← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة:١٠٦].٨/ ٧ - قال ابن عقيل: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يعني: خيراً لكم، وإلا فالقرآن نفسه لا يتفاضل، لكونه كلاماً لله سبحانه، وصفة من صفاته التي لا تحتمل التفاضل والتخاير. وما هو خير لنا يحصل من وجوه: أحدها: في السهولة المخففة عنا ثقل التكليف، وذلك خير من وجهين: أحدهما: انتفاء المشقة على النفس، والثاني: حصول الاستجابة والمسارعة، فإن النفوس إلى الأسهل أسرع، وإذا أسرعت الاستجابة، تحقق إسقاط الفرض، وحصول الأجر. والثاني من وجوه الخير: كثرة المشقة التي يتوفر بها الثواب، قال النبي ﷺ لعائشة: " ثوابك على قدر نصبك " (١). وقد يكون الخير الأصلح الذي لا نعلم وجهه. وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: في السهولة أو الصعوبة أو المثوبة. فإن قيل: فما أفاد التبديل بالمثل شيئاً، إذا كان المثل ما سد مسد مثله.

стр. 107

قيل: بل قد يفيد، إما زوال الملل؛ فإن النفوس قد تمل، فإذا انتقلت إلى غيرٍ، سهل عليها التكليف، فإن المغايرة تخفف الأفعال. وقد تكون مثلاً لها في السهولة والأجر، لكن يحصل بتغيرها وتبديلها بغيرها زيادة تعبد، وهو التسليم والتحكم لأمر الله في تغيير أحكامه، ونقل عباده من عبادة إلى عبادة من غير لوم ولا اعتراض، بخلاف ما نطقت به الآيات عن أهل الشرك والنفاق؛ من قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]، وقولهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل:١٠١]، فإذا حصل من المؤمنين المسارعة إلى طاعة الله، والرضا بتبديل الأحكام، وتغير التكليف، كان لهم المضاعفة في الثواب والله أعلم اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه على هذه الآية إلى أربع مسائل، وهي كالتالي: المسألة الأولى: معنى: (بخير منها): قال ابن عقيل: (يعني خيراً لكم) ولم أجد من خالف من المفسرين في هذا المعنى. قال الجصاص (٢): (فحصل من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم إما في التخفيف أو في المصلحة) (٣).

стр. 108

وقال الرازي (١): (أي بخير منها لكم؛ لأنه إن كان أخف كان خيراً في الدنيا والآخرة، وإن كان أشد كان خيراً في الآخرة لامتثال أمر الله تعالى فيه) (٢). المسألة الثانية: هل يستفاد من هذا المعنى تفاضل كلام الله؟. الخلاف في هذه المسألة مبسوط في المطولات، وهي مسألة مشهورة عند المتقدمين، هل كلام الله يتفاضل أم لا؟ على قولين: فالقول الأول: أنه لا يتفاضل؛ وهو قول ابن عقيل وما ذهب إليه ابن جرير الطبري (٣)، وأبو بكر الجصاص (٤)، وجماعة من الفقهاء. ودليلهم: أن القرآن كله كلام الله فهو صفة من صفاته فلا تحتمل التفاضل. والقول الثاني: أنه يتفاضل، وبهذا قال أبو بكر بن العربي (٥)، والقرطبي، وابن تيمية، وكثير من أهل العلم. ومن أدلتهم: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب معك الله أعظم؟ " قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال: فضرب في صدري، وقال: " لِيُهنِك العلم أبا المنذر " (٦).

стр. 109

وقوله ﷺ في سورة الإخلاص: " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن " (١)، وغيرها كثير. قال القرطبي: (والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق) (٢). وقال أيضاً: (ويدل على القول الأول - يعني التفاضل - قوله تعالى: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾) (٣). وقال ابن الحصار (٤): (عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص) أي الواردة بالتفضيل (٥).

стр. 110

وأطال ابن تيمية في مجموع الفتاوى الكلام حولها فيما يزيد على خمسين صفحة وحرر محل النزاع، وشفى وكفى، ونص على كلام ابن عقيل في الواضح وبسط الكلام فيه (١)، ومن ذلك قوله ﵀: (والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم ... ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا ولا قال لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات الله ونحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار لما ظهرت بدع الجهمية (٢)) (٣). وقال أيضاً في آخر الكلام على المسألة: (فنقول: قد علم أن تفاضل القرآن وغيره من كلام الله ليس باعتبار نسبته إلى المتكلم، فإنه سبحانه واحد، ولكن باعتبار معانيه التي يتكلم بها، وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه) (٤). وذكر نحوه الشيخ ابن عثيمين (٥) فقال: ( .. وهذا موضع يجب فيه التفصيل؛ فإننا نقول: أما باعتبار المتكلم به؛ فإنه لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به واحد وهو الله ، وأما باعتبار مدلولاته وموضوعاته فإنه يتفاضل ... ) (٦). وبهذا التفصيل يحصل الفصل في المسألة، والله أعلم.

стр. 111

المسألة الثالثة: أوجه الخيرية في النسخ: قال ابن عقيل: (وما هو خير لنا يحصل من وجوه: أحدها: في السهولة المخففة عنا ثقل التكليف، وذلك خير من وجهين: أحدهما: انتفاء المشقة على النفس، والثاني: حصول الاستجابة والمسارعة، فإن النفوس إلى الأسهل أسرع، وإذا أسرعت الاستجابة، تحقق إسقاط الفرض، وحصول الأجر. والثاني من وجوه الخير: كثرة المشقة التي يتوفر بها الثواب .. ) (١). ومن أوجه الخيرية في النسخ: ١ - حصول الأجر والثواب على الامتثال والانقياد والتسليم (٢)، وزيادته إن كان النسخ إلى أشد (٣)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب:٧١]، والتيسير على المكلف إن كان النسخ إلى أخف. ٢ - الابتلاء والاختبار لعباده ليظهر الصادق في إيمانه - فينال الخيرية - من الكاذب، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام:١٦٥]. ٣ - تأليف قلوب العباد للتكاليف وتطويرها إلى مرتبة الكمال من خلال التدرج في التشريع، مراعاة لحداثة الناس بالجاهلية، وتطور أحوالهم، فيكون أدعى للقبول، ومثاله: التدرج في تحريم الخمر، والتدرج في فرض الصيام. ٤ - تطييب نفس النبي ﷺ ونفوس أصحابه في تمييز هذه الأمة وفضلها، ومن ذلك تحويل القبلة إلى الكعبة. ٥ - وبالجملة فكل آية ثبت فيها النسخ ففيها حكمة وخير، فالشارع الحكيم يعلم مصالح خلقه ولا يشرع لهم إلا الخير سواء علموه أو خفي عنهم، فالنسخ رفع وإنزال للآيات لمقتض ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل:١٠١] حسب تغير الأحوال والظروف والأزمان (٤).

стр. 112

قال الشافعي (١): (إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيهم فرائض أثبتها، وأخرى نسخها؛ رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه) (٢). المسألة الرابعة: معنى ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾، وما فائدة التبديل بالمثل؟. ذكر ابن عقيل أنه في السهولة أو الصعوبة أو المثوبة، وهذا هو ما ذكره عامة المفسرين. قال الماوردي: (يعني مثل حكمها، في الخفة والثقل والثواب والأجر) (٣). وقال البغوي: (في المنفعة والثواب) (٤). وذَكَر ابن عقيل فائدة التبديل بمثلها بقوله: (إما زوال الملل؛ فإن النفوس قد تمل، فإذا انتقلت إلى غيرٍ سهل عليها التكليف، فإن المغايرة تخفف الأفعال. وقد تكون مثلاً لها في السهولة والأجر، لكن يحصل بتغيرها وتبديلها بغيرها زيادة تعبد، وهو التسليم والتحكم لأمر الله في تغيير أحكامه، ونقل عباده من عبادة إلى عبادة من غير لوم ولا اعتراض) (٥). وقال ابن الجوزي: (فتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار) (٦).

стр. 113

وقال الزرقاني (١): (وأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته، فالابتلاء والاختبار، ليظهر المؤمن فيفوز، والمنافق فيهلك ليميز الخبيث من الطيب) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣] [البقرة:١٤٣]. ٩/ ٨ - قال ابن عقيل: (﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: عدولاً؛ بدليل قوله سبحانه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ [القلم:٢٨]، وقال الشاعر: هم وسطٌ ترضى الأنامُ بحُكْمِهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بِمُعْظَم (٣) اهـ) (٤). الدراسة: أبان ابن عقيل في كلامه معنى ﴿وَسَطًا﴾ في الآية، واستدل لما قال بالقرآن والشعر.

стр. 114

ومن خلال تتبع كلام المفسرين وأهل اللغة تبين لي أن في هذه الكلمة ثلاثة أقوال: الأول: العدل. وهو قول ابن عقيل، وبه قال الفراء (١)، وابن اليزيدي (٢)، والطبري (٣)، وابن فارس (٤)، والجوهري (٥)، والراغب (٦)، والرازي (٧)، ورجحه القرطبي بقوله: (والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها) (٨). الثاني: الخيار. قال الطبري: (وأما الوسط، فإنه في كلام العرب الخيار) (٩)، وهذا موافق للقول الأول فالاختلاف فيه اختلاف تنوع، ولذا قال الطبري: (وأما التأويل؛ فإنه جاء الوسط بمعنى العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم) (١٠). الثالث: أن الوسط من التوسط بين الإفراط والتفريط. قال الكلبي (١١): (يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير؛ لأنهما مذمومان في الدين) (١٢). وهذا التأويل لا يخرج في معناه عما قبله بل أول ما يدخل فيه العدل الخيار، ومن هنا يمكن الجمع بين الأقوال برجوعها إلى معنى واحد وهو العدل الخيار الذي من لازمه عدم الإفراط أو التفريط.

стр. 115

قال الطبري: (وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه ... ولا هم أهل تقصير فيه ... ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها) (١). ولهذا جمع غير واحد من المفسرين بين هذه المعاني في تفسيرها. قال ابن العربي: (الوسط في اللغة: الخِيَار، وهو العدل) (٢). وقال البغوي: (أي عدلاً خياراً) (٣). ومن الأدلة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨]. قال القرطبي: (أي أعدلهم وخيرهم) (٤)، واستدلوا أيضاً بالبيت السابق وسياقه يفيد المعنى المراد نفسه في الآية، والله أعلم. قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة:١٧٧]. ١٠/ ٩ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والمراد به: البار، أو البر بر من آمن بالله اهـ) (٥). الدراسة: اختلف العلماء في معنى الآية على أقوال:

стр. 116

القول الأول: أن المعنى: البر بر من آمن بالله، فيكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في اللغة والقرآن تقول العرب: الجود حاتم؛ أي جود حاتم فتستغني بذكر حاتم من إعادة جوده؛ لدلالة الكلام على ما حذفته (١)، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، والمعنى: أهل القرية، وهذا هو قول الفراء (٢)، وقطرب (٣). القول الثاني: أن المعنى: ولكن ذا البر من آمن بالله، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك (٤). حكى القولين الزجاج وغيره (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]، أي: ذوو درجات (٦). القول الثالث: أن المعنى: ولكن البار من آمن بالله، فيكون البر مصدراً وضع موضع الاسم (٧) كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه:١٣٢] أي: للمتقي (٨)، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول على حذف مضاف، كقولك: رجل عدل ورضي (٩)، وهذا اختيار أبي عبيدة (١٠).

стр. 117

وجماع القول في الآية أن الأقوال لا تعارض بينها، بل هي متفقة في المعنى: فالبار، وذا البر، والبر بر من آمن بمعنى واحد، ولذا قال الزجاج: (والمعنى: ولكن ذا البر من آمن بالله، ويجوز أن تكون: ولكن البر بر من آمن بالله .. ) (١). وكذا قال ابن عقيل: (البار، أو البر: بر من آمن بالله) على التخيير بين الألفاظ. وقال القرطبي حينما حكى القول الثالث: (ويجوز أن يكون البر بمعنى البارَّ والبَرّ) (٢). والله تعالى أعلم. قال الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٤]. ١١/ ١٠ - قال ابن عقيل: (﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]: (وتقديره بإجماعنا: فأفطر ... ثم قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ تقديره: فليصم بعدة أيام الإفطار ... وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] دلالة على أن اليسر هو تأخير الأداء لأجل المرض اهـ) (٣). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه حول الآية إلى مسائل: المسألة الأولى: التقدير في قوله: ﴿ .. مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ .. ﴾: فيه قولان:

стр. 118

القول الأول: أن يقدر: فأفطر فعدة، بمعنى أنه لا يقضي إذا صام في المرض أو السفر، وهو مذهب جمهور الفقهاء (١)، وقد نقل ابن عقيل إجماع الحنابلة، بل نقل بعضهم إجماع المسلين. ومن ذلك قول ابن عبدالبر: (وأجمع الفقهاء أن المسافر بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر) (٢). وقال الجصاص: (ويدل على أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى صام أجزأه ولا قضاء عليه إلا أن يفطر) (٣). وقال ابن تيمية: (ولم يتنازعوا في جواز الصوم والقصر في الجملة) (٤) - يعني في السفر - وقال أيضاً: (ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان: فإن الأئمة الأربعة اتفقوا على جواز الأمرين) (٥). وحجتهم ما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام -، فقال: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر " (٦)، وقال أنس: (كنا نسافر مع النبي ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) (٧).

стр. 119

القول الثاني: عدم التقدير، وأن القضاء لازم مع وجود السفر صام أو أفطر، وهذا قول داود الظاهري (١)، وابن حزم (٢)، وحكي عن بعض السلف (٣)، استدلالاً بظاهر الآية، ولقوله ﷺ : " ليس من البر الصوم في السفر " (٤)، وغيره من الأدلة التي فيها النهي عن الصوم في السفر، لكن هذا القول مهجور كما أشار ابن عبدالبر إلى هذا بقوله: (هجره الفقهاء كلهم، والسنة ترده) (٥). وقال الجصاص: (واتفقت الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم المسافر، غير شيء يروى عن أبي هريرة أنه قال: من صام في السفر فعليه القضاء، وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون خلافاً) (٦).

стр. 120

وقال ابن العربي: (قال علماؤنا: هذا القول - يعني الأول - من لطيف الفصاحة، لأن تقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر .... وقد عزي إلى قوم: إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره .... ، وجزالة القول وقوة الفصاحة تقتضي [فأفطر]، وقد ثبت عن النبي ﷺ : " الصوم في السفر " قولاً وفعلاً) (١)، وعلى هذا فالراجح القول الأول لقوة أدلتهم وإمكان الجمع بينها وبين أدلة القول الثاني، وهو الذي عليه عامة العلماء. قال الشافعي: (وكان فرض الصوم والأمر بالفطر في المرض والسفر في آية واحدة، ولم أعلم مخالفاً أن كل آية إنما أنزلت متتابعة لا متفرقة، وقد تنزل الآيتان في السورة مفترقتين فأما آية فلا ; لأن معنى الآية أنها كلام واحد غير منقطع يستأنف بعده غيره فلم يختلفوا كما وصفت أن آية لم تنزل إلا معاً لا مفترقة، فدلت سنة رسول الله على أن أمر الله المريض والمسافر بالفطر إرخاصاً لهما لئلا يُحرَجا إن فعلا؛ لأنهما يجزيهما أن يصوما في تينك الحالين شهر رمضان؛ لأن الفطر في السفر لو كان غير رخصة لمن أراد الفطر فيه لم يصم رسول الله ﷺ ) (٢).

стр. 121

وقال الطبري: (وهذا القول أولى عندنا بالصواب؛ لإجماع الجميع على أن مريضاً لو صام شهر رمضان - وهو ممن له الإفطار في مرضه - أن صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلوماً بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره، لأن الذي جُعل للمسافر من الإفطار وأُمر به من قضاء عدة من أيام أخر، مثل الذي جُعل من ذلك للمريض وأُمر به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها، وذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فلا عسر أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عِدَّة من أيام أُخَر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه) (١). وقال ابن تيمية: (والصحيح ما عليه الأئمة، وليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر، فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزاً .. ) (٢). وتحمل أحاديث النهي الصحيحة على حالات معينة، كمن بلغ منه الصوم مثل ما بلغ من الذي قال له النبي ﷺ : " ليس من البر الصوم في السفر " فيحرم عليه لتعريضه نفسه للضرر، وما روي من أخبار فيحمل على هذا إن ثبتت، وما لا يصح فلا يضاف إلى النبي ﷺ . قال الطبري: (وغير جائز أن يضاف إلى النبي ﷺ قِيلُ ذلك؛ لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله ﷺ واهية الأسانيد لا يجوز الاحتجاج بها في الدين) (٣). وعلى هذا فكلام ابن عقيل في التقدير هو الصحيح والله تعالى أعلم. المسألة الثانية:

стр. 122

التقدير في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ فليصم بعدة أيام الإفطار، وهذا هو ظاهر الآية، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥] يعني العدد (١)، فالقضاء على من أفطر لازم بالإجماع، قال ابن قدامة: (ويلزم المسافر والحائض والمريض القضاء إذا أفطروا، بغير خلاف) (٢). واختلف العلماء في عدد الأيام التي تقضى: القول الأول: بمثل عدد الأيام التي أفطرها فلو أفطر شهر رمضان وهو ناقص فلا يلزمه إلا تسعاً وعشرين يوماً، وهو مذهب الحنفية (٣)، قال الجصاص: (من غير خلاف من أحد من أصحابنا) (٤)، وهو قول ابن حزم (٥)، والمشهور عند المالكية (٦)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٧). القول الثاني: حكى بعض أصحاب مالك (٨) عنه: أن رمضان يُقضى بالأهلة، بمعنى: أنه إن قضى شهراً هلالياً أجزأه سواء كان تاماً أو ناقصاً، وإن لم يقض شهراً صام بعدد الأيام، وهي رواية عند بعض الحنابلة (٩)، ولا أدري كيف استدلالهم لهذا القول، ولذا قال ابن حزم: (ولا برهان على صحة هذا القول) (١٠).

стр. 123

والدليل الواضح مع أصحاب القول الأول، وهو أن الله لم يقل: فشهر من أيام أخر، بل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، قال ابن عقيل: (دلالة على أن اليسر هو تأخير الأداء لأجل المرض) (٢). وما ذكره ابن عقيل مثال للمراد، والأولى حمل دلالتها على العموم في أمور الدين. قال القرطبي: (والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]) (٣)، فهذا المقطع من الآية دليل على أن المأمور به فيما سبق لا يراد به إلا اليسر، ومن ذلك جواز تأخير الصوم للمريض والمسافر وأهل الأعذار، ومن ذلك أن من صام وقد رخص له بالفطر لا يلزمه القضاء على القول الصحيح، ولذا قال الطبري: (قول الله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فلا عسر أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عِدَّة من أيام أُخَر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه) (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤].

стр. 124

١٢/ ١١ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، ثم نسخ إلى الصوم حتماً وتعييناً من غير تخيير، مع الإقامة والصحة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] اهـ) (١). الدراسة: اختلف العلماء في نسخ هذه الآية على قولين: القول الأول: ذهب ابن عقيل إلى أن الآية الأولى تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم والإفطار، وقد نسخ هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]. وهذا هو المروي عن معاذ بن جبل (٢)، وابن عمر (٣)، وعكرمة (٤)، والحسن البصري

стр. 125

- ﵃ (١)، وهو قول قتادة (٢)، والنحاس (٣)، ومكي (٤)، والواحدي (٥)، وابن الجوزي (٦)، وغيرهم (٧)، وروي أيضاً عن ابن عباس ﵁ (٨). القول الثاني: ذهب ابن عباس ﵁، والسدي (٩)، إلى أن الآية محكمة، على تأويل: كانوا يطيقونه في حال شبابهم وحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم (١٠)، أو أن معنى يطيقونه: يتكلَّفونه، ويؤيدها قراءة ابن عباس (وعلى الذين يُطَوّقونه) (١١)، أي: يطيقونه على جهد ومشقة. والراجح هو القول الأول لأمور منها:

стр. 126

١ - يدل عليه فعل الصحابة ﵃ بعد نزول الآية، كما جاء عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: (لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها) (١). ... وقال الطبري خلال ترجيح القول الأول: (يؤيد هذا القول: الأخبار التي ذكرناها آنفاً عن معاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع، من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله ﷺ في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم أفطره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فأُلزِموا فرض صومه وبطل الخيار والفدية) (٢).

стр. 127

٢ - دلالة سياق الآية على تخيير المطيق للصيام من عدمه إذا كان صحيحاً مقيماً. ... قال النحاس: (في هذه الآية أقوال أصحها أنها منسوخة، سياق الآية يدل على ذلك، والنظر، والتوقيف من رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ (١)) (٢). فالمعنى المعروف في العربية لـ[يطيقونه]: أي يستطيعونه، قال الجوهري: (في طوْقِي أي: في وُسْعِي، وطوَّقْتُك الشيء أي: كلّفْتُكَه) (٣)، فلا يفيد معنى التكليف إلا مع التشديد، كما أن القول بأن المراد: لا يطيقونه، يرده آخر الآية؛ لأنه والحالة هذه لا يشرع له الصيام، فآخرها هو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٤]. ٣ - أن القول الثاني مبني على أن في الآية تقديراً لمحذوف وهذا خلاف الأصل. قال النحاس: (الصواب أن يقال: الآية منسوخة بقوله جل وعز: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]؛ لأن من لم يجعلها منسوخة جعله مجازاً، وقال المعنى فيه: يطيقونه على جهد، وقال: كانوا يطيقونه، فأضمر كان وهو مستغن عن هذا) (٤).

стр. 128

٤ - أن من قال بعدم النسخ اعتمد على ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأها: ... (يُطَوَّقونه)، أي: يشق عليهم، ولكنها قراءة شاذة (١). ... قال الطبري: (وأما قراءة من قرأ ذلك: (وعلى الذين يُطَوَّقونه) فقراءة لمصاحف أهل الإسلام خلاف، وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وراثة عن نبيهم نقلاً ظاهراً قاطعاً للعذر؛ لأن ما جاءت به الحجة من الدين هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله، ولا يُعترض على ما قد ثبت وقامت به حجة أنه من عند الله بالآراء والظنون والأقوال الشاذة) (٢)، ومثله قال النحاس (٣)، وابن الجوزي (٤). ٥ - أن معنى هذه القراءة الشاذة: لا يدل على مشقة تصل بصاحبها إلى الفطر بعد إيجاب الصوم من غير تخيير (٥)، وفي كل عمل مشقة نسبية، خصوصاً أول مشروعيته، وهذا لا يقول به أصحاب القول الثاني.

стр. 129

٦ - أن القول بالنسخ هو ما يُحمل عليه تفسير جمهور العلماء، وقراءتهم. ... قال الطبري: (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] منسوخ بقول الله تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]؛ لأن الهاء التي في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] من ذكر الصيام، ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين، فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقاً من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين كان معلوماً أن الآية منسوخة) (١). وقال أيضاً: (وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] فإن قراءة كافة المسلمين: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] وعلى ذلك خطوط مصاحفهم وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافها لنقل جميعهم تصويب ذلك قرناً عن قرن) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة:١٩٧]. ١٣/ ١٢ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ وعنى به: أوجب فيهن اهـ) (٣). الدراسة: استدل ابن عقيل هنا على أن الفرض بمعنى الواجب (٤).

стр. 130

وتفسير الفرض بالواجب في هذه الآية هو ما حكى الطبري عليه الإجماع فقال: (وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي يكون به الرجل فارضاً الحج، بعد إجماع جميعهم على أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام) (١). وقال الجصاص: (ومعنى فرض الحج فيهن: إيجابه فيهن) (٢). وقال ابن عطية: (أي: من ألزمه نفسه) (٣). وقال الرازي: (أي: أوجب وقطع) (٤). وقال ابن كثير: (أي: أوجب بإحرامه حجاً) (٥). وقال ابن منظور: (وقوله : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجبه على نفسه بإحرامه) (٦). وهنا يرد سؤال: هل الفرض في غير هذه الآية بمعنى الواجب على الإطلاق؟ (٧). قال ابن عقيل: (الفرض والواجب سواء في أصح الروايات عن أحمد ﵁، وبها قال أصحاب الشافعي (٨)، وعنه رواية أخرى: أن الفرض ما ثبت بدليل مقطوع عليه، والواجب غيره، وهو ما ثبت بخبر واحد أو قياس، فالفرض على هذه الرواية آكد من الواجب، وبها قال أبو حنيفة (٩)، وعنه: أن الفرض ما ثبت بقرآن، ولا يسمى فرضاً ما ثبت بسنة النبي ﷺ ) (١٠).

стр. 131

وقال الطوفي: (والنزاع لفظي، إذ لا نزاع في انقسام الواجب إلى ظني وقطعي، فليسموا هم القطعي ما شاؤوا) (١)، وقال أيضاً: (واتفقنا عل تسمية الظني واجباً، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجباً وفرضاً بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاؤوا) (٢). قال ابن اللحام (٣): (فإن أريد: أن المأمور به ينقسم إلى مقطوع به ومظنون، فلا نزاع في ذلك، وإن أريد: أنه لا تختلف أحكامهما، فهذا محل نظر) (٤)، وهذا كلام يجمع لنا الخلاصة من الخلاف إذ أن اللفظ لا مشاحة في إطلاقه، لكن لا يخفى علينا أن من سوى بينهما يرى أن هنا واجباً آكد من واجب. والله أعلم. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة:١٩٧]. ١٤/ ١٣ - قال ابن عقيل: (﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ الرفث: الجماع ودواعيه، والفسوق: السباب، والجدال: المماراة فيما لا يعني اهـ) (٥). الدراسة: ذكر ابن عقيل في تفسير هذه الآية معنى ثلاث كلمات: الكلمة الأولى: الرفث:

стр. 132

ذكر العلماء الخلاف في معناها على قولين: القول الأول: أنه الجماع قاله ابن عباس، وابن عمر (١)، والحسن، ومجاهد، وقتادة (٢)، والفراء (٣)، وجماعة من السلف. القول الثاني: أنه الجماع وما دونه من التعريض ونحوه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر أيضاً (٤). وهذان القولان لا تعارض بينهما؛ فالجميع متفق على أن الجماع رفث، قال ابن عبدالبر: (ولم يختلف العلماء في قول الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أن الرفث الجماع) (٥)، ولم ينف أصحاب القول الأول ما دونه، فالراجح ما ذكره ابن عقيل وهو الجمع بين القولين بأن الرفث: الجماع ودواعيه، وهذا هو ما رجحه الطبري؛ حيث قال بعد بيانه أن الرفث يطلق على الإفحاش في القول ويستعمل في الكناية عن الجماع: (فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين في تأويله وفي هذا النهي من الله: عن بعض معاني ﴿الرَّفَثُ﴾ أم عن جميع معانيه؟ وجب أن يكون على جميع معانيه، إذ لم يأت خبر بخصوص الرفث الذي هو بالمنطق عند النساء من سائر معاني الرفث يجب التسليم له، إذ كان غير جائز نقل حكم ظاهر آية إلى تأويل باطن إلا بحجة ثابتة) (٦). وقال الراغب: (الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه) (٧). وكذا ابن العربي فقد قال: (الرفث: كل قول يتعلق بذكر النساء ... وقد يطلق على الفعل من الجماع والمباشرة ... ) (٨).

стр. 133

وقال الرازي: (الرفث: الجماع ومنه قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة:١٨٧] والرفث أيضاً: الفحش من القول، وتكليم النساء في الجماع) (١). الكلمة الثانية: الفسوق: اختلف أهل التفسير في معناه في هذه الآية على أربعة أقوال: القول الأول: أن المراد بالفسوق المعاصي كلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] وهو مروي عن ابن عباس، وعطاء (٢)، ومجاهد (٣)، وخصه بعضهم بما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد وأخذ الشعر وتقليم الظفر وما أشبه ذلك وروي هذا عن ابن عمر (٤)، ورجحه الطبري (٥). القول الثاني: أن المراد به السباب، ومنه قوله ﷺ : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (٦) وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس (٧)، وهو تفسير ابن عقيل.

стр. 134

القول الثالث: أن المراد به الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥] وهو مروي عن ابن زيد (١). القول الرابع: أن المراد به التنابز بالألقاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١] وهو مروي عن الضحاك بن مزاحم (٢). ومعنى الفسوق في اللغة شامل لجميع هذه الأقوال فهو واقع على كثير الذنب وقليله (٣)، ولهذا فالراجح صحة الجميع ويجمعها القول الأول، ويكون اختلاف العلماء من باب ذكر المثال. قال ابن عطية: (وعموم جميع المعاصي أولى الأقوال) (٤). وقال القرطبي: (والقول الأول أصح لأنه يتناول جميع الأقوال) (٥).

стр. 135

وقال ابن كثير: (والذين قالوا الفسوق ههنا هو جميع المعاصي الصواب معهم كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم وإن كان في جميع السنة منهيا عنه إلا أنه في الأشهر الحرم آكد ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] وقال في الحرم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج:٢٥] واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك كما تقدم عن ابن عمر وما ذكرناه أولى والله أعلم) (١). الكلمة الثالثة: الجدال: قال ابن عقيل: (الجدال: المماراة فيما لا يعني). وقال الراغب: (الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة) (٢)، وقد اختلف أهل التفسير في معنى الجدال في هذه الآية على قولين: أحدهما: أن المعنى لا يمارين أحد أحداً، فيخرجه المراء إلى الغضب وفعل ما لا يليق بالحج، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والزهري (٣) وغيرهم (٤). والقول الثاني: أن المعنى لا شك في الحج ولا مراء، فإنه قد استقام أمره وعرف موضعه ووقته وزال النسيء عنه، وإليه ذهب مجاهد (٥)، ورجحه الطبري (٦)، وابن كثير (٧). وخلاصة الخلاف في الجدال:

стр. 136

أنه اتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه. فمحل الخلاف هو ما يجر إلى النزاع والخصام وينافي حرمة الحج، وقد أشار ابن عقيل إلى هذا المعنى حيث قال: (المماراة فيما لا يعني)؛ فذهب البعض إلى العموم وخصه البعض بالاختلاف في وقت أو موضع الحج (١)، والتعميم أولى للإطلاق في الآية، وهو وإن كان ممنوعاً في كل مكان وزمان، فإنه يغلظ المنع عنه في الحج، والله تعالى أعلم وأحكم. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة:٢٢٨]. ١٥/ ١٤ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والمراد به كل الحرائر من المطلقات بوائن أو رجعيات، وقال في آخرها: ... ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ يرجع إلى الرجعيات، فالأول على عمومه، والآخر خاص في الرجعيات اهـ) (٢).

стр. 137

الدراسة: كلام ابن عقيل في هذه الآية واضح، ومثله قال ابن العربي (١)، إلا أن العموم في لفظ المطلقات مخصوص بالمدخول بهن غير الحوامل فقط، وخرجت المطلقة قبل الدخول بها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، وكذلك اللائي لا يحضن سواء كانت صغيرة أو آيسة والحامل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] (٢). قال القرطبي في لفظ المطلقات بالآية: (عام في المطلقات ثلاثاً، وفيما دونها لا خلاف فيه، ثم قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ﴾ حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث، وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولاً بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة) (٣).

стр. 138

والثمرة من الإشارة إلى هذا التفسير: أنه إذا كان أول الآية عاماً وآخرها خاصاً، حُمِل كل واحد منهما على ما ورد، ولا يخص أولها بآخرها (١). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾. ١٦/ ١٥ - قال ابن عقيل: (﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وذلك واقع في الطهر كوقوعه في الحيض، إلا أنه في الحيض أظهر؛ لاتصافه بموضوعه وهو الاجتماع، وذلك إنما يتأتى في الدم اهـ) (٢). الدراسة: قبل الدخول فيما أشار إليه ابن عقيل أبين ما يلي: اتفق أهل اللغة على أن المراد بالقرء: الوقت (٣). قال الجوهري: (وإنما القرء الوقت، فقد يكون للحيض، وقد يكون للطهر .. ) (٤). وقال ابن العربي: ( .. وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه؛ أقربها: أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء الوقت) (٥). لكن اختلف السلف والخلف في المراد بالقروء في الآية قديماً وحديثاً على قولين (٦): القول الأول:

стр. 139

أنها الأطهار، وهو قو ل عائشة (١)، وزيد بن ثابت (٢)، وابن عمر (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥)، ورواية عن أحمد (٦)، وهو قول الفقهاء السبعة (٧)، والزهري (٨). ويستدلون بقول النبي ﷺ لعمر: " مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " (٩). القول الثاني:

стр. 140

أنها الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود (١)، وأبي موسى الأشعري (٢)، والأسود (٣)، وعكرمة، والنخعي (٤)، ومجاهد، والضحاك (٥)، والأوزاعي (٦)، والثوري (٧)، وأصح الروايتين عن أحمد (٨). ويستدلون له بقول النبي ﷺ في المستحاضة: " تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها " (٩). وجه الدلالة: أن المرأة إنما تدع الصلاة وقت الحيض، ويدل عليه ما بعده أيضاً.

стр. 141

قال ابن كثير: (فهذا لو صح لكان صريحاً في أن القرء هو الحيض) (١)؛ وقد صححه بعض العلماء (٢)، فالصواب في المسألة: هو ما ذكره ابن عقيل؛ من أن القرء يقع على الحيض والطهر إلا أنه في الحيض أظهر لصراحة ما استدلوا به وصحته في بيان القرء، ولما جاء في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت النبي ﷺ فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله ﷺ : • إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء " (٣)، وأما حديث ابن عمر فليس صريحاً في معنى القرء، وإنما هو بيان العدة التي تطلق فيها المرأة، والله أعلم. قال الجصاص: (قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من وجهين، أحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملاً لهما لما تأوله السلف عليهما لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات ... ) إلى أن قال: ( .. ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعاً بينهم مستفيضاً، ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه .. ) (٤). قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة:٢٤٥].

стр. 142

١٧/ ١٦ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ والمراد به: فقراء عباد الله اهـ) (١). الدراسة: أبان ابن عقيل أن المراد بقوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾: أي يقرض عباده المحتاجين. وفي تفسيره تخصيص، والآية تدل على ما هو أعم منه. ففي هذه الآية حث من الله تعالى على جميع الأعمال الصالحة ومنها النفقة في سبيله في كل مجال وفي الجهاد على وجه الخصوص، وهذا ما ذكره عامة أهل العلم. قال النحاس: (أصل القرض: ما يفعل ليجازى عليه) (٢). وقال ابن منظور: (وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ﴾ أي: يفعل فعلاً حسناً في اتباع أمر الله وطاعته، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيراً: قد أحسنت قرضي، وقد أقرضتني قرضاً حسناً) (٣).

стр. 143

وقال الطبري: (القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة:٢٤٥] يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله فيعين مُضعِفاً (١)، أو يُقوِّي ذا فاقةٍ أراد الجهاد في سبيل الله، ويعطي منهم مقتراً، وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه، وإنما سماه الله تعالى ذكره قرضاً؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملِّكاً له ليَقضِيَه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه قرضاً، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصفنا) (٢). وقال البغوي: (﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] القرض: اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما عدّ لهم من الثواب قرضاً؛ لأنهم يعملونه لطلب ثوابه) (٣). وقال ابن كثير: (وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع) (٤).

стр. 144

ومما يؤيد هذا التفسير ويوضحه قول النبي ﷺ : " إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " (١). فإن قيل: ما مناسبة اختيار هذا الأسلوب: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ دون غيره؟. فالجواب من وجوه: ١ - أن فيه تأكيداً لاستحقاق الثواب بالعمل، إذ لا يكون قرضاً إلا والعوض مستحق به (٢). ٢ - أن فيه حثاً وترغيباً على البذل والزيادة في أعمال الخير. ٣ - أن في أعمال الخير قطعاً من الوقت أو المال أو غيره لله تعالى، ومن معاني القرض في اللغة: القطع (٣). ٤ - أن ما يقدمه الإنسان ينتظر بدله وجزاءه، وهكذا القرض. ٥ - أن الجزاء يتأخر عن العمل في الغالب، وكذلك الأمر في القرض (٤). ٦ - بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات (٥) بإذنه تعالى وفضله؛ ومما يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:٢٠].

стр. 145

٧ - ذكر لفظ القرض فيه تقريب للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظر المسلف رد ما أسلف (١). ٨ - ذكر لفظ القرض فيه ضمان وأمان للمنفق بأنه لن يضيع عليه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ١٨/ ١٧ - قال ابن عقيل: (ويعتبر القبض في الرهن؛ قال سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ اهـ) (٢). الدراسة: استدل ابن عقيل بالآية على اعتبار القبض في الرهن، وهو مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة (٣)، واختلفوا في تحديد نوع اشتراطه، هل هو شرط لزوم، أو شرط تمام؟. وفائدة الفرق: أن من قال: شرط لزوم قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن. ومن قال: شرط تمام قال: يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت (٤).
следующие страницы →