Полный текст (294 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
للتحريض على عدم ترك الْمُقَابلَة لَكِن فِيهِ مُبَالغَة فى اللَّفْظ وَأحسن مِنْهُ قَول الْأَخْفَش: إِذا نسخ الْكتاب وَلم يُقَابل ثمَّ نسخ وَلم يُعَارض خرج أعجميا.
(٤٣ - (ص) وليعن بالتصحيح والتضبيب ... وَلحق يكْتب بالترتيب)
стр. 37
(ش) : أى وليعتن الطَّالِب بالتصحيح والتضبيب فَإِن ذَلِك من شَأْن المتقنين. فالتصحيح كِتَابَة: صَحَّ على كَلَام صَحَّ رِوَايَة وَمعنى، لكَونه عرضة للشَّكّ وَالْخلاف.
[والتضبيب] وَقد يُسمى التمريض: أَن يمد خطا أَوله كرأس الصَّاد وَلَا يلصق بالمدود عَلَيْهِ على ثَابت نقلا فَاسد لفظا أَو معنى، أَو ضَعِيف، أَو نَاقص. وَمن النَّاقِص مَوضِع الْإِرْسَال أَو الِانْقِطَاع، وَرُبمَا اقْتصر بَعضهم على الصَّاد فى عَلامَة التَّصْحِيح، فاشبهت [الضبة] وَيُوجد فى بعض الْأُصُول الْقَدِيمَة فى إِسْنَاد فِيهِ جمَاعَة عطف بَعضهم على بعض عَلامَة تشبه الضبة بَين أسمائهم وَلَيْسَت ضبة بل كَأَنَّهَا عَلامَة الِاتِّصَال وَقَوله:
[وَلحق يكْتب بالترتيب] هَذِه مَسْأَلَة اللحق لما يجده الطَّالِب فى كِتَابه من غلط، وَصفَة كِتَابَته: أَن يخط عِنْد مَوضِع سُقُوطه خطا صاعدا قَلِيلا مَعْطُوفًا بَين السطرين عطفة يسيرَة إِلَى جِهَة اللحق. وَقيل يمد العطفة إِلَى أول اللحق ثمَّ يكْتب اللحق قبالة العطفة فى الْحَاشِيَة من جِهَة الْيَمين إِلَّا أَن يكون السقط آخر السطر فَمن جِهَة الشمَال، ويكتبه فى كليهمَا صاعدا إِلَى أَعلَى الورقة لَا إِلَى أَسْفَلهَا لاحْتِمَال سقط آخر بعده فَإِن [/ ٣٨] زَاد اللحق على سطر ابْتَدَأَ سطوره من أَعلَى الطرة المجانب لَهُ إِلَى أَسْفَل، بِحَيْثُ تنتهى سطوره إِلَى أصل الْكتاب إِن كَانَ التَّخْرِيج فى جِهَة الْيَمين وَإِن كَانَ فى الشمَال ابْتَدَأَ سطوره من جَانب أصل الْكتاب بِحَيْثُ تنتهى سطوره إِلَى جِهَة طَرِيق الورقة، وَإِن اتّفق انْتِهَاء الْهَامِش قبل فرَاغ السقط اسْتَعَانَ بِأَعْلَى الوقة من كلا الْجِهَتَيْنِ، وكل مِمَّا تقدم إِن لم يضق الْمحل، إِمَّا بلحق قبله فى السطر، أَو قريب مِنْهُ، وَإِمَّا بِعَدَمِ سلوك كَاتب النُّسْخَة صِيغ جلّ الْمُتَقَدِّمين فى عرض الطره من الْجَانِبَيْنِ مَعًا بِحَيْثُ لَا يخْشَى من الْكِتَابَة فِيهِ من التَّكْلِيف لرؤية الْمَكْتُوب بالتجليد، فَإِن عرض شَيْء من ذَلِك اجْتهد فِيمَا يكون طَرِيقا للْبَيَان وَزَوَال
стр. 38
الالتباس، ثمَّ يكْتب فى انْتِهَاء اللحق صَحَّ، وَقيل: يكْتب مَعهَا رَجَعَ، وَقيل: الْكَلِمَة الْمُتَّصِلَة بِهِ، وَلَيْسَ بمرضى لِأَنَّهُ تَطْوِيل موهم.
(٤٤ - (ص) والحك والمحو وَالْأولَى الضَّرْب ... وَفِيه تَفْصِيل لنا أحب)
(ش) أى وليعتن الطَّالِب إِذا وَقع فى الْكتاب مَا لَيْسَ مِنْهُ بإزالته بالحك وَيُسمى أَيْضا: كشطا وبسرا، [بالمحو] وَهُوَ الْإِزَالَة بِدُونِ سلخ [أَو بِالضَّرْبِ] وَهُوَ أولاها فقد كره الحك، والمحو أهل الْعلم لاحْتِمَال التَّغْيِير، وَرُبمَا أفسد الورقة وَمَا ينفذ إِلَيْهِ والمحو غَالِبا مسود للقرطاس، لَكِن النَّاظِم لَا يرى أَن الضَّرْب أولى مُطلقًا بل يفصل بَين مَا يتَحَقَّق كَونه غَلطا سبق الْعلم بِهِ فَيكون الكشط أولى: لِئَلَّا يُوهم بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ أَن لَهُ أصلا وَإِلَّا فالضرب، وَإِلَى [/ ٣٩] هَذَا أَشَارَ بقوله: [وَفِيه تَفْصِيل لنا أحب] ثمَّ إِذا أزاله بِالضَّرْبِ، فَاخْتلف فى كيفيته، فَقيل: يخط فَوْقه خطا بَينا مختلطا بِهِ وبتركه يُمكن الْقِرَاءَة، وَيُسمى الشق، وَقيل: لَا يخلطه بالمكتوب، بل يكون فَوْقه مَعْطُوفًا على أَوله وَآخره، وَقيل: يحوق أَوله وَآخره، وَرُبمَا يحوق على أول كل سطر وَآخره، وَقيل يكْتب " لَا " فى أَوله و " إِلَى " فى آخِره، وَإِن كَانَ الضَّرْب على مُكَرر فَقيل: على الثانى، وَقيل: ينتقى أحسنهما وأبينهما صُورَة وَفصل القاضى عِيَاض فَقَالَ: إِن كَانَ فى أول سطر ضرب على الثانى، أَو فى آخِره فعلى الأول؛ صِيَانة لأوّل الأسطر وَآخِرهَا أَو فى آخر سطر وَأول آخر، ضرب على آخر السطر؛ صِيَانة لأوله فَإِن تكَرر الْمُضَاف، أَو الْمُضَاف إِلَيْهِ، أَو الْمَوْصُوف، أَو الصّفة، روعى اتصالهما.
стр. 39
الْإِشَارَة بالرمز
(٤٥ - (ص) واختصروا أخبرنَا خطا " أَنا " ... واختصروا حَدثنَا " ثَنَا "، و " نَا ")
(ش) : غلب على كتبة الحَدِيث اخْتِصَار أخبرنَا، وَحدثنَا، والاقتصار بالرمز فيهمَا بِحَيْثُ شاع واشتهر حَتَّى صَار لَا يخفى على أحد مِنْهُم فيكتبون من أخبرنَا ثَلَاثَة أحرف: الأول والأخيرتين فَيصير: " أَنا "، وَرُبمَا أضافوا لذَلِك الْبَاء الْمُوَحدَة فَيصير " أنبا "، وَإِن أغفله النَّاظِم لضيق النّظم. وَمن حَدثنَا ثَلَاثَة أحرف أَيْضا مُتَوَالِيَة من آخرهَا فَيصير: ثَنَا " وَرُبمَا اقتصروا على الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْهُمَا فَقَط فَيكون " نَا " وَكَذَا اقْتصر [/ ٤٠] المحدثون على " أرنا " من أخبرنَا وعَلى " دثنا "، واصطلح بعض الْعَجم على (أَخ) من أخبرنَا، و (ح) من حَدثنَا، وَأما أَنبأَنَا فَلَا يختصرونها خوفًا (خوفًا) من الالتباس.
стр. 40
(٤٦ - (ص) وتكتب الْحَاء لتحويل السَّنَد ... مُهْملَة، وَالْأَكْثَر الإعجام رد)
(ش) : أى: إِذا كَانَ للْحَدِيث إسنادان فَأكْثر؛ كتب عِنْد الِانْتِقَال من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد (ح) إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل، من أَحدهمَا إِلَى الآخر فيتلفظ بهَا المحدثون عِنْد الْوُصُول إِلَيْهَا فَيَقُول (ح) ويمر فى الْقِرَاءَة، وَعَلِيهِ الْعَمَل. وَقيل: هى من الْحَيْلُولَة لِأَنَّهَا تحول بَين الإسنادين وَلَيْسَت من الحَدِيث، فَلَا يتَلَفَّظ بِشَيْء مَكَانهَا، وَقيل: هِيَ إِشَارَة إِلَى قَوْلنَا: الحَدِيث، فَلذَلِك تق وَله المغاربة مَكَانهَا فى الْقِرَاءَة. وَبَعْضهمْ يَجْعَلهَا " خاء " مُعْجمَة ويتلفظ بهَا كَذَلِك، يُرِيد أَنه إِسْنَاد آخر، أَو خبر، حَكَاهُ الدمياطى عَن بعض الْمُحدثين، وَالْأَكْثَر على خِلَافه وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم [وَالْأَكْثَر الإعجام] مفعول رد، وبقى أَيْضا أَن بعض الْمُتَقَدِّمين من الْحفاظ كتب مَكَانهَا (صَحَّ) وَالظَّاهِر أَن ذَاك
стр. 41
اجْتِهَاد من الْأَئِمَّة فى شَأْنهَا من أجل أَنه لم يتَبَيَّن لَهُم فِيهَا شئ من الْمُتَقَدِّمين وَرَأَيْت بَعضهم يَجْعَل بَينهمَا بَيَاضًا يَسِيرا وَهُوَ ملبس لغير المميزين.
(٤٧ - (ص) وَبعد مَا يَسُوق الْإِسْنَاد إِلَى ... مُصَنف يعود عاطفا على)
(٤٨ - ذَلِك الْإِسْنَاد يَقُول وَبِه ... أى وَبِالْإِسْنَادِ على ذَا نبه)
(ش) : أى إِذا قَرَأَ الطَّالِب إِسْنَاد شَيْخه الْمُحدث بِالْكتاب أَو لجزء أول الشُّرُوع فى قرأته فَكل مَا انْتهى من حَدِيث عطف عَلَيْهِ لَهُ فى أول الذى بعده، وَبِه قَالَ: " ثَنَا "، ليَكُون كَأَنَّهُ قد أسْندهُ إِلَى صَاحب كل حَدِيث، ثمَّ فى الْمجْلس الثانى يَقُول لشيخه، وبسندك الماضى إِلَى فلَان وَيُشِير إِلَى صَاحب الْكتاب قَالَ: " ثَنَا " إِلَى آخِره وَأما مَا جرت الْعَادة بِهِ من إِعَادَة السَّنَد يَوْم ختم الْكتاب فَذَلِك لأجل من يَتَجَدَّد.
كِتَابَة التسميع وَالْعَمَل بِمَا يسمع وَترك التعصب
(٤٩ - (ص) وَيكْتب الطباق بِالسَّمَاعِ ... بِخَط موثوق وَضبط واعى)
(ش) : لما انْتهى من كَيْفيَّة السماع نبه على مَا جرت بِهِ الْعَادة من كِتَابَة السامعين
стр. 42
[والطبقة] الْجَمَاعَة المشتركون فى شئ خَاص، كسماع كتاب مَخْصُوص، وَنَحْوه، وينبغى أَن يكون كَاتب الطَّبَقَة موثوقا بِهِ فَإِنَّهُ أَمِين فى ذَلِك وَصورتهَا: أَن يَقُول مثلا: سمع الْكتاب الفلانى على فلَان، ويسميه ويسوق نسبه وكنيته بسماعى لَهُ على فلَان، وَيذكر سَنَده إِن لم يكن بالنسخة بِقِرَاءَة فلَان، ويسرد أَسمَاء الْجَمَاعَة المكملين، ثمَّ المفوتين مُبينًا لقدر فواتهم. مُمَيّزا للحاضرين من السامعين من غير إِسْقَاط لأحد مِنْهُم لغَرَض فَاسد، ويعين التَّارِيخ، وَالْمَكَان، وَعَلِيهِ التحرى فى كل مَا يُثبتهُ ويجتنب التساهل وَإِذا لم يحضر مَجْلِسا [/ ٤٢] فَلهُ أَن يعْتَمد فِيمَن شهد إِخْبَار الشَّيْخ، أَو ثِقَة مِنْهُم.
(٥٠ - (ص) وليجتنى حُلْو الذى يحصل ... فَلَا يزين الْعلم إِلَّا الْعَمَل)
(ش) : أى وَإِذا سمع الطَّالِب شَيْئا، أَو قَرَأَهُ واعتنى بضبطه بنقطه وشكله، وَفهم من مَعَانِيه مَا تيَسّر لَهُ، فليعمل بِمَا علم، فثمرة الْعلم الْعَمَل بِهِ، وليستعمل مَا يُمكنهُ اسْتِعْمَاله مِمَّا سَمعه فى الحَدِيث من أَنْوَاع الْعِبَادَات، والآداب، فَذَلِك زَكَاة الحَدِيث، كَمَا صرح بِهِ بشر الحافى حَيْثُ قَالَ: " يَا أَصْحَاب الحَدِيث أَدّوا زَكَاة هَذَا الحَدِيث، اعْمَلُوا من كل مائتى حَدِيث بِخَمْسَة أَحَادِيث "، وَقَالَ عَمْرو بن قيس الملائى: " إِذا بلغت شئ من الْخَبَر فاعمل بِهِ وَلَو مرّة تكن من أَهله وَيكون الْعَمَل بِهِ سَببا لحفظه " كَمَا قَالَ وَكِيع: " إِذا أردْت حفظ الحَدِيث فاعمل بِهِ ".
стр. 43
(٥١ - (ص) والحذر الحذار من تعصب ... وَأَن يرد سنة بِمذهب)
(ش) فرغ من التَّرْغِيب فى الْعَمَل بِمَا يعلم، حذر من التعصب ورد السّنة الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة برأى إِمَامه من غير علم بِحَال إِمَامه فى تِلْكَ السّنة وَمَا سَبَب عدوله عَنْهَا.
أَنْوَاع الْأَخْذ، والتحمل، وأنواع الْإِجَازَة
(٥٢ - (ص) وَالنَّقْل أَقسَام ثَمَان الأول ... حَدثنَا عَن لفظ شيخ ينْقل)
(٥٣ - وَبعده أخبرنَا أَن قرا ... عَلَيْهِ أَو سمع ثمَّ أنبا)
(٥٤ - لما يحاز من معِين وَإِن ... عَمت فخلف، والجهالة امنعن)
(ش) لما فرغ النَّاظِم من كَيْفيَّة السماع والتحصيل، شرع فى أَقسَام النَّقْل الذى هُوَ أَدَاء مَا تحمله، وفى كَيْفيَّة صِيغَة التأدية فى كل قسم مِنْهَا متقصرا على الشَّائِع الْغَالِب على أهل الحَدِيث فأولها: وَهُوَ أَعْلَاهَا عِنْد الْمُحَقِّقين: سَماع الراوى من لفظ الشَّيْخ سَوَاء كَانَ إملاء أَو تحديثا من غير إملاء، وَسَوَاء كَانَ من حفظه، أَو من كِتَابه، لَكِن الْإِمْلَاء أَعْلَاهَا، وَصِيغَة الْأَدَاء فى الِاصْطِلَاح الشَّائِع: " حَدثنَا " يعْنى إِن كَانَ سمع فى جمَاعَة، وَقد يأتى بنُون الْجمع أَيْضا، وَهُوَ وَحده للعظمة، لكنه نَادِر وَأكْثر مَا يَقُول الْمُنْفَرد: " حَدَّثَنى ".
стр. 44
وَكَذَا من صِيغَة سَمِعت إفرادا أَو جمعا كَذَلِك أَيْضا. وَاخْتلف فى أَيهمَا أصرح؟ فَقَالَ الْخَطِيب وَتَبعهُ شَيخنَا: " سَمِعت "، لكَونهَا لَا تحْتَمل الْوَاسِطَة، أى لَا يستعملها الراوى فى تَدْلِيس مَا لم يسمعهُ، وَلِأَن " حَدَّثَنى " قد تطلق فى الْإِجَازَة. وَقَالَ بَعضهم: " حَدَّثَنى ". لدلالتها على أَن الشَّيْخ رَوَاهُ إِيَّاهَا بِخِلَاف " سَمِعت "، ولأول أصح، وَثَانِيها: الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وتسميها أَكثر القدماء عرضا لِأَن الْقَارئ يعرضه على الشَّيْخ وَسَوَاء قَرَأَ هُوَ أَو قَرَأَ غَيره وَهُوَ يسمع وَسَوَاء قَرَأَ من كِتَابه أَو من حفظه وَسَوَاء كَانَ الشَّيْخ يحفظه، أَو ثِقَة غَيره، أم لَا، إِذا كَانَ الأَصْل مَعَ وَاحِد مِنْهُمَا، وَالرِّوَايَة بِهَذَا الْقسم صَحِيحَة بالِاتِّفَاقِ، خلافًا لمن لَا يعْتد بِهِ، وَيَقُول فِيهِ الْمُحدث عِنْد الْأَدَاء [٤٤] " أخبرنَا " والأحوط: الإفصاح بِصُورَة الْوَاقِع فَيَقُول إِن كَانَ قَرَأَ: قَرَأت على فلَان، أَو سمع: قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع، وَاخْتلف فى هذَيْن الاسمين: أَهما سَوَاء؟ أَو أحدهم أرجح من الآخر؟ فَنقل التساوى عَن مَالك وأشياخه ومعظم عُلَمَاء الْحجاز، والكوفة، والبخارى، وَنقل تَرْجِيح الأول عَن جُمْهُور عُلَمَاء الْمشرق، وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا مَشى عَلَيْهِ النَّاظِم حَدِيث قدمه، وَحكى تَرْجِيح هَذَا الْقسم عَن أَبى حنيفَة، لَكِن فِيمَا إِذا كَانَ الشَّيْخ يحدث من كتاب دون مَا إِذا كَانَ يحدث عَن حفظه، وَعَن مَالك فى رِوَايَة وَابْن أبي ذِئْب، وَغَيرهمَا مُطلقًا، وَثَالِثهَا: الْإِجَازَة وَهِي أَنْوَاع: أَعْلَاهَا الْإِجَازَة بِكِتَاب معِين لشخص
стр. 45
معِين، نَحْو: أجزتك كتاب البخارى مثلا، وأجزت فلَانا الفلانى، وَلَا يضرّهُ جَهَالَة عينه جَمِيع مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ فهرستى، وَنَحْو ذَلِك وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله [لما يجاز] أَي النَّاقِل بِهِ من كتاب معِين فَهَذَا أَعلَى أَنْوَاع الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة عَن المناولة. وَالصَّحِيح عِنْد الْجُمْهُور من عُلَمَاء الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء: جَوَاز الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ، وَالْعَمَل بِمَا وَيَقُول الْمُحدث تبعا لعرف الْمُتَأَخِّرين عِنْد الْأَدَاء: " أَنبأَنَا " و " أنبأنى "، والطبقة الْوُسْطَى لَا يذكرُونَ الإنباء إِلَّا مُقَيّدا بِالْإِجَازَةِ، فَلَمَّا كثر واشتهر اسْتغنى الْمُتَأَخّرُونَ عَن ذكره. أَفَادَهُ شَيخنَا، وَكَذَا يلْتَحق بِهَذَا النَّوْع فى الصِّحَّة: مَا إِذا لم يعين الْمجَاز بِهِ مثل أَن يَقُول: مسموعاتى، أَو مروياتى [/ ٤٥] ، وَلَكِن الْخلاف فى هَذِه أقوى وَيُمكن إخْرَاجهَا من قَول النَّاظِم: [وَإِن عَمت لخلف] فَإِنَّهَا قد شملها مَعَ مَسْأَلَة التَّعْمِيم فى الْمجَاز لَهُم، كَأَن يَقُول لَهُم: أجزت للْمُسلمين، أَو لمن أدْرك زمانى، أَو لمن فى عصرى، أَو لأهل الإقليم الفلانى، أَو الْبَلَد الفلانى، وَمَا أشبه ذَلِك، وَإِن كَانَ الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا أرادها لقُوَّة الْخلاف فِيهَا، فقد جوزها الْخَطِيب، وَغَيره واستعملها جمَاعَة لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح: " إِنَّه لم يسمع عَن أحد مِمَّن يقْتَدى بِهِ اسْتِعْمَالهَا " قَالَ: " وَالْإِجَازَة فى أَصْلهَا ضَعِيف، وَقد تزداد بِهَذَا التَّوَسُّع والاسترسال ضعفا كثيرا لَا ينبغى احْتِمَاله " قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَن الْإِجَازَة الْخَاصَّة الْمعينَة (يخْتَلف فى صِحَّتهَا) اخْتِلَافا قَوِيا عِنْد القدماء، وَإِن كَانَ الْعَمَل اسْتَقر على اعْتِبَارهَا عِنْد الْمُتَأَخِّرين، فهى دون السماع بالِاتِّفَاقِ، فَكيف إِذا حصل فِيهَا الاسترسال
стр. 46
الْمَذْكُور؟ ؟ ! فَإِنَّهَا تزداد ضعفا، لَكِنَّهَا فى الْجُمْلَة خير من إِيرَاد الحَدِيث (معطلا) انْتهى. وَمِمَّنْ استعملها: الرافعى فى " تَارِيخ قزوين "، وَكَذَا النووى قَرَأت بِخَطِّهِ فى آخر بعض تصانيفه: وأجزت رِوَايَته لجَمِيع الْمُسلمين. وَكَذَا صنع تِلْمِيذه المزى، وَعمل بهَا العراقى بعد تصريحه بتوقفه عَن الرِّوَايَة بهَا، وَكَذَا عمل بهَا وَلَده، فَإِن قيدت بِوَصْف خَاص، أَو بِجَمَاعَة مَحْصُورين، فأقرب إِلَى الْجَوَاز، وَكَذَا اخْتلف فى الْإِجَازَة للمعدوم كَأَن يَقُول: أجزت [/ ٤٦] لمن سيولد لفُلَان واستعملها ابْن مَنْدَه، وَغَيره [وَقيل: إِن عطف ذَلِك على من كَانَ] يَقُول أجزت لَك وَلمن سيولد لَك؟ صَحَّ، لَكِن قَالَ شَيخنَا: إِن الْأَقْرَب عدم الصِّحَّة، [وَكَذَا اخْتلف فى الْإِجَازَة الْمُعَلقَة بِالْمَشِيئَةِ] كأجزت لَك إِن شَاءَ فلَان، أَو أجزت لمن شَاءَ فلَان، لَا أجزت لَك إِن شِئْت، وَاسْتعْمل الْمُعَلقَة ابْن أَبى خَيْثَمَة، وَجوز الْخَطِيب الرِّوَايَة بِجَمِيعِ ذَلِك سوى الْمَجْهُول الذى لم [يبين] ، وَحَكَاهُ عَن جمَاعَة من مشايخه وَمن أَنْوَاعهَا: الْإِجَازَة للجمهول، أَو بِالْمَجْهُولِ كَقَوْلِه: أجزت مُحَمَّد بن أَحْمد الدمشقى، وَثمّ جمَاعَة مسمون بذلك، وَلم يعين المُرَاد مِنْهُم أَو يَقُول: أجزت فلَانا كتاب " السّنَن " وَهُوَ يرْوى عدَّة كتب تعرف بالسنن، وَلم يعين، فَتلك إجَازَة بَاطِلَة مَمْنُوع من الْعَمَل بهَا، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقول النَّاظِم [والجهالة امنعن] أى بِلَا خلاف، وهى بِالنّصب مفعول مقدم.
(٥٥ - (ص) وَجَائِز من مسمع يعنعن ... وَإِن يكن كِتَابَة يبين)
стр. 47
(ش) : أى من صِيغ النَّقْل فى السماع: المعنعن، وَهُوَ الرِّوَايَة بعن، وهى عِنْد الْمُتَقَدِّمين مَحْمُولَة عى السماع إِن صدرت من معاصر غير مُدَلّس، وَاشْترط البخارى فى حملهَا على السماع: ثُبُوت لِقَاء الراوى لمن روى عَنهُ وَلَو مرّة وَاحِدَة، ليحصل الْأَمْن فى باقى [معنعنه] عَن كَونه من الْمُرْسل الخفى. قَالَ شَيخنَا: [وَهُوَ ظَاهر] انْتهى.
وَتوقف بعض الآخذين عَنهُ فى تَرْجِيح " كتاب البخارى " بِهَذَا الشَّرْط على كتاب " مُسلم "، وَقَالَ: احْتِمَال عدم سَماع من لقى جَازَ فى مروياته [/ ٤٧] كاحتمال عدم سَماع من عاصر وَلم يثبت لقاؤه وَلَا عدم لِقَائِه، فَمَا كَانَ رَافعا للاحتمال الْمَذْكُور فى الأول فَهُوَ كَذَلِك فى الثانى، قلت: وَلَا يُنَازع فى الأرجحية بِهَذَا إِلَّا مكابر، وَأما فى عرف الْمُتَأَخِّرين، فالعنعنة للإجازة، ثمَّ إِن كَانَت الْإِجَازَة لَيست مشافهة بل كِتَابَة كتب بهَا الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب على مَا سيأتى فى الْقسم الْخَامِس، فَلَيْسَ ذَلِك إفصاحا بالواقع [لَا نبنا] التحديث على الْأَمَانَة وَهَذَا على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب كَمَا أَنه لَا يجب على السَّامع أَن يبين: هَل كَانَ من لفظ الشَّيْخ أَو عرضا؟
стр. 48
(٥٦ - (ص) ثمَّ المناولة حَيْثُ قرنت ... إجَازَة صحت وَإِلَّا بطلت)
(ش) : أى هَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع وَهُوَ " المناولة " وهى أَعلَى الإجازات وَإِن أوهم التَّعْبِير بثم خِلَافه لما فِيهَا من التَّعْيِين، والتشخيص بِحَيْثُ سوى بَينهمَا وَبَين الْقِرَاءَة على الشَّيْخ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة فى التَّسْمِيَة إِذْ سَموهَا عرضا وَحِينَئِذٍ فينبغى التَّمْيِيز بِأَن يُقَال فى هَذِه عوض المناولة، وفى ذَلِك عرض الْقِرَاءَة وَالصَّحِيح أَنَّهَا منحطة عَن السماع وَالْقِرَاءَة، وَقيل: هى فى الْقُوَّة كالسماع وَمن صورها أَن يدْفع إِلَيْهِ الشَّيْخ أصل سَمَاعه أَو فرعا مُقَابلا عَلَيْهِ، وَكَذَا أَن يناوله الطَّالِب سَمَاعه، فيتأمله، وَهُوَ عَارِف بِهِ، ثمَّ يناوله الطَّالِب وَيَقُول لَهُ فى الصُّورَتَيْنِ: هَذَا سماعى أَو روايتى عَن فلَان فاروه عَنى، أَو أجزت لَك
стр. 49
رِوَايَته، ثمَّ يبقيه فى الصُّورَة [/ ٤٨] فى يَده [تَمْلِيكًا] أَو [إِعَارَة] إِلَى أَن ينسخه، وَالرِّوَايَة بهَا صَحِيحَة عِنْد الْجُمْهُور. فَلَو لم يُمكنهُ الشَّيْخ من الْكتاب فهى دون مَا سبق، وَأما إِذا نَاوَلَهُ الطَّالِب شَيْخه وَأخْبرهُ بِأَنَّهَا سَمَاعه، ثمَّ نَاوَلَهُ من غير نظر وَلَا تَحْقِيق لروايته فَهَذِهِ بَاطِلَة، إِلَّا إِن وثق فى الطَّالِب أَو قيد بقوله حدث عَنى بِمَا فِيهِ إِن كَانَ روايتى مَعَ براءتى من الْغَلَط، وكل هَذِه الصُّور فِيمَا إِذا كَانَت المناولة مقرونة بِالْإِجَازَةِ، أما مَعَ خلوها عَنْهَا فهى بَاطِلَة عِنْد الْجُمْهُور، واعتبرها قوم، وَقَالُوا: إِن مناولته إِيَّاه تقوم مقَام إرْسَاله إِلَيْهِ بِالْكتاب من بلد إِلَى بلد وَالصَّحِيح فى هَذَا الْجَوَاز كَمَا سيأتى فَكَذَا فى المناولة وأيده شَيخنَا بقوله: " لم يظْهر لى فرق [قوى] بَين مناولة الشَّيْخ الْكتاب من يَده للطَّالِب وَبَين إرْسَاله إِلَيْهِ بِالْكتاب من مَوضِع إِلَى آخر [إِذا خلى كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الْإِذْن لَهُ] يعْنى فَإِن صُورَة كل مِنْهُمَا أَن يُعلمهُ بِأَنَّهُ مسموعه، وَهُوَ ظَاهر بل يُمكن أَن يُقَال: مناولته إِيَّاه أبعد عَن احْتِمَال طرُو التَّغْيِير فِيهِ من مَسْأَلَة الْإِرْسَال، إِذا عرف هَذَا، فقد جوز الزهرى، وَمَالك، وَغَيرهمَا مِمَّن جعلهَا معادلة للسماع إِطْلَاق " حَدثنَا "، و " أخبرنَا " فى الرِّوَايَة بهَا، وَلَكِن الصَّحِيح الذى عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَأهل التحرى: الْمَنْع، وتخصيصها بِعِبَارَة مشعرة بهَا، وَقَوله: [حَيْثُ قرنت] أى بالمناولة إجَازَة، فإجازة مَرْفُوع مبْنى لما لَهَا يسم فَاعله [/ ٤٩] وَيجوز النصب بِنَزْع الْخَافِض أى قرنت المناولة بِالْإِجَازَةِ بالاقتران كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ.
стр. 50
(٥٧ - (ص) ثمَّ الكتابات مثلهَا وَلَو ... تجردت عَن الْإِجَازَة اكتفوا)
(ش) : هَذَا هُوَ الْقسم الْخَامِس وَهُوَ الْكِتَابَة، وَذَلِكَ أَن يكْتب مسموعه أَو مقروءه جَمِيعه، أَو بعضه لغَائِب، أَو حَاضر بِخَطِّهِ، أَو بِإِذْنِهِ، وهى أَيْضا ضَرْبَان: مقرونة بِالْإِجَازَةِ، ومجردة عَنْهَا، فالمقرونة فى الصِّحَّة وَالْقُوَّة مثل المناولة المقرونة بهَا، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ النَّاظِم بقوله: [مثلهَا] وَأما الْمُجَرَّدَة: فَإِنَّهَا أَيْضا صَحِيحَة لجَوَاز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح الْمَشْهُور بَين أهل الحَدِيث اكْتِفَاء بِالْقَرِينَةِ، وهى عِنْدهم مَعْدُودَة فى الْمسند الْمَوْصُول. وَقَالَ السمعانى: " هى أقوى من الْإِجَازَة " ويكفى مَعْرفَته خطّ الْكتاب، وَشرط بَعضهم الْبَيِّنَة، وَهُوَ ضَعِيف، وَأطلق غير وَاحِد من كتاب أهل الحَدِيث، وَغَيرهَا فى الْمُكَاتبَة: " حَدثنَا "، و " أخبرنَا "، وَالصَّحِيح أَن يُقَال: " كتب إِلَى فلَان "، و " أخبرنى مُكَاتبَة، أَو " كِتَابَة "، أَو نَحْو ذَلِك، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخّرُونَ الْمُكَاتبَة فى الْإِجَازَة الْمَكْتُوب بهَا، والمشافهة فى المتلفظ بهَا.
(٥٨ - (ص) ثمت الْإِعْلَام وَفِيه ... ثمَّ وَصِيَّة لبَعض من سلف)
(ش) : هَذَا هُوَ الْقسم السَّادِس، وَالسَّابِع، وأولهما: الْإِعْلَام: وَهُوَ أَن يعلم الشَّيْخ الطَّالِب أَن هَذَا الْكتاب رِوَايَته أَو سَمَاعه مُقْتَصرا على ذَلِك، من غير إِذن فى رِوَايَته عَنهُ وَاخْتلف فى الرِّوَايَة بِهِ [/ ٥٠] وجوازها كثير من أهل الحَدِيث، وَالْفِقْه، وَالْأُصُول، مِنْهُم: ابْن جريج، وَابْن الصّباغ، وَكَذَلِكَ الظَّاهِرِيَّة بل زَاد بَعضهم فَقَالَ: " لَو قَالَ لَهُ هَذَا روايتى وَلَا ترويه عَنى جَازَ لَهُ رِوَايَته "، وَالصَّحِيح: أَنه لَا يجوز لَهُ الرِّوَايَة بِمُجَرَّد الْإِعْلَام، وَبِه قطع بعض الشَّافِعِيَّة وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ؛ لِأَنَّهُ قد يكون سَمَاعه بِإِذن فى رِوَايَته
стр. 51
لخلل يعرفهُ، لَكِن يجب الْعَمَل بِهِ إِذْ صَحَّ سَنَده عِنْد شَرطه الآتى فى الوجادة، وَثَانِيهمَا: الْوَصِيَّة: وهى أَن يوصى الراوى عِنْد مَوته أَو سَفَره لشخص بِكِتَاب يرويهِ الْمُوصى، فجوز بعض السّلف، وَهُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين للْمُوصى لَهُ رِوَايَة ذَلِك عَن الْمُوصى كالإعلام، ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك للسَّائِل لَهُ عَنهُ: لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك. وَعلل القاضى عِيَاض الصِّحَّة: بِأَن فى ذَلِك نَوْعَيْنِ: الْإِذْن وشبها من الْعرض والمناولة، وَالصَّحِيح الصَّوَاب: أَنه لَا يجوز إِلَّا إِن كَانَت لَهُ من الْمُوصى إجَازَة فَيكون رِوَايَته بهَا لَا بِالْوَصِيَّةِ قَالَ ابْن الصّلاح: " وَقَول من جوزه إِمَّا زلَّة عَالم، أَو مؤول بِأَنَّهُ قصد بِهِ رِوَايَته على سَبِيل الوجادة [وثمت] تقدم أَنَّهَا لُغَة من ثمَّ.
(٥٩ - (ص) وثامن وجادة بِخَط من ... تعرفه فَقل وجدت واحكين)
(ش) : هَذَا هُوَ الثَّامِن وَهُوَ: الوجادة بِكَسْر الْوَاو، وهى مصدر من وجد يجد، يعْنى الَّذين فرعوا قَوْلهم وجادة فِيمَا أَخذ من الْعلم من صحيفَة [/ ١٥] غير سَماع، وَلَا إجَازَة، وَلَا مناولة من تَفْرِيق الْعَرَب بَين مصَادر وجد للتمييز بَين الْمعَانى الْمُخْتَلفَة حَتَّى يظْهر التغاير إِذا عرف هَذَا، فالوجادة: أَن يقف على كتاب بِخَط يعرفهُ لشخص عاصره أَولا فِيهِ أَحَادِيث يَرْوِيهَا ذَلِك الشَّخْص، وَلم يسْمعهَا مِنْهُ الْوَاجِد، وَلَا لَهُ مِنْهُ إجَازَة أَو نَحْوهَا، فَلهُ أَن يَقُول: وجدت أَو قَرَأت بِخَط فلَان، وَمَا أشبه، ثمَّ يَسُوق الْإِسْنَاد والمتن، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِم بقوله: [واحكين] وعَلى هَذَا الْعَمَل قَدِيما وحديثا، وَهُوَ من بَاب الْمُنْقَطع لَكِن يشوبه شئ من الِاتِّصَال بقوله: وجدت بِخَط فلَان، وَقد تساهل بَعضهم فى الْإِتْيَان بِلَفْظ "
стр. 52
عَن " فى الوجادة، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح: " تَدْلِيس قَبِيح لِأَنَّهُ يُوهم سَمَاعه بل جازف بَعضهم فَأطلق فى الوجادة: " حَدثنَا "، و " أخبرنَا " وَأنكر ذَلِك على فَاعله، وَلَعَلَّه كَانَ مِمَّن لَهُ إجَازَة، وَتوسع فى إِطْلَاق ذَلِك على الْإِجَازَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم، وَإِلَّا فَهُوَ أقبح تَدْلِيس قَادِح فى الرِّوَايَة، وَاخْتلف فى الْعَمَل بمضمون الوجادة، فَمَنعه قوم، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ مِنْهُم: الشافعى، بل حكى ابْن الصّلاح الْقطع بِوُجُوبِهِ عَن بعض محققى الشَّافِعِيَّة فى أصُول الْفِقْه، وَعند حُصُول الثِّقَة بِهِ قَالَ: وَهُوَ الذى لَا يتَّجه غَيره. وَكَذَا صَححهُ النووى وَاسْتدلَّ لَهُ ابْن كثير بِحَدِيث: " أى الْخلق أعجب إِلَيْكُم إِيمَانًا قَالُوا: الْمَلَائِكَة قَالَ: وَكَيف لَا يُؤمنُونَ [١ / ٥٢] وهم عِنْد رَبهم؟ وَذكروا الْأَنْبِيَاء، وَكَيف لَا يُؤمنُونَ والوحى ينزل عَلَيْهِم؟ قَالُوا: فَنحْن قَالَ: كَيفَ لَا تؤمنون وَأَنا بَين أظْهركُم؟ قَالُوا: فَمن يَا رَسُول الله قَالَ: قوم يأْتونَ بعدكم يَجدونَ صحفا يُؤمنُونَ بِمَا فِيهَا ". انْتهى، وينبغى تَقْيِيد هَذَا بِمَا إِذا كَانَ مِمَّن يسوغ لَهُ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ اَوْ الِاحْتِجَاج بِهِ على مَا تقرر فى مَحَله.
تَنْبِيه: قد اعْتمد أهل الحَدِيث معرفَة الخطوط فى هَذَا، وَكَذَا فِيمَا يكْتب بِهِ إِلَيْهِم من يعْرفُونَ خطه فَيَقُولُونَ: أخبرنَا فلَان كِتَابَة، أَو فى كِتَابه. أَو كتب إِلَى، واكتفوا فى اعْتِمَاد الراوى فى الرِّوَايَة على سَمَاعه الْمُثبت بِخَطِّهِ، أَو بِخَط ثِقَة، وَلَو لم نتذكره وَمنعه الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَغَيره، لِأَنَّهُ مَأْمُور لَا يَأْمَن التزوير، وَلَكِن الصَّحِيح الْجَوَاز لعمل
стр. 53
الْعلمَاء سلفا وخلفا، وَبَاب الرِّوَايَة على التَّوسعَة، بل صرح فى " زَوَائِد الرَّوْضَة " باعتماد خطّ الْمُفْتى إِذا أخبرهُ من نقبل خَبره أَنه خطه، أَو كَانَ يعرف خطه، وَلم يشكوا فى فروع مِنْهَا لَو وجد بِخَط أَبِيه الذى لَا يشك فِيهِ دينا على أحد سَاغَ لَهُ الْخلف فِيهِ، ثمَّ إِن أهل الحَدِيث لم يقتصروا على المعاصرين لَهُم بل اعتمدوا ذَلِك فى الْأَزْمَان الْبَعِيدَة، وهم فى صنيعهم بالمالكية أشبه وَحِينَئِذٍ فمحاكماة خطوط الْأَئِمَّة فِيهَا من الْمَحْذُور مَا لَا يخفى، فَتعين اجتنابه وَإِن فعله بَعضهم.
تفريعات [ ٥٣]
(٦٠ - (ص) وَصِحَّة السماع يحْتَاج إِلَى ... حُضُور أصل الشَّيْخ أَو مَا نقلا)
(٦١ - مِنْهُ إِذا لم يكن حَافِظًا لما ... يرْوى وَشرط نَاسخ أَن يفهما)
(ش) : يشْتَرط ل [صِحَة السماع حُضُور أصل الشَّيْخ] أَو الْفَرْع الْمُقَابل عَلَيْهِ إِمَّا بيد الشَّيْخ، أَو الْقَارئ، أَو غَيرهمَا وَهُوَ مراع لما يقْرَأ أَهلا لَهُ، فَإِن كَانَ بيد غير موثوق بِهِ لم يَصح السماع، وَإِن كَانَ بيد موثوق بِهِ لَكِن الأَصْل غير تَامّ الوثوق بِهِ فلتجيزه الْإِجَازَة لما خَالف إِن خَالف مَا لم يعلم كَثْرَة الْمُخَالفَة، هَذَا كُله إِن لم يكن الشَّيْخ حَافِظًا لما قرئَ عَلَيْهِ، أما إِن كَانَ حَافِظًا فَلَا، وَإِذا كَانَ السَّامع أَو المستمع ينْسَخ حَال الْقِرَاءَة ففى صِحَة السماع خلاف، فَذهب ابْن الْمُبَارك، وَأَبُو حَاتِم الرازى، وَآخَرُونَ إِلَى صِحَّته، وَمنع الصِّحَّة إِبْرَاهِيم الحربى، والأستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفراينى، وَقَالَ أَبُو بكر الصعبى - من الشَّافِعِيَّة - يَقُول: حضرت، وَلَا يَقُول: حَدثنَا، وَلَا أخبرنَا، وَالأَصَح التَّفْصِيل الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِم، فَإِن منع النّسخ فهمه للمقروء لم يَصح، وَإِن فهمه، صَحَّ، وَقد حضر الدراقطنى فى حداثته إملاء بعض شُيُوخه، وَكَانَ ينْسَخ فَقيل لَهُ: لَا يَصح سماعك. فَقَالَ
стр. 54
للقائل: فهمى للإملاء بِخِلَاف فهمك، ثمَّ سرد لَهُ جَمِيع مَا أملاه الشَّيْخ سنداً ومتنا فتعجبوا مِنْهُ، قلت: وَقد كَانَ شَيخنَا يكْتب فى حَال الِاسْتِمَاع ويطالع وَيرد على الْقَارئ رد واع، وعندى من أخباره فى ذَلِك جملَة، وَكَذَا حكى ابْن كثير أَن شَيْخه المزى كَانَ يكْتب [/ ٥٤] فى مجْلِس السماع وينعس فى بعض الْخطاب وَيرد على الْقَارئ ردا جيدا بَينا وَاضحا بِحَيْثُ يتعجب الْقَارئ وَمن حضر، ويجرى هَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذا كَانَ الشَّيْخ أَو السَّامع يتحدث، أَو كَانَ الْقَارئ يفرط فى الْإِسْرَاع، أَو يهينم أَو كَانَ بَعيدا من الْقَارئ بِحَيْثُ لَا يفهم كَلَامه، وَالظَّاهِر أَنه يُعْفَى عَن الْقدر الْيَسِير كالكلمة والكلمتين وَأَنه إِذا كَانَ يفهم مَا يقْرَأ مَعَ النّسخ أَو النعاس أَو التحدث فالسماع صَحِيح ويجيز بعد ذَلِك مَا لَعَلَّه قد يخفى بِالْإِجَازَةِ، وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد - وناهيك بِهِ ورعا وجلالة - عَن الْحَرْف يدغمه الشَّيْخ فَلَا يفهم وَهُوَ مَعْرُوف،، هَل يرْوى ذَلِك عَنهُ؟ فَقَالَ: " أرجوا أَن لَا يضيق هَذَا، وَحكى ابْن كثير أَنه كَانَ يحضر عِنْد المزى من يفهم وَمن لَا يفهم والبعيد من الْقَارئ، والناعس والمتحدث، وَالصبيان الَّذين لَا يضْبط أحدهم بل يَلْعَبُونَ غَالِبا، وَلَا يشتغلون بِمُجَرَّد السماع، وَيكْتب للْجَمِيع بِحُضُور المزى السماع، قَالَ: وبلغنى عَن البلقينى سُلَيْمَان بن حَمْزَة القاضى أَنه زجر فى مَجْلِسه الصّبيان عَن اللّعب، فَقَالَ: لَا تزجرهم فَإنَّا إِنَّمَا سمعنَا مثلهم.
(٦٢ - (ص) وَصِحَّة السماع عَن حجاب ... إِن عرف الصَّوْت بِلَا ارتياب)
(ش) : أى يَصح السماع من وَرَاء حجاب، إِذا عرف صَوت الْمُحدث معرفَة لَا ارتياب فِيهَا، سَوَاء كَانَ هَذَا الذى يعرف الصَّوْت، أَو ثِقَة خَبِير بالمحدث [/ ٥٥] وَإِلَيْهِ
стр. 55
الْإِشَارَة بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فى قَوْله: [إِن عرف] وَمنع من ذَلِك شُعْبَة، وَقَالَ: " لَعَلَّه شَيْطَان تصور فى صورته "، وَهُوَ غَرِيب عَجِيب جدا كَمَا قَالَ ابْن كثير، وَالْجُمْهُور على خِلَافه، وَقَوله: [وَصِحَّة] مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف.
(٦٣ - (ص) وَلَو يَقُول الشَّيْخ بعد مَا روى ... رجعت أَو منعت فَهُوَ كالهوى)
(ش) : إِذا قَالَ الشَّيْخ للطَّالِب بعد مَا سمع مِنْهُ حَدِيثا أَو كتابا [رجعت أَو منعت] عَن إخبارك بِهِ وَنَحْو ذَلِك، وَكَذَا إِذا قَالَ: منعتك من الرِّوَايَة عَنى، أَولا ترو عَنى، فَهَذَا لَا يضر، وَلَا يمْتَنع لأَجله من الرِّوَايَة إِلَّا أَن يكون مُسْتَندا إِلَى أَنه أَخطَأ فى مَا حدث بِهِ أَو شكّ فى سَمَاعه وَنَحْو ذَلِك، فَلَيْسَ لَهُ أَن يرويهِ عَنهُ وَالْحَالة هَذِه، وَكَذَا لَو خص بِالسَّمَاعِ غَيرهم قوما فَسمع مِنْهُم بِغَيْر علم الشَّيْخ جَازَت لَهُ الرِّوَايَة عَنهُ، وَلَو قَالَ: أخْبركُم وَلَا أخبر فلَانا لم يضر، قَالَه الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق.
الرِّوَايَة من الأَصْل وبالمعنى والاختصار
(٦٤ - (ص) وَالنَّاس من مفرط أَو مفرط ... فى الْأَخْذ وَالصَّوَاب فى التَّوَسُّط)
(٦٥ - فَمن يصحح كتبه كَمَا سبق ... مَعَ ضَبطه وفهمه فَهُوَ الأحق)
(ش) : قد شدد نَاس فى الرِّوَايَة وهى الْمعبر عَنهُ ب [الْأَخْذ] فأفرطوا وتساهل آخَرُونَ ففرطوا، فَقَالَ بعض المشددين: لَا حجَّة إِلَّا فِيمَا رَوَاهُ الراوى من حفظه ويذكره. وَهُوَ مروى عَن أَبى حنيفَة، وَمَالك، وَكَذَا عَن الصيدلانى من الشَّافِعِيَّة ﵀، وَقَالَ
стр. 56
بعض: يجوز من كِتَابه: لَكِن مَا لم يخرج [/ ٥٦] من يَده، وتساهل قوم فرووا من نسخ غير مُقَابلَة بأصولهم، وأدرج الْحَاكِم هَؤُلَاءِ فى طبقَة " الْمَجْرُوحين "، وَقَالَ: إِنَّه مِمَّا كثر فى النَّاس وتعاطاه قوم من أكَابِر الْعلمَاء، والصلحاء. انْتهى.
وَهَذَا من الْحَاكِم ﵀ إِمَّا لكَون شُرُوط جَوَاز الرِّوَايَة من النُّسْخَة الَّتِى لم تقَابل لم تُوجد، أَو أَنه يرى الْمَنْع مُطلقًا، ثمَّ إِن من المتساهلين الْقَائِلين بالرواية بِالْوَصِيَّةِ والإعلام والمناولة الْمُجَرَّدَة وَغير ذَلِك، وَالصَّوَاب مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور وَهُوَ [التَّوَسُّط] بَين الإفراط والتفريط فَإِذا قَامَ فى [تَصْحِيح] كتبة كتبه بِمَا سبق فى ضَبطه وفهمه جَازَت لَهُ الرِّوَايَة مِنْهُ، وَإِن غَابَ عَنهُ أَصله، إِذا كَانَ الْغَالِب على الظَّن وَإِلَّا فَلَا، قَوْله: [فَهُوَ الأحق] جَوَاب من أى فَهُوَ الأحق، بِالْجَوَازِ دون من لم يصحح، فَإِنَّهُ لَا يجوز، ويروى عَن وهب بن مُنَبّه: " إِن لكل شئ طرفين ووسط فَإِذا أمسك أحد الطَّرفَيْنِ مَال الآخر: وَإِذا أمسك الْوسط اعتدل الطرفان، فَعَلَيْك بالأوسط من الْأَشْيَاء " وَاسْتعْمل النَّاظِم فى [مفرط] أَو [مفرط] الجناس المحرف.
(٦٦ - (ص) وَكَذَا الضَّرِير حَيْثُ يَسْتَعِين ... بضابط وَهُوَ رضى أَمِين)
(٦٧ - كَذَلِك الأمى وَهل يَصح ... النَّقْل بِالْمَعْنَى؟ بلَى الْأَصَح)
(٦٨ - لعالم وَعِنْدنَا تردد ... بَين الذى يسند أَو يستشهد)
(ش) : لما فرغ من مَسْأَلَة اكْتفى الراوى بالرواية من فَرعه الذى قابله على الْوَجْه الْمَشْرُوع
стр. 57
عَقبهَا بِمَسْأَلَة [الضَّرِير] ثمَّ [الأمى] الَّذِي لَا يكْتب لِاسْتِوَائِهِمَا [/ ٧٥] فى الحكم، فَإِذا كَانَ الرواى ضريرا - يعْنى: وَلم يكن يحفظ مَا يسمعهُ -، واستعان بالضابط الرضى الْأمين فى ضبط سَمَاعه وَحفظ كِتَابه، فَعَلَيهِ حِين الْقِرَاءَة عَلَيْهِ أَيْضا أَن يحْتَاط على حسب حَاله، بِحَيْثُ يغلب على ظَنّه السَّلامَة من التَّغْيِير، وَكَذَا إِن كَانَ أُمِّيا لَا يحفظ أَيْضا.
قَالَ الْخَطِيب فى " الْكِفَايَة ":
إنَّهُمَا بِمَثَابَة وَاحِدَة، ثمَّ حكى الْمَنْع من السماع مِنْهُمَا من غير وَاحِد من الْعلمَاء، قَالَ: ونرى علته فَوق الإدخال عَلَيْهِمَا لما لَيْسَ من سماعهما، قَالَ: وَرخّص فِيهِ بَعضهم قَالَ ابْن الصّلاح: غير أَن الضَّرِير أولى بِالْخِلَافِ وَالْمَنْع من الأمى، يعْنى: غَالِبا، وَإِلَّا فَرب؟ يكون أمهر.
ثمَّ ذكر النَّاظِم مَسْأَلَة النَّقْل بِالْمَعْنَى، وَقد اخْتلف فى جَوَازه فجمهور السّلف وَالْخلف من الْمُحدثين، وَالْفُقَهَاء والأصوليين كَمَا صَححهُ النَّاظِم تبعا لغيره على الْجَوَاز، إِذْ أقطع بذا الْمَعْنى، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: " بلَى، الْأَصَح "، وَجعلهَا ردا لقَوْله: " مطوى "، كَأَنَّهُ قَالَ قبل: " لَا يَصح مُطلقًا "، [وَالأَصَح: " بلَى "] ، وَمن أقوى حججهم كَمَا قَالَ شَيخنَا: الْإِجْمَاع على جَوَاز شرح الشَّرِيعَة للعجم بلسانهم للعارف بِهِ، فَإِذا جَازَ الْإِبْدَال بلغَة أُخْرَى فجوازه باللغة الْعَرَبيَّة أولى. وَمنعه قوم من الطوائف، فَقَالُوا: لَا يجوز إِلَّا بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ [ ﷺ ] أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم، وَغَيره لَيْسَ مثله، وَأَيْضًا: فَلَمَّا فِيهَا من إِضَافَة لفظ إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] بحَديثه، وَلذَا خص قوم [٥٨] الْمَنْع بحَديثه [ ﷺ ] دون غَيره، وَكَذَا فصل بَعضهم، فجوزه لغير حَافظ اللَّفْظ، أما حافظه: فَلَا.
وَأما النَّاظِم، فَبعد أَن حكى الصَّحِيح؛ اخْتَار فى الْمَسْأَلَة التَّفْصِيل بَين من يسند - أى: يرْوى -: فَهَذَا يُؤَدِّيه على وَجهه من غير تَغْيِير، وَبَين من يُورد ذَلِك للاستشهاد بِحكم
стр. 58
وَغَيره، فَإِنَّهُ يَصح، إِذا قطع بذا الْمَعْنى، وَإِلَى التَّفْصِيل الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: " [وَعِنْدنَا تردد. .] لى آخِره "، وَهَذَا الْخلاف كُله فى الْعَالم بالألفاظ ومقاصدها وَمَا يحِيل مَعَانِيهَا، أما غير الْعَالم بذلك: فَلَا يجوز لَهُ إِجْمَاعًا.
وَكَذَا لَا يجرى فِيمَا تضمنته بطُون الْكتب، فَذَاك لَا يجوز تَغْيِير لَفظه أصلا، وَإِن كَانَ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ ابْن الصّلاح: ثمَّ إِن هَذَا الْخلاف لَا نرَاهُ جَارِيا، وَلَا أجراه النَّاس - فِيمَا نعلم - فِيمَا تضمنته بطُون الْكتب، فَلَيْسَ لأحد أَن يُغير لفظ شئ من كتاب مُصَنف وَيثبت بدله فِيهِ لفظا آخر بِمَعْنَاهُ، فَإِن الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى رخص فِيهَا من رخص لما كَانَ عَلَيْهِم فى ضبط الْأَلْفَاظ، والجمود عَلَيْهَا من الْحَرج وَالنّصب، وَذَلِكَ مَفْقُود فِيمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ بطُون الأوراق من الدفاتر والكتب، وَلِأَنَّهُ إِن ملك تَغْيِير اللَّفْظ فَلَيْسَ ذَلِك تَغْيِير تصنيف غير، وَتَبعهُ العراقى وَكَذَا النَّاظِم فى بعض تصانيفه، لَكِن ميل شَيخنَا إِلَى جَوَاز النَّقْل مِنْهَا أَيْضا بِالْمَعْنَى، لَا سِيمَا إِذا قرن بِمَا يدل عَلَيْهِ لنحوه أَو مَعْنَاهُ، وَمَا أشبه ذَلِك
(٦٩ - (ص) نعم، يجوز الِاخْتِصَار مُطلقًا ... لعالم مُمَيّز محققا)
(ش) : أرْدف الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى بِمَسْأَلَة اخْتِصَار الْخَبَر والاقتصار على بعض مِنْهُ دون بعض، وهى أَيْضا مُخْتَلف فِيهَا، وَالصَّحِيح الْجَوَاز مُطلقًا جَوَّزنَا الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أَو مَعْنَاهَا رَوَاهُ قبل تَاما أَولا، خلافًا لمن بنى الْمَنْع فِيهَا على منع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، وَالْجَوَاز على عدم رِوَايَته قبل تَاما، وَلَا فرق فِيهِ بَين الرِّوَايَة والاستشهاد كَمَا أشعره إتْيَان النَّاظِم بالاستدراك لتفرقته فى الَّتِي قبلهَا بَينهمَا كَمَا مر، ثمَّ إِن مَا قدمْنَاهُ من الْجَوَاز هُوَ الْمُحَقق، وَلكنه أَيْضا يشْتَرط
стр. 59
بِكَوْن الذى يختصر عَالما مُمَيّزا للمحذوف من الْمُثبت محققا لذَلِك كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِم لِأَن الْعَالم لَا ينقص من الحَدِيث إِلَّا مَا لَا تعلق لَهُ بِمَا يبقيه مِنْهُ بِحَيْثُ لَا تخْتَلف الدّلَالَة وَلَا يخْتل الْبَيَان، بل يكون الْمَذْكُور والمحذوف بِمَنْزِلَة خبرين، وَيدل مَا ذكره على مَا حذفه بِخِلَاف الْجَاهِل فَإِنَّهُ قد ينقص مَا لَهُ بِهِ تعلق، كَتَرْكِ الِاسْتِثْنَاء، أما إِذا اخْتلف الحكم بترك بعضه كالغاية من حَدِيث " النهى من بيع الثِّمَار حَتَّى تزهى " والإستثنى من حَدِيث " النهى عَن بيع الْفضة بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَب بِالذَّهَب إِلَّا سوا بسوى " فَلَا يجوز تَركه، وَكَذَا إِذا رَوَاهُ تَاما ثمَّ خَافَ إِذا رَوَاهُ نَاقِصا أَن يتهم بِزِيَادَة " أَولا "، أَو بالغفلة وَقلة الضَّبْط " ثَانِيًا " فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ ذَلِك، وَأما تقطيع المصنفين كالبخارى الحَدِيث فى [الْأَبْوَاب للاستشهاد، فَقَالَ ابْن الصّلاح: إِنَّه إِلَى الْجَوَاز [/ ٦٠] أقرب وَلَا يَخْلُو من
стр. 60
كَرَاهِيَة، واستبعد النووى طرد الْخلاف فِيهِ بل قَالَ: وَمَا أَظن غَيره يُوَافقهُ على [الْكَرَاهَة]
وَقَوله: [محققا] بِكَسْر الْقَاف ومنصوب على الْحَال وَيُمكن أَن يكون بِفَتْحِهَا على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف كَمَا أَشرت إِلَيْهِ.
تَنْبِيه: مَا تقدم فى هَاتين المسئلتين من الْخلاف هُوَ فى الْجَوَاز وَعَدَمه، وَأما الْأَوْلَوِيَّة فَالْأولى إِيرَاد الحَدِيث بِلَفْظِهِ الذى ضبط بِهِ عَن ناقليه دون التَّصَرُّف فِيهِ قَالَ القاضى عِيَاض: " ينبغى سد بَاب الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لِئَلَّا يتسلط من لَا يحسن ظنا مِنْهُ أَنه يحسن كَمَا وَقع لكثير من الروَاة قَدِيما وحديثا.
التحذير من اللّحن، والتصحيف والحث على تعلم النَّحْو واللغة وَكَذَا مشتبه الأسامى من أَقْوَال الْعلمَاء
(٧٠ - (ص) وليحذر اللّحن مَعَ التَّصْحِيف ... كَذَا من التَّغْيِير والتحريف)
(٧١ - خوف الدُّخُول فى وَعِيد الْكَذِب ... من حَيْثُ قَول غير مَا قَالَ النَّبِي)
(٧٢ - فَليعلم النَّحْو وَلَو مقدمه ... كَذَا من التصريف حَتَّى يفهمهُ)
(٧٣ - كَذَا من اللُّغَات مَا يُنَبه ... ثمَّ من الْأَسْمَاء مَا يشْتَبه)
стр. 61
(ش) : أى [وليحذر] الراوى من [اللّحن] وَهُوَ عدم الجرى على القوانين المستنبطة من اللِّسَان العربى حِين اخْتِلَاط الْعَجم وَنَحْوهم بالعرب واضطراب الْعَرَبيَّة بِسَبَب ذَلِك، وَأول من تكلم [/ ٦١] فِيهِ أَبُو الْأسود الدؤلى أحد أَصْحَاب على بن أَبى طَالب - رضى الله عَنهُ - وَأَشد اللّحن مَا غير الْمَعْنى، وَكَذَا ليحذر من [التَّصْحِيف] وَهُوَ تَبْدِيل اللَّفْظ و [التَّغْيِير] وَهُوَ إِبْدَال اللَّفْظ بِغَيْرِهِ و [التحريف] وَهُوَ تَبْدِيل الحركات والسكنات والشدات، كل ذَلِك [خوفًا من الدُّخُول فى الْوَعيد] الْوَارِد فِيمَن كذب على النَّبِي [ ﷺ ] فقد قَالَ أَبُو دَاوُد السنجى سَمِعت الأصمعى يَقُول: " إِن أخوف مَا أَخَاف على طَالب الْعلم إِذا لم يعرف النَّحْو أَن يدْخل فى جملَة قَول النَّبِي [ ﷺ ] : " من كذب على مُتَعَمدا فليتبوء مَقْعَده من النَّار " لِأَنَّهُ [ ﷺ ] لم يكن يلحن فمهما روى عَنهُ ولحن فِيهِ فقد كذب عَلَيْهِ وروينا عَن سَالم بن قُتَيْبَة قَالَ: " كنت عِنْد ابْن هُبَيْرَة الْأَكْبَر فَجرى ذكر الْعَرَبيَّة فَقَالَ: " وَالله مَا اسْتَوَى رجلَانِ دينهما وَاحِد، وحسبهما وَاحِد، ومرؤتهما وَاحِدَة، أَحدهمَا يلحن وَالْآخر لَا يلحن، لِأَن أفضلهما فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الذى لَا يلحن. فَقلت: أصلح الله الْأَمِير هَذَا أفضل فى الدُّنْيَا لفضل فَصَاحَته وعربيته، أمراتب الْآخِرَة مَا لَهُ أفضل فِيهَا؟ قَالَ: إِنَّه يقْرَأ كتاب الله على مَا أنزلهُ، وَإِن الذى يلحن يحملهُ لحنه على أَن يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيخرج مَا هُوَ فِيهِ ".
قلت: صدق الْأَمِير وبر، فيحق على طَالب الحَدِيث كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح أَن يتَعَلَّم من النَّحْو واللغة مَا يتَخَلَّص بِهِ عَن شَيْئَيْنِ: اللّحن، والتحريف، ومعرفتهما وَإِلَى ذَلِك [/ ٦٢] أَشَارَ النَّاظِم بقوله: [فَليعلم النَّحْو] وَهُوَ ظَاهر فى الْوُجُوب، وَقد صرح الْعِزّ بن عبد السَّلَام حَيْثُ قَالَ فى آخر " الْقَوَاعِد ": " الْبِدْعَة خَمْسَة أَقسَام: فالواجبة
стр. 62
كاستعمال النَّحْو الذى يفهم بِهِ كَلَام الله وَرَسُوله [ ﷺ ] ؛ لِأَن حفظ الشَّرِيعَة وَاجِب وَلَا يَتَأَتَّى إِلَّا بذلك فَيكون من مُقَدّمَة الْوَاجِب "، وَكَذَا صرح غَيره بِالْوُجُوب أَيْضا، لَكِن لَا يجب التوغل فِيهِ، بل يَكْفِيهِ تَحْصِيل مُقَدّمَة مشيرة لمقاصده بِحَيْثُ يفهمها ويميز بهَا حركات الْأَلْفَاظ وإعرابها، لِئَلَّا يلتبس فَاعل بمفعول، أَو خبر بِأَمْر، أَو نَحْو ذَلِك، وَمِمَّنْ صرح بذلك شَيخنَا، فَقَالَ وَأَقل مَا يكفى من يُرِيد قِرَاءَة الحَدِيث أَن يعرف من الْعَرَبيَّة أَن لَا يلحن. ويستأنس لَهُ بِمَا روينَاهُ أَنهم كَانُوا يؤمرون، أَو قَالَ الْقَائِل: بتَعَلُّم الْقُرْآن ثمَّ السّنة، ثمَّ الْفَرَائِض، ثمَّ الْعَرَبيَّة الْحُرُوف الثَّلَاثَة فَسرهَا: بِالْجَرِّ وَالرَّفْع وَالنّصب انْتهى، وَذَلِكَ لِأَن التوغل فِيهِ قد يعطل عَلَيْهِ إِدْرَاك هَذَا الْفَنّ، الذى صرح أئمته بِأَنَّهُ لَا يعلق إِلَّا بِمن قصر نَفسه عَلَيْهِ، وَلم يضم غَيره إِلَيْهِ، وعَلى ذَلِك يحمل من وصف من الْأَئِمَّة باللحن كأبى دَاوُد الطيالسى، وهشيم، والدراوردى، وَمن شَاءَ الله مِمَّن لَا أطيل بِذكر أخبارهم، وَبِالْجُمْلَةِ فقد قَالَ السلفى: " وَقد كَانَ فى الرِّوَايَة على هَذَا الْوَضع قوم وَاحْتج برواياتهم فى " الصِّحَاح "، وَلَا يجوز تخطئتهم وتخطئة من أَخذ عَنْهُم "، وَقَالَ أَيْضا فى تَرْجَمَة بعض أئمتهم: " إِنَّه كَانَ قَارِئ الحَدِيث بِبَغْدَاد، والمستملى بهَا على الشُّيُوخ [/ ٦٣] وَهُوَ فى نَفسه ثِقَة كثير السماع، وَلم يكن لَهُ ألسن بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ يلحن لحن أَصْحَاب الحَدِيث، وَقَرَأَ الْحَافِظ عبد الْغنى على القاضى أَبى الطَّاهِر الذهبى كتابا وَقَالَ لَهُ: قرأته عَلَيْك كَمَا قرأته أَنْت؟ قَالَ: نعم إِلَّا اللحنة بعد اللحنة، فَقلت: أَيهَا القاضى فَسَمعته معربا؟ قَالَ:
стр. 63
لَا، قلت: هَذِه بِهَذِهِ. وَأما مَا ورد من الذَّم الشَّديد لمن طلب الحَدِيث بِالْعَرَبِيَّةِ فَذَاك حق من لم يتَقَدَّم لَهُ فِيهَا عمل أصلا، وَكَذَا يعلم من التصريف وَهُوَ: معرفَة أَحْوَال الْكَلم الْعَرَبيَّة الَّتِى لَيست بإعراب، الذى أول من تكلم فِيهِ: الْمعَافى. وَالْعلم بِهِ ملازم للْعلم بالنحو غَالِبا لَا يكَاد أَن يفترقا وَكَذَا من اللُّغَة مَا لَا بُد مِنْهُ فى معرفَة أَلْفَاظ الحَدِيث وَمن [مشتبه الْأَسْمَاء] وَنَحْوهَا من الكنى، والأنساب، وَقد ذكر النَّاظِم فِيمَا سيأتى جملَة من ذَاك، وَظَاهر النّظم، وجوب ذَلِك كُله، وَعبارَة ابْن الصّلاح السالفة قريبَة مِنْهُ، لَكِن فى اللُّغَة خَاصَّة، وَبِه صرح ابْن عبد السَّلَام حَيْثُ أدرج فى الْبِدْعَة الْوَاجِبَة شرح الْعَرَبيَّة والتوصل إِلَى تَمْيِيز الصَّحِيح من السقيم وَقد كَانَ لعَمْرو بن عون الواسطى مستملى يلحن كثيرا فَقَالَ: أخروه، وَتقدم إِلَى وراق كَانَ ينظر فى الْأَدَب وَالشعر أَن يقرئ عَلَيْهِ، وَكَانَ لكَونه لَا يعرف شَيْئا من الحَدِيث يصحف فى الروَاة، فَقَالَ عمروا: " ردونا إِلَى الأول "، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ يلحن فَلَيْسَ يمسخ، وَنَحْو هَذَا الصَّنِيع تَرْجِيح شَيخنَا من عرف مُشكل الْأَسْمَاء والمتون دون الْعَرَبيَّة على من عرف الْعَرَبيَّة فَقَط وَقَوله: [خوفًا] مَنْصُوب على أَنه [/ ٦٤] مفعول لأَجله.
(٧٤ - (ص) وَبعد هَذَا كُله لن يسلما ... روا وعى من صَحْفَة مُسلما)
(٧٥ - بلَى من أَفْوَاه الشُّيُوخ العلما ... الضابطين لفظ من تقدما)
(ش) : أى وَبعد معرفَة مَا تقدم لن يسلم من الْوُقُوع فى التَّصْحِيف، والتحريف فى الْأَلْفَاظ، والأسماء من قلد الصُّحُف، وبطون الْكتب فى ذَلِك، وَلم يضبطه عَن الْمَشَايِخ فسبيله بحث ذَلِك، وَالْأَخْذ من أَفْوَاه أهل الْعلم، والضبط عَنْهُم مِمَّن أَخذ ذَلِك عَمَّن
стр. 64
تقدم من شُيُوخه وهلم جرا؛ ليسلم من ذَلِك وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بالاستدراك، وَقد روينَا عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى أَنه قَالَ: " كَانَ يُقَال: لَا تَأْخُذُوا الْقُرْآن من مصحف، وَلَا الْعلم من مصحفى "، وَقَوله: [مُسلما] بِكَسْر اللَّام وَيجوز فتحهَا على أَنه اسْم فَاعل ومفعول.
كَيْفيَّة الْقِرَاءَة
(٧٦ - (ص) وليورد الحَدِيث بالصوت الْحسن ... وليفصحن اللَّفْظ وليبينن)
(٧٧ - وَلَا سرد الحَدِيث سردا يمْنَع ... إِدْرَاك بعضه لمن يستمع)
(ش) : أى وليورد الراوى الحَدِيث بِصَوْت حسن فصيح من هذرمة، وَلَا سرد يمْنَع من إِدْرَاك بعضه للسامعين لقَوْل عَائِشَة - رضى الله عَنْهَا -: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] لَا يسْرد الحَدِيث كَسَرْدِكُمْ، وَلكنه كَانَ إِذا تكلم كلَاما فصل؛ ليحفظة من يسمعهُ " فَإِن فعل ذَلِك كره إِن لم يفحش فِيهِ بِحَيْثُ قَول سمع الْكَبِير لما تقدم فى التشاغل بالنسخ إِن النَّاسِخ إِن فهم صَحَّ لَا لم يَصح لكنه يُعْفَى عَن نَحْو الْكَلِمَة والكلمتين، وَالْإِجَازَة لجبر الْخلَل [/ ٦٥] .
стр. 65
من تقبل رِوَايَته وَمن ترد ومراتب ألفاظها
(٧٨ - (ص) شَرط من يقبل: ضَبطه لما ... يرويهِ عدلا يقظا قد سلما)
(٧٩ - من سَبَب الْفسق وَلم يحْتَج إِلَى ... أَسبَاب تَعْدِيل وفى الْجرْح بلَى)
(٨٠ - وَهُوَ مقدم، وَلَا يجزى الثِّقَة ... مَا لم يسمه، وَلَو كَانَ ثِقَة)
(ش) : أَي وَشرط من يقبل خَبره ويحتج بحَديثه أَن يكون ضابطا لما يرويهِ حَال كَونه عدلا يقظا، سالما من أَسبَاب الْفسق وهى: ارْتِكَاب كَبِيرَة، أَو إِصْرَار على صَغِيرَة، وَهَذِه الْأَرْبَعَة ترجع إِلَى شَيْئَيْنِ وهما: الضَّبْط، وَالْعَدَالَة، وَلَو اقْتصر النَّاظِم عَلَيْهِمَا كَانَ أولى من ضم ذكر الْيَقَظَة الَّتِى هى من صِفَات أَولهمَا، والسلامة من أَسبَاب الْفسق الَّتِى من صِفَات ثَانِيهمَا باللف والنشر الْمُرَتّب إِلَيْهِمَا لكَونه بقى من صِفَات الضَّبْط أَيْضا الْحِفْظ لحديثه، إِن حدث من حفظه ولكتابه إِن حدث مِنْهُ وَالْعلم بِمَا يحِيل الْمَعْنى، إِن لم يرو بِاللَّفْظِ وبقى من صِفَات الْعَدَالَة الْإِسْلَام، والسلامة من خوارم الْمُرُوءَة، وَالْعقل، وَالْبُلُوغ، وَلكنه قد يتَكَلَّف بِأَن يُقَال: يُمكن إِدْخَال مَا لم يفصح بِهِ من صِفَات الضَّبْط فى الْيَقَظَة، وَأما الْإِسْلَام فَلَا شكّ أَن الْكفْر أكبر الْكَبَائِر وَأعظم أَسبَاب الْفسق، وَأما خوارم الْمُرُوءَة، فقد قَالَ الْخَطِيب وَغَيره: إِنَّه لم يشْتَرط نَفيهَا فى الرِّوَايَة إِلَّا الشافعى، وَهُوَ مُخَالف لظَاهِر كَلَام ابْن الصّلاح فى نقل الِاتِّفَاق على اشْتِرَاطه، وَالْحق: أَن خوارم الْمُرُوءَة كَثِيرَة، والذى يَزُول الْوَصْف بِالْعَدَالَةِ [/ ٦٦] بارتكابه مِنْهَا ويفضى إِلَى الْفسق مَا سخف من الْكَلَام الردئ والضحك، وَمَا قبح من الْفِعْل، الذى يلهو بِهِ ويستقبح كنتف اللِّحْيَة، وخضابها بِالسَّوَادِ، كَمَا صرح بِهِ الماوردى فى " الحاوى "، وَحِينَئِذٍ فهى دَاخِلَة فى السَّلامَة من الْفسق أَيْضا، وَأما الْعقل فَمن لم يكن متصفا بِهِ لَا يهتدى لتجنب أَسبَاب الْفسق، وَأما الْبلُوغ فقد اخْتلف فى كَونه من صِفَات الْعَدَالَة على وَجْهَيْن: أصَحهمَا اشْتِرَاطه، لَكِن حكى فى " شرح الْمُهَذّب " عَن الْجُمْهُور قبُول أَخْبَار الصبى الْمُمَيز فِيمَا طَرِيقه الْمُشَاهدَة، بِخِلَاف مَا طَرِيقه النَّقْل كالإفتى، وَرِوَايَة الْأَخْبَار، وَنَحْوه، فعلى الصَّحِيح لَا احْتِيَاج إِلَى التَّنْصِيص
стр. 66
عَلَيْهِ، وعَلى مُقَابِله فَحَذفهُ مُتَعَيّن، وَنَحْوه، وَكَذَا لَا يشْتَرط فى الرِّوَايَة الْحُرِّيَّة، وَلَا الْبَصَر، وَلَا الْعدَد، وَلَا الذُّكُورَة، وَلَا الْعلم بِفقه، أَو غَرِيب، أَو معنى، ثمَّ إِن ضبط الراوى يعرف بموافقة رِوَايَته رِوَايَات الثِّقَات المتقنين غَالِبا، وَلَو فى الْمَعْنى وَلَا يضر مُخَالفَة نادرة، وَأما الْعَدَالَة: فتعرف بتنصيص المعدلين عَلَيْهَا أَو بالاستفاظة بِمن اشتهرت عَدَالَته من أهل النَّقْل أَو غَيرهم من الْعلمَاء، وشاع الثَّنَاء عَلَيْهِ بهَا كمالك، والشافعى، وَأحمد، وَتوسع ابْن عبد الْبر كَمَا مضى فى شرح الْخطْبَة، فَقَالَ: " كل حَامِل علم مَعْرُوف الْعِنَايَة بِهِ مَحْمُول على الْعَدَالَة فى أمره أبدا؛ حَتَّى يتَبَيَّن جرحه ".
قَالَ المُصَنّف فى بعض تصانيفه: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَإِن رده بَعضهم وَلم يرضه وَقَوله: وَلم يحْتَج [١ / ٦٧] إِلَى آخِره هُوَ بَيَان للْفرق بَين التَّعْدِيل وَالتَّصْرِيح فى ذكر سَببهَا، فالتعديل يحْتَاج فِيهِ لذَلِك لِأَن أَسبَابه كَثِيرَة، وَلَا سِيمَا مَا يتَعَلَّق بالنفى كَقَوْلِه: لم يفعل كَذَا، لم يرتكب كَذَا، فَيشق تعدادها بِخِلَاف الْجرْح كَمَا أَشَارَ النَّاظِم بالاستدراك، فَإِنَّهُ لَا يقبل إِلَّا مُفَسرًا؛ لاخْتِلَاف النَّاس فى سَببه وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار فيهمَا وَبِه قَالَ الشافعى وَمحل الاستفسار إِذا صدر فى حق من ثبتَتْ عَدَالَته، أما إِن خلا الْمَجْرُوح عَن تَعْدِيل فَلَا؛ لِأَنَّهُ فى حيّز الْمَجْهُول وإعمال قَول المجرح أولى من إهماله، وَقد عقد الْخَطِيب بَابا فى " بعض الْأَخْبَار من استفسر فى جرحه فَلم يذكر خَارِجا "، مِنْهَا: عَن شُعْبَة أَنه قيل لَهُ: لم تركت حَدِيث فلَان؟ فَقَالَ: " رَأَيْته يرْكض على برذون فَتركت
стр. 67
حَدِيثه وَأما كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل الَّتِي لم يذكر فِيهَا سَبَب الْجرْح ففائدتها التَّوَقُّف فِيمَن جرحوه فَإِن بحثنا عَن حَاله وانزاحت عَنهُ الرِّيبَة؛ حصلت الثِّقَة بِهِ، وَقَبلنَا حَدِيثه، كجماعة فى الصَّحِيحَيْنِ، كَمَا فى إِقْرَار الراوى بِالْوَضْعِ، فَإِنَّهُ وَإِن لم يسع الإعتماد على قَوْله فقد أفادنا التَّوَقُّف فى مرويه، وَقَوله: وَهُوَ أى - الْجرْح إِن صدر منفيا من عَارِف بأسبابه - فِيمَا إِذا اجْتمع فى شخص جرح وتعديل - يقدم لزِيَادَة الْعلم بِهِ، إِذْ الْمعدل يخبر عَمَّا ظهر من حَاله، والجارح يخبر عَن بَاطِن خفى على الْمعدل هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد، وَقيل: إِن كَانَ المعدلون أَكثر؛ فالراجح التَّعْدِيل، وَلَو تَعَارضا فى ثُبُوت جارح معِين ونفيه فالترجيح لَا يُمَيّز، قَالَ [/ ٦٨] شَيخنَا " فينبغى أَن لَا يقبل الْجرْح وَالتَّعْدِيل إِلَّا من عدل متيقظ، فَلَا يقبل جرح من أفرط فِيهِ فجرح بِمَا لَا يقتضى رد حَدِيث الْمُحدث، كَمَا لَا تقبل تَزْكِيَة من أَخذ بِمُجَرَّد الظَّاهِر، فَأطلق التَّزْكِيَة وليحذر الْمُتَكَلّم فى هَذَا الْفَنّ من التساهل فى الْجرْح وَالتَّعْدِيل، فَإِنَّهُ إِن عدل ثِقَة بِغَيْر تثبت كَانَ كالمثبت حكما لَيْسَ بِثَابِت ويخشى عَلَيْهِ أَن يدْخل فى زمرة من روى حَدِيثا وَهُوَ يظنّ أَنه كذب " وَإِن جرح بِغَيْر تحرز [قدم على الطعْن] فى مُسلم برِئ من ذَلِك، وَقد وسمه بميسم سوء يبْقى عَلَيْهِ عاره أبدا.
والآفة تدخل فى هَذَا: تَارَة من الْهوى وَالْغَرَض الْفَاسِد، وَكَلَام الْمُتَقَدِّمين سَالم من هَذَا
стр. 68
غَالِبا، - وَتارَة من الْمُخَالفَة فى العقائد -، وَهُوَ مَوْجُود كثيرا، قَدِيما، وحديثا -، وَلَا ينبغى إِطْلَاق الْجرْح بذلك " انْتهى، وَقَوله: [وَلَا يجزى الثِّقَة] أَشَارَ إِلَى أَنه لَا بُد من تعْيين الْمعدل، فَلَو قَالَ: " حَدَّثَنى الثِّقَة "، وَلم يسمه لَا يكفى على الصَّحِيح، وَبِه قطع الْخَطِيب، والصيرفى، وَمَشى عَلَيْهِ النَّاظِم " لِأَنَّهُ قد يكون ثِقَة عِنْده، مجروحا عِنْد غَيره، وَقيل: يكفى تمسكه " بِالظَّاهِرِ إِذْ الْجرْح على خلاف الأَصْل، وَقيل إِن كَانَ عَالما أَجْزَأَ فى حق من يُوَافقهُ فى مذْهبه على الْمُخْتَار من الْمُحَقِّقين، ثمَّ إِنَّه لَا فرق فى عدم الِاكْتِفَاء بذلك من صدوره من ثِقَة أَو غَيره وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: [وَلَو كَانَ ثِقَة] .
(٨١ - (ص) وثقة عَن رجل يُسمى ... لَيْسَ بتعديل بِهَذَا الحكم)
(٨٢ - وَقيل تَعْدِيل، ولى التَّفْصِيل ... فَمن معود بِهِ تَعْدِيل)
(ش) : أى إِذا روى الثِّقَة عَن رجل وَسَماهُ، لم يكن تعديلا عِنْد الْأَكْثَر، وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدهم وَقيل: تَعْدِيل، وَقيل: يفصل؛ فَإِن كَانَت عَادَته أَن لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل كالشيخين، فتعديل، وَإِلَّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ جمَاعَة وَمِنْهُم النووى، وَقَوله: [بِهِ] أى بِكَوْنِهِ لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل.
стр. 69
مَرَاتِب أَلْفَاظ التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح
(٨٣ - (ص) فَهُوَ مَرَاتِب والأعلى: ثِقَة ... وَضَابِط ومتقن وَحجَّة)
(٨٤ - فَخير صَدُوق مَأْمُون وَلَا ... بَأْس بِهِ، وثالث شيخ تَلا)
(٨٥ - فَصَالح، وَفِيهِمَا يعْتَبر ... وَالْجرْح أَنْوَاع: فلين ينظر)
(٨٦ - فَلَيْسَ بالقوى، والمقارب ... ضَعِيف، فالمتروك واه ذَاهِب)
(٨٧ - كَذَّاب والأقسام فِيمَن يجهل ... جَهَالَة الْعين فَلَيْسَ يقبل)
(٨٨ - وباطن، وَظَاهر للْأَكْثَر ... وقبلوا ذَا بَاطِن فى الْأَشْهر)
(ش) : أى لألفاظ التَّعْدِيل مَرَاتِب أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله: [وَهُوَ] أى التَّعْدِيل مَرَاتِب قد رتبها ابْن أَبى حَاتِم فَأحْسن، (أَوله) : أَعْلَاهَا، ثِقَة، أَو متقن، أَو ضَابِط، أَو حجَّة، وَهَؤُلَاء يحْتَج بِحَدِيثِهِمْ (ثَانِيهَا) ، وفصلها النَّاظِم بِالْفَاءِ خير، أَو صَدُوق، أَو مَأْمُون أَو لَا بَأْس بِهِ، وَهَؤُلَاء يكْتب حَدِيثهمْ وَينظر فى ضبطهم لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تشعر بالضبط فَينْظر ليعتبر، وَلَا يُعَارض جعل (لَا بَأْس بِهِ) فى الْمرتبَة الثَّانِيَة قَول ابْن معِين: " إِذا قلت [/ ٧٠] لَا بَأْس بِهِ: فَثِقَة لِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك التساوى بَينهمَا، وَإِن اشْتَركَا فى مُطلق الثِّقَة إِذْ مَعْلُوم أَن الثِّقَة مَرَاتِب، وعَلى تَقْدِير ذَلِك فَهُوَ خبر عَن نَفسه فَقَط، والذى فعله ابْن أَبى حَاتِم فى جعل ثِقَة فى الْمرتبَة الأولى، وَلَا بَأْس بِهِ فى الْمرتبَة الثَّانِيَة أرجح. وَيدل على أَن التَّعْبِير بالثقة أرفع: مَا روى عَن ابْن مهدى أَنه قَالَ: حَدثنَا أَبُو خلدَة فَقيل لَهُ: أَكَانَ ثِقَة؟ فَقَالَ: " كَانَ صَدُوقًا مَأْمُونا، الثِّقَة: شُعْبَة، وسُفْيَان "، وَنَحْوه عَن أَحْمد، (ثَالِثهَا) شيخ، وَهَذَا يكْتب حَدِيثه وَينظر فى ضَبطه كَأَهل الَّتِى قبلهَا إِلَّا أَنه دونهم. وَنَحْوه قَول المزى: " إِنَّهُم يعنون بهَا: إِنَّه لَا يتْرك، وَلَا يحْتَج بحَديثه مُسْتقِلّا ". (رَابِعهَا) وفصلها النَّاظِم بِالْفَاءِ أَيْضا: " صَالح الحَدِيث "، وَهَذَا يكْتب حَدِيثه للاعتبار كاللتين قبلهَا، وَإنَّهُ لم يمش عَلَيْهِ النَّاظِم فى أولاها لكَونه قَالَ: وَفِيهِمَا مَعَ أَنه مَشى عَلَيْهِ فى بعض
стр. 70
تصانيفه. وَكَذَا الْأَلْفَاظ فى التجريح مَرَاتِب: وإليها الْإِشَارَة بقوله: [وَالْجرْح أَنْوَاع] ثمَّ أوردهَا بالترقى من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى ضد صَنِيعه أَولا ليلتقى الْأَدْنَى من المرتبتين، وَقد رتب ابْن أَبى حَاتِم أَلْفَاظه أَيْضا، وفصلها النَّاظِم بِالْفَاءِ كألفاظ التَّعْدِيل (الأول) : أدناها " لين الحَدِيث "، وحققها كميت فى ميت؛ فَهَذَا يكْتب حَدِيثهَا ينظر اعْتِبَارا، وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم [ينظر] قَالَ الدارقطنى: " لين الحَدِيث لم يكن سَاقِطا، وَلَكِن مجروحا بشئ لَا يسْقطهُ عَن الْعَدَالَة " (الثانى) : لَيْسَ بقوى، وَهُوَ [/ ٧١] كَالْأولِ فى كتب حَدِيثه لكنه دونه، وَكَذَا مثله: لَيْسَ بِذَاكَ، وَلَيْسَ بِذَاكَ القوى. (الثَّالِث) : مقارب الحَدِيث: وإيراد النَّاظِم لَهَا فى أَلْفَاظ التجريح شئ قد انْفَرد بِهِ عَن ابْن الصّلاح وَمن تبعه إِذْ هى فى الْمرتبَة الْأَخِيرَة من التَّعْدِيل وصنيع البخارى وَتَبعهُ الترمذى يُؤَيّدهُ، وَلَا فرق فى ذَلِك بَين ضَبطهَا بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا، كَمَا ذهب إِلَيْهِ غير وَاحِد بل الْمَعْنى يُقَارب النَّاس فى حَدِيثه ويقاربونه أَي: فَلَيْسَ حَدِيثه شاذا، وَلَا مُنْكرا، وَاقْتصر بَعضهم على الْكسر، وَلَعَلَّه تبع الجوهرى فَإِنَّهُ قَالَ: بِكَسْر الرَّاء وسط بَين الْجيد والردئ، قَالَ: " وَلَا تقل: مقارب " يعْنى بِالْفَتْح. وَيشْهد لَهُ حِكَايَة شَيخنَا عَن بَعضهم: - مقارب بِالْفَتْح هَذَا شئ مقارب أى ردئ. قَالَ شَيخنَا: " وَحِينَئِذٍ يبْقى من بَاب الْجرْح ". انْتهى، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سلف النَّاظِم وَقد زِدْت ذَلِك بسطا فى " حَاشِيَة شرح الألفية " ثمَّ إِن من هَذِه الْمرتبَة الثَّالِثَة (ضَعِيف الحَدِيث) وَهُوَ دون الثانى: لَا يطْرَح حَدِيثه، بل يعْتَبر بِهِ، وَكَذَا فِيهِ ضعف، أَو فِي حَدِيثه ضعف، أَو مُضْطَرب الحَدِيث، إِذْ لَا يحْتَج بِهِ (الرَّابِع) : مَتْرُوك الحَدِيث، ثمَّ واه، وذاهب الحَدِيث، وَكَذَّاب، وَكَذَا وَضاع، ودجال وَهَؤُلَاء ساقطون لَا يكْتب عَنْهُم، إِذا علم هَذَا، فقد تبع النَّاظِم ابْن الصّلاح فى الِاقْتِصَار فى أَعلَى الْمَرَاتِب فى التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح، على مَا ذكره، وَوَقع فى كَلَام شَيخنَا تبعا لغيره تَقْدِيم غير ذَلِك عَلَيْهِ، بل
стр. 71
وَجعل أدنى مَرَاتِب التَّعْدِيل شَيخنَا [/ ٧٢] وَهُوَ خلاف مَا سبق، وَعبارَته: " أرفع مَرَاتِب التَّعْدِيل الْوَصْف بأفعل كأوثق النَّاس وَأثبت النَّاس، أَو إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فى الْمُثبت، ثمَّ مَا تَأَكد بِصفة من الصِّفَات الدَّالَّة على التَّعْدِيل، أَو صفتين كثقة ثِقَة، أَو: ثَبت ثَبت، أَو ثِقَة حَافظ، أَو: عدل ضَابِط، أَو: نَحْو ذَلِك، وَأَدْنَاهَا مَا أشعر بِالْقربِ من مَرَاتِب التجريح؛ كشيخ، و: يرْوى حَدِيثه، وَيعْتَبر بِهِ، وَنَحْو ذَلِك، وَبَين ذَلِك مَرَاتِب لَا تخفى "، و " أسوء أَلْفَاظ التجريح مَا دلّ على الْمُبَالغَة فِيهِ، وأصرح ذَلِك التَّعْبِير بأفعل؛ كأكذب النَّاس، وَكَذَا قَوْلهم: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فى الْوَضع، أَو هُوَ: ركن الْكَذِب، وَنَحْو ذَلِك، ثمَّ دجال، أَو وَضاع، أَو: كَذَّاب [لِأَنَّهَا وَإِن كَانَ فِيهِ نوع مُبَالغَة لَكِنَّهَا دون الَّتِى قبلهَا] وأسهلها [أى الالفاظ الدَّالَّة على الْجرْح: كَقَوْلِهِم: فلَان] فِيهِ لين، أَو سئ الْحِفْظ، أَو فِيهِ أدنى مقَال، وَبَينهمَا مَرَاتِب لَا تخفى " أهـ فاعتمده وَقَوله: [والأقسام فِيمَن يجهل] إِلَى آخِره: هُوَ بَيَان للْمَجْهُول فَإِنَّهُ على ثَلَاثَة أَقسَام (أَحدهَا) : مَجْهُول الْعين: وَهُوَ كل من لم يشْتَهر بِطَلَب الْعلم فى نَفسه، وَلَا بِمَعْرِِفَة الْعلمَاء، وَلم يعرف حَدِيثه، إِلَّا من جِهَة راو وَاحِد قَالَه الْخَطِيب. قَالَ: " وَأَقل مَا يرفع بِهِ الْجَهَالَة يعْنى - للعين أَن يرْوى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا من الْمَشْهُورين بِالْعلمِ إِلَّا إِنَّه لَا يكْتب لَهُ حكم الْعَدَالَة بروايتهما عَنهُ، فَلَا يكون مَقْبُولًا للْجَهْل بِحَالهِ "، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الذى عَلَيْهِ الْأَكْثَر من الْمُحدثين، وَغَيرهم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: " كل من لم يرو عَنهُ
стр. 72
إِلَّا وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول، نعم: إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِغَيْر حمل الْعلم كمالك ابْن دِينَار فى الزّهْد، وَعَمْرو بن معدى [/ ٧٣] كرب فى النجدة، يعْنى: فَيكون مَقْبُولًا، وَفِيه من الِاخْتِلَاف غير ذَلِك وَوَقع فى عبارَة ابْن كثير: " أَن الْمُبْهم الذى لم يسم، أَو: سمى، وَلَا يعرف عينه: لَا تقبل رِوَايَته عِنْد أحد علمناه، وَلكنه إِذا كَانَ فى عصر التَّابِعين، والقرون الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ، فَإِنَّهُ يسْتَأْنس بروايته، ويستضاء بهَا فى مواطنه قَالَ: وَقد وَقع فى مُسْند أَحْمد وَغَيره من هَذَا الْقَبِيل كثير " وَكَذَا قَالَ - شمس الْأَئِمَّة من الْحَنَفِيَّة - وَقُلْنَا الْمَجْهُول من الْقُرُون الثَّلَاثَة عدل بتعديل صَاحب الشَّرْع إِيَّاه، مَا لم يتَبَيَّن مِنْهُ مَا يزِيل عَدَالَته فَيكون خَبره حجَّة. وَهُوَ محكى عَن إِمَامه أَبى حنيفَة أَنه قبله فى عصر التَّابِعين خَاصَّة، لغَلَبَة الْعَدَالَة عَلَيْهِم. (ثَانِيهَا) مَجْهُول الْحَال فى الْعَدَالَة ظَاهرا، وَبَاطنا، وَهَذَا أَيْضا لَا يقبل حَدِيثه عِنْد الْأَكْثَرين، وَحكى عَن أَبى حنيفَة قبُوله: لَكِن قيل: أَن الثَّابِت عِنْده عدم قبُوله مُطلقًا، وَبِه صرح الحمارى من مقلديه، وَإِنَّمَا قبله فى عصر التَّابِعين خَاصَّة كَمَا تقدم.
(ثَالِثهَا) مَجْهُول الْحَال فى الْعَدَالَة بَاطِنا لَا ظَاهرا، لكَونه علم عدم الْفسق فِيهِ، وَلم تعلم عَدَالَته؛ لفقدان التَّصْرِيح بتزكيته؛ فَهَذَا معنى إِثْبَات الْعَدَالَة الظَّاهِرَة، وَنفى الْعَدَالَة الْبَاطِنَة؛ لِأَن المُرَاد بالباطنة: مَا فى نفس الْأَمر، وَهَذَا هُوَ المستور وَالْمُخْتَار قبُوله، وَبِه قطع سليم الرازى قَالَ ابْن الصّلاح: " وَيُشبه أَن يكون عَلَيْهِ الْعَمَل فى كثير من كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة فِيمَن تقادم الْعَهْد بهم، وتعذرت الْخِبْرَة الْبَاطِنَة انْتهى ". وَالْخلاف مبْنى على شَرط قبُول الرِّوَايَة، أهوَ الْعلم بِالْعَدَالَةِ، أَو عدم الْعلم بالمفسق؟ إِن قُلْنَا: الأول لم يقبل المستور، وَإِلَّا قبلناه، والذى مَال إِلَيْهِ شَيخنَا فى المستور: الْوَقْف، وَعبارَته فى " توضيح النخبة ": " فَإِن سمى الراوى، وَانْفَرَدَ راو وَاحِد بالرواية عَنهُ؛ فَهُوَ مَجْهُول الْعين؛ كَالْعَيْنِ
стр. 73
[يعْنى لَا تقبل رِوَايَته] إِلَّا أَن يوثقه غير من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح، وَكَذَا من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح إِذا كَانَ متأهلا لذَلِك وَإِن روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا وَلم يوثق؛ فَهُوَ مَجْهُول الْحَال، وَهُوَ المستور، وَقد قبل رِوَايَته جمَاعَة بِغَيْر قيد، وردهَا الْجُمْهُور، وَالتَّحْقِيق أَن رِوَايَة المستور وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ الِاحْتِمَال لَا يُطلق القَوْل بردهَا وَلَا بقبولها، بل يُقَال: هى مَوْقُوفَة إِلَى استبانة حَاله كَمَا جزم بِهِ الإِمَام، وَنَحْوه قَول ابْن الصّلاح فِيمَن جرح بِجرح غير مُفَسّر "
تَنْبِيه: قد علم بِمَا قَرَّرْنَاهُ حِكَايَة الْخلاف فى الْقسم الأول مَعَ كَون النَّاظِم لم يشر إِلَيْهِ إِلَّا أَن يكون قَوْله: [الْأَكْثَر] يرجع إِلَى الْقسمَيْنِ: [وجهالة] بِالرَّفْع خبر [الْأَقْسَام] [وَظَاهر] بِالْجَرِّ عطفا على [الْعين] . .
(٨٩ - (ص) وتائب من كذب، فَقيل لَا ... عمدا على النبى ردوا مسجلا)
(ش) : أى تقبل رِوَايَة التائب من الْكَذِب فى حَدِيث النَّاس، وَمن الْفسق مُطلقًا إِلَّا الْكَذِب فى حَدِيث النبى [ ﷺ ] مُتَعَمدا؛ فقد نَص الإِمَام أَحْمد، والحميدى شيخ البخارى:
стр. 74
" على أَن فَاعله لَا يقبل أبدا وَإِن حسنت تَوْبَته، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقول النَّاظِم [مسجلا] أى: مُطلقًا وَيشْهد لَهُ قَوْله صلى الله [/ ٧٥] عَلَيْهِ وَسلم: " إِن كذبا على لَيْسَ ككذب على أحد " وَكَذَا نَقله الحوازمى فى شُرُوط الْخَمْسَة عَن الثورى، وَابْن الْمُبَارك، وَرَافِع بن الأشرس، وأبى نعيم، وَغَيرهم قَالَ الْخَطِيب: " وَهُوَ الْحق " بل حكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن وَالِده: أَن من تعمد الْكَذِب على النبى [ ﷺ ] يكفر، لَكِن قد ضعف النووى - رَحمَه الله تَعَالَى - فى " شَرحه لمُسلم " مقَالَة الحميدى وَمن وَافقه، وَقَالَ الْمُخْتَار الْقطع بِصِحَّة تَوْبَته فى هَذَا، وَقبُول رِوَايَته بعْدهَا إِذا صحت تَوْبَته بشروطها قَالَ: وَقد أَجمعُوا على صِحَة رِوَايَة من كَانَ كَافِرًا وَأسلم كَمَا تقبل شَهَادَته قَالَ: وَحجَّة من ردهَا أبدا وَإِن حسنت حَال التَّغْلِيظ بعظيم الْعقُوبَة فِيمَا وَقع فِيهِ، وَالْمُبَالغَة فى الزّجر عَنهُ كَمَا قَالَ [ ﷺ ] : " إِن كذبا على لَيْسَ ككذب على أحد " وَقَالَ فى مُخْتَصره ابْن الصّلاح: " هَذَا مُخَالف لقاعدة مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا، وَلَا يقوى الْفرق بَينهَا " وَخَالفهُ بعض
стр. 75
الْمُتَأَخِّرين، وَبَين فى الْمَسْأَلَة مَذَاهِب أَصَحهَا مَا تقدم لَا يقدم يقبل مُطلقًا قَالَ: وَعَلِيهِ أهل الحَدِيث وَجُمْهُور الْعلمَاء وَثَانِيها مَا نسب للدامغانى من الْحَنَفِيَّة: يقبل مُطلقًا حَدِيثه الْمَرْدُود، وَغَيره وَهُوَ أضعفها، وَالثَّالِث لَا يقبل فى المرود وَيقبل فى غَيره وَهُوَ أوسطها قَالَ: وَهَذَا كُله فى الْعمد بِلَا تَأْوِيل، فَأَما من كذب فى فَضَائِل الْأَعْمَال مُعْتَقدًا أَن هَذَا لَا يضر، ثمَّ عرف ضَرَره فَتَابَ، فَالظَّاهِر قبُول رِوَايَته، وَكَذَا من كذب عَلَيْهِ [ ﷺ ] دفعا لضَرَر [/ ٧٦] يلْحقهُ من الْعَدو وَتَابَ عَنهُ، وَلَو قَالَ: كنت أَخْطَأت، وَلم أتعمد؛ قبل مِنْهُ؛ قَالَه جمَاعَة مِنْهُم الحازمى: وَجرى عَلَيْهِ الْخَطِيب وَغَيره "
(٩٠ - (ص) وقبلوا رِوَايَة المبتدع ... إِن لم يكن دَاعِيَة للمبدع)
(ش) : الْبِدْعَة مَا أحدث على غير مِثَال مُتَقَدم، فيشتمل الْمَحْمُود والمذموم، وَلذَا ضمهَا بعض الْعلمَاء إِلَى الْأَحْكَام الْخَمْسَة وَهُوَ وَاضح لَكِنَّهَا خصت شرعا بالمذموم مِمَّا هُوَ خلاف الْمَعْرُوف عَن النبى [ ﷺ ] فالمبتدع من اعْتقد ذَلِك لَا بمعاندة بل بِنَوْع شُبْهَة قَالَ شَيخنَا: " وهى إِمَّا أَن تكون بمكفر؛ كَأَن يعْتَقد مَا يسْتَلْزم الْكفْر، أَو بمسفق: فَالْأول لَا يقبل صَاحبهَا الْجُمْهُور [بل صرح النووى فِيهِ بالِاتِّفَاقِ مُطلقًا] وَقيل إِن كَانَ لَا يعْتَقد حل الْكَذِب لنصره مقَالَته قبل، وَالتَّحْقِيق: أَنه لَا يرد كل مكفر ببدعة؛ لِأَن كل طَائِفَة تدعى أَن مخالفيها مبتدعة، وَقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فَلَو أَخذ ذَلِك على الْإِطْلَاق لاستلزم تَكْفِير جَمِيع الطوائف، فَالْمُعْتَمَد أَن الذى ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من
следующие страницы →