← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5963

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

السخاوي

Полный текст (1 419 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

[عَدَدُ الصَّحَابَةِ] ٧٩٨ - وَالْعَدُّ لَا يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ ... سَبْعُونَ أَلْفًا بِتَبُوكَ وَحَضَرْ ٧٩٩ - الْحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقُبِضْ ... عَنْ ذَيْنِ مَعْ أَرْبَعِ آلَافٍ تَنِضْ ٨٠٠ - وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ ... قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ ٨٠١ - وَالْأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ ... وَبَعْدَهُ الْعُثْمَانُ وَهْوَ الْأَكْثَرُ ٨٠٢ - أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِي ... قُلْتُ: وَقَوْلُ الْوَقْفِ جَا عَنْ مَالِكِ ٨٠٣ - فَالسِّتَّةُ الْبَاقُونَ فَالْبَدْرِيَّهْ ... فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الْمَرْضِيَّهْ ٨٠٤ - قَالَ: وَفَضْلُ السَّابِقِينَ قَدْ وَرَدْ ... فَقِيلَ: هُمْ، وَقِيلَ: بَدْرِيٌّ وَقَدْ ٨٠٥ - قِيلَ: بَلَ اهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ وَاخْتُلِفْ ... أَيَّهُمُ أَسْلَمَ قَبْلُ مِنْ سَلَفْ ٨٠٦ - قِيلَ: أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: بَلْ عَلِي ... وَمُدَّعِي إِجْمَاعِهِ لَمْ يُقْبَلِ ٨٠٧ - وَقِيلَ: زَيْدٌ، وَادَّعَى وِفَاقَا ... بَعْضٌ عَلَى خَدِيجَةَ اتِّفَاقَا [عَدَدُ الصَّحَابَةِ] وَالثَّامِنَةُ: فِي إِحْصَائِهِمْ. (وَالْعَدُّ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ (لَا يَحْصُرُهُمْ) إِجْمَالًا، فَضْلًا عَنْ تَفْصِيلِهِمْ ; لِتَفَرُّقِهِمْ فِي الْبُلْدَانِ وَالنَّوَاحِي، (فَقَدْ) ثَبَتَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَبُوكَ بِخُصُوصِهَا: وَالْمُسْلِمُونَ كَثِيرٌ، لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظِ. وَ (ظَهَرْ) يَعْنِي شَهِدَ مَعَهُ ﷺ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ (سَبْعُونَ أَلْفًا بِتَبُوكَ) الْمَذْكُورَةِ. قَالَ: (وَحَضَرْ) مَعَهُ (الْحَجَّ) ; يَعْنِي الَّذِي لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهُ، وَوَدَّعَ فِيهِ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَاهُمْ بِهَا أَنْ لَا يَرْجِعُوا بَعْدَهُ كُفَّارًا، وَأَكَّدَ التَّوْدِيعَ بِإِشْهَادِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِهِ ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَجَّ الْوَدَاعِ، (أَرْبَعُونَ أَلْفًا) . وَلِكَثْرَتِهِمْ قَالَ جَابِرٌ فِي حِكَايَتِهِ صِفَتَهَا: نَظَرْتُ إِلَى مَدٍّ بَصَرِيٍّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ. (وَقُبِضْ) ﷺ (عَنْ ذَيْنِ) ; أَيْ: الْفَرِيقَيْنِ

стр. 1122

الْمَذْكُورَيْنِ فِي تَبُوكَ وَحَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ مِائَةُ أَلْفٍ وَعَشَرَةُ آلَافٍ، (مَعْ) زِيَادَةِ (أَرْبَعِ آلَافٍ) عَلَى ذَلِكَ، (تَنِضْ) بِكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ; أَيْ: يَتَيَسَّرُ حَصْرُهَا تَشْبِيهًا بِنَضِّ الدَّرَاهِمِ، وَهُوَ تَيَسُّرُهَا، مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ أَوْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ذَلِكَ رَدًّا لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ يُقَالُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ ذَا قَالَ ذَا؟ قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ، هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَمَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَهُ. فَقِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ أَيْنَ كَانُوا وَأَيْنَ سَمِعُوا مِنْهُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَعْرَابِ، وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، كُلٌّ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ بِعَرَفَةَ. قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي ذَيْلِ (الِاسْتِيعَابِ) بَعْدَ إِيرَادِهِ لِهَذَا: أَجَابَ بِهِ أَبُو زُرْعَةَ سُؤَالَ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ الرُّوَاةِ خَاصَّةً، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ انْتَهَى. وَكَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ فِي الْغَزَوَاتِ وَغَيْرِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَوْرَدَهَا أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الذَّيْلِ، قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَكُلٌّ قَدْ رَوَى عَنْهُ سَمَاعًا أَوْ رُؤْيَةً، فَعِلْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ. وَلَكِنَّهَا لَا تُنَافِي الْأُولَى ; لِقَوْلِهِ فِيهَا: زِيَادَةٌ. مَعَ أَنَّهَا أَقْرَبُ لِعَدَمِ التَّوَرُّطِ فِيهَا بِعُهْدَةِ الْحَصْرِ. نَعَمْ، رَوَى الْحَاكِمُ فِي (الْإِكْلِيلِ) مِنْ «حَدِيثِ مُعَاذٍ قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا) » . وَبِهَذِهِ الْعِدَّةِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَأَوْرَدَهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولٍ، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ خُرُوجِهِمْ، كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: خَرَجْنَا. وَتَكَامَلَتِ الْعِدَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا فِي الْفَتْحِ هُنَا سَهْوٌ، حَيْثُ عَيَّنَ قَوْلَ أَبِي زُرْعَةَ فِي تَبُوكَ بِأَرْبَعِينَ

стр. 1123

أَلْفًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مُعَاذٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا بِاحْتِمَالِ جَبْرِ الْكَسْرِ، وَجَاءَ ضَبْطُ مَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ بِأَنَّهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عِنَانٍ، قَالَهُ الْحَاكِمُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ. بَلْ عِنْدَهُ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (وَافَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ النَّاسِ، وَوَافَى حُنَيْنًا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَالَ: (لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ) » . ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيمَنْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ، فَعَنِ الشَّافِعِيِّ كَمَا فِي مَنَاقِبِهِ لِلْآبُرِيِّ وَالسَّاجِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ، قَالَ: (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ سِتُّونَ أَلْفًا: ثَلَاثُونَ أَلْفًا بِالْمَدِينَةِ، وَثَلَاثُونَ أَلْفًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا) . وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْهُ، قَالَ: (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَلَّى خَلْفَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ) . وَكَأَنَّهُ عَنَى بِالْمَدِينَةِ ; لِيَلْتَئِمَ مَعَ مَا قَبْلَهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي أَعْمَالِ الْبَاطِنِ فِي التِّلَاوَةِ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ مِنَ (الْإِحْيَاءِ) : مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَعَلَّهُ عَنَى بِالْمَدِينَةِ. وَثَبَتَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَوَجَّهَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِاثْنَيْ عَشَرَ عَامًا بَعْدَ أَنْ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي الرِّدَّةِ وَالْفُتُوحِ الْكَثِيرُ مِمَّنْ لَمْ تُضْبَطْ أَسْمَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فِي الْفُتُوحِ وَفِي الطَّاعُونِ الْعَامِّ وَعَمْوَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً. وَسَبَبُ خَفَاءِ أَسْمَائِهِمْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ أَعْرَابٌ، وَأَكْثَرَهُمْ حَضَرُوا حَجَّةَ

стр. 1124

الْوَدَاعِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي (الْمَدَارِكِ) عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوُ عَشَرَةِ آلَافِ نَفْسٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ: بِالشَّامِ عَشَرَةُ آلَافِ عَيْنٍ رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَ الْكُوفَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ ; مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ بَدْرِيُّونَ. قَالَ: وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدِمَ حِمْصَ مِنَ الصَّحَابَةِ خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ. وَعَنْ بَقِيَّةَ: نَزَلَهَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: الرُّوَاةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى أَلْفَيْنِ، بَلْ هُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَأَنَّ كِتَابَهُ (التَّجْرِيدَ) لَعَلَّ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ نَفْسٍ، إِنْ لَمْ يَزِيدُوا لَمْ يَنْقُصُوا، مَعَ أَنَّ الْكَثِيرَ فِيهِمْ مَنْ لَا يُعْرَفُ. انْتَهَى. وَكَذَا مَعَ كَثْرَةِ التَّكْرِيرِ وَإِيرَادِ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ وَهْمًا، أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ إِدْرَاكٍ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ لِقَاءٌ. وَوُجِدَ بِخَطِّهِ أَيْضًا أَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ نَفْسًا. وَحَصَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ عَدَدَ مَنْ بِـ (الِاسْتِيعَابِ) فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، يَعْنِي مِمَّنْ ذُكِرَ فِيهِ بِاسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ حَصَلَ الْوَهْمُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ عَلَى شُرُوطِهِ قَرِيبًا مِمَّنْ ذَكَرَ. وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا أَسَنَدَهُ أَبُو مُوسَى فِي آخِرِ الذَّيْلِ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: الصَّحَابَةُ خَمْسُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا جَمِيعًا - أَيْ: كُلُّ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ - الْوُقُوفُ عَلَى الْعُشْرِ مِنْ أَسَامِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى عَنْ أَبِي

стр. 1125

زُرْعَةَ. قُلْتُ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا - يَعْنِي: قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ - فَكُلٌّ حَكَى عَلَى قَدْرِ مَا تَتَبَّعَهُ وَمَبْلَغِ عِلْمِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى وَقْتٍ خَاصٍّ وَحَالٍ، فَإِذَنْ لَا تَضَادَّ بَيْنَ كَلَامِهِمْ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [تَفْضِيلُ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ] [تَفْضِيلُ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ] وَالتَّاسِعَةُ: فِي تَفَاوُتِهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ إِجْمَالًا ثُمَّ تَفْصِيلًا. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سِوَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا ذَكَرَ بَعْدَهُمْ إِلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ: (وَهُمْ) بِاعْتِبَارِ سَبْقِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْهِجْرَةِ أَوْ شُهُودِ الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ (طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ) ; أَيْ: عَدُّهَا. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، فَـ (قِيلَ) كَمَا لِلْحَاكِمِ فِي (عُلُومِ الْحَدِيثِ) : هِيَ (اثْنَتَا عَشْرَةَ) طَبَقَةً. فَالْأُولَى: مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ بِمَكَّةَ ; كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. الثَّانِيَةُ: أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ الَّتِي خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِسْلَامَهُ، فَبَايَعُوهُ حِينَئِذٍ فِيهَا. الثَّالِثَةُ: الْمُهَاجِرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ. الرَّابِعَةُ: مُبَايِعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى. الْخَامِسَةُ: أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ. السَّادِسَةُ: الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ وَصَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقُبَاءٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ وَيَبْنِيَ الْمَسْجِدَ. السَّابِعَةُ: أَهْلُ بَدْرٍ. الثَّامِنَةُ: الْمُهَاجِرَةُ بَيْنَ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ. التَّاسِعَةُ: أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. الْعَاشِرَةُ: الْمُهَاجِرَةُ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ. الْحَادِيَةُ عَشَرَ: مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ. الثَّانِيَةُ عَشَرَ: صِبْيَانٌ وَأَطْفَالٌ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِمَا، يَعْنِي مَنْ عَقَلَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ.

стр. 1126

وَقِيلَ كَمَا لِابْنِ سَعْدٍ فِي (الطَّبَقَاتِ) لَهُ: خَمْسٌ. فَالْأُولَى: الْبَدْرِيُّونَ. الثَّانِيَةُ: مَنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا مِمَّنْ هَاجَرَ عَامَّتُهُمْ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَشَهِدُوا أُحُدًا فَمَا بَعْدَهَا. الثَّالِثَةُ: مَنْ شَهِدَ الْخَنْدَقَ فَمَا بَعْدَهَا. وَالرَّابِعَةُ: مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ فَمَا بَعْدَهَا. الْخَامِسَةُ: الصِّبْيَانُ وَالْأَطْفَالُ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ، سَوَاءٌ حَفِظَ عَنْهُ - وَهُمُ الْأَكْثَرُ - أَمْ لَا. (أَوْ تَزِيدُ) عَلَى الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَضْلًا عَمَّا دُونَهَا. وَمِنَ الثَّانِي: (وَالْأَفْضَلُ) مِنْهُمْ مُطْلَقًا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبُو بَكْرٍ (الصِّدِّيقُ) خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ; لِأَدِلَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، مِنْهَا «قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ وَقَدْ رَآهُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ: (يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَمْشِي أَمَامَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ) » . وَقِيلَ لَهُ: الصِّدِّيقُ ; لِمُبَادَرَتِهِ إِلَى تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِيمَانِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ كَبْوَةٌ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَتَلَعْثَمْ» ) . وَاعْلَمْ أَنَّهُ بِمُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ يُلْغَزُ فَيُقَالُ لَنَا: صَحَابِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَهُوَ عِيسَى الْمَسِيحُ ﵊. وَإِلَيْهِ أَشَارَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ بِقَوْلِهِ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي فِي أَوَاخِرِ الْقَوَاعِدِ.

стр. 1127

مَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ ... خَيْرِ الصِّحَابِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ عُمَرْ وَمِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ عُثْمَانَ وَهْوَ فَتًى ... مِنْ أُمَّةِ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرْ (ثُمَّ) يَلِي أَبَا بَكْرٍ (عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَيْضًا. وَمِمَّنْ حَكَى إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ، فَقَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَلَا الْخَلَفِ، قَالَ: وَلَا مُبَالَاةَ بِأَقْوَالِ أَهْلِ التَّشَيُّعِ وَلَا أَهْلِ الْبِدَعِ. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الِاعْتِقَادِ لَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَيْضًا قَالَ: مَا اخْتَلَفَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَقْدِيمِهِمَا عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ. وَكَذَا جَاءَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَفَضْلِهِمَا. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ كَمَا سَيَأْتِي: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ ! (وَبَعْدَهُ) ; أَيْ: بَعْدَ عُمَرَ، إِمَّا (عُثْمَانُ) بْنُ عَفَّانَ، (وَهْوَ الْأَكْثَرُ) ; أَيْ: قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّ تَرْتِيبَهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ. (أَوْ فَعَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ (قَبْلَهُ) ; أَيْ: قَبْلَ عُثْمَانَ وَبَعْدَ عُمَرَ، (خُلْفٌ) ; أَيْ: خِلَافٌ (حُكِي) . وَإِلَى الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ ذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَجَمْعٌ، كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَطَائِفَةٌ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا. وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ حِكَايَتَهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَقِيلَ لِلثَّوْرِيِّ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ كُوفِيٌّ. ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ. زَادَ غَيْرُهُ: وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ صَاحِبِهِ وَكِيعٍ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ - أَيْ: هَذَا الْمَذْهَبُ - ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ وَإِنْ نَصَرَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْخَطَّابِيُّ. وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الثَّوْرِيُّ كَمَا حَكَيْتُهُ فِي الثَّامِنَةِ فِي

стр. 1128

إِحْصَائِهِمْ. وَصَدَقَ ﵀ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ ; فَإِنَّ عُمَرَ لَمَّا جَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ انْحَصَرَ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَاجْتَهَدَ فِيهِمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، حَتَّى سَأَلَ النِّسَاءَ فِي خُدُورِهِنَّ وَالصِّبْيَانَ فِي الْمَكَاتِبِ، فَلَمْ يَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ أَحَدًا، فَقَدَّمَهُ عَلَى عَلِيٍّ، وَوَلَّاهُ الْأَمْرَ قَبْلَهُ. «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كُنَّا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ) » . وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ غَرِيبٌ: « (كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ) » . وَفِي آخَرَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَصْرَحُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ اطِّلَاعِهِ ﷺ : « (كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ) » . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمْ، الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَرَّكَهُ أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ فِيهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَثَ السِّنِّ. وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عُمَرَ الْإِزْرَاءَ بِعَلِيٍّ وَلَا تَأَخُّرَهُ وَدَفْعَهُ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ، فَفَضْلُهُ مَشْهُورٌ لَا يُنْكِرُهُ ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَإِلَى الْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ عُثْمَانَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي اعْتِقَادِهِ عَنْهُمَا، وَحَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَكَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي

стр. 1129

عِيَاضٌ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَلَكِنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي التَّفْضِيلِ، أَهُوَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ؟ فَالَّذِي مَالَ إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ مَالِكٍ الْآتِي نَقْلُهُ مِنَ (الْمُدَوَّنَةِ) . وَالَّذِي مَالَ إِلَيْهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي (الْإِرْشَادِ) الثَّانِي، وَعِبَارَتُهُ: لَمْ يَقُمْ عِنْدَنَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ عَلَى بَعْضٍ ; إِذِ الْعَقْلُ لَا يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي فَضَائِلِهِمْ مُتَعَارِضَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَلَقِّي التَّفْضِيلِ مِنْ مَنْعِ إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ. وَلَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ عُمَرُ أَفْضَلُهُمْ بَعْدَهُ، وَتَتَعَارَضُ الظُّنُونُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. وَبِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا جَزَمَ صَاحِبُ (الْمُفْهِمِ) . (قُلْتُ: وَقَوْلُ الْوَقْفِ) عَنْ تَفْضِيلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (جَا) بِالْقَصْرِ (عَنْ مَالِكِ) حَسْبَمَا عَزَاهُ الْمَازَرِيُّ لِنَصِّ (الْمُدَوَّنَةِ) ، يَعْنِي فِي آخِرِ الدِّيَاتِ مِنْهَا، وَأَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. زَادَ عِيَاضٌ فِيمَا عَزَاهُ إِلَيْهَا: ثُمَّ عُمَرُ. ثُمَّ قَالَ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ قِيلَ لَهُ: فَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ؟ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِمَّنْ أَقْتَدِي بِهِ يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَنَرَى الْكَفَّ عَنْ ذَلِكَ. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ ; مِنْهُمْ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَمِنِ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ حَزْمٍ. وَقَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْمَاضِي: وَتَتَعَارَضُ الظُّنُونُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، يَمِيلُ أَيْضًا إِلَى التَّوَقُّفِ. لَكِنْ قَدْ حَكَى عِيَاضٌ أَيْضًا قَوْلًا عَنْ مَالِكٍ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْوَقْفِ إِلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ عِيَاضٌ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَفُّهُ وَكَفُّ مَنِ اقْتَدَى بِهِ لِمَا كَانَ شَجَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّعَصُّبِ. بَلْ حَكَى الْمَازَرِيُّ قَوْلًا بِالْإِمْسَاكِ عَنِ التَّفْضِيلِ مُطْلَقًا، وَعَزَاهُ الْخَطَّابِيُّ لِقَوْمٍ، وَحَكَى هُوَ قَوْلًا آخَرَ بِتَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ، وَعَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ، قَالَ: وَكَانَ

стр. 1130

بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا تَهَافُتٌ فِي الْقَوْلِ. وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْعِلْمِ، فَلَا تَهَافُتَ، خُصُوصًا وَقَدْ مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ، لَكِنْ فِي التَّابِعِينَ كَمَا سَيَأْتِي، حَيْثُ وَجَّهَ قَوْلَ أَحْمَدَ بِتَفْضِيلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مَعَ النَّصِّ فِي أُوَيْسٍ بِقَوْلِهِ: فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْعِلْمِ، لَا الْخَيْرِيَّةِ، كَمَا سَلَكَهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْخَطَّابِيِّ. انْتَهَى. وَبَقِيَّةُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: وَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ غَيْرُ بَابِ الْفَضِيلَةِ، قَالَ: وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: إِنَّ الْحُرَّ الْهَاشِمِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبْدِ الرُّومِيِّ أَوِ الْحَبَشِيِّ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ الْحَبَشِيُّ خَيْرًا مِنْ هَاشِمِيٍّ فِي مَعْنَى الطَّاعَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لِلنَّاسِ، فَبَابُ الْخَيْرِيَّةِ مُتَعَدٍّ، وَبَابُ الْفَضِيلَةِ لَازِمٌ، وَنَحْوُهُ مَنْ كَانَ يُقَدِّمُ عَلِيًّا لِفَضِيلَتِهِ وَفَضْلِ أَهْلِ بَيْتِهِ، مَعَ اعْتِرَافِهِ بِفَضْلِ الشَّيْخَيْنِ ; كَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَتَانِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ لَبَدَأْتُ بِحَاجَةِ عَلِيٍّ قَبْلَهُمَا ; لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقَدِّمَهُ عَلَيْهِمَا. وَكَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَانَتِ الْخَوَارِجُ يَرْمُونَهُ بِاتِّصَالِهِ بِعَلِيٍّ وَقَوْلِهِ بِفَضْلِهِ وَفَضْلِ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ عَلِيًّا. وَقَدْ قَالَ السِّرَّاجُ: ثَنَا خُشَيْشٌ الصُّوفِيُّ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: كَانَ رَأْيُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَأْيَ أَصْحَابِهِ الْكُوفِيِّينَ، يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ رَجَعَ وَهُوَ يُفَضِّلُ عُمَرَ عَلَى عَلِيٍّ، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى عُثْمَانَ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ الثَّوْرِيِّ مِنَ (الْحِلْيَةِ) . وَكَذَا حَكَى الْمَازَرِيُّ عَنْ

стр. 1131

الشِّيعَةِ تَفْضِيلَهُ، وَعَنِ الْخَطَّابِيَّةِ تَفْضِيلَ عُمَرَ، وَعَنِ الرَّاوِنْدِيَّةِ تَفْضِيلَ الْعَبَّاسِ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ وَطَائِفَةً ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ ﷺ فِي بَعْضِهِمْ: (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) ، وَعَيَّنَ بَعْضَهُمْ ; مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَكُلُّ هَذَا مَرْدُودٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَجَامِعِ وَالْمَشَاهِدِ وَعَلَى الْمَنَابِرِ. وَلِبَعْضِهِمْ: أَبُو بَكْرٍ عَلَى السُّنَّهْ ... وَفَارُوقٌ فَتَى الْجَنَّهْ وَعُثْمَانُ بِهِ الْمِنَّهْ ... عَلِيٌّ حُبُّهُ جُنَّهْ. وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا عَقِبَ الْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ عُمَرَ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ فِي الْمَنَامِ الَّذِي فِيهِ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ مَا نَصُّهُ: وَهُوَ تَمَسُّكٌ وَاهٍ. وَعَقِبَ الْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، لَيْسَ قَائِلُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ عَقِبَ آخِرِهَا: وَهَذَا الْإِطْلَاقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَلَا مَقْبُولٍ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّلَائِلِ) وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: ذَكَرَ رِجَالٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُمْ فَضَّلُوهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، يَعْنِي بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَاللَّهِ وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عَمَلِي كُلَّهُ مِثْلُ عَمَلِهِ يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيهِ، أَمَّا لَيْلَتُهُ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْغَارِ، وَأَمَّا يَوْمُهُ فَذَكَرَ الرِّدَّةَ. وَثَبَتَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ رَجُلٌ آخَرُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَتِ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ أَبُو الْأَزْهَرِ: سَمِعْتُ

стр. 1132

عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: أُفَضِّلُ الشَّيْخَيْنِ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ إِيَّاهُمَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يُفَضِّلْهُمَا مَا فَضَّلْتُهُمَا، كَفَى بِي إِزْرَاءً أَنْ أُحِبَّ عَلِيًّا ثُمَّ أُخَالِفَ قَوْلَهُ. وَلَا يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ) . وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: ( «عَلِيٌّ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ» ) . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا» ) . فَمَا انْفَرَدَ بِهِ الصِّدِّيقُ أَعْلَى وَأَغْلَى وَأَشْمَلُ وَأَكْمَلُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ حَسْبَمَا أَوْرَدَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي (نَوَادِرَ الْأُصُولِ) لَهُ عَنْهُ، بَلْ أَوْرَدَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْعِلْمِ مِنَ (الْإِحْيَاءِ) مَرْفُوعًا: ( «مَا فَضَلَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا بِكَثْرَةِ صِيَامٍ، وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ» ) . وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَفْرَدَ مَنَاقِبَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَمَنَاقِبَ أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ، وَهِيَ فِي مُجَلَّدٍ لَطِيفٍ مِنْ تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ. وَلِأَبِي بَكْرٍ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ

стр. 1133

الْفِرْيَابِيِّ جُزْءٌ فِيهِ سَوَابِقُ الصِّدِّيقِ وَفَضَائِلُهُ، وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَعَمَرَ وَحْدَهُ أَبُو عُمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ ذِي زَيْلٍ الدِّمَشْقِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَمَنَاقِبَ عُثْمَانَ ابْنُ حَبِيبٍ. وَمَنَاقِبَ عَلِيٍّ النَّسَائِيُّ فِي (الْخَصَائِصِ) . وَمَنَاقِبَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ابْنُ زَنْجُوَيَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ، فِي الْآخَرِينَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ. وَفَضَائِلَ الْعَشَرَةِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَفَضَائِلَ الصَّحَابَةِ مُطْلَقًا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، وَبَكْرٌ الْقَاضِي، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ فُطَيْسٍ قَاضِي قُرْطُبَةَ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا حَدِيثِيَّةً. وَهَذَا بَابٌ لَا انْتِهَاءَ لَهُ. (فَـ) يَلِي الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ (السِّتَّةُ الْبَاقُونَ) مِنَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ، وَهُمْ: طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ نَظَمَهُمْ شَيْخُنَا مَعَ الْأَرْبَعَةِ فِي بَيْتٍ مُفْرَدٍ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، فَقَالَ فِيمَا أَنْشَدَنِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ: لَقَدْ بَشَّرَ الْهَادِي مِنَ الصَّحْبِ زُمْرَةً ... بِجَنَّاتِ عَدْنٍ كُلُّهُمْ فَضْلُهُ اشْتَهَرْ سَعِيدٌ، زُبَيْرٌ، سَعْدٌ، طَلْحَةٌ، عَامِرٌ ... أَبُو بَكْرٍ، عُثْمَانُ، ابْنُ عَوْفٍ، عَلِيٌّ، عُمَرْ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ: خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ... هُمُ الْعَشْرُ طُرًّا بُشِّرُوا بِجِنَانِ زُبَيْرٌ، وَطَلْحٌ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَعَامِرٌ ... وَسَعْدَانِ وَالصِّهْرَانِ وَالْخَتَنَانِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ: أَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الْبَاقُونَ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ. (فَـ) يَلِيهِمِ الطَّائِفَةُ (الْبَدْرِيَّهْ) أَيْ: الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، فَالْمُهَاجِرُونَ نَيِّفٌ

стр. 1134

عَلَى سِتِّينَ، وَالْأَنْصَارُ نَيِّفٌ وَأَرْبَعُونَ وَمِائَتَانِ ; فَقَدْ «قَالَ ﷺ لِعُمَرَ فِي بَعْضِ مَنْ شَهِدَهَا: (أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ; فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ، أَوْ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) ، فَدَمَعَتْ عَيْنُ عُمَرَ» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالتَّرَجِّي فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْوُقُوعِ. وَيَتَأَيَّدُ بِوُقُوعِهِ بِالْجَزْمِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ. . . . . وَذَكَرَهُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ( «لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا» ) . (فَـ) يَلِيهِمْ (أُحُدٌ) ; أَيْ: أَهْلُ أُحُدٍ الَّذِينَ شَهِدُوهَا. وَكَانُوا فِيمَا قَالَهُ عُرْوَةٌ حِينَ خُرُوجِهِمْ أَلْفًا، فَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثَلَاثِمِائَةٍ، وَبَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعُمِائَةٍ، اسْتُشْهِدَ مِنْهُمُ الْكَثِيرُ. (فَـ) يَلِيهِمْ (الْبَيْعَةُ الْمَرْضِيَّهْ) ; أَيْ: أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةَ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ١٨] . وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَوَاخِرِ خُطْبَةِ الِاسْتِيعَابِ: وَلَيْسَ فِي غَزَوَاتِهِ مَا يَعْدِلُ بِهَا - يَعْنِي بَدْرًا - فِي الْفَضْلِ وَيَقْرُبُ مِنْهَا إِلَّا غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : ( «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ» ) . (قَالَ) ابْنُ الصَّلَاحِ: (وَفَضْلُ السَّابِقِينَ) الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (قَدْ وَرَدْ) فِي الْقُرْآنِ إِيمَاءً لَا نَصًّا. نَعَمْ، النَّصُّ الصَّرِيحُ فِي تَفْضِيلِ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّابِقِينَ (فَقِيلَ) كَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: (هُمْ) ; أَيْ: الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، رَوَاهُ سُنَيْدٌ وَعَبْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. (وَقِيلَ) كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: (بَدْرِيٌّ) ; أَيْ: أَهْلُ بَدْرٍ. حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سُنَيْدٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ إِلَيْهِمَا. (وَقَدْ قِيلَ: بَلَ اهْلُ) بِالنَّقْلِ (الْقِبْلَتَيْنِ) الَّذِينَ صَلَّوْا إِلَيْهِمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَرَوَاهُ سُنَيْدٌ وَعَبْدٌ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ

стр. 1135

سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ سِيرِينَ وَقَتَادَةَ. وَهُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ عَبْدٌ عَنْ قَتَادَةَ وَحْدَهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ. بَلْ عَنِ الْحَسَنِ كَمَا رَوَاهُ سُنَيْدٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُمُ الَّذِينَ كَانَ إِسْلَامُهُمْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَصَحَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا قَبْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الْفَتْحِ: ١] ; وَلِذَا لَمَّا سُئِلَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَبِلَالٍ ﵄، قَالَ: بِلَالٌ وَأَمْثَالُهُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبَّاسِ وَأَمْثَالِهِ مِنَ التَّابِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ ; لِأَنَّهُ قَيَّدَ التَّابِعِينَ بِشَرْطِ الْإِحْسَانِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي زَمَانِهِ بِأَمْرِهِ، أَوْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِهِ، لَا يَعْدِلُهُ فِي الْفَضْلِ أَحَدٌ بَعْدَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَلَكِنْ لَمْ يُوَافَقِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ بِلَالٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ: كَانَ الْعَبَّاسُ أَعْظَمَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالصَّحَابَةُ يَعْتَرِفُونَ لِلْعَبَّاسِ بِفَضْلِهِ، وَيُشَاوِرُونَهُ وَيَأْخُذُونَ بِرَأْيِهِ، وَقَوْلِهِ ﷺ : ( «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ) ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَاقِبِ الْمُفْرَدَةِ فِي عِدَّةِ تَآلِيفَ ; كَاسْتِسْقَاءِ عُمَرَ بِهِ ﵄، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَسْلَمَ وَهَاجَرَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، وَكَمْ لَهُ ﵁ مِنْ مَآثِرَ حَسَنَةٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: (مَرَّ عُمَرُ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ:

стр. 1136

﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] الْآيَةَ. فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى أَذْهَبَ بِكَ إِلَيْهِ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَأَنْتَ أَقْرَأْتَ هَذَا هَذِهِ الْآيَةَ هَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّا رُفِعْنَا رِفْعَةً لَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بَعْدَنَا. فَقَالَ أُبَيٌّ: تَصْدِيقُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٣] ، وَفِي سُورَةِ الْحَشْرِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] ، وَفِي الْأَنْفَالِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] الْآيَةَ. (وَ) الْعَاشِرَةُ: فِي أَوَّلِهِمْ إِسْلَامًا وَآخِرِهِمْ مَوْتًا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَـ (اخْتُلِفْ أَيَّهُمُ) بِالنَّصْبِ (أَسْلَمَ قَبْلُ مِنْ سَلَفْ) ; أَيْ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي أَيِّ الصَّحَابَةِ أَوَّلُ إِسْلَامًا، عَلَى أَقْوَالٍ. (فَقِيلَ) كَمَا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ سَأَحْكِي عَنْهُ: (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ ; لِقَوْلِهِ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْهُ: (أَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) . «وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ حِينَ سَأَلَهُ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ: (حُرٌّ وَعَبْدٌ) ; يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا» . وَلِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالثَّانِي وَالتَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وَلِقَوْلِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ:

стр. 1137

وَسُمِّيتَ صِدِّيقًا وَكُلُّ مُهَاجِرٍ ... سِوَاكَ يُسَمَّى بِاسْمِهِ غَيْرَ مُنْكَرِ سَبَقْتَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ شَاهِدٌ ... وَكُنْتَ جَلِيسًا فِي الْعَرِيشِ الْمُشْهَرِ (وَقِيلَ: بَلْ) أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا (عَلِي) بْنُ أَبِي طَالِبٍ ; لِقَوْلِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: (اللَّهُمَّ لَا أَعْرِفُ عَبْدَكَ قَبْلِي غَيْرَ نَبِيِّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَقَدْ صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ سَبْعًا) . وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. وَلِقَوْلِهِ مِمَّا أَنْشَدَهُ الْقُضَاعِيُّ: سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... صَغِيرًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلُمِي وَلِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَجَابِرٍ وَخَبَّابٍ وَخُزَيْمَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَسَلْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَعَفِيفٍ الْكِنْدِيِّ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي رَافِعٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي آخَرِينَ، مِنْهُمْ مُسْلِمٌ الْمُلَائِيُّ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيِّ لِخُزَيْمَةَ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ هَذَا الْأَمْرَ مُنْصَرِفًا ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنٍ أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِهِمْ ... وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْفُرْقَانِ وَالسُّنَنِ وَأَنْشَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِبَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ التَّاهَرْتِيِّ: قُلْ لِابْنِ مُلْجِمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... هَدَّمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانَا قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا وَإِيمَانَا وَأَنْشَدَ الْفَرْغَانِيُّ فِي الذَّيْلِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ يَذْكُرُ عَلِيًّا وَسَابِقَتَهُ مَعَ كَوْنِهِ يُرْمَى

стр. 1138

بِأَنَّهُ نَاصِبِيٌّ: فَأَوَّلُ مَنْ ضَلَّ فِي مَوْقِفٍ ... يُصَلِّي مَعَ الطَّاهِرِ الطَّيِّبِ (وَ) لَكِنْ (مُدَّعِي إِجْمَاعِهِ) ; أَيْ: الْإِجْمَاعِ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ ; حَيْثُ قَالَ فِي (عُلُومِ الْحَدِيثِ) لَهُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بُلُوغِ عَلِيٍّ، (لَمْ يُقْبَلِ) ، بَلِ اسْتُنْكِرَ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى إِطْلَاقِ الْأَوَّلِيَّةِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْحَاكِمَ قَالَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ ; لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الْمَاضِي. (وَقِيلَ) حَسْبَمَا ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا (زَيْدٌ) هُوَ ابْنُ حَارِثَةَ، (وَادَّعَى) حَالَ كَوْنِهِ (وِفَاقَا) ; أَيْ: مُوَافِقًا لِمَنْ سَبَقَهُ إِلَى مُطْلَقِ الْقَوْلِ بِهِ ; كَقَتَادَةَ وَابْنِ إِسْحَاقَ صَاحِبِ (الْمَغَازِي) . بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَائِشَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَنَافَعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (بَعْضٌ) ; كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالثَّعْلَبِيِّ، (عَلَى خَدِيجَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَنَّهَا أَوَّلُ الْخَلْقِ إِسْلَامًا (اتِّفَاقَا) . زَادَ الثَّعْلَبِيُّ: وَإِنَّ الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَعْدَهَا. وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حِكَايَةَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَ عَلِيٍّ بَعْدَهَا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَوْنُهَا أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقَاتِ فِي أَوَّلِ الْبَعْثَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُحَقِّقِينَ. وَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّ

стр. 1139

عَلِيًّا أَخْفَى إِسْلَامَهُ مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ إِسْلَامَهُ ; وَلِذَلِكَ شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا فِي قَوْلِ عَمَّارٍ: ( «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ» ) ، مُرَادُهُ مِمَّنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، لَكِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَهُ مِنْ أَقَارِبِهِمْ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَنْ آمَنَ خَدِيجَةُ، ثُمَّ عَلِيٌّ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ آمَنَ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ زَيْدٌ، فَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ بَعْدَ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ فَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَدَعَا إِلَى اللَّهِ، فَأَسْلَمَ بِدُعَائِهِ عُثْمَانُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةُ، فَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ الثَّمَانِيَةَ أَسْبَقُ النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ. وَقِيلَ فِيمَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا بِلَالٌ ; لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ الْمَاضِي. وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ الصَّلَاحِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَقَالَ: وَالْأَوْرَعُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الْمَوَالِي زَيْدٌ، وَمِنَ الْعَبِيدِ بِلَالٌ. وَهُوَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ ; لِاجْتِمَاعِ الْأَقْوَالِ بِهِ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ سُبِقَ بِهِ مَا عَدَا بِلَالًا، فَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ إِسْحَاقَ ابْنَ رَاهَوَيْهِ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ: الْخَبَرُ فِي كُلِّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، أَمَّا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ فَخَدِيجَةُ، وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ فَأَبُو بَكْرٍ، وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمَوَالِي فَزَيْدٌ، وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ فَعَلِيٌّ. وَكَذَا جَاءَ بِدُونِهِ وَبِدُونِ

стр. 1140

زَيْدٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ الْوَاعِظِ مِنْ تَارِيخِ نَيْسَابُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِسْهَرٍ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ. وَكَانَ الْبُرْهَانُ التَّنُوخِيُّ يَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَمِنْ غَيْرِ الْبَالِغِينَ عَلِيٌّ، وَهُوَ حَسَنٌ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، فَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ عَلِيٍّ، لَكِنِّي كُنْتُ أَفْرَقُ أَبَا أُحَيْحَةَ، يَعْنِي وَالِدَهُ، وَكَانَ لَا يَفْرَقُ أَبَا طَالِبٍ. وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ إِسْلَامَ خَالِدٍ كَانَ مَعَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي (الْأَفْرَادِ) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنَتِهِ أُمِّ خَالِدٍ قَالَتْ: (أَبِي أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ) . لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: (كَانَ أَبِي خَامِسًا، سَبَقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) . وَعَنْ بَعْضِهِمْ كَمَا حَكَاهُ الْمَسْعُودِيُّ: أَوَّلُهُمْ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِمَا قِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ. لَكِنْ رَوَى الْبَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ أَسْلَمَ سَادِسَ سِتَّةٍ. وَعَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي (أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ) لَهُ: أَوَّلُهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيُّ. وَيَحْتَاجُ هَذَا النَّقْلُ إِلَى تَحْرِيرٍ. وَنَقَلَ ابْنُ سَبُعٍ فِي الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: (كُنْتُ أَوَّلَهُمْ إِسْلَامًا) . وَهُوَ غَرِيبٌ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ الْأَوَّلُ، لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي (التَّقْيِيدِ) : يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنَ

стр. 1141

الرِّجَالِ وَرَقَةُ، يَعْنِي بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ ابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ. [مَنْ آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا] ٨٠٨ - وَمَاتَ آخِرًا بِغَيْرِ مِرْيَةِ ... أَبُو الطُّفَيْلِ مَاتَ عَامَ مِائَةِ ٨٠٩ - وَقَبْلَهُ السَّائِبُ بِالْمَدِينَةِ ... أَوْ سَهْلٌ اوْ جَابِرٌ اوْ بِمَكَّةِ ٨١٠ - وَقِيلَ: الَاخِرُ بِهَا ابْنُ عُمَرَا ... إِنْ لَا أَبُو الطُّفَيْلِ فِيهَا قُبِرَا ٨١١ - وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ بِالْبَصْرَةِ ... وَابْنُ أَبِي أَوْفَى قَضَى بِالْكُوفَةِ ٨١٢ - وَالشَّامِ فَابْنُ بُسْرٍ اوْ ذُو بَاهِلَهْ ... خُلْفٌ وَقِيلَ: بِدِمَشْقَ وَاثِلَهْ ٨١٣ - وَأَنَّ فِي حِمْصَ ابْنَ بُسْرٍ قُبِضَا ... وَأَنَّ بِالْجَزِيرَةِ الْعُرْسَ قَضَى ٨١٤ - وَبِفِلَسْطِينَ أَبُو أُبَيِّ ... وَمِصْرَ فَابْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْيِ ٨١٥ - وَقُبِضَ الْهِرْمَاسُ بِالْيَمَامَةِ ... وَقَبْلَهُ رُوَيْفِعٌ بِبَرْقَةِ ٨١٦ - وَقِيلَ إِفْرِيقِيَةٍ وَسَلَمَهْ ... بَادِيًا اوْ بِطَيْبَةَ الْمُكَرَّمَهْ [مَنْ آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا] (وَ) أَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَـ ( مَاتَ) مِنْهُمْ (آخِرًا) عَلَى الْإِطْلَاقِ (بِغَيْرِ مِرْيَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا ; أَيْ: شَكٍّ، (أَبُو الطُّفَيْلِ) عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ، كَمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ حَيْثُ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي) . وَبِذَلِكَ جَزَمَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ وَخَلْقٌ، بَلْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ. وَمِمَّنَ جَزَمَ بِهِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَإِنَّهُ (مَاتَ عَامَ مِائَةِ) ; أَيْ: مِنَ الْهِجْرَةِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَكِنْ قَالَ خَلِيفَةُ: إِنَّهُ مَاتَ بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ. وَعَنِ ابْنِ الْبَرْقِيِّ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ. وَعَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ: سَنَةَ سَبْعٍ. وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: سَنَةَ عَشْرٍ. وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ فِي (الْوَفَيَاتِ) ، وَشَيْخُنَا فِي تَرْجَمَةِ عِكْرَاشٍ مِنْ (التَّهْذِيبِ) . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: بِالْكُوفَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ

стр. 1142

حِبَّانَ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ. بَلْ هُوَ آخِرُ الْمِائَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ كَمَا صَحَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ( «أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي السَّمَرِ فِي الْخَبَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ، فِي السَّمَرِ أَيْضًا مِنَ الْعِلْمِ، وَبِهِ تَمَسَّكَ هُوَ وَغَيْرُهُ لِلْقَوْلِ بِمَوْتِ الْخَضِرِ. لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ. وَأَجَابُوا عَنْهُ أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ سَاكِنِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ. قَالُوا: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَبْقَى مِمَّنْ تَرَوْنَهُ أَوْ تَعْرِفُونَهُ، فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. وَقَالُوا أَيْضًا: خَرَجَ عِيسَى ﵇ مِنْ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا ; لِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ غَيْرُ هَذَا الْمَحَلِّ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّلَائِلِ) هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْكَوَائِنِ بَعْدَهُ، فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي (الْمَعَارِفِ) ، وَابْنُ دُرَيْدٍ فِي الِاشْتِقَاقِ مَنْ أَنَّ عِكْرَاشَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ فِي الصَّحَابَةِ، شَهِدَ الْجَمَلَ مَعَ عَائِشَةَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: كَأَنَّكُمْ بِهِ وَقَدْ أُتِيَ بِهِ قَتِيلًا أَوْ بِهِ جِرَاحَةٌ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ: فَضُرِبَ ضَرْبَةً عَلَى أَنْفِهِ عَاشَ بَعْدَهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ أَثَرُ الضَّرْبَةِ بِهِ. فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إِنْ صَحَّتْ مَعَ انْقِطَاعِهَا حُمِلَتْ عَلَى أَنَّهُ أَكْمَلَ الْمِائَةَ مِنْ عُمُرِهِ، لَا أَنَّهُ اسْتَأْنَفَهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَإِلَّا لَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَاشَ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَهُوَ مُحَالٌ ; إِذِ الْمُحَدِّثُونَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا. وَسَبَقَهُ

стр. 1143

شَيْخُهُ الْمُصَنِّفُ لِنَحْوِهِ فَقَالَ: وَهَذَا إِمَّا بَاطِلٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ. وَكَذَا تَوَقَّفَ الْبُلْقِينِيُّ فِي صِحَّتِهِ. نَعَمْ، اسْتَدْرَكَ هُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِآخِرِيَّةِ أَبِي الطُّفَيْلِ نَافِعَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْعَبْدِيَّ ; فَقَدْ رَوَى حَدِيثَهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ بِحَلَبٍ قَالَ: «قَالَ لِي أَبِي: وَفَدَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى أَتَى مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ وَمَعَهُ أُنَاسٌ، وَأَنَا غُلَيْمٌ لَا أَعْقِلُ، أُمْسِكُ جِمَالَهُمْ، فَذَهَبُوا بِسِلَاحِهِمْ فَسَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَضَعَ الْمُنْذِرُ سِلَاحَهُ وَلَبِسَ ثِيَابًا كَانَتْ مَعَهُ، وَمَسَحَ لِحْيَتَهُ بِدُهْنٍ، فَأَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا مَعَ الْجِمَالِ أَنْظُرُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ، وَلَكِنْ لَمْ أَعْقِلْ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : (رَأَيْتُ مِنْكَ مَا لَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِكَ) ، فَقُلْتُ: أَشَيْءٌ جُبِلْتُ عَلَيْهِ أَمْ أَحْدَثْتُهُ؟ قَالَ: (لَا، بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِ) . فَلَمَّا أَسْلَمُوا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَسْلَمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ طَوْعًا، وَأَسْلَمَ النَّاسُ كَرْهًا) » . قَالَ سُلَيْمَانُ: وَعَاشَ أَبِي مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمَيْهِ وَابْنُ قَانِعٍ، جَمِيعًا عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ عَنْ إِسْحَاقَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ بِشْرَانَ فِي أَمَالِيهِ عَنْ دَعْلَجٍ عَنْ مُوسَى. وَقَالَ مُوسَى: لَيْسَ عِنْدَ إِسْحَاقَ أَعْلَى مِنْ هَذَا. انْتَهَى. لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا سُلَيْمَانَ فِي كِتَابِهِ فِي (الضُّعَفَاءِ) ، وَقَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ جَرْحًا، قَالَ: وَإِنْ صَحَّ يَكُونُ نَافِعٌ قَدْ عَاشَ إِلَى دَوْلَةِ هِشَامٍ، إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ وَهِمَ فِي سِنِّ أَبِيهِ، فَمُحَالٌ أَنْ يَبْقَى أَحَدٌ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَالْقِصَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا لِلْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى مَعْرُوفَةٌ لِلْأَشَجِّ، وَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ. قَالَ: وَأَظُنُّ سُلَيْمَانَ وَهِمَ فِي ذِكْرِ سِنِّ أَبِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غُلَامًا سَنَةَ الْوُفُودِ، وَعَاشَ هَذَا الْقَدْرَ، لَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَلَعَلَّهُ قَالَ: عَاشَ مِائَةً وَعَشْرًا ; لِأَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ

стр. 1144

آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مَوْتًا، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي وَفَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ: إِنَّهَا سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: (لَا «يَبْقَى بَعَدَ مِائَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» ) . وَأَرَادَ بِذَلِكَ انْخِرَامَ قَرْنِهِ، فَكَانَ كَذَلِكَ. قُلْتُ: وَدَعْوَى مَنِ ادَّعَى الصُّحْبَةَ أَوِ ادُّعِيَتْ لَهُ بَعْدَ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَهُمْ جُبَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مَحْمُودٍ الْمَارِدِينِيُّ، وَرَتَنٌ وَسَرَبَاتِكُ الْهِنْدِيَّانِ، وَمَعْمَرٌ، وَنُسْطُورٌ أَوْ جَعْفَرُ بْنُ نُسْطُورٍ الرُّومِيُّ، وَيُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، الَّذِينَ كَانَ آخِرَهُمْ رَتَنٌ ; فَإِنَّهُ فِيمَا قِيلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ - بَاطِلَةٌ. وَالْكَلَامُ فِي شَأْنِهِمْ مَبْسُوطٌ فِي (لِسَانِ الْمِيزَانِ) لِشَيْخِنَا، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ تَصَانِيفِهِ. بَلْ قَالَ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ طُرُقِ الْمُصَافَحَةِ إِلَى الْمُعَمَّرِ مَا نَصُّهُ: لَا يَخْلُو طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمُعَمَّرِ عَنْ مُتَوَقِّفٍ فِيهِ حَتَّى الْمُعَمَّرِ] نَفْسِهِ ; فَإِنَّ مَنْ يَدَّعِي هَذِهِ الرُّتْبَةَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ، وَإِمْكَانُ ثُبُوتِ ذَلِكَ عِنَادٌ لَا يُفِيدُ مَعَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِنَفْيِهِ ; فَإِنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِانْخِرَامِ قَرْنِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ مَقَالَتِهِ. فَمَنِ ادَّعَى الصُّحْبَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِطْرِيقٍ يَنْقَطِعُ الْعُذْرُ بِهَا، وَيُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. وَمِمَّا اسْتَظَهَرَ بِهِ ابْنُ الْجَزَرِيِّ لِبُطْلَانِ الدَّعْوَى فِي هَؤُلَاءِ كَوْنُ الْأَئِمَّةِ ; كَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَالدَّارِمِيِّ وَعَبْدٍ، مِمَّنْ رَحَلَ الْأَقْطَارَ، وَجَابَ الْأَمْصَارَ، وَحَرَصَ عَلَى الْإِسْنَادِ الْعَالِي، أَعْلَى مَا عِنْدَهُمُ الثُّلَاثِيَّاتُ مَعَ قِلَّتِهَا جِدًّا ; إِذْ خَفَاءُ الصَّحَابَةِ عَلَى مِثْلِهِمْ بَعِيدٌ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ عَلَى نَقْلِهِ. وَبَيَّنَ أَنَّ ظُهُورَ الْمُسَمَّى بِمُعَمَّرٍ الْمَغْرِبِيِّ الْمُدَّعَى فِيهِ الصُّحْبَةُ وَمُصَافَحَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، وَقَوْلُهُ لَهُ: (عَمَّرَكَ اللَّهُ) ، كَانَ فِي حُدُودِ

стр. 1145

السَّبْعِمِائَةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ هَؤُلَاءِ كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ، لَا يُشْتَغَلُ بِحَدِيثِهِمْ وَلَا بِأَمْثَالِهِمْ. (وَ) أَمَّا آخِرُهُمْ مَوْتًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّوَاحِي، فَمَاتَ (قَبْلَهُ) ; أَيْ: قَبْلَ أَبِي الطُّفَيْلِ ; إِمَّا (السَّائِبُ) بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ (بِالْمَدِينَةِ) النَّبَوِيَّةِ، (أَوْ سَهْلٌ) ، هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، (اوْ جَابِرٌ) بِالنَّقْلِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ; أَيْ: فِيهَا، كَمَا قِيلَ بِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي الثَّانِي ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْوَاقِدِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ قَانِعٍ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ سَعْدٍ، وَادَّعَى نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ فَقَالَ: لَيْسَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، بَلْ أَطْلَقَ أَبُو حَازِمٍ أَنَّهُ آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ سَهْلٍ نَفْسِهِ: لَوْ مِتُّ لَمْ تَسْمَعُوا أَحَدًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنَّهُ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً ; يَعْنِي مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَأْوِيلٍ أَيْضًا. وَفِي الثَّالِثِ أَبُو نُعَيْمٍ وَقَتَادَةُ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ فِي وَفَيَاتِهِمْ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقِيلَ: إِنَّهَا سَنَةَ ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَهَا بِاثْنَتَيْنِ، فِيمَا قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَوْ بِسِتٍّ أَوْ بِثَمَانٍ. وَقَالَ الْجَعْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْفَلَّاسُ وَالْوَاقِدِيُّ: سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ. وَيَتَأَيَّدُ بِذِكْرِ الْبُخَارِيِّ لَهُ: فَصْلُ مَنْ مَاتَ مَا بَيْنَ التِّسْعِينَ إِلَى الْمِائَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ إِمَّا فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَثَبَتَ قَوْلُهُ: حُجَّ بِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ سَبْعٍ.

стр. 1146

وَأَمَّا الثَّانِي، فَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَالْمَدَائِنِيُّ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ حِبَّانَ. لَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَاتِمٍ: إِنَّهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، أَنْ يَكُونَ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ أَوْ بَعْدَهَا. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ: إِنَّهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ. وَقِيلَ: سِتًّا وَتِسْعِينَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ، فَمَاتَ قَبْلَ الثَّمَانِينَ. قِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ زَبْرٍ. أَوْ ثَلَاثٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَالْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ. أَوْ أَرْبَعٍ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. أَوْ سَبْعٍ، كَمَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ وَأَبُو نُعَيْمٍ. أَوْ ثَمَانٍ، كَمَا قَالَهُ خَلْقٌ ; مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَالْفَلَّاسُ. أَوْ تِسْعٍ، كَمَا قَالَهُ خَلِيفَةُ فِي رِوَايَةٍ وَغَيْرُهُ. كُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ السَّبْعِينَ، وَكُلُّهُمْ أَبْنَاءُ صَحَابَةٍ أَيْضًا. وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الثَّانِيَ آخِرُهُمْ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا فِي كَوْنِ وَفَاةِ الْأَخِيرَيْنِ بِالْمَدِينَةِ. فَأَمَّا أَوَّلُهُمَا، فَقِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ مَاتَ بِإِسْكَنْدَرِيَّةَ أَوْ مِصْرَ. وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا: الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ وَلَدُهُ عَبَّاسٌ، فَلَعَلَّهُ اشْتَبَهُ عَلَى حَاكِيهِ.

стр. 1147

وَأَمَّا ثَانِيهِمَا، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِقُبَاءٍ (اوْ بِمَكَّةِ) بِالنَّقْلِ مَعَ الصَّرْفِ ; لِلضَّرُورَةِ، فِيمَا قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: وَإِنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِهَا. وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَكَذَا قَدْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِمَّنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَشْهَلِيُّ إِنْ مَشَيْنَا عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ بِصُحْبَتِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَدَّهُ مُسْلِمٌ وَجَمَاعَةٌ فِي التَّابِعِينَ. وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الَّذِي عَقَلَ مَجَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ. فَأَمَّا أَوَّلُهُمَا، فَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا. وَأَمَّا ثَانِيهِمَا، فَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. (وَقِيلَ: الَاخِرُ) بِالنَّقْلِ مَوْتًا (بِهَا) ; أَيْ: بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي جَابِرٍ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِمَكَّةَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْآخِرَ بِهَا، (ابْنُ عُمَرَا) عَبْدُ اللَّهِ، فِيمَا قَالَهُ قَتَادَةُ، وَأَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (التَّلْقِيحِ) . وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُ. وَالْخِلَافُ فِيهِ أَيْضًا يَنْشَأُ عَنْهُ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ أَوْ ثَلَاثٍ، وَجَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَالْجُمْهُورُ. أَوْ أَرْبَعٍ، وَبِهِ جَزَمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَخَلِيفَةُ وَالْوَاقِدِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ زَبْرٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ أُثْبِتَ عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ دَفْنِهِ مِنْهَا، فَقَالَ ابْنُهُ سَالِمٌ: بِفَخٍّ، بِالْفَاءِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ فِيمَا قِيلَ وَادِي الظَّاهِرِ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ زَبْرٍ

стр. 1148

وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: بِذِي طُوًى ; يَعْنِي بِمَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: بِالْمُحَصَّبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِالْمَقْبَرَةِ الْعُلْيَا عِنْدَ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ، كَمَا فِي تَارِيخِ الْأَزْرَقِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ يَقْرُبُ مِنَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ النَّاسُ مِنْ أَنَّهُ بِالْجَبَلِ الَّذِي بِالْمَعْلَاةِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كُلٌّ مِنَ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِيهِ آخِرَ مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. (إِنْ لَا) ; أَيْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ، (أَبُو الطُّفَيْلِ) الْمَاضِي أَوَّلًا (فِيهَا) ; أَيْ: فِي مَكَّةَ، قَدْ (قُبِرَا) . وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ قُبِرَ بِهَا كَمَا قَدَّمْتُهُ. (وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الْآخِرُ مَوْتًا (بِالْبَصْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْكَسْرُ أَصَحُّهَا فِيمَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَأَبُو هِلَالٍ وَالْفَلَّاسُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو زَكَرِيَّا ابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ أَوْ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَالذَّهَبِيُّ. وَالَّذِي قَبِلَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ: أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ عَنْ مِائَةٍ وَنَيِّفٍ. بَلْ قِيلَ: وَعَشْرٍ، وَهُوَ عَجِيبٌ. وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا: أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي سِنِّهِ إِذْ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ: عَشْرُ سِنِينَ. وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي وَفَاتِهِ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. فَعَلَى هَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ عُمُرُهُ مِائَةَ سَنَةٍ وَثَلَاثَ سِنِينَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ، فَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ. وَقَوْلُ حُمَيْدٍ، وَكَذَا الْوَاقِدِيُّ: مِائَةٍ إِلَّا سَنَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ شَاذٌّ مَرْدُودٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مَاتَ بَعْدَهُ مِمَّنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا

стр. 1149

أَبَا الطُّفَيْلِ. وَانْتُقِدَ بِمَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ كَمَا تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ عَبْدِ الصَّمَدِ. وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُ أَنَسٍ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَأَنْتَ آخِرُ الصَّحَابَةِ؟ : قَدْ بَقِيَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَا آخِرُهُمْ. وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بِخُصُوصِهِ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِحَمْلِهِ عَلَى صُحْبَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ إِنَّهُ ذَكَرَ مَا عَلِمَهُ، كَمَا يُجَابُ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الصَّحَابِيِّ. (وَابْنُ أَبِي أَوْفَى) ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْأَسْلَمِيُّ، (قَضَى) ; أَيْ: مَاتَ خَاتِمَتَهُمْ، (بِالْكُوفَةِ) فِيمَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالْفَلَّاسُ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (التَّلْقِيحِ) . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ. وَقِيلَ: بَلْ آخِرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; فَإِنَّ وَفَاةَ أَبِي جُحَيْفَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. نَعَمْ، عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَهُوَ قَدْ مَاتَ بِهَا، قَدِ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، كَمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي (الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ) لَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ. فَعَلَى هَذَا هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِهَا. وَلَكِنْ تَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي كَوْنِهَا بِتَقْدِيمِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ عَلَى السِّينِ، وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّهُ بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ، لَا سِيَّمَا

стр. 1150

وَقَدْ حَكَاهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ كَذَلِكَ فِي تَارِيخِهِ. وَكَذَا جَزَمَ شَيْخُنَا فِي (الْإِصَابَةِ) بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ. وَحِينَئِذٍ فَابْنُ أَبِي أَوْفَى بَعْدَهُ، وَكَذَا يَكُونُ بَعْدَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عَمْرًا مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ; كَابْنِ حِبَّانَ، فِي ثِقَاتِهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا بِمَكَّةَ. وَبِكُلِّ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى آخِرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، بَلْ هُوَ آخِرُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَفَاةً. (وَ) أَمَّا الْآخِرُ مِنْهُمْ مَوْتًا بِـ (الشَّامِ) بِفَتْحِ الشِّينِ ثُمَّ أَلِفٍ ; إِمَّا مَعَ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ أَوْ بِدُونِهَا عَلَى لُغَتَيْنِ مِنْ لُغَاتِهَا، بِأَسْرِهَا، (فَـ) إِمَّا (ابْنُ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَازِنِيُّ، (اوْ ذُو بَاهِلَهْ) ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ الْبَاهِلِيُّ، (خُلْفٌ) ; أَيْ: فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ. فَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ سَعْدٍ تَبَعًا لِلْوَاقِدِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ. وَبِالثَّانِي الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْهُمَا، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي (تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ) : قَالَ عَلِيٌّ ; يَعْنِي ابْنَ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: قُلْتُ لِلْأَحْوَصِ: كَانَ أَبُو أُمَامَةَ آخِرَ مَنْ مَاتَ عِنْدَكُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ بَعْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَدْ رَأَيْتُهُ. وَالْخِلَافِيَّةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهَا فِي وَفَيَاتَيْهِمَا، فَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ: إِنَّهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: سِتٍّ وَتِسْعِينَ. قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ الْقَاضِي، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ وَقَالَ: إِنَّهُ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ. فَعَلَى هَذَا هُوَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ، وَإِنَّهُ مَاتَ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْمَعْرِفَةِ) ، وَسَاقَ فِي تَرْجَمَتِهِ حَدِيثَ: «وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: (يَعِيشُ هَذَا الْغُلَامُ قَرْنًا) » ، فَعَاشَ مِائَةً. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّهَا قَبْلَ سَنَةِ مِائَةٍ. وَقِيلَ فِي الثَّانِي: إِنَّهَا سَنَةَ إِحْدَى أَوْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَالثَّانِي أَشْبَهُ،

стр. 1151

قَالَهُ الْفَلَّاسُ وَالْمَدَائِنِيُّ وَخَلِيفَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ. بَلْ عَيَّنَ قَتَادَةُ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ - كَمَا سَيَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ - لِوَفَاةِ أَوَّلِهِمَا حِمْصَ. وَكَذَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: وَقَبْرُهُ فِي قَرْيَةِ تَنْوِينَةَ. (وَقِيلَ) مِمَّا سُلِكَ فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي تَفْضِيلِ نَوَاحٍ مِنَ الشَّامِ، وَهِيَ دِمَشْقُ وَحِمْصُ وَالْجَزِيرَةُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ: إِنَّ آخِرَهُمْ مَوْتًا (بِدِمَشْقَ وَاثِلَهْ) ، هُوَ ابْنُ الْأَسْقَعِ، فِيمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ. وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ. وَلَكِنْ فِي كَوْنِهِ مَاتَ بِدِمَشْقَ اخْتِلَافٌ، فَالْقَائِلُ بِهِ مَعَ هَذَيْنَ دُحَيْمٌ، وَأَمَّا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ: بِحِمْصَ. وَكَذَا اخْتُلِفَ أَيْضًا فِي وَقْتِهِ، فَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. قِيلَ: وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِ سِنِينَ. (وَأَنَّ فِي حِمْصَ) كَمَا قِيلَ (ابْنُ بُسْرٍ) الْمَاضِيَ كَمَا سَبَقَ (قُبِضَا) آخِرَهُمْ، وَ (أَنَّ بِالْجَزِيرَةِ) الَّتِي بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ كَمَا قِيلَ أَيْضًا (الْعُرْسُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ، ابْنُ عَمِيرَةَ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ - الْكِنْدِيَّ، أَحَدُ مَنْ نَزَلَ الشَّامَ، (قَضَى) أَوْ مَضَى ; أَيْ: مَاتَ آخِرَهُمْ فِيمَا قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ. لَكِنْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجِعَابِيُّ: إِنَّ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا بِالْجَزِيرَةِ وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَهَا. وَنَحْوُهُ قَوْلُ هِلَالِ بْنِ الْعَلَاءِ: قُبِرَ وَابِصَةُ عِنْدَ مَنَارَةِ جَامِعِ الرَّقَّةِ ; إِذِ الرَّقَّةُ عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ الشَّمَالِيِّ

стр. 1152

الشَّرْقِيِّ، وَهِيَ قَاعِدَةُ دِيَارِ مُضَرَ مِنَ الْجَزِيرَةِ، كَمَا أَنَّ حَرَّانَ أَيْضًا مِنْ دِيَارِ مُضَرَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا الْآخِرُ. (وَ) إِنَّ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِيمَا قِيلَ أَيْضًا (بِفِلَسْطِينَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، نَاحِيَةٌ كَبِيرَةٌ وَرَاءَ الْأُرْدُنِّ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فِيهَا عِدَّةُ مُدُنٍ، مِنْهَا: الْقُدْسُ وَالرَّمْلَةُ وَعَسْقَلَانُ وَغَيْرُهَا. وَالْمُرَادُ هُنَا أَوَّلُهَا، (أَبُو أُبَيِّ) فِيمَا قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ ثُمَّ الدِّمْيَاطِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ الْكُبْرَى) ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مُصَغَّرٌ، أَنْصَارِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أُمِّ حَرَامٍ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَهِيَ خَالَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَامْرَأَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَفِي اسْمِ أَبِيهِ اخْتِلَافٌ، قِيلَ: عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَخَلِيفَةُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقِيلَ: أُبَيٌّ. وَقِيلَ: كَعْبٌ. وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي كَوْنِ وَفَاتِهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ بِهِ ابْنُ سُمَيْعٍ. وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ شَدَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ يَسْكُنُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقِيلَ: بِدِمَشْقَ. فَفِي مَقْبَرَةِ الْبَابِ الصَّغِيرِ مِنْهَا خَارِجَ الْحَظِيرَةِ قَبْرٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِالْخَطِّ الْكُوفِيِّ الْقَدِيمِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا قَبْرُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ حَرَامٍ، يُكَنَّى أَبَا الْبَرَاءِ، ابْنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَبِأَنَّهُ مَاتَ بِدِمَشْقَ. جَزَمَ الْكَتَّانِيُّ، وَأَرَى قَبْرَهُ لِلْأَكْفَانِيِّ. فَإِنْ صَحَّ فَيَكُونُ آخِرَ مَنْ مَاتَ بِفِلَسْطِينَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ; فَقَدْ حَكَى أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ سَعْدٍ، أَنَّ قَيْسًا تُوُفِّيَ بِفِلَسْطِينَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ فِي وِلَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، قَالَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُمْ. بَلْ رَأَيْتُ فِي ثِقَاتِ

стр. 1153

ابْنِ حِبَّانَ مِمَّا حَكَاهُ شَيْخُنَا أَيْضًا أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَسَكَنَ تَفْلِيسَ، يَعْنِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ثُمَّ فَاءٍ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، أَحَدُ بِلَادِ آذَرْبِيجَانَ مِمَّا يَلِي الثَّغْرَ، وَمَاتَ بِهَا فِي وِلَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَعَلَّ أَحَدَهُمَا تَصَحَّفَ. (وَ) أَمَّا الْآخِرُ مِنْهُمْ مَوْتًا بِـ (مِصْرَ فَابْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْيِ) ; أَيْ: بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً لِلضَّرُورَةِ ; فَإِنَّهُ جَزْءٌ، وَهُوَ الزُّبَيْدِيُّ بِضَمِّ الزَّاءِ، مُصَغَّرٌ، نِسْبَةً لِزُبَيْدٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. وَكَوْنُ مَوْتِهِ بِمِصْرَ وَأَنَّهُ آخِرُهُمْ قَالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (تَلْقِيحِهِ) . وَكَذَا أَطْلَقَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ مَاتَ بِمِصْرَ. وَعَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ مَاتَ بِسَفْطِ الْقُدُورِ، وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِسَفْطِ أَبِي تُرَابٍ مِنَ الْغَرْبِيَّةِ قَرِيبًا مِنْ سَمَنُّودَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِالْيَمَامَةِ. حَكَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ عَنِ ابْنِ يُونُسَ، أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. وَقَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ خَبْطٌ فَاحِشٌ، قَالَ: وَأَظُنُّهُ عَمَّهُ مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ. وَكَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ آخِرُ الْبَدْرِيِّينَ مَوْتًا. وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ. (وَقُبِضَ الْهِرْمَاسُ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مِيمٍ مَفْتُوحَةٍ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، ابْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِيُّ، آخِرُهُمْ (بِالْيَمَامَةِ) فِيمَا قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ. وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ أَنَّهُ لَقِيَهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ. (وَ) قُبِضَ (قَبْلَهُ رُوَيْفِعٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ،

стр. 1154

ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ (بِبَرْقَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ وَبِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ، مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فِيمَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ قَبْرَهُ بِهَا، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَإِنَّ قَبْرَهُ مَعْرُوفٌ بِبَرْقَةَ إِلَى الْيَوْمِ. وَعَيَّنَ وَفَاتَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. (وَقِيلَ) : إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ بِـ (إِفْرِيقِيَةٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ يَاءٍ سَاكِنَةٍ، بَعْدَهَا قَافٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ يَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَبِالصَّرْفِ أَيْضًا، مِنَ الْمَغْرِبِ أَيْضًا، فِيمَا قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّ الثَّانِيَ لَا يَصِحُّ. وَكَذَا صَحَّحَ الْمِزِّيُّ الْأَوَّلَ، وَوَقَعَ لَهُ فِي حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فِي وَفَاتِهِ سَهْوٌ، تَبِعَهُ عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي (الْإِصَابَةِ وَالتَّهْذِيبِ) ، وَمِنْ قَبْلِهِ الذَّهَبِيُّ، وَالَّذِي فِي ابْنِ يُونُسَ مَا قَدَّمْتُهُ. وَفِي مَحَلِّ وَفَاتِهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَإِنَّهُ أَنْطَابُلُسُ، قَالَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ كَوْنُ مُعَاوِيَةَ وَلَّاهُ طَرَابُلُسَ الْمَغْرِبِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، فَغَزَا إِفْرِيقِيَةَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَدَخَلَهَا ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِالشَّامِ. (وَ) قُبِضَ (سَلَمَهْ) بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيُّ إِمَّا (بَادِيًا) ; أَيْ: بِالْبَادِيَةِ، فَهُوَ آخِرُهُمْ بِهَا، قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ، (اوْ بِطَيْبَةَ) ; أَيْ: الْمَدِينَةِ، (الْمُكَرَّمَهْ) بِالرَّسُولِ ﷺ ، فِيمَا قَالَهُ ابْنُهُ إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِمَّا هُوَ فِي جُزْءِ أَبِي زَكَرِيَّا بْنِ مَنْدَهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، أَنَّ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِخُرَاسَانَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ. قُلْتُ: وَكَانَ قَدْ غَزَا

стр. 1155

إِلَيْهَا فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى مَرْوَ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَحِينَئِذٍ فَقَدْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ أَبُو بَرْزَةَ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيُّ ; لِقَوْلِ خَلِيفَةَ: إِنَّهُ مَاتَ بَعْدَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَحَقَّقَ شَيْخُنَا أَنَّهُ كَانَ حَيًّا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ بِخُرَاسَانَ فَمَاتَ بِهَا. قَالَ الْخَطِيبُ: إِنَّهُ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ قِتَالَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَغَزَا بَعْدَ ذَلِكَ خُرَاسَانَ فَمَاتَ بِهَا. وَكَذَا جَزَمَ خَلِيفَةُ وَالْوَاقِدِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُ مَاتَ بِهَا. لَكِنْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْمَرْوَزِيُّ: قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِنَيْسَابُورَ. وَقِيلَ: بِالْبَصْرَةِ. وَقِيلَ: بِمَفَازَةٍ بَيْنَ سِجِسْتَانَ وَهَرَاةَ. حَكَاهُ الْحَاكِمُ فِي (تَارِيخِ نَيْسَابُورَ) . وَبِالرُّخْجِ، وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ، مِنْ أَعْمَالِ سَجِسْتَانَ، الْعَدَّاءُ - بِوَزْنِ الْعَطَّارِ - بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ الْعَامِرِيُّ. قَالَ شَيْخُنَا: وَكَأَنَّهُ عُمِّرَ ; فَإِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَاشَ إِلَى زَمَنِ خُرُوجِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ. وَقَالَ: إِنَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْطَعَهُ مِيَاهًا كَانَتْ لِبَنِي عَامِرٍ يُقَالُ لَهَا: الرُّخَيْخُ، بِخَائَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، فَكَانَ يَنْزِلُ بِهَا. وَمِمَّا لَيْسَ فِي الْجُزْءِ أَيْضًا أَنَّ آخِرَ مَنْ مَاتَ بِأَصْبَهَانَ مِنْهُمُ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ ;

стр. 1156

فَقَدْ ذَكَرَ وَفَاتَهُ بِهَا أَبُو الشَّيْخِ فِي (طَبَقَاتِ الْأَصْبَهَانِيِّينَ) ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي (تَارِيخِ أَصْبَهَانَ) بَعْدَ أَنْ عُمِّرَ طَوِيلًا. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ سَيَّرَهُ إِلَيْهَا. وَبِالطَّائِفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ زُرْتُهُ. وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا: آخِرُ مَنْ مَاتَ بِسَمَرْقَنْدَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ شَهِيدًا، وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: بَلْ بِمَرْوَ. وَبِوَاسِطٍ لُبَيٌّ بِلَامٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، ابْنُ لَبَى بِمُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ وَزْنُ عَصًى عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِمَا كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ يَكُونُ بِهَا، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجِعَابِيُّ فِي (تَارِيخِ الطَّالِبِيِّينَ) . وَقَدْ جَمَعَ الصَّغَانِيُّ اللُّغَوِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ عُرِفَ أَمْكِنَةُ وَفَاتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، سَمَّاهُ (دَرَّ السَّحَابَةِ) ، وَهُوَ عِنْدِي بِخَطِّهِ. وَاخْتَصَرَهُ خَطِيبَ دَارَيَّا، وَفِيهِمَا فَوَائِدُ مَعَ احْتِيَاجِهِمَا إِلَى تَنْقِيبٍ. وَمِمَّا يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ بِقَيْدِ الْأَنْصَارِ أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ، فِيمَا قَالَهُ الْمَدَايِنِيُّ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ. أَوْ أَبُو الْيَسَرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، فِيمَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَآخِرُهُمْ بِقَيْدِ الْمُهَاجِرِينَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهُوَ أَيْضًا آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا. وَآخِرُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ مَوْتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى. وَآخِرُ مَنْ صَلَّى لِلْقِبْلَتَيْنِ مَوْتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ. وَآخِرُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَوْتًا فِيمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ جَابِرٌ.

стр. 1157

وَآخِرُ مَوَالِيَ النَّبِيِّ ﷺ مَوْتًا سَفِينَةُ. وَآخِرُ أَزْوَاجِهِ ﷺ مَوْتًا مَيْمُونَةُ فِيمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أُمُّ سَلَمَةَ، كَمَا رَوَاهُ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُقَوِّيهِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَزَعَمَ أَنَّ صَفِيَّةَ آخِرُ الزَّوْجَاتِ مَوْتًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. [مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ] [تَعْرِيفُ التَّابِعِيِّ] مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ ٨١٧ - وَالتَّابِعُ اللَّاقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبَا ... وَلِلْخَطِيبِ حَدُّهُ أَنْ يَصْحَبَا ٨١٨ - وَهُمْ طِبَاقٌ، قِيلَ: خَمْسَ عَشِرَهْ ... أَوَّلُهُمْ رُوَاةُ كُلِّ الْعَشَرَهْ ٨١٩ - وَقَيْسٌ الْفَرْدُ بِهَذَا الْوَصْفِ ... وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَوْفِ ٨٢٠ - وَقَوْلُ مَنْ عَدَّ سَعِيدًا فَغَلَطْ ... بَلْ قِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ سِوَى سَعْدٍ فَقَطْ ٨٢١ - لَكِنَّهُ الْأَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَا ... وَعَنْهُ قَيْسٌ وَسِوَاهُ وَرَدَا ٨٢٢ - ٨٢٢ - وَفَضَّلَ الْحَسَنَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ... وَالْقَرَنِي أُوَيْسًا اهْلُ الْكُوفَةِ ٨٢٣ - وَفِي نِسَاءِ التَّابِعِينَ الْأَبْدَا ... حَفْصَةُ مَعْ عَمْرَةَ أُمِّ الدَّرْدَا ٨٢٤ - وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَهْ ... خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَهْ ٨٢٥ - ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ ... سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ ٨٢٦ - إِمَّا أَبُو سَلَمَةَ اوْ سَالِمُ ... أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمٌ ٨٢٧ - الْمُدْرِكُونَ جَاهِلِيَّةً فَسَمْ ... مُخَضْرَمِينَ كَسُوَيْدٍ فِي أُمَمْ ٨٢٨ - وَقَدْ يُعَدُّ فِي الطِّبَاقِ التَّابِعُ ... فِي تَابِعِيهِمْ إِذْ يَكُونُ الشَّائِعُ ٨٢٩ - الْحَمْلُ عَنْهُمْ كَأَبِي الزِّنَادِ ... وَالْعَكْسُ جَاءَ وَهْوَ ذُو فَسَادِ ٨٣٠ - وَقَدْ يُعَدُّ تَابِعِيًّا صَاحِبُ ... كَابْنَيْ مُقَرِّنٍ وَمَنْ يُقَارِبُ (مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ) ، وَهُوَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، أَصْلُهُ عَظِيمٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرْسَلِ وَالْمُتَّصِلِ ;

стр. 1158

وَلِذَا قَالَ الْحَاكِمُ: وَمَهْمَا غَفَلَ الْإِنْسَانُ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ. وَمِنْ مَظَانِّهِمِ الْمَذْكُورُونَ فِيهَا عَلَى التَّوَالِي (الطَّبَقَاتُ) لِمُسْلِمٍ، وَلِابْنِ سَعْدٍ، وَلِخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَرْقِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ سُمَيْعٍ. بَلْ أَفْرَدَهُمْ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ بِالتَّأْلِيفِ، وَغَيْرِهَا. وَكَانَ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ فِي عَدَدٍ تَقْرِيبِيٍّ بِالنَّظَرِ لِمَا فِي كُتُبِ الرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْجَدْوَى. [تَعْرِيفُ التَّابِعِيِّ] (وَ) فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: فِي تَعْرِيفِهِ، فَـ (التَّابِعُ) وَيُقَالَ لَهُ: التَّابِعِيُّ أَيْضًا، وَكَذَا التَّبَعُ، وَيُجْمَعُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَذَا عَلَى أَتْبَاعٍ، هُوَ (اللَّاقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبَا) النَّبِيَّ ﷺ وَاحِدًا فَأَكْثَرَ، سَوَاءٌ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مِنَ الصَّحَابِيِّ نَفْسِهِ، حَيْثُ كَانَ التَّابِعِيُّ أَعْمَى أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ كَانَا جَمِيعًا كَذَلِكَ ; لَصَدَقَ أَنَّهُمَا تَلَاقَيَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَمْ لَا، سَمِعَ مِنْهُ أَمْ لَا ; لِعَدِّ مُسْلِمٍ ثُمَّ ابْنِ حِبَّانَ ثُمَّ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ فِيهِمِ الْأَعْمَشَ، مَعَ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَعَبْدِ الْغَنِيِّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ ; لِكَوْنِهِ رَأَى أَنَسًا. وَمُوسَى بْنَ أَبِي عَائِشَةَ مَعَ اقْتِصَارِ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فِيهِ عَلَى رُؤْيَةِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَاتِمٍ: إِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَسًا رَآهُ رُؤْيَةً. وَهَذَا مَصِيرٌ

стр. 1159

مِنْهُمْ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِالرُّؤْيَةِ ; إِذْ رُؤْيَةُ الصَّالِحِينَ - بِلَا شَكٍّ - لَهَا أَثَرٌ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ بِالصَّحَابَةِ مِنْهُمْ؟ ! كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي الصَّحَابِيِّ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ فِي أَوَّلِ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ. وَلَكِنْ قَيَّدَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِكَوْنِهِ حِينَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ فِي سِنِّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ الَّذِي قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: يُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَةٍ. وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَالَ فِيهِ غَيْرُهُمَا: إِنَّهُ آخِرُ التَّابِعِينَ مَوْتًا ; حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَسَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ قَالَ: كُنْتُ فِي حِجْرِ أَبِي إِذْ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى بَغْلٍ أَوْ بَغْلَةٍ، فَقِيلَ: هَذَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: لَمْ نُدْخِلْ خَلَفًا فِي التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رُؤْيَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ رَأَى عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ لَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا، يَعْنِي فَإِنَّ عَمْرًا تُوُفِّيَ - كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ - فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. وَأَدْخَلْنَا الْأَعْمَشَ فِيهِمْ، مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا رَأَى أَيْضًا فَقَطْ ; لِكَوْنِهِ حِينَ رُؤْيَتِهِ لِأَنَسٍ وَهُوَ بِوَاسِطٍ يَخْطُبُ كَانَ بَالِغًا يَعْقِلُ، بِحَيْثُ حَفِظَ مِنْهُ خُطْبَتَهُ، بَلْ حَفِظَ عَنْهُ حِينَ رَآهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ يُصَلِّي عِنْدَ الْمَقَامِ أَحْرُفًا مَعْدُودَةً حَكَاهَا ; إِذْ لَيْسَ حُكْمُ الْبَالِغِ إِذَا رَأَى وَحَفِظَ كَحُكْمِ غَيْرِ الْبَالِغِ إِذَا رَأَى وَلَمْ يَحْفَظْ. انْتَهَى.

стр. 1160

وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ حِبَّانَ إِنَّمَا عَدَّ خَلَفًا فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ لِمَا قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا رَأَى جَعْفَرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، لَا عَمْرًا نَفْسَهُ، وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ. ثُمَّ إِنَّ إِطْلَاقَ اللُّقِيِّ يَشْمَلُ أَيْضًا مَنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَنَحَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ. وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ: إِنَّ فِي كَلَامِ الْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِاللِّقَاءِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الرِّوَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ ; إِذِ الرِّوَايَةُ لَا يُشْتَرَطُ لِتَحَمُّلِهَا الْإِسْلَامُ. عَلَى أَنَّ مَا نَسَبَهُ لِلْحَاكِمِ فِيهِ نَظَرٌ ; فَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: وَطَبَقَةٌ تُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ; يَعْنِي اكْتِفَاءً فِيهِمْ بِالرُّؤْيَةِ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ عَدَمُ انْفِرَادِ الْحَاكِمِ بِمَا فَهِمَهُ عَنْهُ ; فَإِنَّهُ قَالَ: فَلَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ الصَّحَابِيَّ، كَمَا اكْتَفَوْا فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ عَلَى مَنْ رَآهُ ﵇ لِشَرَفِ رُؤْيَتِهِ وَعِظَمِهَا. وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لِاشْتِرَاطِهِ مَعَ الرُّؤْيَةِ كَوْنَهُ فِي سِنِّ مَنْ يَحْفَظُ، كَمَا لِابْنِ حِبَّانَ، أَوِ الرِّوَايَةَ صَرِيحًا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ. (وَ) كَذَا (لِلْخَطِيبِ) أَيْضًا: التَّابِعِيُّ (حَدُّهُ أَنْ يَصْحَبَا) الصَّحَابِيَّ. وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ - كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - عَمَلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ الْمُخْتَارُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ الْأَظْهَرُ. وَسَبَقَهُ لِتَرْجِيحِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ: وَالِاكْتِفَاءُ فِي هَذَا بِمُجَرَّدِ اللِّقَاءِ وَالرُّؤْيَةِ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي الصَّحَابِيِّ ; نَظَرًا إِلَى مُطْلَقِ اللَّفْظِ فِيهِمَا ; أَيْ: فِي الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ، وَإِذَا اكْتُفِيَ بِهِ فِي الصَّحَابِيِّ فَهُنَا أَوْلَى. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَاللُّغَةُ وَالِاصْطِلَاحُ فِي الصَّحَابِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ مُتَّفِقَانِ، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عُرْفًا عَلَى الرُّؤْيَةِ الْمُجَرَّدَةِ بِخِلَافِهِ فِي التَّابِعِ، فَالْعُرْفُ وَاللُّغَةُ فِيهِ مُتَقَارِبَانِ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْخَطِيبَ عَدَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ فِي التَّابِعِينَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَقَوْلُ الْخَطِيبِ لَهُ: مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ أَبِي أَوْفَى، يُرِيدُ فِي الرُّؤْيَةِ، لَا فِي السَّمَاعِ وَالصُّحْبَةِ. وَاحْتِمَالُ
следующие страницы →