المقدمة
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، والصلاة والسلام على من بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، أما بعد:
فقد اهتم العلماء بتفسير كتاب الله تعالى، وتبيين ما فيه من المعاني والأحكام، وقد تميزت تفاسيرهم بالدقة والوضوح، ومن جهودهم ما هو مجموع في مؤلف مستقل بالتفسير، ومنها ما هو أقوال منثورة لا تقل أهمية عما قبلها، بل ربما تفوقها، فتحتاج إلى جمع في مصنف خاص؛ ليسهل الرجوع إليها، والاستفادة منها، ومن ثم يعم الانتفاع بها.
ومن العلماء الأجلاء الذين وجدت لهم أقوالاً في التفسير: الإمام العلامة أبو الوفاء علي ابن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري الحنبلي ﵀، لكنها مبثوثة في مؤلفاته، وهي جديرة بالجمع والدراسة، فآثرت بعد الاستعانة بالله وحده أن أقوم بجمع أقواله في التفسير وترتيبها ودراستها، وبيان منهجه فيها، وقد بلغت أكثر من خمسين ومائة قول، وعزمت على أن يكون موضوع بحثي الذي أتقدم به لنيل درجة الماجستير من قسم القرآن وعلومه هو:
منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعاً ودراسة
стр. 2
أهمية الموضوع:
تظهر أهمية الموضوع في أمور، منها:
١ - أن ابن عقيل من أشهر المجتهدين في المذهب الحنبلي ومن كبار علمائهم، وفي إخراج أقواله في تفسير كلام الله تعالى إسهام في خدمة هذا العلم.
٢ - أنه من علماء التفسير، ومن علماء القراءات: فقد ترجم له الداوودي في [طبقات المفسرين ١/ ٤٢١] فقال: ( .. وقرأ القراءات على أبي الفتح بن شيطا، قرأ عليه المبارك بن أحمد بن الإخوة). وذكره [الذهبي في معرفة القراء الكبار ص ٢٦١].
٣ - تقدم العصر الذي عاشه الإمام ابن عقيل ﵀ ٤٣١ - ٥١٣ هـ مما جعل أقواله في التفسير ذات قيمة عالية، وهي فترة عاشها جماعة من أهل التفسير ممن ذاع صيتهم، وكانوا أئمة في هذا الفن، ومنهم الماوردي (ت:٤٥٠)، والواحدي (ت:٤٦٨)، والراغب الأصفهاني (ت:٥٠٣)، وإلكيا الهراسي (ت:٥٠٤)، والبغوي (ت:٥١٦) وغيرهم مما يعطي صورة جلية لازدهار علم التفسير في ذلك العصر.
٤ - لما كانت المطبوعات شحيحة في آيات الأحكام من علماء الحنابلة، فإن إخراج مثل هذا الجمع يضيف إلى كتبهم نوعاً مهماً من العلوم، وهو أحكام القرآن.
٥ - ومما زاد الموضوع أهمية ما وجدت من نقل بعض كبار العلماء والمفسرين عنه؛ من أمثال: ابن العربي، وابن الجوزي، والقرطبي، والشوكاني، والآلوسي، وابن القيم، وغيرهم.
٦ - أن في هذا البحث جمعاً لتفسير متفرق؛ فيه الكثير من الفوائد واللطائف والنفائس، مما لا يوجد في كثير من المصنفات.
أسباب اختيار الموضوع:
اخترت هذا الموضوع لأسباب كثيرة، منها:
١ - أهمية الموضوع، وقد تقدم ما يحث على الكتابة فيه.
٢ - أنه حسب علمي وبحثي وسؤالي للمختصين لم يجمع أحد أقواله في التفسير مع علو كعبه وكثرة علومه في القرآن.
٣ - المكانة العلمية التي تميز بها ابن عقيل الحنبلي ﵀، فمن المعروف أنه من الأئمة الكبار ومصنفاته تدل على ذلك:
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولابن عقيل أنواع من الكلام فإنه كان من أذكياء العالم) [درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٦٠].
стр. 3
- وقال أبو طاهر السِّلَفي: (ما رأت عيناي مثل أبي الوفاء ابن عقيل الفقيه، ما كان يقدر أحد أن يتكلم معه لغزارة علمه وحسن إيراده وبلاغة كلامه وقوة حجته، ولقد تكلم يوماً مع شيخنا أبي الحسن إلكيا الهراسي في مسألة، فقال شيخنا: هذا ليس بمذهبك. فقال: أنا لي اجتهاد، متى طالبني خصمي بحجة كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقوم له بحجتي، فقال شيخنا: كذلك الظن بك) [ذيل الطبقات لابن رجب ١/ ١٤٧].
فلما كان بهذه المنزلة العظيمة تأكد اختيار هذا الموضوع.
٤ - السعي إلى إبراز جانب الملكة العلمية التفسيرية عند ابن عقيل لطلاب المعرفة، وبخاصة أن هناك انشغالاً عنها بسبب إمامته في بعض العلوم الأخرى كالفقه مثلاً، وقد برع وأبدع في جوانب مهمة، وذكر بعض مترجميه أن له كتاباً بعنوان: مسائل مشكلة في آيات من القرآن [ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٦] لكنه في عداد المفقود [آثار الحنابلة في علوم القرآن للفنيسان ص ٩٧]، وفي جمع أقواله سد لبعض ما فات، لهذه الأسباب رغبت في تسجيل هذا الموضوع.
أهداف البحث:
١ - إخراج ما قاله هذا العالم في التفسير بكتاب مستقل يحمل رأيه، ويكشف عن تفسيره للآيات، تقديراً لمكانته العلمية، ووفاء بحقه.
٢ - دراسة أقوال ابن عقيل في التفسير دراسة تحليلية مقارنة.
٣ - إبراز جهود أحد علماء الحنابلة في علم التفسير.
الدراسات السابقة:
- ابن عقيل حياته واختياراته الفقهية، رسالة دكتوراه للباحث صالح بن محمد الرشيد، في جامعة الأزهر، كلية الشريعة والقانون، ونوقشت عام ١٣٩٩ هـ.
- تحقيق جزء من كتاب الواضح في أصول الفقه لابن عقيل: في ثلاث رسائل دكتوراه، في جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، وهي كالتالي:
١ - موسى بن محمد بن يحيى القرني (من أول الكتاب إلى الأدلة المختلف فيها).
٢ - عطالله مولوي فيض الله (من فصول الخطاب إلى فصول العموم).
стр. 4
٣ - عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس (من فصول العموم إلى بداية نسخ الكتاب والسنة).
وهناك بحوث أخرى لها صلة بابن عقيل من خلال تحقيق كتبه، وهي كما يلي:
- حقق كتاب الواضح في أصول الفقه: الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي.
وهذا الكتاب في مباحث أصول الفقه، وقد تميز بمزايا يندر اجتماعها في كتاب مثله، مما دفع المجد ابن تيمية ﵀ أن يقول: (لله در الواضح لابن عقيل من كتاب، ما أغزر فوائده، وأكثر فرائده، وأزكى مسائله، وأزيد فضائله، من نقل مذهب، وتحرير حقيقة مسألة، وتحقيق ذلك) [المسودة ص ٦٥]. وقد فسر فيه عدداً كبيراً من الآيات فاستخرجتها لدراستها في هذا البحث.
- حقق جزءين من كتابه الفنون: جورج مقدسي، والذي يبحث في فنون متعددة منها التفسير فهو من المصادر لجمع أقوال ابن عقيل في التفسير.
- حقق كتاب التذكرة في الفقه لابن عقيل الدكتور ناصر بن سعود السلامة. وقد مر على جميع أبواب الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحم الله الجميع.
- أخرجت مكتبة الثقافة الدينية في مصر كتاب: الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل، وهذا الكتاب يبحث في علم الكلام.
- حقق الدكتور عبدالسلام بن سالم السحيمي كتاب فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة لابن عقيل، وهو في فضائل الأخلاق.
- حقق الدكتور سليمان بن عبدالله العمير كتاب ابن عقيل الموسوم بـ جزء في الأصول - أصول الدين - مسألة القرآن. وهذا الكتاب في أن الله تكلم بالقرآن حقيقة وأن كلامه بحرف وصوت، وضمنه الرد على الأشاعرة في مسألة القرآن.
ومع هذا كله فلم أقف بعد البحث والنظر والسؤال على أي دراسة علمية تتعلق بابن عقيل مفسراً، وبهذا تظهر جدة هذا البحث؛ حيث لم تسبق دراسته، والله أعلم.
стр. 5
خطة البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس.
المقدمة: وتشتمل على ما يلي:
أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، وخطة البحث، ومنهجي في البحث.
التمهيد: وفيه ترجمة موجزة لابن عقيل.
القسم الأول: مصادر ابن عقيل ومنهجه في التفسير، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: مصادر ابن عقيل في التفسير، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مصادر القرآن وعلومه.
المبحث الثاني: مصادر الحديث.
المبحث الثالث: مصادر الفقه.
المبحث الرابع: مصادر العقيدة.
الفصل الثاني: منهج ابن عقيل في التفسير، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تفسير القرآن بالقرآن، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: جمع النظائر.
المطلب الثاني: تخصيص العموم.
المطلب الثالث: تقييد المطلق.
المبحث الثاني: تفسير القرآن بالسنة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: بيان المجمل.
المطلب الثاني: تخصيص العموم.
المطلب الثالث: تقييد المطلق.
المبحث الثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تخصيص العموم.
المطلب الثاني: دفع موهم التناقض.
المبحث الرابع: تفسير القرآن باللغة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اهتمامه بمعاني المفردات، ومعاني الحروف، ومرجع الضمائر.
المطلب الثاني: عنايته بالشعر، وأقوال العرب.
المطلب الثالث: اهتمامه بالأوجه البلاغية ولطائف التفسير.
المبحث الخامس: تفسيره لآيات الأحكام، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مذهبه الفقهي.
المطلب الثاني: نقله للإجماع.
المطلب الثالث: اهتمامه بالقياس.
المطلب الرابع: منهجه في الاستنباط.
الفصل الثالث: علوم القرآن عند ابن عقيل، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الناسخ والمنسوخ.
المبحث الثاني: أسباب النزول.
المبحث الثالث: المحكم والمتشابه.
المبحث الرابع: العام والخاص.
стр. 6
القسم الثاني: أقوال ابن عقيل في التفسير - من أول القرآن إلى آخره - ودراستها.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
الفهارس:
١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية والآثار. ... ٣ - فهرس الأعلام. ... ٤ - فهرس الكلمات الغريبة. ... ٥ - فهرس الفرق. ... ٦ - فهرس الأبيات الشعرية.
٧ - ثبت المصادر والمراجع. ... ٨ - فهرس الموضوعات.
стр. 7
منهجي وعملي في البحث:
القسم الأول من البحث:
١) ما يتعلق بمصادر ابن عقيل في التفسير:
أقوم بجمع مصادره التي صرح بها، وكذلك ما أبهمه واستطعت الوقوف عليه وترجح لدي أنه من مصادره.
٢) ما يتعلق بدراسة منهج ابن عقيل في التفسير:
استخرجت مادته من خلال التأمل في الآيات التي تناولها بالتفسير، ولذا اقتصرت فيه بذكر المثال دون شرحه اكتفاء بدراسته في القسم الثاني، إلا إذا دعت الحاجة للإيضاح.
وفي هذا القسم يكون الحديث وسطاً بين الطول والإيجاز، بما يفي بالغرض، وقد بينت في الخطة ما يتعلق به من مباحث.
القسم الثاني: أقوال ابن عقيل ودراستها، وعملي فيه كما يلي:
١ - جمع أقوال ابن عقيل في التفسير من خلال كتبه، وما نقل عنه.
٢ - ترتيب المادة العلمية المستخرجة على حسب ترتيب السور والآيات.
٣ - كتابة الآية قبل ذكر قول ابن عقيل مع عزوها إلى سورتها ورقم الآية.
٤ - الالتزام بنقل نص كلام ابن عقيل، مع التعليق على ما يحتاج إلى إيضاح في الحاشية.
٥ - عند تكرر كلامه عند آية أكتفي بأجمعه، وأشير في الحاشية إلى المواضع الأخرى، إلا إذا وُجِد ما ليس في الموضع الأول فإني أذكره معه، مع بيان ذلك.
٦ - إذا كان الكلام على الآية قد سبق مثيله فأكتفي بالإحالة عليه، مع بيان الفرق إن وجد.
٧ - ترقيم أقوال ابن عقيل، بوضع رقمين قبل كل قول، الأول منهما: هو الرقم العام لجميع أقواله في البحث، والثاني: الرقم الخاص بكل سورة.
стр. 8
٨ - دراسة أقواله؛ ومنهجي فيه على النحو التالي:
أ- أعنون لدراسة أقوال ابن عقيل بكلمة: الدراسة.
ب - إذا كانت المسألة متفقاً عليها، فإني أذكر كلام أهل العلم مع أشهر أدلتهم مما يؤيد كلام ابن عقيل.
ج - إذا كانت المسألة ذات خلاف فإني أذكر في الدراسة محل الخلاف، ثم أشهر الأدلة لكل قول، وما يظهر من مناقشتها.
د - أحرص على النظر والتأمل في تفسير الآية، مجتهداً في أن أجمع بين الأقوال، وأبين عدم تعارضها حسب الاستطاعة والإمكان، وإن لم يتبين وجه الجمع، فإني أختار ما يظهر لي أنه أسعد بالدليل.
٩ - عزو الآيات إلى سورها من القرآن وترقيمها، وجعلتها بين معقوفتين هكذا [].
١٠ - تخريج الأحاديث، وعزوها إلى مصادرها، فأذكر من أخرجها ثم اسم الكتاب والباب ثم رقم الحديث بين قوسين هكذا ()، فإن كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بهما، وإن لم يكن فيهما، فمع عزوه إلى مصادره أذكر درجته صحةً وضعفاً، معتمداً في ذلك على كلام المحققين من أهل الحديث.
١١ - تخريج الآثار وعزوها إلى مصادرها قدر الإمكان.
١٢ - إحالة كلام أهل العلم إلى موضعه من كتبهم إن وجدت، أو المعتبرة في نقل أقوالهم عند عدمها.
١٣ - نسبة الأبيات الشعرية إلى قائليها.
١٤ - شرح وتوضيح المصطلحات والكلمات الغريبة.
١٥ - التعريف بالأعلام باختصار ثم الإحالة على مرجع أو اثنين من مراجع ترجمته، مع ملاحظة ما يلي: عدم التعريف بالأنبياء والخلفاء الأربعة ورواة الأحاديث، ومن كان في نص منقول، ولم أذكر الألقاب العلمية؛ ولم أتبع الأعلام بالدعاء لهم بالرحمة لكون ذلك معلوماً إلا أن ينص عليها المنقول عنه.
١٦ - التعريف بالفِرق مما يحتاج إلى تعريف في أول موطن ترد فيه قدر الاستطاعة.
стр. 9
وقبل الختام لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل لله على ما من به علي من النعم العظيمة، ثم أتوجه بالشكر والدعاء إلى فضيلة شيخيّ الفاضلين الدكتور: بدر بن ناصر البدر، والدكتور: يوسف بن محمد السعيد الذين أتحفاني بأحسن التوجيهات، وجميل الملاحظات، وغمراني بالأخلاق الجمة، والآداب الرفيعة، وحسن التعامل، ولطف العبارة؛ فلهما مني الشكر والدعاء.
والشكر موصول لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ذلك الصرح الشامخ، والمنبع العذب، التي عم نفعها جميع بقاع الأرض، فأسأل الله أن يبارك فيها، ويسدد القائمين عليها، وأخص بمزيد من الشكر القائمين على كلية أصول الدين، ومشايخي الأعزاء في قسم القرآن وعلومه، فجزاهم الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.
كما أتقدم بجزيل الشكر لجميع الإخوة الذين وقفوا معي وأعانوني على إتمام هذا البحث فبارك الله فيهم ووفقهم أينما كانوا.
هذا وأسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل عملنا هذا حجة لنا لا علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
راشد بن حمود بن راشد الثنيان ...
стр. 10
التمهيد ترجمة موجزة لابن عقيل
стр. 11
التمهيد
قبل الدخول في منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير يحسن أن أذكر ترجمة موجزة تعرف به فأقول:
أولاً: اسمه ونسبه وكنيته:
علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي الظَّفَري (١) المقرئ الفقيه الحنبلي الأصولي الواعظ المتكلم، أبو الوفاء، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام (٢).
стр. 12
ثانياً: مولده:
ولد ابن عقيل في بغداد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في جمادى الآخرة.
قال ابن رجب (١): (كذا نقله عنه ابن ناصر السلفي) (٢).
وقال ابن الجوزي (٣): (وكذا رأيته بخطه) (٤).
وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (٥).
وقيل: سنة ثلاثين وأربعمائة (٦)، قال ابن رجب: (والأول أصح) (٧).
стр. 13
ثالثاً: أسرته:
يقول ابن عقيل عن نفسه: (وأما أهل بيتي: فإن بيت أبي كلهم أرباب أقلام وكتابة، وشعر وآداب، وكان جدي محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة، وهو المنشئ لرسالة عزل الطايع وتولية القادر، ووالدي أنظر الناس وأحسنهم جزلاً وعلماً، وبيت أمي (١) بيت الزهري صاحب الكلام والدرس على مذهب أبي حنيفة) (٢)، وله ولدان ماتا في حياته أحدهما: أبو الحسن عقيل، يقول عنه والده: (مات ولدي عقيل، وكان قد تفقه وناظر وجمع أدباً حسناً) (٣)، والآخر: أبو منصور هبة الله، يقول عنه والده: (قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية والطب والأدعية، ولله تعالى فيّ اختيار، فدعني مع اختياره، قال: فوالله ما أنطق الله ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] إلا وقد اختاره الله تعالى للحظوة) (٤).
стр. 14
رابعاً: شيوخه:
نهل ابن عقيل علمه عن عدد كبير من العلماء في فنون متعددة، وقد نقل عنه ابن رجب أنه كان يقول: (شيخي في القراءة: ابن شيطا.
وفي النحو والأدب: أبو القاسم بن برهان.
وفي الزهد: أبو بكر الدينوري، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسين القزويني، وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء.
وفي آداب التصوف: أبو منصور صاحب الزيادة العطار.
وفي الحديث: ابن التّوّزي، وأبو بكر بن بشران، والعشارى، والجوهري، وغيرهم.
وفي الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل.
وفي الفرائض: أبو الفضل الهمذاني.
وفي الوعظ: أبو طاهر بن العلاف صاحب ابن سمعون.
وفي الأصول: أبو الوليد، وأبو القاسم ابن التبان.
وفي الفقه: القاضي أبو يعلى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ.
إلى أن قال: ومن مشايخي: أبو محمد التميمي، ومنهم أبو بكر الخطيب ... الخ) (١).
وليس من ذَكَر ابن عقيل هم كل مشايخه، وكثرتهم إنما تدل على همته العالية وشغفه في جمع أنواع العلوم.
وفيما يلي ذكر نُبَذٍ موجزة عن بعض مشايخه:
١ - ابن شيطا: وهو أبو الفتح عبدالواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا البغدادي المقرئ، صنف كتاب [التذكار في القراءات العشر]، وهو شيخ ابن عقيل في القراءة، مات سنة ٤٥٠ هـ (٢).
٢ - أبو القاسم: عبدالواحد بن علي بن عمر بن برهان العكبري، من علماء النحو والتاريخ وأيام العرب، أخذ عنه ابن عقيل الأدب والنحو، مات سنة ٤٥٦ هـ (٣).
стр. 15
٣ - أبو الحسين القزويني: وقيل أبو الوفاء (١)، علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي، شيخ ابن عقيل في الزهد (٢)، مات سنة ٤٤٢ هـ (٣).
٤ - أبو يعلى ابن الفراء: محمد بن الحسين بن خلف بن الفراء البغدادي القاضي شيخ الحنابلة في وقته، وهو أول من أخذ عنه ابن عقيل الفقه، مات سنة ٤٥٨ هـ (٤).
٥ - أبو بكرالخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد الخطيب البغدادي الحافظ المحدث المؤرخ، أحد مشايخ ابن عقيل في الحديث، مات سنة ٤٦٣ هـ (٥).
٦ - أبو إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبدالله الفيروزآبادي الشافعي، من مشايخ ابن عقيل في الأصول والمناظرة (٦)، مات سنة ٤٧٦ هـ (٧).
٧ - أبو الفضل الهمذاني: عبدالملك بن إبراهيم بن أحمد الهمذاني، كانت له يد طولى في العلوم الشرعية والحساب، مات سنة ٤٨٩ هـ (٨).
стр. 16
خامساً: تلاميذه:
درَّس ابن عقيل علوماً كثيرة، وأخذ عنه العلم عدد كبير من أهل العلم من أبرزهم:
١ - ابنه أبو الحسن عقيل: قال ابن رجب: (تفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع)، مات سنة ٥١٠ هـ (١).
٢ - المغازلي: عمر بن ظفر أبو حفص البغدادي المغازلي، المقرئ المحدث المشهور، مات سنة ٥٤٢ هـ (٢)، ذكره ابن رجب فيمن روى عن ابن عقيل الحديث (٣).
٣ - أبو المعمر الأنصاري (٤): المبارك بن أحمد بن عبدالعزيز الأزجي الأنصاري، ممن حدث وروى عن ابن عقيل، مات سنة ٥٤٩ هـ (٥).
٤ - ابن ناصر: محمد بن ناصر بن محمد السلامي أبو الفضل البغدادي، كان حافظاً ضابطاً متقناً، روى عن ابن عقيل، مات سنة ٥٥٠ هـ (٦).
٥ - ابن الدجاجي: سعدالله بن نصر بن سعيد أبو الحسن المعروف بابن الدجاجي، الفقيه الواعظ المقرئ، وهو راوي كتاب: [الانتصار لأهل السنة والحديث] عن ابن عقيل، مات سنة ٥٦٤ هـ (٧).
стр. 17
سادساً: مكانته العلمية:
عانى ابن عقيل أول حياته من قلة ذات اليد فكان يحاول الكسب لسد حاجته، يقول عن نفسه: (وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة) (١).
ولم يستمر هذا بل سخر الله له الشيخ أبا منصور عبدالملك بن يوسف (٢) الذي تكفل بمؤونة البحث عن رزقه؛ ليتفرغ لطلب العلم وتعليمه (٣)، وبالفعل تفرغ ابن عقيل وبدأ في طلب العلم، وسهل له الطريق كثرة توافر العلماء في بغداد على اختلاف مذاهبهم، وساعده كذلك ما من الله به عليه من ذكاء مفرط، وهمة عالية، وتوفيق بز به أقرانه، يقول ابن تيمية (٤) عنه: (فإنه من أذكياء العالم) (٥)، وقال ابن رجب: (وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم) (٦)، فكان في هذا حفظ له من الانشغال بالملهيات والمغريات في هذه الحياة الدنيا، يقول عن نفسه: (وعصمني الله تعالى في عنفوان شبابي بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطت لعاباً قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم) (٧).
стр. 18
ونال ابن عقيل مكانة علمية عالية عند كثير من علماء عصره على اختلاف مشاربهم، ولم يكن مقلداً ولا متعصباً لرأي، وكان يقول: (الواجب اتباع الدليل، لا اتباع أحمد) (١)، مع أنه تفقه على مذهب أحمد، قال عنه ابن رجب: (وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب) (٢).
وكان حريصاً على قضاء وقته بالعلم فظهر أثر هذا في كلامه ومعارفه؛ يقول ابن الجوزي: (وأفتى ابن عقيل، ودرس وناظر الفحول، واستفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة الكبار، وجمع علم الفروع والأصول وصنف فيها الكتب الكبار، وكان دائم التشاغل بالعلم، حتى أني رأيت بخطه: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره) (٣).
فلما كان منه هذا صار ممن يشار إليهم بالبنان، يقول السِّلَفي (٤): (ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل؛ ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته) (٥).
ويقول الذهبي (٦): (وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير) (٧).
стр. 19
سابعاً: مصنفاته:
نظراً لاطلاع ابن عقيل الواسع فإنه ترك تصانيف كثيرة في أنواع العلم، منها:
١ - [الفنون] وهو أكبر تصانيفه، قال الذهبي في تاريخه: (لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة) (١). ... قال ابن رجب: (وهو كتاب كبير جداً، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه) (٢). وقد وجد منه قطعة في مكتبة باريس وحققها وعلق عليها جورج المقدسي وطبع منه جزءان عام ١٣٨٩ هـ، وعن هذا الكتاب نُقُول كثيرة في كتب الحنابلة (٣).
٢ - [التذكرة في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل] وقد طبع بتحقيق الدكتور ناصر بن سعود السلامة، ونشرته دار أشبيليا عام ١٤٢٢ هـ.
٣ - [الواضح في أصول الفقه] حقق في رسائل علمية بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وطبع بتحقيق الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ونشرته مؤسسة الرسالة عام ١٤٢٠ هـ.
٤ - [الجدل على طريقة الفقهاء] وقد نشر الكتاب في مجلة الدراسات الشرقية للمعهد الفرنسي بدمشق سنة ١٩٦٧ م بعناية جورج المقدسي، وطبع أكثر من مرة.
٥ - [فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة] وقد طبع الكتاب بتحقيق الدكتور عبدالسلام بن سالم السحيمي، وتم نشره من دار البخاري عام ١٤١٦ هـ.
стр. 20
٦ - [جزء في الأصول - أصول الدين - مسألة القرآن] وقد طبع بتحقيق الدكتور سليمان بن عبدالله العمير ويقول عنه: (وقد ألف ابن عقيل هذا الجزء على مذهب السلف وضمنه الرد على الأشاعرة في مسألة القرآن وهذا التأليف يمثل الجانب المشرق من حياته الذي استهله بإعلان توبته ورجوعه عما كان يعتقده مما هو مخالف لمنهج السلف من مذاهب المبتدعة كالاعتزال وغيره) (١).
ثامناً: ابن عقيل والمعتزلة:
كان أصحاب ابن عقيل من الحنابلة ينهونه عن مجالسة المعتزلة (٢)، بل بلغ الأمر أن أهدروا دمه لما رأوا منه كتابة فيها تعظيم المعتزلة سنة ٤٦١ هـ، إلى أن أعلن توبته، بل كتبها بخطه سنة ٤٦٥ هـ، وشهد عليه جماعة من الشهود والعلماء، إضافة إلى أنه ألف في الرد عليهم ونقض شبههم بما آتاه الله من العلم والحجة.
стр. 21
وإليك نص كلامه، يقول ابن رجب: (فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف (١) وصالحه وكتب خطّه: يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم، وما كنت علقته، ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده، وإنني علقت مسألة الليل في جملة ذلك، وإن قوماً قالوا: هو أجساد سود. وقلت: الصحيح ما سمعته من الشيخ أبي علي، وأنه قال: هو عدم ولا يسمى جسماً، ولا شيئاً أصلاً، واعتقدت أنا ذلك، وأنا تائب إلى الله تعالى منهم. واعتقدت في الحلاج (٢) أنه من أهل الدين والزهد والكرامات، ونصرت ذلك في جزء عملته، وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة، والمبتدعة، وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم؛ فإن ذلك كله حرام، ولا يحل لمسلم فعله؛ لقول النبي ﷺ : " من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام " (٣)،
стр. 22
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ، والأتباع، سادتي وإخواني - حرسهم الله تعالى - مصيبين في الإنكار علي؛ لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أني كنت مخطئاً غير مصيب، ومتى حفظ عليّ ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، وأشهدت الله وملائكته وأولي العلم على ذلك، غير مجبر ولا مكره، وباطني وظاهري - يعلم الله تعالى - في ذلك سواء، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥]، وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة) (١)، وبهذا يتبين رجوع ابن عقيل عما كان عليه أهل الضلال، وقد ذكر هذه القصة ابن قدامة (٢) مسندة، وبعدها توقيع عدد من الشهود (٣)، ومن تاب تاب الله عليه، ولله الحمد من قبل ومن بعد.
стр. 23
تاسعاً: وفاته
توفي أبو الوفاء بن عقيل ﵀ عن ثلاث وثمانين سنة بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ٥١٣ هـ وهذا هو الصحيح (١)، وصُلي عليه في جامعي القصر والمنصور، وكان الجمع يفوت الإحصاء (٢)، غفر الله له ولجميع المسلمين (٣).
стр. 24
القسم الأول مصادر ابن عقيل ومنهجه في التفسير
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول:
مصادر ابن عقيل في التفسير.
الفصل الثاني:
منهج ابن عقيل في التفسير.
الفصل الثالث:
علوم القرآن عند ابن عقيل.
стр. 25
الفصل الأول مصادر ابن عقيل في التفسير
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مصادر القرآن وعلومه.
المبحث الثاني: مصادر الحديث.
المبحث الثالث: مصادر الفقه.
المبحث الرابع: مصادر العقيدة.
стр. 26
المبحث الأول مصادر القرآن وعلومه:
سلك ابن عقيل الطريقة السليمة في تفسير القرآن؛ فجعل المصدر الأول: تفسير القرآن بالقرآن فإذا لم يكن فبالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين ثم بالنظر في اللغة ثم بالاجتهاد والاستنباط، وسيأتي تفصيل هذا أكثر في الفصل التالي.
ومن العلماء الذين ظهر لي أن ابن عقيل استفاد منهم ومن كتبهم في القرآن وعلومه:
١ - أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، فقد استفاد منه في مواضع، ومنها معاني الحروف (١)، ونص على قوله مما يدل على أنه استفاد منه (٢).
٢ - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ولم يشر أنه استفاد منه لكن وجدت له نصوصاً موافقة لما قاله ابن جرير (٣).
٣ - أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (٤)، فقد وافقه في كثير من التفاسير (٥)، كما نص ابن عقيل على استقائه من كتابه المعاني (٦).
٤ - أبو الفتح ابن شيطا، قال ابن عقيل: (شيخي في القراءة ابن شيطا) (٧)، وقد اقتصر عليه في تعداد مشايخه في القراءة، وكأنه لم يأخذ عن غيره، وليس الأمر كذلك، إلا إن كان يريد أنه أكثر من تأثر به، ولكونه شيخ عصره في هذا العلم؛ فعده مثالاً لمشايخه في علم القراءة.
٥ - أبو إسحاق الخراز، حيث قال ابن الجوزي: (قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحاً وهو أول من لقنني كتاب الله ... ) (٨).
стр. 27
٦ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي، وقد نص على أنه من مشايخه في الفقه (١)، وقد استفاد منه أيضاً في التفسير، حيث نقل عنه فصلاً بنصه من العدة (٢)، وهو بيان حروف الصفات التي يقوم بعضها مقام بعض (٣).
المبحث الثاني مصادر الحديث:
اهتم ابن عقيل في تفسير القرآن بالسنة كما سيأتي في منهجه، واستفاد علم الحديث عن الكثير من حفاظ عصره صرح ببعضهم على سبيل المثال حيث قال: (وشيخي في الحديث: ابن التّوّزي، وأبو بكر بن بشران، والعشارى، والجوهري، وغيرهم .. ) (٤).
وممن ظهر لي أن ابن عقيل استفاد منه في التفسير بالسنة عامة من نص عليهم من مشايخه في تأصيل هذا العلم والنهل من منابعه، ومنهم كذلك:
١ - أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنفات، وقد ذكر ابن عقيل أن الخطيب كان من شيوخه (٥) والأرجح أنه في الحديث بدليل وصفه بأنه حافظ وقته (٦)، ولا يمنع أن يكون أبو الوفاء تلقى عنه غير الحديث من العلوم.
стр. 28
٢ - أبو جعفر محمد بن أحمد بن حامد البخاري، ولم يذكره ابن عقيل من مشايخه، ولكنه روى عنه في الفنون جملة من الأحاديث منها بضعة عشر حديثاً في موضع واحد (١)، ولربما يكون عدم ذكره لقلة ما روى عنه، أو لكون أخذه منه كان متأخراً؛ لأن أباجعفر لم يمَكَّن من دخول بغداد إلا بعد وفاة أبي منصور بن يوسف سنة ٤٦٠ هـ الذي منعه من الدخول لما فيه من الاعتزال (٢).
٣ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي، وهو شيخه في الفقه، وقد صرح ابن عقيل أنه شيخه في الحديث حيث قال: (أخبرنا شيخنا القاضي الإمام أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء بالإجازة وهي عندي عظة مع سماعي منه كثير ما عنده ... ثم ساق الحديث بسنده) (٣).
٤ - كما يتأكد لي أن ابن عقيل كان يرجع لكتب الأئمة الستة وقليلاً ما ينص على من خرجه منهم، فيحيل أحياناً على الصحيحين، أو على أحدهما (٤).
стр. 29
المبحث الثالث مصادر الفقه:
برع ابن عقيل في الفقه وأصوله، وتلقى ذلك عن أئمة زمانه، قال ابن الجوزي عنه: ... (وجمع علوم الأصول والفروع، وصنف فيها الكتب الكبار) (١).
وقد استقى فقهه من الكتاب (٢) والسنة (٣) وأقوال الصحابة (٤) ومذاهب الأئمة، بعد أن اطلع عليها، واختار الراجح بالدليل منها - وإن كان ممن تمذهب على مذهب الإمام أحمد وعظمه كما سيأتي في مذهبه - ولذلك يتكرر في كتابه التذكرة أسماء أئمة المذاهب (٥)، وأتباعهم (٦)، لا سيما أتباع الإمام أحمد فقد أكثر النقل عنهم (٧).
ومن العلماء الذين تأثر بهم ابن عقيل في الفقه ونهل من علمهم أكثر من غيرهم:
١ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي، وهو أهم شيخ له في الفقه؛ لأنه لازمه حتى وفاته أكثر من عشر سنين، وقد بان أثر هذا الشيخ على ابن عقيل في مؤلفاته، فكثيراً ما أراه يقول في الواضح وغيره: قال شيخنا، وحكى شيخنا أبو يعلى كذا وكذا (٨)، وأحياناً يطلق وصفه بشيخه دون ذكر اسمه (٩)، وكذا فقد أطال الوصف له حينما عدد مشايخه، حيث قال: (وفي الفقه: أبو يعلى ابن الفراء المملوء عقلاً وزهداً وورعاً، قرأت عليه سنة سبع وأربعين، ولم أخل بمجالسه وخلوته التي تتسع لحضوري، والمشي معه ماشياً وفي ركابه إلى أن توفي، وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني) (١٠).
وأحياناً ينقل بالنص أو قريباً من النص من شيخه (١١).
стр. 30
٢ - أبو محمد رزق الله بن عبدالوهاب بن عبدالعزيز التميمي البغدادي، فقد نص ابن عقيل أنه من مشايخه حيث يقول: (ومن مشايخي أبو محمد التميمي كان حسنة العالم) (١).
وقال ابن عقيل في كتاب الجدل: (فصل: الكسر (٢) من الأدلة اللازمة على قول أصحابنا وأكثر العلماء، خلافاً لبعض الشافعية، واختاره شيخنا أبو محمد التميمي، والشيخ أبو نصر الصباغ، وجماعة من الأصوليين .. ) (٣)، ولا يبعد أن ابن عقيل استفاد منه في فنون أخرى، فالتميمي مقرئ محدث فقيه واعظ (٤).
المبحث الرابع مصادر العقيدة:
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عقيل: (أنه يميل للتجهم، وآخر عمره إلى السنة المحضة) (٥).
وقال ابن حجر (٦): (إنه خالف السلف، ووافق المعتزلة في عدة بدع ... ) إلى أن قال: (نعم كان معتزلياً، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحت توبته، ثم صنف في الرد عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره، ومن بعدهم) (٧).
وقد سبقت الإشارة إلى قصة رجوعه إلى السنة (٨).
إذا تبين هذا فابن عقيل تأثر في أول حياته ببعض من انتسب للاعتزال ومن أشهر مشايخه في هذا:
стр. 31
١ - أبو الوليد، وهو أبو علي محمد بن أحمد بن عبدالله بن الوليد المعتزلي، نص عليه ابن عقيل حيث يقول: (وفي الأصول: أبو الوليد، وأبو القاسم بن التبان) (١).
والمصادر تكاد تتفق على أن المراد بأبي الوليد هنا: أبو علي ابن الوليد المعتزلي (٢)، كما قال الذهبي حين ترجم لابن عقيل: (وأخذ الكلام من أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان صاحب أبي الحسين البصري شيخ المعتزلة) (٣).
وقال ابن رجب: (كان أصحابنا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام) (٤).
٢ - ابن التبان، وهو علي بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو القاسم الوزان، نص ابن عقيل أنه من شيوخه في الأصول (٥)، ويؤيد هذا النصوص السابقة، ونقل عنه ابن عقيل في فنونه (٦).
وقد رجع ابن عقيل عن هذا الخطأ وأعلن براءته من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم (٧).
стр. 32
ونقل شيخ الاسلام عن ابن عقيل قوله في ذم الكلام وأهله: (فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك - أي الجوهر والعرض - ولا تذاكروه، فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن، وإن رأيت طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة فبئس الاعتقاد والرأي، قال: ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك وأخرج كثيراً منهم إلى الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات كلامهم) (١).
ولكن قد يبقى شيئ عالق في الذهن بسبب تأثره السابق بالاعتزال ومشايخه، ولذا يقول ابن رجب: (إن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀ (٢).
ثم رجع ابن عقيل بعد توبته إلى عدد من العلماء وأيد أقواله في الصفات بأقوالهم، حيث يقول: (ووجدنا رواة أخبار الصفات أئمة المسلمين وصدورهم والمرجوع إليهم في الفتاوى وجميع أمور الإسلام كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والحمادين (٣)، وسفيان
стр. 33
ابن عيينة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وعبدالله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والشافعي، ويحيى بن معين، وأبي عبيد بن سلام، والحميدي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهوية، وأبي داود السجستاني، والبخاري، ومسلم، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبدالله بن أحمد، وأبي زرعة الدمشقي، وأبي عبدالرحمن النسائي، وأبي عيسى الترمذي، وإبراهيم الحربي، وعثمان الدارمي، والمروذي، والأثرم، وأبي بكر بن أبي عاصم، وابن خزيمة، وعبدالله بن داود، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر الأنباري، وأبي سليمان البستي، والدارقطني، وعبدالله الطبري، وغير هؤلاء من الحفاظ الأثبات، هم والله سرج البلاد ونور العباد) (١).
وقال ابن عقيل مبيناً ضرر المتكلمين والصوفية على الدين: (ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين، فهؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال، ويهدمون قوانين الأديان، وقد خبرت طريق الفريقين: غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح، والمتكلمون عندي خير من الصوفية؛ لأن المتكلمين قد يردون الشك، والصوفية يوهمون التشبيه والإشكال، الثقة بالأشخاص ضلال، ما لله طائفة أجل من قوم حدَّثوا عنه وما أحدثوا، وعوَّلوا على ما رووا لا على ما رأوا) (٢).
стр. 34
الفصل الثاني منهج ابن عقيل في التفسير
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تفسير القرآن بالقرآن.
المبحث الثاني: تفسير القرآن بالسنة.
المبحث الثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
المبحث الرابع: تفسير القرآن باللغة العربية.
المبحث الخامس: تفسير ابن عقيل لآيات الأحكام.
стр. 35
منهج ابن عقيل في التفسير:
قبل أن أدخل في الكلام على منهج ابن عقيل رحمه الله تعالى يحسن بي أن أقول: إن كل باحث يريد التعرف على منهج عالم من العلماء في أي علم من العلوم لا بد أن يتوفر له أحد أمرين:
الأمر الأول: أن ينص العالم على منهجه فيقول: شرطي كذا أو طريقتي كذا كالقرطبي (١) وأبي حيان (٢) وغيرهما. وهذا غير وارد عندنا مع ابن عقيل؛ لعدم اكتمال تفسير له، فضلاً عن أن ينص على منهجه.
الأمر الثاني: أن يكون بين يدي الباحث مادة تكفيه؛ ليكون استقراؤه كاملاً، وحكمه دقيقاً في بيان ذلك المنهج، ومما شاءه الله وقدره أن ما وجدته في التفسير لابن عقيل قليل شحيح، إذ لا يعدو تفسيره بضع كلمات في السورة الواحدة، وليس له في كثير من السور تفسير.
وهذا بلا شك مما يشكل عقبة كبيرة أمام استخراج منهج دقيق في تفسيره، ولكن حسبي بذل جهدي وطاقتي، وأسأل الله أن لا يكلني إلى أحد سواه.
ولذا فإني سأذكر نبذاً مختصرة في هذا المنهج، وبما يفتح الله عليّ، ثم أعقب بذكر الأمثلة التي وقفت عليها من كلام ابن عقيل.
стр. 36
المبحث الأول تفسير القرآن بالقرآن:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تخصيص العموم.
المطلب الثاني: تقييد المطلق.
المطلب الثالث بيان المجمل
المطلب الرابع: جمع النظائر.
стр. 37
المطلب الأول تخصيص العموم:
العام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، والتخصيص: هو إخراج بعض ما تناوله العموم (١).
وتفسير القرآن بالقرآن بجميع أنواعه يُعد من أقوى طرق التفسير وهو المصدر الأول من مصادره إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله، وقد أجمع العلماء على حسن هذه الطريق، وعلى أن تفسير القرآن بالقرآن أشرف أنواع التفسير (٢).
وتبدو هذه الطريقة بارزة فيما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن كثير (٤).
قال ابن القيم (٥): (وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير) (٦).
وهي الطريقة التي بنى عليها الشنقيطي (٧) كتابه (أضواء البيان) (٨).
стр. 38
ولكنه لا يُقطع بصحة التفسير به إلا إذا كان عليه الإجماع، أو صحت به السنة، أو صح عن أحد الصحابة ولا مخالف له.
أما ما عداه فلا يجزم بصحته؛ لأنه اجتهاد من قائله يخطئ فيه ويصيب (١).
فمن سلك هذه الطريقة في تفسيره، قلنا: الطريقة التي فسر بها قوية وصحيحة، ولكن يبقى: هل تنزيله هذه الآية على تلك الآية صحيح أم لا؟، فالمسألة تحتاج إلى تأمل!.
وقد اهتم ابن عقيل بتفسير القرآن بالقرآن في نواحٍ عدة، ومنها: تخصيص العموم.
والذي عليه أكثر العلماء: أن ألفاظ القرآن على عمومها حتى يأتي ما يخصصها (٢).
قال الطبري (٣): (وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها) (٤).
وقد رجح ابن عقيل أن للعموم صيغة تدل عليه، وأن بعضاً مما جاء في القرآن عاماً فقد خصص في موضع آخر (٥).
ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل على هذه الطريقة ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥].
стр. 39
قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥] تمسكاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧] وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] فأجابه الباري سبحانه عن ذلك جواب تخصيص لا جواب نكير عليه ما تعلق به العموم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فدل على أن اللفظة عموم، ولولا دليل أخرج ابنه من أهله؛ لكان داخلاً تحت اللفظ اهـ) (١).
- قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة:٢٢٨].
قال ابن عقيل: (﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والمراد به كل الحرائر من المطلقات بوائن أو رجعيات، وقال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يرجع إلى الرجعيات، فالأول على عمومه، والآخر خاص في الرجعيات اهـ) (٢).
- قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء:٩٨].
стр. 40
قال ابن عقيل: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى: لأخصمن محمداً، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي ﷺ تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكراً لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (١).
- قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].
قال ابن عقيل: (فهذه الآية عامة في كل زان وزانية، قضينا عليها بالآية الخاصة في الإماء وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥] اهـ) (٢).