Полный текст (1 419 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الْأَئِمَّةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ. وَضَعَّفَ الْأَعْمَشُ جَمَاعَةً، وَوَثَّقَ آخَرِينَ، وَنَظَرَ فِي الرِّجَالِ شُعْبَةُ وَكَانَ مُتَثَبِّتًا لَا يَكَادُ يَرْوِي إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ، وَكَذَا كَانَ مَالِكٌ، وَمِمَّنْ إِذَا قَالَ فِي هَذَا الْعَصْرِ قُبِلَ قَوْلُهُ، مَعْمَرٌ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَاللَّيْثُ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ طَبَقَةٌ أُخْرَى بَعْدَ هَؤُلَاءِ ; كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُشَيْمٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَالْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيِّ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ طَبَقَةٌ أُخْرَى فِي زَمَانِهِمْ ; كَابْنِ عُلَيَّةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَوَكِيعٍ، ثُمَّ انْتُدِبَ فِي زَمَانِهِمْ أَيْضًا لِنَقْدِ الرِّجَالِ الْحَافِظَانِ الْحُجَّتَانِ ; يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ، فَمَنْ جَرَّحَاهُ لَا يَكَادُ يَنْدَمِلُ جُرْحُهُ، وَمَنْ وَثَّقَاهُ فَهُوَ الْمَقْبُولُ، وَمَنِ اخْتَلَفَا فِيهِ وَذَلِكَ قَلِيلٌ اجْتُهِدَ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ إِذَا قَالَ، سُمِعَ مِنْهُ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، وَبَعْدَهُمْ طَبَقَةٌ أُخْرَى كَالْحُمَيْدِيِّ وَالْقَعْنَبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ، ثُمَّ صُنِّفَتِ الْكُتُبُ وَدُوِّنَتْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْعِلَلِ وَبُيِّنَ مَنْ هُوَ فِي الثِّقَةِ وَالثَّبَتُ كَالسَّارِيَةِ، وَمَنْ هُوَ فِي الثِّقَةِ كَالشَّابِّ الصَّحِيحِ الْجِسْمِ، وَمَنْ هُوَ لَيِّنٌ كَمَنْ تُوجِعُهُ رَأْسُهُ وَهُوَ مُتَمَاسِكٌ يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ، وَمِنْ صِفَتُهُ كَمَحْمُومٍ تَرَجَّحَ إِلَى السَّلَامَةِ، وَمِنْ صِفَتُهُ كَمَرِيضٍ شَبْعَانٍ مِنَ الْمَرَضِ، وَآخَرُ كَمَنْ سَقَطَ قُوَاهُ وَأَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي يَسْقُطُ حَدِيثُهُ، وَوُلَاةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بَعْدَ مَنْ ذَكَرْنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرِّجَالِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُ وَعِبَارَتُهُ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ كَمَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ الْفُقَهَاءِ وَصَارَتْ لَهُمُ الْأَقْوَالُ وَالْوُجُوهُ، فَاجْتَهَدُوا فِي الْمَسَائِلِ، كَمَا اجْتَهَدَ ابْنُ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ، وَمِنْ طَبَقَتِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، سَأَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ عَنِ الرِّجَالِ وَكَلَامِهِ فِيهِمْ بِاعْتِدَالٍ وَإِنْصَافٍ وَأَدَبٍ وَوَرَعٍ.
стр. 1367
وَكَذَا تَكَلَّمَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتَبُ الْوَاقِدِيِّ فِي طَبَقَاتِهِ بِكَلَامٍ جَيِّدٍ مَقْبُولٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ لَهُ كَلَامٌ كَثِيرٌ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّبِيلُ حَافِظُ الْجَزِيرَةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ أَرَ أَحْفَظَ مِنْهُ. وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْكَثِيرَةُ فِي الْعِلَلِ وَالرِّجَالِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ: هُوَ دُرَّةُ الْعِرَاقِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ صَاحِبُ (الْمُسْنَدِ) ، وَكَانَ آيَةً فِي الْحِفْظِ، يُشَبَّهُ بِأَحْمَدَ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ الَّذِي قَالَ فِيهِ صَالِحٌ جَزَرَةُ: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ رَأَيْتُ بِحَدِيثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ إِمَامُ خُرَاسَانَ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ الْحَافِظُ، وَلَهُ كَلَامٌ جَيِّدٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الطَّبَرِيُّ حَافِظُ مِصْرَ وَكَانَ قَلِيلَ الْمِثْلِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
ثُمَّ خَلَفَهُمْ طَبَقَةٌ أُخْرَى مُتَّصِلَةٌ بِهِمْ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ الْكَوْسَجُ وَالدَّارِمِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَالْعِجْلِيُّ الْحَافِظُ نَزِيلُ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّانِ، وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ السِّجْسِتَانِيُّ وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خِرَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ لَهُ مُصَنَّفٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، قَوِيُّ النَّفْسِ كَأَبِي حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ الْأَنْدَلُسِيُّ حَافِظُ قُرْطَبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَصَالِحٌ جَزَرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثُمَّ مِنْ بَعْدَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ وَالْبَرْدِيجِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالدُّولَابِيُّ وَأَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنُ جَوْصَا وَأَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ.
ثُمَّ طَبَقَةٌ أُخْرَى، مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو طَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ شَيْخُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنُ عُقْدَةَ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ وَابْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ
стр. 1368
وَمُصَنَّفُهُ فِي الرِّجَالِ، إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الْجَرْحِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَاسَرْجِسِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَلَهُ مُسْنَدٌ مُعَلَّلٌ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ جُزْءٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَبِهِ خُتِمَ (مَعْرِفَةُ الْعِلَلِ) .
ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَأَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ فُطَيْسٍ قَاضِي قُرْطَبَةَ، وَلَهُ دَلَائِلُ السُّنَّةِ فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ، وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ كَمَا أَسْلَفْتُهُ هُنَاكَ، وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَتَمَّامٌ الرَّازِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ الْعَبْدَوِيُّ، وَقَدْ كَتَبَ عَنْهُ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ عَشَرَةَ آلَافِ جُزْءٍ، وَخَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ وَأَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ، وَلَهُ كِتَابُ (الطَّبَقَاتِ) فِي أَلْفِ جُزْءٍ، وَأَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ وَأَبُو يَعْقُوبَ الْقِرَابُ وَأَبُو ذَرٍّ الْهَرُوبَانِ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمَّانُ وَأَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيَّانِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ، ثُمَّ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّنْجَانِيُّ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ وَابْنُ مَاكُولَا وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَكَانَ عَلَّامَةً حُجَّةً وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ مُفَوَّزٍ الْمُعَافِرِيُّ الشَّاطِبِيُّ ثُمَّ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ وَشُجَاعُ بْنُ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ، وَالْمُؤْتَمِنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ السَّاجِيُّ وَشِيرُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ الْهَرَوِيُّ مُصَنِّفٌ (تَارِيخِ هَرَاةَ) وَأَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَالسِّلَفِيُّ وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ بَشْكُوالٍ. ثُمَّ بَعْدَهُمْ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَخَّارِ الْمَالِقِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ
стр. 1369
الْمَقْدِسِيُّ وَالرَّهَاوِيُّ وَابْنُ مُفَضَّلٍ الْمَقْدِسِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ الْأَنْمَاطِيِّ وَابْنُ نُقْطَةَ وَابْنُ الدُّبَيْثِيِّ وَابْنُ خَلِيلٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلْفُونَ الْأَزْدِيُّ وَابْنُ النَّجَّارِ ثُمَّ الزَّكِيُّ الْمُنْذِرِيُّ وَالْبِرْزَالِيُّ وَالصَّرِيفِينِيُّ وَالرَّشِيدُ الْعَطَّارُ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَابْنُ الْأَبَّارِ وَابْنُ الْعَدِيمِ وَأَبُو شَامَةَ وَأَبُو الْبَقَاءِ خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ النَّابُلْسِيُّ وَابْنُ الصَّابُونِيِّ.
ثُمَّ بَعْدَهُمُ الدِّمْيَاطِيُّ وَابْنُ الظَّاهِرِيِّ وَالْمَيْدُومِيُّ وَالِدُ الصَّدْرِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَابْنُ فَرَجٍ وَعُبَيْدٌ الْإِسْعَرْدِيُّ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ وَالْمِزِّيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيُّ وَصَفِيُّ الدِّينِ الْقِرَافِيُّ وَابْنُ الْبِرْزَالِيِّ وَالْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ وَابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ.
فِي آخَرِينَ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ، مِنْهُمْ فِي شُيُوخِ شُيُوخِنَا الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ تِلْمِيذُهُ شَيْخُنَا، وَفَاقَ فِي ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ أَدْرَكَهُ، وَطُوِيَ الْبِسَاطُ بَعْدَهُ إِلَّا لِمَنْ شَاءُ اللَّهُ، خُتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَعَدَّلُوا وَجَرَّحُوا، وَوَهَّنُوا وَصَحَّحُوا، وَلَمْ يُحَابُوا أَبًا وَلَا ابْنًا وَلَا أَخًا، حَتَّى إِنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي. فَأَعَادُوا ; فَأَطْرَقَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ لِكَوْنِ وَالِدِهِ كَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، يُقْرِنُ مَعَهُ آخَرَ إِذَا رَوَى عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ صَاحِبُ (السُّنَنِ) : ابْنِي عَبْدُ اللَّهِ كَذَّابٌ، وَإِنْ تَأَوَّلْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الذَّهَبِيِّ فِي وَلَدِهِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَشَاغَلَ عَنْهُ حَتَّى نَسِيَهُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ: لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي. يَعْنِي يَحْيَى الْمَذْكُورَ بِالْكَذِبِ.
стр. 1370
نَعَمْ فِي الْخُلَفَاءِ وَآبَائِهِمْ وَأَهْلِيِهِمْ كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةَ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ لَهُ: قَوْمٌ أَعْرَضَ أَهْلُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَنْ كَشْفِ حَالِهِمْ ; خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالضَّرْبِ، قَالَ: وَمَا زَالَ هَذَا فِي كُلِّ دَوْلَةٍ قَائِمَةٍ يَصِفُ الْمُؤَرِّخُ مَحَاسِنَهَا وَيُغْضِي عَنْ مَسَاوِئِهَا هَذَا إِذَا كَانَتْ ذَا دِينٍ وَخَيْرٍ ; فَإِنْ كَانَ مَدَّاحًا مُدَاهِنًا لَمْ يَلْتَفَتْ إِلَى الْوَرَعِ، بَلْ رُبَّمَا أَخْرَجَ مَسَاوِئِ الْكَبِيرِ وَهَنَاتِهِ فِي هَيْئَةِ الْمَدْحِ وَالْمَكَارِمِ وَالْعَظْمَةِ، فَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ كَانَ مِنَ الْوَرَعِ بِمَكَانٍ، كَالْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ صَاحِبِ (الْكَمَالِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ) الْمُخَرَّجِ لَهُمْ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ الَّذِي هَذَّبَهُ الْمِزِّيُّ وَصَارَ كِتَابًا حَافِلًا، عَلَيْهِ مُعَوَّلُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، وَاخْتَصَرَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْ لَمْ يُشَكَّ فِي وَرَعِهِ ; كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، بَلْ قَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَابْنِ الْمُبَارَكِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنِ ادْخُلَ الْجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنِ الْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُحَرَّرِ لَاخْتَرْتُ أَنِ الْقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَابْنِ مَعِينٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي أُنَاسٍ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ. وَالْبُخَارِيِّ الْقَائِلِ: مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ الْغَيْبَةَ حَرَامٌ. وَحُجَّتُهُمُ التَّوَصُّلُ بِذَلِكَ لِصَوْنِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الْمُقَدَّمُ.
(وَلَقَدْ أَحْسَنَ) الْإِمَامُ (يَحْيَى) بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ (فِي جَوَابِهِ) لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ حِينَ قَالَ لَهُ: أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللَّهِ
стр. 1371
يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ (وَسَدْ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ; أُولَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ، أَيْ: وُفِّقَ لِلسَّدَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْقَصْدُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ حَيْثُ قَالَ: (لَأَنْ يَكُونُوا) أَيِ: الْمَتْرُوكُونَ (خُصَمَاءَ لِي أَحَبْ) إِلَيَّ (مِنْ كَوْنِ خَصْمِي الْمُصْطَفَى) ﷺ (إِذْ لَمْ أَذُبْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، أَيْ: أَمْنَعِ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِهِ وَشَرِيعَتِهِ ; وَلِذَا رَأَى رَجُلٌ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِ مَعِينٍ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مُجْتَمِعِينَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ اجْتِمَاعِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (جِئْتُ لِأُصَلِّيَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّهُ كَانَ يَذُبُّ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي) . وَنُودِيَ بَيْنَ نَعْشِهِ هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رُؤِيَ فِي النَّوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَأَعْطَانِي وَحَبَانِي وَزَوَّجَنِي ثَلَاثَمِائَةِ حَوْرَاءَ، وَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ. وَقِيلَ فِيهِ:
ذَهَبَ الْعَلِيمُ بِعَيْبِ كُلِّ مُحَدِّثٍ ... وَبِكُلِّ مُخْتَلِفٍ وَفِي الْإِسْنَادِ
وَبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الْحَدِيثِ وَمُشْكِلٍ ... يُعْنَى بِهِ عُلَمَاءُ كُلِّ بِلَادِ
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ شُغِفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِمِينَ بِالتَّارِيخِ وَمَا أَشْبَهَهُ ; كَالذَّهَبِيِّ ثُمَّ شَيْخِنَا بِذِكْرِ الْمَعَايِبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُعَابُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ غَيْبَةٌ مَحْضَةٌ ; وَلِذَا تَعَقَّبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ابْنَ السَّمْعَانِيَّ فِي ذِكْرِهِ بَعْضَ الشُّعَرَاءِ وَقَدَحَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: إِذَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْقَدْحِ فِيهِ لِلرِّوَايَةِ لَمْ يَجُزْ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُرَابِطِ: قَدْ دَوَّنْتُ الْأَخْبَارَ، وَمَا بَقِيَ لِلتَّجْرِيحِ فَائِدَةٌ، بَلِ انْقَطَعَتْ مِنْ رَأْسِ الْأَرْبَعِمِائَةِ، وَدَنْدَنَ هُوَ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَدَبَّرْ مَقَالَهُ بِعَيْبِ الْمُحَدِّثِينَ بِذَلِكَ، قُلْتُ: الْمَلْحُوظُ فِي تَسْوِيغِ ذَلِكَ كَوْنُهُ نَصِيحَةً وَلَا انْحِصَارَ لَهَا فِي الرِّوَايَةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا مِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا ذِكْرُ الْمَرْءِ بِمَا يَكْرَهُ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً، بَلْ هُوَ نَصِيحَةٌ وَاجِبَةٌ، أَنْ تَكُونَ
стр. 1372
لِلْمَذْكُورِ وِلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا، إِمَّا بِأَنْ لَا يَكُونَ صَالِحًا لَهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فَاسِقًا أَوْ مُغَفَّلًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيُذْكَرُ لِيُزَالَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ، أَوْ يَكُونَ مُبْتَدِعًا أَوْ فَاسِقًا وَيَرَى مَنْ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ وَيُخَافُ عَلَيْهِ عَوْدُ الضَّرَرِ مِنْ قِبَلِهِ بِبَيَانِ حَالِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الْمُتَسَاهِلُ فِي الْفَتْوَى أَوِ التَّصْنِيفِ أَوِ الْأَحْكَامِ أَوِ الشَّهَادَاتِ أَوِ النَّقْلِ، أَوِ الْمُتَسَاهِلُ فِي ذِكْرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ فِي الرِّشَاءِ وَالِارْتِشَاءِ ; إِمَّا بِتَعَاطِيهِ لَهُ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِهِ، وَآكِلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحِيَلِ وَالِافْتِرَاءِ، أَوِ الْغَاصِبُ لِكُتُبِ الْعِلْمِ مِنْ أَرْبَابِهَا أَوِ الْمَسَاجِدِ، بِحَيْثُ تَصِيرُ مِلْكًا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ وَاجِبٌ ذِكْرُهُ لِيُحْذَرَ ضَرَرُهُ، وَكَذَا يَجِبُ ذِكْرُ الْمُتَجَاهِرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ وَنَحْوِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، قَالَ شَيْخُنَا: وَيَتَأَكَّدُ الذِّكْرُ لِكُلِّ هَذَا فِي حَقِّ الْمُحَدِّثِ ; لِأَنَّ أَصْلَ وَضْعِ فَنِّهِ بَيَانُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَمَنْ عَابَهُ بِذِكْرِهِ لَعَيْبِ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ أَوِ الْمُتَّصِفِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ فَهُوَ جَاهِلٌ أَوْ مُلَبِّسٌ أَوْ مُشَارِكٌ لَهُ فِي صِفَتِهِ فَيُخْشَى أَنْ يَسْرِيَ إِلَيْهِ الْوَصْفُ.
نَعَمْ لَا يَجُوزُ التَّجْرِيحُ بِشَيْئَيْنِ إِذَا حَصَلَ بِوَاحِدٍ، فَقَدْ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يُجَرَّحَ بِذَنَبَيْنِ مَهْمَا أَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا ; فَإِنَّ الْقَدْحَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ فَلْيُقَدَّرْ بِقَدْرِهَا، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْقِرَافِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَدْ قَسَّمَ الذَّهَبِيُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ أَقْسَامًا، فَقِسْمٌ تَكَلَّمُوا فِي سَائِرِ الرُّوَاةِ ; كَابْنِ مَعِينٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَقِسْمٌ تَكَلَّمُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ ; كَمَالِكٍ وَشُعْبَةَ، وَقِسْمٌ تَكَلَّمُوا فِي الرَّجُلِ بَعْدَ الرَّجُلِ ; كَابْنِ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَهُمُ الْكُلُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَيْضًا: قِسْمٌ مِنْهُمْ مُتَعَنِّتٌ فِي التَّوْثِيقِ، مُتَثَبِّتٌ فِي التَّعْدِيلِ يَغْمِزُ الرَّاوِيَ بِالْغَلْطَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، فَهَذَا إِذَا وَثَّقَ شَخْصًا فَعَضَّ عَلَى قَوْلِهِ بِنَوَاجِذِكَ، وَتَمَسَّكْ
стр. 1373
بِتَوْثِيقِهِ، وَإِذَا ضَعَّفَ رَجُلًا فَانْظُرْ هَلْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَى تَضْعِيفِهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ وَلَمْ يُوَثِّقْ ذَاكَ الرَّجُلَ أَحَدٌ مِنَ الْحُذَّاقِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ وَثَّقَهُ أَحَدٌ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالُوا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا، يَعْنِي لَا يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ مَثَلًا: هُوَ ضَعِيفٌ. وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ ضَعْفِهِ، ثُمَّ يَجِيءُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ يُوَثِّقُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يُخْتَلَفُ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَمَنْ ثَمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ، وَهُوَ مَنْ أَهْلِ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فِي نَقْدِ الرِّجَالِ: لَمْ يَجْتَمِعِ اثْنَانِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ قَطُّ عَلَى تَوْثِيقٍ ضَعِيفٍ وَلَا عَلَى تَضْعِيفِ ثِقَةٍ. انْتَهَى.
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ النَّسَّائِيِّ أَنْ لَا يُتْرَكَ حَدِيثُ الرَّجُلِ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ تَرْجِيحِهِ بِمَا يَحْسُنُ اسْتِحْضَارُهُ هُنَا، وَقِسْمٌ مِنْهُمْ مُتَسَمِّحٌ ; كَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ، قُلْتُ: وَكَابْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارِ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَشْهُورِينَ: إِنَّهُ مَجْهُولٌ. وَقِسْمٌ مُعْتَدِلٌ ; كَأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ.
(وَ) لِوُجُودِ الْمُتَشَدِّدِ وَمُقَابِلِهِ نَشَأَ التَّوَقُّفُ فِي أَشْيَاءَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ (رُبَّمَا رُدَّ كَلَامُ) كُلٌّ مِنَ الْمُعَدِّلِ وَ (الْجَارِحِ) مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَنَقْدِهِ وَدِيَانَتِهِ ; إِمَّا لِانْفِرَادِهِ عَنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ; كَالشَّافِعِيِّ ﵀ فِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ; فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يُوَثِّقْهُ غَيْرُهُ. وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنْ قَدِ اعْتَذَرَ السَّاجِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ إِلَّا فِي الْفَضَائِلِ، يَعْنِي وَهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِيهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَوْجُودَ خَلَافُهُ، وَابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ مُجَالَسَتَهُ لِإِبْرَاهِيمَ كَانَتْ فِي حَدَاثَتِهِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَمَا مَضَى فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي لَهُ أَتْبَاعٌ يُقَلِّدُونَهُ فِيمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ، إِذَا احْتَجَّ بِرَاوٍ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ كَانَ ذَلِكَ الرَّاوِي حُجَّةً فِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَ ذَلِكَ الْإِمَامَ، أَوْ لِتَحَامُلِهِ (كَالنَّسَّائِي) بِالْإِسْكَانِ لِلْوَزْنِ، صَاحِبِ (السُّنَنِ) (فِي أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ) أَبِي جَعْفَرٍ الْمِصْرِيِّ الْحَافِظِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ جَرَّحَهُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ، تَرَكَهُ مُحَمَّدُ
стр. 1374
بْنُ يَحْيَى وَرَمَاهُ يَحْيَى بِالْكَذِبِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ كَذَّابٌ يَتَفَلْسَفُ. انْتَهَى.
فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ - مِمَّنِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ تَحَامُلٌ قَالَ: وَلَا يَقْدَحُ كَلَامُ أَمْثَالِهِ فِيهِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي (الْمِيزَانِ) : إِنَّهُ آذَى نَفْسَهُ بِكَلَامِهِ فِيهِ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَثِقَتِهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ ثِقَةٌ صَدُوقٌ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِحُجَّةٍ، كَانَ أَحْمَدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا يُثَبِّتُونَهُ، وَكَانَ يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ مَعِينٍ - يَقُولُ: سَلُوهُ ; فَإِنَّهُ ثَبَتٌ. وَمِمَّنْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَقَالَ: صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ ابْنُ يُونَسَ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا. كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ: لَمْ تَكُنْ لَهُ آفَةٌ غَيْرَ الْكِبْرِ. وَالسَّبَبُ فِي كَلَامِ النَّسَائِيِّ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ أَحَدًا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ، فَجَاءَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَدْ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، لَيْسُوا هُنَاكَ، فَأَبَى أَحْمَدُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَعَمِدَ النَّسَائِيُّ إِلَى جَمْعِ أَحَادِيثَ قَدْ غَلِطَ فِيهَا ابْنُ صَالِحٍ فَشَنَّعَ بِهَا وَلَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ الرَّقِّيَّ يَقُولُ: إِنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَهُ فَطَرَدَهُ مِنْهُ فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّكَلُّمِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ فَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَالَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ إِنَّمَا هُوَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الشُّمُومِيُّ الْمِصْرِيُّ شَيْخٌ بِمَكَّةَ، كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ، سَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَنْهُ يَحْيَى، فَأَمَّا هَذَا فَهُوَ يُقَارِنُ ابْنَ مَعِينٍ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَقَوَّاهُ شَيْخُنَا بِنَقْلِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ مَعِينٍ، كَمَا حَكَيْنَاهُ أَنَّهُ ثَبَتٌ، عَلَى أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَدْ رَدَّ قَوْلَ ابْنِ مَعِينٍ أَنْ لَوْ كَانَ فِي أَبِي جَعْفَرٍ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّ ابْنَ مَعِينٍ لَا يَدْرِي مَا الْفَلْسَفَةُ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ; وَلِذَا كَانَ أَحَدَ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الَّتِي تَدْخُلُ الْآفَةُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ النَّاسَ انْتَشَرَتْ بَيْنَهُمْ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعُلُومِ الْمُتَقَدِّمَةِ
стр. 1375
وَالْمُتَأَخِّرَةِ حَتَّى عُلُومِ الْأَوَائِلِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ عُلُومَ الْأَوَائِلِ قَدِ انْقَسَمَتْ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ، فَمِنَ الْحَقِّ عِلْمُ الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالطِّبِّ، وَمِنَ الْبَاطِلِ مَا يَقُولُونَهُ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ وَأَحْكَامِ النُّجُومِ، وَقَدْ تَحَدَّثَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَقْوَامٌ، فَيَحْتَاجُ الْقَادِحُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ; لِئَلَّا يُكَفِّرَ مَنْ لَيْسَ بِكَافِرٍ أَوْ يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْكَافِرِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ قَدِ اسْتَرَاحُوا مِنْ هَذَا ; لِعَدَمِ شُيُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي زَمَانِهِمْ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ: إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ، فَيُجَرِّحَ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ مَثَلًا بِشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا ; لِأَنَّهُ يَرَاهُ قَادِحًا دُونَ غَيْرِهِ ; إِذْ لَوْ لَمْ نَعْتَبِرْ ذَلِكَ لَكَانَ الْجَارِحُ أَوِ الْمُعَدِّلُ غَارًّا لِبَعْضِ الْحُكَّامِ حَتَّى يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى قَبُولَ قَوْلِهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْغِشِّ.
وَهُنَا لَطِيفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَهِيَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ هَذَا تَكَلَّمَ فِي حَرْمَلَةَ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: إِنَّهُ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ أَحْمَدَ سَمِعَ فِي كُتُبِ حَرْمَلَةَ مِنَ ابْنِ وَهْبٍ فَأَعْطَاهُ نِصْفَ سَمَاعِهِ وَمَنَعَهُ النِّصْفَ، فَتَوَلَّدَتْ بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ مِنْ هَذَا، وَكَانَ مَنْ يَبْدَأُ بِحَرْمَلَةَ إِذَا دَخَلَ مِصْرَ لَمْ يُحَدِّثْهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَكَأَنَّ مُرَادَهُ مِنَ الْغُرَبَاءِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ شَيْخُ الطَّبَرَانِيِّ، فَجُوزِيَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بِمَا تَقَدَّمَ.
[لا يقبل الجرح إلا مفسرا]
وَلْنَرْجِعْ إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ; وَلِذَا قِيلَ فِي كُلٍّ مِنَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مُفَسَّرًا، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اسْتَفْسَرَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ جَرَّحَ أَوْ عَدَّلَ فَذَكَرُوا مَا لَا يَقْتَضِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مَعَ فَوَائِدَ مُهِمَّةٍ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ قَبُولُهُمَا مِنَ الْعَارِفِ بِأَسْبَابِهِمَا بِدُونِ تَفْسِيرٍ، فِي آخَرِينَ غَيْرِ النَّسَائِيِّ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَوْرَدَ
стр. 1376
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جَامِعِ الْعِلْمِ لَهُ عَنْهُمْ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، وَحَمَلَ بَعْضَهَا عَلَى أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ غَضَبٍ، وَجَرَّحَ مَنْ قَالَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. (فَرُبَّمَا كَانَ لِجَرْحٍ مَخْرَجُ) أَيْ: مَخْلَصٌ صَحِيحٌ يَزُولُ بِهِ، وَلَكِنْ (غَطَّى عَلَيْهِ السُّخْطُ) وَحُجِبَ عَنْهُ الْفِكْرُ (حِينَ يَحْرَجُ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ، أَنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ بِسَبَبٍ نَالَهُ ; لِأَنَّ الْفَلَتَاتِ مِنَ الْأَنْفُسِ لَا يُدَّعَى الْعِصْمَةُ مِنْهَا ; فَإِنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ غَضَبٌ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى فَبَدَرَتْ مِنْهُ بَادِرَةُ لَفْظٍ فَحُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ، لَا أَنَّهُمْ مَعَ جَلَالَتِهِمْ وَوُفُورِ دِيَانَتِهِمْ تَعَمَّدُوا الْقَدْحَ بِمَا يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ، حَاشَاهُمْ، وَكُلٌّ تَقِيٌّ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ أَكْثَرَ مَا يَكُونُ هَذَا الدَّاءُ فِي الْمُتَعَاصِرِينَ، وَسَبَبُهُ غَالِبًا مِمَّا هُوَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرُ الْمُنَافَسَةِ فِي الْمَرَاتِبِ، وَلَكِنْ قَدْ عَقَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جَامِعِهِ بَابًا لِكَلَامِ الْأَقْرَانِ الْمُتَعَاصِرِينَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، وَرَأَى أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ فِيهِمْ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ، فَإِنِ انْضَمَّ لِذَلِكَ عَدَاوَةٌ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْقَبُولِ، وَلَوْ كَانَ سَبَبُ تِلْكَ الْعَدَاوَةِ الِاخْتِلَافَ فِي الِاعْتِقَادِ ; فَإِنَّ الْحَاذِقَ إِذَا تَأَمَّلَ ثَلْبَ أَبِي إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيِّ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ رَأَى الْعَجَبَ ; وَذَلِكَ لِشِدَّةِ انْحِرَافِهِ فِي النَّصْبِ وَشُهْرَةِ أَهْلِهَا بِالتَّشَيُّعِ، فَتَرَاهُ لَا يَتَوَقَّفُ فِي جَرْحِ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْهُمْ بِلِسَانٍ ذَلِقٍ وَعِبَارَةٍ طَلِقَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ أَخَذَ يُلَيِّنُ مِثْلَ الْأَعْمَشِ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَأَسَاطِينَ الْحَدِيثِ وَأَرْكَانَ الرِّوَايَةِ، فَهَذَا إِذَا عَارَضَهُ مِثْلُهُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ فَوَثَّقَ رَجُلًا مِمَّنْ ضَعَّفَهُ هُوَ قُبِلَ التَّوْثِيقِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خِرَاشٍ الْمُحَدِّثُ الْحَافِظُ ; فَإِنَّهُ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ، بَلْ نُسِبَ إِلَى الرَّفْضِ، فَيَتَأَتَّى فِي جَرْحِهِ لِأَهْلِ الشَّامِ لِلْعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَكَذَا كَانَ ابْنُ عُقْدَةَ شِيعِيًّا، فَلَا يُسْتَغْرَبُ مِنْهُ أَنْ يَتَعَصَّبَ لِأَهْلِ الرَّفْضِ ; وَلِذَا كَانَتِ الْمُخَالِفَةُ فِي الْعَقَائِدِ أَحَدَ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الَّتِي تَدْخُلُ الْآفَةُ مِنْهَا ; فَإِنَّهَا - كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ - أَوْجَبَتْ
стр. 1377
تَكْفِيرَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَوْ تَبْدِيعَهِمْ، وَأَوْجَبَتْ عَصَبِيَّةً اعْتَقَدُوهَا دِينًا يَتَدَيَّنُونَ وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالتَّكْفِيرِ أَوِ التَّبْدِيعِ، قَالَ: وَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا فِي الطَّبَقَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، بَلْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ مَوْجُودٌ كَثِيرًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ الْجَرْحِ بِذَلِكَ، فَقَدْ قَدَّمْنَا تَحْقِيقَ الْحَالِ فِي الْعَمَلِ بِرِوَايَةِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَحَكَيْنَا كَلَامَ الشَّافِعِيِّ هُنَاكَ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ.
وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مِمَّا جَعَلَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَجْهًا مُسُتَقِلًّا الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَصْحَابِ الْعُلُومِ الظَّاهِرَةِ، فَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ أَوْجَبَ كَلَامَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ قَالَ: وَهَذِهِ غَمْرَةٌ لَا يَخْلُصُ مِنْهَا إِلَّا الْعَالِمُ الْوَافِي بِشَوَاهِدَ الشَّرِيعَةِ، وَلَا أَحْصُرُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ بِالْفُرُوعِ الْمَذْهَبِيَّةِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ لَا يَفِي بِتَمْيِيزِ حِقِّهِ مِنْ بَاطِلِهِ عِلْمُ الْفُرُوعِ، بَلْ لَابُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ، وَالْمُسْتَحِيلِ الْعَقْلِيِّ وَالْمُسْتَحِيلِ الْعَادِيِّ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُتَمَيِّزُ فِي الْفِقْهِ جَاهِلًا بِذَلِكَ، حَتَّى يَعُدَّ الْمُسْتَحِيلَ عَادَةً مُسْتَحِيلًا عَقْلًا، وَهَذَا الْمَقَامُ خَطَرٌ شَدِيدٌ ; فَإِنَّ الْقَادِحَ فِي الْمُحِقِّ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مُعَادٍ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ : ( «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» ) .
وَالتَّارِكُ لِإِنْكَارِ الْبَاطِلِ مِمَّا يَسْمَعُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ تَارِكٌ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ بِقَلْبِهِ فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ : ( «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» ) . فَإِذَا انْضَمَّا - أَعْنِي الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَهْلِ عِلْمِ الظَّاهِرِ وَالْمُخَالِفَةِ فِي الْعَقَائِدِ - مَعَ الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ ; وَهُمَا الْجَهْلُ بِمَرَاتَبِ الْعُلُومِ وَالْغَرَضُ وَالْهَوَى، وَانْضَافَ إِلَيْهَا عَدَمُ الْوَرَعِ وَالْأَخْذُ بِالتَّوَهُّمِ وَالْقَرَائِنِ الَّتِي قَدْ تَتَخَلَّفُ - كَانَتِ الْأَوْجَهُ الْخَمْسَةُ، الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي
стр. 1378
(الِاقْتِرَاحِ) أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْآفَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْهَا، وَقَالَ فِي خَامِسِهَا: إِنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَيْ: أَخَذَ بِالتَّوَهُّمِ وَالْقَرَائِنِ فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ : ( «إِيَّاكَ وَالظَّنَّ ; فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ) . قُلْتُ: لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنِ احْمَلْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْهُ سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا. انْتَهَى.
وَهَذَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ فِيمَا إِذَا كَانَ الْجَارِحُ مَعْرُوفًا بِالْعِلْمِ وَكَانَ قَلِيلَ التَّقْوَى، فَإِنَّ عِلْمَهُ يَقْتَضِي أَنْ يُجْعَلَ أَهْلًا لِسَمَاعِ قَوْلِهِ وَجَرْحِهِ، فَيَقَعُ الْخَلَلُ بِسَبَبِ قِلَّةِ وَرَعِهِ وَأَخْذِهِ بِالتَّوَهُّمِ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ عَصْرِنَا فِي سَمَاعِ قَوْلِهِ إِنْ جَرَّحَ ذُكِرَ لَهُ إِنْسَانٌ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ شَيْخٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ سَمِعْتَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ هَذَا، وَقَدْ كَانَ جَاءَ إِلَى مِصْرَ، يَعْنِي فِي طَرِيقِهِ لِلْحَجِّ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ صَاحِبِي وَلَوْ جَاءَ إِلَى مِصْرَ لَاجْتَمَعَ بِي أَوْ كَمَا قَالَ: فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّعْلِيقِ بِهَذَا الْوَهْمِ الْبَعِيدِ وَالْخَيَالِ الضَّعِيفِ فِيمَا أَنْكَرَهُ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى حَاصِلِهَا، وَقَالَ: إِنَّهُ وَاضِحٌ جَلِيٌّ.
[مَعْرِفَةُ مَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الثِّقَاتِ]
[أهمية هذا الفن]
مَعْرِفَةُ مَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الثِّقَاتِ
٩٨٥ - وَفِي الثِّقَاتِ مَنْ أَخِيرًا اخْتَلَطْ ... فَمَا رَوَى فِيهِ أَوَ ابْهَمَ سَقَطْ
٩٨٦ - نَحْوُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ ... وَكَالْجُرَيْرِيِّ سَعِيدٍ وَأَبِي
٩٨٧ - إِسْحَاقَ ثُمَّ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةِ ... ثُمَّ الرَّقَاشِيِّ أَبِي قِلَابَةِ
стр. 1379
٩٨٨ - كَذَا حُصَيْنُ السُّلَمِيُّ الْكُوفِي
وَعَارِمٌ مُحَمَّدٌ وَالثَّقَفِي ... ٩٨٩ - كَذَا ابْنُ هَمَّامٍ بِصَنْعَا إِذْ عَمِي
وَالرَّأْيُ فِيمَا زَعَمُوا وَالتَّوْأَمِي ... ٩٩٠ - وَابْنُ عُيَيْنَةٍ مَعَ الْمَسْعُودِي
وَآخِرًا حَكَوْهُ فِي الْحَفِيدِ ... ٩٩١ - ابْنِ خُزَيْمَةٍ مَعَ الْغِطْرِيفِ
مَعَ الْقَطِيعِي أَحْمَدَ الْمَعْرُوفِ
(مَعْرِفَةُ مَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الثِّقَاتِ) وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهُ فِي مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ، كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ فَنٌّ عَزِيزٌ مُهِمٌّ، وَفَائِدَةُ ضَبْطِهِمْ تَمْيِيزُ الْمَقْبُولِ مِنْ غَيْرِهِ ; وَلِذَا لَمْ يَذْكُرِ الضُّعَفَاءَ مِنْهُمْ كَأَبِي مَعْشَرٍ، نَجِيحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّنْدِيِّ الْمَدَنِيِّ ; لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَقْبُولِينَ بِدُونِهِ.
(وَفِي الثِّقَاتِ) مِنَ الرُّوَاةِ (مَنْ أَخِيرًا اخْتَلَطْ) أَيْ: مَنِ اخْتَلَطَ آخِرَ عُمُرِهِ، يَعْنِي غَالِبًا، وَإِلَّا فَلَيْسَ قَيْدًا فِيهِ، وَكَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّمَا يَخْرَفُ الْكَذَّابُونَ، وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ لِمَنْ تَعَجَّبَ مِنْ صِحَّةِ حَوَاسِّهِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ: مَا عَصَيْتُ اللَّهَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا. أَوْ كَمَا قَالَ، مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَحَقِيقَتُهُ فَسَادُ الْعَقْلِ وَعَدَمُ انْتِظَامِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ; إِمَّا بِخَرَفٍ أَوْ ضَرَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَرَضٍ مِنْ مَوْتِ ابْنٍ وَسَرِقَةِ مَالٍ ; كَالْمَسْعُودِيِّ، أَوْ ذَهَابِ كُتُبٍ كَابْنِ لَهِيعَةَ أَوِ احْتِرَاقِهَا كَابْنِ الْمُلَقِّنِ.
(فَمَا رَوَى) الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ (فِيهِ) أَيْ: فِي حَالِ اخْتِلَاطِهِ، (أَوَ ابْهَمَ) بِنَقْلِ الْهَمْزَةِ مَبْنِيَّا لِلْفَاعِلِ، الْأَمْرُ فِيهِ وَأَشْكَلَ بِحَيْثُ لَمْ نَعْلَمْ أَرِوَايَتُهُ صَدَرَتْ فِي حَالِ اتِّصَافِهِ بِهِ أَوْ قَبْلَهُ، (سَقَطْ) حَدِيثُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ لِثِقَتِهِ،
стр. 1380
هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَمَذْهَبُ وَكِيعٍ حَسْبَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَرِيبًا أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ فِي حَالِ اخْتِلَاطِهِ بِحَدِيثٍ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ فَلَمْ يُخَالِفْهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، فَلْيُحْمَلْ إِطْلَاقُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَتَمَيَّزُ ذَلِكَ بِالرَّاوِي عَنْهُ، فَإِنَّهُ تَارَةً يَكُونُ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَهُ فَقَطْ، أَوْ بَعْدَهُ فَقَطْ، أَوْ فِيهِمَا مَعَ التَّمْيِيزِ وَعَدَمِهِ.
[المصنفات فيه والمختلطون في الصحيحين]
وَمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنَ التَّخْرِيجِ لِمَنْ وُصِفَ بِالِاخْتِلَاطِ مِنْ طَرِيقِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَهُ ; فَإِنَّا نَعْرِفُ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ عِنْدَ الْمُخَرِّجِ أَنَّهُ مِنْ قَدِيمِ حَدِيثِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ عَلَى شَرْطِهِ وَلَوْ ضَعِيفًا، يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ ; لِحُصُولِ الْأَمْنِ بِهِ مِنَ التَّغْيِيرِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِيمَا يَقَعُ عِنْدَهُمَا اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا مِنْ حَدِيثِ الْمُدَلِّسِ، بِالْعَنْعَنَةِ، وَمِنَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ غَالِبًا يُسْتَفَادُ التَّصْرِيحُ، وَمَنْ سَمِعَ قَدِيمًا مِمَّنِ اخْتَلَطَ.
وَأَفْرَدَ لِلْمُخْتَلِطِينَ كِتَابًا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ فِي تَصْنِيفِهِ تُحْفَةِ الْمُسْتَفِيدِ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ، وَاعْتَنَى بِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقًا بِذَلِكَ جِدًّا، وَالْعَلَائِيُّ مُرَتِّبًا لَهُمْ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ بِاخْتِصَارٍ، وَذَيَّلَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا، وَلِلْبُرْهَانِ الْحَلَبِيِّ الِاغْتِبَاطُ بِمَنْ رُمِيَ بِالِاخْتِلَاطِ،
[أمثلة لمن اختلط من الثقات]
وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.
стр. 1381
(نَحْوُ عَطَاءٍ وَهُوَ) بِضَمِّ الْهَاءِ (ابْنُ السَّائِبِ) الثَّقَفِيُّ الْكُوفِيُّ فِي أَحَدِ التَّابِعِينَ، فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِاخْتِلَاطِهِ ; كَابْنِ مَعِينٍ، وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ بِالِاخْتِلَاطِ الشَّدِيدِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ، وَلَمْ يُفْحِشْ حَتَّى يَسْتَحِقَّ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنْ مَسْلَكِ الْعُدُولِ. انْتَهَى.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فَقَطْ أَيُّوبُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَزَائِدَةُ وَزُهَيْرُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَوُهَيْبٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي الثَّانِي ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ، وَفِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي الْخَامِسِ الْحُمَيْدِيُّ، وَفِي السَّادِسِ وَالسَّابِعِ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَكَذَا يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَثْنَى حَدِيثَيْنِ سَمِعَهُمَا مِنْهُ شُعْبَةُ بِأَخَرَةٍ عَنْ زَاذَانَ، وَمِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِيمَا قَالَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ الْجَارُودِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَعْدَهُ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فِي الْوَقْتَيْنِ مَعًا، وَكَذَا سَمِعَ مِنْهُ فِي الْوَقْتَيْنِ مَعًا أَبُو عَوَانَةَ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ، وَزَادَ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَهُ فَقَطْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزَوَانَ وَهُشَيْمٌ وَسَائِرُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ فِي قَدْمَتِهِ الثَّانِيَةِ لَهَا دُونَ الْأُولَى، وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَوْثَرِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عَنْهُ حَدِيثًا وَاحِدًا، لَكِنَّهُ مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ أَحَدِ الْأَثْبَاتِ، لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ فِي الْأَوَّلِ شَيْئًا.
(وَكَالْجُرَيْرِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ، مُصَغَّرٌ، أَبِي مَسْعُودٍ (سَعِيدٍ) وَهُوَ ابْنُ إِيَاسٍ الْبَصْرِيُّ الثِّقَةُ ; فَإِنَّهُ اخْتَلَطَ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قَالَ:
стр. 1382
وَرَآهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَهُوَ مُخْتَلِطٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَاطُهُ فَاشِيًا ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِطْ إِنَّمَا كَبِرَ فَرَقَّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تَغَيَّرَ حِفْظُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَمَنْ كَتَبَ عَنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَالِحٌ. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ كَهْمَسٍ عَنْهُ: أَنْكَرْنَاهُ أَيَّامَ الطَّاعُونِ، وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ أُنْكِرَ أَيَّامَ الطَّاعُونِ. انْتَهَى.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَالْحَمَّادَانِ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَسَمَاعُهُ مِنْهُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ بِثَمَانٍ وَسِتِّينَ ; وَلِذَلِكَ قَالَ الْعِجْلِيُّ: إِنَّهُ مِنْ أَصَحِّهِمْ عَنْهُ حَدِيثًا. وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَمَعْمَرٌ وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ; لِقَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ الْآجُرُّيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ فَسَمَاعُهُ مَنِ الْجُرَيْرِيِّ جَيِّدٌ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ سَمِعُوا مِنْ أَيُّوبَ، وَبَعْدَ تَغَيُّرِهِ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَقَالَ: لَا نَكْذِبُ اللَّهَ، سَمِعْنَا مِنْهُ وَهُوَ مُخْتَلِطٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ; وَلِذَا لَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ شَيْئًا، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَقَالَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ -: سَمِعْتُ مِنْهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَهِيَ أَوَّلُ سَنَةٍ دَخَلْتُ فِيهَا الْبَصْرَةَ وَلَمْ نُنْكِرْ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ قِيلَ لَنَا: إِنَّهُ قَدِ اخْتَلَطَ، وَسَمِعَ مِنْهُ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ بَعْدَنَا، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَخَالِدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى وَعَبْدِ الْوَارِثِ عَنْهُ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَبِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ وَجَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ وَأَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَسَالِمِ بْنِ نُوحٍ وَالثَّوْرِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَشُعْبَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ وَالثَّقَفِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ الْخَفَّافِ وَوُهَيْبٍ وَابْنِ زُرَيْعٍ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ، وَفِي هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ نَرَ التَّنْصِيصَ عَلَى كَوْنِ سَمَاعِهِمْ مِنْهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
стр. 1383
(وَ) كَـ (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ الْكُوفِيِّ التَّابِعِيِّ أَحَدِ الْأَعْلَامِ الْأَثْبَاتِ ; فَإِنَّهُ فِيمَا قَالَهُ الْخَلِيلِيُّ: اخْتَلَطَ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْفَسَوِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ سَمَاعَ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ: إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ مَا تَغَيَّرَ، وَأَنْكَرَ الذَّهَبِيُّ اخْتِلَاطَهُ، وَقَالَ: بَلْ شَاخَ وَنَسِيَ. يَعْنِي فَإِنَّهُ قَارَبَ الْمِائَةَ، قَالَ: وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَدْ تَغَيَّرَ قَلِيلًا. وَقَالَ أَحْمَدُ: ثِقَةٌ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ حَمَلُوا عَنْهُ بِأَخَرَةٍ، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ، لَا مِنْ جِهَةِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ ; كَابْنِ عُيَيْنَةَ وَنَحْوِهِ، بَلْ عَنْ قُدَمَائِهِمْ حَفِيدَيْهِ ; إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ وَيُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَزَكَرِيَّا وَعُمَرَ ابْنَيْ أَبِي زَائِدَةَ، وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِيهِ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ وَشَرِيكٍ وَشُعْبَةَ، وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْهُ، وَمُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَرَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، وَالْأَعْمَشِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ وَعَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَمِسْعَرٍ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ، فَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ وَكَبِرَ وَاخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ يُقَالُ: بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بَعْدَمَا كَبِرَ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أَوْسٍ الْكُوفِيُّ تَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: أَتَيْتُهُ، فَرَأَيْتُهُ يَبُولُ قَائِمًا فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ، وَقُلْتُ: قَدْ خَرِفَ.
стр. 1384
(ثُمَّ) بَعْدَهُمْ جَمَاعَةٌ (كَابْنِ أَبِي عَرُوبَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَ الْوَاوِ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ مَكْسُورَةٌ مَعَ اتِّزَانِهِ، وَمَا بَعْدَهُ بِالْإِسْكَانِ أَيْضًا مِمَّا هُوَ أَوْلَى ; لِعَدَمِ ارْتِكَابِ ضَرُورَةِ الصَّرْفِ فِيهِ، هُوَ سَعِيدُ بْنُ مِهْرَانَ الْعَدَوِيُّ الْبَصْرِيُّ وَيُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، أَحَدُ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ وَثِقَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مِمَّنِ اخْتَلَطَ، قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ: اخْتِلَاطًا قَبِيحًا، وَطَالَتْ مُدَّةُ اخْتِلَاطِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ابْتِدَائِهَا، فَقِيلَ - كَمَا لِدُحَيْمٍ وَابْنِ حِبَّانَ -: إِنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بَعْدَ هَزِيمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ ; إِذْ هَزِيمَةُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، بَلْ وَقُتِلَ فِي أَوَاخِرَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ أَمْرٌ مُوَافِقٌ لِلْأَوَّلِ، لَكِنْ حَكَى الذُّهْلِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخَفَّافِ أَنَّ اخْتِلَاطَهُ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: أَوَّلُ مَا أَنْكَرْنَاهُ يَوْمَ مَاتَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، جِئْنَا مِنْ جِنَازَتِهِ فَقَالَ: مَنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ قُلْنَا: مِنْ جِنَازَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. فَقَالَ: وَمَنْ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ؟ وَكَانَتْ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي (الْكَامِلِ) عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَمِعَ مِنْهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فَهُوَ صَحِيحُ السَّمَاعِ، أَوْ بَعْدَهَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ يَقُولُ: إِنَّ اخْتِلَاطَهُ كَانَ فِي الطَّاعُونِ. يَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ الْقَطَّانُ يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: إِنَّمَا اخْتَلَطَ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَهُ الْبَزَّارُ: إِنَّهُ ابْتَدَأَ بِهِ الِاخْتِلَاطُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَسْتَحْكِمْ وَلَمْ يُطْبِقْ بِهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ اسْتَحْكَمَ بِهِ أَخِيرًا، وَعَامَّةُ الرُّوَاةِ عَنْهُ سَمِعُوا مِنْهُ قَبْلَ الِاسْتِحْكَامِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ النَّاسُ اخْتِلَاطَهُ بِمَا قَالَهُ الْقَطَّانُ.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَسِرَارُ بْنُ مُجَشِّرٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ وَعَبْدُ الْأَعْلَى السَّامِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى
стр. 1385
الْقَطَّانُ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كَمَا قَالَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ وَالْعَاشِرِ وَالْحَادِي عَشَرَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَإِنَّهُمْ أَثْبَتُ النَّاسِ فِيهِ.
وَفِي الثَّانِي أَبُو دَاوُدَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْآجُرُّيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: كَانَ سَمَاعُهُ مِنْهُ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ، وَفِي الثَّالِثِ النَّسَائِيُّ فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ كَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءَ أَصْحَابِ سَعِيدٍ. وَفِي الرَّابِعِ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ بِسَنَةٍ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: إِنَّهُ هُوَ وَالسَّابِعُ وَالتَّاسِعُ أَرْوَاهُمْ عَنْهُ بَعْدَ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَفِي الْخَامِسِ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَرْوَاهُمْ عَنْهُ، وَابْنُ الْمَوَّاقِ، وَرَدَّ قَوْلَ أَبِي الْحَسَنِ بْنَ الْقَطَّانِ: إِنَّهُ مُشْتَبِهٌ لَا يَدْرِي قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ. فَأَجَادَ فِي الرَّدِّ، وَفِي السَّادِسِ، وَكَذَا فِي الْحَادِي عَشَرَ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ، وَفِي الثَّامِنِ ابْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: جَالَسْتُ سَعِيدًا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَفِي التَّاسِعِ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ فِي الْأَخِيرِ: إِنَّهُ صَحِيحُ السَّمَاعِ مِنْهُ سَمِعَ مِنْهُ بِوَاسِطٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، وَقَوْلُ التَّاسِعِ عَنْ نَفْسِهِ: إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فِي الِاخْتِلَاطِ. يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ بَيَانَ اخْتِلَاطِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِيهِ.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي الِاخْتِلَاطِ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ فِيمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي الْمُقَدِّمَةِ وَقَدْ قَدَّمْتُ خِلَافَهُ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ; فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ فِيمَا نَقَلَهُ الْآجُرُّيُّ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَتَبْتُ عَنْهُ بَعْدَمَا اخْتَلَطَ حَدِيثَيْنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ، وَوَكِيعٌ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيِّ الْحَافِظِ: لَيْسَتْ رِوَايَتُهُمَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا سَمَاعُهُمَا بَعْدَ مَا اخْتَلَطَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ لِثَانِيهِمَا: تُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدٍ، وَإِنَّمَا سَمِعْتَ مِنْهُ فِي الِاخْتِلَاطِ؟ ! فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَنِي حَدَّثْتُ عَنْهُ إِلَّا بِحَدِيثٍ مُسْتَوٍ.
حَكَى ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَعَنْ وَكِيعٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَدْخُلُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ فَنَسْمَعُ، فَمَا كَانَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ أَخَذْنَاهُ، وَمَا لَا طَرَحْنَاهُ، وَخَرَّجَ لَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ وَرَوْحٍ وَعَبْدِ الْأَعْلَى وَابْنِ زُرَيْعٍ الْمَذْكُورِينَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَكْرَاوِيِّ
стр. 1386
وَمُحَمَّدِ بْنِ سَوَاءٍ السَّدُوسِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْهُ، وَالْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَسَهْلِ بْنِ يُوسُفَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ وَكَهْمَسِ بْنَ الْمِنْهَالِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ، وَمُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَأَبِي أُسَامَةَ وَسَالِمِ بْنِ نُوحٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الضُّبَعِيِّ وَأَبِي خَالِدٍ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الْأَحْمَرِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الْخَفَّافِ وَعَبْدَةَ وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ وَمُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْعَبْدِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ بَكْرِ الْبُرْسَانِيِّ وَغُنْدَرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي مَوْتِهِ فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
(ثُمَّ) بَعْدَهُ جَمَاعَةٌ ; كَـ (الرَّقَاشِيِّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ يَاءِ النِّسْبَةِ، نِسْبَةً إِلَى امْرَأَةٍ اسْمُهَا رَقَاشُ ابْنَةُ قَيْسٍ، (أَبِي قِلَابَةَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ هَاءِ تَأْنِيثٍ، وَيُكَنَّى أَيْضًا أَبَا مُحَمَّدٍ لَكِنَّهَا أَغْلَبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ، رَوَى عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ابْنُ مَاجَهْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ خَلْقٌ، مِنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ الَّذِي وَصَفَهُ بِالِاخْتِلَاطِ، فَقَالَ: ثَنَا أَبُو قِلَابَةَ بِالْبَصْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ وَيَخْرُجَ إِلَى بَغْدَادَ. انْتَهَى.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ أَخِيرًا بِبَغْدَادَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكُ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ خُزَيْمَةَ سَمَاعُهُمْ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَ (كَذَا) مِمَّنْ
стр. 1387
كَانَ قَبْلَ الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلَهُ مِنَ الْمُخْتَلِطِينَ (حُصَيْنٌ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا، ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْهُذَيْلِ (السُّلَمِيُّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ الْكُوفِيُّ وَابْنُ عَمِّ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَبِنِسْبَتِهِ سُلَمِيًّا يَتَمَيَّزُ عَنْ جَمَاعَةٍ اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمْ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِمْ، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِنَّهُ سَاءَ حِفْظُهُ فِي الْآخِرِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّسَائِيِّ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ. وَلِذَا جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ اخْتَلَطَ وَتَغَيَّرَ، وَقَالَ: ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَكِنْ قَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ اخْتِلَاطَهُ. وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ: إِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ، وَهُوَ مِمَّنْ خَرَّجَ لَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ وَأَبِي زُبَيْدٍ عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَهُشَيْمٍ وَأَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ عَنْهُ، وَالْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنَ نُمَيْرٍ وَزَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْعَبْدِيِّ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيِّ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ وَأَبِي كُدَيْنَةَ يَحْيَى بْنِ الْمُهَلَّبِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ، وَمُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَزِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ وَأَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ وَعَبَّادِ بْنَ الْعَوَّامِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْهُ، وَفِي هَؤُلَاءِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ كَالْوَاسِطِيِّ وَزَائِدَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَهُ كَحُصَيْنٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَنْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
стр. 1388
(وَ) كَذَا مِنَ الْمُخْتَلِطِينَ (عَارِمٌ) بِمُهْمَلَتَيْنِ، ثَانِيهِمَا مَكْسُورَةٌ، بَيْنَهُمَا أَلْفٌ وَآخِرَهُ مِيمٌ، لَقَبٌ لِأَحَدِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَاسْمُهُ (مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ، وَيُكَنَّى أَبَا النُّعْمَانِ السَّدُوسِيَّ الْبَصْرِيَّ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّهُ قَدْ زَالَ عَقْلُهُ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: كَانَ أَحَدَ الثِّقَاتِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَزَالَ عَقْلُهُ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فَسَمَاعُهُ صَحِيحٌ وَقَدْ كَتَبْتُ عَنْهُ قَبْلَهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ فَسَمَاعُهُ جَيِّدٌ، وَأَبُو زُرْعَةَ لَقِيَهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَتَغَيَّرَ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِي مَا يُحَدِّثُ بِهِ، فَوَقَعَ فِي حَدِيثِهِ الْمَنَاكِيرُ الْكَثِيرَةُ، فَيَجِبُ التَّنَكُّبُ عَنْ حَدِيثِهِ فِيمَا رَوَاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ هَذَا مِنْ هَذَا، تُرِكَ الْكُلُّ، وَأَنْكَرَ الذَّهَبِيُّ قَوْلَهُ، وَوَصَفَهُ بِالتَّخْسِيفِ وَالتَّهْوِيرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَسُوقَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ بِأَخَرَةٍ، وَمَا ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ أَبِي حَاتِمٍ الْمَاضِي يُخَالِفُهُ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الذَّارِعِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ أَنْكَرَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثُمَّ رَاجَعَهُ عَقْلُهُ وَاسْتَحْكَمَ بِهِ الِاخْتِلَاطُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْعُقَيْلِيِّ: إِنَّ سَمَاعَ عَلِيٍّ الْبَغَوِيِّ مِنْهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَعْنِي بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الزُّرَيْقِيُّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ. وَأَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْبُخَارِيُّ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ بِمُدَّةٍ ; وَلِذَا اعْتَمَدَهُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، بَلْ رَوَى لَهُ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ الْمُسْنَدِيِّ فَقَطْ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: ثَنَا عَارِمٌ، وَكَانَ بَعِيدًا مِنَ الْعَرَامَةِ صَحِيحَ الْكِتَابِ وَكَانَ ثِقَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغْوِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمَا، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ وَحَجَّاجٍ الشَّاعِرِ
стр. 1389
وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ مَعْبَدٍ السِّنْجِيِّ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَهَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ أَوْ فِي صَفَرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ.
(وَ) كَذَا مِنَ الْمُخْتَلِطِينَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو مُحَمَّدٍ (الثَّقَفِي) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ ثُمَّ فَاءٍ، نِسْبَةً إِلَى ثَقِيفٍ، الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الثِّقَاتِ ; لِقَوْلِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ. وَكَذَا وَصَفَهُ بِالِاخْتِلَاطِ عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعٍ، لَكِنْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي (الْمِيزَانِ) : إِنَّهُ مَا ضَرَّ تَغَيُّرُهُ حَدِيثَهُ ; فَإِنَّهُ مَا حَدَّثَ فِي زَمَنِهِ بِحَدِيثٍ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ أَبِي دَاوُدَ: تَغَيَّرَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ فَحُجِبَ النَّاسُ عَنْهُمَا. وَكَذَا قَالَهُ الْعُقَيْلِيُّ، وَيَخْدِشُ فِيهِ قَوْلُ الْفَلَّاسِ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ حَتَّى كَانَ لَا يَعْقِلُ، وَسَمِعْتُهُ وَهُوَ مُخْتَلِطٌ يَقُولُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ بِاخْتِلَاطٍ شَدِيدٍ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ حَجْبِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ، وَالْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ أَزْهَرَ بْنِ جَمِيلٍ وَعَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ وَقُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْهُ، وَمُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ وَأَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَسْمَعِيِّ
стр. 1390
وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيِّ وَيَحْيَى بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ عَنْهُ.
وَ (كَذَا) مِنَ الْمُخْتَلِطِينَ (ابْنُ هَمَّامٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ تَشْدِيدٍ ; كَحَمَّادِ بْنِ نَافِعٍ، هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَبُو بَكْرٍ الْحِمْيَرِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ، (بِصَنْعَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ مَقْصُورًا لِلضَّرُورَةِ، مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ شَهِيرَةٌ، (إِذْ عَمِيَ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْهُ: أَتَيْنَاهُ قَبْلَ الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ صَحِيحُ الْبَصَرِ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَهَابِ بَصَرِهِ فَهُوَ ضَعِيفُ السَّمَاعِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَمَا عَمِيَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَا كَانَ فِي كُتُبِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَمَا لَيْسَ فِي كُتُبِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ، وَحَكَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَهُ، وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ لِمَنْ كَتَبَ عَنْهُ بِآخِرَةٍ، كَتَبُوا عَنْهُ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ.
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَوَكِيعٌ وَابْنُ مَعِينٍ، وَالضَّابِطُ لِمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَنْ يَكُونَ سَمَاعُهُ قَبْلَ الْمِائَتَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّوَيْهِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيُّ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: مَاتَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَلِلدَّبَرِيِّ سِتٌّ أَوْ سَبْعُ سِنِينَ. وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيُّ: اعْتَنَى بِهِ أَبُوهُ فَأَسْمَعَهُ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ تَصَانِيفَهُ، وَلَهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَدِيٍّ: إِنَّهُ اسْتُصْغِرَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَدْ وَجَدْتُ فِيمَا رُوِيَ عَنِ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَحَادِيثَ اسْتَنْكَرْتُهَا جِدًّا فَأَحَلْتُ أَمْرَهَا عَلَى الدَّبَرِيِّ ; لِأَنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ مُتَأَخِّرٍ جِدًّا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا كَانَ الْعُقَيْلِيُّ يُصَحِّحُ رِوَايَتَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي الصَّحِيحِ الَّذِي أَلَّفَهُ، وَأَكْثَرَ عَنْهُ الطَّبَرَانِيُّ،
стр. 1391
وَقَالَ الْحَاكِمُ: قُلْتُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: أَيَدْخُلُ فِي الصَّحِيحِ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ. وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوا بِتَغَيُّرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ; لِكَوْنِهِ إِنَّمَا حَدَّثَهُ مِنْ كُتُبِهِ، لَا مِنْ حَفْظِهِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي (أَدَبِ الْمُحَدِّثِ) : مَنْ يَكُونُ اعْتِمَادُهُ فِي حَدِيثِهِ عَلَى حَفْظِهِ وَضَبْطِهِ، يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنَ اخْتِلَاطِهِ إِذَا طَعَنَ فِي السِّنِّ أَوْ لَا، بَلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى كِتَابِهِ أَوِ الضَّابِطِ لَهُ فَلَا.
وَقَالَ شَيْخُنَا: الْمَنَاكِيرُ الْوَاقِعَةُ فِي حَدِيثِ الدَّبَرِيِّ إِنَّمَا سَبَبُهَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، فَمَا يُوجَدُ مِنْ حَدِيثِ الدَّبَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَاتِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَلَا يَلْحَقُ الدَّبَرِيَّ مِنْهُ تَبِعَةٌ إِلَّا إِنْ صَحَّفَ وَحَرَّفَ، وَقَدْ جَمَعَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُفَرِّجٍ الْقُرْطُبِيُّ الْحُرُوفَ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا الدَّبَرِيُّ وَصَحَّفَهَا فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي عِنْدَ الدَّبَرِيِّ فِي غَيْرِ التَّصَانِيفِ، فَهِيَ الَّتِي فِيهَا الْمَنَاكِيرُ ; وَذَلِكَ لِأَجْلِ سَمَاعِهِ مِنْهُ فِي حَالِ اخْتِلَاطِهِ، ثُمَّ إِنَّ حَدِيثَ عَبْدَ الرَّزَّاقِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجِ وَمَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْهُ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ السَّعْدِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ الْمُسْنَدِيِّ وَالذُّهْلِيِّ وَيَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْبِيكَنْدِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مُوسَى الْبَلْخِيِّ خَتٍّ عَنْهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ وَحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الشَّاعِرِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَلَّالِ وَسَلَمَةَ بْنَ شَبِيبٍ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَعَمْرٍو النَّاقِدِ وَمُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيِّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 1392
(وَ) كَذَا عُدَّ فِيهِمْ شَيْخُ مَالِكٍ وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرُّوخَ الْمَدَنِيُّ، (الرَّأْيُ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِالسُّنَّةِ قَائِلًا بِهِ، (فِيمَا زَعَمُوا) حَسْبَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، فَقَالَ: قِيلَ: إِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُرِكَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ النَّاظِمُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ بِالِاخْتِلَاطِ. انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانُوا يَتَّقُونَهُ لِمَوْضِعِ الرَّأْيِ، عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لَرَبِيعَةَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: إِنَّا قَدْ تَعَلَّمْنَا مِنْكَ، وَرُبَّمَا جَاءَنَا مَنْ يَسْتَفْتِينَا فِي الشَّيْءِ لَمْ نَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا ; فَنَرَى أَنَّ رَأْيَنَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ رَأْيِهِ لِنَفْسِهِ فَنُفْتِيهِ. قَالَ: فَقَالَ: أَقْعِدُونِي. ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ، لَأَنْ تَمُوتَ جَاهِلًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِي شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا لَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ بِالْمَدِينَةِ.
(وَ) كَذَا (التَّوْأَمِي) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ثُمَّ وَاوٍ سَاكِنَةٍ وَهَمْزَةٍ تَلِيهَا مِيمٌ، وَهُوَ صَالِحُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ نَبْهَانُ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَنُسِبَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِمَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَهِيَ ابْنَةُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، صَحَابِيَّةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ هِيَ وَأُخْتٌ لَهَا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ بِاسْمٍ، وَهَذِهِ بِالتَّوْأَمَةِ ; فَإِنَّهُ اخْتَلَطَ فِيمَا قَالَهُ أَحْمَدُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ: خَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: خَرِفَ وَكَبِرَ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: تَغَيَّرَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَجَعَلَ يَأْتِي بِمَا يُشْبِهُ الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ، فَاخْتَلَطَ حَدِيثُهُ الْأَخِيرُ
стр. 1393
بِحَدِيثِهِ الْقَدِيمِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى حِكَايَةِ كَلَامِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ مَيَّزَ الْأَئِمَّةُ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ التَّغَيُّرِ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَسْبَمَا قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِيهِمْ، وَابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْجَوْزَجَانِيُّ فِي الْأَخِيرِ فَقَطْ، وَلَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إِنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ سَمِعَ مِنْهُ أَخِيرًا، وَرَوَى عَنْهُ مُنْكَرًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ السُّفْيَانَانِ وَمَالِكٌ، فَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتُ مِنْهُ وَلُعَابُهُ يَسِيلُ. يَعْنِي مِنَ الْكِبَرِ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يُحَدِّثُ عَنْهُ، لَا مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا: لَقِيتُهُ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَقَدْ تَغَيَّرَ وَلَقِيَهُ الثَّوْرِيُّ بَعْدِي. وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ مَالِكٌ أَدْرَكَهُ وَقَدِ اخْتَلَطَ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَذَاكَ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ إِنَّمَا سَمِعَا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ وَخَرِفَ، ابْنُ مَعِينٍ، وَكَذَا فِي الثَّوْرِيِّ خَاصَّةً الْجَوْزَجَانِيُّ.
(وَ) كَذَا (ابْنُ عُيَيْنَةٍ) بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مَعَ التَّصْغِيرِ وَبِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ، هُوَ سُفْيَانُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْهِلَالِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ، فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ عَنْهُ: أَشْهَدُوا أَنَّهُ اخْتَلَطَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ، فِيهَا وَبَعْدَهَا فَسَمَاعُهُ لَا شَيْءَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَأَنَا أَسْتَبْعِدُهُ وَأَعُدُّهُ غَلَطًا مِنَ ابْنِ عَمَّارٍ، فَالْقَطَّانُ مَاتَ فِي الْكُوفَةِ أَوَّلَ سَنَةِ ثَمَانٍ
стр. 1394
وَتِسْعِينَ عِنْدَ رُجُوعِ الْحَاجِّ وَتَحَدُّثِهِمْ بِأَخْبَارِ الْحِجَازِ، فَمَتَى تَمَكَّنَ مِنْ سَمَاعِهِ بِاخْتِلَاطِ سُفْيَانَ حَتَّى تَهَيَّأَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَالْمَوْتُ قَدْ نَزَلَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَعَلَّهُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ سَنَةِ سَبْعٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا الَّذِي لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ ابْنَ عَمَّارٍ مِنَ الْأَثْبَاتِ الْمُتْقِنِينَ، ثُمَّ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْقَطَّانُ سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَاعْتَمَدَ قَوْلَهُمْ، وَكَانُوا كَثِيرًا، فَشَهِدَ عَلَى اسْتِفَاضَتِهِمْ وَأَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَوْ بِيَوْمٍ ; فَضْلًا عَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْقَطَّانِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَمَّارٍ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ أَبُو سَعْدِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي تَرْجَمَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ الْمُؤَذِّنِ مِنْ ذَيْلِ تَارِيخِ بَغْدَادَ لَهُ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: قُلْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: كُنْتَ تَكْتُبُ الْحَدِيثَ وَتُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَتَزِيدُ فِي إِسْنَادِهِ أَوْ تَنْقُصُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسَّمَاعِ الْأَوَّلِ ; فَإِنِّي سَئِمْتُ. بَلْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُ الْقَطَّانِ، فَذَكَرَ أَبُو مَعِينٍ الرَّازِيُّ فِي زِيَادَةِ كِتَابِ الْإِيمَانِ لِأَحْمَدَ، أَنَّ هَارُونَ بْنَ مَعْرُوفٍ قَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ تَغَيَّرَ أَمْرُهُ بِآخِرَةٍ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ قَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَخْطَأَ فِي عَامَّةِ حَدِيثِهِ عَنْ أَيُّوبَ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَبِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ النَّيْسَابُورِيِّ وَوَلَدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ وَقُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَكِّيِّ وَأَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ، وَالْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ وَصَدَقَةَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيِّ وَالْحُمَيْدِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ وَمَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْبِيكَنْدِيِّينَ، وَأَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْهُ، وَمُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ التَّمَّارِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيِّ وَأَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَسَعِيدِ
стр. 1395
ابْنِ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ وَعَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ النَّرْسِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ وَأَبِي قُدَامَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ السَّرَخْسِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ وَعَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ وَعَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدِ وَمُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيِّ وَمَخْلَدِ بْنِ خَالِدٍ الشَّعِيرِيِّ وَنَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ وَهَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ عَنْهُ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّ سَائِرَ شُيُوخِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ سَمِعُوا مِنْهُ قَبْلَ سَنَةِ سَبْعٍ، فَأَمَّا سَنَةَ ثَمَانٍ فَفِيهَا مَاتَ وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا فِيهَا ; فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ قُدُومِ الْحَاجِّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بَلْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَحْوُ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ أَوَّلِ شَهْرِ رَجَبٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ زَبْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا، وَجَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَالْمَعْرُوفُ: ثَمَانٍ، وَكَانَ انْتِقَالُهُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى مَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ فَاسْتَمَرَّ بِهَا حَتَّى مَاتَ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَمُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ صَاحِبُ ذَاكَ الْجُزْءِ الْعَالِي سَمِعَ مِنْهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ يَحْصُلُ نَظَرٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَالِي الْوَاقِعَةِ عَمَّنْ تَأَخَّرَ سَمَاعُهُ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَشْبَاهِهِ. يَعْنِي مِمَّنْ تَغَيَّرَ.
وَكَذَا مِمَّنِ اخْتَلَطَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ; لِقَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ فِي (تَهْذِيبِ الْآثَارِ) : إِنَّهُ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
(مَعَ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ (الْمَسْعُودِي) نِسْبَةً لِجَدِّهِ، أَحَدِ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ وَالْكِبَارِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ فَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِلَاطِهِ غَيْرُ
стр. 1396
وَاحِدٍ ; كَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْعِجْلِيِّ وَابْنِ سَعْدٍ، وَأَنَّهَا فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ. وَأَحْمَدُ وَقَالَ: إِنَّمَا اخْتَلَطَ بِبَغْدَادَ فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَسَمَاعُهُ جَيِّدٌ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ نَزَلَ بَغْدَادَ وَتَغَيَّرَ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ زَمَانَ أَبِي جَعْفَرٍ، يَعْنِي الْمَنْصُورَ، فَهُوَ صَحِيحُ السَّمَاعِ، أَوْ زَمَنَ الْمَهْدِيِّ فَلَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَاتِمٍ، إِذَا مَشَيْنَا عَلَى أَنَّ وَفَاةَ الْمَسْعُودِيِّ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ ; لِأَنَّ وَفَاةَ الْمَنْصُورِ كَانَتْ بِمَكَّةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ وَفَاةَ الْمَسْعُودِيِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ فَلَا.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: اخْتَلَطَ حَدِيثُهُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ: إِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ فِي الْأَغْلَبِ مَا رَوَاهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ مِمَّا رَوَاهُ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِتَمْيِيزِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَوَكِيعٌ فِيمَا قَالَهُ أَحْمَدُ، وَحَدِيثًا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ سِلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَفِي الثَّانِي وَالرَّابِعِ أَحْمَدُ، وَفِي الْآخَرِينَ، ابْنُ نُمَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ أَحَدُهُمْ: إِنِّي لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ الَّذِي اخْتَلَطَ فِيهِ، كُنَّا عِنْدَهُ وَهُوَ يُعَزَّى فِي ابْنٍ لَهُ، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ غُلَامَكَ أَخَذَ مِنْ مِلْكِكَ عَشَرَةَ آلَافٍ وَهَرَبَ، فَفَزِعَ وَقَامَ وَدَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اخْتَلَطَ، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُهُ فِي الْبُخَارِيِّ لَا بِقَصْدِ التَّخْرِيجِ لَهُ فِيمَا ظَهَرَ لِشَيْخِنَا كَمَا قَرَّرَهُ فِي (مُخْتَصَرِ التَّهْذِيبِ) وَالْمُقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَلَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ شَيْئًا.
стр. 1397
(وَآخِرًا حَكَوْهُ) أَيْ: وَفِي الْمُتَأَخِّرِينَ حَكَى أَهْلُ الْحَدِيثِ ; كَأَبِي عَلِيٍّ الْبَرْذَعِيِّ ثُمَّ السَّمَرْقَنْدِيِّ فِي مُعْجَمِهِ بَلَاغًا، وَمَنْ تَبِعَهُمَا الِاخْتِلَاطُ آخِرَ الْعُمْرِ (فِي الْحَفِيدِ ابْنِ خُزَيْمَةٍ) بِمُعْجَمَتَيْنِ، مُصَغَّرٌ، نِسْبَةً لِجَدِّهِ الْأَعْلَى، فَهُوَ أَبُو الطَّاهِرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْحَافِظِ الشَّهِيرِ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ السُّلَمِيِّ. (مَعَ الْغِطْرِيفِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَةٍ، بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ فَاءٌ، نِسْبَةً لِجَدِّ جَدِّهِ، وَهُوَ الثِّقَةُ الثَّبَتُ أَحَدُ أَكَابِرَ الْحُفَّاظِ فِي وَقْتِهِ، أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنَ الْغِطْرِيفِ بْنَ الْجَهْمِ الرِّبَاطِيُّ الْغِطْرِيفِيُّ الْجُرْجَانِيُّ الْعَبْدِيُّ مُصَنِّفُ الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَالْأَبْوَابِ وَصَاحِبُ الْجُزْءِ الْعَالِي وَشَيْخُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ.
وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَّلِهِمَا الْحَاكِمُ فَقَالَ: إِنَّهُ مَرِضَ فِي الْآخِرِ وَتَغَيَّرَ بِزَوَالِ عَقْلِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَعَاشَ بَعْدُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَقَصَدْتُهُ فِيهَا فَوَجَدْتُهُ لَا يَعْقِلُ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ، وَمَاتَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَمُدَّةُ اخْتِلَاطِهِ - كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْيِيدِ - سَنَتَانِ وَنِصْفُ سَنَةٍ تَنْقُصُ أَيَّامًا، وَتَجَوَّزَ الذَّهَبِيُّ فَقَالَ فِي (الْعِبَرِ) ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّرْحِ: اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ فَتَجَنَّبُوهُ. بَلْ صَرَّحَ فِي (الْمِيزَانِ) بِقَوْلِهِ: مَا عَرَفْتُ أَحَدًا سَمِعَ مِنْهُ فِي أَيَّامِ عَدَمِ عَقْلِهِ. وَكَذَا قَالَ فِي (تَارِيخِ الْإِسْلَامِ) : وَمَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْهُ إِلَّا فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ كَيْفَ يُسْمَعُ عَلَيْهِ؟ ! وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِكَلَامِ الْحَاكِمِ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَيَّنَهُ،
стр. 1398
بِخِلَافِ هَذَا ; فَإِنَّهُ قَالَ: عَقَدْتُ لَهُ مَجْلِسَ التَّحْدِيثِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَدَخَلْتُ بَيْتَ كُتُبِ جَدِّهِ، وَأَخْرَجْتُ لَهُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ سَمَاعَاتِهِ الصَّحِيحَةِ، وَانْتَقَيْتُ لَهُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، وَقُلْتُ: دَعِ الْأُصُولَ عِنْدِي صِيَانَةً لَهَا. فَأَخَذَهَا وَفَرَّقَهَا عَلَى النَّاسِ، وَذَهَبْتُ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى كُتُبِ غَيْرِهِ فَقَرَأَ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّهُ مَرِضَ. . . إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
وَأَمَّا ثَانِيهِمَا فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْيِيدِ: لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِيمَنِ اخْتَلَطَ إِلَّا أَبَا عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ فِي تَارِيخِ جُرْجَانَ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِهِ ; فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ رَفِيقِهِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ، لَكِنَّهُ يُدَلِّسُهُ، فَمَرَّةً يَقُولُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، وَمَرَّةً: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَامِدٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَالْعَبْقَسِيُّ وَالثَّغْرِيُّ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ تَغَيُّرُهُ - إِنْ صَحَّ - بَعْدَ أَخْذِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَثَمَّ آخَرُ يُوَافِقُ الْغِطْرِيفِيَّ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَبَلَدِهِ، وَيُقَارِبُهُ فِي اسْمِ الْجَدِّ، وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بِالتَّكْبِيرِ الْجُرْجَانِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَاخْتَلَطَ، فَيَحْتَمِلُ أَنِ اشْتَبَهَ بِالْغِطْرِيفِيِّ.
وَكَذَا مِمَّنِ اخْتَلَطَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَبُو الْعِبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ صَاحِبُ الرَّبِيعِ، فَقَالَ الْقِرَابُ: إِنَّهُ حُجِبَ عَنِ النَّاسِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَاخْتَلَطَ عَقْلُهُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْعَامِرِيُّ الْكُوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الْيَابِسِ
стр. 1399
أَحَدِ شُيُوخِ ابْنِ شَاهِينَ، وَغَيْرُهُ كَابْنِ السَّمْعَانِيِّ فَإِنَّهُ تَرْجَمَهُ فِي الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ مِنَ الْأَنْسَابِ وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَوَسْوَسَ، كَتَبْتُ عَنْهُ يَسِيرًا.
(مَعَ الْقَطِيعِي) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، نِسْبَةً لِقَطِيعَةِ الدَّقِيقِ بِبَغْدَادَ، أَبِي بَكْرٍ (أَحْمَدَ) بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ (الْمَعْرُوفِ) بِالثِّقَةِ بِحَيْثُ قَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: إِنَّهُ صَدُوقٌ فِي نَفْسِهِ، مَقْبُولٌ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَجْزَاءِ الْقَطِيعِيَّاتِ الْخَمْسَةِ ; النِّهَايَةِ فِي الْعُلُوِّ لِأَصْحَابِ الْفَخْرِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فِي مُدَّةِ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وَنَيِّفِ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ لَا غَيْرَ، وَالرَّاوِي لِمُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَالزُّهْدِ الْكَبِيرِ لَهُ، الْمُنْفَرِدِ بِهِمَا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ اخْتَلَّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَخَرِفَ حَتَّى كَانَ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا يُقْرَأُ عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الذَّهَبِيُّ فِي (الْمِيزَانِ) وَقَالَ: ذَكَرَ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ يَعْنِي كَمَا نَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ غُلُوٌّ وَإِسْرَافٌ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَسْنَدَ أَهْلِ زَمَانِهِ. انْتَهَى.
وَإِنْكَارُهُ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا: عَجِيبٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ السِّيبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْتُ بَغْدَادَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ حَيٌّ، وَكَانَ مَقْصُودُنَا دَرْسَ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ، فَقَالَ لَنَا ابْنُ اللَّبَّانِ الْفَرَضِيُّ: لَا تَذْهَبُوا إِلَى ابْنِ مَالِكٍ ; فَإِنَّهُ قَدْ ضَعُفَ وَاخْتَلَّ وَمَنَعْتُ ابْنِي السَّمَاعَ مِنْهُ. قَالَ: فَلَمْ نَذْهَبْ إِلَيْهِ. انْتَهَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الذَّهَبِيُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْفُرَاتِ قَوْلَهُ: كَانَ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا يَقْرَأُ، لَا الِاخْتِلَاطَ. وَلَكِنْ قَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْمَذْهَبِ الرَّاوِي عَنِ الْقَطِيعِيِّ ـ هَذَا مِنَ الْمِيزَانِ أَيْضًا ـ مَا نَصُّهُ: الظَّاهِرُ
стр. 1400
مِنَ ابْنِ الْمُذْهِبِ أَنَّهُ شَيْخٌ لَيْسَ بِمُتْقِنٍ، وَكَذَلِكَ شَيْخُهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ فِي الْمُسْنَدِ أَشْيَاءُ غَيْرُ مُحْكَمَةِ الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ. انْتَهَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَسَمَاعُ أَبِي عَلِيٍّ لِلْمُسْنَدِ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا عَنْ شَيْخِهِ الْمُصَنِّفِ.
[مِمَّنِ اخْتَلَطَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ]
وَمِمَّنِ اخْتَلَطَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الصَّدْرُ سُلَيْمَانُ الْأَبْشِيطِيُّ قَالَ شَيْخُنَا ـ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ ـ: إِنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ اسْتَحْكَمَتْ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ قَلِيلًا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُبَارَكِ الْغَزِّيُّ ابْنُ الشَّيْخَةِ شَيْخِ شُيُوخِنَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ قَبْلَهُمَا ; كَسُلَيْمَانَ بْنِ حَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَحْمَدَ الْبَعْلِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: يُقَالُ: إِنَّهُ اخْتَلَطَ وَعَبْدُ الْحَقِّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ الْمَنْبَجِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْكَمَالُ الْمِنْشَاوِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الطَّائِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَالْمُوَفَّقُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ بْنِ سُمَيْطٍ الْقَاضِي، بِبَابِ زُوَيْلَةَ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ أَبُو حَيَّانَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.
تَتِمَّةٌ: رُبَّمَا يَتَّفِقُ عُرُوضٌ مَا يُشْبِهُ الِاخْتِلَاطَ ثُمَّ يَحْصُلُ الشِّفَاءُ مِنْهُ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَمْتُ فَذَهَبَ عَقْلِي حَتَّى كُنْتُ أُلَقَّنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: وَكَانَ احْتَجَمَ عَلَى هَامَتِهِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ الْبُرْهَانَ
стр. 1401
الْحَلَبِيَّ عَرَضَ لَهُ الْفَالِجُ، فَأُنْسِيَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْفَاتِحَةَ ثُمَّ عُوفِيَ، وَكَانَ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ صَارَ يَتَرَاجَعُ إِلَيْهِ مَحْفُوظُهُ كَالطِّفْلِ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيَّ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الشَّرَفِيِّ، وَالْمُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، كَانَ قَدْ حَصَلَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِينَ شَهْرًا فَالِجٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَنْطِقُ بِغَيْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَكْتُبُ غَيْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، وَنَحْوُهُ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْوَادِي - يَعْنِي شَيْخَهُ - يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَكَّامٍ وَالنَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَانْهَدَمَتْ دَارُهُ وَتَقَطَّعَتِ الْكُتُبُ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرٍو فِي حَدِيثِ النَّضْرِ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يُحَدِّثَانِ عَنْ شُعْبَةَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الِاخْتِلَاطَ الْمَذْكُورَ وَإِنْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ يُلْحَقُ فِي الْمُخْتَلِطِينَ.
وَقَدْ يَتَغَيَّرُ الْحَافِظُ لِكِبَرِهِ، وَيَكُونُ مَقْبُولًا فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ ; لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ وَطُولِ صُحْبَتِهِ إِيَّاهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ حَدِيثُهُ عَلَى ذِكْرِهِ وَحِفْظِهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ وَالتَّغَيُّرِ، كَمَا كَانَ قَبْلَهُ ; كَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ ; وَلِذَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ - كَمَا قَدَّمْتُهُ - فِي مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ، عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: إِنَّ مُسْلِمًا اجْتَهَدَ وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ ثَابِتٍ بِخُصُوصِهِ مَا سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ]
ِ
٩٩٢ - وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالْأَخْذِ وَكَمْ مُصَنِّفُ
٩٩٣ - يَغْلَطُ فِيهَا وَابْنُ سَعْدٍ صَنَّفَا ... فِيهَا وَلَكِنْ كَمْ رَوَى عَنْ ضُعَفَا
(طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ) وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَفَائِدَتُهُ الْأَمْنُ مِنْ تَدَاخُلِ الْمُشْتَبِهِينَ
стр. 1402
كَالْمُتَّفِقِينَ فِي اسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ، وَإِمْكَانُ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَبَيُّنِ التَّدْلِيسِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ مِنَ الْعَنْعَنَةِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّارِيخِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّعْرِيفِ بِالرُّوَاةِ، وَيَنْفَرِدُ التَّارِيخُ بِالْحَوَادِثِ وَالطَّبَقَاتِ، بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْبَدْرِيِّينَ مَثَلًا مَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا ; لِاسْتِلْزَامِهِ تَقْدِيمَ الْمُتَأَخِّرِ الْوَفَاةِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ التَّارِيخَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالذَّاتِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَالطَّبَقَاتِ يُنْظَرُ فِيهَا بِالذَّاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ.
(وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ) أَيْ: مَرَاتِبُ وَأَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ، جَمْعُ طَبَقَةٍ ; وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الْقَوْمُ الْمُتَشَابِهُونَ، (وَتُعْرَفُ) فِي الِاصْطِلَاحِ، (بِالسِّنِّ) أَيْ: بِاشْتِرَاكِ الْمُتَعَاصِرِينَ فِي السِّنِّ وَلَوْ تَقْرِيبًا (وَ) بِـ (الْأَخْذِ) عَنِ الْمَشَايِخِ، وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالِاشْتِرَاكِ فِي التَّلَاقِي، وَهُوَ غَالِبًا مُلَازِمٌ لِلِاشْتِرَاكِ فِي السِّنِّ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَالْبَاحِثُ النَّاظِرُ فِي هَذَا الْفَنِّ يَحْتَاجُ مَعْرِفَةَ الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَمَنْ أَخَذُوا عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَرُبَّ شَخْصَيْنِ يَكُونَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَشَابُهِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِهَةٍ، وَمِنْ طَبَقَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَا يَتَشَابَهَانِ فِيهَا، فَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصَاغِرَ الصَّحَابَةِ مَعَ الْعَشَرَةِ ﵃، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى تَشَابُهِمْ فِي أَصْلِ صِفَةِ الصُّحْبَةِ، فَعَلَى هَذَا فَالصَّحَابَةُ بِأَسْرِهِمْ طَبَقَةٌ أُولَى، وَالتَّابِعُونَ طَبَقَةٌ ثَانِيَةٌ، وَأَتْبَاعُ التَّابِعِينَ طَبَقَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا، يَعْنِي كَمَا صَنَعَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى تَفَاوُتِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي سَوَابِقِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ كَانُوا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، يَعْنِي فِي الصَّحَابَةِ بِضْعَ عَشْرَةَ طَبَقَةً، وَلَا يَكُونُ عِنْدَ هَذَا أَنَسٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصَاغِرَ الصَّحَابَةِ مِنْ طَبَقَةِ الْعَشَرَةِ مِنَ
стр. 1403
الصَّحَابَةِ، بَلْ دُونَهُمْ بِطَبَقَاتٍ.
يَعْنِي كَمَا فَعَلَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَيْثُ عَدَّدَ الطَّبَقَاتِ فِي كُلٍّ مِنْهُمْ، قَالَ شَيْخُنَا: وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ - كَمَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ - كُلَّ طَبَقَةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَدْ يَسْتَشْهِدُ لَهُ بِمَا يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ طَبَقَاتِ أُمَّتِي خَمْسُ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَطَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَالَّذِي يَلُونَهُمْ إِلَى الثَّمَانِينَ أَهْلُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَهْلُ التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى السِّتِّينَ - يَعْنِي وَمِائَةٍ - أَهْلُ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى الْمِائَتَيْنِ أَهْلُ الْهَرَجِ وَالْحُرُوبِ» ) . رَوَاهُ يَزِيدٌ الرَّقَاشِيُّ وَأَبُو مَعْنٍ، وَكِلَاهُمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ، وَعَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ أَبُو مَعْمَرٍ، كَمَا فِي نُسْخَةِ كَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، ثَلَاثَتُهُمْ - وَهُمْ ضُعَفَاءُ - عَنْ أَنَسٍ، وَكَذَا لَهُ شَوَاهِدُ، كُلُّهَا ضِعَافٌ، مِنْهَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُجْرٍ رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُطَهَّرٍ الْفِهْرِيِّ وَلَيْسَ بِعُمْدَةٍ، عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ الْقُرَشِيُّ - وَهُوَ تَالِفٌ - عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا نَحْوَهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْتُهُ لِكَوْنِهِ فِي إِحْدَى السُّنَنِ، وَكَذَا يُسْتَشْهَدُ لِهَذَا النَّوْعِ فِي الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ : ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) . فَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.
(وَكَمْ) مَرَّةٍ أَوْ وَقْتٍ (مُصَنِّفُ) مِنْ حُفَّاظِ الْأَئِمَّةِ (يَغْلَطُ) أَوْ كَمْ يَغْلَطُ مُصَنِّفٌ (فِيهَا) ; لِسَبَبِ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمُتَّفِقِينَ حَيْثُ يَظُنُّ أَحَدَهُمَا الْآخَرَ، أَوْ لِسَبَبٍ أَنَّ الشَّايِعَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ طَبَقَةٍ رُبَّمَا يَرْوِي عَنْ أَقْدَمَ مِنْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ التَّابِعِينَ،
стр. 1404
أَوْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ طَبَقَتِهِ فَيَذْكُرُهُ تَخْمِينًا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ، كَمَا اتَّفَقَ لِلْمُقَيَّدِينَ فِي إِدْخَالِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَثَلًا كَابْنِ هُبَيْرَةَ الْحَنْبَلِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الطَّرْطُوسِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَكَذَا مِنَ الظَّنِّ الْغَالِبِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا كَالْبُخَارِيِّ فِيهِمْ، وَفِي إِدْخَالِ مُصَنِّفِ طَبَقَاتِ الْحَنَفِيَّةِ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ الشَّافِعِيَّ فِيهِمْ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ افْتَضَحَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ.
وَفِيهَا تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ لِأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ وَخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي الْحَسَنِ مَحْمُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُمَيْعٍ الدِّمَشْقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيِّ وَأَبِي عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيِّ وَأَبِي الشَّيْخِ بْنِ حَيَّانَ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدُوَيْهِ وَأَبِي مَسْعُودٍ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ الرَّازِيِّ وَأَبِي الْفَضْلِ الْفَلَكِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَحْمَدَ بْنِ إِشْكَابٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْوَرَّاقِ وَأَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْتَمْلِي الْبَلْخِيِّ، فِي آخَرِينَ، مِنْهُمْ مَنْ طَوَّلَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَ غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ أَوْ مُتَقَيِّدِينَ بِالْفُقَهَاءِ ; إِمَّا مُطْلَقًا كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، أَوْ مُقَيَّدًا بِمَذْهَبٍ كَـ (الْمَدَارِكِ) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَالْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى ثُمَّ ابْنِ رَجَبٍ، وَالشَّافِعِيَّةِ لِخَلْقٍ، أَوْ بِالْحُفَّاظِ أَوْ بِالْقُرَّاءِ كَالذَّهَبِيِّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، لِلدَّانِيِّ ثُمَّ ابْنِ الْجَزْرِيِّ فِي الْقُرَّاءِ أَيْضًا أَنَّ بِالنُّحَاةِ كَالْقِفْطِيِّ وَابْنِ مَكْتُومٍ، أَوْ بِالْبِلَادِ كَطَبَقَاتِ الْمَكِّيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلْقَاضِي بْنِ مُفَرِّجٍ، أَوِ النَّيْسَابُورِيِّينَ لِلِحَاكُمِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّهُ مِمَّا بَسَطْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.
стр. 1405
(وَابْنُ سَعْدٍ) بْنِ مَنِيعٍ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْهَاشِمِيُّ، مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ نَزِيلُ بَغْدَادَ وَكَاتِبُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الْأَسْلَمِيِّ الْوَاقِدِيِّ أَيْضًا (صَنَّفَا فِيهَا) أَيْ: فِي الطَّبَقَاتِ ثَلَاثَةَ تَصَانِيفَ، وَالْكَبِيرُ مِنْهَا كِتَابٌ حَفِيلٌ جَلِيلٌ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ، أَثْنَى عَلَيْهِ وَعَلَى مُصَنِّفِهِ الْخَطِيبُ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، صَنَّفَ كِتَابًا كَبِيرًا فِي طَبَقَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى وَقْتِهِ، فَأَجَادَ فِيهِ وَأَحْسَنَ. انْتَهَى.
وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ (وَلَكِنْ كَمْ رَوَى) فِي كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ (عَنْ) أُنَاسٍ (ضُعَفَا) ، مِنْهُمْ شَيْخُهُ الْوَاقِدِيُّ مُقْتَصِرًا كَثِيرًا عَلَى اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بِنِسْبَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا، وَمِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، فَأَكْثَرَ عَنْهُمَا، وَمِنْهُمْ نَصْرُ بْنُ بَابٍ أَبُو سَهْلٍ الْخُرَاسَانِيُّ مَعَ قَوْلِهِ فِيهِ: إِنَّهُ نَزَلَ بَغْدَادَ فَسَمِعُوا مِنْهُ وَرَوَوْا عَنْهُ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ فَاتَّهَمُوهُ، فَتَرَكُوا حَدِيثَهُ، وَالْمَرْءُ قَدْ يُضَعَّفُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ وَمَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ بِمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا شَكَ أَنَّ مِنْ شُيُوخِ ابْنِ سَعْدٍ [هُشْيَمًا وَالْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ وَابْنَ عُيَيْنَةَ وَابْنَ عُلَيَّةَ وَابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ، وَأَبَا ضَمْرَةَ أَنَسَ بْنَ عِيَاضٍ وَيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَمَعْنَ بْنَ عِيسَى وَأَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيَّ، وَوَكِيعًا وَأَبَا أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ وَغَيْرَهُمْ؟ ؟ ؟] ، وَكَتَبَ عَنْ أَقْرَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ فَهْمٍ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، فَمَرَّ بِنَا ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْكَاتِبُ بِكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ يَحْيَى: كَذَبَ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ الْخَطِيبُ: أَظُنُّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُصْعَبٌ عَنْهُ لِابْنِ مَعِينٍ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْوَاقِدِيُّ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ. فَقَالَ: يَصْدُقُ، رَأَيْتُهُ جَاءَ إِلَى الْقَوَارِيرِيِّ وَسَأَلَهُ عَنْ أَحَادِيثَ فَحَدَّثَهُ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، وَحَدِيثُهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ; فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ فَهْمٍ: كَانَ كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالْكُتُبِ وَالْحَدِيثِ وَالْغَرِيبِ وَالْفِقْهِ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: ظَهَرَتْ فَضَائِلُهُ وَمَعْرِفَتُهُ الْوَاسِعَةُ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَاحِدٍ عَنْهُ حِكَايَةً،
следующие страницы →