← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الأول تفسير القرآن بالقرآن: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تخصيص العموم. المطلب الثاني: تقييد المطلق. المطلب الثالث بيان المجمل المطلب الرابع: جمع النظائر.

стр. 37

المطلب الأول تخصيص العموم: العام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، والتخصيص: هو إخراج بعض ما تناوله العموم (١). وتفسير القرآن بالقرآن بجميع أنواعه يُعد من أقوى طرق التفسير وهو المصدر الأول من مصادره إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله، وقد أجمع العلماء على حسن هذه الطريق، وعلى أن تفسير القرآن بالقرآن أشرف أنواع التفسير (٢). وتبدو هذه الطريقة بارزة فيما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن كثير (٤). قال ابن القيم (٥): (وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير) (٦). وهي الطريقة التي بنى عليها الشنقيطي (٧) كتابه (أضواء البيان) (٨).

стр. 38

ولكنه لا يُقطع بصحة التفسير به إلا إذا كان عليه الإجماع، أو صحت به السنة، أو صح عن أحد الصحابة ولا مخالف له. أما ما عداه فلا يجزم بصحته؛ لأنه اجتهاد من قائله يخطئ فيه ويصيب (١). فمن سلك هذه الطريقة في تفسيره، قلنا: الطريقة التي فسر بها قوية وصحيحة، ولكن يبقى: هل تنزيله هذه الآية على تلك الآية صحيح أم لا؟، فالمسألة تحتاج إلى تأمل!. وقد اهتم ابن عقيل بتفسير القرآن بالقرآن في نواحٍ عدة، ومنها: تخصيص العموم. والذي عليه أكثر العلماء: أن ألفاظ القرآن على عمومها حتى يأتي ما يخصصها (٢). قال الطبري (٣): (وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها) (٤). وقد رجح ابن عقيل أن للعموم صيغة تدل عليه، وأن بعضاً مما جاء في القرآن عاماً فقد خصص في موضع آخر (٥). ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل على هذه الطريقة ما يلي: - قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥].

стр. 39

قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥] تمسكاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧] وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] فأجابه الباري سبحانه عن ذلك جواب تخصيص لا جواب نكير عليه ما تعلق به العموم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فدل على أن اللفظة عموم، ولولا دليل أخرج ابنه من أهله؛ لكان داخلاً تحت اللفظ اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة:٢٢٨]. قال ابن عقيل: (﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والمراد به كل الحرائر من المطلقات بوائن أو رجعيات، وقال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يرجع إلى الرجعيات، فالأول على عمومه، والآخر خاص في الرجعيات اهـ) (٢). - قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء:٩٨].

стр. 40

قال ابن عقيل: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى: لأخصمن محمداً، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي ﷺ تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكراً لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢]. قال ابن عقيل: (فهذه الآية عامة في كل زان وزانية، قضينا عليها بالآية الخاصة في الإماء وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥] اهـ) (٢).

стр. 41

المطلب الثاني تقييد المطلق: المطلق: هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وتقييده: بأن يلحق به وصف زائد عن الحقيقة الشاملة (١). ولم يقل اهتمام العلماء بهذا النوع من تفسير القرآن بالقرآن عما قبله، وبينهما تقارب فقد اعتاد أهل الأصول على ذكر المطلق والمقيد عقب العام والخاص لما بينهما من التشابه (٢)، وقد توسع المتقدمون في استعمال العام على المطلق، والخاص على المقيد والعكس (٣)، ومن ذلك المثال القادم من كلام ابن عقيل. والأصل بقاء المطلق على إطلاقه، إلا إذا دل الدليل على تقييده. قال ابن جزي (٤) في وجوه الترجيح: (العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدل دليل على التقييد) (٥)، فإذا قام الدليل على التقييد وجب حمل المطلق على المقيد. قال ابن العربي (٦) في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية [المائدة:٣]: (اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى ههنا مطلقاً، وعينه في سورة الأنعام (٧) مقيداً بالمسفوح، وحمل العلماء ههنا المطلق على المقيد إجماعاً) (٨). ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:

стр. 42

- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]. قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، بعد قوله: ... ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، تقييد بالإيمان، وهو تخصيص في الحقيقة اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]. قال ابن عقيل: (﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] كان تقييده بالعمد مقيّدا للحكم بالتقييد، ونافياً له عما عدم فيه التقييد، وهو صفة العمد اهـ) (٢). المطلب الثالث بيان المجمل: المجمل: هو ما لا يكفي وحده في العمل، والبيان: هو تحويل المشكل واضحاً (٣). وبين المجمل والعام تقارب في المعنى فالمجمل أحياناً يكون عاماً، فلا يُضيَّق في استخدام العبارات عند المتقدمين (٤). وقد برز اهتمام ابن عقيل في ربطه آيات القرآن بعضها ببعض في بيانه للآيات المجملة بآيات أخرى تزيل الإشكال وتبين المراد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصح طرق التفسير: أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر) (٥). ومن الأمثلة التي ذكرها ابن عقيل:

стр. 43

- قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء:٦٥]. قال ابن عقيل: (فَصْلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، ذهب كثير من الوعاظ والقصاص إلى أنها خاصة في صلحاء عباده والأنبياء، وليس على ما وقع لهم؛ لأن ظاهر القرآن يشهد بأنه لا سلطان له على الكفار، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فأقر في آخر الأمر بنفي السلطان تصديقاً لقوله سبحانه في أول الأمر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، ولأن السلطان الذي نفاه يعم؛ إذ ليس كل مستجيب له يكون له عليه سلطان؛ لأن الشيطان يسوّل ويغيّر، و [يحلف] (١) فيكذب، ومن كان أمره كذا لم يكُ سلطاناً، إنما السلطان من أَمَرَ وكَشَف أمْرَه وحرّمه فأُطِيع، دون أن يدلّس ويلبّس، فإن من سوّل كان متلصّصاً وخادعاً وغارّاً، لا سلطاناً اهـ) (٢). - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]. قال ابن عقيل: (والذي أزال إشكال قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]، ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، قولُه: ﴿إِ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران:٥٩] اهـ) (٣).

стр. 44

المطلب الرابع جمع النظائر: اهتم ابن عقيل بجمع النظائر، وفيه دلالة على ملكة عنده في الحفظ واستحضار الآيات في الموضوع الواحد، وهذا مما يتميز به العلماء، وقد سلك هذا المنهج كثير من العلماء كالطبري (١)، والبغوي (٢)، وابن كثير (٣)، وغيرهم. وجمع النظائر يوضح الأدلة في الموضوع الواحد مما يجعل المعنى واضحاً والتفسير أدق. ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي: - قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء:٧٧]. قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]، ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [النساء:١٢٤]: (فذكر القليل تنبيهاً على الكثير، نافياً للظلم عن نفسه سبحانه اهـ) (٤). - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام:٧٦].

стр. 45

قال ابن عقيل: (﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، أزال الاشتباه من قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ [الأنعام:١٥٨]، ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، وأنه ليس بالانتقال المشاكل لأفول النجوم اهـ) (١). ومما يلاحظ في استدلال ابن عقيل بالقرآن ما يلي: ١ - الاهتمام بتفسير القرآن بالقرآن عموماً، ويظهر ذلك في الأنواع التي مر ذكرها. ٢ - جمع النظائر، وعد عدد من الآي التي تحمل معنى واحداً في موضع واحد. ٣ - الاستشهاد بالقرآن في مواضع كثيرة على المعاني التي يذكرها في التفسير. ٤ - محاولة الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض، وبيان أن بعض الآيات موضح للبعض الآخر.

стр. 46

المبحث الثاني تفسير القرآن بالسنة ، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تخصيص العموم. المطلب الثاني: بيان المجمل. المطلب الثالث الترجيح بالسنة:

стр. 47

المطلب الأول تخصيص العموم: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، بين الله تعالى في هذه الآية أن مهمة الرسول ﷺ بيان القرآن؛ والنبي ﷺ معصوم في أمور التبليغ، ومؤيد بالوحي، وعلى هذا فيلزمنا الرجوع إلى تفسيره؛ لأنه لا يمكن الاستغناء عن البيان النبوي؛ فلا أحد من خلق الله أعلم بمراد الله من رسوله ﷺ . قال شيخ الإسلام: (فإن لم تجده - أي التفسير بالقرآن - فبالسنة، فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له) (١). وقد نهج ابن عقيل في تفسيره القرآن بالسنة أنواعاً منها: تخصيص عموم القرآن بالسنة.

стр. 48

قال الآلوسي (١): (ومذهب الأئمة الأربعة: جواز تخصيص عموم القرآن بالسنة مطلقاً) (٢). ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي: - قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. قال ابن عقيل: (خص بما روي عن النبي ﷺ : " لا قطع في ثمر ولا كثر " (٣)) (٤). - قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]. استدل بها ابن عقيل على جواز تخصيص الكتاب بالسنة بتخصيص الصحابة لها: بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " (٥) (٦). المطلب الثاني بيان المجمل: السنة هي المصدر الثاني لتفسير القرآن، وفي القرآن ما هو مجمل كما سبق فقد جاءت السنة مبينة وموضحة لما يحتاج إلى بيان وإيضاح (٧)، وعند التأمل نجد ابن عقيل جعل السنة بياناً للقرآن في مواضع منها: - قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥].

стр. 49

قال ابن عقيل بعدها: (ثم بين السبيل، فقال ﷺ : " قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (١) اهـ) (٢). - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]. قال ابن عقيل: (فبين النبي ﷺ أن المراد به العشر من السَّيْح، أو نصف العشر من سَقْي الكُلَف، أو ربع العشر من الأثمان (٣) اهـ) (٤). - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]. قال ابن عقيل: (بينت السنة المستثنى بقوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " (٥) اهـ) (٦). المطلب الثالث الترجيح بالسنة: السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وأقوال النبي ﷺ فاصلة ومرجحة بين الأقوال، ومما يدل على اهتمام ابن عقيل بالسنة أنه يرجح أقواله بالأدلة من السنة النبوية، ومما يشهد لهذا الأمثلة التالية: - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢]. قال ابن عقيل في النكاح: (هو حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، مثل قوله: " ملعون ناكح البهيمة "، " ناكح يده ملعون " (٧) ولا عقد وقولهم: أنْكَحْنا الفَرَا فسَنَرى. ثم استعمل في العقد، فيحرم عليه أن يتزوج من تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء اهـ) (٨).

стр. 50

- قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]. قال ابن عقيل مرجحاً أن للخطاب نفسه معنى هو حجة شرعية بدليل فهم النبي ﷺ هذا من القرآن حيث قال بعد نزول الآية: ( ... : " والله لأزيدن على السبعين " (١)، فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافها) (٢). - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]. قال ابن عقيل: (فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن: " لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة " (٣)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن) (٤). ومما يلاحظ في استدلال ابن عقيل بالسنة ما يلي: ١ - اهتمامه بأدلة السنة في التفسير وغيره من العلوم. ٢ - ذكر عدد من الأحاديث في الموضوع الواحد (٥). ٣ - أنه لا يعزو الحديث لمن أخرجه في الغالب (٦). ٤ - يذكر في أحيان قليلة صحابي الحديث (٧). ٥ - ذكره للأحاديث بالمعنى كثير، وأحياناً بالإشارة إلى ما اشتهر به الحديث فقط (٨).

стр. 51

٦ - أنه يستشهد بالأحاديث الضعيفة دون بيان ضعفها (١)، ولذلك قال ابن رجب عن ابن عقيل: (وكان يخونه قلة بضاعته في الحديث، فلو كان متضلعاً من الحديث والآثار، ومتوسعاً في علومها لكملت له أدوات الاجتهاد ... ولكن الكمال لله) (٢)، وقال ضمن ترجمته لابن الجوزي: (وكان ابن عقيل بارعاً في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون) (٣).

стр. 52

المبحث الثالث تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: وفيه مطلبان: المطلب الأول: تخصيص العموم. المطلب الثاني: دفع موهم التناقض.

стр. 53

المطلب الأول تخصيص العموم: الصحابة ﵃ هم أهل اللسان، وقد شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله، وأحوال من نزل فيهم القرآن، وقد زكاهم الله تعالى ورسوله مما يدل على سلامة مقصدهم، وصحة فهمهم، وأنهم المرجع بعد الله ورسوله، ولهذا فالصحابة المصدر الثالث من مصادر التفسير بعد تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة. قال شيخ الإسلام: (فإن لم تجده - يعني التفسير في القرآن ولا في السنة - فارجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح لا سيما كبراؤهم، كالخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين كابن مسعود وابن عباس، وإذا لم تجده - يعني فيما تقدم - فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين (١)، كمجاهد وسعيد بن جبير ... ) (٢).

стр. 54

وقال ابن القيم في قبول تفسير الصحابة: (لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم) (١). ومن أنواع تفسير الصحابة للقرآن تخصيص عمومه، وهذا مبني على ما قبله من مصادر الصحابة في التفسير، فهم يرجعون للقرآن ثم للسنة ثم للغة العربية مع ما لديهم من ملكة الاجتهاد وقوة الاستنباط (٢). ومن الأمثلة التي استدل بها ابن عقيل على تخصيص الصحابة لعموم القرآن: - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. قال ابن عقيل: (احتجت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بعموم آية المواريث على أبي بكر الصديق لما منعها ميراث أبيها، فلم ينكر عليها احتجاجها بالآية، بل عدل إلى ما رواه عن النبي ﷺ من دليل التخصيص، وهو قوله: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " (٣)) (٤). - قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]. استدل بها ابن عقيل على جواز تخصيص الكتاب بالسنة بتخصيص الصحابة لها: بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " (٥) (٦).

стр. 55

المطلب الثاني دفع موهم التناقض: لما كان الصحابة أقرب الناس إلى فهم التنزيل، فهم مرجع للعلماء في دفع ما يوهم التناقض بين الآيات. ومن الأمثلة التي ذكرها ابن عقيل في هذا المعنى ما يلي: - قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢]. قال ابن عقيل: (قال ابن عباس: يُسألون في موضع، ولا يُسألون في موضع، يعني بذلك اختلاف المقامات، فإن القيامة ذات مقامات مختلفة) (١). - قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]. قال ابن عقيل: (لما اختلف علي وعثمان في الجمع بين الأختين - يعني المملوكتين -، فقال عثمان: يجوز، واحتج بعموم قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦]، وقال: علي: لا يجوز، واحتج بعموم قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]) (٢). ومما يلاحظ في نقل ابن عقيل لأقوال الصحابة والتابعين ما يلي: ١ - الاهتمام بالاستدلال بأقوال الصحابة والتابعين، وبيان شيء مما اختلفوا فيه (٣). ٢ - نقل بعض المعاني اللغوية في الآيات عن الصحابة (٤). ٣ - الإشارة إلى تفاسير الصحابة للمسائل الفقهية في القرآن (٥). ٤ - الإشارة بقلة إلى تفاسير بعض التابعين (٦).

стр. 56

المبحث الرابع تفسير القرآن باللغة: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: اهتمامه بمعاني المفردات، ومعاني الحروف، ومرجع الضمائر. المطلب الثاني: عنايته بالشعر، وأقوال العرب. المطلب الثالث: اهتمامه بالأوجه البلاغية ولطائف التفسير.

стр. 57

المطلب الأول اهتمامه بمعاني المفردات والحروف، ومرجع الضمائر: القرآن الكريم نزل بأفصح لغة، وهي اللغة العربية، ومن هنا كان من وسائل التفسير عند العلماء الأخذ بما دلت عليه لغة العرب؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين. قال شيخ الإسلام: (ويُرجَع - يعني: في تفسير القرآن - إلى لغة القرآن، أو السنة، أو لغة العرب، ومن تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ويحرم بمجرد الرأي، وقال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله) (١). ويلاحظ ملاحظة بيِّنة اهتمام ابن عقيل بمعاني المفردات ومعاني الحروف ومرجع الضمائر، ولا شك أن هذا من الأهمية بمكان، وقد أفرد له العلماء مؤلفات مستقلة وهي المسماة: بـ كلمات القرآن، أو غريب القرآن ونحوها، وهناك من أفرد لمعاني الحروف أيضاً مؤلفاً (٢)، وبعضهم أفرد لها باباً مستقلاً ضمن مصنفاتهم، كأهل اللغة (٣)، وأهل الأصول (٤)، وبعض من ألف في القرآن وعلومه (٥)، ولم يغفلها أغلب المفسرين. وكذلك مرجع الضمير فله أثر كبير في إيضاح المعنى وتيسير الفهم والتدبر، وقد نال حظاً وافراً من بحوث العلماء، وبيان القواعد في استعمالاته والترجيح بين احتمالاته (٦).

стр. 58

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمعتني بغريبه - يعني: تفسير القرآن - لا بد له من معرفة الحروف ... ) إلى أن قال: (ومنه: معرفة ما وضع له الضمير، وما يعود عليه) (١). وقد أكثر ابن عقيل من هذا - كما سيأتي - مما يدل على تضلعه في اللغة ومعرفته لما دق من المعاني. ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي: - قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾ [يونس:٨٧]. قال ابن عقيل: (قبلة: جهة للطاعات ومستقبلاً لله سبحانه في العبادات) (٢). - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]. قال ابن عقيل: (أي: لا نفهم) (٣). - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩]. قال ابن عقيل: (الجور: هو الميل عن الحق، وتقول العرب: جار السهم، إذا مال) (٤). - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]. قال ابن عقيل: (يعني: خرج؛ فهذا حد الفسق أصلاً في اللغة اهـ) (٥). - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]. قال ابن عقيل: (زيادة في عملك، وهي في الشرع: ما في فعله ثواب، ولا يلام تاركه، وقيل: ما رُغِّب فيه مما لا يقبح تركه اهـ) (٦).

стр. 59

- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢]. قال ابن عقيل: (أي: مع أموالكم اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]. قال ابن عقيل: (﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ بمعنى: والله شهيد على فعلهم حال فعلهم لا مرتباً على فعلهم، ويحتمل أن تكون على أصلها للتراخي بكون شهود الباري متراخياً عن وفاته ﷺ ؛ فإنه قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦] اهـ) (٢). - قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]. قال ابن عقيل: (من أمر الله، مكان بأمر الله) (٣). - قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]. قال ابن عقيل: (أي: أنزل من علم الله اهـ) (٤). - قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة:٥]. قال ابن عقيل: (يعني: إليها اهـ) (٥). - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ [الكهف:٨٠]. قال ابن عقيل: (﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف:٨٠] يرجع إلى الخضر، وأنه لما اطلع على ما يكون منه، خشي أن يبلغ فيكفر، ويكفِّر أبويه) (٦).

стр. 60

- قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]. قال ابن عقيل: (إنما أراد به: حكم الأنبياء كلهم، ويحتمل: أنه أراد داود وسليمان والمحكوم له اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٤ - ٥]. قال ابن عقيل: (الاستثناء يعود إلى جميعها، فكأنه يقول بمقتضى الظاهر: فلا تجلدوهم، واقبلوا شهادتهم، ولا تفسقوهم إلا أن الحد استوفي بدليل انفرد به) (٢). - قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء:١٥]. قال ابن عقيل: (المراد بها: موسى وهارون وفرعون، مستمعون ما تقولا ويقال لكما) (٣). - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف:٥٥]. قال ابن عقيل: (قوله: ﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] يرجع إلى موسى بدليل قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠] اهـ) (٤).

стр. 61

المطلب الثاني عنايته بالشعر وأقوال العرب: ظهرت عناية ابن عقيل باللغة العربية من جوانب منها: الاستشهاد بالشعر العربي، ونقل أقوال العرب من أمثال ونحوها. قال الزركشي (١): (الثالث: - يعني لطالب التفسير - الأخذ بمطلق اللغة؛ فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه: وقد سئل عن القرآن تمثل له رجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني، فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة: روايتان عن احمد، وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالباً إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها) (٢). ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي: - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]. قال ابن عقيل: (رجل عدل ورضاً، بمعنى: عادل ومرضي، كما أنشدونا: تَرْعَى إذا غَفَلت حتَّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإدْبارُ (٣)

стр. 62

يعنون: فإنما هي مقبلة مدبرة، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] والمراد به: البار، أو البر بر من آمن بالله اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]. قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]، والمراد: والله شهيد، إذ شهادة الله لا يتقدمها شيء، فتترتب عليه، وقال الشاعر: كَهَزِّ الرُّدَينِيِّ تَحتَ العَجاجِ ... جَرى في الأنَابيبِ ثم اضطَرب (٢) ومعلوم أن الاضطراب لا يتأخر عن الاهتزاز، ولا يترتب عليه، وإنما أراد به: واضطرب) (٣). - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢].

стр. 63

قال ابن عقيل: (﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، هو حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، مثل قوله: " ملعون ناكح البهيمة "، " ناكح يده ملعون " (١) ولا عقد وقولهم: أنْكَحْنا الفَرَا فسَنَرى. ثم استعمل في العقد، فيحرم عليه أن يتزوج من تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء اهـ) (٢). - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:٩]. قال ابن عقيل: (الجور هو الميل عن الحق، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾، وتقول العرب: جار السهم، إذا مال اهـ) (٣). - قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣]. قال ابن عقيل: (والظلم هو الانتقاص قال سبحانه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وتقول العرب: من أشبه أباه فما ظلم، أي: ما انتقص من حق الشبه، ومن قال: إنه وضع الشيء في غير موضعه، فما خرج بهذا عن الانتقاص اهـ) (٤). المطلب الثالث اهتمامه بالأوجه البلاغية ولطائف التفسير: من أوجه إعجاز القرآن بلاغته التي وصلت إلى مرتبة لم يعهد لها مثيل (٥). ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي: - قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة:٦٢].

стр. 64

قال ابن عقيل: (﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما وطلب رسول الله ﷺ ما ذكره الله في كتابه، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو اهـ) (١). - قوله سبحانه: ﴿دَخَلَ وَنَحْنُ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف:٣٦]. قال ابن عقيل: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يريد به ما يصير خمراً، وإنما يعصر عصيراً) (٢). - قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]. قال ابن عقيل: (حقيقة في اللمس، إلا أنه يطلق على الجماع مجازاً؛ فيحمل عليهما جميعاً، ويوجب الوضوء منهما جميعاً، فنقول: كل معنيين جاز إرادتهما بلفظ يصلح لهما فهما كالمعنيين المتفقين اهـ) (٣). - قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف:٨٢]. قال ابن عقيل: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ معناه: سل أهل، فحذف أهلها المراد سؤالهم، وأقام القرية اهـ) (٤). - قوله تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧].

стр. 65

قال ابن عقيل: (فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن: " لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة " (١)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن) (٢). - قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]. قال ابن عقيل: (وتخصيص سليمان بالفهم دلالة على أحد أمرين: إما بالسلب للفهم في حق داود، أو إصابة الحق بفهمه دون داود، وإلا سقطت فائدة التخصيص بالتفهيم) (٣). - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]. قال ابن عقيل: (فظاهر هذه الآية مقابلة ما ذكره من العقاب في مقابلة ما عدَّدَه من الذنوب والجرائم، لا سيما مع قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ﴾، فذكر المضاعفة إنما وقع لمكان مضاعفة جرائمهم جريمة بعد جريمة؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعود إلى الجمل المتقدمة كلها، وما ذكر المضاعفة إلا مقابلة اهـ) (٤). - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٥].

стр. 66

قال ابن عقيل: (لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله) (١). ومما يلاحظ في تفسير ابن عقيل باللغة ما يلي: ١ - تضلعه في اللغة العربية في عامة أبوابها، ويتبين هذا من خلال اهتمامه بمعاني الكلمات، ومعاني الحروف، ومرجع الضمائر، ونحوها. ٢ - احتجاجه بلغة العرب في الترجيح، فيقول مثلاً: (وعلى هذا لغة العرب، لا نعرف سوى ذلك) (٢). ٣ - ذكر الأوجه البلاغية في الآيات، والترجيح بقوله مثلاً: (واستعمال كذا أبلغ من كذا) (٣). ٤ - الإشارة إلى بعض لطائف التفسير، والوعظ من خلال التفسير (٤). ٥ - النقل عن أئمة اللغة، أو الإشارة إلى أقوالهم (٥). ٦ - لفت النظر إلى فهم خاطئ لبعض الآيات، وبيان المعنى الصحيح لها (٦). ٧ - دقة عباراته مع اختصارها وقوة الأسلوب.

стр. 67

المبحث الخامس تفسيره لآيات الأحكام وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مذهبه الفقهي. المطلب الثاني: نقله للإجماع. المطلب الثالث: اهتمامه بالقياس. المطلب الرابع: منهجه في الاستنباط.

стр. 68

المطلب الأول مذهبه الفقهي: تفقه ابن عقيل على مذهب الإمام أحمد، وهذا هو ما اتفقت عليه كتب التراجم، حيث نُسب إلى الحنابلة (١). يقول ابن عقيل: (وشيخي في الفقه: القاضي أبو يعلى) (٢)، وهو شيخ الحنابلة في وقته، وأول من أخذ عنه ابن عقيل الفقه (٣).

стр. 69

قال ابن رجب: (وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه، والرد على مخالفيهم) (١). وقال ابن عقيل لما اتُّهِم الحنابلة بالتجسيم: (ينبغي لهؤلاء الجماعة أن يسألوا عن صاحبنا؟ فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله ﷺ وأفعاله، إلا ما كان للرأي فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذي أجمعوا على تعديله، على أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة، فإن وافقوا على أننا على مذهبه فقد أجمعوا على سلامتنا معه؛ لأن متبع السليم سليم) (٢). بل إن ابن عقيل من كبار أئمة الحنابلة وأقواله وترجيحاته معتبرة في المذهب الحنبلي. ومع قوة حب ابن عقيل لمذهبه، وتعظيمه لإمامه وأصحابه، إلا أنه يتكلم كثيراً بلسان الاجتهاد والترجيح واتباع الدليل الذي يظهر له، ويقول: (الواجب اتباع الدليل لا اتباع أحمد) (٣). ويقول ابن رجب: (وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب) (٤). وقال ابن عقيل: (إنما المذهب ما نصره دليله) (٥). المطلب الثاني نقله للإجماع: الإجماع: هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين (٦). ولا ريب أن نقل الإجماع لا يكون إلا ممن تضلع في العلم واستقرأ وتتبع أقوال العلماء، وقد كان لابن عقيل نصيب من هذا النقل، ومن الأمثلة على هذا ما يلي: - قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف:١٢].

стр. 70

قال ابن عقيل: (فأثبت أمره له بالسجود، ولم يقع منه السجود، وقد أجمع المسلمون على أنه عالم بامتناعه قبل وقوع الامتناع منه اهـ) (١). - قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩]. قال ابن عقيل: (يعني: حتى يبذلوها، وينزلوا على حكمنا فيها؛ للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام اهـ) (٢). - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠]. قال ابن عقيل: (وذلك لا يعطي عندي مذهباً في مسألتنا (٣)؛ لأن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن هذه الآيات للإباحة والإطلاقِ بحسب دلالة الإجماع اهـ) (٤). - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. قال ابن عقيل: (اقتضى ذلك أن البوائن الحوامل لا نفقة عليهن، وعلى هذا لغة العرب لا نعرف سوى ذلك اهـ) (٥). - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].

стр. 71

قال ابن عقيل: (والسبيل ههنا هو الطريق، ولا طريق يحصل الوعيد على سلوك غيره إلا ما يوجبه اجتهادهم؛ إذ كان ما أوجبه نص القرآن، أو تواتر السنة، فذاك سبيل الله ورسوله، أخص به من الإضافة إليهم، والمؤمنون ها هنا هم العلماء، إذ قد أجمعنا على أن العوام والجهال لا سبيل لهم يتبع، فلم يبق إلا العلماء، وقد تواعد على اتباع غير سبيلهم، فثبت أن سبيلهم حق متبع ودليل مرشد، والمخالف له مستحق للعقاب بالوعيد المنصوص في الآية، إذ ليس بين سبيلهم وبين سبيل غيرهم قسم ثالث، فتعين اتباع سبيلهم حيث حصل الوعيد على اتباع غير سبيلهم اهـ) (١). المطلب الثالث اهتمامه بالقياس: القياس: هو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (٢). ولا يمكن القياس إلا لمن وصل مرتبة الاجتهاد بحيث يحيط بطرق الأحكام التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها. ومن الأمثلة التي استعمل فيها ابن عقيل القياس ما يلي: - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. قال ابن عقيل: (فأما القياس الواضح فمثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فذِكْر الإحصان ينبه بأعلى حالتيهما على أدناهما، وذكر نصف العذاب يوضح أن العلة فيه الرق، فيلحق بها العبد في نقصان الحد اهـ) (٣). - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. قال ابن عقيل: (والمحصنات ههنا الحرائر، ثم قاس العلماء عليهن حد العبيد اهـ) (٤).

стр. 72

المطلب الرابع منهجه في الاستنباط: وصل ابن عقيل مرتبة عليَّة، حتى عده العلماء من أهل الرأي والاجتهاد والاستنباط قال عنه ابن رجب: (وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم، وكان خبيراً بالكلام، مطلعاً على مذاهب المتكلمين، وله بعد ذلك في ذم الكلام وأهله شيء كثير) (١). ويقول الذهبي: (وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير) (٢). وبين ابن عقيل عدم جواز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الخالي من العلم والنقل؛ للنهي عن ذلك بالأدلة الصريحة، منها: ما روي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " (٣). وأما التفسير بالرأي ممن توفر فيه العلم بالأدلة وكيفية استنباط الأحكام منها لغة وشرعاً فلا حرج عليه. قال ابن عقيل: (فأما نقل التفسير عن الرواية فقربة وطاعة، وقد فسر أحمد وأول كثيراً من الآي، على مقتضى اللغة) (٤). وقال ابن تيمية بعد ذكر جملة من الآثار التي تدل على تحرج السلف من التفسير: ... (وهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد) (٥). وأما ما توصلت إليه من منهج ابن عقيل في الاستنباط عموماً فأقول فيه ما يلي:

стр. 73

١ - أنه فتح لنفسه العنان في طلب العلم دون تمحيص لنوع العلم والمعلم. قال ابن كثير: (وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، فربما لامه بعض أصحابه فلا يلوي عليهم فلهذا برز على أقرانه، وبزَّ أهل زمانه في فنون كثيرة) (١). وقال ابن رجب: (كان أصحابنا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀ (٢). ٢ - أنه لما توسعت معارفه واطلاعاته مع ما وهبه الله من الذكاء كثرت آراؤه فأعمل عقله، ولذلك قد يعتقد فيبني على اعتقاده الأدلة، ومن ذلك قوله: (قال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فالأحق أن يكون الشفاء حقيقة مضافاً إلى الخالق سبحانه، والعسل عنده الشفاء، والماء يوجد عند نزوله الإنبات، والمنبت حقيقة هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقول: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ [فاطر:٩]، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ [النحل:١١]، وقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠] يعني: أنبتنا لكم عنده، وقد أضاف الله سبحانه الإضلال إلى الأصنام والسامري، والضلال فيهم لا بهم) (٣).

стр. 74

٣ - أنه اجتهد في كثير من المسائل وانفرد بأقوال كثيرة عن مذهبه، وبيَّن أنه يتبع الدليل دون الأشخاص، قال عنه ابن رجب: (وكان ﵀ بارعاً في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة، وكانت له يد طولى في الوعظ والمعارف، وكلامه في ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة وإشارات دقيقة) (١). ٤ - اهتم ابن عقيل بالاستدلال على استنباطاته بالإجماع، أو بالقرآن، أو بالسنة، أو بأقوال الصحابة، أو بأقوال أهل اللغة، أو بالقياس، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك (٢). ٥ - أنه يتلذذ حينما يجتهد في المسائل، ويستنبط الصواب فيها، حيث يقول عن نفسه: (عندي أن من أكبر فضائل المجتهد أن يتردد في الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه، وإذا وقف على أحد المترددين دله على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو له حجة، وكل قلب لا يقرعه التردد، فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له، ويسمع من غيره) (٣). ٦ - أنه يُقدِّر من يهتم بالاستنباط على غيره، ويوصي بعدم التقليد والجمود في مسائل العلم المتنوعة. ٧ - السرعة في الاستنباط، واستحضار الأدلة في المسائل التي يسأل عنها، مما جعله يشتهر أيضاً بالمناظرات مع كبار العلماء. قال ابن الجوزي: (وأفتى ابن عقيل، ودرَّس، وناظر الفحول) (٤). ٨ - ذكر ابن عقيل من وجوه ترجيح إحدى القراءات على الأخرى: كثرة من عليها من القراء، أو شهادة الأصول لها، أو كونها في اللغة أظهر، أو كونها موجِبة والأخرى مسقطة، أو كون إحدى القراءتين أعم بحيث تدخل القراءة الأخرى في معناها (٥).

стр. 75

٩ - أنه يستنبط من الآيات أبعد من المعاني الظاهرة التي تتبادر لمن قرأ الآية، حيث يقول عند قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]: (قبلة: جهة للطاعات ومستقبلاً لله سبحانه في العبادات، ومن كان مأموراً أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا، وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقاً، وجعلوا بيوتهم قبوراً) (١). وقال في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣]: (وقد نفى سبحانه التفاوت عن أفعاله، فكان ذلك تنبيهاً على نفي النقائص عن صفاته اهـ) (٢). ١٠ - يستنبط أحياناً ضوابط يدخل تحتها كثيراً من المسائل حيث يقول: (إذا كنى الله سبحانه عن العبادة ببعض ما فيها من أركانها وتوابعها دل على وجوبه فيها، وكون ذلك الشيء من لوازمها وفروضها، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] قال ابن عقيل: (لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها) (٣).
следующие страницы →