← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال ابن كثير: (فهذا لو صح لكان صريحاً في أن القرء هو الحيض) (١)؛ وقد صححه بعض العلماء (٢)، فالصواب في المسألة: هو ما ذكره ابن عقيل؛ من أن القرء يقع على الحيض والطهر إلا أنه في الحيض أظهر لصراحة ما استدلوا به وصحته في بيان القرء، ولما جاء في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت النبي ﷺ فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله ﷺ : • إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء " (٣)، وأما حديث ابن عمر فليس صريحاً في معنى القرء، وإنما هو بيان العدة التي تطلق فيها المرأة، والله أعلم. قال الجصاص: (قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من وجهين، أحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملاً لهما لما تأوله السلف عليهما لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات ... ) إلى أن قال: ( .. ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعاً بينهم مستفيضاً، ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه .. ) (٤). قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة:٢٤٥].

стр. 142

١٧/ ١٦ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ والمراد به: فقراء عباد الله اهـ) (١). الدراسة: أبان ابن عقيل أن المراد بقوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾: أي يقرض عباده المحتاجين. وفي تفسيره تخصيص، والآية تدل على ما هو أعم منه. ففي هذه الآية حث من الله تعالى على جميع الأعمال الصالحة ومنها النفقة في سبيله في كل مجال وفي الجهاد على وجه الخصوص، وهذا ما ذكره عامة أهل العلم. قال النحاس: (أصل القرض: ما يفعل ليجازى عليه) (٢). وقال ابن منظور: (وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ﴾ أي: يفعل فعلاً حسناً في اتباع أمر الله وطاعته، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيراً: قد أحسنت قرضي، وقد أقرضتني قرضاً حسناً) (٣).

стр. 143

وقال الطبري: (القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة:٢٤٥] يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله فيعين مُضعِفاً (١)، أو يُقوِّي ذا فاقةٍ أراد الجهاد في سبيل الله، ويعطي منهم مقتراً، وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه، وإنما سماه الله تعالى ذكره قرضاً؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملِّكاً له ليَقضِيَه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه قرضاً، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصفنا) (٢). وقال البغوي: (﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] القرض: اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما عدّ لهم من الثواب قرضاً؛ لأنهم يعملونه لطلب ثوابه) (٣). وقال ابن كثير: (وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع) (٤).

стр. 144

ومما يؤيد هذا التفسير ويوضحه قول النبي ﷺ : " إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " (١). فإن قيل: ما مناسبة اختيار هذا الأسلوب: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ دون غيره؟. فالجواب من وجوه: ١ - أن فيه تأكيداً لاستحقاق الثواب بالعمل، إذ لا يكون قرضاً إلا والعوض مستحق به (٢). ٢ - أن فيه حثاً وترغيباً على البذل والزيادة في أعمال الخير. ٣ - أن في أعمال الخير قطعاً من الوقت أو المال أو غيره لله تعالى، ومن معاني القرض في اللغة: القطع (٣). ٤ - أن ما يقدمه الإنسان ينتظر بدله وجزاءه، وهكذا القرض. ٥ - أن الجزاء يتأخر عن العمل في الغالب، وكذلك الأمر في القرض (٤). ٦ - بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات (٥) بإذنه تعالى وفضله؛ ومما يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:٢٠].

стр. 145

٧ - ذكر لفظ القرض فيه تقريب للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظر المسلف رد ما أسلف (١). ٨ - ذكر لفظ القرض فيه ضمان وأمان للمنفق بأنه لن يضيع عليه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ١٨/ ١٧ - قال ابن عقيل: (ويعتبر القبض في الرهن؛ قال سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ اهـ) (٢). الدراسة: استدل ابن عقيل بالآية على اعتبار القبض في الرهن، وهو مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة (٣)، واختلفوا في تحديد نوع اشتراطه، هل هو شرط لزوم، أو شرط تمام؟. وفائدة الفرق: أن من قال: شرط لزوم قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن. ومن قال: شرط تمام قال: يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت (٤).

стр. 146

فذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أن عقد الرهن لا يلزم إلا بالقبض؛ للآية التي معنا. فلو لزم عقد الرهن بدون قبض لما كان للتقييد به في الآية فائدة (١). وقال المالكية: يلزم الرهن بالعقد، ثم يجبر الراهن على التسليم للمرتهن، وعمدة مالك: قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول كالبيع؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، والرهن عقد (٢)، ووافقه أحمد في غير المكيل والموزون في رواية ليست هي المذهب (٣). والقول الأول أقرب للصواب؛ لأن في البيع والعقود اللازمة معاوضة فتلزم بالعقد، والرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض، والصدقة، وهو أشبه بالهبة والتبرع إذ الراهن لا يستحق في مقابله شيء على المرتهن، والإمضاء فيها يكون بالقبض، والرهن الذي لم يقبض لا يلزم إقباضه، كما لو مات الراهن، وقد وصف الله الرهن بكونه مقبوضاً في الآية فيقتضي اشتراطه وعدم لزوم الرهن إلا بالقبض. والله تعالى أعلم. ومن ثمرات المسألة: ١ - أنه لو تعاقد الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن في يد الراهن، لم يصح الرهن (٤). ٢ - أن الرهن الذي لم يقبض لا يلزم إقباضه، كما لو مات الراهن فلا يلزم الورثة تسليم الرهن.

стр. 147

سورة آل عمران قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩]. ١٩/ ١ - قال ابن عقيل: (الحصور: الذي لا حاجة له في هذا الشأن (١) اهـ) (٢). الدراسة: فسر ابن عقيل الحصور في هذه الآية بالذي لا حاجة له في النكاح، وهو قول قتادة، والسدي، والحسن (٣)، وهو القول الأول. القول الثاني: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، روي عن سعيد بن المسيب (٤). القول الثالث: أنه الذي لا ينزل ماء، روي عن ابن عباس، والضحاك (٥). القول الرابع: أنه كان يمنع نفسه من شهواتها (٦). ويجمع هذه الأقوال: أن الحصور الممتنع من جماع النساء إما من العِنَّة، وإما من العفة والاجتهاد في إزالة الشهوة، والثاني أظهر في الآية، لأنه بذلك يستحق المحمدة (٧).

стр. 148

قال القاضي عياض (١): (اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوباً، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، وإنما هو معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصر عنها، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء. وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قَمْعُها: إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله كيحيى ﵇ ... والمقصود أن مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: إنه معصوم من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٨]، كأنه قال: ولداً له ذرية ونسل وعقب، والله أعلم) (٢).

стр. 149

فالخلاصة: أن معنى الحصور الممتنع عن جماع النساء، وهذا لا نزاع فيه، إنما خلاف العلماء في السبب الذي منعه من جماع النساء، ولا يخفى أن دلالة السياق إرادة المدح، ولا يكون كذلك إلا إذا كان تركاً للشهوات مع قدرته عليها، ولذا قال أبو حيان بعد ذكر أقوال المفسرين: (والذي يقتضيه مقام يحيى ﵇، أنه كان يمنع نفسه من شهوات الدنيا، من النساء وغيرهن، ولعل ترك النساء زهادة فيهن كان شرعهم إذ ذاك) (١). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران:٥٢]. ٢٠/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مع الله اهـ) (٢). الدراسة: فسر ابن عقيل [إلى] في هذه الآية بمعنى: [مع]، وهو قول الجماعة كما قال ابن الجوزي (٣)، وروي عن السدي، وابن جريج (٤)، وغيرهم، و [إلى] تقارب معنى [مع] في اللغة، وذلك إذا ضممت شيئاً إلى آخر (٥)، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢] أي: مع (٦).

стр. 150

وقد حسّن هذا المعنى الطبري حيث يقول: (وإنما حسن أن يقال: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ بمعنى: مع الله؛ لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه، جعلوا مكان [مع] [إلى] أحياناً) (١). والقول الثاني: أن [إلى] على حقيقتها (٢)، واختلفوا في التقدير: فقال مجاهد في معنى من أنصاري إلى الله، أي: (من يتبعني إلى الله) (٣). وقال الحسن: (معناه من أنصاري في السبيل إلى الله) (٤). وقيل: متعلق بمحذوف حالاً من الياء، أي: من أنصاري حال كوني ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه (٥). وقيل: إن أنصاري مضمن معنى الضم؛ لتبقى [إلى] على بابها، أي من يضم نصره إلى نصر الله (٦).

стр. 151

والذي يظهر لي أنه لا اختلاف بين هذه الأقوال في معنى الآية إجمالاً فـ[إلى] تأتي في اللغة بمعنى [مع] (١)، كقولهم: (الذود إلى الذود إبل) (٢)، وكل الأقوال ترجع إلى ما يشمله معنى النصر من إعلان الدين والدعوة إليه إذ لا بد لحصول النصر من تحصيل سببه كما هي سنة الله، قال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولذا فالقول بأن [إلى] بمعنى المعية يفيد الإعانة على النصر، وكذا من جعل [إلى] على بابها وضمن النصر معنى الضم، ومثله من علق [إلى] ومجرورها بمحذوف، وقول الحسن ومجاهد لا يخرج عن معنى ما سبق، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف:١٠٨]، فالاتباع يكون بالانضمام والمعية في الطريق نفسه وهو الدعوة إلى الله تعالى، ولذلك لم يأت الحواريون بـ[إلى] في قولهم: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢] (٣). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥].

стр. 152

٢١/ ٣ - قال ابن عقيل: (نبه بأداء القنطار على أداء الدينار، ونبه بنفي الدينار على نفي أداء القنطار اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه حول هذه الآية إلى مسألة التنبيه والأولى، فإثبات الأمانة على الأعلى دلالة على الأمانة على الأدنى، ونفيها على الأدنى دلالة على نفيها على الأعلى. قال ابن عقيل: (وهذا مما لا خلاف فيه بين جمهور أهل العلم إلا ما شذ عن بعض أهل الظاهر) (٢). وفي القرآن نهى الله عن التأفيف في حق الأبوين، ونبه بذلك على ما هو أكثر منه من الأذايا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء:٧٧]، فذكر القليل تنبيهاً على الكثير. وأمثلة هذا في السنة كثير منها: نهي النبي ﷺ عن التضحية بالعوراء (٣)، تنبيهاً على النهي عن التضحية بالعمياء. ومما يؤيد هذا القول:

стр. 153

١ - أن هذا ظاهر من لغة العرب، وقد وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل السكوت، وأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت، ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقاً للآخر، قالوا: (هذا لا يلحق غبار هذا الفرس) وكان هذا ذلك عندهم أبلغ من قولهم: (هذا الفرس سابق لهذا الفرس) (١). ٢ - أن العبد المنهي عن إعطاء زيد حبة، لا يحسن به أن يستفهم من سيده الناهي له؛ فهل أعطيه قيراطاً لما في القيراط من الحبات؟. ٣ - أن هذا مما يتساوى في فهمه النساء والسُّوَقة، ولا يقف على المتميزين من أهل اللغة ولا أرباب الاستنباط (٢). قال القرطبي: (ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر) (٣). وقال ابن كثير: (فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران:٧٥]، أي: من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه) (٤).

стр. 154

وقال الثعالبي (١): (وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: ﴿بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على الأدنى؛ فلذلك كان الحكم في المسكوت أولى، وإنما يكون ذلك إذا عرف المقصود من الحكم، وانه أشد مناسبة في المسكوت) (٢). وبعد هذا فقد ظهر لي أن الصواب ما ذهب إليه جمهور العلماء لقوة الأدلة الدالة على صحة قولهم ووضوحها. والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران:١٥٩]. ٢٢/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ والمشاورة لا تكون في الوحي، ولا فيما يرد من الله سبحانه، فلم يبق إلا فيما يحكم فيه من طريق الاجتهاد اهـ) (٣). الدراسة: فسر ابن عقيل المشاورة في الآية من خلال إخراجه ما لا يدخل فيها أنها في كل ما يحكم فيه النبي ﷺ من طريق الاجتهاد، فمحل البحث إذن: هل يدخل في الشورى كل اجتهاداته ﷺ أو لا؟. فأقول: اجتهاد النبي ﷺ لا يخلو من حالين:

стр. 155

الحال الأولى: اجتهاده ﷺ في أمور الدنيا، فهذا جائز وواقع إجماعاً (١). قال الطوفي: (ولا أحسب أحداً ينازع في الجواز عقلاً) (٢). ومن أمثلة وقوعه: ما كان من عزمه على ترك تلقيح ثمار المدينة (٣)، فهذا إذن يدخل في ما يشاور به ﷺ . الحال الثانية: اجتهاده ﷺ في أمور الشرع التي لا نص فيها، وفيه اختلاف:

стр. 156

القول الأول: الجواز، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة (١)، وعليه فأمور الشرع مما يشاور به ﷺ ، واستدلوا عليه بظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر:٢]، وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وطريق الاعتبار والمشاورة الاجتهاد، وقالوا بأن الله خاطبه كما خاطب عباده وضرب له الأمثال وأمره بالتدبر والاعتبار وهو أجل المتفكرين في آيات الله وأعظم المعتبرين لها (٢)، واستدلوا أيضًا: بوقوعه، ومن ذلك أنه استشار في أسرى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وعمر بالقتل (٣)، وبأن النبي ﷺ لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء قال له الحباب بن المنذر (٤): (يا رسول الله أبوحي فعلت أو برأي؟ قال: برأي يا حباب، قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه، فقبل ذلك مني) (٥).

стр. 157

القول الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب أكثر الأشاعرة (١)، والمعتزلة (٢). ويمكن أن يستدل لهم: بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]، ولا حجة لهم في الآية لأنها في المنصوص عليه، والاجتهاد المراد معنا فيما لا نص فيه وهو غاية ما في الوسع.

стр. 158

ومن هنا يترجح لي قول ابن عقيل في كون المشاورة شاملة للاجتهاد في الأمور الدنيوية والأخروية وهو قول الجمهور (١)، ولكن لا يقر ﷺ على الخطأ إجماعاً (٢)، فأدلتهم واضحة وكثيرة في وقوع اجتهاده ﷺ في أمور الشرع، ومن ذلك قوله ﷺ : " أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته، قالت: نعم، قال: فالله أحق بالوفاء " (٣)، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد إجماعاً مع كونه معرضاً للخطأ؛ فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ من باب أولى (٤). والله أعلم. سورة النساء قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء:٢]. ٢٣/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: مع أموالكم اهـ) (٥). ٢٤/ ٢ - وقال أيضاً: (الأكل ههنا: الأخذ، تقول العرب: مالي لا يؤكل: لا يؤخذ اهـ) (٦).

стр. 159

الدراسة: فسر ابن عقيل [إلى] في هذه الآية بمعنى: [مع] (١)، كما فسرها بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢] (٢). فقال بعض المفسرين كما قال ابن عقيل: [إلى] بمعنى [مع] كما روي عن مجاهد، وقتادة (٣)، وقال به الفراء (٤)، والأخفش (٥)، والسمرقندي (٦)، والبغوي (٧)، وابن الجوزي (٨). وقال آخرون: بل [إلى] على بابها كالنحاس (٩)، وابن عطية (١٠)، والقرطبي (١١)، وضمنوا الأكل معنى الإضافة والضم، أي: لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل. وبعد هذا فمن المتيسر الجمع بين القولين؛ لأنه لا تناقض في نظري بينهما، فالمعنى المستفاد من الآية على كلا القولين واحد، ولذا فقد فسر بعض المفسرين الحرف وضمن كلامه المعنيين، ومنهم الطبري حيث قال: (ولا تخلطوا أموالهم - يعني اليتامى - بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم) (١٢).

стр. 160

وقال ابن العربي: (قال علماؤنا: معنى تأكلوا: تجمعوا وتضموا أموالهم إلى أموالكم، ولأجل ذلك قال بعض الناس: معناه مع أموالكم، والمعنى الذي يسلم معه اللفظ ما قلنا) (١). وهذا مما يؤيد أن المعنى متفقون عليه، وخلافهم في أي اللفظين أولى، والأمر في هذا يسير. والجمع بين القولين هو ما اختاره ابن عقيل في تفسيره حيث فسر الأكل بالأخذ مرة، وفسر [إلى] بـ[مع] مرة أخرى، دلالة على أن كلا المعنيين صحيح، وليس تضمين أحد اللفظين بأولى من الآخر، والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣].

стр. 161

٢٥/ ٣ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ثم بيَّن المحرمات (١)، وقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، ثم خص - من المباحات بعموم هذه الآية - باستثناء السنة: تحريم الأخت والعمة والخالة على الأخت (٢) وبنت الأخت وبنت الأخ (٣) اهـ) (٤). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى مسألتين: المسألة الأولى:

стр. 162

أن القرآن مبين للقرآن، وأن الأمر بالنكاح المطلق مخصوص بالمحرمات المذكورة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] الآيات، وهذا أمر واضح وصريح. قال الزركشي: (قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] الآية، وهذا عام في ذوات المحارم والأجنبيات، ثم خُص بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] الآية) (١). وأحل الله ما وراء ذلك بنص القرآن. قال الشنقيطي: (ثم بين أن غير تلك المحرمات حلال بالنكاح بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤]) (٢). المسألة الثانية: أن العموم في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، مخصوص باستثناء السنة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (٣)، وهذا قول عموم العلماء إلا من شذ. قال ابن الجوزي: (﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، أي: ما بعد هذه الأشياء إلا أن السنة قد حرمت تزويج المرأة على عمتها وتزويجها على خالتها) (٤).

стр. 163

وقال الجصاص: (وشذت طائفة من الخوارج (١) بإباحة الجمع بين من عدا الأختين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وأخطأت في ذلك وضلت عن سواء السبيل ; لأن الله تعالى كما قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، وقد ثبت عن النبي ﷺ تحريم الجمع بين مَن ذكرنا، فوجب أن يكون مضموماً إلى الآية، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مستعملاً فيمن عدا الأختين، وعدا من بَيَّن النبي ﷺ تحريم الجمع بينهن .. ) (٢). والمجيزين للجمع بن الأختين وبين المرأة وعمتها أو خالتها لا يعتد بخلافهم، كما قال القرطبي: (وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة) (٣). ولا شك أن القول الصحيح هو تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها بتخصيص السنة الصريحة الصحيحة، وجواز تخصيص القرآن بالسنة في هذه الآية مما هو كالإجماع بين العلماء.

стр. 164

قال ابن القيم: (تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، بقوله ﷺ : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " (١)) (٢). قال الآلوسي: (تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقاً، وإن لم يثبت وبقي الخبر من الآحاد؛ فنقول: إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح، وبجوازه قال الأئمة الأربعة، ويدل على جوازه: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خصصوا به من غير نكير فكان إجماعاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها، فخص بقوله ﷺ : " لا تنكحوا المرأة على عمتها ولا على خالتها ") (٣)، والسنة تفسر القرآن وتبينه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤] والله ذكر المحرمات ولم يمنع التحريم في غيرها. قال النحاس: (فرض الله تحريم هؤلاء ولم يقل: إنه لا يحرم عليكم سواهن) (٤). وذكر بعض العلماء ضابطاً فيمن يحرم الجمع بينهن من النساء: أن كل امرأتين بينهما رحم محرم، لو قدر أن إحداهما ذكراً والأخرى أنثى حرمت عليه، فإنه يحرم الجمع بينهما؛ لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام (٥). والله تعالى أعلم.

стр. 165

قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ النساء:٣]. ٢٦/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: أو ثلاث أو رباع اهـ) (١). الدراسة: القول في تفسير هذه الآية كما قال ابن كثير: (أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء أربعاً) (٢). ولهذا فسر ابن عقيل [الواو] في الآية بـ[أو]، وهو سائغ في اللغة، وبهذا المعنى فسرها المفسرون (٣). وتفسيرها بهذا لئلا يُتوهم أن الواو في الآية تفيد الجمع، كما فهمها قوم لا يعتد بخلافهم، أشار إليهم بعض المفسرين. قال ابن العربي: (قد توهم قوم من الجهال أن هذه الآية تبيح للرجل تسع نسوة ... وعضدوا جهالتهم بأن النبي ﵇ كان تحته تسع نسوة) (٤).

стр. 166

ونسبه القرطبي إلى الرافضة (١)، وبعض أهل الظاهر (٢)، ولا شك أن هذا قول مردود، لا سيما والقائل به غير معتبر. قال الزجاج: (هذا قول لا يعرج على مثله، ولكنا ذكرناه ليعلم المسلمون أن أهل هذه المقالة - يعني الرافضة - مباينون لأهل الإسلام في اعتقادهم، ويعتقدون في ذلك ما لا يشتبه على أحد من الخطأ) (٣). وقال ابن جزي: (وقال قوم لا يعبأ بقولهم إنه يجوز الجمع بين تسع؛ لأن مثنى وثلاث ورباع يجمع فيه تسعة، وهذا خطأ؛ لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسع ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بياناً، وأيضاً قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة) (٤)، ولم يذكر الجصاص في المسألة خلافاً (٥). وقال القرطبي بعد ذكر قولهم: (هذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة؛ إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته لأكثر من أربع) (٦). وفعلاً هو جهل شنيع في معرفة الكلام العربي، ومخالفة لإجماع الأمة.

стр. 167

قال الزجاج: (يبطل هذا من جهات: أحدها في اللغة: أن مثنى لا يصلح إلا لاثنين اثنين على التفريق، ومنها أنه يصير أعْيَى (١) كلام) (٢). وقال السمعاني (٣): (ولأن على التقدير الذي ذكروا عِي في الكلام؛ لأن من أراد أن يذكر التسع فيقول: مثنى وثلاث ورباع عُد ذلك عيباً في الكلام) (٤). وأما عن وفاته ﷺ عن تسع نسوة فتلك خصوصية له كما دل على ذلك الإجماع. قال البغوي: (وهذا إجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي ﷺ لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها) (٥). وقال ابن كثير: (مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة) (٦). وبهذا يتبين صحة تفسير ابن عقيل [الواو] بـ[أو].

стр. 168

وللتعبير بـ[الواو] مكان [أو] معنى دقيق ذكره بعض العلماء يقول الفخر الرازي (١): (فإن قيل فإذا كان الأمر على ما قلتم؛ فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال: مثنى أو ثلاث أو رباع فلم جاء بواو العطف دون أو؟ قلنا لو جاء بكلمة أو، لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك إلا على أحد هذه الأقسام، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، والبعض الآخر بالتثليث، والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو، أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسماً من هذه الأقسام، ونظيره: أن يقول الرجل للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والمراد: أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا ههنا، الفائدة في ترك [أو] وذكر [الواو] ما ذكرناه، والله أعلم) (٢).

стр. 169

قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١] [النساء:١١]. ٢٧/ ٥ - قال ابن عقيل: (﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] الظاهر أنه أراد الثلاثة، لكن صرف عن ظاهرها بدلالة اهـ) (١). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: المراد بالجمع المطلق، هل هو اثنان أو ثلاثة؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال أشهرها ما يلي:

стр. 170

القول الأول: أن أقل الجمع ثلاثة، وهو اختيار ابن عقيل، وبه قال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، ويروى عن مالك (٣)، وعن أحمد (٤)، وبه قال أكثر أئمة اللغة (٥). وهو المروي عن ابن عباس ﵁ وذلك أنه دخل على عثمان ﵁ فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس وإنما قال الله فإن كان له إخوة، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟. فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار (٦)، فلولا أنه مقتضى اللغة لما احتج ابن عباس، ولما سمعه عثمان منه، وما قابله عثمان إلا بمجرد سيرة غيره، وما نازعه في مقتضى اللفظ، وهما من فصحاء العرب وأرباب اللسان (٧)، ولم ينكَر عليهما، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة (٨). القول الثاني: أن أقل الجمع اثنان، حكي عن أصحاب مالك (٩) وبعض الشافعية (١٠). واستدلوا بأدلة منها: ١ - إجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على اثنين في قولهم " فعلتم، وفعلنا، وتفعلون "، قال ابن عطية: (واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع) (١١).

стр. 171

٢ - أنه قد ورد القرآن بذلك، ومن الأمثلة: هذه الآية التي معنا. وقوله تعالى في قصة موسى، وهارون: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء:١٥] وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]، وهما يوسف، وأخوه، وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، ولهما قلبان، وقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء:٧٨]، وهما اثنان، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، وهما طائفتان، وقال: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص:٢١]، وهما ملكان. ٣ - استدلوا أيضاً بقول النبي ﷺ : " اثنان فما فوقهما جماعة " (١). والراجح هو القول الأول لأمور منها: ١ - أن هذا هو إجماع الصحابة (٢) كما جاء في الأثر عن ابن عباس مع عثمان ﵄، قال الرازي: (واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان؛ فكان اتفاقهما حجة في ذلك) (٣).

стр. 172

٢ - أن ما استدل به أصحاب القول الثاني خارج عن محل النزاع، وذلك أن إجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على الاثنين لا ينازعون فيه (١)، لأنهم نظروا إلى المعنى، ومحل الخلاف هو دلالة اللفظ على الاثنين. ولذلك قالوا بجواز إطلاق الجمع على الواحد معنى كقول الفرد عن نفسه: نحن فعلنا، ولا يجيزون أن يكون الواحد جمعاً، قال الآمدي (٢): (وليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء، فإن ذلك في الاثنين والثلاثة ومازاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة، مثل قولهم: رجال ومسلمون) (٣). وقال الزركشي: (استشكل ابن الصائغ النحوي، والقرافي محل الخلاف في هذه المسألة، فقال ابن الصائغ في شرح الجمل: الخلاف في هذه المسألة: إن كان المراد به الأمر المعنوي، فلا شك في أن الاثنين جمع، لأنه ضم أمر إلى آخر، وإن كان المراد أنه إذا ورد لفظ الجمع، فهل ينبغي أن يحمل؟ فلا شك أن الأصل فيه، والأكثر إطلاق لفظ الجمع على الثلاثة فصاعداً، وهو قول أئمة اللغة، ويكفي فيه قول ابن عباس لعثمان: ليس الإخوة أخوين بلغة قومك) (٤).

стр. 173

٣ - أنه بناء على هذا الجواز حُملت الآيات القرآنية التي استدلوا بها، فالإجابة ممكنة على كل آية استدلوا بها، فيقال مثلاً: قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ يعني: هارون، وموسى، وفرعون وقومه، وهم جماعة، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لضرورة استثقال الجمع بين تثنيتين مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض الألفاظ، وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أراد به يوسف، وأخاه، والأخ الأكبر الذي تخلف عن الإخوة، وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم أو التفخيم لهما، وقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ كل طائفة جمع. قال ابن عطية: (وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية؛ لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان فساغ التجوز بأن يؤتى بلفظ الجمع بعد ذلك) (١). ٤ - أن كل ما استدل به من قال: إن أقل الجمع اثنان، قامت القرينة والدلالة على أنه أريد به الاثنين، وهذا لا خلاف فيه. ٥ - أما استدلالهم بقول النبي ﷺ " اثنان فما فوقهما جماعة "، على فرض صحته، فهو دليل عليهم؛ إذ لو كان الاثنان جمعاً في اللغة لما احتاج النبي ﷺ إلى بيان جماعة الصلاة بأنها اثنان؛ لأن هذا هو الأصل، فليس فيه جديد. ٦ - أن الاثنين لو كان جمعاً لكان قولنا: رجلان، اسم جمع، فهل يجوز إطلاقه على الثلاثة فصاعداً، كما يُقال في: رجال؟ الجواب بلا ريب: لا. ٧ - أنه أجمع أهل اللغة على أن الأسماء ثلاثة أضرب: إفراد، وتثنية، وجمع، وهو رجل، ورجلان، ورجال، فلا بد من كون هذه الثلاثة متباينة (٢).

стр. 174

٨ - أنه لو صح أن الاثنين جمع لجاز أن يُقال: رأيت اثنين رجال، وهذا ممتنع فالعرب لم تستعمله على هذا الوجه. ٩ - أن من أراد رد الجمع إلى الاثنين فإنه يفتقر إلى دليل وقرينة تبين مراده، كما سبق في توجيه الآيات السابقة، ويأتي في الآية التي معنا، وبهذا تجتمع الأدلة. قال الطبري: (وقد قال بعض النحويين: إنما قيل إخوة؛ لأن أقل الجمع اثنان وذلك أنه إذا ضم شيء إلى شيء صارا جميعاً بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع، وهذا وإن كان كذلك في المعنى فليس بعلة تنبئ عن جواز إخراج ما قد جرى الكلام مستعملاً مستفيضاً على ألسن العرب لاثْنَيْه بمثالٍ وصورة، غير مثالِ ثلاثةٍ فصاعداً منه وصورتِها؛ لأن من قال: أخواك قاما، فلا شك أنه قد علم أن كل واحد من الأخوين فرد ضم أحدهما إلى الآخر فصارا جميعا بعد أن كانا شتى .. ) إلى أن قال: (فغير جائز أن يغير أحدهما إلى الآخر إلا بمعنى مفهوم، وإذا كان ذلك كذلك فلا قول أولى بالصحة مما قلنا قبل) (١)، وقال ابن عطية: (وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد، فإنما يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية؛ لأن اللفظ مالك للمعنى، وللبنية حق) (٢). كل هذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة (٣) حتى يدل دليل على خلافه، سواء كان متصلاً كدلالة سياق الكلام، أو منفصلاً كإجماع ونحوه. المسألة الثانية: المراد بالإخوة في هذه الآية، وبمعنى آخر: هل الأخوان يحجبان الأم أو لا بد من ثلاثة؟.

стр. 175

اتفق العلماء على أن الأخ الواحد لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبونها (١)، واختلفوا في الاثنين على قولين، بناء على اختلافهم في أقل الجمع: القول الأول: ذهب الجمهور (٢) إلى أن الاثنين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، وهو ما اختاره ابن عقيل. القول الثاني: ذهب ابن عباس ﵁ إلى أن الحجب لا يحصل إلا بثلاثة؛ لأن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الإخوة، ولفظ الإخوة جمع، وأقل الجمع عنده ثلاثة. والصواب هو قول الجمهور؛ لأنهم يستدلون بإجماع الصحابة قبل ابن عباس على حجب الأم بالأخوين، ودليل ذلك: عن ابن عباس ﵁ أنه دخل على عثمان ﵁ فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس وإنما قال الله فإن كان له إخوة، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟. فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار (٣). وقال مالك: (مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعداً) (٤).

стр. 176

قال الطبري: (واعتل كثير ممن قال ذلك: بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل ثناؤه على لسان رسوله، فنقلته أمة نبيه نقلاً مستفيضاً قطع العذر مجيئه، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده) إلى أن قال: (والصواب من القول في ذلك عندي أن المعني بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١] اثنان من إخوة الميت فصاعداً، على ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ ، دون ما قاله ابن عباس ﵁؛ لنقل الأمة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك) (١). وقال القرطبي: (وأجمع أهل العلم على أن أخوين فصاعداً ذكراناً كانوا أو إناثاً من أب وأم أو من أب أو من أم يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس إلا ما روي عن ابن عباس أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد) (٢). وقال الشنقيطي: (والمراد بالإخوة اثنان فصاعداً كما عليه الصحابة فمن بعدهم خلافاً لابن عباس) (٣). وهذا من أقوى الأدلة على أن المراد في الآية الاثنان وإن جاء بلفظ الجمع لما ذُكر. والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥].

стр. 177

٢٨/ ٦ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ثم بين السبيل، فقال ﷺ : " قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (١) اهـ) (٢). الدراسة: فسر ابن عقيل السبيل في الآية بما جاء في الحديث من بيان حد الزاني والزانية، وهو قول جمهور المفسرين (٣)، بل لم أجد من خالف في هذا التفسير على وجه الإجمال، وهذا من بيان الغاية التي جعلها الله أمداً للحكم الأول، وبعضهم يسمي هذا نسخاً، والأمر في هذا واسع. قال الطبري: (وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ قول من قال: السبيل التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصنين الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجم ولم يجلد (٤)) (٥). وقال ابن قدامة: (وبين النبي ﷺ السبيل بالحد) (٦). والمستفاد من تفاسير هذه الآية أربع مسائل:

стр. 178

المسألة الأولى: أن الحكم الأول في الآية وهو الحبس في البيوت غير معمول به عند الجميع. قال ابن كثير: (وهو أمر متفق عليه) (١). المسألة الثانية: أن المراد بالسبيل في الآية هو إقامة الحد على من ارتكب الفاحشة. المسألة الثالثة: هل الحديث ناسخ للآية؟. اختلف العلماء في نسخ القرآن بالسنة، وبسْطُه في كتب الأصول، لكن نقتصر هنا على الآية التي معنا فهم متفقون في الحكم رغم الاختلاف في القول بالنسخ؛ لأنه ليس من النسخ المختلف فيه، بل هو بيان للغاية التي جُعل الحكم إليها، وأترك الكلام لابن تيمية حيث يقول: (وبالجملة فلم يثبت أن شيئاً من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن، وقد ذكروا من ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥]، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: " خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (٢)، وهذه الحجة ضعيفة لوجهين: أحدهما: أن هذا ليس من النسخ المتنازع فيه، فإن الله مد الحكم إلى غاية، والنبي ﷺ بين تلك الغاية، لكن الغاية هنا مجهولة، فصار هذا يقال: إنه نسخ، بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فان هذا لا يسمى نسخاً بلا ريب.

стр. 179

الوجه الثاني: أن جلد الزاني ثابت بنص القرآن، وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وهو قوله: " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " (١)، وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة، وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية [النساء:١٥] فإن هذا إن قدر أنه منسوخ، فقد نسخه قرآن جاء بعده، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه منقولاً بالتواتر، وليس هذا من موارد النزاع) (٢). المسألة الرابعة: أنه وقع الخلاف بين الفقهاء في حد الثيب الزاني، هل هو الجلد والرجم، أو الرجم فقط؟.

стр. 180

قال ابن كثير: (وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا لأن النبي ﷺ رجم ماعزاً (١)، والغامدية (٢)، واليهوديين (٣)، ولم يجلدهم قبل ذلك؛ فدل على أن الجلد ليس بحتم بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم) (٤). وهذا هو ما رجحه الطبري كما هو واضح من كلامه السابق.
следующие страницы →