Полный текст (294 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَجعل أدنى مَرَاتِب التَّعْدِيل شَيخنَا [/ ٧٢] وَهُوَ خلاف مَا سبق، وَعبارَته: " أرفع مَرَاتِب التَّعْدِيل الْوَصْف بأفعل كأوثق النَّاس وَأثبت النَّاس، أَو إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فى الْمُثبت، ثمَّ مَا تَأَكد بِصفة من الصِّفَات الدَّالَّة على التَّعْدِيل، أَو صفتين كثقة ثِقَة، أَو: ثَبت ثَبت، أَو ثِقَة حَافظ، أَو: عدل ضَابِط، أَو: نَحْو ذَلِك، وَأَدْنَاهَا مَا أشعر بِالْقربِ من مَرَاتِب التجريح؛ كشيخ، و: يرْوى حَدِيثه، وَيعْتَبر بِهِ، وَنَحْو ذَلِك، وَبَين ذَلِك مَرَاتِب لَا تخفى "، و " أسوء أَلْفَاظ التجريح مَا دلّ على الْمُبَالغَة فِيهِ، وأصرح ذَلِك التَّعْبِير بأفعل؛ كأكذب النَّاس، وَكَذَا قَوْلهم: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فى الْوَضع، أَو هُوَ: ركن الْكَذِب، وَنَحْو ذَلِك، ثمَّ دجال، أَو وَضاع، أَو: كَذَّاب [لِأَنَّهَا وَإِن كَانَ فِيهِ نوع مُبَالغَة لَكِنَّهَا دون الَّتِى قبلهَا] وأسهلها [أى الالفاظ الدَّالَّة على الْجرْح: كَقَوْلِهِم: فلَان] فِيهِ لين، أَو سئ الْحِفْظ، أَو فِيهِ أدنى مقَال، وَبَينهمَا مَرَاتِب لَا تخفى " أهـ فاعتمده وَقَوله: [والأقسام فِيمَن يجهل] إِلَى آخِره: هُوَ بَيَان للْمَجْهُول فَإِنَّهُ على ثَلَاثَة أَقسَام (أَحدهَا) : مَجْهُول الْعين: وَهُوَ كل من لم يشْتَهر بِطَلَب الْعلم فى نَفسه، وَلَا بِمَعْرِِفَة الْعلمَاء، وَلم يعرف حَدِيثه، إِلَّا من جِهَة راو وَاحِد قَالَه الْخَطِيب. قَالَ: " وَأَقل مَا يرفع بِهِ الْجَهَالَة يعْنى - للعين أَن يرْوى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا من الْمَشْهُورين بِالْعلمِ إِلَّا إِنَّه لَا يكْتب لَهُ حكم الْعَدَالَة بروايتهما عَنهُ، فَلَا يكون مَقْبُولًا للْجَهْل بِحَالهِ "، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الذى عَلَيْهِ الْأَكْثَر من الْمُحدثين، وَغَيرهم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: " كل من لم يرو عَنهُ
стр. 72
إِلَّا وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول، نعم: إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِغَيْر حمل الْعلم كمالك ابْن دِينَار فى الزّهْد، وَعَمْرو بن معدى [/ ٧٣] كرب فى النجدة، يعْنى: فَيكون مَقْبُولًا، وَفِيه من الِاخْتِلَاف غير ذَلِك وَوَقع فى عبارَة ابْن كثير: " أَن الْمُبْهم الذى لم يسم، أَو: سمى، وَلَا يعرف عينه: لَا تقبل رِوَايَته عِنْد أحد علمناه، وَلكنه إِذا كَانَ فى عصر التَّابِعين، والقرون الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ، فَإِنَّهُ يسْتَأْنس بروايته، ويستضاء بهَا فى مواطنه قَالَ: وَقد وَقع فى مُسْند أَحْمد وَغَيره من هَذَا الْقَبِيل كثير " وَكَذَا قَالَ - شمس الْأَئِمَّة من الْحَنَفِيَّة - وَقُلْنَا الْمَجْهُول من الْقُرُون الثَّلَاثَة عدل بتعديل صَاحب الشَّرْع إِيَّاه، مَا لم يتَبَيَّن مِنْهُ مَا يزِيل عَدَالَته فَيكون خَبره حجَّة. وَهُوَ محكى عَن إِمَامه أَبى حنيفَة أَنه قبله فى عصر التَّابِعين خَاصَّة، لغَلَبَة الْعَدَالَة عَلَيْهِم. (ثَانِيهَا) مَجْهُول الْحَال فى الْعَدَالَة ظَاهرا، وَبَاطنا، وَهَذَا أَيْضا لَا يقبل حَدِيثه عِنْد الْأَكْثَرين، وَحكى عَن أَبى حنيفَة قبُوله: لَكِن قيل: أَن الثَّابِت عِنْده عدم قبُوله مُطلقًا، وَبِه صرح الحمارى من مقلديه، وَإِنَّمَا قبله فى عصر التَّابِعين خَاصَّة كَمَا تقدم.
(ثَالِثهَا) مَجْهُول الْحَال فى الْعَدَالَة بَاطِنا لَا ظَاهرا، لكَونه علم عدم الْفسق فِيهِ، وَلم تعلم عَدَالَته؛ لفقدان التَّصْرِيح بتزكيته؛ فَهَذَا معنى إِثْبَات الْعَدَالَة الظَّاهِرَة، وَنفى الْعَدَالَة الْبَاطِنَة؛ لِأَن المُرَاد بالباطنة: مَا فى نفس الْأَمر، وَهَذَا هُوَ المستور وَالْمُخْتَار قبُوله، وَبِه قطع سليم الرازى قَالَ ابْن الصّلاح: " وَيُشبه أَن يكون عَلَيْهِ الْعَمَل فى كثير من كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة فِيمَن تقادم الْعَهْد بهم، وتعذرت الْخِبْرَة الْبَاطِنَة انْتهى ". وَالْخلاف مبْنى على شَرط قبُول الرِّوَايَة، أهوَ الْعلم بِالْعَدَالَةِ، أَو عدم الْعلم بالمفسق؟ إِن قُلْنَا: الأول لم يقبل المستور، وَإِلَّا قبلناه، والذى مَال إِلَيْهِ شَيخنَا فى المستور: الْوَقْف، وَعبارَته فى " توضيح النخبة ": " فَإِن سمى الراوى، وَانْفَرَدَ راو وَاحِد بالرواية عَنهُ؛ فَهُوَ مَجْهُول الْعين؛ كَالْعَيْنِ
стр. 73
[يعْنى لَا تقبل رِوَايَته] إِلَّا أَن يوثقه غير من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح، وَكَذَا من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح إِذا كَانَ متأهلا لذَلِك وَإِن روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا وَلم يوثق؛ فَهُوَ مَجْهُول الْحَال، وَهُوَ المستور، وَقد قبل رِوَايَته جمَاعَة بِغَيْر قيد، وردهَا الْجُمْهُور، وَالتَّحْقِيق أَن رِوَايَة المستور وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ الِاحْتِمَال لَا يُطلق القَوْل بردهَا وَلَا بقبولها، بل يُقَال: هى مَوْقُوفَة إِلَى استبانة حَاله كَمَا جزم بِهِ الإِمَام، وَنَحْوه قَول ابْن الصّلاح فِيمَن جرح بِجرح غير مُفَسّر "
تَنْبِيه: قد علم بِمَا قَرَّرْنَاهُ حِكَايَة الْخلاف فى الْقسم الأول مَعَ كَون النَّاظِم لم يشر إِلَيْهِ إِلَّا أَن يكون قَوْله: [الْأَكْثَر] يرجع إِلَى الْقسمَيْنِ: [وجهالة] بِالرَّفْع خبر [الْأَقْسَام] [وَظَاهر] بِالْجَرِّ عطفا على [الْعين] . .
(٨٩ - (ص) وتائب من كذب، فَقيل لَا ... عمدا على النبى ردوا مسجلا)
(ش) : أى تقبل رِوَايَة التائب من الْكَذِب فى حَدِيث النَّاس، وَمن الْفسق مُطلقًا إِلَّا الْكَذِب فى حَدِيث النبى [ ﷺ ] مُتَعَمدا؛ فقد نَص الإِمَام أَحْمد، والحميدى شيخ البخارى:
стр. 74
" على أَن فَاعله لَا يقبل أبدا وَإِن حسنت تَوْبَته، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقول النَّاظِم [مسجلا] أى: مُطلقًا وَيشْهد لَهُ قَوْله صلى الله [/ ٧٥] عَلَيْهِ وَسلم: " إِن كذبا على لَيْسَ ككذب على أحد " وَكَذَا نَقله الحوازمى فى شُرُوط الْخَمْسَة عَن الثورى، وَابْن الْمُبَارك، وَرَافِع بن الأشرس، وأبى نعيم، وَغَيرهم قَالَ الْخَطِيب: " وَهُوَ الْحق " بل حكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن وَالِده: أَن من تعمد الْكَذِب على النبى [ ﷺ ] يكفر، لَكِن قد ضعف النووى - رَحمَه الله تَعَالَى - فى " شَرحه لمُسلم " مقَالَة الحميدى وَمن وَافقه، وَقَالَ الْمُخْتَار الْقطع بِصِحَّة تَوْبَته فى هَذَا، وَقبُول رِوَايَته بعْدهَا إِذا صحت تَوْبَته بشروطها قَالَ: وَقد أَجمعُوا على صِحَة رِوَايَة من كَانَ كَافِرًا وَأسلم كَمَا تقبل شَهَادَته قَالَ: وَحجَّة من ردهَا أبدا وَإِن حسنت حَال التَّغْلِيظ بعظيم الْعقُوبَة فِيمَا وَقع فِيهِ، وَالْمُبَالغَة فى الزّجر عَنهُ كَمَا قَالَ [ ﷺ ] : " إِن كذبا على لَيْسَ ككذب على أحد " وَقَالَ فى مُخْتَصره ابْن الصّلاح: " هَذَا مُخَالف لقاعدة مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا، وَلَا يقوى الْفرق بَينهَا " وَخَالفهُ بعض
стр. 75
الْمُتَأَخِّرين، وَبَين فى الْمَسْأَلَة مَذَاهِب أَصَحهَا مَا تقدم لَا يقدم يقبل مُطلقًا قَالَ: وَعَلِيهِ أهل الحَدِيث وَجُمْهُور الْعلمَاء وَثَانِيها مَا نسب للدامغانى من الْحَنَفِيَّة: يقبل مُطلقًا حَدِيثه الْمَرْدُود، وَغَيره وَهُوَ أضعفها، وَالثَّالِث لَا يقبل فى المرود وَيقبل فى غَيره وَهُوَ أوسطها قَالَ: وَهَذَا كُله فى الْعمد بِلَا تَأْوِيل، فَأَما من كذب فى فَضَائِل الْأَعْمَال مُعْتَقدًا أَن هَذَا لَا يضر، ثمَّ عرف ضَرَره فَتَابَ، فَالظَّاهِر قبُول رِوَايَته، وَكَذَا من كذب عَلَيْهِ [ ﷺ ] دفعا لضَرَر [/ ٧٦] يلْحقهُ من الْعَدو وَتَابَ عَنهُ، وَلَو قَالَ: كنت أَخْطَأت، وَلم أتعمد؛ قبل مِنْهُ؛ قَالَه جمَاعَة مِنْهُم الحازمى: وَجرى عَلَيْهِ الْخَطِيب وَغَيره "
(٩٠ - (ص) وقبلوا رِوَايَة المبتدع ... إِن لم يكن دَاعِيَة للمبدع)
(ش) : الْبِدْعَة مَا أحدث على غير مِثَال مُتَقَدم، فيشتمل الْمَحْمُود والمذموم، وَلذَا ضمهَا بعض الْعلمَاء إِلَى الْأَحْكَام الْخَمْسَة وَهُوَ وَاضح لَكِنَّهَا خصت شرعا بالمذموم مِمَّا هُوَ خلاف الْمَعْرُوف عَن النبى [ ﷺ ] فالمبتدع من اعْتقد ذَلِك لَا بمعاندة بل بِنَوْع شُبْهَة قَالَ شَيخنَا: " وهى إِمَّا أَن تكون بمكفر؛ كَأَن يعْتَقد مَا يسْتَلْزم الْكفْر، أَو بمسفق: فَالْأول لَا يقبل صَاحبهَا الْجُمْهُور [بل صرح النووى فِيهِ بالِاتِّفَاقِ مُطلقًا] وَقيل إِن كَانَ لَا يعْتَقد حل الْكَذِب لنصره مقَالَته قبل، وَالتَّحْقِيق: أَنه لَا يرد كل مكفر ببدعة؛ لِأَن كل طَائِفَة تدعى أَن مخالفيها مبتدعة، وَقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فَلَو أَخذ ذَلِك على الْإِطْلَاق لاستلزم تَكْفِير جَمِيع الطوائف، فَالْمُعْتَمَد أَن الذى ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من
стр. 76
الدّين بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا من اعْتقد عَكسه [يعْنى بِأَن أثبت فى الشَّرْع مَا لَيْسَ مِنْهُ] أما من لم يكن بِهَذِهِ الصّفة وانضم لذَلِك ضَبطه لما يرويهِ مَعَ ورعه وتقواه؛ فَلَا مَانع من قبُوله (والثانى) : من لَا تقتضى بدعته التَّكْفِير أصلا، وَقد اخْتلف أَيْضا فى قبُوله ورده: فَقيل: يرد مُطلقًا - وَهُوَ بعيد، وَأكْثر مَا علل بِهِ أَن فى الرِّوَايَة [عَنهُ] ترويجا لأَمره وتنويها بِذكرِهِ، وعَلى هَذَا ينبغى [/ ٧٧] أَن لَا يرْوى عَن مُبْتَدع شئ لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غير مُبْتَدع. وَقيل: يقبل مُطلقًا إِلَّا إِن اعْتقد حل الْكَذِب؛ كَمَا تقدم. وَقيل: يقبل من لم يكن دَاعِيَة إِلَى بدعته؛ لِأَن تَزْيِين بدعته قد يحملهُ على تَحْرِيف الرِّوَايَات وتسويتها على مَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه، وَهَذَا (هُوَ الْأَصَح) وَأغْرب ابْن حبَان فَادّعى الِاتِّفَاق على قبُول غير الداعية من غير تَفْصِيل. نعم الْأَكْثَر على قبُول غير الداعية، إِلَّا إِن روى مَا يقوى بدعته فَيرد على الْمَذْهَب الْمُخْتَار، وَبِه صرح الْحَافِظ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الجرجانى الشَّيْخ أَبى دَاوُد، والنسائى فى مُقَدّمَة كِتَابه " معرفَة الرِّجَال " فَقَالَ: فى
стр. 77
وصف الروَاة: " وَمِنْهُم زائغ عَن الْحق - أى: [عَن] السّنة [مقدم]
صَادِق اللهجة [قد جرى فى النَّاس حَدِيثه لكنه مخذول فى بدعته، غير مَأْمُون فى رِوَايَته] فَلَيْسَ فِيهِ حِيلَة، إِلَّا أَن يُؤْخَذ من حَدِيثه مَا لَا يكون مُنْكرا إِذا لم يقو بِهِ بدعته لكَونه مُتَّهمًا بذلك " انْتهى، قَالَ: وَمَا قَالَه مُتَّجه؛ لِأَن الْعلَّة الَّتِى بهَا رد حَدِيث الداعية وَارِدَة فِيمَا إِذا كَانَ ظَاهر المروى] (يقوى) مَذْهَب المبتدع، وَلم يكن دَاعِيَة " انْتهى كَلَام شَيخنَا وَهُوَ غَايَة فى التَّحْقِيق، وَالتَّلْخِيص، وَالْحَاصِل: قبُول رِوَايَة المبتدع الْوَرع الضَّابِط إِذا كَانَ غير دَاعِيَة فى الْأَصَح وَهُوَ الذى مَشى عَلَيْهِ النَّاظِم، وَمحله: فِيمَا إِذا لم يكن مُوَافقا لبدعته كَمَا تبين.
(٩١ - (ص) واعرف من الثِّقَات من قد خلطا ... آخِره مثل ابْن سائب عطا)
(ش) [/ ٧٨] المخلطون، وَهُوَ: من حصل لَهُ من الثِّقَات الِاخْتِلَاط فى آخر عمره لفساد عقله، وخرفه، أَو لذهاب بَصَره، أَو لغير ذَلِك من الْأَسْبَاب وَقد اعتنى بتتبعهم الحازمى ثمَّ العلائى فى جُزْء مُفْرد وَهُوَ حقيق بذلك، فَتعين معرفتهم، وتمييز من سمع مِنْهُم
стр. 78
قبل الِاخْتِلَاط فَيقبل، أَو بعده فَيرد، وَكَذَا مَا وَقع الشَّك فِي وقته، أَو عمل بِالسَّمَاعِ مِنْهُ
فِي الْوَقْتَيْنِ لكنه لم يتَمَيَّز، وَمثل النَّاظِم [بعطا ابْن السَّائِب] فَإِنَّهُ اخْتَلَط فِي آخر عمره فاحتجوا بِرِوَايَة الأكابر عَنهُ، كالثورى، وَشعْبَة إِلَّا حديثين سمعهما شُعْبَة مِنْهُ بِآخِرهِ عَن زَاذَان، ثمَّ إِن من احْتج بِهِ فِي الصَّحِيح مِنْهُم فَهُوَ مِمَّن عرف بروايته قبل الِاخْتِلَاط، وَلَو اتّفق وُقُوعه من طَرِيق من لم يسمع مِنْهُم بعده؛ والمستخرجات [هُوَ صِحَة] الْكثير. من ذَلِك:
عدم مُلَاحظَة كل مَا تقدم فِي هَذِه الْأَزْمَان الْمُتَأَخِّرَة
(٩٢ - (ص) وَهَذِه الْأَعْصَار لَيْسَ يشْتَرط ... إِلَّا ثُبُوت لسَمَاع انضبط)
(٩٣ - لأجل حفظ صِحَة السلسلة ... خصيصة الله لهَذِهِ الْأمة)
(٩٤ - إِذْ الْأَحَادِيث انْتَهَت ودونت ... وأودعت فِي صحفها وبينت)
(ش) : أى أَن الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة لَا يعْتَبر فِيهَا مَجْمُوع الشُّرُوط الْمَذْكُورَة لَا فى الشَّيْخ وَلَا فى الطَّالِب؛ لعسرها، وتجدد النَّقْص شَيْئا فَشَيْئًا، بل اكتفوا بِوُجُود سَماع الرواى مضبوطا بِخَط موثوق بِهِ؛ لأجل حرص أهل الحَدِيث على إبْقَاء سلسلة الْإِسْنَاد الْمَخْصُوص بِهَذِهِ الْأمة
стр. 79
صانها الله تَعَالَى شرفا لنبيها صلى الله [/ ٧٩] عَلَيْهِ وَسلم، لَا سِيمَا، والْحَدِيث كَمَا قَالَ البيهقى: " قد جمع فِي كتب أئمته بِحَيْثُ لم يفت مجموعهم بشئ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ: فَمن جَاءَ بِحَدِيث لَا يُوجد عِنْد جَمِيعهم لم يقبل مِنْهُ، وَمن جَاءَ بِحَدِيث مَعْرُوف عِنْدهم فرواية حِينَئِذٍ لم ينْفَرد، وَالْحجّة قَائِمَة بروايته غَيره " وَقَالَ: السلفى: " إِن الشُّيُوخ الَّذين لَا يعْرفُونَ حَدِيثهمْ الِاعْتِمَاد فِي روايتهم على الثِّقَة الْمُقَيد عَنْهُم لَا عَلَيْهِم وَإِن هَذَا كُله " توسل " من الْحفاظ إِلَى حفظ الْأَسَانِيد، إِذْ ليرسوا من شَرط الصَّحِيح إِلَّا على وَجه الْمُبَالغَة، وَلَو رخصه الْعلمَاء لما جَازَت الْكِتَابَة عَنْهُم، [وَلَوْلَا] الرِّوَايَة إِلَّا عَن قوم مِنْهُم، وَلذَلِك توقف ابْن الصّلاح عَن الْجَزْم بالتصحيح وَالْحسن فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة؛ لكَونه مَا من إِسْنَاد إِلَّا وَفِيه من اعْتمد على مَا فى كِتَابه عريا من الضَّبْط والإتقان، وَلَكِن مَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك مَرْدُود حكما، ودليلا؛ كَمَا سيأتى عِنْد ذكر النَّاظِم للمسألة فى ذكر الصَّحِيح، ثمَّ إِن النَّاظِم لم يتَعَرَّض لكَوْنهم اكتفوا من عَدَالَة الراوى بِكَوْنِهِ مَسْتُورا، وَمن ضَبطه بروايته من أصل مُوَافق لأصل شَيْخه، وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك لتوسعهم فى الاسترسال فى هَذِه الْأَزْمَان، بِحَيْثُ لَا يحرصون على غير وجود سَمَاعه مثبتا - وَلَيْسَ ذَلِك بمرضى وَقد قَالَ ابْن الْأَثِير فى " مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول ": " توسع النَّاس فى هَذِه الْأَعْصَار، والإخلال بالضبط، وَالْعلم بِمَا يسمع، وَذَلِكَ خلاف الِاحْتِيَاط للدّين.
стр. 80
ذكر أَشْيَاء تتَعَلَّق بطالب الحَدِيث
(٩٥ - (ص) وليعن بالتخريج والتأليف ... والانتقا وَالْجمع والتصنيف)
(ش) : أى بعد الْفَرَاغ من الطّلب، والتحصيل، وَمَعْرِفَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فى ذَلِك مِمَّا تقدم فليعتن [بالتخريج] ، وَهُوَ: أَن يخرج أَحَادِيث من رِوَايَته، أَو من رِوَايَة [غَيره] شُيُوخه، أَو أقرانه، [وبالتأليف] ، وَهُوَ أَعم من ذَلِك [وبالانتقاء] ، وَهُوَ: الِالْتِقَاط مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْكتب، وَالْمَسَانِيد، وَنَحْوهَا معتنيا بِبَيَان الْمُشكل، وَشرح الْمَعْنى، فَقل مَا يمهر فى علم الحَدِيث من لم يَفْعَله: وَقد رأى بعض الْحفاظ عبد الْغنى فى الْمَنَام، فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الله خرج وصنف قبل أَن يُحَال بَيْنك وَبَين هَذَا، أما ترانى قد حيل بينى وَبَين ذَلِك؟ ؟
(٩٦ - (ص) فَكل قوم تسْتَحب مذهبا ... بعض على الْحُرُوف أَو مبوبا)
(ش) : أى للْعُلَمَاء من الْمُحدثين تصنيف اختيارات: فبعض يصنف على [الْحُرُوف] فى شُيُوخه كالطبرانى فى " مُعْجَمه الْأَوْسَط "، و " الصَّغِير "، أَو فى الصحابى كالطبرانى أَيْضا فِي " مُعْجَمه الْكَبِير " ثمَّ من يصنف على الصَّحَابَة إِمَّا أَن يجمع فى تَرْجَمَة كل وَاحِد مَا عِنْده من حَدِيثه وَإِمَّا أَن يقْتَصر على الصَّالح للحجة كالضياء فى " المختارة "، ثمَّ تَارَة يرتب على الْقَبَائِل فَيقدم بنى هَاشم ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَتارَة على السَّابِقَة فَيقدم الْعشْرَة ثمَّ أهل بدر ثمَّ الْحُدَيْبِيَة، ثمَّ من هَاجر بَينهمَا وَبَين الْفَتْح، ثمَّ أصاغر الصَّحَابَة، ثمَّ النِّسَاء فَيبْدَأ بأمهات الْمُؤمنِينَ.
стр. 81
وَبَعض يصنف على [الْحُرُوف] فى الْمُتُون وَذَلِكَ بِأَن يَجْعَل حَدِيث " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ مثلا [/ ٨١] فى الْهمزَة، وَبَعض يجمع حَدِيث الْأَئِمَّة المكثرين، كالزهرى، وَشعْبَة، وَنَحْوهَا أَو يجمع التراجم: كنافع عَن ابْن عمر، وَهِشَام، عَن أَبِيه.
وَبَعض يصنف على [الْأَبْوَاب] الْفِقْهِيَّة أَو غَيرهَا بِأَن يجمع فى كل بَاب مَا ورد فِيهِ مِمَّا يدل على حكمه إِثْبَاتًا أَو نفيا، ثمَّ تَارَة يتَقَيَّد بِالصَّحِيحِ: كالشيخين، وَغَيرهمَا، وَتارَة مُطلقًا، كالبيهقى، وَتارَة يقْتَصر على بَاب وَاحِد أَو مَسْأَلَة وَاحِدَة.
وَبَعض يصنف على الْعِلَل فيذكر الْمَتْن، وطرقه، وَبَيَان اخْتِلَاف نقلته.
وَاخْتلف صنيعهم فى وَضعهَا أَيْضا: فبعضهم على المسانيد، كالدارقطنى، وَابْن [أَبى] شبية، وَبَعْضهمْ على الْأَبْوَاب، كَابْن أَبى حَاتِم.
وَبَعض يصنف على الْأَطْرَاف فيذكر طرف الحَدِيث الدَّال على بَقِيَّته، وَيجمع أسانيده إِمَّا متقيدا بكتب مَخْصُوصَة ك " السِّتَّة " مثلا، وَإِمَّا مستوعبا. وَمَا علمت لأحد فِيهِ جمع. ومصنف الْأَطْرَاف غَالِبا يُرَاعى ترتيبها على حُرُوف المعجم فى الصَّحَابَة؛ فَإِن كَانَ الصحابى من المكثرين رتب حَدِيثه على الْحُرُوف فى التَّابِعين وَإِن كَانَ التابعى أَيْضا مكثرا عَن ذَلِك الصحابى رتب حَدِيثه هَكَذَا، واستيعاب مَقَاصِد المصنفين فى الْمُتُون، وَكَذَا الرِّجَال يضيق عَنهُ هَذَا الْمُخْتَصر. وينبغى لمن صنف على الْأَبْوَاب - غير متقصر على الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ - أَن يبين عِلّة الضَّعِيف فِيمَا يكون ضَعِيفا، وَلَا يهمل ذَلِك، وَكَذَا لَا يهمل تَهْذِيب تصنيفه، وتحريره قبل إِخْرَاجه، وليحذر من تأليف مَا لم يتأهل لَهُ، أَو من جمع مَا اعتنى الْأَئِمَّة قبله بِالْجمعِ فِيهِ، قَالَ على بن المدينى: إِذا رَأَيْت الحَدِيث أول يكْتب الحَدِيث [/ ٨٢] يجمع حَدِيث الأَصْل وَحَدِيث: " من كذب على " فَاكْتُبْ على قَفاهُ: لَا يفلح، وَكَذَا يحذر من أَخذ مُصَنف لغيره دون عزوه إِلَيْهِ ففاعل ذَلِك قل
стр. 82
أَن يفلح وشكر الْعلم عزوه إِلَى قائليه. وَبِالْجُمْلَةِ فالمشى فِيمَا أَشرت إِلَيْهِ: لَا أعلم فى هَذَا الْوَقْت من يفى بِهِ وَإِن وجد من يَدعِيهِ.
(٩٧ - (ص) فاعتن بِالْأولَى فَالْأولى وَترى ... معرفَة الصَّحِيح فى أَعلَى الذرى)
(٩٨ - وَذَاكَ من بعد فنون تعلم ... وَبعد أَن تدرى اصْطِلَاحا لَهُم)
(ش) : أى ليعتن فى التصنيف بِالْأولَى، فَالْأولى، وَذَاكَ شئ لَا يميزه إِلَّا البارع، والاشتغال بتمييز الصَّحِيح يعْنى: وَمَا أشبهه مِمَّا يحْتَج بِهِ فى الرُّتْبَة الْعَالِيَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله [فى أَعلَى الذرى] وَهُوَ بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة أعالى الشئ، الْوَاحِد ذروه؛ وَهَذَا أَعم من أَن يقْتَصر فى الْجمع عَلَيْهِ، أَو يضم إِلَيْهِ غَيره من أَحَادِيث الْفَضَائِل، وَغَيرهَا مَعَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا، وَلَكِن لَا يكون الإعتناء بذلك إِلَّا بعد الْعلم بفنون هَذَا الشَّأْن، والدراية باصطلاح أَهله ومقاصدهم، ومهماتهم الدَّالَّة على أصولهم وفروعهم؛ ذَلِك الممارس للفن علما، وَعَملا، وَإِلَّا فَهُوَ خبط عشوى
أَقسَام الحَدِيث
(٩٩ - (ص) وَهُوَ تَوَاتر اشتهار صِحَة ... حسن وَصَالح وكل حجَّة)
(١٠٠ - مضعف ضَعِيف بِسَنَد رفع ... مَوْقُوف مَوْصُول أَو مُرْسل قطع)
(١٠١ - مُنْقَطع والعضل والعنعنة ... مؤنن مُعَلّق والدلسة [/ ٨٣] )
(١٠٢ - ومدرج عَال نزُول سلسلوا ... غَرِيب والعزيز والمعلل)
стр. 83
(١٠٣ - فَرد وشاذ مُنكر مُضْطَرب ... مَوْضُوع مقلوب كَذَا مركب)
(١٠٤ - مُنْقَلب مدبج مصحف ... وناسخ الْمَنْسُوخ والمختلف)
(ش) : قد سرد النَّاظِم فى هَذِه الأبيات الْأَنْوَاع الَّتِي اصْطَلحُوا عَلَيْهَا، وهى: الْمُتَوَاتر، وَالْمَشْهُور، وَالْحسن، والصالح، والمضعف، والضعيف، والمسند، وَالْمَرْفُوع، وَالْمَوْقُوف، والموصول، وَيُسمى: الْمُتَّصِل أَيْضا، والمرسل، والمقطوع، والمنقطع، والمعضل، والمعنعن، والمؤنن، وَالْمُعَلّق، والمدلس، والمدرج، والعالى، والنازل، والمسلسل، والغريب، والعزيز، والمعلل، والفرد، والشاذ، وَالْمُنكر، والمضطرب، والموضوع، والمقلوب، والمركب، والمنقلب، والمدبج، والمصحف، والناسخ، والمنسوخ، والمختلف. ثمَّ أرقها كَمَا سيأتى بَيَانهَا أَولا فأولا، فأدرج فى خلالها عدَّة مسَائِل، وهى: تعَارض الْوَصْل والإرسال، وَالرَّفْع، وَالْوَقْف، وَالْحكم فى زيادات الثِّقَات، وَمَعْرِفَة المتابعات، والشواهد، بل أنواعا أَيْضا، وهى: خفى للإرسال، والمزيد فى مُتَّصِل الْأَسَانِيد، والأكابر عَن الأصاغر والآباء عَن الْأَبْنَاء، وَعَكسه، وَالسَّابِق، واللاحق. زِيَادَة على أَنْوَاع ومسائل أوردهَا بعد انْتِهَاء المسرود هَذَا كُله، فقد بقى عَلَيْهِ مِمَّا ذكره ابْن الصّلاح أَشْيَاء مَعَ زِيَادَته وَهُوَ أَيْضا عَلَيْهِ. وَكَانَ الْأَنْسَب فى الِاخْتِصَار عدم سردها. وَقَوله [وكل حجَّة] أى الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور [/ ٨٤] وَالصَّحِيح وَالْحسن والصالح.
стр. 84
الْمُتَوَاتر
(١٠٥ - (ص) فالمتواتر الذى يرويهِ ... من يحصل الْعلم بِمَا يبديه)
(١٠٦ - مثل حَدِيث من على كذبا ... وَرفع الأيدى فى الصَّلَاة كتبا)
(ش) : هَذَا شُرُوع مِنْهُ فى بَيَان مَا أجمله أَولا؛ فأوله [الْمُتَوَاتر] ، سمى بذلك: من تَوَاتر الرِّجَال إِذا جَاءُوا وَاحِدًا بعد وَاحِد بَينهمَا فَتْرَة. وَهُوَ: مَا أخبر بِهِ جمَاعَة يُفِيد خبرهم لذاته الْعلم؛ لِاسْتِحَالَة تواطؤهم على الْكَذِب من غير تعْيين عدد على الصَّحِيح، فَقَوله: فى تَعْرِيفه [من]- وَإِن تنَاول الْوَاحِد فَمَا بعده - مخصصة، وبالتقييد بِذَاتِهِ خرج الْخَبَر المحتف بالقرائن كَمَا أشعر بِهِ قَوْله [يبديه] ، وللعمل بِهِ شَرْطَانِ: استنادهم إِلَى الْحس وَهُوَ: الْمُشَاهدَة، أَو السماع، واستواء الطَّرفَيْنِ، وَمَا بَينهمَا فى اسْتِحَالَة التواطئ وَشرط بَعضهم شُرُوطًا ضَعِيفَة مثل: إِسْلَام المخبرين، وعدالتهم، وَخُرُوج عَددهمْ عَن الإحصاء، وَاخْتِلَاف أوطانهم، وَعين بَعضهم عددا؛ محصورا؛ فعلى الصَّحِيح يكون خبر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة مثلا، أَو باقى الْعشْرَة، أَو نَحْو ذَلِك من أَعْيَان الصَّحَابَة؛ متوترا لِأَن النَّفس تطمئِن إِلَى خبرهم، وَيحصل لنا الْعلم الضَّرُورِيّ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: الْعدَد على قسمَيْنِ: كَامِل، وَهُوَ: أقل عدد يُورث الْعلم، وزائد: يحصل الْعلم بِبَعْضِه، وَيَقَع الزَّائِد فضلَة، وبالشرطين الْمَذْكُورين تخرج أَخْبَار النَّصَارَى عَن صلب عِيسَى ﵇، وَالْيَهُود على مُوسَى ﵇ [/ ٨٥] : إِنَّه كذب على كل نَاسخ لشريعته، وَقَول الشِّيعَة: بِالنَّصِّ على إِمَامَة على، لِأَن الْإِخْبَار بالصلب كَانَ مُسْتَنده الظَّن أَولا ثمَّ نقل متواترا، وَكَذَا الباقى: وضع آحادا، ثمَّ نقل متواترا، وَقد يكون التَّوَاتُر فِيمَا قيل نسبيا؛ فيتواتر الْخَبَر عِنْد قوم دون آخَرين، كَمَا يَصح الْخَبَر عِنْد بعض دون آخَرين، ثمَّ مثل النَّاظِم للمتواتر بحديثين كتبا فى أَمْثِلَة:
стр. 85
أَحدهمَا: " من كذب على مُتَعَمدا "، وَقد نقل النووى: " أَنه جَاءَ عَن مِائَتَيْنِ من الصَّحَابَة " قلت: وَمِنْهُم الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ فَمن " الصِّحَاح " على، وَالزُّبَيْر، وَمن الحسان: طَلْحَة، وَسعد، وَسَعِيد، وأبى عُبَيْدَة، وَمن الضَّعِيف المتماسك: طَرِيق عُثْمَان، وبقيتها ضَعِيف، أَو سَاقِط.
ثَانِيهمَا: حَدِيث " رفع الْيَدَيْنِ فى الصَّلَاة " وَقد تتبع طرقه الْحَافِظ الذهبى فبلغت نيفا عَن أَرْبَعِينَ صحابيا، وَكَذَا أَفَادَ شَيخنَا أَن من أمثلته حَدِيث " من بنى لله مَسْجِدا "، و " الْمسْح على الْخُفَّيْنِ "، و " الشَّفَاعَة " و " الْحَوْض "، و " رُؤْيَة الله تَعَالَى فى الْآخِرَة "، و " الْأَئِمَّة من قُرَيْش "، وَذكر غَيره من أمثلته حَدِيث " أنزل
стр. 86
الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف "، و " غسل الرجلَيْن فِي الْوضُوء " وَغير ذَلِك على أَن ابْن الصّلاح قَالَ: " إِن مِثَال الْمُتَوَاتر على التَّفْسِير الْمُتَقَدّم يعز وجوده إِلَّا أَن يدعى ذَلِك فى حَدِيث: " من كذب على " لَكِن قد نازعه شَيخنَا وَقَالَ: " إِن مَا ادَّعَاهُ من الْعِزَّة مَمْنُوع، وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره من الْعَدَم. . قَالَ /: لِأَن ذَلِك [/ ٨٦] نَشأ من قلَّة اطلَاع على كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال، وصفاتهم الْمُقْتَضِيَة لأبعاد الْعَادة أَن يتواطئوا على كذب وَيحصل مِنْهُم اتِّفَاقًا قَالَ: وَمن أحسن مَا يُقرر بِهِ كَون الْمُتَوَاتر مَوْجُودا وجود كَثْرَة فى الْأَحَادِيث إِن الْكتب الْمَشْهُورَة المتداولة بأيدى أهل الْعلم شرقا وغربا الْمَقْطُوع عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مصنفيها، إِذا اجْتمعت على إِخْرَاج حَدِيث، وتعددت طرقه تعددا تحيل الْعَادة تواطئهم على الْكَذِب إِلَى آخر الشُّرُوط؛ أَفَادَ الْعلم اليقينى بِصِحَّتِهِ إِلَى قَائِله وَمثل ذَلِك فى الْكتب الْمَشْهُورَة كثيرا " إِذا علم هَذَا: فَإِنَّمَا لم يفرد ابْن الصّلاح للتواتر نوعا خَاصّا: لِأَنَّهُ لَيْسَ من مبَاحث الْإِسْنَاد لِأَن مباحثه تتَعَلَّق بِصِفَات الرِّجَال، وصيغ أدائهم، هَل هُوَ صَحِيح فَيعْمل بِهِ؟ أَو ضَعِيف فَيتْرك وَكَذَا قَالَ النَّاظِم.
إِن عدم اعتناء أهل الحَدِيث بتتبع هَذَا النَّوْع لاكتفائهم بِالصَّحِيحِ الْمجمع عَلَيْهِ عِنْدهم المتلقى بِالْقبُولِ كَمَا سيأتى فى الذى بعده إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 87
الْمَشْهُور
(١٠٧ - (ص) وَالْخَبَر الْمَشْهُور إِن صَحَّ فَقل ... كَأَنَّمَا الْأَعْمَال مَعَ نصب وَالْإِبِل)
(١٠٨ - وَهُوَ عِنْدهم بِمَا قبل الْتحق ... أَو لَا فمردود كالسائل حق)
(١٠٩ - واصطلحوا الْمَشْهُور مَا يرويهِ ... فَوق ثَلَاثَة عَن الْوَجِيه)
(ش) هَذَا بَيَان لما ذهب إِلَيْهِ كَثِيرُونَ من أهل الحَدِيث فى تقسيمهم الْمَشْهُور إِلَى صَحِيح كَحَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " فَهُوَ مروى فى الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظ من [/ ٨٧] حَدِيث عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَحَدِيث: " نصب الْإِبِل " فَهُوَ مروى فيهمَا من حَدِيث أنس وَغَيره بِأَلْفَاظ، والتمثيل لَهما - مَعَ أَن الشُّهْرَة إِنَّمَا طرأت من عِنْد يحيى بن سعيد وَأول الْإِسْنَاد فَرد كَمَا فى غير هَذَا الْمحل - لَيْسَ بممتنع، [وَهُوَ] أى: الْمَشْهُور ملتحق بالمتواتر عِنْد أهل الحَدِيث، غير أَنه يُفِيد الْعلم الضرورى، وَكَذَا بِأَن لمتواتر يشْتَرط فِيهِ الاسْتوَاء كَمَا تقدم بِخِلَاف الْمَشْهُور، فَإِنَّهُ قد يكون آحادا بِالْأَصْلِ، ثمَّ يشْتَهر بعد الصَّحَابَة فى الْقرن الثانى، كالزهرى، وَقَتَادَة، وأشباههما من الْأَئِمَّة مِمَّن يجمع حَدِيثهمْ، وَكَذَا فِيمَا بعدهمْ، وَبِأَن الْمُتَوَاتر أَيْضا يحصل الْعلم بِهِ لكل من وصل إِلَيْهِ، بِخِلَاف الْمَشْهُور، فَلَا يحصل الْعلم بِهِ إِلَّا للْعَالم المتبحر فِيهِ الْعَارِف بأحوال الرِّجَال المطلع على الْعِلَل، وَالْقسم الثانى وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: [أَولا] مَا اشْتهر على الْأَلْسِنَة وَلَيْسَ صَحِيحا كَقَوْلِه: " للسَّائِل حق وَإِن جَاءَ على فرس " وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من
стр. 88
حَدِيث على بن أَبى طَالب، وَولده الْحُسَيْن بن على - رضى الله عَنْهُمَا، وَكَذَا أخرجه أَحْمد من حَدِيثهمَا، وَسَنَده جيد لَكِن قد تبع النَّاظِم فى التَّمْثِيل بِهِ للقسم الثانى ابْن الصّلاح حَيْثُ نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: " أَرْبَعَة أَحَادِيث تَدور عَن النبى [ ﷺ ] فى الْأَسْوَاق وَلَيْسَ لَهَا أصل وَذكره مِنْهَا "، وَكَلَام الإِمَام أَحْمد ﵀ إِن صَحَّ: مَحْمُول على أَنه لَيْسَ لَهَا أصل صَحِيح [/ ٨٨] وَلَو مثل بِمَا لَا يَصح أصلا مِمَّا اشْتهر بَين النَّاس، وَهُوَ مَوْضُوع لَكَانَ حسن لأجل قَوْله: [وَهُوَ مَرْدُود] وَمن نظر " الموضوعات " لِابْنِ الجوزى علم لذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة وَكَذَا يَشْمَل مَا [اشْتَمَل] على الْأَلْسِنَة مِمَّا لَهُ إِسْنَاد وَاحِد فَصَاعِدا، ثمَّ إِن الْمَشْهُور فى اصْطِلَاح أهل الحَدِيث خَاصَّة على مَا أَشَارَ النَّاظِم تبعا لغيره: مَا لَهُ طرق أَكثر من ثَلَاثَة يعْنى مَا لم يبلغ إِلَى الْحَد الذى يصير بِهِ الْخَبَر متواترا، وَلَكِن الذى مَشى عَلَيْهِ شَيخنَا خِلَافه فَإِنَّهُ قَالَ: " والثانى - وَهُوَ أول الْأَقْسَام، الْآحَاد -: مَا لَهُ طرق
стр. 89
محصورة بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين سمى بذلك لوضوحة، يُقَال: شهرت الْأَمر شهره شهرا أَو شهرة فاشتهر، وَهُوَ المستفيض أى على رأى الْفُقَهَاء، سمى بذلك لانتشاره وشياعه فى النَّاس من: فاض المَاء يفِيض فيضا وفيوضة إِذا كثر حَتَّى سَالَ على ضفة الوادى ثمَّ إِن من الْقسم الأول مَا يكون الشُّهْرَة فِيهِ عِنْد أهل الحَدِيث خَاصَّة، كَحَدِيث: مُحَمَّد بن عبد الله الأنصارى عَن سُلَيْمَان التيمى، عَن أَبى مخلد، عَن أنس رضى الله عَنهُ: " أَن النبى [ ﷺ ] قنت شهرا بعد الرُّكُوع يَدْعُو على رعل وذكوان فَهَذَا مَشْهُور بَين أهل الحَدِيث مخرج فى الصَّحِيح، وَله رُوَاة عَن أنس غير أَبى مخلد، وَعَن أَبى مخلد غير التيمى، وَرَوَاهُ عَن النبى [ ﷺ ] غير الأنصارى، وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا أهل الحَدِيث، وَأما غَيرهم فقد يستغربونه من حَيْثُ أَن التيمى يرْوى عَن أنس، وَهُوَ هُنَا يرْوى عَن وَاحِد غير أنس [/ ٨٩] وَلَكِن لَا عِبْرَة إِلَّا بِمَا هُوَ مَشْهُور عِنْد عُلَمَاء الحَدِيث [والوجيه] هُوَ ذُو الجاه وَالْقدر وَهُوَ بِضَم الْهَاء يُقَال: وَجه الرجل يُوَجه وجاهة فَهُوَ وجيه إِذا كَانَ ذَا جاه، وَقدر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عِنْد الله وجيها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: " كَانَ عِنْد الله حظيا لَا يسْأَله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ " وَنَحْوه قَالَ الْحسن: "
стр. 90
كَانَ مستجاب الدعْوَة ".
الصَّحِيح
(١١٠ - (ص) ثمَّ الصَّحِيح وَهُوَ مَوْصُول السَّنَد ... بِالْعَدْلِ ضابطا عَن الْميل اسْتندَ)
(١١١ - وَهُوَ لَا يكون شاذا أَو مُعَللا ... مثل الصَّحِيحَيْنِ وَمن بعد تَلا)
(ش) أى ثمَّ تلى الصَّحِيح من قسمى الْمَشْهُور [الصَّحِيح] : وَهُوَ الْمُتَّصِل الْإِسْنَاد، بِنَقْل الْعدْل الضَّابِط عَن مثله، سالما عَن شذوذ وَعلة.
فَالسَّنَد: هُوَ طَرِيق الْمَتْن.
والمتن: هُوَ الْغَايَة الَّتِى ينتهى إِلَيْهَا السَّنَد.
والاتصال: هُوَ سَماع راو لذَلِك المروى مِمَّن فَوْقه. وَاحْترز بِهِ عَن الْمُرْسل والمنقطع والمعضل الْآتِي تَعْرِيفهَا، و [بِالْعَدْلِ] عَن الضَّعِيف، أَو الْمَجْهُول حَالا أَو عينا، وَقد مضى
стр. 91
و [بالضابط] عَمَّن عرف بِالصّدقِ وَالْعَدَالَة إِلَّا أَنه مُغفل كثير الْخَطَأ. [والضبط] ضبطان: ضبط صدر، وَهُوَ أَن يثبت مَا سمعة بِحَيْثُ يتَمَكَّن من استحضاره مَتى شَاءَ وَضبط كتاب وَهُوَ صيانته لَدَيْهِ مُنْذُ سمع فِيهِ وَصَححهُ إِلَى أَن يُؤدى مِنْهُ. وَهُوَ فى النّظم حَال وَأطلق الضَّبْط تبعا لغيره، وَقد قَيده شَيخنَا بالتام ليخرج الْحسن لذاته، وَكَذَا لم يُقيد الْعلَّة بالقادحة اكْتِفَاء بقوله [مُعَللا] ، فَإِنَّهُ كَمَا سيأتى فى مَحَله: مَا فِيهِ أَسبَاب [/ ٩٠] خُفْيَة قادحة، طرأت على الحَدِيث الذى ظَاهره السَّلامَة، وَاحْترز بالخفية عَن الظَّاهِرَة، كالانقطاع، وَضعف، وبالقادحة عَن الْعلَّة الَّتِى لَيست بقادحة، كَأَن يرْوى الْعدْل الضَّابِط عَن تابعى - مثلا - عَن صحابى، فيرويه غَيره مِمَّن يُشَارِكهُ فى سَائِر صِفَاته عَن ذَلِك التابعى بِعَيْنِه عَن صحابى آخر، هَذَا يُسمى عِنْد كثير من الْمُحدثين عِلّة، لوُجُود الِاخْتِلَاف على تابعيه فى شَيْخه، وَلكنهَا غير قادحة، لجَوَاز أَن يكون التابعى سَمعه من كل مِنْهُمَا، وفى الصَّحِيحَيْنِ من أَمْثِلَة ذَلِك جملَة، ثمَّ إِن من اشْتِرَاط نفى الشذوذ لم يُصَرح بِهِ كَثِيرُونَ وَبحث شَيخنَا فى اشْتِرَاطه فَقَالَ: الْإِسْنَاد الذى ظَاهره السَّلامَة: هُوَ أَن يكون مُتَّصِلا وَرُوَاته عُدُولًا ضابطين، فَإِذا وجد الْوَصْف بذلك، فقد انْتَفَت عَنهُ الْعلَّة الظَّاهِرَة، الْمَانِعَة عَن الحكم بِصِحَّتِهِ، وَغَايَة مَا فِيهِ رُجْحَان رِوَايَة على أُخْرَى، والمرجوحية كَانَتَا فى الصِّحَّة، وَأكْثر مَا فِيهِ أَن يكون هُنَا صَحِيح وَأَصَح فَيعْمل بالراجح، وَلَا يعْمل بالمرجوح، لأجل معارضته لَهُ لَا لكَونه لم تصح طَرِيقه، وَلَا يلْزم من ذَلِك الحكم عَلَيْهِ بالضعف، وَإِنَّمَا غَايَته أَن يتَوَقَّف عَن الْعَمَل بِهِ، وَهَذَا كَمَا فى النَّاسِخ والمنسوخ صَحَّ بطرِيق كل مِنْهُمَا، لَكِن قَامَ مَانع عَن الْعَمَل بالمنسوخ، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون صَحِيحا. ثمَّ بحث فى جَوَاز الحكم بِالصِّحَّةِ، قبل الْعلم بِانْتِفَاء الشذوذ عَنهُ، وَلم لَا يحكم للْحَدِيث بِالصِّحَّةِ إِلَى
стр. 92
أَن تظهر [/ ٩١] الْمُخَالفَة، فَيحكم حِينَئِذٍ بالشذوذ انْتهى، وَهَذَا الْأَخير يفضى إِلَى الاسترواح بِحَيْثُ يحكم على الحَدِيث بِالصِّحَّةِ قبل تتبع طرقه الَّتِى يعلم بهَا الشذوذ نفيا وإثباتا، فَرُبمَا يطْرق إِلَى التَّصْحِيح متمسكا بذلك من لَا يحسن، وَالْأَحْسَن يسد هَذَا الْبَاب، وَقَوله: [مثل الصَّحِيحَيْنِ] إِشَارَة إِلَى صَحِيح البخارى وَمُسلم وَهُوَ إِمَّا للتشبيه وَإِمَّا للتمثيل، وَلَا يلْزم من كَونهمَا للتمثيل وجود مصنفات نظيرهما فى الصَّحِيح، بل ذَاك بِالنِّسْبَةِ فانهما مِمَّا هُوَ على شَرطهمَا، وَأما قَوْله [وَمن بعد تَلا] فِيهِ نظر، لِأَن الَّذين تلوهما فى جمع الصَّحِيح، هُوَ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَأَبُو عوَانَة، وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا ملتحقا بِوَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بِمُجَرَّد التَّسْمِيَة، لكَون فيهمَا الصَّحِيح وَغَيره، وأشدها توسعا وتساهلا كتاب الْحَاكِم، وَقد سبقت الْإِشَارَة فى أَنْوَاع الْعُلُوّ إِلَى تَفْضِيل كتاب البخارى.
(١١٢ - (ص) وَهل لنا تَصْحِيح مَا لَا صححوا ... نعم شَرطه وَهَذَا الْأَرْجَح)
(ش) : لما انْتهى النَّاظِم من ذكر الصَّحِيحَيْنِ وَمن تلاهما، ذكر مَسْأَلَة إِمْكَان التَّصْحِيح فى الْأَزْمَان الْمُتَأَخِّرَة، وَأَشَارَ إِلَى مَذْهَب ابْن الصّلاح فِيهَا، وَهُوَ عدم التجاسر على الْجَزْم بالحكم بِالصِّحَّةِ يعْنى لِأَن مُجَرّد صِحَة السَّنَد لَا تكفى مَعَ غَلَبَة الظَّن، لِأَنَّهُ لما أهمله أَئِمَّة
стр. 93
الْأَعْصَار الْمُتَقَدّمَة لشدَّة فحصهم، واجتهادهم، وَأَن الصَّحِيح: الْجَوَاز، وَهُوَ الذى عَلَيْهِ عمل الْحفاظ من المعاصرين لَهُ وَبعده، وَبِه صرح النووى حِينَئِذٍ قَالَ: الْأَظْهر عندى جَوَازه، لمن تمكن، وقويت [/ ٩٢] مَعْرفَته، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: [بِشَرْطِهِ] وَحجَّة ابْن الصّلاح لما ذهب إِلَيْهِ، أَنه مَا من إِسْنَاد إِلَّا وَفِيه من اعْتمد على مَا ذكر فى كِتَابه عريا عَن الضَّبْط والإتقان، وصنيع شَيخنَا يشْعر بموافقته فى الحكم فِيمَا إِذا لم يعتضد الْإِسْنَاد المتصف بذلك بِمَا يقويه، أما إِذا اعتضد فَلَا، وَذَلِكَ أَنه قَالَ: إِن الْكتاب الْمَشْهُور الْغنى بشهرته عَن اعْتِبَار الْإِسْنَاد منا إِلَى مُصَنفه كسنن النَّسَائِيّ - مثلا - لَا يحْتَاج فى صِحَة نسبته إِلَى النسائى إِلَى الِاعْتِبَار رجال الْإِسْنَاد منا إِلَى مُصَنفه، قَالَ فَإِذا رقا حَدِيثا وَلم يعلله وَجمع إِسْنَاد شُرُوط الصِّحَّة، وَلم يطلع الْمُحدث المطلع فِيهِ على عِلّة، فَمَا الْمَانِع من الحكم بِصِحَّتِهِ؟ وَلَو لم ينص على صِحَّته أحد من الْمُتَقَدِّمين؟ وَلَا سِيمَا وَأكْثر مَا يُوجد من هَذَا الْقَبِيل مَا رَاوِيه رُوَاة الصَّحِيح، أَلا يُنَازع فِيهِ من لَهُ ذوق فى هَذَا الْفَنّ؟ [قلت] : وَالظَّاهِر أَن ابْن الصّلاح لَا يُخَالف فى هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ: الْأَمر إِذا فى معرفَة الصَّحِيح، وَالْحسن إِلَى الِاعْتِمَاد على مَا نَص عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث فى تصانيفهم الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة، الَّتِى يُؤمن فِيهَا لشهرتها من التَّغْيِير والتحريف. وَلذَا قَالَ الولى العراقى فى ديباجة شَرحه ل " سنَن أَبى دَاوُد "، وَهُوَ قريب مِمَّا ذهب إِلَيْهِ شَيخنَا مَا نَصه: إِن تَعْلِيل ابْن الصّلاح الْمَنْع الذى لم يتَحَصَّل مِنْهُ على شئ، لَا يأتى فِيمَا إِذا وجدنَا حَدِيثا فى " سنَن أَبى دَاوُد "، و " النسائى " أَو غَيرهَا من التصانيف الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة، الَّتِى يُؤمن فِيهَا لشهرتها من التَّغْيِير [/ ٩٣] والتحريف بِإِسْنَاد لَا غُبَار عَلَيْهِ [كقيبة] عَن مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، فأى مَانع من الحكم بِصِحَّة هَذَا؟ فَإِن الْإِسْنَاد من فَوق وَيصِح الْأَمْن وَمن أَسْفَل لَهُ يحْتَاج إِلَيْهِ على طَرِيقَته المشتهرة ذَلِك التصنيف. انْتهى. وَحِينَئِذٍ قَول شَيخنَا إِن الرَّد على ابْن الصّلاح بِهَذَا، أولى من الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ بصنيع معاصريه، فَإِنَّهُ مُجْتَهد وهم مجتهدون، فَكيف ينْقض الِاجْتِهَاد بِالِاجْتِهَادِ؟ فِيهِ نظر، وَكَذَا القَوْل بِإِطْلَاق الْجَوَاز.
стр. 94
تَنْبِيه: لم يتَعَرَّض النَّاظِم للتحسين، وَقد سوى ابْن الصّلاح بَينه وَبَين الصَّحِيح، فى الْمَنْع، وَلَا فرق بَينهمَا فيأتى فِيهِ مَا قُلْنَاهُ فى الصَّحِيح سَوَاء.
الْحسن
(١١٣ - (ص) وَالْحسن اخْتلف جدا وَالأَصَح ... بِأَنَّهُ دون الذى من قبل صَحَّ)
(١١٤ - وَقيل: مَا قرب ضعفا والذى ... قَالَ: صَحِيح حسن كالترمذى)
(١١٥ - يعْنى يشد صِحَة وحسنا ... فَهُوَ إِذن دون الصَّحِيح مَعنا)
(ش) : قد اخْتلف أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن فى تَعْرِيف [الْحسن] .
فَقَالَ الخطابى: هُوَ مَا عرف مخرجه واشتهر رِجَاله، وَعَلِيهِ مدَار أَكثر الحَدِيث. فاحترز بِمَعْرِِفَة الْمخْرج عَن المدلس قبل بَيَانه، والمنقطع، وَمَا أشبههَا مِمَّا لم يتَّصل، فَإِنَّهُ لَا يعرفهَا مخرج الحَدِيث بِخِلَاف مَا أبرز جَمِيع رِجَاله. وَالْمرَاد بمخرجه: كَونه شاميا، حجازيا، عراقيا، لَكِن قد يعْتَرض بِأَنَّهُ لم يتَمَيَّز بِهَذَا التَّعْرِيف عَن الصَّحِيح، بِكَوْنِهِ أَيْضا قد عرف مخرجه واشتهر رِجَاله؟ وَأجِيب: بِأَن [/ ٩٤] المُرَاد الشُّهْرَة بِالصّدقِ دون بُلُوغ الْغَايَة فى الضَّبْط والإتقان،
وَقَالَ الترمذى فى " الْعِلَل " - الذى بآخر جَامعه -: كل حَدِيث يرْوى لَا يكون فى إِسْنَاده من يتهم بِالْكَذِبِ، وَلَا يكون الحَدِيث شاذا، ويروى من غير وَجه نَحْو ذَلِك، فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن.
стр. 95
وَتعقب أَيْضا بِأَنَّهُ لم يتَمَيَّز عَن الصَّحِيح إِذْ لَا يكون صَحِيحا إِلَّا وَهُوَ غير شَاذ، وَلَا يكون صَحِيحا حَتَّى يكون رُوَاته غير متهمين بل ثِقَات، وَبِأَنَّهُ يشْتَرط فِيهِ مَجِيئه من وَجه، وَلم يشْتَرط فى الصَّحِيح ذَلِك، وَقَالَ ابْن الجوزى فى " الموضوعات "، و " الْعِلَل المتناهية " مَعًا: هُوَ الحَدِيث الذى فِيهِ ضعف قريب مُحْتَمل وَاقْتصر عَلَيْهِ النَّاظِم من بَين هَذِه الْأَقْوَال، لَكِن مَعَ تَضْعِيفه فَإِنَّهُ تعقب أَيْضا بِأَنَّهُ لم يضْبط الْقدر الْمُحْتَمل من غَيره فَلم يحصل تَمْيِيز. وَالْمُعْتَمد فى تَعْرِيفه حَسْبَمَا صَححهُ النَّاظِم: أَنه يعْتَبر فِيهِ مَا اعْتبر فى الصَّحِيح، من الِاتِّصَال، وعدالة الرِّجَال، والسلامة من الشذوذ والإعلال غير أَنه لَا يكون فى رُوَاته من الضَّبْط مَا فى رُوَاة الصَّحِيح، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: [وَالأَصَح] إِلَى آخِره، ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى إِيرَاد مَا اسْتشْكل الْجمع بَين الْوَصْف وَالصِّحَّة وَالْحسن، وَقَالَ: إِن الْحسن قَاصِر عَن الصَّحِيح، ففى الْجمع بَين الوصفين إِثْبَات لذَلِك الْمَقْصُور ونفيه، وَنبهَ على الْجَواب بِمَا أَفَادَ
стр. 96
فى غير هَذِه الْمَنْظُومَة أَنه لَيْسَ بمنقول حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن مُرَاده أَنه تَسْوِيَة الحكم بِالصِّحَّةِ مَعَ الحكم [/ ٩٥] بالْحسنِ، أى أَنه أَعلَى رُتْبَة من الْحسن وَدون الصَّحِيح الْمُطلق. قَالَ: وَكَذَا سَمِعت مَعْنَاهُ من شَيخنَا ابْن كثير. انْتهى. وَمَا أجَاب بِهِ ابْن الصّلاح من كَونه أَرَادَ الْحسن اللغوى: وَهُوَ مَا تميل إِلَيْهِ النَّفس وتستحبه، فَلَيْسَ بجيد، وَقد حقق شَيخنَا فى توضيح " النخبة " هَذَا الْمحل، بقوله: ومحصل الْجَواب أَن تردد أَئِمَّة الحَدِيث فى حَال ناقله اقْتضى للمجتهد أَن لَا يصفه بِأحد الوصفين، فَيُقَال: حسن بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم، صَحِيح بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم، وَغَايَة مَا فِيهِ أَنه [حذف] مِنْهُ حرف التَّرَدُّد، لِأَن حَقه أَن يَقُول: حسن أَو صَحِيح، وَهَذَا كَمَا حذف حرف الْعَطف الذى بعده، وعَلى هَذَا فَمَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح دون مَا قيل فِيهِ صَحِيح؛ لِأَن الْجَزْم أقوى من التَّرَدُّد، قَالَ: وَهَذَا يعْنى الْجَواب؛ حَيْثُ التفرد، وَإِلَّا لم يحصل التفرد، فإطلاق الوصفين مَعًا على الحَدِيث يكون بِاعْتِبَار إسنادين، أَحدهمَا: صَحِيح، وَالْآخر: حسن وعَلى هَذَا مَا قيل فِيهِ: حسن صَحِيح فَوق مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط، إِذا كَانَ فَردا، لِأَن كَثْرَة الطّرق تقوى ثمَّ نبه شَيخنَا على استشكال هَذَا الْجَواب بالأحاديث الَّتِى يحكم عَلَيْهَا الترمذى بالْحسنِ مَعَ الغرابة، وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهُ لَا يعرفهُ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، بِمَا يرجع إِلَى حَاصِل الذى قَرَّرَهُ ابْن الصّلاح فى حمل كَلَام الترمذى على إِرَادَة تَعْرِيف الْحسن بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ: هُوَ الحَدِيث الذى فى رَاوِيه ضعف يسير، نَشأ عَن قلَّة حفظه [/ ٩٦] لكنه اعتضد بمجيئه من وَجه آخر، فَقَالَ: فَإِن قيل: قد صرح الترمذى بِأَن شَرط الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه، فَكيف يَقُول فى بعض الْأَحَادِيث حسن غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه؟ فَالْجَوَاب: أَن الترمذى لم يعرف الْحسن مُطلقًا، وَإِنَّمَا عرفه بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَقع فى كِتَابه، وَهُوَ مَا يَقُول فِيهِ: حسن من غير صفة أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنه يَقُول
стр. 97
فى بعض الْأَحَادِيث: حسن، وفى بَعْضهَا: صَحِيح، وفى بَعْضهَا: غَرِيب، وفى بَعْضهَا: حسن صَحِيح غَرِيب، وتعريفه إِنَّمَا وَقع على الأول فَقَط، وَعبارَته ترشد إِلَى ذَلِك، حَيْثُ قَالَ فى أَوَاخِر كِتَابه: وَمَا قُلْنَا فى كتَابنَا حَدِيث حسن، فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ حسن إِسْنَاده عندنَا، كل حَدِيث يرْوى لَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بكذب، ويروى من غير وَجه، نَحْو ذَلِك، وَلَا يكون شاذا، فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن. فَعرف بِهَذَا أَنه إِنَّمَا عرف الذى يَقُول فِيهِ حسن فَقَط، أما مَا يَقُول فِيهِ حسن صَحِيح، أَو حسن غَرِيب، أَو حسن صَحِيح غَرِيب فَلم يعرج على تَعْرِيفه، كَمَا لم يعرج على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ: صَحِيح فَقَط، أَو غَرِيب فَقَط، وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك اسْتغْنَاء بشهرته عِنْد أهل الْفَنّ، وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ فى كِتَابه حسن فَقَط، إِمَّا لغموضه أَو لِأَنَّهُ اصْطِلَاح جَدِيد، وَلذَلِك قَيده بقوله عندنَا، وَلم ينْسبهُ إِلَى أهل الحَدِيث، كَمَا فعل الخطابى، قَالَ: وَبِهَذَا التَّقْرِير ينْدَفع كثير من الإيرادات الَّتِى طَال الْبَحْث فِيهَا، وَلم يسْتَقرّ وَجه توجيهها [/ ٩٧] فَللَّه الْحَمد على مَا ألهم وَعلم وَقَوله: [جدا] نصب على التَّمْيِيز، وضعفا، إِمَّا على التَّمْيِيز، أَو بِنَزْع الْخَافِض
الصَّالح
(١١٦ - (ص) ودونه الصَّالح إِذْ قد سكتا ... عِنْد السجستانى وَفَاتَ الصحتا)
(١١٧ - وَفِيهِمَا الثِّقَة شَرط أَو عدم ... مُتَّهم وَمن شذوذ قد سلم)
(١١٨ - لَكِن هما للأكثرين وَاحِد ... أما المصابيح اصْطِلَاح زايد)
(ش) أى وَدون الْحسن الحَدِيث [الصَّالح] وَلم أرى من أفرده بِنَوْع خَاص، وَإِنَّمَا وَقع فى كَلَام أَبى دَاوُد السجستانى حَيْثُ قَالَ: " مَا كَانَ فى كتابى - أى: " السّنَن " - من
стр. 98
حَدِيث فِيهِ وَهن شَدِيد، فقد بَينته، وَمَا لم (أذكرهُ) فِيهِ شَيْئا فَهُوَ الصَّالح، وَبَعضهَا أصح من بعض " ومتقضاه أَن الْأَحَادِيث الْمَسْكُوت عِنْده عَلَيْهَا مُتَفَاوِتَة الْمرتبَة فى الصلاحية، بِحَيْثُ يكون فِيهَا الضعْف أَيْضا، وَلذَا قَالَ أَيْضا " ذكرت فِيهِ الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه "، فَإِن الذى يشبه الصَّحِيح هُوَ الْحسن، والذى يُقَارِبه هُوَ الذى فِيهِ ضعف يسير، والاستقراء يشْهد لذَلِك، فَإِنَّهَا أَقسَام، مِنْهَا: مَا هُوَ فى الصَّحِيحَيْنِ، أَو على شَرط الصِّحَّة، وَمِنْهَا: مَا هُوَ من قبل الْحسن إِذا اعتضد، وَهَذَانِ القسمان كثير فى كِتَابه جدا، وَمِنْهَا: مَا هُوَ ضَعِيف لَكِن من رِوَايَة من لَا يجمع على تَركه غَالِبا. وكل هَذِه الْأَقْسَام عِنْده تصلح للاحتجاج بهَا، كَمَا نقل ابْن مَنْدَه خبر أَنه يخرج الحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يجد فى الْبَاب غَيره، وَأَنه أقوى عِنْده من رأى الرِّجَال "، وَقد قَرَأت بِخَط شَيخنَا مَا نَصه: " لفظ (صَالح) فى كَلَام [/ ٩٨] أَبى دَاوُد، أَعم من أَن يكون للاحتجاج، أَو للاعتبار، فَمَا ارْتقى إِلَى الصِّحَّة، ثمَّ إِلَى الْحسن فَهُوَ بِالْمَعْنَى الأول، وَمَا عداهما فَهُوَ بِالْمَعْنَى الثانى، وَمَا قصر عَن ذَلِك فَهُوَ الذى فِيهِ وَهن شَدِيد، وَقد الْتزم بَيَانه لَكِن مَا مَحل هَذَا الْبَيَان؟ هَل هُوَ عقيب كل حَدِيث على حِدته، وَلَو تكَرر ذَلِك الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مثلا؟ أَو يكْتَفى بالْكلَام على وَهن إِسْنَاده مثلا؟ فَإِن عَاد يعْنى بِغَيْر اعتضاد لم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا تقدم، وَيكون كَأَنَّهُ قد بَينه - هَذَا الثانى - أقرب عندى، قَالَ: وَأَيْضًا قد يَقع الْبَيَان فِيهِ فى بعض النّسخ دون بعض، وَلَا سِيمَا رِوَايَة أَبى الْحسن ابْن العَبْد، فَإِن فِيهَا
стр. 99
من كَلَام أَبى دَاوُد أَشْيَاء زَائِدَة على رِوَايَة اللؤلؤى " انْتهى، وَحِينَئِذٍ فَمن احْتج بِمَا سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد مِمَّا لم يبلغ الصِّحَّة لَيْسَ بجيد لشُمُوله الْحسن، وَكَذَا قَوْله:
[وَفِيهِمَا] إِلَى آخِره إِلَّا أَنه يُوَافق قَوْله فى بعض تصانيفه؛ إِن أَكثر أَئِمَّة الحَدِيث لَا يذكرُونَ بعد الصَّحِيح إِلَّا الْحسن، فَهُوَ عِنْدهم والصالح وَاحِد، نعم: قَوْله أَولا ودونه يدْفع هَذَا، وَحِينَئِذٍ فَيكون اشْتِرَاط الثِّقَة خَاصّا بالْحسنِ لذاته، والاكتفاء بالمستور بالصالح على وَجه اللف والنشر والمرتب، وَقَوله: [وَمن شذوذ قد سلم] يعْنى كلا مِنْهُمَا، ويتأيد بقوله فى بعض تصانيفه، إِنَّه لَو قيل: إِنَّه الحَدِيث الذى فى سَنَده الْمُتَّصِل مَسْتُور، وَهُوَ خَال عَن عِلّة قادحة، لم يكن بَعيدا، قَالَ: وَلَا شكّ أَن من الحَدِيث مَا لم يكن [/ ٩٩] ضَعِيفا بِمرَّة وَلَا حسنا، كَحَدِيث أنس الذى سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد يرفعهُ: " عَلَيْكُم بالدلجة فَإِن الأَرْض تطوى بِاللَّيْلِ " فَإِن فى سَنَده أَبَا جَعْفَر الرازى واسْمه عبد الله بن ماهان، وَقد تكلم فِيهِ، لكنه غير ضَعِيف بِمرَّة، حَتَّى وَثَّقَهُ بَعضهم، وَهَذَا يقتضى إِفْرَاد نوع متوسط بَين الْحسن والضعيف، قَالَ: وَيشْهد لذَلِك صَنِيع المنذرى فى " اختصاره السّنَن "، فَإِنَّهُ تعقب كثيرا من الْأَحَادِيث من حَيْثُ أَنه سكت عَلَيْهَا، وَلَيْسَت على شَرط الْحسن، فَإِن هَذَا مِمَّا يظْهر نوع الصَّالح، قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَمَا سكت عَلَيْهِ، وَلم يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح، فَإِن أقره المنذرى عَلَيْهِ فَهُوَ حسن، وَإِن اعْترض عَلَيْهِ بِمَا لَا يقتضى أَن لَا يكن حسنا فَهُوَ صَالح عِنْده، قلت: وَلَكِن لماذا يأتى مَا قَدمته وَنَحْوه قَول يَعْقُوب بن شيبَة فى بعض الْأَحَادِيث: إِسْنَاده وسط " " لَيْسَ بالثبت "، و " لَا السَّاقِط "، فَهُوَ الصَّالح " انْتهى، قَالَ هُنَا يظْهر أَن كَلَام ابْن الصّلاح: " مَا وَجَدْنَاهُ فى " كتاب أَبى دَاوُد " مَذْكُورا [مُطلقًا] وَلَيْسَ " فى أحد الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا نَص على صِحَّته أحد مِمَّن يُمَيّز بَين الصِّحَّة، وَالْحسن عَرفْنَاهُ بِأَنَّهُ من الْحسن عِنْده ": فِيهِ نظر بِمُقْتَضى اصْطِلَاح أَبى دَاوُد
стр. 100
كَمَا أَشرت إِلَيْهِ.
[قلت] : وَبعد هَذَا كُله فالاحتياط أَن لَا يُقَال فى الْأَحَادِيث الَّتِى سكت عَلَيْهَا، وَلم يُؤْخَذ لَهُ كَلَام عَلَيْهَا، عِنْد أحد من رُوَاة كِتَابه، وَلَا علل بِأحد من رواتها فى مَوضِع آخر: صَالح، وَعَلِيهِ مَشى ابْن الْمواق فى " بغية النقاد "، وَأما [/ ١٠٠] مَا سلكه البغوى فى [المصابيح] من جعله مَا انْفَرد بِهِ أَصْحَاب " السّنَن " عَن " الصَّحِيحَيْنِ " من الحسان، فَهُوَ اصْطِلَاح لَا يعرف، وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم فَهُوَ [زَائِد] أى على اصْطِلَاح الْمُحدثين، كَيفَ وَقد قَالَ ابْن مَنْدَه عَن أَبى دَاوُد مَا أسلفته قَرِيبا؟ وَقَالَ غَيره: كَانَ من مَذْهَب النسائى أَن يخرج عَن كل من لم يجمع على تَركه، وَقَوله: [سكتا] هُوَ بالإشباع فِيهِ وفى الصِّحَّة مَعًا، لأجل النّظم وَكَذَا فى الْبَيْت الثانى اسْتِعْمَال إِلَّا أَو هُوَ جَائِز عِنْدهم، [والسجستانى] بِكَسْر الْمُهْملَة وَالْجِيم مَعًا، وَقيل: فى أَولهمَا الْفَتْح أَيْضا نِسْبَة إِلَى سجستان وهى بِلَاد مَعْرُوفَة.
стр. 101
الضَّعِيف والمضعف
(١١٩ - (ص) ثمَّ مضعف وَذَاكَ مَا ورد ... فِيهِ لبَعض ضعف متن أَو سَنَد)
(١٢٠ - لم يجمعوا فِيهِ على التَّضْعِيف ... وَدون هَذَا رُتْبَة الضَّعِيف)
(١٢١ - وَهُوَ الذى وَلَو على ضعف حصل ... وَقيل مَا لم يكن لِلْحسنِ وصل)
(ش) : أى ثمَّ تَلا مَا يقدم من الْأَنْوَاع [المضعف] وَهُوَ الذى يجمع على ضعفه، بل فِيهِ: إِمَّا فى الْمَتْن، أَو السَّنَد تَضْعِيف أهل الحَدِيث، وتقوية لآخرين، وَهُوَ أَعلَى مرتبَة من الضَّعِيف، بِمَعْنى الْمجمع على ضعفه فى إِتْيَانه ب [ثمَّ] مَا يقتضى إنحطاطه عَن سَائِر مَا سبق مُطلقًا، وَلَيْسَ كَذَلِك، لما يُوجد من هَذَا الْقَبِيل فى كتب ملتزمي الصِّحَّة حَتَّى البخارى، فليجعل كَلَام النَّاظِم على مَا إِذا كَانَ الضَّعِيف هُوَ الرَّاجِح أَو لم يرجح شئ، وَقَوله: [لم يجمعوا] تَأْكِيدًا لما فهم.
وَأما الضَّعِيف فقد اخْتلف فى تَعْرِيفه، فَقيل: مَا اشْتَمَل على ضعف، وَقيل: مَا قصر عَن [/ ١٠١] رُتْبَة الْحسن.
وتتفاوت درجاته فى الضعْف بِحَسب بعده من شُرُوط [] ، كَمَا تَتَفَاوَت دَرَجَات الصَّحِيح بِحَسب تمكنه مِنْهَا، وَقد قسمه ابْن حبَان إِلَى قريب من خمسين قسما، وَكلهَا
стр. 102
دَاخِلَة فى الضَّابِط الْمَذْكُور، فَلَا نطيل ببسطها، خُصُوصا وَقد بينتها فِيمَا كتبته على الألفية وَشَرحهَا.
فَائِدَة: قد أثبت الذهبى نوعا من الضَّعِيف والموضوع سَمَّاهُ: " الْمَطْرُوح ".
وعرفه: بِأَنَّهُ مَا نزل عَن رُتْبَة الضَّعِيف، وارتفع عَن رتبه الْمَوْضُوع، وَمثل لَهُ بِحَدِيث: عَمْرو بن سَمُرَة، عَن جَابر الجعفى، عَن الْحَارِث، عَن على، وبجويبر عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ فى التَّحْقِيق [الْمَتْرُوك] كَمَا قَالَ شَيخنَا.
(١٢٢ - (ص) وَقَوْلهمْ هَذَا صَحِيح سندا ... وَغَيره لَا يقتضيها أبدا)
(ش) : وَقَول أهل الحَدِيث: هَذَا [صَحِيح الْإِسْنَاد] لَا يقتضى الحكم للمتن بِالصِّحَّةِ، لِأَنَّهُ قد يَصح الْإِسْنَاد لثقة رِجَاله وَلَا يَصح الْمَتْن لشذوذ أَو عِلّة، وَقد ضعف غير وَاحِد من الْأَئِمَّة أَحَادِيث بعد أَن حكمُوا على أسانيدها بِالصِّحَّةِ، وَمِنْهُم: الْحَاكِم، وَكَذَا إِذا قَالُوا: هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، لَا يقتضى الحكم للمتن بالضعف لاحْتِمَال مَجِيئه بِإِسْنَاد آخر صَحِيح، وَقَول النَّاظِم: [لَا يقتضيها أبدا] أى: لَا يقتضى القَوْل بِالصِّحَّةِ أَو الضعْف الْمقَالة
стр. 103
بذلك مُطلقًا سندا ومتنا، بل تخْتَص بالسند لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح: " إِن ذَلِك إِن صدر من إِمَام مُعْتَمد مِنْهُم من غير تعقب، فَالظَّاهِر اعْتِمَاده سندا ومتنا ".
الْمسند
(١٢٣ - (ص) والمسند الْمُتَّصِل الإسنادا ... قيل وَلَو وقف بعض زادا)
(ش) : [الْمسند] هُوَ الذى اتَّصل إِسْنَاده من وراته إِلَى منتهاه.
وَعبر شَيخنَا بقوله: هُوَ مَرْفُوع صحابى بِسَنَد ظَاهر الِاتِّصَال، ليشْمل مَرَاسِيل صغَار الصَّحَابَة، وخفى الْإِرْسَال، وَمثل ذَلِك: عَن الزهرى، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النبى [ ﷺ ] ، فَإِنَّهُ مُسْند وَإِن لم يسمع الزهرى ابْن عَبَّاس.
وَقد صرح ابْن عبد الْبر بِأَنَّهُ الْمَرْفُوع إِلَى النبى [ ﷺ ] مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا.
стр. 104
وَمثل للثانى [مَالك عَن] الزهرى، عَن ابْن عَبَّاس، وللأول: بِبَعْض الْأَمْثِلَة، وَحكى فِيهِ الِاتِّفَاق، فَإِنَّهُ قَالَ عقبه: " فَهَذَا مُسْند عِنْد الْجَمِيع، لِأَنَّهُ مُتَّصِل الْإِسْنَاد مَرْفُوع "، وَلَكِن قد قطع الْحَاكِم بِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا على مَا تصل مَرْفُوعا إِلَى النبى [ ﷺ ] نعم قَالَ الْخَطِيب نقلا عَن أهل الحَدِيث: " إِن أَكثر مَا يسْتَعْمل فِيمَا جَاءَ عَن النبى [ ﷺ ] دون مَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة وَغَيرهم "، فعلى هَذَا يَقع أَيْضا على الْمَوْقُوف، وَهُوَ قَول ابْن الصّباغ، وَجَمَاعَة، لَكِن الْأَكْثَر على خِلَافه، وَلذَلِك أوردهُ النَّاظِم بِصِيغَة التمريض، وَأبْهم قَائِله وَتَقْدِير الْكَلَام قيل: وَلَو مَوْقُوفا فِيمَا زَاده بَعضهم، وَمن حكايته علم أَن الذى قبله يُفِيد الرّفْع.
[والمتصل] صفة مَوْصُوف مَحْذُوف تَقْدِيره: الْمسند الحَدِيث الْمُتَّصِل وميز الِاتِّصَال بقوله: [الْإِسْنَاد] على نَحْو الْعشْرُونَ الدِّرْهَم، وينقسم الْمسند إِلَى الصَّحِيح وَغَيره.
стр. 105
تَعْرِيف الْمَرْفُوع
(١٢٤ - (ص) وَالْخَبَر الْمَرْفُوع مَا أضيفا ... إِلَى النبى وَلم يكن مَوْقُوفا)
(ش) : [الْمَرْفُوع] هُوَ مَا أضيف إِلَى النبى [ ﷺ ] خَاصَّة من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير، سَوَاء كَانَ مُتَّصِلا، أَو مُنْقَطِعًا، وَيدخل فِيهِ الْمُرْسل وَنَحْوه ويشمل الضَّعِيف وَغَيره.
وَقَالَ الْخَطِيب: [الْمَرْفُوع] مَا أخبر [فِيهِ] الصحابى عَن قَول [/ ١٠٣] الرَّسُول [ ﷺ ] أَو فعله فخصه بالصحابة فَيخرج [عَنهُ] مُرْسل التابعى فَمن بعده [عَن رَسُول الله [ ﷺ ]] ، وَلَكِن الْمَشْهُور الأول مَعَ أَن شَيخنَا، قَالَ: إِنَّه يجوز أَن يكون ذكره للصحابى على سَبِيل الْمِثَال، أَو الْغَالِب دون التَّقْيِيد والحصر، ويتأيد بِكَوْن الرّفْع إِنَّمَا ينظر فِيهِ إِلَى الْمَتْن دون الْإِسْنَاد، وَقَول النَّاظِم: [وَلم يكن مَوْقُوفا] هُوَ تَأْكِيد ألجأ إِلَيْهِ النّظم وَإِلَّا فَهُوَ لم يدْخل، وَلَا ذكر مَا يُوهم دُخُوله حَتَّى يكون.
стр. 106
للِاحْتِرَاز.
مَا لَهُ حكم الرّفْع
(١٢٥ - (ص) وَصَاحب يَقُول كُنَّا نصْنَع ... كَذَا أمرنَا ونهينا رفعوا)
(١٢٦ - كَذَاك ينميه كَذَا يبلغ بِهِ ... أَو فى الْقرَان كنزول بِسَبَبِهِ)
(١٢٧ - كَذَا الذى عَلَيْهِ لَا يطلع ... كَذَا حَدِيث قَالَ قَالَ يرفع)
(ش) : أى هَذِه الْأَلْفَاظ لَهَا حكم الرّفْع، مِنْهَا: أَن قَول الصحابى كُنَّا نقُول كَذَا و [كُنَّا نصْنَع] وَهُوَ مَرْفُوع على الصَّحِيح قطع بِهِ الْحَاكِم وَالْجُمْهُور، وَقيل: مَوْقُوف، وَهُوَ بعيد لِأَن الظَّاهِر أَنه [ ﷺ ] اطلع عَلَيْهِ وقررهم، واطلق النَّاظِم الحكم بِرَفْعِهِ تبعا للْحَاكِم، وَالْفَخْر الرازى فَهُوَ القوى، وَإِن قَيده الْخَطِيب وَغَيره بِمَا إِذا أضَاف إِلَى زمن النبى [ ﷺ ] لكَونه لَا يجوز فى حَقه أَن يعلم إِنْكَاره [ ﷺ ] لذَلِك وَلَا يُبينهُ، أما إِذا لم يصفه إِلَى زَمَنه [ ﷺ ] فَهُوَ مَوْقُوف.
وَمِنْهَا: قَول الصحابى أَيْضا [أمرنَا ونهينا] عَن كَذَا، " وَأمر بِلَال بِكَذَا " مَرْفُوع عِنْد أهل الحَدِيث، وَأكْثر الْعلمَاء، لِأَن الظَّاهِر أَنه [ ﷺ ] هُوَ الْآمِر والناهى، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره: لَيْسَ بمرفوع وَالصَّحِيح الأول [/ ١٠٤] وَسَوَاء كَانَ قَوْله ذَلِك فى حَيَاته [ ﷺ ] أَو بعده.
стр. 107
وَمِنْهَا: إِذا قيل عَن الصحابى [ينميه أَو يبلغ بِهِ] وَنَحْو ذَلِك كيرفع الحَدِيث، أَو يرويهِ، فَإِن كل هَذَا كِنَايَة عَن رَفعه، وَحكمه حكم الْمَرْفُوع صَرِيحًا، كَذَا إِذا قيل عَن التابعى: يرفع الحَدِيث وَنَحْوه، فَهُوَ مَرْفُوع أَيْضا لكنه يُرْسل وَأبْدى المنذرى للعدول عَن التَّصْرِيح بالرسول [ ﷺ ] حِكْمَة، وَهُوَ: شكّ الراوى فى الصِّيغَة بِعَينهَا، فَلم يجْزم أَو أَتَى بِلَفْظ يدل على الرّفْع، وَيُؤَيِّدهُ قَول أَبى قلَابَة عَن أنس: " من السّنة إِذا تزوج ". الحَدِيث. يتلوه لَو شِئْت لَقلت: إِن أنسا رَفعه إِلَى النبى [ ﷺ ] . فَإِن مَعْنَاهُ: أَنى لَو قلت رَفعه لَكُنْت صَادِقا بِنَاء على الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، لكنه تحرز عَن ذَلِك لِأَن قَوْله: " من السّنة " إِنَّمَا يحكم لَهُ بِالرَّفْع بطرِيق نظرى، وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون شكّ فى ثُبُوت ذَلِك عَن النبى [ ﷺ ] فَلم يجْزم بِلَفْظ قَول رَسُول الله [ ﷺ ] : كَذَا، بل كنى عَنهُ تجوزا، لِأَن قَوْله: " من السّنة " إِنَّمَا حكم، وَيحْتَمل أَن يكون طلبا للاختصار، وَمِنْهَا: قَول الصحابى فى تَفْسِير الْقُرْآن مَرْفُوع، إِذا كَانَ يتَعَلَّق بِسَبَب النُّزُول كَقَوْل جَابر: " كَانَت الْيَهُود تَقول من أَتَى امْرَأَته من دبرهَا فى قبلهَا جَاءَ أَحول فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ " الْآيَة، فَأَما تفاسير الصَّحَابَة الَّتِى لَيست من هَذَا وَلَا يشْتَمل على إِضَافَة شئ إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فمعدودة فى الْمَوْقُوفَات [/ ١٠٥] خلافًا للْحَاكِم، وَكَذَا كل مَا قَالَه الصحابى مِمَّا لم يُمكن يطلع عَلَيْهِ إِلَّا بتوقيف من النبى [ ﷺ ] مثل حَدِيث ابْن مَسْعُود (لقد رأى من آيَات ربه
стр. 108
الْكُبْرَى﴾ ، قَالَ: " رأى رفرفا أَخْضَر سد أفق السَّمَاء " رَوَاهُ البخارى، فَهَذَا مَعْلُوم أَنه لَا يَقُوله إِلَّا عَن تَوْقِيف، وَقيل: إِن مَحل هَذَا مَا إِذا لم يكن الصحابى إخذ عَن الْإسْرَائِيلِيات، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ بصدد بَيَان شريعتهم فَلَا يظنّ بهم النَّقْل عَن غَيرهَا، من غير تَمْيِيز لذَلِك، وَكَذَا حَدِيث ابْن سِيرِين، عَن أَبى هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ: " إِن الْمَلَائِكَة تصلى على أحدكُم ". الحَدِيث، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يقتصرون فِيهِ على القَوْل مَعَ حذف الْقَائِل مَرْفُوع أَيْضا، فقد قَالَ مُحَمَّد بن سِرين: كل شئ أحدث بِهِ عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ فَهُوَ مَرْفُوع. انْتهى.
قَالَ مُوسَى بن هَارُون: إِذْ قَالَ حَمَّاد بن زيد والبصريون: (قَالَ) قَالَ: فَهُوَ مَرْفُوع حَكَاهُ الْخَطِيب، وَقَالَ: قلت للبرقانى أَحسب أَن مُوسَى عَنى بِهَذَا القَوْل أَحَادِيث ابْن سِيرِين خَاصَّة، فَقَالَ: كَذَا يجب، وَأورد الْخَطِيب من طَرِيق إِدْرِيس الأزدى عَن أَبِيه، عَن
أَبى هُرَيْرَة - رضى الله عَنهُ -، قَالَ: قَالَ فَذكر حَدِيثا، وَمن طَرِيق أَبى منيب العتكى، عَن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه حَدِيثا آخر، قَالَ: فعلى مَا ذكر مُوسَى يعْنى من الِاخْتِصَار لَيْسَ مِمَّا يعد مَرْفُوعا وَإِنَّمَا (سَببه) فيهمَا بِالرَّفْع، قَالَ: وَقد ورد من غير الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين مَرْفُوعا.
стр. 109
تَعْرِيف الْمَوْقُوف والموصول
(١٢٨ - (ص) والعاشر الْمَوْقُوف ضد مَا ارْتَفع ... لَكِن مَوْصُولا عَلَيْهِمَا يَقع)
(ش) : أى: [والعاشر] من الْأَنْوَاع الَّتِى سردها: [الْمَوْقُوف] وَقد اقْتصر فى تَعْرِيفه على أَنه [/ ١٠٦] ضد الْمَرْفُوع. وَهَذَا لَيْسَ بجيد لصدقه على الْمَقْطُوع فَإِنَّهُ لم يضف إِلَى النبى [ ﷺ ] ، وَالصَّوَاب: أَن الْمَوْقُوف عِنْد الْإِطْلَاق هُوَ المروى عَن الصحابى قولا، أَو نَحوه مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا، كَمَا أَن الْمَرْفُوع هُوَ مَا أضيف إِلَى النبى [ ﷺ ] مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا وَيسْتَعْمل الْمَوْقُوف أَيْضا فى المروى عَن غير الصَّحَابَة، لَكِن مُقَيّدا فَيُقَال وَقفه فلَان على الزهرى وَنَحْو ذَلِك.
стр. 110
[والموصول] وَيُسمى الْمُتَّصِل أَيْضا: هُوَ مَا اتَّصل إِسْنَاد سَماع كل راو لَهُ مِمَّن فَوْقه إِلَى منتهاه، وَمن يرْوى الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ يُرِيد أَو إِجَازَته، وَيدخل فِيهِ، الضَّعِيف وَغَيره، وَسَوَاء كَانَ مَرْفُوعا إِلَى النبى [ ﷺ ] أَو مَرْفُوعا على غَيره، فالمتصل الْمَرْفُوع مثل: مَالك، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم، عَن ابْن عمر، عَن النبى [ ﷺ ] ، والمتصل الْمَوْقُوف مثل: مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن عمر قَوْله. وَلذَلِك اشْترط النَّاظِم من كَون الْمَوْقُوف ضد الْمَرْفُوع أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فى إِطْلَاق الْمَوْصُول عَلَيْهِمَا بقوله: [لَكِن مَوْصُولا عَلَيْهِمَا يَقع] فَصَارَ ذَلِك تعريفا للموصول.
следующие страницы →