وأخصره فِي علمي إِلَى الْيَقِين والنجاة ونصرة طَرِيق الصَّحَابَة وَالسَّلَف الَّتِي علم تقريرهم عَلَيْهَا بِالضَّرُورَةِ من الدّين وَهِي فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَإِنَّمَا عنيت فِي توضيحها وتجديدها بعد درسها ومداواة مَا قد وَقع من تَغْيِير المغيرين لَهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الحَدِيث فِي قَوْله ﷺ (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ) كَمَا تقدم وَبَيَان ذَلِك أَنِّي تَأَمَّلت جَمِيع الِاخْتِلَاف الْوَاقِع بَين النَّاس من الْملَل الكفرية وَالْفرق الاسلامية فَإِذا هُوَ على كثرته وتشعبه يرجع فِي الْجُمْلَة إِلَى سَبْعَة أَشْيَاء مدركها بالفطرة قريب بعون الله تَعَالَى بل هِيَ فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا أَولهَا اثبات الْعُلُوم الضرورية الَّتِي يبتني الاسلام على ثُبُوتهَا وَثَانِيها ثُبُوت الرب وَثَالِثهَا توحيده وَرَابِعهَا كَمَاله بأسمائه الْحسنى وخامسها ثُبُوت النبوات وصحتها فِي الْجُمْلَة وسادسها الايمان بجميعهم وَعدم التَّفْرِيق بَينهم وسابعها ترك الابتداع فِي دينهم بِالزِّيَادَةِ على مَا جاؤا بِهِ وَالنَّقْص مِنْهُ فاذا تَأَمَّلت هَذِه الْأُمُور السَّبْعَة بالفطرة الأولى السليمة من التَّغْيِير بالعادات والطوارئ الْمُغيرَات لم تشك أَن الْخطر الْمخوف من عِقَاب الْآخِرَة مَأْمُون فِي جَمِيعهَا وَأما السِّتَّة الأولى فمجموعها هُوَ دين الاسلام الَّذِي فطر الله عباده على مَعْرفَته وَالْخلاف فِي كل وَاحِد مِنْهَا كفر يجمع عَلَيْهِ والأدلة عَلَيْهَا جلية وفاقية بَين الْمُسلمين وَلَا يُمكن وجود أحوط مِنْهَا وَلَا أولى وَأَحْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا﴾ وَأما السَّابِع وَهُوَ عدم الزِّيَادَة وَالنَّقْص فِي الدّين فَهُوَ

стр. 14

الْعِصْمَة من الْبدع المفرقة بَين الْمُسلمين وَهُوَ لَاحق بِمَا قبله فِي ثُبُوته فِي الْفطْرَة مَعَ اضطرار كَارِه الْبِدْعَة اليه لَكِن لَا يثبت فِيهِ التَّكْفِير غَالِبا كَمَا ياتي شَرحه فِي مَوْضِعه وسر هَذَا الْكَلَام أَن الْعَذَاب الْأَكْبَر مخوف فِي الْمُخَالفَة لأحد هَذِه الْقَوَاعِد السَّبْعَة الجليلة وَالْعقل والسمع مجتمعان على حسن السَّعْي فِي دفع المضار المخوفة المجوزة التجويز لمستوى الطَّرفَيْنِ وَوُجُوب السَّعْي فِي دفع المضار الْمَطْلُوبَة وَوُجُوب السَّعْي فِي الِاحْتِيَاط فِي ذَلِك وَهَذَا مَعْلُوم فِي فطر الْعُقَلَاء وَمَعَ كَونه معقولا فقد ذكره الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين وَذكر الْعُقَلَاء بِهِ إِن كَانُوا عَنهُ غافلين فَقَالَ فِي ذَلِك رب الْعَالمين ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله ثمَّ كَفرْتُمْ بِهِ من أضلّ مِمَّن هُوَ فِي شقَاق بعيد﴾ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل على مثله فَآمن وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ حِكَايَة عَن خَلِيله إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء إِن رَبك حَكِيم عليم﴾ وَمِنْه مَا حَكَاهُ الله تَعَالَى عَن مُؤمن آل فِرْعَوْن من قَوْله ﴿أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم وَإِن يَك كَاذِبًا فَعَلَيهِ كذبه وَإِن يَك صَادِقا يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ وَفِي مَعْنَاهُ قَوْله تَعَالَى أَيْضا ﴿وَيَا قوم مَا لي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار﴾ الْآيَات وَهُوَ بَين فِي هَذَا الْمَعْنى لِأَن السَّلامَة متحققة فِي الايمان والخطر مَأْمُون فِيهِ والمهالك مخوفة فِي مُخَالفَته وَقد أحسن كل الاحسان فِي دُعَاء قومه وَلذَلِك حكى الله تَعَالَى حسن احتجاجه عَلَيْهِم فَيَنْبَغِي تَأمله وَالِانْتِفَاع بِهِ وَلذَلِك أتبع الله الْبُرْهَان بالتخويف بِالْمَوْتِ الضَّرُورِيّ

стр. 15

والمعاد إِلَيْهِ النظري فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾ فان الْكفْر مَعَ مَجْمُوع هَذِه الْأُمُور أنكر الْكفْر وأفحشه فان الْبَرَاهِين تَكْفِي العارفين والمخاوف توقظ نيام الغافلين وتلين قساوة العاتين الماردين وَمَعَ ذَلِك تقوى دواعي العارفين وتقاوم وساوس الشَّيَاطِين وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وماذا عَلَيْهِم لَو آمنُوا بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَهَذَا الْقدر أَعنِي الدُّخُول فِي الاسلام على جِهَة الِاحْتِيَاط من غير علم بِصِحَّتِهِ بالأدلة يحصل أدنى مَرَاتِب الاسلام عِنْد كثير من عُلَمَاء الاسلام كمن لَا يكفر المقلدين لأهل الْحق وَمن يَقُول المعارف ضَرُورِيَّة وَغَيرهم وحجتهم على ذَلِك أُمُور مِنْهَا تَقْرِير النَّبِي ﷺ للعامة وَقبُول الشَّهَادَة مِنْهُم وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ وَإِن تطيعوا الله وَرَسُوله لَا يلتكم من أَعمالكُم شَيْئا إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَآخر الْآيَة حجَّة حَسَنَة على ذَلِك وَمِنْهَا مَا صَحَّ واشتهر وتواتر فِي أَحَادِيث الشَّفَاعَة من تَقْرِير إِيمَان الْمَشْفُوع لَهُم بمثاقيل الذَّر وَأدنى أدنى أدنى من ذَلِك أَلا ترى أَنَّك تخَاف الْعَذَاب على الْمُخَالفَة فِي كل وَاحِد من هَذِه السَّبْعَة الْأُمُور وَلَا تخَاف الْعَذَاب بالْقَوْل بِوَاحِد مِنْهَا وَلَا تَجِد أحوط مِنْهَا وَلَا أنجى فَحِينَئِذٍ علمت بالفطرة علما قَرِيبا جليا تطمئِن بِهِ الْقُلُوب وتؤمن مَعَه من الْمخوف الْأَعْظَم إِنَّه لَا يُمكن أَن يُوجد أصح وَلَا أنجى من المخاوف من دين الاسلام ومتابعة مُحَمَّد أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ﷺ فلاحظت فِي هَذَا الْمُخْتَصر هَذِه الْأُمُور السَّبْعَة وأشبعت الْكَلَام فِيهَا ونصرتها بجهدي وَغَايَة مَا فِي قدرتي من الْعبارَات الْوَاضِحَة وَضرب الْأَمْثَال الْبَيِّنَة ثمَّ الْآيَات والْآثَار وَإِن تَكَلَّمت فِي نصرتها من عِنْدِي متميزة بأنفسها غير ملتبسة بكلامي فَمَا أَخْطَأت فِيهِ من كَلَامي وخالفها فعلى كل مُسلم رده واجتنابه ومتابعتها دونه فانما قصدي نصرتها لَا مخالفتها

стр. 16

فَمَا أصبت فِيهِ فَمن الله سُبْحَانَهُ وَله فِيهِ الْمِنَّة وَالْحَمْد وَالشُّكْر وَالثنَاء وَمَا أَخْطَأت فِيهِ فالذنب مني وَعلي فِيهِ الْبَرَاءَة مِنْهُ وَالتَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار والتحذير وَأَشد الْكَرَاهَة لَا فرق بَين كَرَاهَة مَا صدر مني من الْبدع وَمَا صدر من غَيْرِي بل يجب أَن أكون أَشد كَرَاهِيَة لما صدر مني لِأَن الصَّادِر مني ذَنبي يضرني وأآخذ بِسَبَبِهِ وَالله تَعَالَى يسلمني من الْبدع والذنُوب وَيغْفر لي مَا أَخْطَأت فِيهِ إِنَّه وَاسع الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل لَكِن المحامي عَن السّنة الذاب عَن حماها كالمجاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى يعد للْجِهَاد مَا اسْتَطَاعَ من الْآلَات وَالْعدة وَالْقُوَّة كَمَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن جِبْرِيل ﵇ كَانَ مَعَ حسان بن ثَابت يُؤَيّدهُ مَا نافح عَن رَسُول الله ﷺ فِي أشعاره فَكَذَلِك من ذب عَن دينه وسنته من بعده إِيمَانًا بِهِ وحبا وَنصحا لَهُ ورجاء أَن يكون من الْخلف الصَّالح الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله ﷺ يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَالْجهَاد بِاللِّسَانِ أحد أَنْوَاع الْجِهَاد وسبله فِي الحَدِيث (أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر) وَقد أحسن من قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنى شعرًا (جاهدت فِيك بِقَوْلِي يَوْم يخْتَصم الْأَبْطَال ... أذفات سَيفي يَوْم يمتصع) (إِن اللِّسَان لوصال إِلَى طرق ... فِي الْحق لَا تهتديها الذبل السرع) وَقد ذكر الْغَزالِيّ فِي المنقذ من الضلال أَن الطالبين لليقين ثَلَاث طوائف مِنْهُم أهل الرياضة للقلوب بتصفيتها بالاقبال على الله تَعَالَى وَترك مَا عداهُ والتخلق بالأخلاق الْمجمع على حسنها من الزّهْد وَالصَّبْر والتوكل وَالرِّضَا وَالْعَفو وَوضع النَّفس قلت إِلَى سَائِر مَا ذَكرُوهُ من أَخْلَاقهم وأحوالهم ومقاماتهم فِي عوارف المعارف وَغَيره وَهَذَا لَا يُمكن اكتسابه بالتصنيف إِنَّمَا هُوَ بِالْعَمَلِ فَمن عمل على مُوَافقَة السّنة وَاجْتنَاب الْبِدْعَة

стр. 17

كَانَ هَذَا الْمُخْتَصر وَأَمْثَاله من بداياته الَّتِي تعينه على مقْصده وتوصله إِلَى مُرَاده لأَنهم أَجمعُوا على أَن الشَّرِيعَة لمعارفهم كاللبن للزبد وَمن لَا لبن لَهُ لَا زبد لَهُ وَهَذِه الْمُقدمَة للشريعة وتصفية الْقُلُوب المشبهين بِاللَّبنِ والزبد بِمَنْزِلَة الرّوح الَّذِي لولاها لما كَانَ الْحَيَوَان وَلَا الزّبد وَلَا اللَّبن وَلكنهَا حَاصِلَة فِي الِابْتِدَاء بالفطرة من الله سُبْحَانَهُ وَله الْحَمد فَمن كملت فِيهِ وسلمت من التَّغْيِير لم يحْتَج إِلَى شَيْء من هَذَا وان نظر فِيهِ قوي مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْفطْرَة بِمَنْزِلَة السَّقْي لما يشرب بعروقه من الْبَحْر فانه لَا يحْتَاج السَّقْي فان سقِِي زَاده قُوَّة وريا والطائفة الثَّانِيَة مِمَّن ذكر الْغَزالِيّ أهل التَّعْلِيم من الامامية وَغَيرهم فانهم زَعَمُوا أَن الْعُقُول لَا تفي بالمعرفة من غير تَعْلِيم الامام الْمَعْصُوم وَلذَلِك تَجِد طالبي المعارف النظرية الْعَقْلِيَّة يتعلمون ذَلِك من شيوخهم وَلَا يُمكن بالتجارب أَن يسْتَقلّ أحدهم بنظره وعقله من غير شيخ ثمَّ يَأْتِي بِتِلْكَ القوانين المتقنة مجودة سَالِمَة من المطاعن وَعِنْدهم أَن هَذَا من التجريبات الضروريات وَقد جود الْغَزالِيّ الرَّد عَلَيْهِم فِي المنقذ من الضلال وَكفى وشفى ثمَّ قَالَ وعَلى تَسْلِيم مَا ذَكرُوهُ فَنحْن نلتزمه وَلَا يضرنا لَكِن امامنا الْمَعْصُوم هُوَ رَسُول الله ﷺ وَمَوته لَا يضرنا كَمَا أَن غيبَة امامهم لَا تضر عِنْدهم بل حَالنَا أولى فان امامنا الْمَعْصُوم مَاتَ ﷺ بعد كَمَال التَّعْلِيم وامامهم غَابَ عَنْهُم قبل ذَلِك وَفِي هَذَا الْمُخْتَصر من التَّعْلِيم النَّبَوِيّ الصَّحِيح الْمُتَوَاتر وَالصَّحِيح الْمَشْهُور مَا لَا يُوجد فِي أَمْثَاله والطائفة الثَّالِثَة أهل النّظر وَقد جمعت فِي هَذَا الْمُخْتَصر صفوة أنظارهم وخلاصة أدلتهم ونقاوتها وقصدت تقويتها ورسوخ الْيَقِين فِيهَا بِجمع شواهدها وبراهينها الجلية الْقَرِيبَة الغاسلة لأدران الشكوك والريبة النَّازِلَة من أهل الايمان بِمَنْزِلَة المَاء القراح من العطشان الْمَشْهُورَة بَين أهل الْبَيْت الطيبين وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَسَائِر السّلف الصَّالِحين الَّتِي لَا يجر الْخَوْض فِيهَا إِلَى شَيْء من الْبِدْعَة وَلَا المخاطرة فِي الدّين وَلَا يُمكن أَن يكون فِيهَا شَيْء غَيره أحوط مِنْهُ فِي علمي وَالله الْمُسْتَعَان والمستغاث وَالْهَادِي سُبْحَانَهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَاعْلَم أَنِّي بنيت هَذَا الْمُخْتَصر على بَيَان الْحق وَتَقْرِيره فِي هَذِه الْأُمُور السَّبْعَة لَا سواهَا وَمَا زَاد على ذَلِك من مواهب الله وعوارفه ومعارفه

стр. 18

وبدائع لطائفه فَلَيْسَ بمقصود لي الْكَلَام عَلَيْهِ وَلَا أَعتب على من خالفني فِي شَيْء مِنْهُ وَلَا يعاب التَّقْصِير فِيهِ فان التَّطْوِيل فِي الْأُمُور الْعَارِضَة يخرج عَن الْمَقْصُود كَمَا ذَلِك مَعْرُوف وَإِنَّمَا قصرت الاهتمام على هَذِه الامور السَّبْعَة لِأَنَّهَا الْفطْرَة الَّتِي فطر الله النَّاس عَلَيْهَا كَمَا تطابق عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَفِي ذَلِك دلَالَة على أَنَّهَا تَكْفِي الْعَاميّ كَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل المعارف مَا لم تعرض لَهُ شُبْهَة قادحة فيتمكن من حلهَا على طَرِيق السّلف الْقَرِيبَة الجلية كَمَا نذكرهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصر مَعَ الدُّعَاء واللجأ إِلَى الله تَعَالَى وَمَا أقرب نفع هَذَا مَعَ خلق الله الْقُلُوب على الْفطْرَة وَكَثْرَة مواد هدايته كَمَا ذكره فِي آيَة النُّور وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن علينا للهدى﴾ فأكد ذَلِك بمؤكدين اثْنَيْنِ كَمَا تَقول أَن زيدا لقائم وَقَالَ ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ هَذَا لِلْخلقِ عُمُوما وَلِلْمُؤْمنِينَ خُصُوصا ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ إِلَى غير ذَلِك وَإِنَّمَا يُؤْتى أَكثر الْخلق من كفرهم بآيَات الله الْبَيِّنَة وبطلبهم غَيرهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿سل بني إِسْرَائِيل كم آتَيْنَاهُم من آيَة بَيِّنَة وَمن يُبدل نعْمَة الله من بعد مَا جَاءَتْهُ فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ فليحذر ذَلِك كل الحذر من عدم القنوع بِمَا قنع بِهِ السّلف من حجج الله تَعَالَى وياله من تخويف شَدِيد ووعيد عَظِيم ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا الْمُخْتَصر لَا يصلح إِلَّا لمن وضع لَهُ كَمَا أَن الدَّوَاء الْخَاص بألم خَاص لَا يصلح لكل ألم وَلَا لكل أَلِيم فَمن كَانَ يحْتَاج الْبسط إِلَّا الحوافل الْكِبَار من مصنفات المصنفين من أذكياء النظار وَقد يكون فِي هَذَا الْمُخْتَصر الاشارة إِلَى تِلْكَ الْكتب الحافلة والتنبيه عَلَيْهَا لمن يحْتَاج إِلَى ذَلِك وَالدَّال على الْخَيْر كفاعله وَلَكِن لكل مقَام مقَال وَلكُل مجَال رجال والكتب البسيطة فِي علم اللَّطِيف لَا تصلح لمن يخَاف عَلَيْهِ من السبه كَمَا أَن السباحة فِي لجج الْبحار لَا تصلح إِلَّا لأهل الرياضة التَّامَّة فِي ذَلِك بعد طول

стр. 19

التجارب وَأَرْجُو إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن لَا يَخْلُو هَذَا الْمُخْتَصر من أحد الْمعَانِي الثَّمَانِية الَّتِي تصنف لَهَا الْعلمَاء بل من كل وَاحِد مِنْهَا وَهِي اختراع مَعْدُوم أَو جمع مفترق أَو تَكْمِيل نَاقص أَو تَفْصِيل مُجمل أَو تَهْذِيب مطول أَو تَرْتِيب مخلط أَو تعْيين مُبْهَم أَو تَبْيِين خطأ كَذَا عدهَا أَبُو حَيَّان وَتمكن الزِّيَادَة فِيهَا وَإِنَّمَا جمعت هَذَا الْمُخْتَصر الْمُبَارك إِن شَاءَ الله تَعَالَى لمن صنفت لَهُم التصانيف وعنيت بهدايتهم الْعلمَاء وهم من جمع خَمْسَة أَوْصَاف معظمها الاخلاص والفهم والانصاف وَرَابِعهَا وَهُوَ أقلهَا وجودا فِي هَذِه الاعصار الْحِرْص على معرفَة الْحق من أَقْوَال الْمُخْتَلِفين وَشدَّة الدَّاعِي إِلَى ذَلِك الْحَامِل على الصَّبْر والطلب كثيرا وبذل الْجهد فِي النّظر على الانصاف ومفارقة العوائد وَطلب الاوابد فان الْحق فِي مثل هَذِه الاعصار قَلما يعرفهُ إِلَّا وَاحِدًا بعد وَاحِد وَإِذا عظم الْمَطْلُوب قل المساعد فان الْبدع قد كثرت وَكَثُرت الدعاة اليها والتعويل عَلَيْهَا وطالب الْحق الْيَوْم شَبيه بطلابه فِي أَيَّام الفترة وهم سلمَان الْفَارِسِي وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل وأضرابهما رحمهمَا الله تَعَالَى فانهم قدوة الطَّالِب للحق وَفِيهِمْ لَهُ أعظم أُسْوَة فانهم لما حرصوا على الْحق وبذلوا الْجهد فِي طلبه بَلغهُمْ الله إِلَيْهِ وأوقفهم عَلَيْهِ وفازوا من بَين العوالم الجمة فكم أدْرك الْحق طَالبه فِي زمن الفترة وَكم عمي عَنهُ الْمَطْلُوب لَهُ فِي زمن النُّبُوَّة فَاعْتبر بذلك واقتد بأولئك فان الْحق مَا زَالَ مصونا عَزِيزًا نفيسا كَرِيمًا لَا ينَال مَعَ الاضراب عَن طلبه وَعدم التشوف والتشوق إِلَى سَببه وَلَا يهجم على المبطلين المعرضين وَلَا يفاجئ أشباه الانعام الغافلين وَلَو كَانَ كَذَلِك مَا كَانَ على وَجه الأَرْض مُبْطل وَلَا جَاهِل وَلَا بطال وَلَا غافل وَقد أخبر الله تَعَالَى أَن ذَرْء جَهَنَّم هم الغافلون فانا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مَا أعظم الْمُصَاب بالغفلة والمغتر بطول المهلة وَمن أعجب الْعَجَائِب دَعْوَى المقلدين للمعارف وَدَعوى المتعصبين للانصاف وأمارة ذَلِك أَنَّك تَجِد العوالم الْكَثِيرَة فِي لطائف المعارف الْمُخْتَلف فِيهَا على رَأْي رجل وَاحِد من القدماء فِي الامصار العديدة والاعصار المديدة

стр. 20

فَلَو كَانُوا فِي ترك التَّقْلِيد كالأوائل لاشتد اخْتلَافهمْ فِي الدقائق وَلم يتفقوا على كثرتهم وَطول أزمانهم وتباعد بلدانهم وَاخْتِلَاف فطنهم كَمَا قَضَت بذلك العوائد الْعَقْلِيَّة الدائمة وَلَو كَانَ الْجَامِع لفرقتهم مَعَ كثرتهم هُوَ الْوُقُوف على الْحَقَائِق فِي تِلْكَ الدقائق لكانوا أَكثر من مشايخهم الاقدمين علما وتحقيقا وانصافا وتجويدا لَكِن الْمَعْلُوم خلاف ذَلِك فاياك أَن تسلك هَذِه المسالك فان نشأة الانسان على مَا عَلَيْهِ أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صَنِيع أسقط النَّاس همة وأدناهم مرتبَة فَلم يعجز عَن ذَلِك صبيان النَّصَارَى وَالْيَهُود وَلَا ربات القدود والنهود المستغرقات فِي تمهيد المهود وَهَذِه هَذِه فأعطها حَقّهَا وَانْظُر لنَفسك وانج بهَا وطالع قصَّة سلمَان الْفَارِسِي وَأَضْرَابه وَانْظُر كَيفَ كَانَ صبرهم واعرف قدر مَا أَنْت طَالب فانك طَالب لأعلى الْمَرَاتِب قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ وَقَالَ فِي الْأُخْرَى ﴿وسعى لَهَا سعيها﴾ وَقَالَ ﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ وَلَيْسَ فِي الْوُجُود بأسره أعز وَلَا أفضل من الْإِيمَان بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله ومتابعتهم وَمَعْرِفَة مَا جاؤا بِهِ فَلَا تطلب ذَلِك أَهْون الطّلب فَإِنِّي أرى الْأَكْثَرين لَا يرضون بِالْغبنِ وَالنَّقْص فِي بيع بعض السّلع وَأرى طَالب الأرباح الدُّنْيَوِيَّة يطْلبهَا أَشد الطّلب من أبعد الأقطار بأشق الْأَسْفَار وَأما طَالب الكيمياء والسيمياء فَإِنَّهُ يبْذل فِي طلبهما مَا دون الرّوح بل يرتكب بعض الأخطار والمتالف الْكِبَار مَعَ أدنى تَجْوِيز للسلامة بل عدم التجويز أَيْضا عِنْد ملكة هَوَاهُ لَهُ وَغَلَبَة ظَنّه بِأَنَّهُ يدْرك مَا أَرَادَ ويبلغ مَا قَصده ويصل إِلَى مَا إِلَيْهِ سعى وَلكم من منفق غضارة عمره ونضارة شبابه وَأَبَان أَيَّامه فِي ذَلِك وَإِنَّمَا طولت القَوْل فِي هَذَا لِأَنِّي علمت بالتجربة الضرورية فِي نَفسِي وغيري أَن أَكثر جهل الْحَقَائِق إِنَّمَا سَببه عدم الاهتمام بتعرفها على الْإِنْصَاف لَا عدم الْفَهم فَإِن الله وَله الْحَمد قد أكمل الْحجَّة بالتمكين من الْفَهم وَإِنَّمَا أَتَى الْأَكْثَر من التَّقْصِير فِي الإهتمام أَلا ترى أَن المهتمين بمقاصد المنطقيين

стр. 21

والمتكلمين يفهمونها وَإِن دقَّتْ مَعَ الصَّبْر وَطول الطّلب فَكيف لَا يفهم طَالب الْحق مَقَاصِد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالسَّلَف الصَّالِحين مَعَ الاهتمام بذلك وبذل الْجهد فِي طلبه وَحسن الْقَصْد ولطف أرْحم الرَّاحِمِينَ لمن هُوَ كَذَلِك بالنصوص والاتفاق وَلَا يَنْبَغِي أَن يصغي إِلَى من يصده عَن كتب الله وَمَا أنزل فِيهَا من الْهدى والنور رَحْمَة للْمُؤْمِنين ونعمة على الشَّاكِرِينَ وليحذر كل الحذر من زخرفتهم للعبارات فِي ذَلِك وترغيبهم بأنواع المرغبات فِي تِلْكَ المسالك وليعتبر فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى لرَسُوله الْمَعْصُوم ﷺ ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَن الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك لتفتري علينا غَيره وَإِذا لاتخذوك خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم شَيْئا قَلِيلا إِذا لأذقناك ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات ثمَّ لَا تَجِد لَك علينا نَصِيرًا﴾ ويالها من موعظة موقظة لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد كَمَا قَالَ ولتعرف أهل الزيغ بذلك وَأهل الْحق بحلافه فَإِنَّهُم كَمَا وَصفهم رَبهم فِي قَوْله ﴿وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق وَيهْدِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ وَلَا يَنْبَغِي أَن يستوحش الظافر بِالْحَقِّ من كَثْرَة الْمُخَالفين لَهُ كَمَا لَا يستوحش الزَّاهِد من كَثْرَة الراغبين وَلَا المتقي من كَثْرَة العاصين وَلَا الذاكر من كثر الغافلين بل يَنْبَغِي مِنْهُ أَن يستعظم الْمِنَّة باختصاصه بذلك مَعَ كَثْرَة الْجَاهِلين لَهُ الغافلين عَنهُ وليوطن نَفسه على ذَلِك فقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن هَذَا الدّين بدا غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء) رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَعبد الله بن أَحْمد من حَدِيث أنس وروى البُخَارِيّ نَحوه بِغَيْر لَفظه من حَدِيث ابْن عمر وَعَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ أفضل السَّلَام عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (طلب الْحق غربَة) رَوَاهُ الْحَافِظ الْأنْصَارِيّ فِي أول كِتَابه منَازِل السائرين إِلَى الله من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ هَذَا حَدِيث

стр. 22

غَرِيب لم أكتبه عَالِيا إِلَّا من رِوَايَة عَلان وَلذَلِك شَوَاهِد قَوِيَّة عَن تِسْعَة من الصَّحَابَة ذكرهَا الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد فنسأل الله أَن يرحم غربتنا فِي الْحق وَيهْدِي ضالنا وَلَا يردنا من أَبْوَاب رجائه ودعائه وَطَلَبه محرومين إِنَّه مُجيب الداعين وهادي المهتدين وأرحم الرَّاحِمِينَ فَإِن قيل قد دلّ السّمع كتابا وَسنة على أَن دين الاسلام هُوَ الْفطْرَة المخلوقة وَطلب ذَلِك هُوَ تَحْصِيل الْحَاصِل فَمَا هَذَا التهويل قلت لِأَنَّهُ قد اشْتَدَّ تغييرها وصلاحها بعد شدَّة التَّغْيِير عسير فَهِيَ كالعافية والتغيير كالأمراض الَّتِي اخترنا أَسبَابهَا فاشتدت وتمكنت حَتَّى عسر علاجها وَهَذَا الْمُخْتَصر وَأَمْثَاله كأدوية تَنْفَع من لم يستحكم عَلَيْهِ التَّغْيِير دون من استحكم عَلَيْهِ وَلَا يحتاجها الْمعَافى وَيدل على ذَلِك حَدِيث حزَام بن حَكِيم ابْن حزَام عَن أَبِيه وَعَمه أَن الْعِبَادَة فِي صدر الاسلام أفضل من الْعلم وَأَن الْعلم فِي آخر الْأَمر أفضل من الْعِبَادَة كَمَا سَيَأْتِي قُوَّة اسنادها وموافقتها فِي الْمَعْنى للنَّظَر الْعقلِيّ ياتيان فِي بَيَان فضل الْعلم النافع وخامسها وَهُوَ اصعبها الْمُشَاركَة فِي الْعلم أَو فِي التَّمْيِيز والفهم لأهل الطَّبَقَة الْوُسْطَى وَمن يقاربهم فِي الْمنزلَة حَتَّى يتَمَكَّن بذلك من مَعْرفَته مِقْدَار مَا يقف فِي هَذَا الْمُخْتَصر من الْفَوَائِد من غير تَقْلِيد فيرغب فِيهِ أَو يزهد حِين يقيس على مَا يألف ويعهد لِأَنَّهُ لَا يعرف مِقْدَار الشَّيْء إِلَّا ذُو بَصِيرَة يعرف أَن لَهُ أجناسا كَثِيرَة فيقيسها إِلَيْهِ أَو يقيسه إِلَيْهَا فيفضلها عَلَيْهِ ويفضله عَلَيْهَا وذكي الْقلب يتَمَكَّن من ذَلِك وَإِن لم يسْلك تِلْكَ المسالك لَكِن بِكَثْرَة الْمَسْأَلَة لأهل المعارف والمقايسة بَين المصنفات لعارف عَارِف وَإِلَّا كَانَ الْوَاقِف عَلَيْهِ مثل من لَا يعرف الْجَوَاهِر الثمينة والفصوص النفيسة يجد فصا عَظِيم الْمِقْدَار فيضيعه أَو يَبِيعهُ بِثمن نزر فقد بيع يُوسُف الصّديق بذلك حِين لم يُوقف لَهُ على قدر فَإِن عرضت لطَالب الْحق محنة لم يتطير بِطَلَب الْحق فَيكون من الَّذين يعْبدُونَ الله على حرف وليثق بِقرب الْفرج ويتوكل على الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فتوكل على الله إِنَّك على الْحق الْمُبين﴾ وَعلم وأيقن أَن الله مَعَ الصابرين وَمَعَ الصَّادِقين

стр. 23

وَأَن الله نَاصِر من ينصره وذاكر من يذكرهُ وَأَن سر رَسُول الله ﷺ فِي هَذِه الْأُمُور عَائِد على متبعيه وَنَصره شَامِل لناصريه وَلم أقصد بِهَذَا الْمُخْتَصر هِدَايَة أهل الْيَقِين التَّام من الْأَوْلِيَاء الْكِرَام أهل الْكَمَال فِي المعارف من الْعلمَاء الاعلام وَلَا هِدَايَة أَئِمَّة الْكفْر المعاندين لأهل الاسلام أما أهل الْكَمَال فِي الْعلم الَّذين بلغُوا مرتبَة الامامة الْكُبْرَى فِي علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَأهل الْيَقِين التَّام من الْأَوْلِيَاء الْكِرَام نفع الله بهم فَإِن مهْدي هَذَا الْمُخْتَصر إِلَى معارفهم كمهدي الحشف إِلَى هجرأ ونجران بل كمهدي الحضيض إِلَى أهل الدّرّ والعقيان وَإِن كَانَ قد ينزل عِنْد بَعضهم منزلَة فَاكِهَة الْبَادِيَة الطرية الْبَريَّة الَّتِي هِيَ من العلاجات الحضرية بريه فَإِنَّهَا قد تعجب أهل الْحَاضِرَة وَإِن كَانَت عَمَّا لديهم فِي النفاسة قَاصِرَة وَأما أَئِمَّة الْكفْر والسفه والتعلق بمذاهب الفلسفة فهم كمن استحكم الدَّاء عَلَيْهِ فَلَا تَنْفَعهُ الْأَدْوِيَة النافعة فالداعي لَهُم إِلَى حق حقائق الْإِيمَان وَإِن جَاءَ بأعظم برهَان فِي الْيَأْس مِنْهُم وَعدم الطمع فيهم كالداعي للعميان إِلَى النُّور وللأموات إِلَى الْخُرُوج من الْقُبُور وَكَيف الطمع فِي هِدَايَة قوم قد أَقَامَ رَبهم عَلَيْهِم الْحجَّة مرَارًا أَولهَا بخلقهم على الْفطْرَة وَثَانِيها بطول المهلة وَثَالِثهَا ببعثه الرُّسُل بالمعجزات الباهرة والآيات الظَّاهِرَة إِلَى غير ذَلِك من تَجْدِيد الدَّلَائِل بِخلق الْمَخْلُوقَات الْمشَاهد حدوثها من الْغَمَام والأمطار وَالْحَيَوَان وَالْأَشْجَار فجحدوا الْجَمِيع وَكَفرُوا الْكفْر الفظيع مَعَ إِيمَانهم بأبطل البواطل الَّتِي لَا يتَصَوَّر الْإِيمَان بِمِثْلِهَا من عَاقل حَتَّى قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى فيهم ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره﴾ الْآيَات وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ ثمَّ أخبر عَنْهُم علام الغيوب أَنهم يجادلون فِي الْقِيَامَة بعد بَعثهمْ وعلمهم الضَّرُورِيّ بِصِحَّة الربوبية فيجحدون الْحق حَتَّى تشهد عَلَيْهِم جُلُودهمْ ثمَّ يَقُولُونَ بعد ذَلِك لم شهدتم علينا وَلذَلِك لم نؤمر

стр. 24

بِإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم لِأَن الله قد أَقَامَهَا وَإِنَّمَا أمرنَا بجهادهم ودعائهم قبل قبل الْجِهَاد على خلاف فِي الدُّعَاء قبل الْجِهَاد مَوْضِعه كتب الْفِقْه الفرعية وَلَا قصدت بِهَذَا الْمُخْتَصر تفهيم من لَيْسَ يفهم فَأَكُون كمستولد الْعَقِيم أَو مقوم ظلّ مَا لَيْسَ بِمُسْتَقِيم وَكَيف يقوم الظل وَالْعود أَعْوَج وَإِنَّمَا قصدت نفع الأوساط وامتثال أَمر الله تَعَالَى فقد أَمر الله تَعَالَى بالمعاونة على الْبر وَالتَّقوى وَصَحَّ التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء إِلَى الْحق وَالْخَيْر وَإِن الدَّاعِي إِلَى ذَلِك يُؤْتى مثل أجور من اتبعهُ وَمن أَحْيَا نفسا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا وَإِن من أَمر بالصلاح ابْتِغَاء مرضات الله وَإِن لم يطع فَسَوف يؤتيه الله أجرا عَظِيما وَفِي حَدِيث أنس عَنهُ ﷺ (مَا من رجل ينعش بِلِسَانِهِ حَقًا يعْمل بِهِ إِلَّا جرى عَلَيْهِ أجره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ وفاه الله ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة) رَوَاهُ أَحْمد وَسَنَده جيد وَهُوَ من مُسْند أنس من جَامع المسانيد بل قد أنزل الله سُورَة الْعَصْر وَقصر السَّلامَة من الخسر على الَّذين آمنُوا وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين ثمَّ إِنِّي غير مُدع للعصمة من الْخَطَأ والمناقضة وَلَا أَدعِي ذَلِك من هُوَ أجل مني وأكمل وَأعلم وَأفهم من جَمِيع الْعلمَاء بل الْعُقَلَاء وَقد قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَدلَّ على لُزُوم ذَلِك لما كَانَ من عِنْد غير الله فَمن وجد خطأ فلينبه عَلَيْهِ مأجورا وَالْقَصْد المعاونة على الْخَيْر وفْق الله الْجَمِيع على مَا يحب ويرضى وَاعْلَم أَنِّي رَأَيْت المصنفين فِي علم العقيدة الدِّينِيَّة قد سلكوا مَسْلَك سَبِيل مصنفي كتب الْمذَاهب الَّتِي ينتصر فِيهَا المُصَنّف لمَذْهَب وَاحِد فِي الْقوي والضعيف والدقيق والجلي وَلم يسْلك أحد مِنْهُم مَسْلَك مصنفي كتب الْإِسْلَام الَّتِي تذكر فِيهَا مَذَاهِب أهل الْملَّة الإسلامية وَيُقَوِّي فِيهَا مَا قوته الدَّلَائِل البرهانية سَوَاء كَانَ لقريب أَو بعيد أَو صديق أَو بغيض وَكتب العقائد أَحَق بسلوك هَذَا المسلك من كتب الْفُرُوع فَأَما كَون الْحق فِيهَا

стр. 25

مَعَ وَاحِد فَصَحِيح وَلَكِن لَا يسْتَلْزم أَن يكون الصَّوَاب فِي جَمِيع الْمَوَاضِع المتفرقة قد اجْتمع لبَعض الْفرق إِلَّا مَا حصل فِيهِ أحد الاجماعات القاطعة من الْأَئِمَّة والعترة فَيجب التَّرْجِيح لَهُ والنصرة فاستخرت الله تَعَالَى وقصدت احياء هَذِه السّنة الْميتَة الَّتِي هِيَ ترك العصبية وَلذَلِك سميته إِيثَار الْحق على الْخلق جعله الله اسْما مُوَافقا لمسماه ولفظا مطابقا لمعناه وجدير أَن يكون فِيهِ مَا يسْتَدرك عَليّ فَإِن كل أسلوب ابتدئ لَا يكمل إِلَّا بمعاونة جمَاعَة وتتابعهم عَلَيْهِ وتكميل الْمُتَأَخر لما أهمل الْمُتَقَدّم وَلذَلِك كَانَت أَوَائِل كل علم وأسلوب قَليلَة أَو نَاقِصَة فليبسط الْعذر الْوَاقِف على مَا يسْتَدرك فِيهِ لما كَانَ أسلوبا غَرِيبا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الازمنة الْمُتَأَخِّرَة وَاعْلَم أَنه لَيْسَ بِصَرْف الاكثرين عَن هَذِه الطَّرِيقَة إِلَّا أحد أُمُور أَولهَا عدم الْحِرْص وَقُوَّة الدَّاعِي إِلَى هَذَا كَمَا تقدم مَبْسُوطا قَرِيبا فِي الْوَصْف الرَّابِع من صِفَات من تصنف لَهُم التصانيف وَثَانِيها الْخَوْف من شَرّ الأشرار مَعَ الترخيص فِي التقية باجماع الْأمة فقد أثنى الله على مُؤمن آل فِرْعَوْن مَعَ كتم إيمَانه وَسميت بِهِ سُورَة الْمُؤمن وَصَحَّ أَمر عمار بن يَاسر بذلك وَتَقْرِيره عَلَيْهِ وَنزلت فِيهِ ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ وَقد قيل من عرف الْخلق جدير أَن يتحامى وَلَكِن من عرف الْحق فعسير أَن يتعامى وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله وَثَالِثهَا خوف الشذوذ من الجماهير والإنفراد من الْمَشَاهِير وَهَذَا يحْتَاج إِلَى نظر فَإِن كَانَ جُمْهُور السّلف القدماء مَعَ القَوْل الشاذ الْمُتَأَخر فَلَا يبالى بذلك الشذوذ فقد شهِدت الْأَخْبَار الجمة الصَّحِيحَة بِأَن الدّين سيعود غَرِيبا كَمَا بَدَأَ وَكَذَلِكَ كَانَ الْحق فِي أَوَاخِر أهل الْكتاب فِي شذوذ من الصَّالِحين كَمَا شهد بذلك حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي حَتَّى قَالَت طَائِفَة إِن إِجْمَاع الْمُتَأَخِّرين لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا الْحجَّة إِجْمَاع الصَّحَابَة لما ورد فِي الْأَحَادِيث من ذمّ أهل الْمُتَأَخر حَكَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ وَإِن كَانَت الشُّهْرَة لِلْقَوْلِ فِي الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ لَا يعرف عَن أحد من السّلف أَو يذكر شذوذ عَن بَعضهم فهده عَن الْبدع وَإِيَّاهَا

стр. 26

فصل يَنْبَغِي من كل مُكَلّف أَن يطْرَح العصبية ويصحح النِّيَّة وَيسْتَعْمل النّظر بالفطرة الَّتِي فطر الله النَّاس عَلَيْهَا وَلَا يقدم عَلَيْهَا مَا لقنه أهل مذْهبه فَإِنَّهُ إِذا نظر كَذَلِك فِي كل أَمريْن متضادين فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ يجد تَرْجِيح الْحق مِنْهُمَا على الْبَاطِل بَينا لَا يدْفع مكشوفا لَا يتقنع فاقسم الْأُمُور أَولا إِلَى قسمَيْنِ قسم لَا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي الدّين الَّذِي تسئل عَنهُ فِي الْآخِرَة كعلم الْفلك ودقائقه وَعلم الطبائع وَعلم الطِّبّ وَعلم الفراسة الدَّالَّة على الْأَخْلَاق الْبَاطِنَة وَعلم النُّجُوم وَعلم السحر وَعلم الطلسمات وَعلم السيمياء وَعلم الكيمياء وَعلم الرياضة وَعلم الفلاحة وَعلم الهندسة وَعلم المرايا المحرقة وَعلم المساحة وَعلم الْهَيْئَة وَعلم الارصاد وَعلم الْحساب وَعلم الشّعْر وَعلم الْعرُوض وَعلم تجويد الْكِتَابَة وقوانينها وَعلم اللَّطِيف وَعلم الزيجات من الْفلك والتقاويم إِلَى سَائِر مَا ذكر من عُلُوم الأذكياء وَأهل الرياضات وَقد صنفت كتب فِي ذكر أعداد الْعُلُوم وأسمائها فبلغت مبلغا كثيرا وَمن أحسن من صنف فِي ذَلِك الشَّيْخ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن ساعد الْأنْصَارِيّ فانه صنف فِي ذَلِك كتابا مُفِيدا سَمَّاهُ ارشاد القاصد إِلَى أَسْنَى الْمَقَاصِد وَذكر من هَذِه الْفُنُون الَّتِي لم يرد الشَّرْع بِوُجُوب مَعْرفَتهَا وَلَا ندب إِلَيْهَا قدر أَرْبَعِينَ فَنًّا أَو تزيد من هَذِه الْعُلُوم وَإِنَّمَا أَشرت إِلَيْهَا ونبهتك عَلَيْهَا لتعرف سهولة مَا بَقِي عَلَيْك بعد تَركهَا وتيقن صدق قَول الله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وتحمد الْحَمد تَعَالَى على ذَلِك وأنفعها علم الطِّبّ وَعلم اللَّطِيف أما علم الطِّبّ فنفعه بَين لَكِن التَّوَكُّل أفضل مِنْهُ بِالنَّصِّ الْمُتَّفق على صِحَّته وَالْأَجْر فِي الْأَلَم

стр. 27

لمن صَبر عَظِيم وَأعظم مصائب الدُّنْيَا الْمَوْت والطب لَا يمْنَع مِنْهُ وَهُوَ مهون لما دونه كَمَا قيل فِي ذَلِك الْمَعْنى شعرًا (سَلِي عَن الْعَيْش أَنا لَا ندوم لَهُ ... وهون الْمَوْت مَا نلقى من الْعِلَل) لَكِن الصَّبْر قَلِيل فنسأل الله الْعَافِيَة وَلَا بَأْس بتَعَلُّم الْجَلِيّ من الطِّبّ وَأما علم اللَّطِيف فَهُوَ أساس علم الْكَلَام وَتَحْقِيق بعض فَوَائده يكْشف عوار كثير من الْبدع كَمَا تَأتي إِلَيْهِ الْإِشَارَة وَالْقسم الثَّانِي من الْعلم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الدّين وَهُوَ قِسْمَانِ قسم لم يخْتَلف فِي حسنه مثل النُّصُوص فِي الحَدِيث وَالْإِجْمَاع من تَفْسِير الْإِسْلَام وَالْإِيمَان الْوَاجِب على الْجَمِيع دون مَا عداهُ وَعلم الزّهْد بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ كتبه مِمَّا أجمع عَلَيْهِ دون مَا اخْتلف فِيهِ وَمن أنفس كتبه رياض الصَّالِحين للنووي لاقتصاره على الحَدِيث الْقوي وأنفس مِنْهُ التَّرْهِيب وَالتَّرْغِيب لِلْمُنْذِرِيِّ وَنَحْوهمَا من الْكتب الخالية من الْبدع فَهَذَا الْقسم الأول لَا نتعرض لذكره فِي هَذَا الْمُخْتَصر لعدم الاشكال فِيهِ وَإِنَّمَا نتعرض لإيضاح مَا فِيهِ اشكال بأقرب الطّرق أَو أبعدها من الشّبَه وَمن هَذَا الْقسم كتب الْفُرُوع الَّتِي كل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب أَو مأجور وَكتب الْعَرَبيَّة وَنَحْو ذَلِك إِذْ لَا يُمكن رفع الإختلاف فِيمَا اخْتلف فِي مثله مُوسَى وَالْخضر وَسليمَان وَدَاوُد واختصم فِي مثله الْمَلأ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ مُرَاد الله بِالْإِجْمَاع وَالْقسم الثَّانِي الْمُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا تخَاف مضرته فِي الْآخِرَة فَمَا كَانَ لَا يجب شرعا

стр. 28

الْخَوْض فِيهِ مَعَ عظم الْخطر فِي الْخَوْض فِيهِ فَاضْرب عَنهُ وطالب من دعَاك إِلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح على الْوُجُوب وَأعْرض مَا أورد عَلَيْك فِيهِ من الْأَدِلَّة على النصحاء والأذكياء من الْعلمَاء حَتَّى تعرف الْوُجُوب يَقِينا من غير تَقْلِيد ثمَّ حرر النِّيَّة الصَّحِيحَة بعد ذَلِك فِي معرفَة الْحق وَمَا أوجب الله مَعْرفَته طَاعَة لله لَا لمباهاة وَلَا مراآة وَلَا مماراة ثمَّ اسْتَعِنْ بِاللَّه واستغث بِهِ وَانْظُر فِي الخلوات خالطا للنَّظَر بِالدُّعَاءِ والتضرع والاستعاذة من الْفِتَن فَإنَّك ترى بذلك من العون والسهولة مَا وعد الله بِهِ الداعين لَهُ الراجعين إِلَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى إِذا أوجب أمرا أعَان عَلَيْهِ من أَرَادَ الْأَدِلَّة بنية صَحِيحَة كَمَا ثَبت عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ وَإنَّهُ قَالَ لَو صَبَرُوا عَلَيْهَا لطوقوها فَلَمَّا نقص من تكليفهم نقص من صبرهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَله شَوَاهِد وَالْعقل يشْهد لذَلِك أَيْضا وَمِنْه كَلَام معَاذ ﵁ حِين احْتضرَ رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْفِتَن عَن يزِيد بن عميرَة عَنهُ وَسَيَأْتِي وَلَا تستعن فِي ذَلِك إِلَّا بِمن يوثق بورعه ونصحه وتقواه وَمَا أقلهم وَلَكِن أستعن بِالنّظرِ فِي تآليف الْعلمَاء الحافلة الجامعة لأدلة الْفرق فَإِن لم تَجِد كتابا كافلا جَامعا لأدلة الْفرق طالعت الْمَسْأَلَة فِي كتب الْفرق وَرَأَيْت حجَّة كل فرقة فِي كتبهمْ لَا فِي كتب خصومهم الَّذين يسمون أَدِلَّة من خالفهم شبها ويوردونها غير مستوفاة ويجيبون عَنْهَا بأجوبة مُحْتَملَة للنقض وَلَا يذكرُونَ مَا يرد على أجوبتهم وَهَذَا عِنْد الإضطرار إِلَى ذَلِك وَمن الْقَوَاعِد المقربة لَك إِلَى النجَاة أَن تنظر كل قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين يخَاف الْكفْر وَالْعَذَاب الأخروي فِي أَحدهمَا دون الآخر فابعد عَنهُ واحذره أَلا تراك تخَاف الْكفْر فِي جحد الْعُلُوم لَا فِي ثُبُوتهَا وَفِي جحد الرب لَا فِي الْإِيمَان وَفِي جحد النبوات لَا فِي إِثْبَاتهَا وَفِي التَّفْرِيق بَين الرُّسُل كَمَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا فِي الْإِيمَان بجميعهم وَفِي عدم الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة لِأَن خلاف السّمع الْمَعْلُوم كفر اجماعا لَا فِي خلاف الْعقل الْمَعْلُوم لِأَنَّهُ لَيْسَ كفرا بِالْإِجْمَاع فاعرف هَذِه الْقَاعِدَة وَاعْلَم أَن الْفطْرَة الَّتِي خلق الله لَك تدْرك الْقوي من الضَّعِيف فِي تِلْكَ

стр. 29

المباحث وَإِن كثرت إِلَّا مَا دق وغمض جدا كَمَا أَن عَيْنك المبصرة تدْرك جَمِيع المبصرات وَإِن كثرت فَمَا دق على فطرتك فِي الْعُلُوم تركته لَا سِيمَا مَعَ دقته الشّبَه الْمُعَارضَة لَهُ وَلم تكلّف فِيهِ مَا لم تعلم مثل مَا إِن دق على بَصرك من المرئيات تركته كبعض الْأَهِلّة فِي أَوَائِل الشُّهُور سِيمَا مَعَ القتر والغيم الْبَاب الأول إِثْبَات الْعُلُوم فَأول شَيْء اخْتلف الْخلق فِيهِ اثبات الْعُلُوم فِي الْجُمْلَة عقلا مَعَ اجْتِمَاع الشَّرَائِع على ثُبُوتهَا فَانْظُر هَل يخفي عَلَيْك الصَّوَاب فِي ذَلِك فَإِن طوائف من الفلاسفة والاتحادية من الصُّوفِيَّة أَنْكَرُوا صِحَة الْعُلُوم أما الفلاسفة فَرَأَوْا الْبَصَر الصَّحِيح يُخطئ لعوارض نادرة فِي مَوَاضِع كرؤية النَّجْم سَاكِنا وَهُوَ يَتَحَرَّك قطعا بِدَلِيل انْتِقَاله وَكَذَلِكَ رُؤْيَة الظل سَاكِنا ورؤية الْمُسْتَقيم فِي المَاء أَعْوَج ورؤية الْأَحول الْوَاحِد اثْنَيْنِ ورؤية الْقَائِم فَوق المَاء منكوسا فِي المَاء ورؤية السحر وَالنَّوْم والكشف وَالْمَرَض وَإِن كَانَ فِي رُؤْيَة النّوم والكشف صَحِيح وباطل وَالصَّحِيح مِنْهُمَا قد يحْتَاج التَّأْوِيل وَلَا يكون على ظَاهره بِكُل حَال وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ فَالَّذِينَ قصدُوا قتل عِيسَى ﵇ رَأَوْا مثله فاعتقدوا أَنه هُوَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ يريكموهم إِذْ التقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَالْجَوَاب أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَن هَذِه الْأَشْيَاء كَانَت لعوارض تخْتَص بِهَذِهِ الْمَوَاضِع وَنَحْوهَا وَلَا يقْدَح ذَلِك فِي جملَة الرُّؤْيَة وجميعها وَلَا يُمكن أَن نشك لذَلِك فِي وجودنا وَوُجُود الْعَالم وشروق النيرات وَإِنَّهَا تجْرِي فَوْقنَا وتضيئنا وَإِن الْأَعْمَى فَاقِد لهَذِهِ النِّعْمَة والأليم مُخَالف للمعافى وَلَا يُمكن دفع شبههم إِلَّا بوجدان هَذَا الْعلم الْمَخْلُوق فِينَا نعْمَة علينا من الله لَا بتحرير دَلِيل لِأَن الدَّلِيل إِنَّمَا يصبح بعد تَسْلِيم الْعُلُوم الضرورية بل نقُول

стр. 30

لَيْسَ الْجُنُون أَكثر من اصغائنا إِلَى ذَلِك فَلَو قَالَ أحد مَا يؤمني أَن يقظتي هَذِه نوم أَو سحر أَو كشف أَو أَن وَالِدي وداري وأرضي شبهت لي وَأَن طَعَامي وشرابي سموم قتالة لَكَانَ إِلَى أَن يكوى ويقيد أحْوج مِنْهُ إِلَى أَن يناظر ويجادل فَإِذا عرفت هَذَا بالفطرة مَعَ اعتضادها بِالْقُرْآنِ وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَتَوا من شدَّة النّظر والتدقيق فِيمَا لَا تعرفه الْعُقُول لِأَن دوَام الفكرة فِي المحاورات يضعف الْفَهم ويمرض صَحِيحه وَمن أَمْثِلَة ذَلِك المجربة بِالضَّرُورَةِ كَثْرَة الشَّك فِي النِّيَّة وَالطَّهَارَة فَإِنَّهُ قد أورث الوسواس الْفَاحِش مَعَ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء الْفُضَلَاء كالشيخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد مِمَّن بلغ الْمرتبَة الْكُبْرَى فِي الْعُلُوم وَقد رَأينَا من أدركنا من كبار أهل الْعلم وَالصَّلَاح من لَا ينْتَفع بذلك بِالْمُشَاهَدَةِ وَشك فِي الضَّرُورَة وَذَلِكَ مُسْتَمر فِي الْعُقَلَاء وَهُوَ عِبْرَة للنظار فَإِن الوسواس إِذا بلغ هَذَا الْمبلغ عِنْد الإصغاء إِلَيْهِ فِيمَا لَا شكّ فِيهِ فَكيف بِمن أصغى إِلَيْهِ فِيمَا يشك فِي مثله وَمَا أحسن قَول الْقَاسِم ﵇ فِي مثل هَذَا دَوَاء الشَّك الْمُرُور عَلَيْهِ وَلذَلِك ورد فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته الْأَمر بالإستعاذة من الشَّيْطَان عِنْد حُضُور الوسواس أَو سَمَاعه سَمَاعا من بعض النَّاس وَهَذَا الحَدِيث مُنَاسِب لقَوْل الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض فِيمَا حَكَاهُ الله عَنْهُم فِي كِتَابه الْكَرِيم وَأما الاتحادية المدعون للتصوف وَلَيْسَ هم مِنْهُ فِي شَيْء فهم الَّذين قَالُوا إِن المكاشفة قد دلّت على صِحَة الْمحَال وَهَذَا غَايَة التغقيل والضلال إِن صَحَّ عَن أحد فانه يُقَال لَهُم إِن كَانَ كذب المكاشفة محالا فقد دلّت على صِحَّته فَيصح أَن تكون كَاذِبَة وَإِذا صَحَّ كذبهَا لم يوثق بهَا وَإِن كَانَ كذبهَا مُمكنا لم يوثق بهَا وَلم يَصح لَهَا اسْم الدّلَالَة فَثَبت أَنه لَوْلَا امْتنَاع

стр. 31

الْمحَال مَا صَحَّ سمع وَلَا عقل وَلَا كشف وَلَا نظر وَلَا علم شَيْء أَلْبَتَّة وَكَأن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لم يفرقُوا بَين المحارة والمحال فَأَما من عرف مَا هُوَ الْمحَال وَجوزهُ لم يَصح مِنْهُ بعد ذَلِك دَعْوَى أَنه محق وَأَن خَصمه مُبْطل أبدا لِأَنَّهُ لَا يمْنَع من كَون المحق مُبْطلًا والمبطل محقا والتوحيد شركا والشرك توحيدا إِلَّا كَون ذَلِك محالا والمحال لَا يَقع أَلْبَتَّة فَمن فتح بَاب تَجْوِيز الْمحَال لم يمْتَنع شَيْء من ذَلِك وانسد بَاب الانكار على كل كَافِر وجاحد وَلم يبْق فرق بَين أعرف العارفين وأجن المجانين فيا عجبا كَيفَ يَدعِي مثل هَؤُلَاءِ مَرَاتِب العارفين وَلَا تغني عَنْهُم دَعْوَى دقة التَّفْرِقَة بَين الْعلم وَالظَّن فَإِن الْفرق بَينهمَا فِي الضروريات ضَرُورِيّ بل من الضَّرُورَة انقسام جَمِيع مَا يُمكن الْخَبَر عَنهُ والاعتقاد لَهُ إِلَى مَا جمع الْجَزْم والمطابقة والثبات عِنْد التشكيك وَإِلَى مَا لم يجمعها فالجامع لَهَا هُوَ الْعلم وَإِن اخْتَلَّ الثَّبَات فاعتقاد مقلد المحق أَو الْمُطَابقَة فالاعتقاد الْفَاسِد أَو الْجَزْم فَمَعَ الاسْتوَاء الشَّك وَمَعَ الرجحان الرَّاجِح الظَّن والمرجوح الْوَهم فَعلمت كلهَا بِالضَّرُورَةِ وَإِن اخْتلفت الْعبارَات عَنْهَا فَإِن اخْتِلَاف اللُّغَات والعبارات لَا يحِيل الْمعَانِي خَاتِمَة الْمُقدمَة وَاعْلَم أَن منكري الْعُلُوم لم ينازعوا فِي حسن الْعَمَل بهَا بل وَلَا فِي وُجُوبه فَإِنَّهُم انتفعوا بالابصار وتوقوا بِسَبَبِهَا الْوُقُوع فِي المَاء وَالنَّار وَسَائِر المهلكات والأخطار وَمن عجائب مَا يرْوى عَنْهُم أَن بَعضهم صنف كتابا فِي نفي الْعُلُوم وَمَات لَهُ ولد قد قَارب الْحلم فَقَالَ إِنَّه إِنَّمَا أَسف لمَوْت وَلَده قبل أَن يقْرَأ كِتَابه فِي نفي الْعُلُوم فَقيل لَهُ وَمَا يدْريك أَنه كَانَ لَك ولد وَأَنه مَاتَ وَأَنه لم يقْرَأ وَإنَّك مَوْجُود وَإنَّك صنفت كتابا فَلم يدر مَا يَقُول وَمن سخف هَؤُلَاءِ لم يذكر الله سُبْحَانَهُ الرَّد عَلَيْهِم فِي كِتَابه وَلَا رسله صلوَات الله عَلَيْهِم وَإِنَّمَا قدمت ذكرهم عِبْرَة لَك حَتَّى لَا تحتفل بِوُجُود الْمُخَالفين للحق الْجَلِيّ وتظن أَنه لَو كَانَ حَقًا جليا لم يُمكن أَن يكون فِيهِ مُخَالف عَاقل بل مُدع لمرتبة الْكَمَال فِي الاسلام كنفاة جَمِيع الْعُلُوم

стр. 32

والأدلة عقلا وسمعا إِلَّا من طَرِيق الْكَشْف ونفاة وجوب الرب والخلق إِلَّا الْوُجُود الْمُطلق الَّذِي هُوَ ذَات الْأَحَد والحضرة الأحدية عِنْدهم وَمَا عداهُ من مَرَاتِب وجود الله وأسمائه الْحسنى كلهَا وَهِي الحضرة الواحدية عِنْدهم وَوُجُود خلقه ملائكتهم ورسلهم وكتبهم وجنهم وانسهم وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة كل ذَلِك خيال لَا حَقِيقَة لَهُ أبدا مَا عدا الْوُجُود الْمُطلق الَّذِي هُوَ الْأَحَد والحضرة الأحدية عِنْدهم هُوَ عدم مَحْض لَا وجود لَهُ إِلَّا فِي اللَّفْظ والذهن عِنْد سَائِر الْمُحَقِّقين من الْعُقَلَاء فَهُوَ الْمَوْجُود على الْحَقِيقَة عِنْدهم وكل مَوْجُود عِنْدهم مَا عداهُ خيال مِنْهُ كطيف الاحلام لَكِن أحب أَن يرى نَفسه فِيهِ وَنسبَة كل شَيْء إِلَيْهِ نِسْبَة صُورَة دحْيَة إِلَى جِبْرِيل فَهُوَ هُوَ من وَجه وَمَا هُوَ هُوَ من وَجه فَكَذَلِك فَلْيَكُن الضلال الْمُبين وَكفى فِي بَيَان ضلالهم فرقهم بَين الاحد وَالْوَاحد وَبَين الْأَحَد وَبَين الله وَلُزُوم قَوْلهم لإلهين اثْنَيْنِ أحد حَقِيقِيّ وَوَاحِد خيالي وَلم يذكر هَؤُلَاءِ الْغَزالِيّ فِي الرَّد على الاتحادية فِي الْمَقْصد الاسنى لتأخر حُدُوث ضلالهم الْفَاحِش نَعُوذ بِاللَّه من الْغرُور فَإِذا تقرر أَن اثبات الْعُلُوم هُوَ الْحق والاحوط وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّرَائِع وَالْفطر وَعمل الْخلق وان الِاضْطِرَار إِلَيْهِ وَإِلَى الْعَمَل بِهِ حَاصِل وَإنَّهُ لَا خطر فِي الْعَمَل بِهَذِهِ الْعُلُوم عِنْد جاحدها أَيْضا ثَبت أَن الْعَمَل بهَا نهج السَّلامَة بِغَيْر شكّ وَلَا خلاف فَهَذَا أولى خلاف تخلصت مِنْهُ بِطيبَة نفس وَأول حق وَاجِب ظَفرت بمعرفته لِأَن مُخَالف الْحق هُنَا يكفر بانكار جَمِيع المعارف الدِّينِيَّة الْمُتَعَلّقَة بِالْقطعِ باثبات الربوبية والنبوات والشرائع الْوَاجِبَات وَهَذَا أَيْضا أول كفر نجوت برحمة الله مِنْهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَبعد ثُبُوت الْعلم نذْكر شَيْئا من صَحِيح فضائله وَالتَّرْغِيب فِيهِ

стр. 33

فصل من فَضَائِل الْعلم النافع وَأَهله فَمن الْعقل أصل النجَاة والسعادة إِذْ هُوَ الدَّاعِي إِلَى أَسبَاب الْخَيْر الصَّارِف عَن أَسبَاب الشَّرّ وَمن خَصَائِصه اجماع الْعُقَلَاء والملل والنحل على فَضله وَإنَّهُ تمدح بِهِ الْخَالِق سُبْحَانَهُ وَأَنه سُبْحَانَهُ مدح عباده بِمَا وهب لَهُم مِنْهُ وَفضل آدم ﵇ بِعلم الاسماء على الْمَلَائِكَة وَاخْتَارَ تفضيله بِهِ على تفضيله بِالْعَمَلِ بكشف الشُّبْهَة عَن مَلَائكَته وإيضاح الْحجَّة عَلَيْهِم وَلم يزهد فِيهِ بل قَالَ لأعْلم خلقه ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ وَحَتَّى فضل الْكلاب المعلمة على غَيرهَا فأحل صيدها وَهُوَ الَّذِي صال بِهِ الهدهد على سُلَيْمَان ﵇ مَعَ عَظِيم ملكه وقويت حجَّته مَعَ ضعفه وحقارته حَيْثُ قَالَ ﴿أحطت بِمَا لم تحط بِهِ وجئتك من سبإ بنبإ يَقِين﴾ وَمن أعظم فضائله القرآنية تَعْلِيل خلق الْعَالم بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله الَّذِي خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما﴾ ثمَّ تَعْلِيل الْبَعْث فِي الدَّار الْآخِرَة بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وليعلم الَّذين كفرُوا أَنهم كَانُوا كاذبين﴾ وَلذَلِك ذمّ الله من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿وليعلم الَّذين أُوتُوا الْعلم أَنه الْحق من رَبك فيؤمنوا بِهِ فتخبت لَهُ قُلُوبهم﴾ وَقَالَ ﴿ويعبدون من دون الله مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ علم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا دَاوُد وَسليمَان علما وَقَالا الْحَمد لله الَّذِي فضلنَا على كثير من عباده الْمُؤمنِينَ وَورث سُلَيْمَان دَاوُد وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس علمنَا منطق الطير وأوتينا من كل شَيْء إِن هَذَا لَهو الْفضل الْمُبين﴾

стр. 34

) وَمِنْه ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة﴾ وَمِنْه قصَّة مُوسَى مَعَ الْخضر وَقَوله على أَن تعلمن ورحلته إِلَيْهِ فِي نَافِلَة الْعلم وعزمه على أَن يمْضِي حقبا فِي طلب نافلته والحقب ثَمَانُون سنة وَذَلِكَ يشْهد بِصِحَّة حَدِيث عبد الله ابْن عمر مَرْفُوعا الْعلم ثَلَاثَة وَمَا سوى ذَلِك فَهُوَ فضل الحَدِيث خرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَمِنْه ﴿قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب﴾ وَمِنْه ﴿وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا﴾ وَمِنْه ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾ وَمِنْه ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ وَمِنْه ﴿ألم نشرح لَك صدرك﴾ وَمِنْه ﴿فاذكروا الله كَمَا علمكُم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ وَمِنْه تَشْبِيه الْعَالم بالحي والنور وَالْجَاهِل بِالْمَيتِ والظلمات وَمِنْه ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَمِنْه ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَمِنْه ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ وَمِنْه ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ وَمِنْه ﴿فبشرناه بِغُلَام حَلِيم﴾ وَمِنْه ﴿قَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم إِن الخزي الْيَوْم وَالسوء على الْكَافرين﴾ وَمِنْه ﴿وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين﴾ وَمِنْه ﴿وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾ وَمِنْه ﴿وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾

стр. 35

) وَمِنْه ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعلمُونَ﴾ وَمِنْه ﴿بل أَنْتُم قوم تجهلون﴾ وَشرف الشَّيْء يُؤْخَذ من خساسة ضِدّه وَمِنْه فِي مُوسَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ وَمِنْه ﴿كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَمِنْه ﴿وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم الَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك هُوَ الْحق وَيهْدِي إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ وَمِنْه ﴿وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم﴾ وَمِنْه ﴿وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ وَمِنْه ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ وَمِنْه قَول أهل النَّار ﴿لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ وَمِنْه ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا﴾ الْآيَة إِلَى قَوْله هم الغافلون وَمِنْه ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾ وَمِنْه ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ وَقَالَ حِكَايَة عَن ابراهيم واسماعيل ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة ويزكيهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَهَذِهِ نَيف وَأَرْبَعُونَ آيَة من مُحكم كتاب الله تَعَالَى مَعَ مَا فِي السّنة من ذَلِك فنسأل الله تَعَالَى أَن يجعلنا من أوفر عباده حظا من جَمِيع مواهبه فِي الْعلم وَالْعَمَل وَهَذَا كُله فِي الْعلم أَنه هُوَ الْملك الْوَهَّاب الْمُعْطِي من يَشَاء بِغَيْر

стр. 36

حِسَاب وَهَذَا كُله فِي الْعلم النافع دون غَيره كَمَا تقدم بَيَانه بِالْحجَّةِ وَالْحجّة على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة والمعقول الْبَاب الثَّانِي فِي اثبات الطّرق إِلَى الله تَعَالَى (وَبَيَان أجلاها وأوضحها على سَبِيل الاجمال) اعْلَم أَن هَذَا من أوضح المعارف الَّتِي دلّت عَلَيْهَا الْفطْرَة الَّتِي خلق الْخلق عَلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ كثير من الْعُقَلَاء وَالْعُلَمَاء والأولياء أَنه ضَرُورِيّ لَا يحْتَاج إِلَى نظر وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى تذكر يوقظ من سنة الْغَفْلَة كتذكر الْمَوْت الَّذِي تقع الْغَفْلَة عَنهُ وَهُوَ ضَرُورِيّ حَتَّى قَالَ الله تَعَالَى فِي مُخَاطبَة الْعُقَلَاء ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون﴾ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآن الْحَكِيم حَيْثُ حكى الله عَن الرُّسُل الْكِرَام قَوْلهم ﴿أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقد تقدم قَول عَليّ ﵇ فِي ذَلِك الَّذِي شهد لَهُ أَعْلَام الْوُجُود على اقرار قلب ذِي الْجُحُود وَذكر شرح ابْن أبي الْحَدِيد لذَلِك وتجويده وَقد بسطت أَدِلَّة من قَالَ بذلك وَمَا يرد عَلَيْهِم وَمَا يجيبون بِهِ فِي العواصم وَلذَلِك شَذَّ الْمُخَالف هُنَا وَلم يكد الْخلاف فِي حَاجَة الْعَالم إِلَى مُؤثر وَإِنَّمَا اشْتَدَّ الْخلاف فِي صِفَات ذَلِك الْمُؤثر وَنقل الرَّازِيّ عَن الفلاسفة اعترافهم أَن خوضهم فِي الالهيات بِالظَّنِّ دون الْعلم وَاعْلَم أَن هَذَا الْخلاف الشاذ الْمُسْتَند إِلَى الظَّن باعتراف أَهله إِنَّمَا وَقع مَعَ شذوذه لأَنهم نظرُوا فِي معرفَة الرب ﷻ من الْوَجْه الَّذِي بطن مِنْهُ وَلم ينْظرُوا فِي مَعْرفَته من الْوَجْه الَّذِي ظهر مِنْهُ وَذَلِكَ أَنه سُبْحَانَهُ قد تسمى بِالظَّاهِرِ وَتسَمى بالباطن وَثَبت هَذَا فِي كِتَابه الْكَرِيم فَثَبت أَن لَهُ جِهَة يظْهر مِنْهَا وجهة يبطن مِنْهَا لتبقى حكمته فِي قَوْله ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقَوله فِي السَّاعَة ﴿أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى﴾ فَمن نظر فِي مَعْرفَته من الْجِهَة الَّتِي يظْهر مِنْهَا ترادفت مواد

стр. 37

مَعْرفَته وَكَانَت نورا على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء كَمَا وصف الله نور هدايته بِكَثْرَة الْموَاد فِي سُورَة النُّور وَمن نظر فِي مَعْرفَته من غير هَذِه الطَّرِيق كَانَ كمن ضل الطَّرِيق واجتهد فِي السّير بعد الضلال فَلَا يزَال يزْدَاد بعدا بسيره فِي غير طَرِيق على أَنه يحْتَمل أَن الْمَعْنى فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَنه هُوَ الْحق فيهمَا مَعًا لَا أَحدهمَا كَمَا قد يكون بعض الْأُمُور حَقًا فِي الْبَاطِن وَلَا حجَّة عَلَيْهِ ظَاهِرَة فَيكون على هَذَا الْوَجْه فِي معنى الْملك الْحق الْمُبين وَيكون ذَلِك أعظم فِي قطع أعذار المعاندين وَالله أعلم والطرق إِلَى الله تَعَالَى كَثِيرَة جدا وَلَكنَّا نقتصر مِنْهَا على أَصَحهَا وأجلاها وأوضحها وأشفاها حَتَّى نَأْمَن بالسلوك فِيهَا من الضلال فِي الطّرق الَّتِي تبعد السائر فِيهَا عَن مَقْصُوده وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَإِلَى تِلْكَ الطّرق الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ وَقد يكون فِيهَا مَا يسْتَلْزم رد كثير من الشَّرَائِع فَنَقُول الْبَاب الثَّالِث فِي بَيَان شَيْء من طرق معرفَة الله تَعَالَى على مناهج الرُّسُل وَالسَّلَف على جِهَة التَّفْصِيل للاجمال الْمُتَقَدّم فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا فلنذكر اشارة لَطِيفَة على قدر هَذَا الْمُخْتَصر إِلَى ثَلَاث دلالات دلَالَة الانفس وَدلَالَة الْآفَاق وَدلَالَة المعجزات وَكلهَا دلّ عَلَيْهَا الْقُرْآن الَّذِي وَصفه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ يهدي للَّتِي هِيَ أقوم أما دلَالَة الانفس فَإِنَّهَا بليغة قَالَ الله تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره﴾ الْآيَات وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَقَالَ ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم﴾ الْآيَة وأبسط آيَة فِي ذَلِك آيَة الْحَج

стр. 38

﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة﴾ الْآيَات إِلَى قَوْله ﴿ذَلِك بِأَن الله هُوَ الْحق﴾ إِلَى ﴿وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور﴾ وأبطل شُبْهَة الطبائعية بقوله من تُرَاب لِأَن آدم أَبُو الْبشر وأصلهم بالتواتر الضَّرُورِيّ لَا أَب لَهُ وَلَا أم فلزمت الْحجَّة وَبَانَتْ ووضحت وَللَّه الْحَمد وَالثنَاء والْمنَّة وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ من قَوْله ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَقَالَ ﴿أَو لم ير الْإِنْسَان أَنا خلقناه من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه﴾ وَمن ثمَّ قيل فكرك فِيك يَكْفِيك وَقد جمع الله تَعَالَى ذكر دلالتي النُّفُوس والآفاق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق﴾ وَذَلِكَ أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ وجودنا أَحيَاء قَادِرين عَالمين ناطقين سَامِعين مبصرين مدركين بعد أَن لم نَكُنْ شَيْئا وَأَن أول وجودنا كَانَ نُطْفَة قذرة مستوية الْأَجْزَاء والطبيعة غَايَة الاسْتوَاء بِحَيْثُ يمْتَنع فِي عقل كل عَاقل أَن يكون مِنْهَا بِغَيْر صانع حَكِيم مَا يخْتَلف أجناسا وأنواعا وأشخاصا أما الْأَجْنَاس فَكَمَا نبه عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ وَأما الْأَنْوَاع فنبه عَلَيْهَا بقوله ﴿ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كَانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ وَمِنْه ﴿ثمَّ سواك رجلا﴾ وَأما الْأَشْخَاص فبقوله تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ الْآيَات

стр. 39

وَبَيَانه أَنه خلق من نُطْفَة فقدره مستوية الطبيعة فَكيف يكون مِنْهَا مَا يبصر وَمِنْهَا مَا يسمع وَمِنْهَا مَا يطعم وَمِنْهَا مَا يشم وَمِنْهَا الصلب وَمِنْهَا الرخو وَمِنْهُم من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ وَمِنْهُم من يمشي على أَربع كَمَا نبه الله عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْكَرِيم ونعلم أَنَّهَا قد تَغَيَّرت بِنَا الْأَحْوَال وتنقلت بِنَا الأطوار تنقلا عجيبا فَكُنَّا نطفا ثمَّ علقا ثمَّ مضغا ثمَّ لَحْمًا ودما ثمَّ عظاما صلبة مُتَفَرِّقَة فِي ذَلِك اللَّحْم وَالدَّم تقويهما وعصبا رابطة بَين تِلْكَ الْعِظَام صَالِحَة لذَلِك الرَّبْط مِمَّا فِيهَا من الْقُوَّة والمتانة ثمَّ تركب من ذَلِك آلَات وحواس حَيَّة مُوَافقَة للْمصَالح مَعَ ضيق ذَلِك الْمَكَان وَشدَّة ظلمته وَإِلَى ذَلِك الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق فِي ظلمات ثَلَاث ذَلِكُم الله ربكُم لَهُ الْملك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تصرفون﴾ والظلمات الثَّلَاث ظلمَة الْبَطن وظلمة المشيمة وظلمة الرَّحِم ثمَّ انْظُر إِلَى مَوضِع الْعَينَيْنِ مَا أشبهه بهما بَعيدا مِمَّا يؤذيها مرتفعا للتمكن من إِدْرَاك المبصرات فِي الْوَجْه الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى تَغْطِيَة باللباس من الْجمال البديع فيهمَا وَفِي جفونهما وَلَو كَانَا فِي الرَّأْس أَو فِي الظّهْر أَو فِي الْبَطن أَو غير ذَلِك مَا تمت الْحِكْمَة وَلَا النِّعْمَة بهما وَكَذَلِكَ كل عُضْو فِي مَكَانَهُ وَانْظُر إِلَى ستر القذر الَّذِي فِي الْبَطن بالسواتر الْعَظِيمَة بِحَيْثُ لَا يحس لَهُ حس وَلَا يظْهر لَهُ ريح وَلَا يخرج إِلَّا باختيارنا فِي مَوضِع خَال وَإِن من عَجِيب صنع الله تَعَالَى استمساك الْبَوْل فِي حَال الْغَفْلَة بل فِي حَال النّوم حَتَّى نَخْتَار خُرُوجه وَنرْضى بِهِ من غير رِبَاط وَلَا سداد فِي مجْرَاه وَلَا مَانع محسوس فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ثمَّ حياتنا فِي بطُون الْأُمَّهَات من غير نفس وَلَو كَانَ ثمَّ نفس لَكَانَ ثمَّ صَوت وَلَو غم أَحَدنَا بعد الْخُرُوج سَاعَة لمات بل كَثِيرُونَ يموتون فِي المدافن المتخذة للحبوب مَعَ سعتها ثمَّ خروجنا من ذَلِك الْموضع الضّيق من غير اخْتِيَار من الْمَوْلُود والوالدة وَهُوَ فعل مُحكم صَعب لابد لَهُ من فَاعل مُخْتَار وَعدم الْمَوْت لشدَّة الضغطة عِنْد الْخُرُوج وسلامة الْوَلَد وَأمه من الْمَوْت فِي ذَلِك من آيَات الله كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آيَة الْحَج فِي ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾

стр. 40

ثمَّ احداث اللَّبن فِي ثدي الْأُم من يَوْمئِذٍ من بَين قرث وَدم وتربية الْمَوْلُود وفهمه للغة أَهله مَا كَانَت فصيحة عَرَبِيَّة أَو عبرية عجمية مَعَ كَثْرَة قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وَكَثْرَة اخْتِلَاف عوامل الاعراب والعاقل الْمُمَيز يقف أَضْعَاف تِلْكَ الْمدَّة بَين الْعَرَب والعجم فَلَا يعرف من ذَلِك مَا عرف الصَّغِير وَلَا يدْرِي مَا يَقُولُونَ بِمُجَرَّد المخالطة كالطفل الَّذِي لَا عقل لَهُ وَلَا تَمْيِيز وَكَذَلِكَ العجمي بَين الْعَرَب ثمَّ يترقى إِلَى حَال التَّمْيِيز وتتعاقب عَلَيْهِ الْأَحْوَال من الصغر وَالْكبر والضعف وَالْقُوَّة والشباب والشيب وَالْعقل والذكاء والبلادة وَالْمَرَض وَالصِّحَّة والشهوة والنفرة والدواعي والصوارف والعسر واليسر والغنى والفقر وضده من غير اخْتِيَار مِنْهُ فِي شَيْء من ذَلِك فلابد لهَذِهِ التغيرات من مغير قَادر عليم مُدبر حَكِيم وَقد صنفت فِي هَذَا الْمَعْنى كتب علم التشريح وَبَيَان كَيْفيَّة الْخلقَة وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي الْوُقُوف عَلَيْهِ أَو على شَيْء مِنْهُ وَقد نقل ابْن الْجَوْزِيّ مِنْهُ جملَة شافية فِي أول كِتَابه لقط الْمَنَافِع فِي الطِّبّ فليطالع فِيهِ فَلَو جَازَ أَن يكون مثل هَذَا بِغَيْر صانع لجَاز أَن تصح لنا دور معمورة أَو مصاحف مَكْتُوبَة أَو ثِيَاب محوكة أَو حلى مصوغة بِغَيْر بَان وَلَا كَاتب وَلَا حائك وَلَا صائغ فَمَا خص خير الْخَالِقِينَ بَان يكفر وَلَا يدل عَلَيْهِ أثر صَنعته العجيبة وخلقته البديعة وَلَو كَانَ هَذَا الْأَثر للطبع كَمَا قَالَ كثير من الفلاسفة لَكَانَ أثرا وَاحِدًا كَمَا لَو جمدت النُّطْفَة بطبع الْبرد أَو ذَابَتْ أَو أنتنت قَالَ الامام الْمُؤَيد بِاللَّه فِي الزِّيَادَات أَن الطَّبْع ان سلمنَا وجوده لَا يحصل بِهِ الشَّيْء على قدر الْحَاجة وَإِنَّمَا يكون بِمِقْدَار قوته وَضَعفه أَلا ترى أَن النَّار تحرق لَا على قدر الْحَاجة بل على قدر قوتها وتنقص عَن الْحَاجة إِذا ضعفت وَكَذَلِكَ المَاء الْجَارِي والحكيم يجريه ويقطعه على قدر الْحَاجة اه كَلَامه وَفِيه تَنْبِيه حسن على الْفرق الْجَلِيّ
следующие страницы →