← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5963

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

السخاوي

Полный текст (1 419 стр.). Показаны 1401–1419 · переход к 1406.

стр. 1401

الْحَلَبِيَّ عَرَضَ لَهُ الْفَالِجُ، فَأُنْسِيَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْفَاتِحَةَ ثُمَّ عُوفِيَ، وَكَانَ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ صَارَ يَتَرَاجَعُ إِلَيْهِ مَحْفُوظُهُ كَالطِّفْلِ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيَّ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الشَّرَفِيِّ، وَالْمُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، كَانَ قَدْ حَصَلَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِينَ شَهْرًا فَالِجٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَنْطِقُ بِغَيْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَكْتُبُ غَيْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، وَنَحْوُهُ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْوَادِي - يَعْنِي شَيْخَهُ - يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَكَّامٍ وَالنَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَانْهَدَمَتْ دَارُهُ وَتَقَطَّعَتِ الْكُتُبُ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرٍو فِي حَدِيثِ النَّضْرِ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يُحَدِّثَانِ عَنْ شُعْبَةَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الِاخْتِلَاطَ الْمَذْكُورَ وَإِنْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ يُلْحَقُ فِي الْمُخْتَلِطِينَ. وَقَدْ يَتَغَيَّرُ الْحَافِظُ لِكِبَرِهِ، وَيَكُونُ مَقْبُولًا فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ ; لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ وَطُولِ صُحْبَتِهِ إِيَّاهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ حَدِيثُهُ عَلَى ذِكْرِهِ وَحِفْظِهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ وَالتَّغَيُّرِ، كَمَا كَانَ قَبْلَهُ ; كَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ ; وَلِذَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ - كَمَا قَدَّمْتُهُ - فِي مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ، عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: إِنَّ مُسْلِمًا اجْتَهَدَ وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ ثَابِتٍ بِخُصُوصِهِ مَا سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ] ِ ٩٩٢ - وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالْأَخْذِ وَكَمْ مُصَنِّفُ ٩٩٣ - يَغْلَطُ فِيهَا وَابْنُ سَعْدٍ صَنَّفَا ... فِيهَا وَلَكِنْ كَمْ رَوَى عَنْ ضُعَفَا (طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ) وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَفَائِدَتُهُ الْأَمْنُ مِنْ تَدَاخُلِ الْمُشْتَبِهِينَ

стр. 1402

كَالْمُتَّفِقِينَ فِي اسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ، وَإِمْكَانُ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَبَيُّنِ التَّدْلِيسِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ مِنَ الْعَنْعَنَةِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّارِيخِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّعْرِيفِ بِالرُّوَاةِ، وَيَنْفَرِدُ التَّارِيخُ بِالْحَوَادِثِ وَالطَّبَقَاتِ، بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْبَدْرِيِّينَ مَثَلًا مَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا ; لِاسْتِلْزَامِهِ تَقْدِيمَ الْمُتَأَخِّرِ الْوَفَاةِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ التَّارِيخَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالذَّاتِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَالطَّبَقَاتِ يُنْظَرُ فِيهَا بِالذَّاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ. (وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ) أَيْ: مَرَاتِبُ وَأَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ، جَمْعُ طَبَقَةٍ ; وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الْقَوْمُ الْمُتَشَابِهُونَ، (وَتُعْرَفُ) فِي الِاصْطِلَاحِ، (بِالسِّنِّ) أَيْ: بِاشْتِرَاكِ الْمُتَعَاصِرِينَ فِي السِّنِّ وَلَوْ تَقْرِيبًا (وَ) بِـ (الْأَخْذِ) عَنِ الْمَشَايِخِ، وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالِاشْتِرَاكِ فِي التَّلَاقِي، وَهُوَ غَالِبًا مُلَازِمٌ لِلِاشْتِرَاكِ فِي السِّنِّ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَالْبَاحِثُ النَّاظِرُ فِي هَذَا الْفَنِّ يَحْتَاجُ مَعْرِفَةَ الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَمَنْ أَخَذُوا عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَرُبَّ شَخْصَيْنِ يَكُونَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَشَابُهِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِهَةٍ، وَمِنْ طَبَقَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَا يَتَشَابَهَانِ فِيهَا، فَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصَاغِرَ الصَّحَابَةِ مَعَ الْعَشَرَةِ ﵃، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى تَشَابُهِمْ فِي أَصْلِ صِفَةِ الصُّحْبَةِ، فَعَلَى هَذَا فَالصَّحَابَةُ بِأَسْرِهِمْ طَبَقَةٌ أُولَى، وَالتَّابِعُونَ طَبَقَةٌ ثَانِيَةٌ، وَأَتْبَاعُ التَّابِعِينَ طَبَقَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا، يَعْنِي كَمَا صَنَعَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى تَفَاوُتِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي سَوَابِقِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ كَانُوا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، يَعْنِي فِي الصَّحَابَةِ بِضْعَ عَشْرَةَ طَبَقَةً، وَلَا يَكُونُ عِنْدَ هَذَا أَنَسٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصَاغِرَ الصَّحَابَةِ مِنْ طَبَقَةِ الْعَشَرَةِ مِنَ

стр. 1403

الصَّحَابَةِ، بَلْ دُونَهُمْ بِطَبَقَاتٍ. يَعْنِي كَمَا فَعَلَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَيْثُ عَدَّدَ الطَّبَقَاتِ فِي كُلٍّ مِنْهُمْ، قَالَ شَيْخُنَا: وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ - كَمَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ - كُلَّ طَبَقَةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَدْ يَسْتَشْهِدُ لَهُ بِمَا يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ طَبَقَاتِ أُمَّتِي خَمْسُ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَطَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَالَّذِي يَلُونَهُمْ إِلَى الثَّمَانِينَ أَهْلُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَهْلُ التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى السِّتِّينَ - يَعْنِي وَمِائَةٍ - أَهْلُ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى الْمِائَتَيْنِ أَهْلُ الْهَرَجِ وَالْحُرُوبِ» ) . رَوَاهُ يَزِيدٌ الرَّقَاشِيُّ وَأَبُو مَعْنٍ، وَكِلَاهُمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ، وَعَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ أَبُو مَعْمَرٍ، كَمَا فِي نُسْخَةِ كَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، ثَلَاثَتُهُمْ - وَهُمْ ضُعَفَاءُ - عَنْ أَنَسٍ، وَكَذَا لَهُ شَوَاهِدُ، كُلُّهَا ضِعَافٌ، مِنْهَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُجْرٍ رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُطَهَّرٍ الْفِهْرِيِّ وَلَيْسَ بِعُمْدَةٍ، عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ الْقُرَشِيُّ - وَهُوَ تَالِفٌ - عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا نَحْوَهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْتُهُ لِكَوْنِهِ فِي إِحْدَى السُّنَنِ، وَكَذَا يُسْتَشْهَدُ لِهَذَا النَّوْعِ فِي الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ : ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) . فَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. (وَكَمْ) مَرَّةٍ أَوْ وَقْتٍ (مُصَنِّفُ) مِنْ حُفَّاظِ الْأَئِمَّةِ (يَغْلَطُ) أَوْ كَمْ يَغْلَطُ مُصَنِّفٌ (فِيهَا) ; لِسَبَبِ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمُتَّفِقِينَ حَيْثُ يَظُنُّ أَحَدَهُمَا الْآخَرَ، أَوْ لِسَبَبٍ أَنَّ الشَّايِعَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ طَبَقَةٍ رُبَّمَا يَرْوِي عَنْ أَقْدَمَ مِنْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ التَّابِعِينَ،

стр. 1404

أَوْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ طَبَقَتِهِ فَيَذْكُرُهُ تَخْمِينًا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ، كَمَا اتَّفَقَ لِلْمُقَيَّدِينَ فِي إِدْخَالِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَثَلًا كَابْنِ هُبَيْرَةَ الْحَنْبَلِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الطَّرْطُوسِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَكَذَا مِنَ الظَّنِّ الْغَالِبِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا كَالْبُخَارِيِّ فِيهِمْ، وَفِي إِدْخَالِ مُصَنِّفِ طَبَقَاتِ الْحَنَفِيَّةِ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ الشَّافِعِيَّ فِيهِمْ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ افْتَضَحَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ. وَفِيهَا تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ لِأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ وَخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي الْحَسَنِ مَحْمُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُمَيْعٍ الدِّمَشْقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيِّ وَأَبِي عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيِّ وَأَبِي الشَّيْخِ بْنِ حَيَّانَ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدُوَيْهِ وَأَبِي مَسْعُودٍ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ الرَّازِيِّ وَأَبِي الْفَضْلِ الْفَلَكِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَحْمَدَ بْنِ إِشْكَابٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْوَرَّاقِ وَأَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْتَمْلِي الْبَلْخِيِّ، فِي آخَرِينَ، مِنْهُمْ مَنْ طَوَّلَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَ غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ أَوْ مُتَقَيِّدِينَ بِالْفُقَهَاءِ ; إِمَّا مُطْلَقًا كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، أَوْ مُقَيَّدًا بِمَذْهَبٍ كَـ (الْمَدَارِكِ) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَالْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى ثُمَّ ابْنِ رَجَبٍ، وَالشَّافِعِيَّةِ لِخَلْقٍ، أَوْ بِالْحُفَّاظِ أَوْ بِالْقُرَّاءِ كَالذَّهَبِيِّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، لِلدَّانِيِّ ثُمَّ ابْنِ الْجَزْرِيِّ فِي الْقُرَّاءِ أَيْضًا أَنَّ بِالنُّحَاةِ كَالْقِفْطِيِّ وَابْنِ مَكْتُومٍ، أَوْ بِالْبِلَادِ كَطَبَقَاتِ الْمَكِّيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلْقَاضِي بْنِ مُفَرِّجٍ، أَوِ النَّيْسَابُورِيِّينَ لِلِحَاكُمِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّهُ مِمَّا بَسَطْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.

стр. 1405

(وَابْنُ سَعْدٍ) بْنِ مَنِيعٍ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْهَاشِمِيُّ، مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ نَزِيلُ بَغْدَادَ وَكَاتِبُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الْأَسْلَمِيِّ الْوَاقِدِيِّ أَيْضًا (صَنَّفَا فِيهَا) أَيْ: فِي الطَّبَقَاتِ ثَلَاثَةَ تَصَانِيفَ، وَالْكَبِيرُ مِنْهَا كِتَابٌ حَفِيلٌ جَلِيلٌ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ، أَثْنَى عَلَيْهِ وَعَلَى مُصَنِّفِهِ الْخَطِيبُ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، صَنَّفَ كِتَابًا كَبِيرًا فِي طَبَقَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى وَقْتِهِ، فَأَجَادَ فِيهِ وَأَحْسَنَ. انْتَهَى. وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ (وَلَكِنْ كَمْ رَوَى) فِي كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ (عَنْ) أُنَاسٍ (ضُعَفَا) ، مِنْهُمْ شَيْخُهُ الْوَاقِدِيُّ مُقْتَصِرًا كَثِيرًا عَلَى اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بِنِسْبَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا، وَمِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، فَأَكْثَرَ عَنْهُمَا، وَمِنْهُمْ نَصْرُ بْنُ بَابٍ أَبُو سَهْلٍ الْخُرَاسَانِيُّ مَعَ قَوْلِهِ فِيهِ: إِنَّهُ نَزَلَ بَغْدَادَ فَسَمِعُوا مِنْهُ وَرَوَوْا عَنْهُ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ فَاتَّهَمُوهُ، فَتَرَكُوا حَدِيثَهُ، وَالْمَرْءُ قَدْ يُضَعَّفُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ وَمَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ بِمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا شَكَ أَنَّ مِنْ شُيُوخِ ابْنِ سَعْدٍ [هُشْيَمًا وَالْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ وَابْنَ عُيَيْنَةَ وَابْنَ عُلَيَّةَ وَابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ، وَأَبَا ضَمْرَةَ أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ وَيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَمَعْنَ بْنَ عِيسَى وَأَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيَّ، وَوَكِيعًا وَأَبَا أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ وَغَيْرَهُمْ؟ ؟ ؟] ، وَكَتَبَ عَنْ أَقْرَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ فَهْمٍ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، فَمَرَّ بِنَا ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْكَاتِبُ بِكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ يَحْيَى: كَذَبَ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ الْخَطِيبُ: أَظُنُّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُصْعَبٌ عَنْهُ لِابْنِ مَعِينٍ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْوَاقِدِيُّ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ. فَقَالَ: يَصْدُقُ، رَأَيْتُهُ جَاءَ إِلَى الْقَوَارِيرِيِّ وَسَأَلَهُ عَنْ أَحَادِيثَ فَحَدَّثَهُ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، وَحَدِيثُهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ; فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ فَهْمٍ: كَانَ كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالْكُتُبِ وَالْحَدِيثِ وَالْغَرِيبِ وَالْفِقْهِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: ظَهَرَتْ فَضَائِلُهُ وَمَعْرِفَتُهُ الْوَاسِعَةُ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَاحِدٍ عَنْهُ حِكَايَةً،

стр. 1406

مَاتَ بِبَغْدَادَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً. تَنْبِيهٌ: كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمُتَدَاوَلَةِ مِنَ النَّظْمِ: (وَكَمْ مُصَنَّفٌ) بِالرَّفْعِ، فَخَرَّجْنَاهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَاتِ فِي قَوْلِهِ: كَمْ عَمَّةٌ لَكَ يَا جَرِيرُ وَخَالَةٌ ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي وَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ (يَغْلَطُ) قُدِّمَ لِضِيقِ النَّظْمِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ، وَلَكِنْ قَدْ عَزَى الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ لِخَطِّ النَّاظِمِ مَا لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى مَزِيدِ تَكَلُّفٍ فَقَالَ: وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ فَاعْرِفِ ... بِالسِّنِّ وَالْأَخْذِ وَكَمْ مُصَنِّفِ. [الْمَوَالِي مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ] ٩٩٤ - وَرُبَّمَا إِلَى الْقَبِيلِ يُنْسَبُ ... مَوْلَى عَتَاقَةٍ وَهَذَا الْأَغْلَبُ ٩٩٥ - أَوْ لِوَلَاءِ الْحِلْفِ كَالتَّيْمِيِّ ... مَالِكٍ أَوْ لِلدِّينِ كَالْجُعْفِيِّ ٩٩٦ - وَرُبَّمَا يُنْسَبُ مَوْلَى الْمَوْلَى ... نَحْوُ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَصْلَا (الْمَوَالِي مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ) وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، لَا سِيَّمَا (وَرُبَّمَا إِلَى الْقَبِيلِ) أَيِ: الْقَبِيلَةِ، إِحْدَى الْقَبَائِلِ، وَهِيَ الْبُطُونُ الَّتِي هُوَ الْأَصْلُ فِي النِّسْبَةِ (يُنْسَبُ مَوْلَى عَتَاقَةٍ) ; كَأَبِي الْعَالِيَةِ رَفِيعٍ الرِّيَاحِيِّ التَّمِيمِيِّ التَّابِعِيِّ كَانَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ،

стр. 1407

وَمَكْحُولٍ الشَّامِيِّ الْهُذَلِيِّ كَانَ - كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ - عَبْدًا نُوبِيًّا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَبِي الْبَخْتَرِيِّ سَعِيدِ بْنِ فَيْرُوزَ الطَّائِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْحَنْظَلِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْجُهَنِيِّ كَاتِبِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ إِطْلَاقِ النِّسْبَةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمْ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّهُ مِمَّنْ نُسِبَ كَذَلِكَ صَلِيبَةٌ أَيْ: مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ. (وَهَذَا) أَيِ: الِانْتِسَابُ لِلْعَتَاقَةِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَصْلِ فِي الِانْتِسَابِ وَالْحَقِيقَةِ (هُوَ الْأَغْلَبُ) بِالنَّظَرِ لِمَا بَعْدَهُ، فَالْخَارِجُ عَنِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ إِمَّا لِلْعَتَاقَةِ كَمَا تَقَرَّرَ، (أَوْ لِوَلَاءِ الْحِلْفِ) الَّذِي أَصْلُهُ الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالِاتِّفَاقِ، وَأَبْطَلَ الْإِسْلَامُ مِنْهُ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْغَارَاتِ دُونَ نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ (كَالتَّيْمِيِّ) بِالتَّشْدِيدِ، هُوَ وَمَا بَعْدَهُ (مَالِكٍ) هُوَ ابْنُ أَنَسٍ، إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ، فَهُوَ حِمْيَرِيٌّ أَصُبْحِيٌّ صَلِيبَةٌ، وَلَكِنْ لِكَوْنِ نَفَرِهِ أَصْبَحَ حُلَفَاءُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ تَيْمِ بْنَ مُرَّةَ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَخِي طَلْحَةَ، نُسِبَ تَيْمِيًّا، أَوْ لِوَلَاءِ الْمُصَاحِبَةِ بِإِجَارَةٍ أَوْ تَعَلُّمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَالِكٍ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ قِيلَ: إِنَّمَا انْتَسَبَ تَيْمِيًّا ; لِكَوْنِ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ كَانَ عَسِيفًا، أَيْ: أَجِيرًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ حِينَ كَانَ طَلْحَةٌ يَخْتَلِفُ فِي التِّجَارَةِ، وَكَمِقْسَمٍ، قِيلَ لَهُ:

стр. 1408

مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ; لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ، كَمَا سَلَفَ فِي الْمَنْسُوبِينَ إِلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا: ( «مَنْ عَلَّمَ عَبْدًا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَوْلَاهُ» ) الْحَدِيثَ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ شُعْبَةَ: مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ حَدِيثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ أَوِ الدِّيوَانِ كَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ الْفَهْمِيِّ ; فَإِنَّهُ مَوْلَى قُرَيْشٍ، وَلَكِنْ لِكَوْنِهِمُ افْتَرَضُوا فِي فَهْمٍ نُسِبَ إِلَيْهِمْ، أَوْ لِلِاسْتِرْضَاعِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ الصَّحَابِيِّ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِيعَابِ) : إِنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ لِأَبِيهِ السَّعْدِيِّ ; لِكَوْنِهِ اسْتُرْضِعَ لَهُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، أَوْ لِلْمُجَاوَرَةِ. (أَوْ لِـ) وَلَاءِ (الدِّينِ) وَالْإِسْلَامِ (كَالْجُعْفِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَفَاءٍ إِمَامِ الصَّنْعَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيِّ ; فَإِنَّهُ انْتَسَبَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ جَدَّ أَبِيهِ الْمُغِيرَةُ كَانَ مَجُوسِيًّا فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ الْيَمَانِ بْنَ أَخْنَسَ الْجُعْفِيِّ وَالِدِ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ يَمَانٍ الْمُسْنَدِيِّ الْجُعْفِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ الْمَاسَرْجِسِيِّ، بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ; فَإِنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَقِيلَ لَهُ: مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ وَكَإِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ الْآمِدِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ شَيْخِنَا ; فَإِنَّهُ أَسْلَمَ

стр. 1409

عَلَى يَدِ التَّقِيِّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فَعُرِفَ بِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا نُطِيلُ بِهِ، مِمَّا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ مِنْ صَحِيحِهِ، لِبَعْضِهِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَنْ يَلِيكَ أَوْ وَالَاكَ فَهُوَ مَوْلًى. (وَرُبَّمَا) تَوَسَّعَ حَيْثُ (يُنْسَبُ) لِلْقَبِيلَةِ مَنْ يَكُونُ (مَوْلَى الْمَوْلَى) لَهَا (نَحْوُ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بِتَحْتَانِيَّةٍ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، أَبِي الْحُبَابِ الْهَاشِمِيِّ ; فَإِنَّهُ لِكَوْنِهِ مَوْلَى شُقْرَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُسِبَ (أَصْلَا) أَيْ: لِلْأَصْلِ بَنِي هَاشِمٍ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄. وَقِيلَ: مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ ﵂، وَقِيلَ: مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ، وَعَلَيْهِمَا فَلَيْسَ بِمَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ، وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيِّ الْفِهْرِيِّ الْمِصْرِيِّ ; فَإِنَّهُ مَوْلَى يَزِيدَ بْنَ رُمَّانَةَ، وَيَزِيدُ مَوْلَى يَزِيدَ بْنِ أُنَيْسٍ الْفِهْرِيِّ، وَفِي وَقْتِنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَرَكُوتَ الْمَكِينِيُّ، نُسِبَ لِمَكِينِ الدِّينِ الْيَمَنِيِّ ; لِكَوْنِهِ مُعْتِقُ سَيِّدِ مُعْتِقِ بَرَكُوتَ. وَقَدْ أَفْرَدَ الْمَوَالِي لَكِنْ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ خَاصَّةً أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيُّ، وَأَفْرَدْتُ مَوَالِيَ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً فِي كُرَّاسَةٍ، وَلَا يُعْرَفُ

стр. 1410

تَمْيِيزُ كُلُّ هَذَا إِلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ ; لِاشْتِرَاطِ حَقِيقَةِ النَّسَبِ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَالْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ وَالتَّوَارُثِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِاسْتِحْبَابِ التَّقْدِيمِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ) . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ: كُنَّا نَقُولُ: إِنَّهُ - يَعْنِي عَنْبَسَةَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقُرَشِيَّ ـ مِنَ الْأَبْدَالِ قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ أَنَّ الْأَبْدَالَ مِنَ الْمَوَالِي، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَنِ السَّلَفِ مِنَ الْمَوَالِي، فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا تَلَقَّاهُ نَائِبُ مَكَّةَ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَالَ لَهُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ قَالَ: ابْنَ أَبْزَى. قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي. فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ بِهَذَا الْعِلْمِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» ) . وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، قَالَ لَهُ: مَنْ يَسُودُ أَهْلَ مَكَّةَ؟ فَقُلْتُ: عَطَاءٌ. قَالَ: فَأَهْلَ الْيَمَنِ؟ قُلْتُ: طَاوُسٌ. قَالَ: فَأَهْلَ الشَّامِ؟ قُلْتُ: مَكْحُولٌ. قَالَ: فَأَهْلَ مِصْرَ؟ فَقُلْتُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. قَالَ: فَأَهْلَ الْجَزِيرَةِ؟ فَقُلْتَ: مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ. قَالَ: فَأَهْلَ خُرَاسَانَ؟ قُلْتُ: الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. قَالَ: فَأَهْلَ الْبَصْرَةِ؟ فَقُلْتُ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ. قَالَ: فَأَهْلَ الْكُوفَةِ؟ فَقُلْتُ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَذُكِرَ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ عِنْدَ كُلٍّ وَاحِدٍ: مَنِ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قَالَ فَيَقُولُ: مِنَ الْمَوَالِي إِلَّا النَّخَعِيَّ ; فَإِنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ،

стр. 1411

فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ يَا زُهْرِيُّ! فَرَّجْتَ عَنِّي. يَعْنِي لِذِكْرِهِ عَرَبِيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَتَسُودَنَّ الْمَوَالِي عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى يُخْطَبَ لَهَا عَلَى الْمَنَابِرِ وَالْعَرَبُ تَحْتَهَا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ وَدِينُهُ، فَمَنْ حَفِظَهُ سَادَ، وَمَنْ ضَيَّعَهُ سَقَطَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إِمَّا فِرَاسَةً، أَوْ بَلَغَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْعَبَادِلَةُ صَارَ الْفِقْهُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ إِلَى الْمَوَالِي إِلَّا الْمَدِينَةَ ; فَإِنَّ اللَّهَ خَصَّهَا بِقُرَشِيٍّ، فَكَانَ فَقِيهَهَا بِغَيْرِ مُدَافِعٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَفِي هَذَا بَعْضُ الْمَيْلِ، فَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ مِنَ الْعَرَبِ غَيْرَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فُقَهَاءُ أَئِمَّةٌ مَشَاهِيرُ، مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، بَلْ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَرَبٌ سِوَى سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الشَّعْبِيَّ وَالنَّخَعِيَّ لَمْ يَكُونَا حِينَ مَوْتِ الْعَبَادِلَةِ فِي طَبَقَةِ سَعِيدٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَهُمْ بِالْمَدِينَةِ. وَسَأَلَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: مَنْ سَيِّدُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ؟ قَالَ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: أَمَوْلًى هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَبِمَ سَادَهُمْ؟ فَقَالَ: بِحَاجَتِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ وَعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى دُنْيَاهُمْ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَذَا لَعَمْرُ أَبِيكَ هُوَ السُّؤْدَدُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلزُّهْرِيِّ فِي الْقِصَّةِ الْمَاضِيَةِ: وَبِمَ سَادَهُمْ عَطَاءٌ؟ قُلْتُ: بِالدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ. قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ لَيَنْبَغِيُ أَنْ يَسُودُوا. وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ: أَبُو عُمَرَ هُمْ وَالْيَحْصُبِيُّ ابْنُ عَامِرٍ ... صَرِيحٌ وَبَاقِيهِمْ أَحَاطَ بِهِ الْوَلَا.

стр. 1412

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْلَى مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ الْمَوْضُوعَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الضِّدَّيْنِ ; إِذْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى، وَهُوَ الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ، بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ، وَالْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ، وَهُوَ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِهَا، وَمَعْرِفَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُهِمَّةٌ ; وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا فِي النُّخْبَةِ: وَمَعْرِفَةُ الْمَوَالِي مَنْ أَعْلَى وَمَنْ أَسْفَلُ، وَغَفَلَ الْكَمَالُ الشَّمَنِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْهَا عَنْ مُرَادِهِ، فَجَعَلَ مَوْلَى الْمَوْلَى هُوَ الْأَسْفَلَ، وَمَا عَدَاهُ الْأَعْلَى، وَتَبِعَهُ وَلَدُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا. [أَوْطَانُ الرُّوَاةِ وَبُلْدَانُهُمْ] ْ ٩٩٧ - وَضَاعَتِ الْأَنْسَابُ فِي الْبُلْدَانِ ... فَنُسِبَ الْأَكْثَرُ لِلْأَوْطَانِ ٩٩٨ - وَإِنْ يَكُنْ فِي بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا ... فَابْدَأْ بِالْأُولَى وَبِثُمَّ حَسُنَا ٩٩٩ - وَمَنْ يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ ... يُنْسَبْ لِكُلٍّ وَإِلَى النَّاحِيَةِ ١٠٠٠ - وَكَمَلَتْ بِطَيْبَةَ الْمَيْمُونَهْ ... فَبَرَزَتْ مِنْ خِدْرِهَا مَصُونَهْ ١٠٠١ - فَرَبُّنَا الْمَحْمُودُ وَالْمَشْكُورُ ... إِلَيْهِ مِنَّا تَرْجِعُ الْأُمُورُ ١٠٠٢ - وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ... عَلَى النَّبِيِّ سَيِّدِ الْأَنَامِ (أَوْطَانُ الرُّوَاةِ وَبُلْدَانُهُمْ) وَهُوَ مُهِمٌّ جَلِيلٌ يُعْتَنَى بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، لَا سِيَّمَا وَرُبَّمَا يَتَبَيَّنُ مِنْهُ الرَّاوِي الْمُدَلِّسُ وَمَا فِي السَّنَدِ مِنْ إِرْسَالٍ خَفِيٍّ، وَيَزُولُ بِهِ تَوَهُّمُ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ عَنِ اللَّيْثِ ; لِاخْتِلَافِ بَلَدَيْهِمَا، وَسَأَلَ الْمِزِّيُّ: أَيْنَ سَمِعَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ فِي الْحَجِّ ثُمَّ قَالَ: بَلْ

стр. 1413

فِي بَغْدَادَ حِينَ دُخُولِ اللَّيْثِ لَهَا فِي الرَّسْلِيَّةِ، وَيَتَمَيَّزُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَّفِقَيْنِ مِنَ الْآخَرِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَابِعِ أَقْسَامِ الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ، وَمِنْ مَظَانِّهِ (الطَّبَقَاتُ) لِابْنِ سَعْدٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَ (تَوَارِيخُ الْبُلْدَانِ) ، وَأَحْسَنُ مَا أُلِّفَ فِيهِ وَأَجْمَعُهُ (الْأَنْسَابُ) لِابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَفِي مُخْتَصَرِهِ لِابْنِ الْأَثِيرِ فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ، وَكَذَا لِلرُّشَاطِيِّ (الْأَنْسَابُ) ، وَاخْتَصَرَهُ الْمَجْدُّ الْحَنَفِيُّ. (وَ) قَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ إِنَّمَا يُنْسَبُونَ إِلَى الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ وَالْعَمَائِرِ وَالْعَشَائِرِ وَالْبُيُوتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٣] . وَالْعَجَمُ إِلَى رَسَاتِيقِهَا ; وَهِيَ الْقُرَى وَبُلْدَانِهَا، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى أَسْبَاطِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَانْتَشَرَ النَّاسُ فِي الْأَقَالِيمِ وَالْمُدِنِ وَالْقُرَى (ضَاعَتْ) كَثِيرًا (الْأَنْسَابُ) الْعَرَبِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا (فِي الْبُلْدَانِ) الْمُتَفَرِّقَةِ، (فَنُسِبَ الْأَكْثَرُ) مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ، كَمَا كَانَتِ الْعَجَمُ تَنْتَسِبُ (لِلْأَوْطَانِ) ; جَمْعُ وَطَنٍ وَهُوَ مَحَلُّ الْإِنْسَانِ مِنْ بَلْدَةٍ أَوْ ضَيْعَةٍ أَوْ سِكَّةٍ، وَهِيَ الزُّقَاقُ أَوْ نَحْوُهَا، وَهَذَا وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ أَيْضًا فَهُوَ قَلِيلٌ، كَمَا أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْضًا النِّسْبَةُ إِلَى الْقَبَائِلِ بِقِلَّةٍ. ثُمَّ إِنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى مَحَلٍّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلِيًّا مِنْهُ أَوْ نَازِلًا فِيهِ، بَلْ وَمُجَاوِرًا لَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا ; وَلِذَلِكَ تُعَدَّدُ النِّسْبَةُ بِحَسَبِ الِانْتِقَالِ، وَلَا حَدَّ لِلْإِقَامَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلنِّسْبَةِ بِزَمَنٍ، وَإِنْ ضَبَطَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، فَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَوَّغُ الِانْتِسَابُ إِلَى الْبَلَدِ إِذَا قَامَ فِيهِ أَرْبَعَ سِنِينَ فَأَكْثَرَ. ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ. بَلْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إِنَّهُ قَوْلٌ سَاقِطٌ

стр. 1414

لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَإِذَا أَرَدْتَ نِسْبَةَ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَرَادَ الْمُجَاوَرَةَ لِنَابُلُسَ قُلْتَ: النَّابُلُسِيُّ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّدْلِيسِ. (وَإِنْ يَكُنْ فِي بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا) بِأَنِ انْتَقَلَ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ أَوْ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى مِصْرَ، وَأَرَدْتَ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِمَا (فَابْدَأْبِـ) الْبَلْدَةِ (الْأُولَى) بِالنَّقْلِ، (وَبِثُمَّ) فِي الثَّانِيَةِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهَا (حَسُنَا) أَيْ: حَسُنَ الْإِتْيَانُ فِيهَا بِثُمَّ، فَيُقَالُ: الشَّامِيُّ ثُمَّ الْعِرَاقِيُّ أَوِ الدِّمَشْقِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، وَجَمْعُهُمَا أَحْسَنُ مِمَّا لَوِ اقْتُصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا. (وَمَنْ يَكُنْ) مِنَ الرُّوَاةِ (مِنْ قَرْيَةٍ) كَدَارِيَّا (مِنْ) قُرَى (بَلْدَةٍ) كَدِمَشْقَ (يُنْسَبْ) جَوَازًا (لِكُلٍّ) مِنَ الْقَرْيَةِ وَالْبَلْدَةِ، بَلْ (وَإِلَى النَّاحِيَةِ) الَّتِي مِنْهَا تِلْكَ الْبَلْدَةُ، وَتُسَمَّى الْإِقْلِيمَ أَيْضًا ; كَالشَّامِ فَيُقَالُ فِيهِ: الدَّارِيُّ أَوِ الدِّمَشْقِيُّ أَوِ الشَّامِيُّ، لَكِنْ خَصَّهُ الْبُلْقِينِيُّ بِمَا إِذَا كَانَ اسْمُ الْمَدِينَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ، وَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَقْرَبُ مَنْعُهُ، فَإِنَّ الِانْتِسَابَ إِنَّمَا وُضِعَ لِلتَّعَارُفِ وَإِزَالَةِ الْإِلْبَاسِ. وَإِنْ أُرِيدَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ بِالْأَعَمِّ فَيَقُولُ: الشَّامِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الدَّارِيُّ، أَوْ بِالْقَرْيَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا فَيَقُولُ: الدَّارِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّامِيُّ ; إِذِ الْمَقْصُودُ التَّعْرِيفُ وَالتَّمْيِيزُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، نَعَمْ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْضَحَ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَوْلَى، ثُمَّ إِنَّهُ رُبَّمَا تَقَعُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَيُقَالُ لِمَنْ سَكَنَ الْخُصُوصَ مَثَلًا - قَرْيَةٌ مَنْ قُرَى مُنْيَةِ بَنِي خَصِيبٍ -: الْخُصُوصِيِّ الْمُنَاوِيُّ الصَّعِيدِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّاحِيَةَ قَدْ تَكُونُ فَوْقَهَا نَاحِيَةٌ أُخْرَى أَوْسَعُ دَائِرَةً مِنْهَا بِأَنْ تَتَنَاوَلَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ الْمَخْصُوصَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ النَّوَاحِي، وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَقَعُ التَّعَدُّدُ لِأَزْيَدَ مِنْ هَذَا أَيْضًا. إِذَا عُلِمَ هَذَا فَقَدْ تَقَعُ النِّسْبَةُ أَيْضًا إِلَى الصَّنَائِعِ ; كَالْخَيَّاطِ، وَإِلَى الْحِرَفِ كَالْبَزَّازِ، وَتَقَعُ أَلْقَابًا ; كَخَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْكُوفِيِّ

стр. 1415

الْقَطَوَانِيِّ، وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا، وَيَقَعُ فِي كُلِّهَا الِاتِّفَاقُ وَالِاشْتِبَاهُ كَالْأَسْمَاءِ. فَائِدَةٌ: الشُّعُوبُ: الْقَبَائِلُ الْعِظَامُ، وَقِيلَ: الْجِمَاعُ الَّتِي تَجْمَعُ مُتَفَرِّقَاتِ الْبُطُونِ، وَاحِدُهَا شِعْبٌ، وَالْقَبَائِلُ الْبُطُونُ، وَهِيَ كَمَا قَالَ الزَّجَّاجُ لِلْعَرَبِ كَالْأَسْبَاطِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، بَلْ يُقَالُ لِكُلِّ مَا جُمِعَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَبِيلٌ ; أَخْذًا مِنْ قَبَائِلَ الشَّجَرَةِ، وَهِيَ غُصُونُهَا، أَوْ مِنْ قَبَائِلِ الرَّأْسِ، وَهِيَ أَعْضَاؤُهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِاجْتِمَاعِهَا، وَالْعَمَائِرُ جَمْعُ عِمَارَةٍ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، قِيلَ: الْحَيُّ الْعَظِيمُ يُمْكِنُهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ فَوْقَ الْبَطْنِ، وَالْبُيُوتُ جَمْعُ بَيْتٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ فِي النَّبِيِّ ﷺ : حَتَّى احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمِنُ مِنْ خِنْدِفَ عَلْيَاءَ، تَحْتَهَا النُّطُقُ أَرَادَ شَرَفَهُ، فَجَعَلَهُ فِي أَعْلَى خِنْدِفَ بَيْتًا، وَلَهُمُ الْأُسْرَةُ، وَالْبَطْنُ، وَالْجِذْمُ وَالْجِمَاعُ، وَالْجُمْهُورُ، وَالْحَيُّ، وَالرَّهْطُ، وَالذُّرِّيَّةُ، وَالْعِتْرَةُ، وَالْعَشِيرَةُ، وَالْفَخْذُ وَالْفَصِيلَةُ مِمَّا لِشَرْحِهِ وَبَيَانِ مَرَاتِبِهِ غَيْرُ هَذَا الْمَحَلِّ. (وَكَمَلَتْ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، أَيِ: الْمَنْظُومَةُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَالِثِ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مَعَ الْإِحَاطَةِ بِأَنَّ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِهَا، لَيْسَ حَصْرًا لِفُنُونِهَا ; وَلِذَا أَدْرَجْتُ فِي شَرْحِهَا مَا كَانَ مُنَاسِبًا لَهَا مِنَ الزَّوَائِدِ مِمَّا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، أَوْ أُفْرِدَ بِالتَّأْلِيفِ جُمْلَةَ كَالصَّالِحِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي

стр. 1416

الْحَسَنِ: ذَكَرْتُ فِيهِ مَا صَحَّ أَوْ قَارَبَ أَوْ يَحْكِيهِ. وَالْمُضَعَّفِ فِي آخَرَ الضَّعِيفِ وَالْمَحْفُوظِ فِي الشَّاذِّ، وَالْمَعْرُوفِ فِي الْمُنْكَرِ، وَالْمَطْرُوحِ فِي آخِرِ الْمَوْضُوعِ، وَالْمُبْدَلِ وَالْمُرَكَّبِ وَالْمُنْقَلِبِ فِي الْمَقْلُوبِ، وَالْمَشْهُورِ وَالْوَجْهِ فِي كَوْنِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ مَبَاحِثِنَا فِي الْمَشْهُورِ، وَأَسْبَابِ الْحَدِيثِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَتَوَالِي رِوَايَةِ فُقَهَاءَ وَنَحْوِهِمْ فِي الْمُسَلْسَلِ، وَالْمُحْكَمِ فِي آخَرَ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ، وَجَمْعٍ مِنَ التَّابِعِينَ، أَوْ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْأَقْرَانِ، وَمُشْتَرِكِينَ فِي التَّسْمِيَةِ أَوْ مَا اتَّفَقَ اسْمُ رَاوِيهِ مَعَ اسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ فَصَاعِدًا، أَوِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ مَعَ اسْمِ جَدِّهِ وَأَبِي جَدِّهِ، أَوِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ مَعَ شَيْخِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، أَوِ اسْمِ شَيْخِ الرَّاوِي مَعَ اسْمِ تَلْمِيذِهِ - وَكُلُّهَا فِي الْمُسَلْسَلِ - أَوِ اسْمِ أَبِيهِ مَعَ اسْمِ شَيْخِهِ فِي حَالِ كَوْنِهِمَا مُهْمَلَيْنِ فِي الْمُتَّفِقِ، أَوْ كُنْيَةِ اسْمِ أَبِيهِ أَوْ كُنْيَةِ زَوْجَتِهِ، وَكِلَاهُمَا فِي الْكُنَى، وَالتَّأْرِيخِ فِي التَّأْرِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالتَّحْقِيقِ لَهُ، بَلْ مَنْ أَتْقَنَ تَوْضِيحَ النُّخْبَةِ لِشَيْخِنَا مَعَ اخْتِصَارِهِ رَأَى زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَكْثَرُ كُلِّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قِسْمًا أَوْ فَرْعًا مِمَّا ذُكِرَ كَمَا بَانَ مِمَّا أَثْبَتَهُ مِنْهُ (بِطَيْبَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَهَاءِ تَأْنِيثٍ، كَشَيْبَةَ اسْمٌ مِنْ أَرْبَعِينَ فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ لِلْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهَا تَيَمُّنًا وَتَبَرُّكًا، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: طَابَةُ. كَمَا جَاءَ مَعًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرِيقٍ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَفَعَهُ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ» ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَالطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، «كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَدِينَةَ

стр. 1417

يَثْرِبَ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ طَابَةَ» ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرَّاوِيَتَيْنِ، وَهُمَا تَأْنِيثُ طِيبٍ وَطَابٍ، لُغَتَانِ بِمَعْنًى، وَاشْتِقَاقُهُمَا إِمَّا مِنَ الطِّيبِ الَّذِي هُوَ الرَّائِحَةُ الْحَسَنَةُ لِمَا يُشَاهَدُ مِنْ طِيبِ تُرْبَتِهَا وَحِيطَانِهَا وَهَوَائِهَا ; وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَفِي طِيبِ تُرَابِهَا وَهَوَائِهَا دَلِيلٌ شَاهِدٌ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ ; لِأَنَّ مَنْ أَدَامَ بِهَا يَجِدُ مِنْ تُرْبَتِهَا وَحِيطَانِهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً، لَا تَكَادُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، زَادَ غَيْرُهُ: أَوْ لِطِيبِهَا لِسَاكِنِهَا أَوْ لِطِيبِ الْعَيْشِ بِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا بِهَا مِنْ تُرَابٍ وَجُدُرٍ وَعَيْشٍ وَمَنْزِلٍ وَسَائِرِ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا طِيبٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، وَلِلَّهِ ﵎ دَرُّ الْقَائِلِ: إِذَا لَمْ تَطِبْ فِي طِيبَةَ عِنْدَ طَيِّبٍ ... بِهِ طِيبَةٌ طَابَتْ فَأَيْنَ تَطِيبُ أَوْ مِنَ الطَّيِّبِ بِالتَّشْدِيدِ، الطَّاهِرُ بِالْمُهْمَلَةِ لِخُلُوصِهَا مِنَ الشِّرْكِ وَطَهَارَتِهَا (الْمَيْمُونَهْ) يَعْنِي الْمُبَارَكَةَ بِدُعَائِهِ ﷺ لَهَا بِالْبَرَكَةِ، حَتَّى كَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا - مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ - مَا يَحْمِلُهُ الْحَجِيجُ خُصُوصًا زَمَنَ الْمَوْسِمِ مِنْ تَمْرِهَا إِلَى جَمِيعِ الْآفَاقِ، بِحَيْثُ يَفُوقُ غَلَّاتِ الْأَمْصَارِ، وَيَفْضُلُ لِأَهْلِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَقُومُ بِهِمْ قُوتًا وَبَيْعًا وَإِهْدَاءً إِلَى زَمَنِ التَّمْرِ وَزِيَادَةً. (فَبَرَزَتْ) أَيْ: خَرَجَتِ الْمَنْظُومَةُ إِلَى النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ (مِنْ خِدْرِهَا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ، أَوَّلُهُمَا سَاكِنَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، أَيْ: سِتْرِهَا، (مَصُونَهْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، لَمْ تَزَلْ صِيَانَتُهَا بِبُرُوزِهَا، وَكَذَا بَرَزَ شَرْحُ النَّاظِمِ عَلَيْهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ تَصْنِيفِهِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرَ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْخَانْقَاهْ الطّشْتمرِيَّةِ خَارِجَ الْقَاهِرَةِ، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِمَا، وَسَارًّا لِأَكْثَرِ الْأَقْطَارِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ وَافٍ بِتَمَامِ الْغَرَضِ كَمَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ لِشَارِحِي تَصَانِيفِهِمْ غَالِبًا، وَذَلِكَ غَيْرُ خَادِشٍ فِي جَلَالَتِهِ وَاخْتَصَرَهُ مَعَ ذَلِكَ الشَّمْسُ بْنُ

стр. 1418

عَمَّارٍ الْمَالِكِيُّ، وَمَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا لِسِوَاهُ شَرْحًا ; وَلِذَا انْتُدِبْتُ بِشَرْحِي هَذَا، وَجَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَدِيعًا كَمَا أَسْلَفْتُهُ فِي (آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ) وَكَمُلَ، سَائِلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى دَوَامَ النَّفْعِ بِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَيْضًا مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، فَبَيْنَهُمَا مِائَةٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً (فَرَبُّنَا) (الْمَحْمُودُ وَالْمَشْكُورُ) عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ (إِلَيْهِ مِنَّا تُرْجَعُ الْأُمُورُ) كُلُّهَا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، (وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ) الْمُخْبِرِ عَنِ اللَّهِ بِالْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ (سَيِّدِ الْأَنَامِ) كُلِّهِمْ، وَوَسِيلَتِنَا وَسَنَدِنَا وَذُخْرِنَا فِي الشَّدَائِدِ وَالنَّوَازِلِ ﷺ تَسْلِيمًا كَثِيرًا آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ. [مِنْ نَاسِخِ الْكِتَابِ] مِنْ نَاسِخِ الْكِتَابِ: تَشَرَّفَ بِكِتَابَتِهِ دَاعِيًا لِمُؤَلِّفِهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا الْعَلَّامَةِ الْمُحَقِّقِ الْحُجَّةِ شَمْسِ الدِّينِ خَاتِمَةِ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَبِي الْخَيْرِ مُحَمَّدٍ السَّخَاوِيِّ الشَّافِعِيِّ، أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى النَّفْعَ بِعُلُومِهِ وَبَقَائِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ، فَقِيرُ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْقَسْطَلَّانِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَسَتَرَ عُيُوبَهُ، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ كِتَابَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الْمُبَارَكِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ الْفَرْدِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، خَتَمَ اللَّهُ لِي وَلِأَحِبَّائِي وَلِلْمُسْلِمِينَ بِالْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ فِي عَافِيَةٍ بِلَا مِحْنَةٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.

стр. 1419

[تَصْرِيحٌ عَنْ نِسْبَةِ الْكِتَابِ] وَاعْلَمْ جَمِيعَ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ الْمُسَمَّى (فَتْحُ الْمُغِيثِ بِشَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْحَدِيثِ) مِنْ تَأْلِيفِي إِلَّا مِنَ الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ إِلَى آخِرِهِ، مَالِكُهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الْفَهَّامَةُ مُفْتِي الْمُسْلِمِينَ مُفِيدُ الطَّالِبِينَ بَرَكَةُ الْمُحَصِّلِينَ، مُحْيِي الدِّينِ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ الشَّيْخِ الْمَرْحُومِ الْعَالِمِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّينِ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَارِدِينِيُّ الْأَصْلَ، الْحَلَبِيُّ الشَّافِعِيُّ الْأَبَّارُ وَابْنُ الْأَبَّارِ، نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبَلَّغَهُ مِنْ خَيْرَيِ الدَّارَيْنِ نِهَايَةَ أَرَبِهِ وَسَلَّمَهُ سَفَرًا وَحَضَرًا، وَجَمَعَ لَهُ الْحَدِيثَ زُمَرًا، وَنَفَعَتْنِي بَعْدَ كِتَابِهِ وَبَرَكَاتِ عُلُومِهِ وَسَلَفِهِ وَجَمَعَتْنِي فِي سَنَدِ رَحْمَتِهِ وَأَعَالِي غُرَفِهِ قِرَاءَةٌ رَافِعَةٌ لِلَّبْسِ، دَافِعَةٌ لِكُلِّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، مُحَقِّقَةٌ لِلْمَعْنَى، مُوَفِّقَةٌ عَلَى الَّذِي هُوَ أَهْنَى، مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ، مُعَيِّنَةٌ لِمَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْإِيرَادُ، اجْتَهِدَ فِيهَا أَتَمَّ اجْتِهَادٍ، وَاعْتَمِدَ مَا أَبْدَيْتُهُ لَهُ فِي تَقْرِيرِي أَيَّ اعْتِمَادٍ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ السَّفَرُ قَبْلَ إِكْمَالِهِ وَحَثَّهُ عَلَى الرُّجُوعِ الْخَبَرُ عَنْ بَعْضِ آلِهِ، لَقَّاهُ اللَّهُ كُلَّ خَيْرٍ وَكَفَاهُ سَائِرَ مُهِمَّاتِهِ فِي الْإِقَامَةِ وَالسَّيْرِ فَاسْتَخْلَفَ رَفِيقَهُ الْفَاضِلَ الْكَامِلَ الْحَسَنَ الشَّمَائِلِ الْبَارِعَ الْمُفِيدَ الْفَارِغَ الْمُجِيدَ الشِّهَابَ الْعَبَّاسِيَّ أَحْمَدَ بْنَ الشَّمْسِ مُحَمَّدَ بْنِ الْفَخْرِ عُثْمَانَ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ الْحَلَبِيَّ الْحَنَفِيَّ وَيُعْرَفُ بِالتِّبْرِينِيِّ، نَفَعَهُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِ وَوَصَّلَ أَسْبَابَ الْخَيْرَاتِ بِسَبَبِهِ، وَرَجَعَ بِهِ إِلَى وَطَنِهِ سَالِمًا غَانِمًا، فَسَمَّعَ عَلَيَّ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ فِي الْبَحْثِ وَالتَّقْرِيرِ وَالْإِيضَاحِ وَالتَّحْرِيرِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى إِلَى آخِرِ الْكِتَابِ، وَهُوَ مُمْسِكٌ بِيَدِهِ هَذِهِ النُّسْخَةَ بِحَيْثُ صَارَتْ أَصْلًا يُرْجَعُ إِلَيْهَا وَيُعَوَّلُ فِي الْكِتَابِ وَالْمُطَالَعَةِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ سَمَاعِ الشِّهَابِ الْمَذْكُورِ لِجُلِّ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ مَعَهُ، وَأَجَزْتُ لَهُمَا رِوَايَةَ ذَلِكَ عَنِّي وَسَائِرَ مَا يَجُوزُ لِي وَعَنِّي رِوَايَتُهُ بِشَرْطِهِ، بَلْ أَذِنْتُ لَهُمَا حَبْسَ النُّسْخَةِ فِي أَقَارِبِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَإِلْقَائِهِ لِلطَّالِبِينَ الْمُسْتَرْشِدِينَ وَأَسْأَلُ كُلًّا مِنْهُمَا فِي الدُّعَاءِ لِي بِخَاتِمَةِ الْخَيْرِ وَإِصْلَاحِ فَسَادِ الْقَلْبِ، وَكَانَ انْتِهَاؤُهُ فِي ثَامِنِ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ (٨٨٩ هـ.) ، قَالَهُ وَكَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ السَّخَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَسَتَرَ عُيُوبَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا لَقَدْ تَمَّ الْكِتَابُ بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيقِهِ.