← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5963

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

السخاوي

Полный текст (1 419 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مِنَ الْمُرْسَلِ الْخَفِيِّ، هَذَا مَعَ تَخْرِيجِ أَبِي دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ لِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ، بَلْ وَخَرَّجَ غَيْرُهُ أَحَادِيثَ كَذَلِكَ. وَ (كَذَا زِيَادَةُ اسْمِ رَاوٍ) يَتَوَسَّطُ (فِي السَّنَدْ) بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ يُظَنُّ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا مَظْهَرَةً لِلْإِرْسَالِ الْخَفِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا (إِنْ كَانَ حَذْفُهُ) ; أَيْ: ذَاكَ الِاسْمِ الزَّائِدِ وَقَعَ (بِـ) صِيغَةِ (عَنْ) . وَقَالَ: وَنَحْوُهُمَا مِمَّا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الِاتِّصَالِ (فِيهِ) ; أَيْ: فِي السَّنَدِ الَّذِي بِدُونِهِ (وَرَدْ) ; فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ الرِّوَايَةُ النَّاقِصَةُ مُعَلَّةٌ بِالْإِسْنَادِ الْآتِي بِالزِّيَادَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ نَحْوِهِ ; إِذِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَعَبَّرَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ: تَرَجَّحَتِ الزِّيَادَةُ. مِثَالُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: ( «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ» ) . رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، وَكِلَاهُمَا عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ. وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ. بَلْ وَتُوبِعَ شُعْبَةُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. وَكَذَا رَوَاهُ شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، لَكِنَّهُ قَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. بَلْ رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ وَأَبُو عَامِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الثَّوْرِيِّ بِإِثْبَاتِ زَيْدٍ. وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّلٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ، قَالَ: عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مُرْسَلَةٌ وَإِنْ كَانَ رِبْعِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ; فَقَدْ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ ابْنُ عَسَاكِرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. وَحَكَاهُ الْمِزِّيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، هَذَا مَعَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ الْمُتَوَفَّى قَبْلَ أَبِي ذَرٍّ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا ذَرٍّ جَزْمًا ; وَلِذَا تَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي الْجَزْمِ بِعَدَمِ سَمَاعِهِ مِنْهُ. وَلَكِنَّ اقْتِصَارَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَالضِّيَاءِ فِي (الْمُخْتَارَةِ) عَلَى إِيرَادِهِ فِي صِحَاحِهِمْ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ قَدْ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلَيْنِ.

стр. 1087

[الْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ] [الْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ] (وَإِنْ) كَانَ حَذْفُ الزَّائِدِ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ فِي السَّنَدِ النَّاقِصِ (بِتَحْدِيثٍ) أَوْ إِخْبَارٍ أَوْ سَمَاعٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَقْتَضِي الِاتِّصَالَ (أَتَى) ، وَرَاوِي السَّنَدِ النَّاقِصِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ شَيْخُنَا أَتْقَنُ مِمَّنْ زَادَ، (فَالْحُكْمُ لَهْ) ; أَيْ: لِلْإِسْنَادِ الْخَالِي عَنِ الِاسْمِ الزَّائِدِ ; لِأَنَّ مَعَ رَاوِيهِ كَذَلِكَ زِيَادَةً، وَهِيَ إِثْبَاتُ سَمَاعِهِ، وَحِينَئِذٍ فَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْمُسَمَّى بِالْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، الْمَحْكُومِ فِيهِ بِكَوْنِ الزِّيَادَةِ غَلَطًا مِنْ رَاوِيهَا أَوْ سَهْوًا، وَبِاتِّصَالِ السَّنَدِ النَّاقِصِ بِدُونِهَا ; كَقِصَّةِ الْحَوْلَاءِ بِنْتِ تُوَيْتٍ ; فَإِنَّهُ رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَصَوَابُهُ لَهُ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ وَالْحُفَّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ نَفْسِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ. وَكَحَدِيثِ: ( «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» ) ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْغَضَايِرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. فَقَوْلُهُ: عَنْ مِسْعَرٍ، زِيَادَةٌ، قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ وَالْحُفَّاظُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِدُونِهَا، وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ أَبِي عَتِيقٍ وَعَائِشَةَ الْقَاسِمَ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَإِنْ رَوَاهُ مُؤَمَّلٌ عَنْ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهَا. وَكَذَا قَالَ مُصْعَبُ بْنُ مَاهَانَ عَنِ الثَّوْرِيِّ. فَذِكْرُ الْقَاسِمِ فِيهِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. وَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالْغَلَطِ أَوِ السَّهْوِ فِيمَا يَكُونُ كَذَلِكَ ; إِذِ الْمَدَارُ فِي هَذَا الشَّأْنِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَمَهْمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ النَّاقِدِ أَنَّهُ الرَّاجِحُ حَكَمَ بِهِ،

стр. 1088

وَالْعَكْسُ. هَذَا كُلُّهُ (مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ) ; أَيْ: الرَّاوِي، (قَدْ حَمَلَهْ عَنْ كُلِّ) مِنَ الرَّاوِيَيْنِ ; إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ شَخْصٍ عَنْ آخَرَ، ثُمَّ يَسْمَعَ مِنْ شَيْخِ شَيْخِهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الرِّوَايَاتِ وَالرُّوَاةِ بِكَثْرَةٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ: قُلْتُ لِسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ حَدَّثَنِي عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِيكَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ بِحَدِيثِ كَذَا. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي سُهَيْلٌ رَجُلًا، وَهُوَ الْقَعْقَاعُ، وَيُحَدِّثَنِي بِهِ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي. ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ سُهَيْلُ بْنُ عَطَاءٍ. وَيَتَأَكَّدُ الِاحْتِمَالُ بِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ فِي الطَّرِيقَيْنِ بِالتَّحْدِيثِ وَنَحْوِهِ، اللَّهُمَّ (إِلَّا) أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ لِكَوْنِهِ (حَيْثُ مَا زِيدَ) هَذَا الرَّاوِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَقَعْ وَهْمَا) مِمَّنْ زَادَهُ، فَيَزُولُ بِذَلِكَ الِاحْتِمَالُ. وَالْجُمْلَةُ، فَلَا يَطَّرِدُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَمَا تَقَرَّرَ فِي تَعَارُضِ الْوَصْلِ وَالْإِرْسَالِ. وَ (فِي ذَيْنِ) ; أَيْ: النَّوْعَيْنِ، (الْخَطِيبُ) الْحَافِظُ (قَدْ جَمَعْ) تَصْنِيفَيْنِ مُفْرَدَيْنِ، سَمَّى الْأَوَّلَ: (التَّفْصِيلَ لِمُبْهَمِ الْمَرَاسِيلِ) ، وَالثَّانِيَ: (تَمْيِيزَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ) . [مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ] [ذِكْرُ الْكُتُبِ الْمُهِمَّةِ فِي هَذَا الْفَنِّ] مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٧٨٦ - رَائِي النَّبِيِّ مُسْلِمًا ذُو صُحْبَةِ ... وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ وَلَمْ يُثَبَّتِ ٧٨٧ - وَقِيلَ: مَنْ أَقَامَ عَامًا وَغَزَا ... مَعَهْ وَذَا لِابْنِ الْمُسَيَّبِ عَزَا ٧٨٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِاشْتِهَارٍ اوْ ... تَوَاتُرٍ أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَوْ ٧٨٩ - قَدِ ادَّعَاهَا وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلَا ... وَهُمْ عُدُولٌ قِيلَ: لَا مَنْ دَخَلَا ٧٩٠ - فِي فِتْنَةٍ وَالْمُكْثِرُونَ سِتَّةُ ... أَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ الصِّدِّيقَةُ ٨٩١ - الْبَحْرُ جَابِرٌ أَبُو هُرَيْرَةِ ... أَكْثَرُهُمْ وَالْبَحْرُ فِي الْحَقِيقَةِ

стр. 1089

٧٩٢ - أَكْثَرُ فَتْوَى وَهْوَ وَابْنُ عُمَرَا وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو قَدْ جَرَى ... ٧٩٣ - عَلَيْهِمُ بِالشُّهْرَةِ الْعَبَادِلَهْ لَيْسَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَلَا مَنْ شَاكَلَهْ ... ٧٩٤ - وَهْوَ وَزَيْدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ ... ٧٩٥ - وَقَالَ مَسْرُوقُ: انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَى سِتَّةِ أَصْحَابٍ كِبَارٍ نُبَلَا ... ٧٩٦ - زَيْدٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْ أُبَيِّ عُمَرَ عَبْدِ اللَّهِ مَعْ عَلِيِّ ... ٧٩٧ - ثُمَّ انْتَهَى لِذَيْنِ وَالْبَعْضُ جَعَلْ الْأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا بَدَلْ. [ذِكْرُ الْكُتُبِ الْمُهِمَّةِ فِي هَذَا الْفَنِّ] (مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ) : هَذَا حِينُ الشُّرُوعِ فِي الرِّجَالِ وَطَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ. وَمَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ فَنٌّ جَلِيلٌ، وَفَائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ لِلْمُرْسَلِ، وَالْحُكْمُ لَهُمْ بِالْعَدَالَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَلِأَئِمَّتِنَا فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ ; كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فِي كِتَابِهِ (مَعْرِفَةِ مَنْ نَزَلَ مِنَ الصَّحَابَةِ سَائِرَ الْبُلْدَانِ) ، وَهُوَ فِي خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ، يَعْنِي لَطِيفَةً. وَكَالْبُخَارِيِّ، وَقَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهَا فِيمَا عُلِمَ. وَكَالتِّرْمِذِيِّ وَمُطَيَّنٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَعَبْدَانَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فِي (الْحُرُوفِ) ، وَأَبِي حَفْصِ ابْنِ شَاهِينَ، وَأَبِي مَنْصُورٍ الْبَاوَرْدِيِّ، وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ، وَالذَّيْلِ عَلَيْهِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ، وَكَأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِيعَابِ) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَحْسَنِهَا وَأَكْثَرِهَا فَوَائِدَ، لَوْلَا مَا شَانَهُ بِذِكْرِ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَخْبَارِيِّينَ. وَالذَّيْلِ عَلَيْهِ بِجَمَاعَةٍ ; كَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ الْأَمِينِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ فَتْحُونٍ، وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ، وَثَانِيهِمَا أَحْسَنُهُمَا. وَاخْتَصَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلِيلِيُّ الِاسْتِيعَابِ، وَسَمَّاهُ (إِعْلَامَ الْإِصَابَةِ بِأَعْلَامِ الصَّحَابَةِ) . فِي آخَرِينَ يَعْسُرُ حَصْرُهُمْ ; كَأَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الطَّبَرِيِّ، وَأَبَوَيِ الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَالْعُثْمَانِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ قَانِعٍ فِي مَعَاجِيمِهِمْ. وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ خَاصَّةً. وَكَانَ مِنْهُمْ عَلَى رَأْسِ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْعِزُّ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَزَرِيُّ ابْنُ

стр. 1090

الْأَثِيرِ أَخُو أَبِي السَّعَادَاتِ صَاحِبِ (النِّهَايَةِ فِي الْغَرِيبِ) فِي كِتَابٍ حَافِلٍ سَمَّاهُ (أُسْدَ الْغَابَةِ) جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ عِدَّةٍ مِنَ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ضَبْطِهِ وَتَحْقِيقِهِ لَأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ لَمْ يَسْتَوْعِبْ وَلَمْ يُهَذِّبْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَّى إِنَّ كُلًّا مِنَ النَّوَوِيِّ وَالْكَاشْغَرِيِّ اخْتَصَرَهُ، وَاقْتَصَرَ الذَّهَبِيُّ عَلَى تَجْرِيدِهِ، وَزَادَ عَلَيْهِ النَّاظِمُ عِدَّةَ أَسْمَاءٍ. وَلِأَبِي أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيِّ فِيهَا كِتَابٌ رَتَّبَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ. وَلِأَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيِّ الَّذِي نَزَلَ مِنْهُمْ حِمْصَ خَاصَّةً، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ الَّذِي نَزَلَ مِصْرَ، وَلِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْجَارُودِ الْآحَادُ مِنْهُمْ. وَلِلْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيِّ (الْإِصَابَةُ لِأَوْهَامٍ حَصَلَتْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ) فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ. وَلِخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، وَيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرِهِمْ، فِي كُتُبٍ لَمْ يَخُصُّوهَا بِهِمْ، بَلْ يُضَمُّ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَيْهِمْ. وَقَدِ انْتَدَبَ شَيْخُنَا لِجَمْعِ مَا تَفَرَّقَ مِنْ ذَلِكَ، وَانْتَصَبَ لِدَفْعِ الْمُغْلَقِ مِنْهُ عَلَى السَّالِكِ، مَعَ تَحْقِيقٍ لِغَوَامِضَ، وَتَوْفِيقٍ بَيْنَ مَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَالْمُتَنَاقِضِ، وَزِيَادَاتٍ جَمَّةٍ وَتَتِمَّاتٍ مُهِمَّةٍ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ (الْإِصَابَةَ) ، جَعَلَ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ غَالِبًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: فِيمَنْ وَرَدَتْ رِوَايَتُهُ أَوْ ذِكْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ أَوْ ضَعِيفَةٍ أَوْ مُنْقَطِعَةٍ. الثَّانِي: مَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ فَقَطْ. الثَّالِثُ: مَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ، وَلَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . الرَّابِعُ: مَنْ ذُكِرَ فِي كُتُبِ مُصَنِّفِي الصَّحَابَةِ أَوْ مُخَرِّجِي الْمَسَانِيدِ غَلَطًا، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقِهِ مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَى غَالِبِهِ. وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْهُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّنْبِيهُ فِيهِ عَلَى عَجَائِبَ يُسْتَغْرَبُ وُقُوعُ مِثْلِهَا، وَمَاتَ قَبْلَ عَمَلِ الْمُبْهَمَاتِ، وَأَرْجُو عَمَلَهَا.

стр. 1091

[تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا] [تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا] إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَفِي هَذَا الْبَابِ عَشَرَةُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: فِي تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ. وَفِيهِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُشَيْدٍ: (إِيضَاحُ الْمَذَاهِبِ فِيمَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّاحِبِ) . وَهُوَ لُغَةً: يَقَعُ عَلَى مَنْ صَحِبَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ صُحْبَةٍ، فَضْلًا عَمَّنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ، وَكَثُرَتْ مُجَالَسَتُهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: (رَائِي النَّبِيِّ) ﷺ ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ رَأَى، حَالَ كَوْنِهِ (مُسْلِمًا) عَاقِلًا (ذُو صُحْبَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، اكْتِفَاءً بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ وَلَوْ لَحْظَةً، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مَعَهَا مُجَالَسَةٌ وَلَا مُمَاشَاةٌ وَلَا مُكَالَمَةٌ ; لِشَرَفِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ ; فَإِنَّهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ إِذَا رَآهُ مُسْلِمٌ أَوْ رَأَى مُسْلِمًا لَحْظَةً طُبِعَ قَلْبُهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ; لِأَنَّهُ بِإِسْلَامِهِ مُتَهَيِّئٌ لِلْقَبُولِ، فَإِذَا قَابَلَ ذَلِكَ النُّورَ الْعَظِيمَ أَشَرَفَ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى قَلْبِهِ وَعَلَى جَوَارِحِهِ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا أَحْمَدُ ; فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً، أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَبِعَهُمَا تِلْمِيذُهُمَا الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ. قِيلَ: وَيَرِدُ عَلَى ذَلِكَ تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَدُورُ ; لِأَنَّ (صَحِبَ) يَتَوَقَّفُ عَلَى الصَّحَابِيِّ، وَالْعَكْسُ. لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُمْ بِصَحِبَ: الصُّحْبَةُ اللُّغَوِيَّةُ، وَبِالصَّحَابِيِّ: الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ. عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيَّ قَالَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّحْبَةِ جَارٍ عَلَى كُلِّ مَنْ صَحِبَ غَيْرَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، يُقَالُ: صَحِبَهُ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً. قَالَ: وَهَذَا يُوجِبُ فِي حُكْمِ اللُّغَةِ إِجْرَاءَ هَذَا عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. قَالَ: وَمَعَ هَذَا فَقَدْ

стр. 1092

تَقَرَّرَ لِلْأُمَّةِ عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهُ إِلَّا فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ، وَذَكَرَ الْمَذْهَبَ الثَّانِيَ. وَكَذَا قَالَ صَاحِبُهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الصُّحْبَةَ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا الصَّحَابِيُّ لَا تُحَدُّ بِزَمَنٍ، بَلْ يَقُولُ: صَحِبْتُهُ سَنَةً، وَصَحِبْتُهُ سَاعَةً. وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ (شَرْحِ مُسْلِمٍ) عَقِبَ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ: وَبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْمُحَدِّثِينَ ; فَإِنَّ هَذَا الْإِمَامَ قَدْ نَقَلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ صُحْبَةَ سَاعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ قَدْ نَقَلُوا الِاسْتِعْمَالَ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ عَلَى وَفْقِ اللُّغَةِ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. قُلْتُ: إِلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُشْتَرَطُ فِي اللُّغَةِ، وَالْكُفَّارُ لَا يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الصُّحْبَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ رَأَوْهُ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الصُّحْبَةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ مُطْلَقُهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي التَّعْرِيفِ، وَتَأْكِيدُهَا بِحَيْثُ يَشْتَهِرُ بِهِ، وَهِيَ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ، فَإِذَا قُلْتَ: فُلَانٌ صَاحِبُ فُلَانٍ، لَمْ يَنْصَرِفْ - يَعْنِي: عُرْفًا - إِلَّا لِلْمُؤَكَّدَةِ ; كَخَادِمِ فُلَانٍ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْأَشْبَهُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ رَآهُ. وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا ; لِأَنَّ الصُّحْبَةَ تَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، فَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَصْحَبَهُ حَنِثَ بِلَحْظَةٍ. وَيَشْمَلُ الصَّحَابِيُّ الْأَحْرَارَ وَالْمَوَالِيَ، الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ. ثُمَّ إِنَّ التَّعْبِيرَ فِي التَّعْرِيفِ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ فِي الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالضَّرِيرُ الَّذِي حَضَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، كَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَغَيْرِهِ، مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ بِلَا تَرَدُّدٍ. وَلِذَا عَبَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِاللِّقَاءِ بَدَلَ الرُّؤْيَةِ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ مِنَ الرَّائِي بِنَفْسِهِ وَكَذَا بِغَيْرِهِ، لَكَانَ مَجَازًا، وَكَأَنَّهُ لَحَظَ شُمُولَهَا بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ حَسَنٌ. وَأَمَّا الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ ; كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَا لَهُ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمَوْلُودِ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِثَلَاثَةِ

стр. 1093

أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ نِسْبَةُ الرُّؤْيَةِ إِلَيْهِ، صَدَقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهُ، وَيَكُونُ صَحَابِيًّا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ خَاصَّةً. وَعَلَيْهِ مَشَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ ; خِلَافًا لِلسَّفَاقُسِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الْفَتْحِ مَا نَصُّهُ: إِنْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا عَقَلَ ذَلِكَ أَوْ عَقَلَ عَنْهُ كَلِمَةً كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَإِلَّا كَانَتْ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَهُوَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْعَلَائِيُّ ; حَيْثُ قَالَ فِي بَعْضِهِمْ: لَا صُحْبَةَ لَهُ، بَلْ وَلَا رُؤْيَةَ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ. وَهُوَ إِنْ سَلِمَ الْحُكْمُ لِحَدِيثِهِمْ بِالْإِرْسَالِ ; فَإِنَّهُمْ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ أَتْبَاعٌ، فَهُوَ فِيمَا نَفَاهُ مُخَالِفٌ لِلْجُمْهُورِ. وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا فِي (الْفَتْحِ) : إِنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الضَّرْبِ مَرَاسِيلُ. قَالَ: وَالْخِلَافُ الْجَارِي بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى رَدِّ الْمَرَاسِيلِ مُطْلَقًا، حَتَّى مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، لَا يَجْرِي فِي أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّ أَحَادِيثَهُمْ مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلَ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ: صَحَابِيٌّ حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ، لَا يَقْبَلُهُ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ. انْتَهَى. وَلِأَجْلِ اخْتِيَارِ عَدِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِينَ فِي الصَّحَابَةِ كَانَتْ فِي بَيْتِ الصِّدِّيقِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ; كَمَا سَيَأْتِي مَعَ مَا يُلَائِمُهُ فِي رِوَايَةِ الْآبَاءِ عَنِ الْأَبْنَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَنْ رَآهُ وَآمَنَ بِهِ مِنَ الْجِنِّ ; لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ إِلَيْهِمْ قَطْعًا، وَهُمْ مُكَلَّفُونَ، فِيهِمُ الْعُصَاةُ وَالطَّائِعُونَ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْأَقْضِيَةِ مِنَ (الْمُحَلَّى) :

стр. 1094

قَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ آمَنُوا وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهُمْ صَحَابَةٌ فُضَلَاءُ. وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ ذِكْرُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِإِنْكَارِ ابْنِ الْأَثِيرِ عَلَى أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ تَخْرِيجَهُ فِي الصَّحَابَةِ لِبَعْضِ مَنْ عَرَفَهُ مِنْهُمْ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهِ إِلَى حُجَّةٍ. وَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ رَآهُ مَيِّتًا قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ؟ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ الشَّاعِرِ إِنْ صَحَّ. قَالَ الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ: لَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ. وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الدُّخُولِ، وَإِلَّا لَعُدَّ مَنِ اتَّفَقَ أَنْ يَرَى جَسَدَهُ الْمُكَرَّمَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْمُعَظَّمِ وَلَوْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَرَآهُ كَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ ; إِذْ حُجَّةُ مَنْ أَثْبَتَ الصُّحْبَةَ لِمَنْ رَآهُ قَبْلَ دَفْنِهِ أَنَّهُ مُسْتَمِرُّ الْحَيَاةِ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ لَيْسَتْ دُنْيَوِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ أُخْرَوِيَّةٌ، لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ الدُّنْيَا ; فَإِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ جَارِيَةٌ عَلَى سُنَنِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَوْتَى. انْتَهَى. وَسَبَقَهُ شَيْخُهُ الْمُؤَلِّفُ فَمَالَ أَيْضًا إِلَى الْمَنْعِ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي التَّقْيِيدِ الظَّاهِرِ اشْتِرَاطَ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ حَيٌّ، لَكِنَّهُ عَلَّلَهُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَتِ النُّبُوَّةُ بِوَفَاتِهِ ﷺ . وَلِذَا لَمَّا أَشَارَ ابْنُ جَمَاعَةَ إِلَى حِكَايَتِهِ مَعَ إِبْهَامِ قَائِلِهِ تَوَقَّفَ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّهُ مَحَلُّ بَحْثٍ وَتَأَمُّلٍ. بَلْ أَضْرَبَ الْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِي شَرْحِهِ عَنِ التَّعْلِيلِ بِهِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحُكْمِ فَقَطْ، وَكَأَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنْهُ. وَقَالَ الْعَلَائِيُّ: إِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ الصُّحْبَةِ ; لِشَرَفِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ

стр. 1095

رُؤْيَتِهِ ﷺ قَبْلَ دَفْنِهِ وَصَلَاتِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ عَدِّ الْمُعَاصِرِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَصْلًا فِيهِمْ، أَوِ الصَّغِيرِ الَّذِي وُلِدَ فِي حَيَاتِهِ. وَقَالَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ نَعَمْ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الصُّحْبَةَ لِمَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، يَعْنِي فَيَكُونُ مَنْ رَآهُ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْلَى. وَجَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ يُعَدُّ صَحَابِيًّا ; لِحُصُولِ شَرَفِ الرُّؤْيَةِ لَهُ، وَإِنْ فَاتَهُ السَّمَاعُ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ الذَّهَبِيُّ فِي التَّجْرِيدِ. وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا مِنْ تَرْجِيحِ عَدَمِ دُخُولِهِ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ، فَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحَابِيٍّ. انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَيُزَادُ فِي التَّعْرِيفِ: قَبْلَ انْتِقَالِهِ مِنَ الدُّنْيَا. وَكَذَا لَا يَدْخُلُ مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ ; كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ ثُمَّ شَيْخُنَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ، فَذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ، لَا الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. بَلْ جَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ بِعَدَمِ دُخُولِ مَنْ رَآهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، يَعْنِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ ﵈ مِمَّنْ لَمْ يَبْرُزْ إِلَى عَالَمِ الدُّنْيَا. وَبِهَذَا الْقَيْدِ دَخَلَ فِيهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ ; وَلِذَا ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَجْرِيدِهِ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا وَوَجَّهَهُ بِاخْتِصَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِكَوْنِهِ رُفِعَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ حَيًّا، وَبِكَوْنِهِ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ وَيَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَبِهَذِهِ الثَّلَاثِ يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الصَّحَابَةِ. وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهُ هَلْ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ أَمْ لَا؟ وَعَلَى الثَّانِي مَشَى الْحَلِيمِيُّ وَأَقَرَّهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ. بَلْ نَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي (أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ) الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ وَالْبُرْهَانُ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا، وَنُوزِعَا فِي ذَلِكَ. وَرَجَّحَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ مُقَابِلَهُ ; مُحْتَجًّا بِمَا يَطُولُ شَرْحُهُ. قَالَ شَيْخُنَا: وَفِي صِحَّةِ بِنَاءِ دُخُولِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي الْفَتْحِ ; حَيْثُ مَشَى عَلَى الْبِنَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ.

стр. 1096

وَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ رَآهُ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ الشَّرِيفَةِ ; كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ : ( «إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ» ) ؟ الظَّاهِرُ: لَا. وَبِهِ جَزَمَ شَيْخُنَا فِي (مُقَدِّمَةِ الْإِصَابَةِ) ، وَزَادَ فِي التَّعْرِيفِ الْمَاضِي: بِهِ ; لِيُخْرِجَهُ ; فَإِنَّهُ مِمَّنْ لَقِيَهُ مُؤْمِنًا بِغَيْرِهِ. عَلَى أَنَّ لِقَائِلِ ادِّعَاءَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِهِ بِإِطْلَاقِ وَصْفِ النُّبُوَّةِ ; إِذِ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ. هَذَا مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي إِصَابَتِهِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمَا، وَتَرْجَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ لِلْقَاسِمِ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ وَلِلطَّاهِرِ وَعَبْدِ اللَّهِ أَخَوَيْهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الْإِصَابَةِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ رُؤْيَةٌ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَخَاهُمُ الطَّيِّبَ فِي الثَّالِثِ مِنْهَا. وَفِيهِ نَظَرٌ، خُصُوصًا وَقَدْ جَزَمَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالطَّاهِرَ وَالطَّيِّبَ وَاحِدٌ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَالطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ لَقَبَانِ. ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ مُؤْمِنًا بِهِ أَنْ تَقَعَ رُؤْيَتُهُ لَهُ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فَيُؤْمِنُ بِهِ حِينَ يَرَاهُ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ أَوْ يَكْفِي كَوْنُهُ مُؤْمِنًا بِهِ أَنَّهُ سَيُبْعَثُ كَمَا فِي بَحِيرَا الرَّاهِبِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ؟ . قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ مَحَلُّ احْتِمَالٍ. وَذَكَرَ بَحِيرَا فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنَ الْإِصَابَةِ ; لِكَوْنِهِ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَأَمَّا وَرَقَةُ فَذَكَرَهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ; لِكَوْنِهِ كَانَ بَعْدَهَا قَبْلَ الدَّعْوَةِ، مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا لَمْ يَجْزِمْ بِصُحْبَتِهِ، بَلْ قَالَ: وَفِي إِثْبَاتِهَا لَهُ نَظَرٌ. عَلَى أَنَّ شَرْحَ النُّخْبَةِ ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ التَّوَقُّفِ بِمَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْبَعْثَةَ ; فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوْلُهُ: (بِهِ) ، هَلْ يُخْرِجُ مَنْ لَقِيَهُ مُؤْمِنًا بِأَنَّهُ سَيُبْعَثُ وَلَمْ يُدْرِكِ الْبَعْثَةَ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مُسْلِمًا، مَنْ رَآهُ بَعْدَهَا لَكِنْ حَالَ كَوْنِهِ كَافِرًا، سَوَاءٌ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ أَمْ بَعْدَهَا إِذَا لَمْ يَرَهُ بَعْدُ، وَعُدُّوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَضْرَمِينَ، وَمَرَاسِيلُهُمْ يَطْرُقُهَا احْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ مَسْمُوعَةً لَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ رُؤْيَتِهِمْ لَهُ. عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ خَرَّجَ فِي مُسْنَدِهِ حَدِيثَ رَسُولِ قَيْصَرَ، مَعَ كَوْنِهِ إِنَّمَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي حَالِ كُفْرِهِ. وَكَذَا تَرْجَمَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي ذَيْلِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالَ، وَقَالَ: إِنَّ الطَّبَرِيَّ وَغَيْرَهُ تَرْجَمَ لَهُ هَكَذَا، وَهُوَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ ﷺ . نَعَمْ، قَالَ شَيْخُنَا: يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ زَمَنَ الْإِسْرَاءِ، إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كُشِفَ لَهُ فِي لَيْلَتِهِ عَنْ جَمِيعِ مَنْ

стр. 1097

فِي الْأَرْضِ فَرَآهُ، فِي الصَّحَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ ; لِحُصُولِ الرُّؤْيَةِ مِنْ جَانِبِهِ ﷺ . وَيَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ مَنْ رَآهُ مُؤْمِنًا بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ اتِّفَاقًا ; كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَمِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ وَابْنِ خَطَلٍ، وَحِينَئِذٍ فَيُزَادُ فِيهِ: وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ. عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمُ انْتَزَعَ مِنْ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا، تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَافِرًا ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْخَاتِمَةِ، صِحَّةَ إِخْرَاجِهِ ; فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَرَهُ مُؤْمِنًا. لَكِنَّ فِي هَذَا الِانْتِزَاعِ نَظَرٌ، وَإِنْ تَضَمَّنَ مُخَالَفَةَ شَيْخِنَا الْمَحَلِّيِّ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّقْيِيدِ بِمَوْتِهِ مُؤْمِنًا مُوَافَقَةَ الِانْتِزَاعِ ; لِأَنَّهُ حِينَ رُؤْيَاهُ كَانَ مُؤْمِنًا فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَيُسَمَّى صَحَابِيًّا، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ. وَمَا وَقَعَ لِأَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ ذِكْرِهِ حَدِيثَ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ لَحِقَهُ الْخِذْلَانُ فَلَحِقَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِالرُّومِ وَتَنَصَّرَ بِسَبَبِ شَيْءٍ أَغْضَبَهُ، يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى قِصَّةِ ارْتِدَادِهِ. وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا مَا نَصُّهُ: وَإِخْرَاجُ حَدِيثٍ مِثْلِ هَذَا - يَعْنِي مُطْلَقًا - فِي الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا مُشْكِلٌ، وَلَعَلَّ مَنْ أَخْرَجَهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى قِصَّةِ ارْتِدَادِهِ، فَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ لَكِنْ لَمْ يَرَهُ ثَانِيًا بَعْدَ عَوْدِهِ. فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ ; لِإِطْبَاقِ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَدِّ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَنَحْوِهِ ; كَقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَإِخْرَاجِ أَحَادِيثِهِمْ فِي الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا، وَزَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُخْتَهُ لِلْأَشْعَثِ. وَقِيلَ: لَا ; إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الصُّحْبَةَ وَفَضْلَهَا، فَالرِّدَّةُ تُحْبِطُ الْعَمَلَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ; كَأَبِي حَنِيفَةَ. بَلْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي (الْأُمِّ) ، وَإِنْ حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْهُ تَقْيِيدَهُ بِاتِّصَالِهَا بِالْمَوْتِ. وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهُ حِينَ الرُّؤْيَةِ بَالِغًا

стр. 1098

عَاقِلًا، حَكَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: كُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَدْرَكَ الْحُلُمَ فَأَسْلَمَ وَعَقَلَ أَمْرَ الدِّينِ وَرَضِيَهُ فَهُوَ عِنْدَنَا مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْبُلُوغِ - كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ - شَاذٌّ، وَهُوَ يُخْرِجُ نَحْوَ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الَّذِي عَقَلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، مَعَ عَدِّهِمْ إِيَّاهُ فِي الصَّحَابَةِ. وَلَمْ يُتَعَقَّبْ تَقْيِيدُهُ بِالْعَقْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَجْنُونِ الْمُطْبَقِ، سَوَاءٌ الْبَالِغُ السَّابِقُ إِسْلَامُهُ دُونَ رُؤْيَتِهِ، أَوِ الصَّغِيرُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ ; وَلِذَا زِدْتُهُ، وَكَانَ عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِفَقْدِهِ. نَعَمْ، الْمُتَقَطِّعُ لَا مَانِعَ مِنَ اتِّصَافِهِ بِهَا إِذَا رَآهُ فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ ; لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَوَصْفِهِ بِالْعَدَالَةِ إِذَا لَمْ يُؤَثِّرِ الْخَلَلُ فِي إِفَاقَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ مُمَيِّزًا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَقِيلَ) : إِنَّهُ لَا يَكْفِي فِي كَوْنِهِ صَحَابِيًّا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، بَلْ لَا يَكُونُ صَحَابِيًّا إِلَّا (إِنْ طَالَتْ) صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَكَثُرَتْ مُجَالَسَتُهُ مَعَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ لَهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي (الْعُدَّةِ) فَقَالَ: الصَّحَابِيُّ هُوَ الَّذِي لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَقَامَ مَعَهُ وَاتَّبَعَهُ دُونَ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَانْصَرَفَ مِنْ غَيْرِ مُصَاحَبَةٍ وَلَا مُتَابَعَةٍ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي (الْمُعْتَمَدِ) : هُوَ مَنْ طَالَتْ مُجَالَسَتُهُ لَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ لَهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ، أَمَّا مَنْ طَالَتْ بِدُونِ قَصْدِ الِاتِّبَاعِ أَوْ لَمْ تَطُلْ كَالْوَافِدِينَ فَلَا. وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: هُوَ مَنْ ظَهَرَتْ صُحْبَتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، صُحْبَةُ الْقَرِينِ قَرِينَهُ حَتَّى يُعَدَّ مِنْ أَحْزَابِهِ وَخَدَمِهِ الْمُتَّصِلِينَ بِهِ. قَالَ صَاحِبُ (الْوَاضِحِ) : وَهَذَا قَوْلُ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: هُوَ مَنْ أَكْثَرَ مُجَالَسَتَهُ وَاخْتَصَّ بِهِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ الْوَافِدُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فِي آخَرِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، بَلْ حَكَاهُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ عَنْهُمْ، وَادَّعَى أَنَّ اسْمَ الصَّحَابِيِّ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ تَوَسَّعُوا فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الصُّحْبَةِ عَلَى مَنْ رَآهُ رُؤْيَةً ; لِشَرَفِ مَنْزِلَتِهِ ﷺ ، حَيْثُ أَعْطَوْا لِكُلِّ مَنْ رَآهُ حُكْمَ الصُّحْبَةِ ; وَلِهَذَا يُوصَفُ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَيْ: الْمُجَالَسِ. وَمَا

стр. 1099

حَكَاهُ عَنِ الْأُصُولِيِّينَ إِنَّمَا هُوَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ. وَكَذَا دَعْوَاهُ ذَلِكَ لُغَةً يَرُدُّهُ حِكَايَةُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ عَنْهُمْ بِدُونِ اخْتِلَافٍ، لَكِنَّهُ قَالَ: وَمَعَ هَذَا - يَعْنِي إِيجَابَ حُكْمِ اللُّغَةِ - إِجْرَاءُ الصُّحْبَةِ عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً، فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلْأَئِمَّةِ عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهُ إِلَّا فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ، وَلَا يُجْرُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ الْمَرْءَ سَاعَةً، وَمَشَى مَعَهُ خُطًا، وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ لَا يَجْرِيَ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ إِلَّا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ. انْتَهَى. وَصَنِيعُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ يُشْعِرُ بِالْمَشْيِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ; فَإِنَّهُمَا قَالَا فِي طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَكَذَا قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ. بَلْ قَالَ مُوسَى السَّيَلَانِيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي (الطَّبَقَاتِ) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَأَنْتَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ بِنَاءً عَلَى مَا فِي ظَنِّهِ: (قَدْ بَقِيَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَأَنَا آخِرُهُمْ) . لَكِنْ قَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ إِثْبَاتَ صُحْبَةٍ خَاصَّةٍ لَيْسَتْ لِتِلْكَ الْأَعْرَابِ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلْمَسْأَلَةِ. وَكَذَا إِنَّمَا نَفَى أَبُو زُرْعَةَ وَمَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِمْ صُحْبَةً خَاصَّةً دُونَ الْعَامَّةِ، وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ خِطَابِهِ ﷺ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي حَقِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ( «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» ) ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ نَهْيَ الصَّحَابِيِّ عَنْ سَبِّ آخَرَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنِ السَّبِّ غَيْرَ صَحَابِيٍّ، فَالْمَعْنَى: لَا يَسُبَّ غَيْرُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، وَلَا يَسُبَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. (وَ) عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَهَذَا الْقَوْلُ (لَمْ يُثَبَّتِ)

стр. 1100

بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ ; أَيْ: لَيْسَ هُوَ الثَّبْتَ ; إِذِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْأَوَّلِ. ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِالثَّانِي لَمْ يَضْبُطْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الطُّولَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ ; كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ حَكَى شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ تَحْدِيدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. (وَقِيلَ) : إِنَّمَا يَكُونُ صَحَابِيًّا (مَنْ أَقَامَ) مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (عَامًا) أَوْ عَامَيْنِ، (وَغَزَا مَعْهُ) غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ، (وَذَا لِـ) سَعِيدِ (ابْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَأَنَّهُ لِمَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدٍ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِلْفَتْحِ. (عَزَا) ; أَيْ: ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَسْنَدَهُ أَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو مُوسَى فِي آخِرِ الذَّيْلِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَحْكِيِّ عَنِ الْأُصُولِيِّينَ، وَلَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ ضِيقٌ يُوجِبُ أَنْ لَا يُعَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَمَنْ شَارَكَهُ فِي فَقْدِ ظَاهِرِ مَا اشْتَرَطَهُ فِيهِمْ مِمَّنْ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي عَدِّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَوَقُّفِهِ فِي صِحَّتِهِ عَنْ سَعِيدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: (أَوْ غَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ) ، بِـ (أَوْ) ، وَهُوَ أَشْبَهُ فِي تَرْجِيعِهِ إِلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي. وَحَكَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَذْكُرُونَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَإِسْلَامَهُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوِهَا. انْتَهَى. وَإِسْلَامُ جَرِيرٍ مُخْتَلَفٌ فِي وَقْتِهِ، فَفِي (الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ) لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: (بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي إِثْرِ الْعُرَنِيِّينَ) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ، لَكِنَّ فِيهِ

стр. 1101

الرَّبَذِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَفِي (الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ) لَهُ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا قَالَ: ( «لَمَّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي: (يَا جَرِيرُ، لِأَيِّ شَيْءٍ جِئْتَنَا؟) قُلْتُ: لِأُسْلِمَ عَلَى يَدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَلْقَى إِلَيَّ كِسَاءَهُ.» الْحَدِيثَ. وَفِي سَنَدِهِ حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَتْرُوكَ الظَّاهِرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ ; أَيْ: لَمَّا بَلَغَنَا خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ . أَوْ عَلَى الْحَذْفِ ; أَيْ: لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ دَعَا إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ حَارَبَ قُرَيْشًا وَغَيْرَهُمْ، ثُمَّ فَتَحَ مَكَّةَ، ثُمَّ وَفَدَتْ عَلَيْهِ الْوُفُودُ. فَقَدْ رَوَى أَيْضًا فِي (الْكَبِيرِ) بِلَفْظِ: (فَدَعَانِي إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثٍ شَرِيكٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ» ) الْحَدِيثَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَخْدِشُ فِي جَزْمِ الْوَاقِدِيِّ بِأَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ ; لِأَنَّ وَفَاةَ النَّجَاشِيِّ كَانَتْ قَبْلَ سَنَةِ عَشْرٍ. وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) . وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ; لِأَنَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ كَانَتْ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا. وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ الْأَخْذَ، حَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْجَاحِظُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، الَّذِي قَالَ فِيهِ ثَعْلَبٌ: إِنَّهُ غَيْرُ ثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ. وَتَسْمِيَتُهُ لِأَبِيهِ بِيَحْيَى تَصْحِيفٌ مِنْ بَحْرٍ، وَعِبَارَتُهُ: ذَهَبَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى إِلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَخَذَ عَنْهُ الْعِلْمَ. وَحَكَاهُ

стр. 1102

ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا قَوْلًا غَيْرَ مَعْزُوٍّ لِأَحَدٍ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ الْأَخْذِ بِالرِّوَايَةِ. وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَوْلَ لِغَيْرِ عَمْرٍو. وَكَأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْآمِدِيِّ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: هُوَ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَاخْتَصَّ بِهِ اخْتِصَاصَ الصَّاحِبِ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْهُ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: هُوَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ الصُّحْبَةِ الِاتِّصَافُ بِالْعَدَالَةِ، فَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّحْبَةِ. قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَهُ ﷺ مُسْلِمًا وَإِنْ لَمْ يَرَهُ. وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: وَمِمَّنْ دُفِنَ ; أَيْ: بِمِصْرَ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ: أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ. وَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّوْلَابِيُّ فِي الْكُنَى مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ. عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُمَا لَهُ فِي الصَّحَابَةِ لِإِدْرَاكِهِ ; لِكَوْنِ أَمْرِهِ عِنْدَهُمَا عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَلَمْ يَطَّلِعَا عَلَى تَأَخُّرِ قُدُومِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصْرِيحِ أَوَّلِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ أَنَّهُ رَآهُ. وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ الْقَرَافِيُّ فِي (شَرْحِ التَّنْقِيحِ) . وَعَلَيْهِ عَمَلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِيعَابِ) وَابْنِ مَنْدَهْ فِي (الصَّحَابَةِ) ; حَيْثُ ذَكَرَ الصَّغِيرَ الْمَحْكُومَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقِفَا لَهُ عَلَى رُؤْيَةٍ، وَكَأَنَّ حُجَّتَهُمَا تَوَفُّرُ هِمَمِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى إِحْضَارِ مَنْ يُولَدُ لَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهُ ; كَمَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ بَعْدُ. بَلْ صَرَّحَ أَوَّلُهُمَا بِأَنَّهُ رَامَ بِذَلِكَ اسْتِكْمَالَ الْقَرْنِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ) . وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ بَعْضِهِمْ عَنِ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ، أَوْ إِدْخَالُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فِيهِمْ ; كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ التَّابِعِينَ.

стр. 1103

[بِمَ تُعْرَفُ الصُّحْبَةُ] [التَّوْبَةِ: ٤٠] ، وَسَائِرِ الْعَشَرَةِ فِي خَلْقٍ، (أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ) آخَرَ مَعْلُومِ الصُّحْبَةِ ; إِمَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهَا، كَأَنْ يَجِيءَ عَنْهُ أَنَّ فُلَانًا لَهُ صُحْبَةٌ مَثَلًا أَوْ نَحْوَهُ ; كَقَوْلِهِ: كُنْتُ أَنَا وَفُلَانٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، بِشَرْطِ أَنْ يُعْرَفَ إِسْلَامُ الْمَذْكُورِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَكَذَا تُعْرَفُ بِقَوْلِ آحَادِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا سَيَأْتِي. وَإِلَى مَا عَدَا الْأَخِيرَ أَشَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ تَمْرِيضِ ثَالِثِهَا، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الْإِخْبَارُ عَنْ أَحَدٍ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِ ; إِمَّا اضْطِرَارًا، يَعْنِي النَّاشِئَ عَنِ التَّوَاتُرِ، أَوِ اكْتِسَابًا، يَعْنِي النَّظَرِيَّ النَّاشِئَ عَنِ الشُّهْرَةِ وَنَحْوِهَا. قَالَ: وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّحَابِيُّ، يَعْنِي كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ. (وَلَوْ قَدِ ادَّعَاهَا) ; أَيْ: الصُّحْبَةَ بِنَفْسِهِ، (وَهْوَ) قَبْلَ دَعْوَاهُ إِيَّاهَا (عَدْلٌ قُبِلَا) قَوْلُهُ ; يَعْنِي: عَلَى الْمُعْتَمَدِ، سَوَاءٌ التَّصْرِيحُ: كَأَنَا صَحَابِيٌّ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ: كَسَمِعْتُ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّ وَازِعَ الْعَدْلِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَذِبِ. هَكَذَا أَطْلَقَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ ; كَالنَّوَوِيِّ، وَهُوَ مُتَابِعٌ لِلْخَطِيبِ فِي (الْكِفَايَةِ) ; فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَدْ يُحْكَمُ فِي الظَّاهِرِ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ بِقَوْلِهِ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَثُرَ لِقَائِي لَهُ، إِذَا كَانَ ثِقَةً أَمِينًا مَقْبُولَ الْقَوْلِ لِمَوْضِعِ عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ خَبَرِهِ، كَمَا يُعْمَلُ بِرِوَايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ ; يَعْنِي فِي الصُّورَتَيْنِ. وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ قَبْلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ عَدَالَتُهُ: أَنَا

стр. 1104

صَحَابِيٌّ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ، يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ إِثْبَاتُ عَدَالَتِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنَا عَدْلٌ، وَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ. وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيِّ تَقْيِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ عَنِ الصَّحَابَةِ رُدَّ قَوْلُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذِ الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَلَوْ فُرِضَ كَوْنُ النَّفْيِ لِمَحْصُورٍ فَرُبَّمَا كَانَ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ. وَكَذَا قَيَّدَهُ هُوَ وَالْآمِدِيُّ بِثُبُوتِ مُعَاصَرَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَعِبَارَةُ الْآمِدِيِّ: فَلَوْ قَالَ مَنْ عَاصَرَهُ: أَنَا صَحَابِيٌّ، مَعَ إِسْلَامِهِ وَعَدَالَتِهِ فَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ: إِذَا عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ قُبِلَ مِنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَآهُ مَعَ إِمْكَانٍ ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الَّذِي يَدَّعِيهِ دَعْوَى لَا أَمَارَةَ مَعَهَا. وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ مَا أُطْلِقَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ادِّعَاؤُهُ لِذَلِكَ يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ، أَمَّا لَوِ ادَّعَاهُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ حِينِ وَفَاتِهِ ﷺ ; فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ; فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ» ) ، يُرِيدُ انْخِرَامَ ذَلِكَ الْقَرْنِ. قَالَ ذَلِكَ ﷺ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ، قَالَ: وَهُوَ وَاضِحٌ جَلِيٌّ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا: وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمُعَاصَرَةُ، فَيُعْتَبَرُ بِمُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ; لِقَوْلِهِ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِأَصْحَابِهِ: ( «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ; فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَيْهَا أَحَدٌ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِشَهْرٍ، وَلَفْظُهُ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: ( «أُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» ) . قَالَ: وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُصَدِّقِ الْأَئِمَّةُ أَحَدًا ادَّعَى الصُّحْبَةَ بَعْدَ

стр. 1105

الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَدِ ادَّعَاهَا جَمَاعَةٌ فَكَذَبُوا، وَكَانَ آخِرَهُمْ رَتَنٌ الْهِنْدِيُّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَذِبُهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ. انْتَهَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى مَا لَا يُمْكِنُ تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، فَاشْتِرَاطُهَا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ جَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَحَلَّهُ مَعَ الْعَدَالَةِ إِذَا تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ وَحَفَّتْهُ قَرَائِنُ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى رَدِّهِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ صُحْبَتُهُ بِقَوْلِهِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَعْوَاهُ رُتْبَةً يُثْبِتُهَا لِنَفْسِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبَى الْحَسَنِ بْنِ الْقَطَّانِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَدَّعِي صُحْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى نَعْلَمَ صُحْبَتَهُ، فَإِذَا عَلِمْنَاهَا فَمَا رَوَاهُ فَهُوَ عَلَى السَّمَاعِ حَتَّى نَعْلَمَ غَيْرَهُ. وَاقْتِصَارُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: تُعْلَمُ الصُّحْبَةُ إِمَّا بِطْرِيقٍ قَطْعِيٍّ، وَهُوَ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، أَوْ ظَنِّيٍّ، وَهُوَ خَبَرُ الثِّقَةِ، قَدْ يُشْعِرُ بِهِ. وَقَوَّاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ: فَإِنَّ الشَّخْصَ لَوْ قَالَ: أَنَا عَدْلٌ، لَمْ يُقْبَلْ ; لِدَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ مَرْتَبَةً، فَكَيْفَ إِذَا ادَّعَى الصُّحْبَةَ الَّتِي هِيَ فَوْقَ الْعَدَالَةِ؟ ! وَأَبْدَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ احْتِمَالًا ; حَيْثُ قَالَ: لَوْ قَالَ الْمُعَاصِرُ الْعَدْلُ: أَنَا صَحَابِيٌّ، احْتَمَلَ الْخِلَافَ، يَعْنِي قَبُولًا وَمَنْعًا، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّقْلِ فِي الطَّرَفَيْنِ. ثَانِيهِمَا: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مُدَّعِي الصُّحْبَةِ الْيَسِيرَةِ فَيُقْبَلُ ; لِأَنَّهَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ إِثْبَاتُهَا بِالنَّقْلِ ; إِذْ رُبَّمَا لَا يَحْضُرُهُ حَالَةَ اجْتِمَاعِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْ رُؤْيَتِهِ لَهُ أَحَدٌ. أَوِ الطَّوِيلَةِ وَكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ، فَلَا ; لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُشَاهَدُ وَيُنْقَلُ وَيَشْتَهِرُ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ.

стр. 1106

عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ جَزَمَ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَتُهُ مِنَ الْجَرْحِ. وَقَوِيَ ذَلِكَ بِتَصَرُّفِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي تَخْرِيجِهِمْ أَحَادِيثَ هَذَا الضَّرْبِ فِي مَسَانِيدِهِمْ. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا رَيْبَ فِي انْحِطَاطِ رُتْبَةِ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ عَمَّنْ مَضَى. قَالَ: وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الضَّرْبِ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ مَثَلًا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، سَوَاءٌ سَمَّاهُ أَمْ لَا ; كَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ صَحِيحِهِ: أَخْبَرَنِي سُنَيْنٌ أَبُو جَمِيلَةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ. أَمَّا إِذَا قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مَثَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَذَا، يَعْنِي بِالْعَنْعَنَةِ، فَثُبُوتُ الصُّحْبَةِ بِذَلِكَ بَعِيدٌ ; لِاحْتِمَالِ الْإِرْسَالِ. وَيَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، فَيَتَرَجَّحُ الْقَبُولُ، أَوْ صِغَارِهِمْ فَيَتَرَجَّحُ الرَّدُّ. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ عَنْ إِخْرَاجِ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ فِي كُتُبِهِمْ. نَعَمْ، لَوْ أَخْبَرَ عَنْهُ عَدْلٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ تَابِعِيهِمْ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ (اللُّمَعِ) : لَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا، قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُقْبَلُ مَرَاسِيلُهُ ; لِأَنَّ تِلْكَ قَضِيَّةٌ لَمْ يَحْضُرْهَا. قَالَ شَيْخُنَا: وَالرَّاجِحُ قَبُولُهُ ; بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَبُولِ التَّزْكِيَةِ مِنْ وَاحِدٍ. وَكَذَا مَالَ إِلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ فَقَالَ: وَالظَّاهِرُ قَبُولُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ ; إِمَّا اضْطِرَارًا أَوِ اكْتِسَابًا. وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ السَّابِقُ. إِذَا عُلِمَ هَذَا فَقَدْ أَفَادَ شَيْخُنَا فِي مُقَدِّمَةِ الْإِصَابَةِ لَهُ ضَابِطًا يُسْتَفَادُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ يُكْتَفَى فِيهِمْ بِوَصْفٍ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ صَحَابَةٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آثَارٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤَمِّرُونَ فِي الْمَغَازِي إِلَّا الصَّحَابَةَ، فَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي الرِّدَّةِ وَالْفُتُوحِ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرَ. ثَانِيهَا: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ: ( «كَانَ لَا يُوَلَدُ لِأَحَدٍ مَوْلُودٌ إِلَّا أَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَا لَهُ» ) . وَهَذَا أَيْضًا يُوجَدُ مِنْهُ الْكَثِيرُ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ وَلَا بِمَكَّةَ وَلَا الطَّائِفِ وَلَا مَنْ بَيْنَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ

стр. 1107

إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ. فَمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَوْجُودًا انْدَرَجَ فِيهِمْ ; لِحُصُولِ رُؤْيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ هُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَيَانُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ] [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الْفَتْحِ: ١٨] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٤] ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْرِ: ١٠] . فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَأَحَادِيثَ شَهِيرَةٍ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا. وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِتَعْدِيلِهِمْ، وَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ تَعْدِيلِ اللَّهِ لَهُ إِلَى تَعْدِيلِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ.

стр. 1108

عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، لَأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ، وَنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، الْقَطْعَ عَلَى تَعْدِيلِهِمْ، وَالِاعْتِقَادَ لِنَزَاهَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْخَالِفِينَ بَعْدَهُمْ، وَالْمُعَدَّلِينَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ. هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ. ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرّازِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ ; وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ الصَّحَابَةُ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا ; لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةُ. انْتَهَى. وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فَصْلٌ حَسَنٌ. فَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى، فَالَّذِي رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عُمُومُهَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَخَصَّهَا آخَرُونَ بِالصَّحَابَةِ. بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِيهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَالِاسْتِدْلَالُ مِنْهَا ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَهِيَ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ، وَلَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ إِلْحَاقُ غَيْرِهِمْ بِهِمْ مِمَّنْ شَارَكَهُمْ فِي الْوَصْفِ. وَكَذَا مِنَ الْآيَاتِ: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ، وَمِنْ غَيْرِهَا: ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ) ، مَعَ مَا تَحَقَّقَ عَنْهُمْ بِالتَّوَاتُرِ مِنَ الْجِدِّ فِي الِامْتِثَالِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ كَثِيرَةٌ، فَمِنْ أَدَلِّهَا عَلَى الْمَقْصُودِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا، فَمَنْ

стр. 1109

أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» ) . وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: ( «وَلَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ إِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ . . . وَذَكَرَهُ، بِحَيْثُ خَصَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِمَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ وَقَاتَلَ مَعَهُ وَأَنْفَقَ وَهَاجَرَ، فَالْعِبْرَةُ إِنَّمَا هِيَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُنَا. وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ صَحَابِيًّا ; لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إِرَادَةِ حِفْظِ الصُّحْبَةِ عَنْ ذَلِكَ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الْوَصْفَ لَهُمْ بِغَيْرِ الْعَدَالَةِ سَبٌّ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَهَى ﷺ بَعْضَ مَنْ أَدْرَكَهُ وَصَحِبَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ ; لِشُهُودِ الْمَوَاقِفِ الْفَاضِلَةِ، فَيَكُونُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِهِمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَحَدِيثُ: ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ) الْمُتَوَاتِرُ مِمَّا هُوَ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، حَتَّى بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَتَمَسَّكَ بِهِ لِعَدَالَةِ التَّابِعِينَ أَيْضًا، وَأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ حَتَّى يَقُومَ الْجَرْحُ ; لِقَوْلِهِ فِيهِ: ( «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) . وَهُوَ فِيهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ. وَالْمُرَادُ بِقَرْنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ الصَّحَابَةُ، وَإِنْ أُطْلِقَ الْقَرْنُ عَلَى مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ فِي تَحْدِيدِهَا أَقْوَالٌ، أَدْنَاهَا عَشَرَةُ أَعْوَامٍ، وَأَعْلَاهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ الْوَاقِعُ فِي كَوْنِ آخِرِ الصَّحَابَةِ مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ، إِنِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنَ الْبَعْثَةِ ; إِذِ الْمُدَّةُ مِنْهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ بِقَلِيلٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَفَاةِ أَبِي الطُّفَيْلِ، أَمَّا إِنْ مَشَيْنَا عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ مِائَةٌ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، بَلْ وَقَعَ مَا يَدُلُّ لَهُ فِي حَدِيثٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ مِنْ مَوْتِهِ ﷺ .

стр. 1110

وَمِنَ الْأَدِلَّةِ أَيْضًا مَا جَاءَ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ » ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الثَّقَلَيْنِ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ) . أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ الطُّوسِيِّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النَّمْلِ: ٥٩] ، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ إِيرَادُهُ. وَمِمَّنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَالَتِهِمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، قَالَ: وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُمْ نَقَلَةُ الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ ثَبَتَ تَوَقُّفٌ فِي رِوَايَتِهِمْ لَانْحَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَمَا اسْتَرْسَلَتْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْصَارِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ: الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَطْعًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠١] . قَالَ: فَثَبَتَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّارَ ; لِأَنَّهُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِالْآيَةِ السَّابِقَةِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقْيِيدُ بِالْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالْإِحْسَانِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْيِيدَاتِ الْمَذْكُورَةَ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ: مَنِ اتَّصَفَ بِالْإِنْفَاقِ وَالْقِتَالِ بِالْفِعْلِ أَوْ

стр. 1111

الْقُوَّةِ. وَلَكِنْ قَدْ أَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ كَافَّةَ أَصْحَابِنَا. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ. وَحَكَى الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ فِي لُزُومِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ، قَوْلٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: فَوَحْشِيٌّ قَتَلَ حَمْزَةَ وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَالْوَلِيدُ شَرِبَ الْخَمْرَ. قُلْنَا: مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافُ الْعَدَالَةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّحْبَةِ، وَالْوَلِيدُ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، إِنَّمَا أَصْحَابُهُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَهَذَا عَجِيبٌ، فَالْكُلُّ أَصْحَابُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَقَتْلُ وَحْشِيٍّ لِحَمْزَةٍ كَانَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَأَمَّا الْوَلِيدُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ كَفَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ لَعْنِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ: ( «لَا تَلْعَنْهُ ; فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ) . كَمَا كَفَّ عُمَرَ عَنْ حَاطِبٍ ﵄ قَائِلًا لَهُ: ( «إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ; فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ) . لَا سِيَّمَا وَهُمْ مُخْلِصُونَ فِي التَّوْبَةِ فِيمَا لَعَلَّهُ صَدَرَ مِنْهُمْ، وَالْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ. بَلْ قِيلَ فِي الْوَلِيدِ بِخُصُوصِهِ: إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْكُوفَةِ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَتَرْكُ الْخَوْضِ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ مُتَعَيِّنٌ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ فِي أَوَاخِرِ آدَابِ الْمُحَدِّثِ شَيْئًا مِمَّا يُرَغِّبُ فِي الْحَثِّ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ. وَقَوْلًا آخَرَ: إِنَّهُمْ عُدُولٌ إِلَى وَقْتِ وُقُوعِ الْفِتَنِ، فَأَمَّا بَعْدَ

стр. 1112

ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَمَّنْ لَيْسَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ. وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى رَدِّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا. وَقِيلَ بِهِ فِي الْفَرِيقِ الْآخَرِ. وَ (قِيلَ: لَا) يُحْكَمُ بِعَدَالَةٍ (مَنْ دَخَلَا) مِنْهُمْ (فِي فِتْنَةٍ) مِنَ الْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ مِنْ حِينِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ ; كَالْجَمَلِ وَصِفِّينَ، مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهَا. وَعَنْ بَعْضِهِمْ رَدُّهُمْ، كَأَنَّهُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يُقْبَلُ الدَّاخِلُ فِيهَا إِذَا انْفَرَدَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَالَةُ، وَشَكَكْنَا فِي ضِدِّهَا، وَلَا تُقْبَلُ مَعَ مُخَالِفِهِ ; لِتَحَقُّقِ إِبْطَالِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَوْلَ بِالْعَدَالَةِ يُخَصُّ بِمَنِ اشْتَهَرَ مِنْهُمْ، وَمَنْ عَدَاهُمْ كَسَائِرِ النَّاسِ فِيهِمُ الْعُدُولُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمَازَرِيُّ فِي (شَرْحِ الْبُرْهَانِ) : لَسْنَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا: الصَّحَابَةُ عُدُولٌ، كُلَّ مَنْ رَآهُ ﷺ يَوْمًا مَا، أَوْ زَارَهُ أَوِ اجْتَمَعَ بِهِ لِغَرَضٍ وَانْصَرَفَ عَنْ قَرِيبٍ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، فَأُولَئِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] . وَلَمْ يُوَافَقِ الْمَازَرِيُّ عَلَى ذَلِكَ ; وَلِذَا اعْتَرَضَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ الْعَلَائِيُّ: إِنَّهُ قَوْلٌ غَرِيبٌ يُخْرِجُ كَثِيرًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصُّحْبَةِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ الْحُكْمِ بِالْعَدَالَةِ ; كَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَيْهِ ﷺ وَلَمْ يُقِمْ عِنْدَهُ إِلَّا قَلِيلًا وَانْصَرَفَ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ إِقَامَتِهِ مِنْ أَعْرَابِ الْقَبَائِلِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ كَانَ تَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ بِهِ ﷺ قَلِيلًا، مُقَرَّرًا عِنْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ مُتَّكِئًا فَذَكَرَ مَنْ عِنْدَهُ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ ﵄، فَتَنَاوَلَ رَجُلٌ مُعَاوِيَةَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: (كُنَّا نَنْزِلُ رِفَاقًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنَّا فِي رُفْقَةٍ فِيهَا

стр. 1113

أَبُو بَكْرٍ، فَنَزَلْنَا عَلَى أَهْلِ أَبْيَاتٍ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ حُبْلَى، وَمَعَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ الْحَامِلِ: أَيَسُرُّكِ أَنْ تَلِدِي غُلَامًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي شَاةً وَلَدْتِ غُلَامًا. فَأَعْطَتْهُ، فَسَجَعَ لَهَا أَسْجَاعًا ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الشَّاةِ فَذَبَحَهَا وَطَبَخَهَا، وَجَلَسْنَا نَأْكُلُ مِنْهَا وَمَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا عَلِمَ بِالْقِصَّةِ قَامَ فَتَقَيَّأَ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْبَدَوِيَّ قَدْ أَتَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ هَجَا الْأَنْصَارَ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: لَوْلَا أَنَّ لَهُ صُحْبَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَدْرِي مَا نَالَ فِيهَا لَكَفَيْتُكُمُوهُ، وَلَكِنَّ لَهُ صُحْبَةً. قَالَ: فَتَوَقَّفَ عُمَرُ عَنْ مُعَاتَبَتِهِ، فَضْلًا عَنْ مُعَاقَبَتِهِ ; لِكَوْنِهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ . وَفِي ذَلِكَ أَبْيَنُ شَاهِدٍ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ شَأْنَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَشَرَةِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: ثُمَّ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ، كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ، وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً. فَأَدْنَاهُمْ صُحْبَةً هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُ، وَلَوْ لَقُوا اللَّهَ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَحِبُوا النَّبِيَّ ﷺ وَرَأَوْهُ وَسَمِعُوا مِنْهُ وَآمَنُوا بِهِ وَلَوْ سَاعَةً أَفْضَلَ بِصُحْبَتِهِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَوْ عَمِلُوا كُلَّ أَعْمَالِ الْخَيْرِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَمَا قَالَهُ الْمَازَرِيُّ مُنْتَقَدٌ، بَلْ كُلٌّ مَا عَدَا الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ الْقَائِلَ بِالتَّعْمِيمِ بَاطِلٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ الْمُعْتَبَرُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ ; يَعْنِي مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. زَادَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِيعَابِ) إِجْمَاعَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَلَيْهِ، سَوَاءٌ مَنْ لَمْ يُلَابِسِ الْفِتَنَ مِنْهُمْ أَوْ لَابَسَهَا ; إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَحَمْلًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، فَتِلْكَ أُمُورٌ مَبْنَاهَا عَلَيْهِ، وَكُلُّ

стр. 1114

مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَالْمُخْطِئُ مَعْذُورٌ، بَلْ مَأْجُورٌ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَعْدَ التُّهَمِ ثُبُوتَ الْعِصْمَةِ لَهُمْ، وَاسْتِحَالَةَ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ قَبُولُ رِوَايَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ بِبَحْثٍ عَنْ أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ وَطَلَبِ التَّزْكِيَةِ، إِلَّا إِنْ ثَبَتَ ارْتِكَابُ قَادِحٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَنَحْنُ عَلَى اسْتِصْحَابِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ السِّيَرِ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَمَا صَحَّ فَلَهُ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ مِنْهَا سُيُوفَنَا، فَلَا تُخَضِّبْ بِهَا أَلْسِنَتَنَا. وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَاتِ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَتَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ; فَقَدْ عَمِلُوا بِرَأْيِهِ فِي الْغَسْلِ ثَلَاثًا مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ ﵄ الْوِلَايَاتِ الْجَسِيمَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُ كَمَا فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ: (أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ; فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ) . فَأَفْتَى، وَوَافَقَهُ عَلَى فُتْيَاهُ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ النَّجَّارِ فِي ذَيْلِهِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا فِي حَلْقَةٍ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَجَاءَ شَابٌّ خُرَاسَانِيٌّ حَنَفِيٌّ فَطَالَبَ بِالدَّلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ، فَأَوْرَدَهُ الْمُدَرِّسُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ الشَّابُّ: إِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ. قَالَ الْقَاضِي: فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى سَقَطَتْ عَلَيْهِ حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ سَقْفِ الْجَامِعِ، فَهَرَبَ مِنْهَا فَتَبِعَتْهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ: تُبْ، فَقَالَ: تُبْتُ.

стр. 1115

فَغَابَتِ الْحَيَّةُ وَلَمْ يُرَ لَهَا بَعْدُ أَثَرٌ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ فِي الْإِسْنَادِ: عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَانَ حُجَّةً، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ بِتَعْيِينِهِ ; لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ. وَخَالَفَ ابْنُ مَنْدَهْ فَقَالَ: مِنْ حُكْمِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ تَابِعِيٌّ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا ; كَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، نُسِبَ إِلَى الْجَهَالَةِ. فَإِذَا رَوَى عَنْهُ رَجُلَانِ صَارَ مَشْهُورًا وَاحْتُجَّ بِهِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا بَنَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ صَحِيحَيْهِمَا إِلَّا أَحْرُفًا تَبَيَّنَ أَمْرُهَا. وَيُسَمِّي الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ مُرْسَلًا، وَهُوَ مَرْدُودٌ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ: الْمَجْهُولُ مِنَ الصَّحَابَةِ خَبَرُهُ حُجَّةٌ إِنْ عَمِلَ بِهِ السَّلَفُ أَوْ سَكَتُوا عَنْ رَدِّهِ مَعَ انْتِشَارِهِ بَيْنَهُمْ. فَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ، فَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ عُمِلَ، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّهُ فِي الْمَرْتَبَةِ دُونَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ خَبَرَ الْمَشْهُورِ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ حُجَّةٌ مَا لَمْ يُخَالِفِ الْقِيَاسَ، وَخَبَرَ الْمَجْهُولِ مَرْدُودٌ مَا لَمْ يُؤَيِّدْهُ الْقِيَاسُ ; لِيَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ وَمَنْ لَمْ تَظْهَرْ. [الْمُكْثِرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ] [الْمُكْثِرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ] الرَّابِعَةُ: فِي الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ رِوَايَةً وَإِفْتَاءً. (وَالْمُكْثِرُونَ) مِنْهُمْ رِوَايَةً كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ، الَّذِينَ زَادَ حَدِيثُهُمْ عَلَى أَلْفٍ (سِتَّةُ) ، وَهُمْ: (أَنَسٌ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، وَ (ابْنُ عُمَرَ) عَبْدُ اللَّهِ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (الصِّدِّيقَةُ) ابْنَةُ الصِّدِّيقِ، وَ (الْبَحْرُ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. وَسُمِّيَ بَحْرًا ; لِسَعَةِ عِلْمِهِ وَكَثْرَتِهِ، وَمِمَّنْ سَمَّاهُ بِذَلِكَ أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ التَّابِعِينَ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ، فَقَالَ فِي شَيْءٍ: وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ، يُرِيدُ ابْنَ عَبَّاسٍ. وَ (جَابِرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَ (أَبُو هُرَيْرَةِ) ، وَهُوَ بِإِجْمَاعٍ حَسْبَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ (أَكْثَرُهُمْ) كَمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنُ حَنْبَلٍ، وَتَبِعَهُمَا ابْنُ الصَّلَاحِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِتَرْتِيبِ مَنْ عَدَاهُ فِي

стр. 1116

الْأَكْثَرِيَّةِ. وَالَّذِي يَدُلُّ لِذَلِكَ مَا نُسِبَ لِبَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ مِمَّا أَوْدَعَهُ فِي مُسْنَدِهِ خَاصَّةً كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا لَا مُطْلَقًا ; فَإِنَّهُ رَوَى لِأَبِي هُرَيْرَةَ خَمْسَةَ آلَافٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَسِتِّينَ، وَلِابْنِ عُمَرَ أَلْفَيْنِ وَسِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَلِأَنَسٍ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَسِتَّةً وَثَمَانِينَ، وَلَعَائِشَةَ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَعَشَرَةً، وَلِابْنِ عَبَّاسٍ ألْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتِّينَ، وَلِجَابِرٍ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ. وَلَهُمْ سَابِعٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِابْنِ كَثِيرٍ، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَرَوَى لَهُ بَقِيٌّ أَلْفًا وَمِائَةً وَسَبْعِينَ، وَقَدْ نَظَمَهُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فَقَالَ: أَبُو سَعِيدٍ نِسْبَةً لِخُدْرَةِ سَابِعُهُمْ أُهْمِلَ فِي الْقَصِيدَةِ. وَكَذَا أَدْرَجَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْمُكْثِرِينَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدِيثُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ بَقِيٍّ أَلْفًا ; إِذْ حَدِيثُ أَوَّلِهِمَا عِنْدَهُ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَثَانِيهِمَا سَبْعُمِائَةٍ. وَاسْتِثْنَاءُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهُ مِنْ كَوْنِهِ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا كَمَا فِي الصَّحِيحِ لَا يَخْدِشُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، فَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَكْثَرَ مِنَ اشْتِغَالِهِ بِالتَّعْلِيمِ، فَقَلَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، أَوْ أَنَّ أَكْثَرَ مُقَامِهِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ كَانَ بِمِصْرَ أَوْ بِالطَّائِفِ، وَلَمْ تَكُنِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ كَالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مُتَصَدِّيًا فِيهَا لِلْفَتْوَى وَالتَّحْدِيثِ حَتَّى مَاتَ ; أَوْ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اخْتُصَّ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنْ لَا يَنْسَى مَا يُحَدِّثُهُ بِهِ، فَانْتَشَرَتْ رِوَايَتُهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْوِبَةِ.

стр. 1117

وَالْمُكْثِرُونَ مِنْهُمْ إِفْتَاءً سَبْعَةٌ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةُ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ. (وَالْبَحْرُ) ابْنُ عَبَّاسٍ (فِي الْحَقِيقَةِ أَكْثَرُ) الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ (فَتْوَى) فِيمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِحَيْثُ كَانَ كِبَارُ الصَّحَابَةِ يُحِيلُونَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: ( «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ) ، وَفِي آخَرَ: ( «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ» ) ، وَفِي آخَرَ: ( «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ» ) ؟ ! وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: قَدِمَ عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ وَمَا فِي الْعَرَبِ مِثْلُهُ حَشَمًا وَعِلْمًا وَبَيَانًا وَجَمَالًا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَوْ أَدْرَكَ أَسْنَانَنَا مَا عَاشَرُهُ مِنَّا أَحَدٌ) . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: (هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَجِّ) . ثُمَّ إِنَّ وَصْفَهُ بِالْبَحْرِ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا وَصْفُهُ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ الْبَحْرُ، وَفَعَلَ الْبَحْرُ، يُرِيدُ ابْنَ عَبَّاسٍ. بَلْ سَمَّاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ: حَبْرَ الْأُمَّةِ، وَبَعْضُهُمْ: حَبْرَ الْعَرَبِ، وَتُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ، وَرَبَّانِيَّ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَيَلِي

стр. 1118

هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ فِي الْفَتْوَى عِشْرُونَ، وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ، وَأَبُو مُوسَى، وَمُعَاذٌ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَلْمَانُ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَأَبُو بَكْرَةَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَمُعَاوِيَةُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأُمُّ سَلَمَةَ. قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ صَغِيرٌ. قَالَ: وَفِي الصَّحَابَةِ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مُقِلُّونَ فِي الْفُتْيَا جِدًّا، لَا تُرْوَى عَنِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ وَالْمَسْأَلَتَانِ وَالثَّلَاثُ ; كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي طَلْحَةَ وَالْمِقْدَادِ. وَسَرَدَ الْبَاقِينَ مِمَّا فِي بَعْضِهِ نَظَرٌ، وَقَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا جَمِيعِهِمْ بَعْدَ الْبَحْثِ جُزْءٌ صَغِيرٌ. [ذِكْرُ الْعَبَادِلَةِ وَالْآخِذُونَ عَنْهُمْ] [ذِكْرُ الْعَبَادِلَةِ وَالْآخِذُونَ عَنْهُمْ] وَالْخَامِسَةُ: فِي بَيَانِ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْعَبَادِلَةُ مِنْهُمْ دُونَ سَائِرِ مَنِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. (وَهْوَ) ; أَيْ: الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، (وَابْنُ عُمَرَا) عَبْدُ اللَّهِ، (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عَبْدُ اللَّهِ، (وَابْنُ عَمْرٍو) بْنِ الْعَاصِ ; عَبْدُ اللَّهِ، (قَدْ جَرَى عَلَيْهُمُ بِالشُّهْرَةِ) الْمُسْتَفِيضَةِ (الْعَبَادِلَهْ) فِيمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَالَ: (لَيْسَ) مَنْ جَرَى عَلَيْهِ ذَلِكَ (ابْنَ مَسْعُودٍ) عَبْدَ اللَّهِ، وَإِنْ جَعَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] مِنْ تَفْسِيرِهِ خَامِسًا لَهُمْ. وَكَذَا هُوَ فِي (شَرْحِ الْكَافِيَةِ) لِابْنِ الْحَاجِبِ ; لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ، وَالْآخَرُونَ عَاشُوا حَتَّى احْتِيجَ إِلَى عِلْمِهِمْ، فَكَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ قِيلَ: هَذَا قَوْلُ الْعَبَادِلَةِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: (وَلَا مَنْ شَاكَلَهْ) أَيْضًا ; أَيْ: ابْنَ مَسْعُودٍ فِي التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ اللَّهِ، وَهُمْ نَحْوُ مِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ نَفْسًا، أَوْ نَحْوُ ثَلَاثِمِائَةٍ فِيمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، بَلْ يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. وَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَى الْحَصْرِ فَائِدَةٌ لَحَقَّقْتُهُ.

стр. 1119

وَوَقَعَ كَمَا رَأَيْتُهُ فِي عَبْدٍ مِنَ (الصِّحَاحِ) لِلْجَوْهَرِيِّ ذِكْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَذَكَرَ فِي الْأَلِفِ اللَّيِّنَةِ فِي هَاءٍ مِنْهُ أَيْضًا ابْنَ الزُّبَيْرِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِمْ. وَكَذَا عَدَّهُمُ الرَّافِعِيُّ فِي الدِّيَاتِ مِنَ (الشَّرْحِ الْكَبِيرِ) ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ فِي (الْمُفَصَّلِ) ، وَالْعَلَاءُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا ثَلَاثَةً، لَكِنْ عَيَّنُوهُمْ بِابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. زَادَ الْأَخِيرُ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ، قَالَ: وَعِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: ابْنُ الزُّبَيْرِ بَدَلَ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَمِمَّنْ عَدَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَيْضًا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الْقُرَشِيُّ، حَكَاهُ الْقَاسِمُ التُّجِيبِيُّ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ. وَمِنِ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ هِشَامٍ فِي (التَّوْضِيحِ) وَفِي الْحَجِّ مِنَ الْهِدَايَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: (قَالَ الْعَبَادِلَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ: أَشْهُرُ الْحَجِّ ; شَوَّالٌ. . .) . فَعَطَفَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَيْهِمْ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ. السَّادِسَةُ: وَلَوْ قُدِّمَتْ مَعَ الَّتِي تَلِيهَا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لَكَانَ أَنْسَبَ فِي الْمَتْبُوعِينَ مِنْهُمْ. (وَهْوَ) ; أَيْ: ابْنُ مَسْعُودٍ، (وَزَيْدٌ) هُوَ ابْنُ ثَابِتٍ، (وَابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ) ﵃ (فِي الْفِقْهِ أَتْبَاعٌ) وَأَصْحَابٌ (يَرَوْنَ) فِي عَمَلِهِمْ وَفُتْيَاهُمْ (قَوْلَهُمْ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ حَاصِرًا لِذَلِكَ فِيهِمْ، وَعِبَارَتُهُ: انْتَهَى عِلْمُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِمَّنْ أُخِذَ عَنْهُمُ الْعِلْمُ، وَذَكَرَهُمْ. فَهُمْ كَالْمُقَلَّدِينَ، وَأَتْبَاعُهُمْ كَالْمُقَلِّدِينَ لَهُمْ.

стр. 1120

(وَ) السَّابِعَةُ: (قَالَ مَسْرُوقُ) ابْنُ الْأَجْدَعِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ أَحَدُ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ: (انْتَهَى الْعِلْمُ) الَّذِي كَانَ عِنْدَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (إِلَى سِتَّةِ) أَنْفُسٍ (أَصْحَابٍ) أَيْضًا لِلنَّبِيِّ ﷺ (كِبَارٍ نُبَلَا زَيْدٍ) هُوَ ابْنُ ثَابِتٍ، وَ (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيْمِرٍ، (مَعْ أُبَيِّ) بْنِ كَعْبٍ، وَ (عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ، وَ (عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ مَسْعُودٍ (مَعْ عَلِيِّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃. (ثُمَّ انْتَهَى) ; أَيْ: وَصَلَ مَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ مِنْ عِلْمٍ (لِذَيْنِ) ; أَيْ: لِلْأَخِيرَيْنِ مِنْهُمْ، وَهُمَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ. هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَسْرُوقٍ. وَلَكِنَّ (الْبَعْضُ) مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا، هُوَ الشَّعْبِيُّ، (جَعَلْ) أَبَا مُوسَى (الْأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا) بِالْقَصْرِ (بَدَلْ) بِالْوَقْفِ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ. بَلْ وَجَاءَ كَذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَفْسِهِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: كَانَ الْعِلْمُ يُؤْخَذُ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ يُشْبِهُ عِلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَالْأَشْعَرِيُّ وَأُبَيٌّ يُشْبِهُ عِلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَلَا يَخْدِشُ فِيمَا تَقَدَّمَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ زَيْدٍ وَأَبِي مُوسَى تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٍّ ; لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ انْتِهَاءِ عِلْمِ شَخْصٍ إِلَى آخَرَ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ: إِنَّ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ كَانَا مَعَ مَسْرُوقٍ بِالْكُوفَةِ، فَانْتِهَاءُ الْعِلْمِ إِلَيْهِمَا بِمَعْنَى أَنَّ عُمْدَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَيْهِمَا.

стр. 1121

[عَدَدُ الصَّحَابَةِ] ٧٩٨ - وَالْعَدُّ لَا يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ ... سَبْعُونَ أَلْفًا بِتَبُوكَ وَحَضَرْ ٧٩٩ - الْحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقُبِضْ ... عَنْ ذَيْنِ مَعْ أَرْبَعِ آلَافٍ تَنِضْ ٨٠٠ - وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ ... قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ ٨٠١ - وَالْأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ ... وَبَعْدَهُ الْعُثْمَانُ وَهْوَ الْأَكْثَرُ ٨٠٢ - أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِي ... قُلْتُ: وَقَوْلُ الْوَقْفِ جَا عَنْ مَالِكِ ٨٠٣ - فَالسِّتَّةُ الْبَاقُونَ فَالْبَدْرِيَّهْ ... فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الْمَرْضِيَّهْ ٨٠٤ - قَالَ: وَفَضْلُ السَّابِقِينَ قَدْ وَرَدْ ... فَقِيلَ: هُمْ، وَقِيلَ: بَدْرِيٌّ وَقَدْ ٨٠٥ - قِيلَ: بَلَ اهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ وَاخْتُلِفْ ... أَيَّهُمُ أَسْلَمَ قَبْلُ مِنْ سَلَفْ ٨٠٦ - قِيلَ: أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: بَلْ عَلِي ... وَمُدَّعِي إِجْمَاعِهِ لَمْ يُقْبَلِ ٨٠٧ - وَقِيلَ: زَيْدٌ، وَادَّعَى وِفَاقَا ... بَعْضٌ عَلَى خَدِيجَةَ اتِّفَاقَا [عَدَدُ الصَّحَابَةِ] وَالثَّامِنَةُ: فِي إِحْصَائِهِمْ. (وَالْعَدُّ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ (لَا يَحْصُرُهُمْ) إِجْمَالًا، فَضْلًا عَنْ تَفْصِيلِهِمْ ; لِتَفَرُّقِهِمْ فِي الْبُلْدَانِ وَالنَّوَاحِي، (فَقَدْ) ثَبَتَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَبُوكَ بِخُصُوصِهَا: وَالْمُسْلِمُونَ كَثِيرٌ، لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظِ. وَ (ظَهَرْ) يَعْنِي شَهِدَ مَعَهُ ﷺ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ (سَبْعُونَ أَلْفًا بِتَبُوكَ) الْمَذْكُورَةِ. قَالَ: (وَحَضَرْ) مَعَهُ (الْحَجَّ) ; يَعْنِي الَّذِي لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهُ، وَوَدَّعَ فِيهِ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَاهُمْ بِهَا أَنْ لَا يَرْجِعُوا بَعْدَهُ كُفَّارًا، وَأَكَّدَ التَّوْدِيعَ بِإِشْهَادِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِهِ ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَجَّ الْوَدَاعِ، (أَرْبَعُونَ أَلْفًا) . وَلِكَثْرَتِهِمْ قَالَ جَابِرٌ فِي حِكَايَتِهِ صِفَتَهَا: نَظَرْتُ إِلَى مَدٍّ بَصَرِيٍّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ. (وَقُبِضْ) ﷺ (عَنْ ذَيْنِ) ; أَيْ: الْفَرِيقَيْنِ

стр. 1122

الْمَذْكُورَيْنِ فِي تَبُوكَ وَحَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ مِائَةُ أَلْفٍ وَعَشَرَةُ آلَافٍ، (مَعْ) زِيَادَةِ (أَرْبَعِ آلَافٍ) عَلَى ذَلِكَ، (تَنِضْ) بِكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ; أَيْ: يَتَيَسَّرُ حَصْرُهَا تَشْبِيهًا بِنَضِّ الدَّرَاهِمِ، وَهُوَ تَيَسُّرُهَا، مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ أَوْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ذَلِكَ رَدًّا لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ يُقَالُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ ذَا قَالَ ذَا؟ قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ، هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَمَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَهُ. فَقِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ أَيْنَ كَانُوا وَأَيْنَ سَمِعُوا مِنْهُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَعْرَابِ، وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، كُلٌّ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ بِعَرَفَةَ. قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي ذَيْلِ (الِاسْتِيعَابِ) بَعْدَ إِيرَادِهِ لِهَذَا: أَجَابَ بِهِ أَبُو زُرْعَةَ سُؤَالَ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ الرُّوَاةِ خَاصَّةً، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ انْتَهَى. وَكَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ فِي الْغَزَوَاتِ وَغَيْرِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَوْرَدَهَا أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الذَّيْلِ، قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَكُلٌّ قَدْ رَوَى عَنْهُ سَمَاعًا أَوْ رُؤْيَةً، فَعِلْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ. وَلَكِنَّهَا لَا تُنَافِي الْأُولَى ; لِقَوْلِهِ فِيهَا: زِيَادَةٌ. مَعَ أَنَّهَا أَقْرَبُ لِعَدَمِ التَّوَرُّطِ فِيهَا بِعُهْدَةِ الْحَصْرِ. نَعَمْ، رَوَى الْحَاكِمُ فِي (الْإِكْلِيلِ) مِنْ «حَدِيثِ مُعَاذٍ قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا) » . وَبِهَذِهِ الْعِدَّةِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَأَوْرَدَهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولٍ، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ خُرُوجِهِمْ، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: خَرَجْنَا. وَتَكَامَلَتِ الْعِدَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا فِي الْفَتْحِ هُنَا سَهْوٌ، حَيْثُ عَيَّنَ قَوْلَ أَبِي زُرْعَةَ فِي تَبُوكَ بِأَرْبَعِينَ

стр. 1123

أَلْفًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مُعَاذٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا بِاحْتِمَالِ جَبْرِ الْكَسْرِ، وَجَاءَ ضَبْطُ مَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ بِأَنَّهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عِنَانٍ، قَالَهُ الْحَاكِمُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ. بَلْ عِنْدَهُ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (وَافَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ النَّاسِ، وَوَافَى حُنَيْنًا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَالَ: (لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ) » . ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيمَنْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ، فَعَنِ الشَّافِعِيِّ كَمَا فِي مَنَاقِبِهِ لِلْآبُرِيِّ وَالسَّاجِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ، قَالَ: (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ سِتُّونَ أَلْفًا: ثَلَاثُونَ أَلْفًا بِالْمَدِينَةِ، وَثَلَاثُونَ أَلْفًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا) . وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْهُ، قَالَ: (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَلَّى خَلْفَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ) . وَكَأَنَّهُ عَنَى بِالْمَدِينَةِ ; لِيَلْتَئِمَ مَعَ مَا قَبْلَهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي أَعْمَالِ الْبَاطِنِ فِي التِّلَاوَةِ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ مِنَ (الْإِحْيَاءِ) : مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَعَلَّهُ عَنَى بِالْمَدِينَةِ. وَثَبَتَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَوَجَّهَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِاثْنَيْ عَشَرَ عَامًا بَعْدَ أَنْ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي الرِّدَّةِ وَالْفُتُوحِ الْكَثِيرُ مِمَّنْ لَمْ تُضْبَطْ أَسْمَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فِي الْفُتُوحِ وَفِي الطَّاعُونِ الْعَامِّ وَعَمْوَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً. وَسَبَبُ خَفَاءِ أَسْمَائِهِمْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ أَعْرَابٌ، وَأَكْثَرَهُمْ حَضَرُوا حَجَّةَ

стр. 1124

الْوَدَاعِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي (الْمَدَارِكِ) عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافِ نَفْسٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ: بِالشَّامِ عَشَرَةُ آلَافِ عَيْنٍ رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَ الْكُوفَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ ; مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ بَدْرِيُّونَ. قَالَ: وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدِمَ حِمْصَ مِنَ الصَّحَابَةِ خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ. وَعَنْ بَقِيَّةَ: نَزَلَهَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: الرُّوَاةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى أَلْفَيْنِ، بَلْ هُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَأَنَّ كِتَابَهُ (التَّجْرِيدَ) لَعَلَّ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ نَفْسٍ، إِنْ لَمْ يَزِيدُوا لَمْ يَنْقُصُوا، مَعَ أَنَّ الْكَثِيرَ فِيهِمْ مَنْ لَا يُعْرَفُ. انْتَهَى. وَكَذَا مَعَ كَثْرَةِ التَّكْرِيرِ وَإِيرَادِ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ وَهْمًا، أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ إِدْرَاكٍ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ لِقَاءٌ. وَوُجِدَ بِخَطِّهِ أَيْضًا أَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ نَفْسًا. وَحَصَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ عَدَدَ مَنْ بِـ (الِاسْتِيعَابِ) فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، يَعْنِي مِمَّنْ ذُكِرَ فِيهِ بِاسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ حَصَلَ الْوَهْمُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ عَلَى شُرُوطِهِ قَرِيبًا مِمَّنْ ذَكَرَ. وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا أَسَنَدَهُ أَبُو مُوسَى فِي آخِرِ الذَّيْلِ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: الصَّحَابَةُ خَمْسُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا جَمِيعًا - أَيْ: كُلُّ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ - الْوُقُوفُ عَلَى الْعُشْرِ مِنْ أَسَامِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى عَنْ أَبِي

стр. 1125

زُرْعَةَ. قُلْتُ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا - يَعْنِي: قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ - فَكُلٌّ حَكَى عَلَى قَدْرِ مَا تَتَبَّعَهُ وَمَبْلَغِ عِلْمِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى وَقْتٍ خَاصٍّ وَحَالٍ، فَإِذَنْ لَا تَضَادَّ بَيْنَ كَلَامِهِمْ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [تَفْضِيلُ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ] [تَفْضِيلُ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ] وَالتَّاسِعَةُ: فِي تَفَاوُتِهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ إِجْمَالًا ثُمَّ تَفْصِيلًا. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سِوَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا ذَكَرَ بَعْدَهُمْ إِلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ: (وَهُمْ) بِاعْتِبَارِ سَبْقِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْهِجْرَةِ أَوْ شُهُودِ الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ (طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ) ; أَيْ: عَدُّهَا. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، فَـ (قِيلَ) كَمَا لِلْحَاكِمِ فِي (عُلُومِ الْحَدِيثِ) : هِيَ (اثْنَتَا عَشْرَةَ) طَبَقَةً. فَالْأُولَى: مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ بِمَكَّةَ ; كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. الثَّانِيَةُ: أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ الَّتِي خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِسْلَامَهُ، فَبَايَعُوهُ حِينَئِذٍ فِيهَا. الثَّالِثَةُ: الْمُهَاجِرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ. الرَّابِعَةُ: مُبَايِعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى. الْخَامِسَةُ: أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ. السَّادِسَةُ: الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ وَصَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقُبَاءٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَيَبْنِيَ الْمَسْجِدَ. السَّابِعَةُ: أَهْلُ بَدْرٍ. الثَّامِنَةُ: الْمُهَاجِرَةُ بَيْنَ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ. التَّاسِعَةُ: أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. الْعَاشِرَةُ: الْمُهَاجِرَةُ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ. الْحَادِيَةُ عَشَرَ: مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ. الثَّانِيَةُ عَشَرَ: صِبْيَانٌ وَأَطْفَالٌ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِمَا، يَعْنِي مَنْ عَقَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ.
следующие страницы →