← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حِسَاب وَهَذَا كُله فِي الْعلم النافع دون غَيره كَمَا تقدم بَيَانه بِالْحجَّةِ وَالْحجّة على ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة والمعقول الْبَاب الثَّانِي فِي اثبات الطّرق إِلَى الله تَعَالَى (وَبَيَان أجلاها وأوضحها على سَبِيل الاجمال) اعْلَم أَن هَذَا من أوضح المعارف الَّتِي دلّت عَلَيْهَا الْفطْرَة الَّتِي خلق الْخلق عَلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ كثير من الْعُقَلَاء وَالْعُلَمَاء والأولياء أَنه ضَرُورِيّ لَا يحْتَاج إِلَى نظر وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى تذكر يوقظ من سنة الْغَفْلَة كتذكر الْمَوْت الَّذِي تقع الْغَفْلَة عَنهُ وَهُوَ ضَرُورِيّ حَتَّى قَالَ الله تَعَالَى فِي مُخَاطبَة الْعُقَلَاء ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون﴾ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآن الْحَكِيم حَيْثُ حكى الله عَن الرُّسُل الْكِرَام قَوْلهم ﴿أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقد تقدم قَول عَليّ ﵇ فِي ذَلِك الَّذِي شهد لَهُ أَعْلَام الْوُجُود على اقرار قلب ذِي الْجُحُود وَذكر شرح ابْن أبي الْحَدِيد لذَلِك وتجويده وَقد بسطت أَدِلَّة من قَالَ بذلك وَمَا يرد عَلَيْهِم وَمَا يجيبون بِهِ فِي العواصم وَلذَلِك شَذَّ الْمُخَالف هُنَا وَلم يكد الْخلاف فِي حَاجَة الْعَالم إِلَى مُؤثر وَإِنَّمَا اشْتَدَّ الْخلاف فِي صِفَات ذَلِك الْمُؤثر وَنقل الرَّازِيّ عَن الفلاسفة اعترافهم أَن خوضهم فِي الالهيات بِالظَّنِّ دون الْعلم وَاعْلَم أَن هَذَا الْخلاف الشاذ الْمُسْتَند إِلَى الظَّن باعتراف أَهله إِنَّمَا وَقع مَعَ شذوذه لأَنهم نظرُوا فِي معرفَة الرب ﷻ من الْوَجْه الَّذِي بطن مِنْهُ وَلم ينْظرُوا فِي مَعْرفَته من الْوَجْه الَّذِي ظهر مِنْهُ وَذَلِكَ أَنه سُبْحَانَهُ قد تسمى بِالظَّاهِرِ وَتسَمى بالباطن وَثَبت هَذَا فِي كِتَابه الْكَرِيم فَثَبت أَن لَهُ جِهَة يظْهر مِنْهَا وجهة يبطن مِنْهَا لتبقى حكمته فِي قَوْله ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقَوله فِي السَّاعَة ﴿أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى﴾ فَمن نظر فِي مَعْرفَته من الْجِهَة الَّتِي يظْهر مِنْهَا ترادفت مواد

стр. 37

مَعْرفَته وَكَانَت نورا على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء كَمَا وصف الله نور هدايته بِكَثْرَة الْموَاد فِي سُورَة النُّور وَمن نظر فِي مَعْرفَته من غير هَذِه الطَّرِيق كَانَ كمن ضل الطَّرِيق واجتهد فِي السّير بعد الضلال فَلَا يزَال يزْدَاد بعدا بسيره فِي غير طَرِيق على أَنه يحْتَمل أَن الْمَعْنى فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَنه هُوَ الْحق فيهمَا مَعًا لَا أَحدهمَا كَمَا قد يكون بعض الْأُمُور حَقًا فِي الْبَاطِن وَلَا حجَّة عَلَيْهِ ظَاهِرَة فَيكون على هَذَا الْوَجْه فِي معنى الْملك الْحق الْمُبين وَيكون ذَلِك أعظم فِي قطع أعذار المعاندين وَالله أعلم والطرق إِلَى الله تَعَالَى كَثِيرَة جدا وَلَكنَّا نقتصر مِنْهَا على أَصَحهَا وأجلاها وأوضحها وأشفاها حَتَّى نَأْمَن بالسلوك فِيهَا من الضلال فِي الطّرق الَّتِي تبعد السائر فِيهَا عَن مَقْصُوده وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَإِلَى تِلْكَ الطّرق الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ وَقد يكون فِيهَا مَا يسْتَلْزم رد كثير من الشَّرَائِع فَنَقُول الْبَاب الثَّالِث فِي بَيَان شَيْء من طرق معرفَة الله تَعَالَى على مناهج الرُّسُل وَالسَّلَف على جِهَة التَّفْصِيل للاجمال الْمُتَقَدّم فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا فلنذكر اشارة لَطِيفَة على قدر هَذَا الْمُخْتَصر إِلَى ثَلَاث دلالات دلَالَة الانفس وَدلَالَة الْآفَاق وَدلَالَة المعجزات وَكلهَا دلّ عَلَيْهَا الْقُرْآن الَّذِي وَصفه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ يهدي للَّتِي هِيَ أقوم أما دلَالَة الانفس فَإِنَّهَا بليغة قَالَ الله تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره﴾ الْآيَات وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَقَالَ ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم﴾ الْآيَة وأبسط آيَة فِي ذَلِك آيَة الْحَج

стр. 38

﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة﴾ الْآيَات إِلَى قَوْله ﴿ذَلِك بِأَن الله هُوَ الْحق﴾ إِلَى ﴿وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور﴾ وأبطل شُبْهَة الطبائعية بقوله من تُرَاب لِأَن آدم أَبُو الْبشر وأصلهم بالتواتر الضَّرُورِيّ لَا أَب لَهُ وَلَا أم فلزمت الْحجَّة وَبَانَتْ ووضحت وَللَّه الْحَمد وَالثنَاء والْمنَّة وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ من قَوْله ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَقَالَ ﴿أَو لم ير الْإِنْسَان أَنا خلقناه من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه﴾ وَمن ثمَّ قيل فكرك فِيك يَكْفِيك وَقد جمع الله تَعَالَى ذكر دلالتي النُّفُوس والآفاق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق﴾ وَذَلِكَ أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ وجودنا أَحيَاء قَادِرين عَالمين ناطقين سَامِعين مبصرين مدركين بعد أَن لم نَكُنْ شَيْئا وَأَن أول وجودنا كَانَ نُطْفَة قذرة مستوية الْأَجْزَاء والطبيعة غَايَة الاسْتوَاء بِحَيْثُ يمْتَنع فِي عقل كل عَاقل أَن يكون مِنْهَا بِغَيْر صانع حَكِيم مَا يخْتَلف أجناسا وأنواعا وأشخاصا أما الْأَجْنَاس فَكَمَا نبه عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ وَأما الْأَنْوَاع فنبه عَلَيْهَا بقوله ﴿ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كَانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ وَمِنْه ﴿ثمَّ سواك رجلا﴾ وَأما الْأَشْخَاص فبقوله تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ الْآيَات

стр. 39

وَبَيَانه أَنه خلق من نُطْفَة فقدره مستوية الطبيعة فَكيف يكون مِنْهَا مَا يبصر وَمِنْهَا مَا يسمع وَمِنْهَا مَا يطعم وَمِنْهَا مَا يشم وَمِنْهَا الصلب وَمِنْهَا الرخو وَمِنْهُم من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ وَمِنْهُم من يمشي على أَربع كَمَا نبه الله عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْكَرِيم ونعلم أَنَّهَا قد تَغَيَّرت بِنَا الْأَحْوَال وتنقلت بِنَا الأطوار تنقلا عجيبا فَكُنَّا نطفا ثمَّ علقا ثمَّ مضغا ثمَّ لَحْمًا ودما ثمَّ عظاما صلبة مُتَفَرِّقَة فِي ذَلِك اللَّحْم وَالدَّم تقويهما وعصبا رابطة بَين تِلْكَ الْعِظَام صَالِحَة لذَلِك الرَّبْط مِمَّا فِيهَا من الْقُوَّة والمتانة ثمَّ تركب من ذَلِك آلَات وحواس حَيَّة مُوَافقَة للْمصَالح مَعَ ضيق ذَلِك الْمَكَان وَشدَّة ظلمته وَإِلَى ذَلِك الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق فِي ظلمات ثَلَاث ذَلِكُم الله ربكُم لَهُ الْملك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تصرفون﴾ والظلمات الثَّلَاث ظلمَة الْبَطن وظلمة المشيمة وظلمة الرَّحِم ثمَّ انْظُر إِلَى مَوضِع الْعَينَيْنِ مَا أشبهه بهما بَعيدا مِمَّا يؤذيها مرتفعا للتمكن من إِدْرَاك المبصرات فِي الْوَجْه الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى تَغْطِيَة باللباس من الْجمال البديع فيهمَا وَفِي جفونهما وَلَو كَانَا فِي الرَّأْس أَو فِي الظّهْر أَو فِي الْبَطن أَو غير ذَلِك مَا تمت الْحِكْمَة وَلَا النِّعْمَة بهما وَكَذَلِكَ كل عُضْو فِي مَكَانَهُ وَانْظُر إِلَى ستر القذر الَّذِي فِي الْبَطن بالسواتر الْعَظِيمَة بِحَيْثُ لَا يحس لَهُ حس وَلَا يظْهر لَهُ ريح وَلَا يخرج إِلَّا باختيارنا فِي مَوضِع خَال وَإِن من عَجِيب صنع الله تَعَالَى استمساك الْبَوْل فِي حَال الْغَفْلَة بل فِي حَال النّوم حَتَّى نَخْتَار خُرُوجه وَنرْضى بِهِ من غير رِبَاط وَلَا سداد فِي مجْرَاه وَلَا مَانع محسوس فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ثمَّ حياتنا فِي بطُون الْأُمَّهَات من غير نفس وَلَو كَانَ ثمَّ نفس لَكَانَ ثمَّ صَوت وَلَو غم أَحَدنَا بعد الْخُرُوج سَاعَة لمات بل كَثِيرُونَ يموتون فِي المدافن المتخذة للحبوب مَعَ سعتها ثمَّ خروجنا من ذَلِك الْموضع الضّيق من غير اخْتِيَار من الْمَوْلُود والوالدة وَهُوَ فعل مُحكم صَعب لابد لَهُ من فَاعل مُخْتَار وَعدم الْمَوْت لشدَّة الضغطة عِنْد الْخُرُوج وسلامة الْوَلَد وَأمه من الْمَوْت فِي ذَلِك من آيَات الله كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آيَة الْحَج فِي ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾

стр. 40

ثمَّ احداث اللَّبن فِي ثدي الْأُم من يَوْمئِذٍ من بَين قرث وَدم وتربية الْمَوْلُود وفهمه للغة أَهله مَا كَانَت فصيحة عَرَبِيَّة أَو عبرية عجمية مَعَ كَثْرَة قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وَكَثْرَة اخْتِلَاف عوامل الاعراب والعاقل الْمُمَيز يقف أَضْعَاف تِلْكَ الْمدَّة بَين الْعَرَب والعجم فَلَا يعرف من ذَلِك مَا عرف الصَّغِير وَلَا يدْرِي مَا يَقُولُونَ بِمُجَرَّد المخالطة كالطفل الَّذِي لَا عقل لَهُ وَلَا تَمْيِيز وَكَذَلِكَ العجمي بَين الْعَرَب ثمَّ يترقى إِلَى حَال التَّمْيِيز وتتعاقب عَلَيْهِ الْأَحْوَال من الصغر وَالْكبر والضعف وَالْقُوَّة والشباب والشيب وَالْعقل والذكاء والبلادة وَالْمَرَض وَالصِّحَّة والشهوة والنفرة والدواعي والصوارف والعسر واليسر والغنى والفقر وضده من غير اخْتِيَار مِنْهُ فِي شَيْء من ذَلِك فلابد لهَذِهِ التغيرات من مغير قَادر عليم مُدبر حَكِيم وَقد صنفت فِي هَذَا الْمَعْنى كتب علم التشريح وَبَيَان كَيْفيَّة الْخلقَة وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي الْوُقُوف عَلَيْهِ أَو على شَيْء مِنْهُ وَقد نقل ابْن الْجَوْزِيّ مِنْهُ جملَة شافية فِي أول كِتَابه لقط الْمَنَافِع فِي الطِّبّ فليطالع فِيهِ فَلَو جَازَ أَن يكون مثل هَذَا بِغَيْر صانع لجَاز أَن تصح لنا دور معمورة أَو مصاحف مَكْتُوبَة أَو ثِيَاب محوكة أَو حلى مصوغة بِغَيْر بَان وَلَا كَاتب وَلَا حائك وَلَا صائغ فَمَا خص خير الْخَالِقِينَ بَان يكفر وَلَا يدل عَلَيْهِ أثر صَنعته العجيبة وخلقته البديعة وَلَو كَانَ هَذَا الْأَثر للطبع كَمَا قَالَ كثير من الفلاسفة لَكَانَ أثرا وَاحِدًا كَمَا لَو جمدت النُّطْفَة بطبع الْبرد أَو ذَابَتْ أَو أنتنت قَالَ الامام الْمُؤَيد بِاللَّه فِي الزِّيَادَات أَن الطَّبْع ان سلمنَا وجوده لَا يحصل بِهِ الشَّيْء على قدر الْحَاجة وَإِنَّمَا يكون بِمِقْدَار قوته وَضَعفه أَلا ترى أَن النَّار تحرق لَا على قدر الْحَاجة بل على قدر قوتها وتنقص عَن الْحَاجة إِذا ضعفت وَكَذَلِكَ المَاء الْجَارِي والحكيم يجريه ويقطعه على قدر الْحَاجة اه كَلَامه وَفِيه تَنْبِيه حسن على الْفرق الْجَلِيّ

стр. 41

فَإِذا عرفت هَذَا فَانْظُر كَيفَ يُمكن أَن يتَغَيَّر الْمَنِيّ المستوي إِلَى تِلْكَ الْأُمُور الْمُخْتَلفَة المحكمة البديعة الاحكام العجيبة الصَّنْعَة وَهل ذَلِك إِلَّا بِمَنْزِلَة تَجْوِيز أَن يصير المداد مُصحفا معربا لَا غلط فِيهِ وَلَا لحن بطبع المداد من غير كَاتب عَالم بل احكام الانسان أبلغ وأعجب وَقد رَأَيْت كم جمع فِي الْأُنْمُلَة الْوَاحِدَة من الاصابع من الاشياء الْمُخْتَلفَة فَوضع فِيهَا جلدا وَلَحْمًا وعصبا وشحما وعروقا ودما ومخا وعظما وبلة وظفرا وشعرا وَبضْعَة عشر شَيْئا غير ذَلِك كل وَاحِد مِنْهَا يُخَالف الآخر قدرَة وحياة واستواء وارتفاعا وانحدارا وخشونة ولينا وحرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وصلابة ورخاوة ثمَّ خلق فِي بَعْضهَا الْحَيَاة دون بعض كالشعر وَالظفر والعظم وَجعلهَا مدركة لأمور شَتَّى كالحرارة والبرودة واللين والخشونة والقلة وَالْكَثْرَة والرطوبة واليبوسة وَمن لطيف الْحِكْمَة فِيهَا اختلافها فِي الطول وَالْقصر حَتَّى تستوي عِنْد الْقَبْض على الْأَشْيَاء فتقوى بالاستواء وَهَذَا مِمَّا تخفى فِيهِ الْحِكْمَة جدا أَعنِي كَون الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك سَبَب الاسْتوَاء عِنْد الْقَبْض وَلذَلِك خصت بِالذكر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه﴾ ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَقد أَشَارَ الله تَعَالَى إِلَى بطلَان مَذْهَب الطبائعيين بِهَذَا الْمَعْنى وَنبهَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ فِي كَلَامه الْكَرِيم ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وَآخر الْآيَة دَلِيل على أَن الْعقل يدْرك بذلك بطلَان قَول أهل الطبائع وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ عَافِيَة كثير من المرضى بعد غَلَبَة الْعلَّة وقوتها وَضعف أَسبَاب الْعَافِيَة ويأس الطَّبِيب من العلاج فقد ذكر الْأَطِبَّاء أَن الطِّبّ لَا ينفع فِي بعض تِلْكَ الْأَحْوَال فيتأمل ذَلِك كثيرا فَفِيهِ شِفَاء لما فِي الصُّدُور وَقد وَقعت فِي ذَلِك فَقلت فِيهِ

стр. 42

(فيا عطسات فرجت كل كربَة ... وَلم يبْق فِي أَيدي الاساة سوى الصفق) (لَهُ الْحَمد منشكين من غير حِيلَة ... وَلَا سَبَب يجْرِي لي الرِّيق فِي حلقي) (بكن علمت الله علم ضَرُورَة ... وَكم مثلهَا يجلو الوساوس فِي الْحق) فَإِنِّي شارفت الْمَوْت من الإسهال فعطست ثَلَاث عطسات فَكَأَنَّمَا نشطت من عقال وَلم يكن للعطاس سَبَب طبيعي قطّ فَكَانَت من الْآيَات العجيبة وَمِمَّا يَنْبَغِي التيقظ لَهُ فِي الرَّد عَلَيْهِم أَن آدم ﷺ هُوَ أَبُو الْبشر وَذَلِكَ مَعْلُوم ضَرُورَة تَوَاتر وَدلَالَة جلية أما التَّوَاتُر فَوَاضِح وَأما الدّلَالَة فمحال أَن يكون الْبشر من أم وَأب وَإِلَى مَا لَا نِهَايَة لِأَن عدم التناهي فِي الْحَوَادِث الْمَاضِيَة محَال فَوَجَبَ أَن يكون أَوَّلهمْ حَادِثا من غير أم وَلَا أَب وَلَا نُطْفَة وَلَا طبيعة وانه صنع حَكِيم وَإِنَّمَا علمنَا من السّمع أَن اسْمه آدم وَأَنه من طين فَلَو كَانَت الطبيعة تَقْتَضِي ذَلِك بِنَفسِهَا من غير صانع لَكَانَ فِي كل زمَان تظهر صور كَثِيرَة من الطين كصورة آدم ثمَّ النّظر فِي خلق سَائِر الْحَيَوَان كَذَلِك فَإِن انفلاق بعض الطُّيُور عَن فراخها من عَجِيب صنع الله وَكَانَ بعض السّلف يحْتَج بذلك على أَن الله تَعَالَى عليم قدير لَا كعلم الْخلق وقدرتهم لِأَن قدرته أثرت فِيمَا دَاخل الْبَيْضَة من غير كسر لَهَا وَلَا مُبَاشرَة وَعلمه أحكم صنع مَا فِي الْبَيْضَة كَذَلِك وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الْقُرْآن الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْحَج ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب﴾ يَعْنِي أولكم وأوصلكم وَلَيْسَ فِي خلق الْإِنْسَان من التُّرَاب شُبْهَة أَلْبَتَّة لاعتراف الطبائعية بِأَنَّهُ خلاف العوائد الطبيعية وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء﴾ وَقد أعظم الله تَعَالَى هَذِه الدّلَالَة فَقَالَ ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم﴾

стр. 43

) الْآيَة وَجعل عدم الْإِيمَان بهَا أكفر الْكفْر فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره﴾ وَنبهَ بقوله سُبْحَانَهُ على أَن الْمَوْت دع عَنْك الْحَيَاة مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على الله تَعَالَى كَمَا أوضح ذَلِك فِي قَوْله ﴿فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون﴾ إِلَى قَوْله ﴿فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَذَلِكَ أَن الْحَيّ يَمُوت بِإِذن الله تَعَالَى مَعَ اجْتِمَاع أَسبَاب الْحَيَاة فِي هَذَا الْعَالم الْوَاسِع كَمَا يعِيش باذن الله فِي بطن أمه بِغَيْر نفس يجْرِي وَلَا هَوَاء يمد روحه فسبحان من هُوَ على كل شَيْء قدير وَمِنْه المبدأ وَإِلَيْهِ الْمصير وَقد اخْتَار الْمُؤمن هَذِه الْحجَّة فِي قَوْله لصَاحبه الْكَافِر المخاصم لَهُ ﴿أكفرت بِالَّذِي خلقك من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ سواك رجلا﴾ وَأثْنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ بذلك وخلد ذكره فِي أفضل كتبه فَكيف لَا يختاره الْمُؤمن لتقوية يقينه وَدفع وساوس خصومه وشياطينه وَأما دلَالَة الْآفَاق فَمَا يحدث ويتجدد فِي الْعَالم فِي طُلُوع القمرين وَالْكَوَاكِب وغروبها عِنْد دوران الافلاك الدائرات والسفن الْجَارِيَات والرياح الذاريات والنجوم الثوابت مِنْهَا والمعالم والرواجم وَالِاسْتِدْلَال بالرواجم جيد لدلالته الْوَاضِحَة على الْفَاعِل الْمُخْتَار كَمَا يدل على ذَلِك حَرَكَة القمرين الدائمة وَسَائِر النُّجُوم والافلاك وَكَذَلِكَ تغير أَحْوَال الْهَوَاء بالغيوم وَالصَّوَاعِق والبروق العجيبة المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال الحاملة للْمَاء الْكثير المطفئ بطبعه للنار المضادة لَهُ وَمَا فِي الْجمع بَينهَا وانشائها وانزال الأمطار مِنْهَا بالحكمة الْبَالِغَة لَا تختلط قَطْرَة بِأُخْرَى وَلَو اشتدت الرِّيَاح العواصف وصغرت الْقطر وَكَثُرت وتقاربت حَتَّى تقع مُتَفَرِّقَة غير ضارة وَلَو اجْتمعت لعظم ضررها ثمَّ نزُول الْبرد الْقوي الشَّديد المتحجر فِي أَوْقَات الخريف الَّذِي لَا يجمد فِيهِ المَاء مَعَ أَنه لَا يجمد فِي أَيَّام الْغَيْم سَوَاء كَانَت فِي الشتَاء أَو فِي غَيره لرطوبة الْغَيْم فَمن أَيْن جَاءَ الْبرد المتحجر وَالْمَاء

стр. 44

إِذا جمد لَا يكون على صفة الْبرد أبدا فتأتي هَذِه الامطار فتعم الأَرْض سهولها ووعورها وشعابها وشعافها لينبت العشب الْكثير للنعام وَسَائِر الْهَوَام وتسقي المزروع وتنبت الاشجار والفواكه والازهار وَالثِّمَار وتمد الْبحار والأنهار والآبار ثمَّ مَا فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفصول والاحوال وَقد جمع الله تَعَالَى ذَلِك فِي قَوْله ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ فالفكر فِي هَذِه الْأُمُور هُوَ النّظر الْمَأْمُور بِهِ وعَلى ذَلِك درج السّلف من غير تَرْتِيب الْمُقدمَات على قانون أهل الْمنطق بل قد شهد كتاب الله على أَن ذَلِك يُفِيد الْبَيَان حَيْثُ قَالَ ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق﴾ ثمَّ توعد من زعم أَن ذَلِك لم يفده بَيَانا بقوله ﴿أولم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد﴾ وعَلى هَذَا قَالَ الشَّيْخ مُخْتَار بن مَحْمُود فِي كِتَابه الْمُجْتَبى فِي آخر مَا قيل فِي حقائق النّظر أَنه تَجْرِيد الْفِكر عَن الغفلات وَحكى عَن شَيْخه مَحْمُود بن الملاحي أَنه لَا يشْتَرط فِي الْعلم بِاللَّه أَن يبتني على الْمُقدمَات المنطقيات والأساليب النظريات وَكَيف يُنكر هَذَا أَو يستبعد وَقد حكى الله عَن الهدهد وَهُوَ من الْعَالم البهيمي أَنه وحد الله وَاحْتج على صِحَة توحيده بِهَذَا الدَّلِيل الْمَذْكُور فِي الْآفَاق قَالَ الله سُبْحَانَهُ حاكيا عَنهُ ﴿أَلا يسجدوا لله الَّذِي يخرج الخبء فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ يَعْنِي الْمَطَر والنبات فاحتج بحدوث هذَيْن الْأَمريْنِ العجيبين الْمَعْلُوم حدوثهما مَعَ تكررهما بِحَسب حَاجَة الْجَمِيع إِلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ قيل لبَعض الاعراب بِمَ عرفت رَبك فَقَالَ البعرة تدل على الْبَعِير وآثار الخطا تدل على الْمسير فسماء ذَات أبراج وَأَرْض ذَات فجاج كَيفَ لَا تدل على الْعلي الْكَبِير وَقد أشارت الرُّسُل ﵈ إِلَى هَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت رسلهم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾

стр. 45

وَمِمَّا أستجيد فِي هَذَا الْمَعْنى وتناقله السّلف الصَّالح قَول زيد بن عَمْرو ابْن نفَيْل رَحمَه الله تَعَالَى (رضيت بك اللَّهُمَّ رَبًّا فَلَنْ أرى ... أدين إِلَهًا غَيْرك الله ثَانِيًا) (وَأَنت الَّذِي من فضل من وَرَحْمَة ... بعثت إِلَى مُوسَى رَسُولا مناديا) (فَقلت لمُوسَى اذْهَبْ وَهَارُون فَادعوا ... إِلَى الله فِرْعَوْن الَّذِي كَانَ طاغيا) (وقولا لَهُ آأنت سويت هَذِه ... بِلَا وتد حَتَّى اطمأنت كَمَا هيا) (وقولا لَهُ آأنت رفعت هَذِه ... بِلَا عمد أرْفق إِذا بك بانيا) (وقولا لَهُ آأنت سويت وَسطهَا ... منيرا إِذا مَا جنه اللَّيْل هاديا) (وقولا لَهُ من يُرْسل الشَّمْس غدْوَة ... فَيُصْبِح مَا مست من الأَرْض ضاحيا) (وقولا لَهُ من ينْبت الْحبّ فِي الثرى ... فَيُصْبِح مِنْهُ البقل يَهْتَز رابيا) (وَيخرج مِنْهُ حبه فِي رؤسه ... وَفِي ذَاك آيَات لمن كَانَ واعيا) وَله أَيْضا (وَأسْلمت وَجْهي لمن أسلمت ... لَهُ المزن تحمل عذبا زلالا) وَفِيه يَقُول ورقة بن نَوْفَل (رشدت وأنعمت ابْن عَمْرو وَإِنَّمَا ... تجنبت تنورا من النَّار حاميا) وتفكر فِي تبَاين القمرين فِي الْحَرَارَة والبرودة وَبرد الْقَمَر مَعَ استمداده فِي نوره من الشَّمْس وحرارة الشَّمْس الشَّدِيدَة ومم استمدت تِلْكَ الْحَرَارَة الدائمة المتوقدة وَهِي فِي أرفع الاجواء الرّطبَة الْبَارِدَة وَكَيف لم تحترق وتتلاش مَعَ شدَّة حَرَارَتهَا ودوامها وَعدم مَا تحرقه مثل سَائِر الناريات وَقد ذكر صَاحب الْوَظَائِف أَن فِي كتاب الله تَعَالَى من الْآيَات فِي هَذَا الْمَعْنى خَمْسمِائَة آيَة وَقد ذكرت فِي تَكْمِلَة تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن من ذَلِك مَا يشفي وَيَكْفِي ولنختم هَذَا الْمَعْنى بِذكر آيَة وَاحِدَة مِنْهَا وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ

стр. 46

﴿يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده﴾ وَهَذِه حجَّة أجمع عَلَيْهَا الْكَفَرَة مَعَ الْمُسلمين فَإِن الْجَمِيع اتَّفقُوا على أَن الْعَالم فِي الْهَوَاء أرضه وسماؤه وَمَا فِيهِ من الْبحار وَالْجِبَال وَجَمِيع الاثقال وَقد ثَبت بضرورة الْعقل أَن الثقيل لَا يسْتَمْسك فِي الْهَوَاء إِلَّا بممسك وَأَن هَذَا الامساك الدَّائِم المتقن لَا يكون بِمَا لَا يعقل من الرِّيَاح كَمَا زعمت الفلاسفة على أَن الرِّيَاح تحْتَاج إِلَى خَالق يخلقها ثمَّ إِلَى مُدبر يقدرها مستوية الانفاس موزونة الْقُوَّة لَا يزِيد مِنْهَا شَيْء على شَيْء حَتَّى تعتدل اعتدالا أتم من اعْتِدَال الْفَاعِل الْمُخْتَار فَإِن الْفَاعِل الْمُخْتَار لَو قصد الِاعْتِدَال التَّام حَتَّى يَسْتَوِي على رَأسه حفْنَة مَمْلُوءَة مَاء لم يسْتَطع تَمام الِاعْتِدَال إِلَّا برياضة شَدِيدَة فَكيف تعتدل عواصف الرِّيَاح وَتَقَع موزونة وزن القراريط فِي الصنجات المعدلة حَتَّى يَسْتَوِي عَلَيْهَا ثقل الأَرْض وَالْجِبَال من غير رب عَظِيم قدير عليم مُدبر حَكِيم وَأما دلَالَة المعجزات فَهِيَ من أقوى الدلالات وأوضح الْآيَات لجمعها بَين أَمريْن واضحين لم يكن نزاع المبطلين إِلَّا فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا وهما الْحُدُوث الضَّرُورِيّ والمخالفة للطبائع والعادات وَهَذَا هُوَ الَّذِي أرَاهُ الله خَلِيله ﵇ حِين سَأَلَ الله طمأنينة قلبه وَالَّذِي احْتج بِهِ مُوسَى الكليم ﵇ على فِرْعَوْن وَسَماهُ شَيْئا مُبينًا كَمَا حَكَاهُ الله تَعَالَى فِي سُورَة الشُّعَرَاء حَيْثُ قَالَ فِرْعَوْن ﴿لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾ قَالَ مُوسَى ﴿أولو جئْتُك بِشَيْء مُبين قَالَ فأت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء للناظرين﴾ إِلَى قَوْله ﴿فألقي السَّحَرَة ساجدين﴾ وكل مَا تَعَارَضَت فِيهِ أنظار الْعُقَلَاء وقدحت فِيهِ شكوك الأذكياء فَلَا شكّ أَن لأهل الاسلام من ذَلِك الْقدح الْمُعَلَّى فِي اثبات الصَّانِع الْحَكِيم تَعَالَى وعَلى كل حَال فالنبوات وآياتها الْبَيِّنَة ومعجزاتها الباهرة وخوارقها الدامغة أَمر كَبِير وبرهان مُنِير مَا طرق الْعَالم لَهُ معَارض أَلْبَتَّة

стр. 47

خُصُوصا مَعَ قدمه وتواتره فَإِن آدم ﵇ أول الْبشر وأبوهم نَبِي مُرْسل إِلَى أَوْلَاده ثمَّ لم تزل رسل الله لترى مبشرين ومنذرين وعاضدين لفطرة الله الَّتِي فطر الْخلق عَلَيْهَا فَلَا أشفى وَلَا أَنْفَع من النّظر فِي كتبهمْ وآياتهم ومعجزاتهم وأحوالهم ثمَّ اعتضد ذَلِك بأمرين أَحدهمَا اسْتِمْرَار نصر الْأَنْبِيَاء فِي عَاقِبَة أَمرهم وإهلاك أعدائهم بِالْآيَاتِ الرائعة وَثَانِيهمَا سلامتهم واتباعهم ونجاتهم على الدَّوَام من نزُول الْعَذَاب عَلَيْهِم كَمَا نزل على أعدائهم وَلَا مرّة وَاحِدَة وَذَلِكَ بَين فِي الْقُرْآن وَجَمِيع كتب الله تَعَالَى وَجَمِيع تواريخ الْعَالم وَمن غريبها الَّذِي لَا يكَاد أحد ينظر فِيهِ حفظهم مَعَ ضعفهم من الأقوياء الاعداء وَأهل الْقُدْرَة مثل حفظ مُوسَى وَهَارُون من فِرْعَوْن مَعَ ظُهُور قدرته وَلذَلِك قَالَا ﴿إننا نَخَاف أَن يفرط علينا أَو أَن يطغى﴾ فَقَالَ الله تَعَالَى لَهما ﴿لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ نوح لِقَوْمِهِ ﴿يَا قوم إِن كَانَ كبر عَلَيْكُم مقَامي وتذكيري بآيَات الله فعلى الله توكلت فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة ثمَّ اقضوا إِلَيّ وَلَا تنْظرُون﴾ وَنَحْو ذَا قَالَ هود لِقَوْمِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى لمُحَمد ﷺ ﴿قل ادعوا شركاءكم ثمَّ كيدون فَلَا تنْظرُون﴾ وَلما نزل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ ترك الحرس وَكَانَ يحرس قبل نُزُولهَا وقصة إِبْرَاهِيم ﵇ فِي ذَلِك أشهر وأبهر بل على هَذَا درج أهل الصّلاح ووضحت حماية الله لأهل الصدْق فِي التَّوَكُّل كَمَا وعد الله تَعَالَى بِهِ والمختصر لَا يحْتَمل إِلَّا الاشارة ثمَّ يفتح الله تَعَالَى على المتأمل وَمِنْهُم من كَفاهُ الله بالاسباب الظَّاهِرَة الحارقة مثل ملك سُلَيْمَان ﵇ واخدام الْجِنّ مَعَ الانس وتسخير الرّيح لَهُ وَجَمِيع مَا حكى عَنهُ فَهَذَا أَيْضا يدل على الله تَعَالَى أوضح الدّلَالَة حَيْثُ جمعت قدرته الباهرة خرق الْعَادَات فِي نصرتهم بالأسباب الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وَكَذَلِكَ عقوبات أَعدَاء الله الخارقة كمسخ أهل السبت قردة وبمثل ذَلِك

стр. 48

يعلم الله ضَرُورَة لِأَن مثل ذَلِك لَا يَصح بالطبع وَهُوَ متواتر مَعَ الْيَهُود مَعَ ثُبُوته فِي كتاب الله وَفِيه مَا يدل على وُقُوعه ضَرُورَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ فجعلناها نكالا لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا وموعظة لِلْمُتقين﴾ فَلَو لم يكن هَذَا حَقًا مَعْلُوما عِنْد خصوم رَسُول الله ﷺ مَا خوطبوا بذلك وَلَو خوطبوا بذلك وَعِنْدهم فِيهِ أدنى ريب لبادروا إِلَى التَّكْذِيب والتشنيع وكل هَذَا يعلم ضَرُورَة من العوائد المستمرة وَكَذَلِكَ نتق الْجَبَل وفلق الْبَحْر وقصة أَصْحَاب الْفِيل وَأَصْحَاب الْجنَّة فِي ن وصاحبا الْجنَّة فِي الْكَهْف وشفاء أَيُّوب وإحياء الْمَوْتَى لعيسى ﵇ بل مِنْهُ جَمِيع المعجزات والكرامات الخارقات وَمن أعظمه إحْيَاء الْمَوْتَى لعيسى ﵇ وَكَلَام عِيسَى ﵇ فِي الطفولة وَهُوَ مَعْلُوم بالتواتر وَسبب غلو النَّصَارَى فِيهِ وهم خلائق يعلم بخبرهم الْعلم الضَّرُورِيّ وَخسف قَارون وداره والخلق ينظرُونَ وَنَحْو ذَلِك وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد تركنَا مِنْهَا آيَة بَيِّنَة لقوم يعْقلُونَ﴾ وَقد نبه الله على هَذِه الدلالات الثَّلَاث فِي أول سُورَة الْأَنْعَام فتأملها لكنه يُسَمِّي المعجزات الْآيَات ثمَّ أتبعهَا بابطال اعتلالهم بِالسحرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي النبوات وَيَنْبَغِي هَهُنَا مطالعة كتب قصَص الْأَنْبِيَاء وَمن أَجودهَا كتاب ابْن كثير الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة وَكتب المعجزات مثل الشِّفَاء للْقَاضِي عِيَاض والمعجزات النَّبَوِيَّة من جَامع الْأُصُول فِي حرف النُّون ولي فِي ذَلِك كتاب

стр. 49

مُخْتَصر سميته الْبُرْهَان الْقَاطِع فِي معرفَة الصَّانِع وَمن أحسن مَا أُشير فِيهِ إِلَى المعجزات الْمَذْكُورَة فِي كتاب الله تَعَالَى هَذِه الأبيات (هُوَ الله من أعْطى هداه وَصَحَّ من ... هَوَاهُ أرَاهُ الخارقات بحكمة) (بِذَاكَ على الطوفان نوح وَقد نجا ... بِهِ من نجا من قومه فِي السَّفِينَة) (وغاض على مَا فاض عَنهُ استجابة ... وجد إِلَى الجودي بهَا واستقرت) (وَسَار وَمتْن الرّيح تَحت بساطه ... سُلَيْمَان بالجيشين فَوق البسيطة) (وَقبل ارتداد الطّرف احضر من سباله ... عرش بلقيس بِغَيْر مشقة) (وَأحمد ابراهيم نَار عدوه ... وَمن نوره عَادَتْ لَهُ روض جنَّة) (وَلما دَعَا الاطيار من رَأس شَاهِق ... وَقد ذبحت جَاءَتْهُ غير عصية) (وَمن يَده مُوسَى عَصَاهُ تلقفت ... من السحر أهوالا على النَّفس شقَّتْ) (وَمن حجر أجْرى عيُونا بضربة ... بهَا دَائِما سقت وللبحر شقَّتْ) (ويوسف إِذْ ألْقى البشير قَمِيصه ... على وَجه يَعْقُوب عَلَيْهِ بأوبة) (رَآهُ بِعَين قبل مقدمه بَكَى ... عَلَيْهِ بهَا شوقا إِلَيْهِ فكفت) (وَفِي آل إِسْرَائِيل مائدة من ... السَّمَاء لعيسى أنزلت ثمَّ مدت) (وَمن أكمه أبرى وَمن وضح غَدا ... شفى وَأعَاد الطير طيرا بنفخة) (وَصَحَّ بأخبار التَّوَاتُر أَنه ... أمات وَأَحْيَا بالدعا رب ميت) (وَأبْعد من هَذَا عَن السحر أَنه ... رَضِيع يُنَادي بِاللِّسَانِ الفصيحة) (ينزه عَن ريب الظنون عفيفة ... مبرأة من كل سوء وريبة) (وَقَالَ لأهل السبت كونُوا إلهنا ... قرودا فَكَانُوا عِبْرَة أَي عِبْرَة) (وصرع أهل الْفِيل من دون بَيته ... بطير أبابيل صغَار ضَعِيفَة) (وأحرق روض الجنتين عُقُوبَة ... بكاف وَنون عِبْرَة للبرية) من نبوع الْعُيُون من الْحجر بِضَرْب الْعَصَا دَلِيل سَمْعِي خَاص قَاطع على خلق المَاء وعَلى إِخْرَاج الْمَخْلُوق من الْعَدَم الْمَحْض وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وفار التَّنور﴾ وَكَذَلِكَ خُرُوج المَاء الْكثير من أَصَابِع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 50

وَإِنَّمَا ذكرت هَذِه الْآيَات لِأَن بعض النَّاس ذكر أَنه لَيْسَ فِي هَذَا نَص شَرْعِي وَإِنَّمَا يدل عَلَيْهِ الْعقل والعمومات لَا النُّصُوص وَقد روى الْحَاكِم فِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيثا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى جَمِيعًا مِنْهُ تَكْمِيل ثمَّ يعتضد هَذَا بِمَا يُنَاسِبه من كرامات الصَّالِحين وعقوبات الظَّالِمين الْمَذْكُورَة فِي كتاب الله تَعَالَى والمتواترة والمشاهدة ثمَّ مَا وَقع من تكَرر نصر الله تَعَالَى للحق والمحقين وَإِنَّهُم وان ابتلوا فالعاقبة لَهُم على مَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله ﴿وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ وَكَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي﴾ وَقد جود الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا الْمَعْنى فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه الْحق﴾ وفسرها بِمَا كَانَ من فتوح الاسلام الخارقة فِي الْآفَاق وفسرها بِبِلَاد الْعَجم وَفِي أنفسهم وفسرها بِبِلَاد الْعَرَب وَفِي ذَلِك حَدِيث ابْن عَبَّاس الطَّوِيل وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء تبتلى ثمَّ تكون لَهُم الْعَاقِبَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَيشْهد لصِحَّته الاستقراء من التواريخ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ وَفِي الشُّعَرَاء تَنْبِيه على ذَلِك فِي آيَات كَثِيرَة يعقبها بقوله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم﴾

стр. 51

فَتَأمل ثمَّ مَا قد وَقع للْإنْسَان من إِجَابَة الدَّعْوَات وكشف الكربات وَستر العورات وتيسير الضرورات وَقَضَاء الْحَاجَات وكشف المشكلات والالهام فِي المعارف الخفيات والاشارات المرشدات فِي المنامات الصادقات وَفِي هَذَا يَقُول ابْن الفارض شعرًا (وَقل لي من ألْقى إِلَيْك علومه ... وَقد ركدت مِنْهُ الْحَواس لغفوة) وَقد احْتج بذلك الْغَزالِيّ وعارض بِهِ الفلاسفة فِي إحالتهم لعلم الْغَيْب وَهَذِه الْأَشْيَاء إِذا ضمت إِلَى الْبَرَاهِين حصل من مجموعها قُوَّة بَقينَ كَثِيرَة وَلَقَد قَالَ الْغَزالِيّ أَنه حصل لَهُ يَقِين قوي بالمعاد من مَجْمُوع براهين وقرائن وتجارب ثمَّ الْيَقِين بعد هَذَا كُله من مواهب الله تَعَالَى فَإِن أنعم الله بِهِ عَلَيْك فَكُن من الشَّاكِرِينَ وَإِن عرض لَك الشَّك بعد هَذَا كُله فاحذر أَن يكون ذَلِك عُقُوبَة بذنب كَمَا نبه الله على ذَلِك بقوله ﴿فَمَا كَانُوا ليؤمنوا بِمَا كذبُوا من قبل كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْكَافرين﴾ وَقَوله ﴿سل بني إِسْرَائِيل كم آتَيْنَاهُم من آيَة بَيِّنَة وَمن يُبدل نعْمَة الله من بعد مَا جَاءَتْهُ فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ فافزع إِلَى الله تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار والتضرع والتذلل وَطلب أَسبَاب الرقة والتخويف الْعَظِيم لنَفسك من الْوُقُوع فِي الشقوة الْكُبْرَى بِعَذَاب الْآخِرَة فَإِن من طبائع النُّفُوس الْإِيمَان عِنْد شدَّة الْخَوْف وَلذَلِك آمن قوم يُونُس لما رَأَوْا الْعَذَاب وآمن فِرْعَوْن حِين شَاهد الْغَرق وَقد نبه الله على ذَلِك بقوله ﴿بل هم فِي شكّ من ذكري بل لما يَذُوقُوا عَذَاب﴾ وَلذَلِك يرجع كثير من الْعُقَلَاء عِنْد الْمَوْت عَن عقائد وقبائح وشبهات كَانُوا مصرين عَلَيْهَا وَلَيْسَ ذَلِك لتجلي برهَان حِينَئِذٍ بل لِأَن الطَّبْع القاسي كَانَ كالمعارض للبرهان فَلَمَّا لِأَن بَقِي الْبُرْهَان بِلَا معَارض وَكَذَلِكَ لَو شَاهد فِرْعَوْن وَغَيره أعظم برهَان بِغَيْر خوف مَا آمنُوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمَا كَانَ دَعوَاهُم إِذْ جَاءَهُم بأسنا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظالمين﴾

стр. 52

وَحكى ابْن خلكان عَن ابْن سينا أَنه لما عرف عِلّة الْمَوْت أقبل على الْقُرْآن وَترك مَا كَانَ عَلَيْهِ فانصح نَفسك وَذكرهَا وَقل لَهَا لَو كَانَ مَعَك يَقِين بارتفاع التَّكْلِيف مَا خفت وَلَكِنَّك عَن قريب إِن لم يَرْحَمك مَوْلَاك تقعين فِي أَشد الْعَذَاب وينكشف عَنْك هَذَا الارتياب وَذكرهَا عَظِيم حسرة المكذبين يَوْم يُقَال ﴿انْطَلقُوا إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ فَإِن النَّفس كَمَا أَنَّهَا بعيدَة الايمان فَإِنَّهَا بعيدَة الامان وخوفها أعظم الاعوان على الايمان قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفِي نسختها هدى وَرَحْمَة للَّذين هم لرَبهم يرهبون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتَركنَا فِيهَا آيَة للَّذين يخَافُونَ الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا منع النَّاس أَن يُؤمنُوا إِذْ جَاءَهُم الْهدى ويستغفروا رَبهم إِلَّا أَن تأتيهم سنة الْأَوَّلين أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب قبلا﴾ وَلِأَنَّهَا لوجدان الْخَوْف عِنْد التخويف تنزل من مرتبَة الْقطع بالتكذيب الَّذِي هُوَ أول مَا يروم الشَّيْطَان فَإِذا نزلت من ذَلِك وَجب عَلَيْهَا فِي الْعقل تَصْدِيق الثِّقَة وَالْعَمَل بِالظَّنِّ كَيفَ إِذا جَاءَ الثِّقَة مَعَ ظن صدقه بالمعجز وعضدته الْبَرَاهِين الْمُقدمَة وَإِلَى هَذِه الطَّرِيقَة الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة هَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ﴾ وَقَوله ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزؤون فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وبدا لَهُم من الله﴾

стр. 53

مَا لم يَكُونُوا يحتسبون) فَإِن نفرت النَّفس من الايمان ببعص المحارات وتوهمت أَنه من المحالات كثبوت الْقدَم الَّذِي لَا نعرفه إِلَّا بالتصديق أَو ثُبُوت الْحِكْمَة فِي الْعَذَاب وَخلق أَهله فَسَيَأْتِي الْجَواب فِي ذَلِك فِي اثبات حِكْمَة الله تَعَالَى وَمن أَنْفَع مَا يدْفع الْحيرَة بِهِ أَنه لابد من لُزُوم المحارة فِي الْعُقُول على كل تَقْدِير والاسلام أقل المحارات من جَمِيع الْملَل الكفرية وبالاسلام تنْدَفع كلهَا وَتخرج الْعُقُول من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَانْظُر إِلَى هَذَا الْعَالم المحسوس بِالضَّرُورَةِ تَجِد المحارة الْعَقْلِيَّة لَازِمَة لوُجُوده لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو بِالضَّرُورَةِ من الْحُدُوث أَو الْقدَم فالقدم من محارات الْعُقُول والحدوث من غير مُحدث من محاراتها بل من محالاتها فالمحارات أقرب من المحالات لِأَن الْمُمكن الْبعيد أقرب من الْمُمْتَنع وَلَا ثَالِث لهذين الْأَمريْنِ إِلَّا الاسلام وَإِلَى هَذَا أَشَارَ من قَالَ (صُورَة الْكَوْن محَال ... وَهِي حق فِي الْحَقِيقَة) لكنه أَخطَأ فِي تَسْمِيَة المحارة محالا فَإِن كَانَت المحارة لَازِمَة لِلْإِسْلَامِ فَهِيَ لما عداهُ ألزم فَإِن كَانَ هَذَا اللُّزُوم حَقًا فالمحارة حق وَالْحق لَا يستوحش مِنْهُ وَإِن كَانَ بَاطِلا فالباطل حقيق لَا يستوحش من خَشيته لِأَنَّهُ لَا شَيْء حَقِيقَة فَكيف الْخَوْف من لَا شَيْء فَمن لم يثبت الرب قَدِيما أثبت الْعَالم قَدِيما وَمن لم يثبت لَهُ أسماءه الْحسنى بِلَا سَبَب أثبت الاحكام العجيب للْعَالم بِلَا سَبَب وَمن لم يثبت الرب بِكَمَالِهِ بِلَا سَبَب أثبت الْعَالم بأحكامه وعجائبه بِلَا سَبَب وَمن لم يقبل الايمان بالبرهان وَالْقُرْآن قبل الْكفْر بِلَا قُرْآن وَلَا برهَان وَإِلَى هَذَا آشار رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ (لَا يزَال النَّاس يتساءلون حَتَّى يَقُولُوا هَذَا الله خلق الْخلق فَمن خلق الله) وأمرنا بالاستعاذة والانتهاء حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ يُقَال للْكَافِرِ فَإِذا أمكن وجود الْعَالم بِغَيْر خَالق فَأولى مِنْهُ وجود الرب بِغَيْر خَالق وَدلّ على أَنه لابد من انْتِهَاء الموجودات الممكنة إِلَى وَاجِب الْوُجُود عز وَجل

стр. 54

وَاعْلَم أَن مَادَّة هَذِه الوساوس عجب الانسان بعقله وَعلمه وظنه أَنه إِذا لم يعرف شَيْئا فَهُوَ بَاطِل فاعرف أَنَّك كَمَا قَالَ أصدق الْقَائِلين فِي صفة الانسان ﴿إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ وَيدل على هَذَا من الْمَعْقُول مَعَ الْمَنْقُول أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن الانسان يُؤثر هَوَاهُ فِي الاقبال على دَار الفناء وعَلى شهواتها الضارة الْمضرَّة فِي العاجلة الْمُشَاهدَة وَيقدم الْمَرْجُوح على الرَّاجِح قطعا ويتحمل من الْأَمَانَات الَّتِي هُوَ فِي تحملهَا مُخْتَار مَا يدل على صِحَة مَا رُوِيَ من تحمل آدم ﵇ لأصلها وجميعها مثل الدُّخُول فِي الدُّيُون والضمانات والحقوق الزَّوْجِيَّة وَغَيرهَا وَحُقُوق المخالطة وَالْفرق بَين الْأَحْكَام عِنْد الرِّضَا وَالْغَضَب والغنى والفقر والامان وَالْخَوْف وَبِذَلِك يعرف الفطين من طبع نَفسه الظُّلم وَجحد الْحق عِنْد رُجْحَان الدَّاعِي إِلَى ذَلِك وَلذَلِك يُوجد الْبُخْل من بعض الاجواد فِي الاحوال وَالْكذب من بعض الصَّادِقين كَذَلِك قَالَ صَالح ﵇ ﴿يَا قوم لقد أبلغتكم رِسَالَة رَبِّي وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون الناصحين﴾ فَبين أَن الصَّارِف لَهُم الْهوى الْمَحْض لَا الشُّبْهَة وَمن هُنَا نقم الله على الْكفَّار أَنهم آمنُوا بِالْبَاطِلِ فَلَو كَانَ كفرهم بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ الله وَكتبه وَرُسُله من أجل الشُّبْهَة لكانوا لعبادة الْحِجَارَة وَغَيرهَا أَشد كفرا وَذَلِكَ بَين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفرُوا بِاللَّه أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ وَنَحْوهَا قَوْله فِي قصَّة الْخَلِيل ﵇ ﴿وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان وَلَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئا وسع رَبِّي كل شَيْء علما أَفلا تتذكرون وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم وَلَا تخافون أَنكُمْ أشركتم بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانا فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن إِن كُنْتُم تعلمُونَ الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء إِن رَبك حَكِيم عليم﴾ فَبين الْخَلِيل لَهُم أَن خوفهم وتخويفهم

стр. 55

من أصنامهم واعتذارهم بِهِ عَن الايمان شَيْء بَاطِل وَلَو كَانَ من قبيل خوف الْعُقَلَاء الْمُسْتَند إِلَى الامارات الصَّحِيحَة أَو الْأَدِلَّة الْوَاضِحَة لَكَانَ خوفهم من الله تَعَالَى أولى من كل وَجه صَحِيح ولوضوح هَذَا جَاءَ فِيهِ بأدوات الاستنكار والاستبعاد مثل قَوْله ﴿وَكَيف أَخَاف مَا أشركتم﴾ وَقَوله ﴿فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن﴾ وَهَذِه الْمُعَارضَة وأمثالها تفِيد الْقطع بعناد الْخصم فتأملها فِي كتاب الله تَعَالَى وَهِي جَيِّدَة مفحمة نافعة وَلذَلِك سَمَّاهَا الله تَعَالَى حجَّة وَرفع بهَا خَلِيله ﵇ وَنَحْوهمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذا دعِي الله وَحده كَفرْتُمْ وَإِن يُشْرك بِهِ تؤمنوا فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أفبالباطل يُؤمنُونَ وبنعمة الله هم يكفرون﴾ وَقد يَقع من أهل الايمان شَيْء من ذَلِك فِي غير الْكفْر وَلذَلِك لم تقبل شَهَادَة الْمُؤمن الْعدْل لنَفسِهِ وَلَا على عدوه وَكَذَلِكَ حكى الله عَن الْكفَّار جحدهم فِي يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تشهد عَلَيْهِم جُلُودهمْ وَحَتَّى يَقُولُوا لَهَا لم شهدتم علينا وَذَلِكَ أَنهم رَأَوْا من عدل الله تَعَالَى وَحكمه بِالْبَيِّنَاتِ دون علمه مَا أطْعمهُم فِي نفع ذَلِك لَهُم والطبيعة وَاحِدَة إِلَّا مَا هدى الله وَأصْلح فاحذر من هَذِه الطبيعة أَن تتوهم كفرها وقساوتها وجفاوتها برهانا مُعَارضا لبراهين الْحق بل وَلَا شُبْهَة أبدا وَلذَلِك يَزُول شكها وريبها بمعانية الْأَهْوَال كمعاينة هول المطلع كَمَا حكى ابْن خلكان عَن ابْن سينا رَأس الفلاسفة أَنه لما عرف أَنه ميت أعتق مماليكة وَفعل من الْقرب الَّذِي أمكنه وَأَقْبل على التضرع إِلَى الله تَعَالَى وتلاوة كتاب الله واضمحلت عَنهُ تِلْكَ الوساوس فَهَذِهِ هَذِه وَلذَلِك أَكثر الله تَعَالَى وَرُسُله من الْجمع بَين الْأَدِلَّة والوعيد وقصص الْمُعَذَّبين واعتمدها مُؤمن آل فِرْعَوْن فَأحْسن فِي دُعَاء قومه إِلَى

стр. 56

الايمان وتخويفهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى الْمُعَجل فِي الدُّنْيَا ثمَّ من الْعَذَاب الْأَكْبَر فَقَالَ ﴿يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الْأَحْزَاب مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد وَيَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد﴾ الْآيَات وَإِنَّمَا بَدَأَ بِذكر عَذَاب الله للْكَافِرِينَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُوما لَهُم بِالضَّرُورَةِ فتأثيره فِي النُّفُوس أقوى كَمَا ذكره الْمُؤَيد بِاللَّه فِي قُوَّة النَّفْع بِذكر الْمَوْت وَالْبَلَاء فِي الْقُبُور وتصور ذَلِك وَأَمْثَاله والآن ظهر لَك أَن اثبات الرب والايمان بِهِ هُوَ الْحق والأحوط كَمَا تبين قبل ذَلِك أَن اثبات الْعُلُوم هُوَ الْحق بِحَيْثُ لَا يخَاف فِي هذَيْن الاعتقادين مضرَّة أَلْبَتَّة وَالْخَوْف الْعَظِيم والمضار الْعَظِيمَة فِي عدمهما كَمَا قَالَ الْقَائِل (قَالَ المنجم والطبيب كِلَاهُمَا ... لَا تبْعَث الاموات قلت إلَيْكُمَا) (إِن صَحَّ قولكما فَلَيْسَ بضائري ... أَو صَحَّ قولي فالوبال عَلَيْكُمَا) وَمثل ذَلِك قَول الآخر (ورغبني فِي الدّين أَن دَلِيله ... قوي ويخشى كل شَرّ بجحده) (وكرهني للكفر أَن فَسَاده ... جلي ويخشى كل شَرّ بِقَصْدِهِ) بل كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله ثمَّ كَفرْتُمْ بِهِ﴾ الْآيَة كَمَا تقدم وَالْمرَاد ايراده من غير شكّ لمداواة النُّفُوس الجامحة والوساوس الْغَالِبَة والاستعانة على تليينها بالمعارضات النافعة لتسلم الْعُقُول مِمَّا يزاحمها مِمَّا شقّ على الأوهام من الغيوب وتذعن لما يُخَالف الْقيَاس من الْأَحْكَام الْبَاب الرَّابِع فِي اثبات التَّوْحِيد والنبوات وفروعها ثمَّ أَن المثبتين للعلوم والربوبية اخْتلفُوا فِي أُمُور ثَلَاثَة أَحدهَا تَوْحِيد الرب وَقد علم بِالضَّرُورَةِ من الدّين وَإِن خِلَافه كفر وَدَلِيل السّمع فِي

стр. 57

هَذَا الْمقَام صَحِيح بالِاتِّفَاقِ مَعَ مَا عضده من الدَّلِيل الْعقلِيّ الَّذِي نبه الْقُرْآن عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَلَا خَفَاء فِي ذَلِك وَلَا خلاف فِيهِ بَين الْمُسلمين فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى عناية وَلَا شكّ فِي قُوَّة براهينة وَسُقُوط الْمعَارض لَهَا وَأَنه أحوط لما فِي مُخَالفَته من خوف الْعَذَاب الْعَظِيم وَسَيَأْتِي تَمام الْكَلَام فِيهِ فِي فروع النبوات وَأما الْكَلَام فِي النبوات فَاعْلَم أَنه من أوضح المعارف وَقد تطابقت دَلَائِل المعجزات الباهرات عَلَيْهِ وَلَا شكّ مَعَ ذَلِك أَنه الاحوط لِأَن التَّكْذِيب بهَا من الْكفْر الْمَعْلُوم الْمُوجب للعذاب الْأَكْبَر وَلَيْسَ لمنكري النبوات من الشّبَه مَا يُعَارض دَلَائِل ثُبُوتهَا وَلَا مَا ينتهض لإثارة الشكوك فِي هَذَا الْمقَام الْبَين وَإِنَّمَا قدحت البراهمة فِي الشَّرَائِع بِنَحْوِ إِبَاحَة ذبح الْبَهَائِم من غير جرائم وَذَلِكَ جهل فَاحش فَإِن الله الَّذِي خلقهَا هُوَ الَّذِي أحلهَا فِي دَار الفناء الَّتِي كتب فِيهَا الْمَوْت على كل حَيّ لحكمة بَالِغَة وَقد سَاوَى سُبْحَانَهُ بَيْننَا وَبَينهَا بِالْمَوْتِ وَإِن اخْتلفت الْأَسْبَاب وَلَا مَانع فِي الْعقل من ذَلِك قبل وُرُود الشَّرْع على بعض الْوُجُوه فَهَؤُلَاءِ البراهمة لَا يُنكرُونَ تطابق الْعُقَلَاء على سقِِي الْمزَارِع بِالْمَاءِ وَإِن مَاتَ بِسَبَب ذَلِك كثير من الذَّر وَنَحْوهَا من الْحَيَوَانَات الَّتِي تكون فِي مجاري المَاء وعَلى الاسْتِسْقَاء من المناهل وَإِن كَانَ وَسِيلَة إِلَى موت حَيَوَان المَاء وعَلى إِخْرَاج دود الْبَطن بالأدوية وَإِن مَاتَ أُلُوف كَثِيرَة بِسَبَب عَافِيَة انسان وَاحِد من ألم لَا يخَاف مِنْهُ الْمَوْت وَيخرج الانسان الذُّبَاب من منزله وَلَو هلكن من الْبرد وَالْحر وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا أجمع أهل الْعُقُول على مثل هَذَا لما فِي فطر الْعُقُول من تَرْجِيح خير الخيرين وَاحْتِمَال أَهْون الشرين عِنْد التَّعَارُض كَمَا قيل حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض وَمن ذَلِك اسْتحْسنَ الْعُقَلَاء تحمل المضار الْعَظِيمَة فِي الحروب لدفع مَا هُوَ أضرّ مِنْهَا وَقَالَت الْعَرَب (بسفك الدما يَا جارتي تحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من الْقَتْل)

стр. 58

وَقد جَاءَ الْقُرْآن بذلك بأفصح عبارَة وأوجزها فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ وَالْقَصْد أَنه لَا يُنكر فِي الْعُقُول أَن يغذي الْحَيَوَان الشريف بِالْحَيَوَانِ الخسيس فتدفع بالغذاء عَنهُ الْمضرَّة وتكمل بالغذاء لَهُ النِّعْمَة وعَلى تَسْلِيم أَن الْعقل لَا يستحسن ذَلِك فَإِنَّهُ يجوز أَن يحكم بِحسن ذَلِك مَالك الْجَمِيع علام الغيوب الَّذِي لَا معقب لحكمه وَلَا عَالم بغيبه وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وتوهم مُعَارضَة ذَلِك بالتقبيح الْعقلِيّ فِي غَايَة السُّقُوط فَإِن الْعُقَلَاء يَخْتَلِفُونَ فِيمَا دق من هَذَا الْبَاب وَإِنَّمَا يتفقون على الضَّرُورِيّ مِنْهُ الَّذِي لم يرد الشَّرْع بِهِ قطعا مثل تَرْجِيح الْكَذِب على الصدْق مُطلقًا لَا مُقَيّدا بِحَال الضَّرُورَة فَأَي عَاقل يرجح هَذِه الحماقة على الْبَرَاهِين الْوَاضِحَة فِي النبوات وَقد جود الجاحظ الْكَلَام فِي النبوات فِي كتاب مُفْرد فِي ذَلِك وَتَبعهُ فِي ذَلِك الامام الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ فهذب كِتَابه وَحسن ترصيعه وَقرب متباعدة فَيَنْبَغِي للْمُسلمِ الْوُقُوف عَلَيْهِ وَحسن التَّأَمُّل لَهُ فَالْأَمْر فِي ذَلِك جلي فطري وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يذكر هُنَا الفروق بَين الْأَنْبِيَاء ﵈ وَسَائِر من يَقع مِنْهُ الخوارق من أهل السحر والطلسمات وَسَائِر أهل الرياضات وَاعْلَم أَن الْمُتَكَلِّمين يذكرُونَ هُنَا فروقا كَثِيرَة مِنْهَا أَن السحر فن مَعْرُوف لَهُ شُيُوخ يعرفونه ويعلمونه وَفِيه مصنفات وَمن تولع بِهِ وطالع كتبه وتتلمذ لشيوخه عرفه وَإِنَّمَا اخْتلف فِي تعلمه فَقيل حرَام وَقيل فرض كِفَايَة حَتَّى إِذا ظهر سَاحر عرف سحره وَهَذَا بَاطِل لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه لم يكن فِي الصَّحَابَة بعد رَسُول الله ﷺ من يعرفهُ وَلَو كَانَ فرضا كَانُوا أقوم النَّاس بِهِ وَثَانِيهمَا أَنه قد ثَبت بِالضَّرُورَةِ أَن مُحَمَّدًا ﷺ خَاتم الْأَنْبِيَاء وَهَذَا برهَان يُوضح لنا أَن كل مُدع للنبوة بعده كَاذِب

стр. 59

وَأَن كل خارقة تَأتي على يَد مدعي النُّبُوَّة بعده فَأَنَّهَا غير صَحِيحَة فَإِذا تقرر هَذَا فقد اتَّضَح الْفرق فَإِن النبوات لَا حِيلَة لأحد فِي اكتسابها الْفرق الثَّانِي أَنه لَا حَقِيقَة للسحر وَلَا يبْقى وَفِي المعجزات مَا يبْقى مثل النَّاقة فِي قوم صَالح وَمثل الْقُرْآن الْعَظِيم فِي معجزات رَسُول الله ﷺ وَلذَلِك كَانَ أبهر المعجزات فَإِنَّهُ لَو أمكن فِيهِ السحر لأمكن أَن جَمِيع أشعار الْعَرَب وتواريخ الْعَالم وَجَمِيع كتب الدُّنْيَا سحر وَهَذَا مَعْلُوم الْفساد بِالضَّرُورَةِ وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ الله تَعَالَى فِي أول سُورَة الْأَنْعَام ﴿وَلَو نزلنَا عَلَيْك كتابا فِي قرطاس فلمسوه بِأَيْدِيهِم لقَالَ الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَابَ عَلَيْهِم الِاعْتِذَار عَن الْحق بِالسحرِ فِي الْموضع الَّذِي لَا يُمكن فِيهِ السحر قطعا فِي عقول الْعُقَلَاء فَكيف وَقد جَعَلُوهُ سحرًا بَينا لَا سحرًا مشكوكا فِيهِ لشدَّة عنادهم يدل على ذَلِك أَنهم جَعَلُوهُ غَايَة مَا اقترحوا تعجيزا وعنادا وعتوا حَيْثُ قَالُوا ﴿أَو ترقى فِي السَّمَاء وَلنْ نؤمن لرقيك حَتَّى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾ فَتَأمل ذَلِك وَكَذَلِكَ أمثالهم من أَعدَاء الاسلام وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة يُونُس حِكَايَة عَن مُوسَى وَقَومه ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم الْحق من عندنَا قَالُوا إِن هَذَا لسحر مُبين قَالَ مُوسَى أتقولون للحق لما جَاءَكُم أَسحر هَذَا وَلَا يفلح الساحرون﴾ فَاكْتفى مُوسَى بتقريعهم حَيْثُ وضح عنادهم الْفرق الثَّالِث أَنه لَا يكون السحر إِلَّا بِشُرُوط مَخْصُوصَة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة وَلَا يكون بِحَسب الاقتراح بِخِلَاف المعجزات قلت وَهنا فروق أوضح من هَذِه الفروق بَين الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم وَذَلِكَ من وُجُوه الأول اتِّفَاق الْأَنْبِيَاء فِي التَّوْحِيد وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَالتَّرْغِيب فِيمَا لَدَيْهِ والترهيب من عُقُوبَته فَالْأول مِنْهُم يبشر بِالثَّانِي وَالْآخر مِنْهُم يُؤمن بِالْأولِ وَلَيْسَ أحد مِنْهُم يُخطئ أحدا وَلَا ينقم عَلَيْهِ وَلَا ينتقصه بِخِلَاف سَائِر أَرْبَاب الخوارق وَسَائِر الْعلمَاء والأولياء فَإِنَّهُ يجْرِي بَينهم الْمُعَارضَة

стр. 60

الدَّالَّة على ارْتِفَاع الْعِصْمَة أَلا ترى أَن أهل الرياضة تكون فيهم المبتدعة بل مِنْهُم الدهرية والبراهمة وَقد ذكر صَاحب العوارف طرفا من ذَلِك فِي الْبَاب السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ وصنف شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية مصنفا فِي ذَلِك سَمَّاهُ الْفرق بَين الْأَحْوَال الربانية وَالْأَحْوَال الشيطانية الْوَجْه الثَّانِي مَا ذكره الشَّيْخ مُخْتَار فِي الْمُجْتَبى وَهُوَ أَن صَاحب المعجزات يُفَارق صَاحب الْحِيَل وَالسحر فِي الزي والرواء والهيبة وَالْكَلَام وَالْأَفْعَال وَفِي كَافَّة الْأَحْوَال أنوار التَّقْوَى تلألأ فِي وَجه صَاحب المعجزات وآثار الصّلاح تلوح فِي وُجُوه أهل الْخيرَات تعرفهم بِسِيمَاهُمْ كَمَا قَالَ رَبهم ومولاهم شيمتهم التحلم والاصطبار وَدينهمْ الصفح وَالْعَفو وَالِاسْتِغْفَار والجود فالسخاء والايثار والمصافاة مَعَ الْمَسَاكِين والفقراء والحنو والحدب على الضُّعَفَاء والأعراض عَن زخارف الدُّنْيَا وَعَن اتِّبَاع الشَّهَوَات والهوى وَأما أَصْحَاب السحر والحيل فرذائل التزوير لائحة فِي وُجُوههم ومخايل الختل والغدر وَاضِحَة فِي جباههم قصارى هَمهمْ استمالة الأغبياء وإيثار مَوَاطِن الْمُلُوك والأمراء والأغنياء وَغَايَة أمنيتهم نيل الجاه والعز فِي الدُّنْيَا وَالظفر بِمَا يُوَافق النَّفس والهوى اه وَقد سبقه الرَّازِيّ إِلَى هَذَا الْمَعْنى بأجود من كَلَامه لكنه أطول فآثرت اخْتِصَار مَا ذكره الرَّازِيّ فِي كتاب الْأَرْبَعين ونقلته وزدت عَلَيْهِ كثيرا فِي كتاب الْبُرْهَان الْقَاطِع فِي معرفَة الصَّانِع وَصِحَّة الشَّرَائِع وَإِلَى هَذَا الْوَجْه الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون﴾ وَقَوله ﴿أَسحر هَذَا وَلَا يفلح الساحرون﴾ كَمَا تقدم فِي كَلَام مُوسَى ﵇ وَقَوله تَعَالَى ﴿اتبعُوا من لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون﴾ وأمثالها وَفِي آيَة يسن اشارة إِلَى أَن الْكَذِب على الله وعَلى الْخلق فِي غَايَة الْقبْح ونفرة الْعُقَلَاء عَنهُ متمكنة فَلَا يُمكن صدوره من أهل الْعُقُول الراجحة والزهد المجرب لِامْتِنَاع وُقُوع الْمَرْجُوح عقلا وسمعا وَهَذِه وأضعاف أضعافها صِفَات الْأَنْبِيَاء ﵈ كَمَا أوضحته فِي الْبُرْهَان الْقَاطِع ثمَّ ان الله تَعَالَى جعل فِي بعض أَحْوَال

стр. 61

الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فتْنَة للَّذين فِي قُلُوبهم زيغ وَمرض وعمى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك من الْمُرْسلين إِلَّا إِنَّهُم ليأكلون الطَّعَام ويمشون فِي الْأَسْوَاق وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبك بَصيرًا﴾ وَذَلِكَ ليبقى الِابْتِلَاء الَّذِي اقتضته الْحِكْمَة حِين كَانَ فِي أَسمَاء الله الْمُبْتَلى وَالْبَاطِن وَالظَّاهِر كَمَا مضى فَمن كَانَ نظره من الْجِهَات الْمُنَاسبَة لاسمه الظَّاهِر رشد وَسعد وَمن كَانَ نظره على الْعَكْس من ذَلِك وَقع فِي المحارات وَبعد من مسالك النجَاة فَكُن من ذَلِك على حذر وافزع إِلَى الله واستعذبه من ذَلِك وَهُوَ الْهَادِي وَلَا يهدى إِلَّا الله الْوَجْه الثَّالِث أَنه يظْهر على كل نَبِي مَا يميزه من السَّحَرَة وَأهل الْحِيَل مِثَال ذَلِك إِيمَان السَّحَرَة بمُوسَى واعترافهم أَن الَّذِي جَاءَ بِهِ لَيْسَ فِي جنس السحر واحياء عِيسَى للموتى وَذَلِكَ ان مُوسَى ﵇ كَانَ فِي وَقت ظهر فِيهِ علم السحر وَعِيسَى ﵇ كَانَ فِي زمن ظهر فِيهِ علم الطِّبّ فجَاء كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يعرفهُ أهل عصره وَكَذَلِكَ مُحَمَّد ﷺ كَانَ فِي زمَان ظَهرت فِيهِ الفصاحة فجَاء بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِم مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من وُجُوه الاعجاز ثمَّ انه ظهر لنا فِي حق نَبينَا ﷺ أُمُور كَثِيرَة تميزه عَن السَّحَرَة والمحتالين مِنْهَا وُرُود الْبشَارَة بِهِ فِي التَّوْرَاة والانجيل قَالَ الرَّازِيّ فِي كِتَابه الْأَرْبَعين وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه ادّعى أَن ذكره مَوْجُود فيهمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ وَقَالَ حِكَايَة عَن عِيسَى الْمَسِيح ﴿وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ وَقَالَ ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ وَمَعْلُوم أَنه لَو

стр. 62

لم يكن صَادِقا فِي ذَلِك لَكَانَ هَذَا من أعظم المنفرات عَنهُ للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا يُمكن أَن الْعَاقِل يقدم على فعل يمنعهُ من مَطْلُوبه وَيبْطل عَلَيْهِ مَقْصُوده وَلَا نزاع بَين الْعُقَلَاء انه كَانَ أَعقل النَّاس وأحلمهم انْتهى وَمِنْهَا مَا ظهر من كراماته فِي أَيَّام الْحمل بِهِ وَأَيَّام الطفولية مثل مَا روى مُسلم فِي الصَّحِيح وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أنس أَن جِبْرِيل أَتَاهُ وَهُوَ يلْعَب مَعَ الصّبيان فشق بَطْنه واستخرجه وَجَاء الغلمان يسعون إِلَى ظيره فَقَالُوا ان مُحَمَّدًا قد قتل وَهُوَ منتقع اللَّوْن قَالَ انس قد كنت أرى ذَلِك الْمخيط فِي صَدره وَمِنْهَا علم جَمِيع من آمن بِهِ من أَهله وَأَصْحَابه وَأهل بَلَده ببراءته من التُّهْمَة بِالسحرِ وَلَا شكّ ان علمهمْ بذلك ضَرُورِيّ كَمَا يعلم ذَلِك أَحَدنَا فِي كثير من أَهله وخاصته وجيرانه وَأهل زَمَانه وَلذَلِك حصل مَعنا الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك عَن خبرهم وَلَو كَانَ خبرهم عَن ظن لم يحصل لنا مِنْهُ علم ضَرُورِيّ وَمن لم يحصل لَهُ هَذَا الْعلم الضَّرُورِيّ فَذَلِك لتَقْصِيره فِي علم الحَدِيث وَالسير والتاريخ على أَنا غير مُحْتَاجين إِلَى شَيْء من هَذَا لما قدمْنَاهُ من انه لَا يُمكن السحر فِي الْقُرْآن لدوامه وعظيم مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من البلاغة والعلوم وَلَو أمكن ذَلِك بِالسحرِ لامكن السَّاحر أَن يكون كَلَامه بليغا مفهوما وَلما حصلت الثِّقَة بِكَلَام وَلَا كتاب على وَجه الأَرْض وَقد بسطت الْقَوْم فِي هَذَا فِي الْبُرْهَان الْقَاطِع وَهَذَا كَاف على قدر هَذ الْمُخْتَصر وَلَيْسَ التآليف الامثل للثمار وَطرح الْبذر فِي الأَرْض الطّيبَة ثمَّ يهب الله من الْبركَة مَا يَشَاء وَهُوَ الفتاح الْعَلِيم على أَن السحر أحد الدلالات الْبَيِّنَة على الله تَعَالَى لَان علمه من الْعُلُوم الَّتِي لَا تدْرك بِالْعقلِ مثل مَا ذكره الْغَزالِيّ فِي أَمْثَاله مِمَّا يعلم قطعا انه يَنْتَهِي إِلَى تَعْلِيم عَالم الْغَيْب وَلذَلِك جَاءَ النَّص الصَّرِيح فِي كتاب الله تَعَالَى بِأَنَّهُ من تَعْلِيم ملكَيْنِ من مَلَائِكَة الله وَأَن علمه أنزل عَلَيْهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل﴾ الْآيَات ثمَّ فِيهِ دلَالَة على النبوات من جِهَة أُخْرَى

стр. 63

وَذَلِكَ ان السَّاحر يعجز عَن مُعَارضَة الانبياء وَعَن بُلُوغ درجتهم فِي الاعجاز الْحق فَتبين بذلك صدقهم وتمييزهم برفيع مقامهم عَن السحر والسحرة كَمَا كَانَ فِي قصَّة مُوسَى ﵇ مَعَ السَّحَرَة فتعرف بذلك قدر النبوات معرفَة مقادير المحاسن بأضدادها وَللَّه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي كل شَيْء وَمِمَّا يُقَوي أَمر النبوات والاسلام النّظر فِي معارضها وَضَعفه فان الْمُخَالفين لذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أهل التجاهل المتدينون بدين الْآبَاء وان كَانَ عبَادَة الاحجار وَنَحْو ذَلِك وَلَا يلْتَفت إِلَى هَؤُلَاءِ مُمَيّز وَثَانِيهمَا أهل الفلسفة وَقد نقل الرَّازِيّ عَنْهُم الِاعْتِرَاف بِأَن خوضهم فِي الربوبيات بِالظَّنِّ وَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ إِلَّا أَحْكَام المشاهدات والمجريات وَلَو لم يقرُّوا بذلك قَامَ الدَّلِيل الْقَاطِع عَلَيْهِم بذلك وَهُوَ اخْتلَافهمْ وتكاذبهم المتباعد المتفاحش الَّذِي تميز الانبياء بالعصمة مِنْهُ عَن جَمِيع أهل الدعاوي الْبَاطِلَة وَالنَّظَر فِي هَذَا نَفِيس جدا فان الشَّيْء انما يزْدَاد شرفا على قدر خساسة ضِدّه وَصِحَّة على قدر ضعف معارضه وَإِلَيْهِ الاشارة بقول يُوسُف ﵇ ﴿يَا صَاحِبي السجْن أأرباب متفرقون خير أم الله الْوَاحِد القهار﴾ إِلَى آخر الْآيَات وَيقرب مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾ ثمَّ أَن الله تَعَالَى نبه على عَظِيم عناد المكذبين للانبياء بقوله تَعَالَى ﴿فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك وضائق بِهِ صدرك أَن يَقُولُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ كنز أَو جَاءَ مَعَه ملك إِنَّمَا أَنْت نَذِير وَالله على كل شَيْء وَكيل﴾ فَقَوله إِنَّمَا أَنْت نَذِير وَاضح فِي الرَّد عَلَيْهِم بِأَن أصل الْقَصْد فِي النبوات اقامة الْحجَّة على الغافلين عَن الامر الْجَلِيّ بِمُجَرَّد مَا يُنَبه الغافل من النذارة الْقَائِمَة مقَام الْحَاضِر على الْقلب وَذَلِكَ مَا لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل قَاطع على صدق النذير بل يَكْفِي فِي النذير أَن يكون مُمكن الصدْق غير مَقْطُوع بكذبه فِي الأَصْل وَمثله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وعلينا الْحساب﴾ وَلذَلِك ذهب إِلَى ذَلِك كثير من الامامية

стр. 64

كَمَا ذكره صَاحب كتاب الدعائم عَنْهُم لَكِن الله زَاد فِي إِقَامَة الْحجَّة ليقوى عدله على الْكَافرين وفضله على الْمُؤمنِينَ فأيدهم بأنواع الْآيَات الخارقة والامارات الصادقة وَفِي الْآيَة دلَالَة على حسن الِاحْتِيَاط فِي الحذر بعد سَماع النّذر كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي النّظر وكما تقدّمت عَلَيْهِ الدّلَالَة فِي كَلَام مُؤمن آل فِرْعَوْن وَغَيره مِمَّا تقدم من الْآيَات الْكَرِيمَة فِي ذَلِك وَللَّه الْحَمد ثمَّ أَن الْأمة أَجمعت على انْقِطَاع الْوَحْي بعد رَسُول الله ﷺ وَأَنه لَا طَرِيق لأحد من بعده إِلَى مُعَارضَة مَا جَاءَ بِهِ فَمن ادّعى ذَلِك وَجوز تَغْيِير شَيْء من الشَّرِيعَة بذلك فكافر بالاجماع خَاتِمَة ثمَّ إِن المثبتين للنبوة اخْتلفُوا فِي الايمان بِجَمِيعِ الانبياء فَمنهمْ من فرق بَين رسل الله فَآمن ببعضهم وَكفر ببعضهم كاليهود وَالنَّصَارَى وَمِنْهُم من آمن بِجَمِيعِ رسل الله وَلم يفرق بَين أحد مِنْهُم كالمسلمين فَلَا شكّ فِي أَن إِثْبَات النبوات أصح دَلِيلا وأحوط ثمَّ أَن الايمان بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء كَذَلِك فان المكذب برَسُول وَاحِد كالمكذب بِجَمِيعِ الرُّسُل وَهل أَشْقَى مِمَّن سلم من جَمِيع المهالك حَتَّى إِذا لم يبْق إِلَّا مهلكة وَاحِدَة وَقع فِيهَا فَانْظُر مَا أوضح الضلال فِي جَمِيع مَا تقدم من انكار الْعُلُوم ثمَّ من إِنْكَار الربوبية ثمَّ من إِنْكَار التَّوْحِيد ثمَّ من إِنْكَار النبوات ثمَّ من إِنْكَار نبوة مُحَمَّد ﷺ خَاصَّة وَمَا أوضح الْحق فِي مُخَالفَة ذَلِك كُله فَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَمن واضحات الدّلَالَة على الْيَهُود أَنهم مقرون برَسُول مُبشر بِهِ فِي التَّوْرَاة لكنه عِنْدهم غير مُحَمَّد ﷺ فَيُقَال لَهُم تكذيبهم بِمُحَمد يُؤَدِّي إِلَى تكذيبهم بِكُل مُدع أَنه هُوَ لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يَأْتِي إِلَّا بمعجزات وَأما حَدِيث تمسكوا بالسبت أبدا فَلَو كَانَ حَقًا لذكروه للنَّبِي ﷺ وَلم يُؤمن مِنْهُم أحد لكنه مَوْضُوع فِي زمن الراوندي ذكره صَاحب التَّقْوِيم فِي أصُول الْفِقْه وَلَا حجَّة فِيهِ لَو صَحَّ لِأَن المُرَاد بذلك قد يكون مُدَّة طَوِيلَة وَإِلَى غَايَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾

стр. 65

فصل فِي تَأْكِيد الْيَقِين بالنبوات زِيَادَة على مَا تقدم وَذَلِكَ أَن كثرتهم ﵈ قد علمت لأهل الْعلم بتواريخ الْعَالم وأخبار الامم واشتهرت لمن كَانَ أقل بحثا وخبرة بِهَذِهِ الْعُلُوم وَورد فِي الاخبار أَنهم ﵈ مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَكتب الله الَّتِي جاؤا بهَا مائَة كتاب وَأَرْبَعَة كتب رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي ذَر بِسَنَدَيْنِ حسنين وتواترت كثرتهم فِي الْجُمْلَة وَلَا شكّ أَن الْجمع الْعَظِيم مَتى تَفَرَّقت أوطانهم وقبائلهم وأغراضهم وأزمانهم ومذاهبهم وَلم يَكُونُوا من أهل الصناعات النظرية والرياضات الفلسفية والقوانين المنطقية ثمَّ اتَّفقُوا على الْقطع بِصِحَّة أَمر لَا دَاعِي لَهُ وَلَا مَانع مِنْهُ بِحَيْثُ لَو اجْتمع عُيُون الفطناء وحذاق الأذكياء ومهرة الْعلمَاء على وَاحِد مِنْهُم يشككون عَلَيْهِ فِي اعْتِقَاده لم يرفع إِلَيْهِم رَأْسا وَلم يلْتَفت إِلَيْهِم أصلا فَعلمنَا علما تجربيا ضَرُورِيًّا أَنهم مَا تواطئوا على التعمد للمباهتة والتجري على التَّدْلِيس والمغالطة وَأَنه مَا جمع متفرقات عقائدهم وَألف نوافر طباعهم وربط بَين جوامح مختلفات اختياراتهم وعصمهم عَن مُتَابعَة سنة الْعُقَلَاء فِي اخْتِلَاف مذاهبهم مَعَ طول أنظارهم إِلَّا صدق مَا ادعوهُ من شرِيف علمهمْ وحالهم وَصِحَّة مَا بنوا عَلَيْهِ دينهم ويقينهم من استناد هَذِه العوالم وَالْخَلَائِق والْآثَار والحوادث إِلَى رب عَظِيم ومدبر حَكِيم واضطراره لَهُم بالمعجزات والقرائن إِلَى الِاجْتِمَاع على هَذَا الدّين القويم والشأن الْعَظِيم وَحِينَئِذٍ لَا تردد الْعُقُول وَلَا توقف الاذهان عَن الْجَزْم بصدقهم وثلج الصُّدُور لصِحَّة خبرهم فَكيف إِذا عضد هَذَا الْجَمِيع الْعَظِيم من الْبَرَاهِين النيرة والقرائن الْوَاضِحَة والشواهد الصادقة مَا لم يحصره

стр. 66

الاذكياء والعارفون على مُرُور الدهور والقرون حَتَّى قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمكنون ﴿فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ﴾ فَمن ذَلِك مَا ذكره الامام الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ فِي كِتَابه فِي اثبات النبوات قَالَ ﵇ وَأَنْتُم إِذا تأملتم أَحْوَال الفترات الَّتِي كَانَت بَين آدم ونوح وابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﷺ ازددتم معرفَة بِحسن تَدْبِير الله تَعَالَى لخلقه بابتعاث الرُّسُل وتجديده مَا درس أَو كَاد يدرس من الشَّرَائِع والملل وَأَنه ابتعث حِين علم الصّلاح فِي الابتعاث وَمد الفترة حِين علم اقتران الْمصلحَة بهَا لِأَن الفترة على مَا يَقُوله بعض أهل التواريخ على اخْتِلَاف بَينهم فِيهِ وَالله أعلم بتحقيق ذَلِك كَانَت بَين آدم ونوح صلى الله عَلَيْهِمَا سَبْعمِائة عَام وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَالله أعلم على مِقْدَار مَا يلوح لنا ويبلغه مِقْدَار أفهامنا أَن آدم هَبَط إِلَى الأَرْض وَهُوَ أَبُو الْبشر وَأول الانس وَلم يكن فِي زَمَانه شَيْء من الْكفْر وَعبادَة الاصنام وَلم يكن غَيره وَغير زَوجته حَوَّاء وأولادهما وَكَانُوا يعْرفُونَ حَاله فَلم يكن فِي أمره شكّ عِنْدهم لوضوح أمره وَظُهُور آيَاته وَقلة من بعث اليهم فامتد زمَان الفترة وَكَانَ بَينهمَا مَعَ شِيث ذَلِك وَإِدْرِيس ﵉ فاستحدث النَّاس الْكفْر وَعبادَة الْأَصْنَام وَاتَّخذُوا ودا وسواعا ويغوت ويعوق ونسرا فابتعث الله نوحًا ﵇ يَدعُوهُم إِلَى التَّوْحِيد وخلع الْأَصْنَام والأنداد فَلبث فيهم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ فغرقهم الله بالطوفان حِين تمت عَلَيْهِم حجَّته وَعلم أَنه لَا يصلح مِنْهُم أحد كَمَا أوحى ذَلِك إِلَى نوح ﵇ ثمَّ كَانَت الفترة بَين نوح وَإِبْرَاهِيم ﵉ نَحْو سَبْعمِائة عَام وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الْمدَّة نَحْو ذَلِك لِأَن الْغَرق أعَاد حَال نوح إِلَى نَحْو حَال آدم صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم فِي ظُهُور أمره وَابْتِدَاء الْبشر مِنْهُ مَعَ أَنه لم يكن بَقِي من الْكفَّار أحد إِلَّا أَن النَّاس قد كَانُوا عرفُوا عبَادَة الْأَصْنَام واتخاذ الأنداد من دون الله فَأَسْرعُوا بعده إِلَى الْكفْر وَعبادَة الْأَصْنَام وَكَانَ الله تَعَالَى قد بعث هودا إِلَى عَاد لما ازْدَادَ تمردهم وصالحا بعده إِلَى

стр. 67

ثَمُود ثمَّ لما ازْدَادَ الْكفْر ظهورا وانتشارا ابتعث الله إِبْرَاهِيم فَدَعَاهُمْ إِلَى الله تَعَالَى وَكسر أصنامهم ونبههم على خطأ أفعالهم وجدد لَهُم الذكرى وَأنزل عَلَيْهِ الصُّحُف وَبعث لوطا ﵇ إِلَى قوم مخصوصين حِين ازْدَادَ عتوهم واستحدثوا من الْفَاحِشَة مَا لم يكن قبلهم ثمَّ كَانَت الفترة بَينه وَبَين مُوسَى صلى الله عَلَيْهِمَا نَحْو أَرْبَعمِائَة سنة وَإِنَّمَا كَانَت كَذَلِك وَالله أعلم لِأَن ابراهيم ﷺ مضى وَالْكفْر بَاقٍ بَينهم ظَاهر وَلم تكْثر أَتْبَاعه الْكَثْرَة الظَّاهِرَة على مَا بلغنَا وَبعث الله بعده إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ﵈ والاسباط وشعيبا قبل مبعث مُوسَى ﵇ وَقبل أَيُّوب وَكَانَ قد بعث قبل مُوسَى ﵇ وتغيرت أَحْوَال بني إِسْرَائِيل وَقل قبُول النَّاس الْحق وَظهر الْكفْر وَبلغ مبلغا لم يكن بلغه من قبل لِأَن فِرْعَوْن ادّعى الربوبية فاستعبد بني إِسْرَائِيل فَعظم الْأَمر وازداد الْكفْر واتسع الْخرق ونسى الْحق فَلذَلِك قصرت مُدَّة هَذِه الفترة حَتَّى بعث مُوسَى ﷺ مَعَ تِلْكَ الْآيَات الْعِظَام كالعصا وَالْيَد الْبَيْضَاء ومجاوزة بني إِسْرَائِيل الْبَحْر بعد أَن انْفَلق فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم وتغريق فِرْعَوْن وَمن مَعَه إِلَى غير ذَلِك من الْحجر الَّذِي انفجرت مِنْهُ الْعُيُون وَمَا كَانَ ظهر قبل ذَلِك من الْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَأنزل عَلَيْهِ التَّوْرَاة وَبَين فِيهَا الْأَحْكَام والحلال وَالْحرَام وَظهر أمره أتم الظُّهُور وَإِنَّمَا كَانَت أَعْلَام مُوسَى أَكثر وآياته أظهر لِأَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا وَالله أعلم أَجْهَل الْأُمَم وأغلظهم طبعا وأبعدهم عَن الصَّوَاب وأبلدهم عَن اسْتِدْرَاك الْحق أَلا ترى أَنهم بعد مَا جَاوز الله بهم الْبَحْر وغرق آل فِرْعَوْن وهم ينظرُونَ قَالُوا لمُوسَى حِين مروا على قوم عاكفين على أصنام لَهُم يَا مُوسَى اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة وَاتَّخذُوا الْعجل وعبدوه وظنوا أَنه إلههم وإله مُوسَى وَأَنه نسي فبحسب هَذِه الْأَحْوَال اقْتَضَت الْحِكْمَة إِيضَاح الْآيَات والاعلام وتكثيرها لَهُم ثمَّ بعث يُوشَع وَيُونُس ثمَّ بعث دَاوُد وَأنزل عَلَيْهِ الزبُور وَبعث سُلَيْمَان وآتاه الله الْملك مَعَ تِلْكَ الْآيَات الْعَظِيمَة ثمَّ بعث بعده زَكَرِيَّا وَيحيى صلى الله عَلَيْهِم وَكَانَت الفترة بَين مُوسَى وَعِيسَى نَحْو ألفي سنة لعظم آيَات مُوسَى وَعظم الْكتاب الَّذِي أنزل

стр. 68

مَعَه وَلما بعث بَينهمَا من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَهَذِه الْمدَّة أطول المدد الَّتِي كَانَت بَين من ذكرنَا ﵈ ثمَّ لما تزايد الْكفْر وتغيرت أَحْوَال بني إِسْرَائِيل وشاع الْإِلْحَاد فِي الفلاسفة بعث الله عِيسَى ﵇ بِتِلْكَ الْآيَات الباهرة وَبَقِي فيهم مَا بَقِي ثمَّ أكْرمه الله تَعَالَى وَرَفعه إِلَيْهِ ثمَّ كَانَت الفترة بَينه وَبَين نَبينَا مُحَمَّد ﷺ نَحْو ستمائه عَام وَكَانَت هَذِه الْمدَّة أَوسط المدد وَذَلِكَ وَالله أعلم لِأَن حجج الله تَعَالَى كثرت فِيهَا لبَقَاء التَّوْرَاة وَالزَّبُور والانجيل وَمَعَ ذَلِك كثر الضلال وَقيل فِي الْمَسِيح قَولَانِ عظيمان أَحدهمَا مَا قالته الْيَهُود وَالثَّانِي مَا قالته النَّصَارَى ثمَّ بعث الله تَعَالَى النَّبِي مُحَمَّدًا ﷺ وَختم بِهِ الرسَالَة وَنحن من مبعثه على نَحْو من أَرْبَعمِائَة عَام فَدلَّ على قرب السَّاعَة وأزوف الْقِيَامَة وحقق ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم وهم فِي غَفلَة معرضون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ بعثت أَنا والساعة كهاتين وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ اه قلت وَهَذَا كَلَامه ﵇ ﷺ فِي هَذَا التَّارِيخ الْمُتَقَدّم فَكيف بِنَا الْيَوْم وَقد دَخَلنَا فِي الْمِائَة التَّاسِعَة أَكثر من ثلثهَا قَالَ ﷺ فانظروا رحمكم الله فِي حسن نظر الله لِعِبَادِهِ بِمَا ذكرنَا فاعتبروا بِهِ واستعدوا للدوام والبقاء فَلهُ خلقْتُمْ فَكَأَن الْوَاقِعَة قد وَقعت والحاقة قد حقت فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير فَلَا يصدنكم الشَّيْطَان وَأَتْبَاعه عَنْهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى فَلَا يصدنك عَنْهَا من لَا يُؤمن بهَا وَاتبع هَوَاهُ فتردى﴾ وفقنا الله وَإِيَّاكُم لطاعته وَاتِّبَاع مرضاته قلت وَمَعَ قرب مبعث مُحَمَّد ﷺ من الْقِيَامَة فَلم يخل الله عباده من تَجْدِيد الْآيَات وَمَا يقوم مقَام تجديدها وَذَلِكَ بِأُمُور أعظمها إعجاز الْقُرْآن الْعَظِيم وبقاؤه فِي الْأمة وَحفظه لَهُ عَن التَّغْيِير وَقد جود الامام الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ وَمن سبقه من عُلَمَاء الاسلام

стр. 69

القَوْل فِي ذَلِك وَقد جمعه ﵇ فِي كِتَابه فِي النبوات وجوده وَإِن كَانَ قَالَ ﵇ أَنه لم يزدْ على ماقالوه وَإِنَّمَا أوجز من كَلَامهم مَا جعله الْبسط متباعد الْأَطْرَاف أَو بسط مَا جعله الايجاز خَفِي الاغراض فقد أَفَادَ وأجاد وَأحسن وَزَاد فَيَنْبَغِي مُطَالبَة كِتَابه فِي ذَلِك وَكتاب الجاحظ فِيهِ أَيْضا فانه السَّابِق لَهُ ﵇ إِلَى ذَلِك وَالْمَشْهُور بالتجويد فِي هَذِه المسالك وَمن نَفِيس كَلَامه فِي ذَلِك قَوْله وَمن الدَّلِيل على اعجاز الْقُرْآن أَن النَّبِي ﷺ ابْتَدَأَ الاتيان بِهَذَا الْقُرْآن على غَايَة الاحكام والاتقان وَقد ثَبت جَرَيَان الْعَادة أَن كل أَمر يَقع على وَجه لَا يَصح وُقُوعه عَلَيْهِ إِلَّا بعلوم تحصل للْفَاعِل لَهُ لَا يَصح وُقُوعه ابْتِدَاء على غَايَة الاحكام والاتقان وَأَن بُلُوغه الْغَايَة يتَعَذَّر إِلَّا على مر الدهور والأعصار وتعاطي جمَاعَة فجماعة لَهُ وانه لَا فرق فِي ذَلِك بَين شَيْء وَشَيْء من الْأُمُور فِي منظوم الْكَلَام ومنثوره وَمَا يتَعَلَّق بالتنجيم والطب وَالْفِقْه والنحو والصناعات الَّتِي هِيَ النساجة والصياغة وَالْبناء وَمَا أشبه ذَلِك فَإِذا ثَبت ذَلِك وَثَبت وُقُوع الْقُرْآن على الْوَجْه الَّذِي بَيناهُ ثَبت أَنه وَقع على وَجه انتقضت بِهِ الْعَادة فَجرى مجْرى قلب الْعَصَا حَيَّة واحياء الْمَوْتَى وَالْمَشْي على المَاء والهواء إِلَى آخر مَا ذَكرُوهُ فِي ذَلِك وَلَوْلَا أَن ذكره يُنَاقض مَا قصدت من الِاخْتِصَار لذكرته فَهَذَا أعظم الْآيَات لبَقَائه فِي أمة مُحَمَّد ﷺ وفناء آيَات الْأَنْبِيَاء فِي أعصارهم ﵈ وَلَكِن الله لما علم أَن النُّبُوَّة قد انْقَطَعت جعل هَذَا المعجز الْجَلِيل بَاقِيا على مر الدهور جَدِيدا على طول العصور الْأَمر الثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ إِن الله يبْعَث لأمتي من يجدد لَهَا دينهَا رَأس كل مائَة عَام وَهَذِه إِشَارَة إِلَى مَا من الله تَعَالَى بِهِ على أهل الاسلام من الْأَئِمَّة الهداة للأنام ﵈ وَمن سَائِر الْعلمَاء الاعلام وَالصَّالِحِينَ الْكِرَام وَمِمَّا يَجْعَل الله تَعَالَى فيهم من الاسرار ويجدد بهم من الْآثَار ويوضح بهم من المشكلات وَيبين بهم

стр. 70

من الدلالات وَيرد بعلومهم من الجهالات وَيُؤَيّد بهم من الكرامات وصادق الْمُبَشِّرَات من رُؤْيا الْحق الْوَارِدَة فِي مُحكم الْآيَات وصحيح الرِّوَايَات الْأَمر الثَّالِث نصر الله تَعَالَى لحماة الاسلام الْمُجَاهدين وإنجازه مَا وعدهم بِهِ فِي كِتَابه الْمُبين من نَصره للْمُؤْمِنين وعَلى لِسَان رَسُوله الصَّادِق الْأمين من حفظه لهَذَا الدّين على كَثْرَة الْكَافرين والمفسدين والملاحدة والمتمردين وَلَو نذْكر الْقَلِيل من ذَلِك لطال وَقد اشْتَمَلت عَلَيْهِ تواريخ الاسلام وتواريخ الرِّجَال فَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما مَا يخْتَص بنبينا مُحَمَّد ﷺ من الْآيَات الباهرة والدلالات الْوَاضِحَة فَأكْثر من أَن يحصر وَأشهر من أَن يذكر وَقد صنفت فِي ذَلِك مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا كتاب الشِّفَاء للْقَاضِي عِيَاض الْمَالِكِي وَغَيره لَكِن تقصيها هُنَا مِمَّا لم تدع إِلَيْهِ الْحَاجة إِذْ لَا مُنَازع من أهل الاسلام فِي نبوته وَلَا شَاك وَلَا مشكك فِيهَا وَإِنَّمَا المُرَاد هُنَا ارشاد الْمُخْتَلِفين من أمته إِلَى أوضح الطّرق وأنصفها وأهداها إِلَى اتِّبَاع سنته والسلامة من مُخَالفَته وَلَكنَّا نتبرك ونتشرف بِذكر شَيْء يسير مِنْهَا على جِهَة الاشارة وَالرَّمْز إِلَى جمل من ذَلِك على حسب مَا يَلِيق بِهَذَا الْمُخْتَصر فَنَقُول كَمَا قَالَ وَاحِد من عُلَمَاء الاسلام إِن معجزاته ﷺ قِسْمَانِ حسية وعقلية أما الحسية فَثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا أُمُور خَارِجَة عَن ذَاته وَثَانِيها أُمُور فِي ذَاته وَثَالِثهَا أُمُور فِي صِفَاته أما الْقسم الأول وَهُوَ الاشياء الْخَارِجَة عَن ذَاته فَمثل انْشِقَاق الْقَمَر وَطَاعَة الشّجر فِي الْمَشْي إِلَيْهِ وَتَسْلِيم الْحجر وحنين الْجذع إِلَيْهِ ونبوع المَاء من بَين أَصَابِعه واشباع الْخلق الْكثير من الطَّعَام الْقَلِيل وشكاة النَّاقة وَشَهَادَة الشَّاة المشوية واظلال السَّحَاب قبل مبعثه وَمَا كَانَ من حَال أبي جهل وصخرته حِين أَرَادَ أَن يضْربهَا على رَأسه وَمَا كَانَ من شَاة أم معبد حِين مسح يَده الْمُبَارَكَة على ضرْعهَا وأمثال ذَلِك وَلَو ذكرت طرق ذَلِك وَأَسَانِيده لمنع عَن الْمَقْصُود بالاختصار وَأخرج عَنهُ إِلَى التآليف الْكِبَار

стр. 71

وَأما الْقسم الثَّانِي وَهِي الْأُمُور العائدة إِلَى ذَاته فَهُوَ مثل مَا كَانَ من الْخَاتم بَين كَتفيهِ والنور الَّذِي كَانَ ينْتَقل من أَب إِلَى أَب إِلَى أَن خرج إِلَى الدُّنْيَا وَمَا شوهد من خلقته وَصورته الَّتِي يحكم علم الفراسة بِأَنَّهَا دَالَّة على نبوته وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا يتَعَلَّق بصفاته فَهِيَ كَثِيرَة وَنحن نشِير إِلَى بَعْضهَا فَمن ذَلِك أَن أحدا مَا سمع مِنْهُ كذبا لَا فِي أُمُور الدّين وَلَا فِي أُمُور الدُّنْيَا وَلَو صدر عَنهُ شَيْء من ذَلِك مرّة وَاحِدَة لاجتهد أعداؤه فِي نشره واظهاره الثَّانِي أَنه مَا فعل قبيحا منفرا عَنهُ لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا الثَّالِث أَنه لم يفر عَن أحد من أعدائه لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا وان عظم الْخَوْف وَاشْتَدَّ الْأَمر مثل يَوْم أحد وَيَوْم الْأَحْزَاب الرَّابِع أَنه كَانَ عَظِيم الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة على أمته كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فلعلك باخع نَفسك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ الْخَامِس أَنه كَانَ فِي أعظم الدَّرَجَات فِي الْكَرم والسخاء حَتَّى أَن الله تَعَالَى علمه التَّوَسُّط فِي ذَلِك حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿وَلَا تبسطها كل الْبسط﴾ السَّادِس أَنه مَا كَانَ للدنيا فِي قلبه وَقع السَّابِع أَنه كَانَ فِي غَايَة الفصاحة الثَّامِن أَنه بَقِي على طَرِيقَته المرضية أول عمره إِلَى آخِره والمزور لَا يُمكنهُ ذَلِك وَإِلَيْهِ الاشارة بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنا من المتكلفين﴾ التَّاسِع أَنه ﷺ كَانَ مَعَ أهل الْغنى والثروة فِي غَايَة الْبعد عَن المطامع والترفع عَنْهَا وَمَعَ الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فِي غَايَة الْقرب مِنْهُم والتواضع لَهُم واللطف بهم الْعَاشِر أَنه كَانَ ﷺ فِي كل وَاحِدَة من هَذِه الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة فِي الْغَايَة القصوى من الْكَمَال وَلَا يتَّفق ذَلِك لأحد من الْخلق غير أهل الْعِصْمَة من الله تَعَالَى فَكَانَ اجْتِمَاع ذَلِك فِي صِفَاته من أعظم المعجزات

стр. 72

وَأما المعجزات الْعَقْلِيَّة فَهِيَ سِتَّة أَنْوَاع النَّوْع الأول أَنه ظهر بَين قَبيلَة مَا كَانُوا من أهل الْعلم وَمن بَلْدَة مَا كَانَ فِيهَا أحد من الْعلمَاء فِي ذَلِك الْعَصْر بل كَانَت الْجَهَالَة غالبة عَلَيْهِم وَلم يتَّفق لَهُ سفر من تِلْكَ الْبَلدة إِلَّا مرَّتَيْنِ كِلَاهُمَا إِلَى الشَّام وَكَانَت مُدَّة سفر قَليلَة وَلم يذهب أحد من الْعلمَاء والحكماء إِلَى بَلَده حَتَّى يُقَال أَنه تعلم الْعلم من ذَلِك الْحَكِيم فاذا خرج من مثل هَذِه الْبَلدة وَمثل هَذِه الْقَبِيلَة رجل بارع الْكَمَال فائق على فحول الرِّجَال من غير أَن يمارس شَيْئا من الْعُلُوم وَلَا يخالط أحدا من الْعلمَاء أَلْبَتَّة ثمَّ بلغ فِي معرفَة الله تَعَالَى وَصِفَاته وأسمائه وأفعاله وَأَحْكَامه هَذَا الْمبلغ الْعَظِيم الَّذِي عجز عَنهُ جَمِيع الأذكياء من الْعُقَلَاء بل عجزوا عَن الْقرب مِنْهُ والمداناة لَهُ بل أقرّ الْكل بِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُزَاد فِي تَقْرِير أصُول الدَّلَائِل ومهمات المعارف على مَا ورد فِي الْقُرْآن الْعَظِيم ثمَّ ذكر قسس الْأَوَّلين وتواريخ الْمُتَقَدِّمين بِحَيْثُ لم يتَمَكَّن أحد من الاعداء العارفين بذلك أَن يخطئه فِي شَيْء مِنْهَا بل بلغ كَلَامه فِي الْبعد من الريب إِلَى أَن قَالَ بذلك أَن يخطئه فِي شَيْء مِنْهَا بل بلغ كَلَامه فِي الْبعد من الريب إِلَى أَن قَالَ عِنْد مجادلتهم لَهُ ﴿تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ فحادوا عَن ذَلِك وَعرفُوا صدقه واجابة دَعوته وَلم يقدر أحد من أعدائه أَن ينْسب إِلَيْهِ أَنه أَخذ ذَلِك من مطالعة كتاب وَلَا صُحْبَة أستاذ وَكَانَت هَذِه الاحوال ظَاهِرَة مَعْلُومَة عِنْد الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب وَلَا تخطه بيمينك إِذا لارتاب المبطلون﴾ وَقَالَ ﴿فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله أَفلا تعقلون﴾ وكل من لَهُ عقل سليم وطبع مُسْتَقِيم علم أَن هَذِه الاحوال لَا تتيسر إِلَّا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني النَّوْع الثَّانِي أَنه عَلَيْهِ ﷺ كَانَ قبل اظهاره دَعْوَى الرسَالَة غير باحث عَن هَذِه المور وَلَا مَشْغُول بهَا وَلَا جرى على لِسَانه حَدِيث

стр. 73

النُّبُوَّة لنَفسِهِ وَدَعوى الرسَالَة وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَنه لَو اتّفق لَهُ خوض فِي هَذِه المطالب لقَالَ الْكفَّار أَنه أفنى عمره فِي ذَلِك وَفِي جمع الْقُرْآن حَتَّى قدر على ذَلِك بعد طول التَّأَمُّل والتدبر وَجَاء بِهِ وَلما لم يذكر هَذَا عَن أحد من الاعداء مَعَ شدَّة حرصهم على الطعْن فِيهِ وَفِي نبوته علمنَا ذَلِك وَمَعْلُوم أَن من انْقَضى من عمره أَرْبَعُونَ سنة وَلم يخض فِي شَيْء من هَذِه المطالب ثمَّ أَنه خَاضَ فِيهَا دفْعَة وَاحِد وأتى بِكَلَام عجز الْأَولونَ وَالْآخرُونَ عَن معارضته فصريح الْعقل يشْهد بِأَن هَذَا لَا يكون إِلَّا على سَبِيل الْوَحْي من الله تَعَالَى النَّوْع الثَّالِث أَنه ﷺ تحمل فِي أَدَاء الرسَالَة أَنْوَاع المتاعب والمشاق فَلم يُغَيِّرهُ ذَلِك عَن الْمنْهَج الأول وَلم يطْمع فِي مَال أحد وَلَا فِي جاهه بل صَبر على تِلْكَ المشاق والمتاعب وَلم يظْهر فِي عزمه فتور وَلَا فِي اصطباره قُصُور ثمَّ أَنه لما قهر الْأَعْدَاء وقويت شوكته ونفذت أوامره فِي الْأَمْوَال والارواح لم يتَغَيَّر عَن منهجه الأول فِي الزّهْد فِي الدُّنْيَا والاقبال على الْآخِرَة وكل من أنصف علم أَن المزور وحاشاه ﷺ من ذكر ذَلِك لَا يكون كَذَلِك فان المزور إِنَّمَا يروج الْكَذِب وَالْبَاطِل على الْحق لكَي يتَمَكَّن من الدُّنْيَا فاذا وجدهَا لم يملك نَفسه عَن الِانْتِفَاع بهَا لكيلا يكون ساعيا فِي تَضْييع مَطْلُوبه بل تَضْييع مَطْلُوبه بل تَضْييع دُنْيَاهُ وآخرته وَذَلِكَ مَا لَا يَفْعَله أحد من الْعُقَلَاء النَّوْع الرَّابِع من معجزاته الْعَقْلِيَّة أَنه كَانَ مستجاب الدعْوَة وَذَلِكَ مَعْلُوم بالتواتر الضَّرُورِيّ لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آيَاته واعلامه وَذَلِكَ ثَابت فِي الْكتب السِّت بِالْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَة من حَدِيث جَابر بن عبد الله وَأبي هُرَيْرَة والسائب بن يزِيد وَأبي زيد ابْن أَخطب وَيزِيد ابْن أبي عبيد وَابْن مَسْعُود وَأنس والبراء بن عَازِب وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ النَّوْع الْخَامِس وُرُود الْبشَارَة بِهِ ﷺ فِي التَّوْرَاة والانجيل وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه ادّعى ذَلِك كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم وَمَعْلُوم أَنه لَو لم يكن صَادِقا فِي ذَلِك لَكَانَ هَذَا من أعظم المنفرات لأهل الْكتاب عَنهُ وَلَا يَصح من الْعَاقِل أَن يقدم على فعل مَا يمنعهُ من مَطْلُوبه ويحول بَينه وَبَين

стр. 74

مَا يحاوله وَلَا نزاغ من الْعُقَلَاء أَنه كَانَ من أوفر النَّاس عقلا وَأَحْسَنهمْ تدبيرا وأرجحهم علما قَالَ بعض العارفين فادم كَانَت أوامره بنصرته لأولاده لَا تحصى ونوح عهد إِلَى أَتْبَاعه باتباعه ووصى والخليل كَانَ أَكْثَرهم اجْتِهَادًا فِي ذَلِك وحرصا وَبَنوهُ تواصو بِهِ وَإِسْمَاعِيل أَكْثَرهم فحصا وتوراة مُوسَى نطقت بنعته وَصِفَاته وأبانت عَن مَعَانِيه وآياته وأوضح براهان على ذَلِك وَدَلِيل ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل﴾ وزبور دَاوُد أفْصح بِصدق معجزاته واعرب عَن ظُهُور بيناته وإنجيل عِيسَى شهد بِأَنَّهُ الْخَاتم الَّذِي يشْكر دينه ويحمد وَصرح بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمُبشرا برَسُول يَأْتِي من بعدِي اسْمه أَحْمد﴾ وَالْأَخْبَار ببعثه من الْأَحْبَار أَكثر من أَن تذكر يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة والانجيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر فاسمع أنباءهم يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَمن صفته فِي التَّوْرَاة على مَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ (يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وحرزا للاميين أَنْت عَبدِي ورسولي سميتك المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا سخاب فِي الاسواق وَلَا يجزى بِالسَّيِّئَةِ مثلهَا وَلَكِن يعْفُو وَيغْفر وَلنْ يقبضهُ الله تَعَالَى حَتَّى يُقيم بِهِ الْملَّة العوجاء بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله يفتح بهَا آذَانا صمًّا وَأَعْيُنًا عميا وَقُلُوبًا غلفًا) ذكر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ كَمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرهَا عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس ﵄ أَن الله مَا بعث نَبيا إِلَّا وَأخذ عَلَيْهِ الْمِيثَاق لَئِن بعث مُحَمَّد وَهُوَ حَيّ ليُؤْمِنن بِهِ ولينصرنه النَّوْع السَّادِس اخباره عَن الغيوب وَصدقه فِي ذَلِك وَهَذَا بَاب وَاسع مَعْلُوم بالتواتر الضرورى لأهل الْمعرفَة بالأخبار والتقصي فِيهِ يخرجنا عَمَّا قصدناه من الِاخْتِصَار فليطالع فِي مظانه فانما الْقَصْد الاشارة وَفِي الْقُرْآن مِنْهُ الْكثير الطّيب كَمَا ذكره الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ وَغَيره مثل الجاحظ

стр. 75

والرازي وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيرهم وَفِي دواوين الاسلام من ذَلِك عَن عَليّ ﵇ وَجَابِر بن سَمُرَة وَأبي هُرَيْرَة وَأبي ذَر وَجَابِر بن عبد الله وَحُذَيْفَة وَعَمْرو بن أَخطب وَأنس وَعَاصِم بن كُلَيْب وَعَائِشَة وَأبي حميد السَّاعِدِيّ وثوبان وعدي بن حَاتِم وَمِمَّا تَوَاتر من ذَلِك حَدِيث (تقتلك يَا عمار الفئة الباغية) كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عمار من النبلاء وَاتفقَ البُخَارِيّ وَمُسلم على صِحَّته وتخريجه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلَفظ البُخَارِيّ (وَيْح عمار يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي قَتَادَة وَأم سَلمَة وَكلهَا عَن أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث خُزَيْمَة بن ثَابت وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وعمار وَحُذَيْفَة وَأبي أَيُّوب وَزِيَاد وَعَمْرو بن حزم وَمُعَاوِيَة وَعبد الله بن عَمْرو وَأبي رَافع ومولاة لعمارة وَغَيرهم وَقَالَ ابْن عبد الْبر تَوَاتَرَتْ الاخبار بذلك وَهُوَ من أصح الحَدِيث وَقَالَ ابْن دحْيَة لَا مطْعن فِي صِحَّته وَلَو كَانَ فِيهِ مطْعن لرده مُعَاوِيَة وَأنْكرهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ فِي كِتَابه فِي النبوات وَعَن أَحْمد ابْن حَنْبَل أَنه رُوِيَ من ثَمَانِيَة وَعشْرين طَرِيقا وَإِنَّمَا ذكرت طرفا من أسانيده على طَرِيق الاجمال لوُقُوعه على مَا أخبر بِهِ ﷺ فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ وَلَوْلَا خشيَة الاطالة لذكرت الْأَسَانِيد فِي كل حَدِيث ولنختم هَذَا النَّوْع بِهَذَا الحَدِيث الْجَلِيل وَالْعلم الْكَبِير من أَعْلَام النُّبُوَّة نبوة سيدنَا مُحَمَّد ﷺ وَنَذْكُر هُنَا حَدِيث هِرقل وَهُوَ قَيْصر ملك الرّوم حِين جَاءَهُ كتاب رَسُول الله ﷺ فَجمع من بأرضه من الْعَرَب وَكَانَ فيهم أَبُو سُفْيَان فَسَأَلَهُ عَن حسب رَسُول الله ﷺ وَصدقه قبل دَعْوَى النُّبُوَّة وَعَن أَتْبَاعه وثبوتهم على دينه وَعَن حربه كَيفَ هُوَ وَعَن وفائه وَبِمَا يَأْمر الحَدِيث بِطُولِهِ خرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس
следующие страницы →