← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال ابن القيم: (الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم ... ) إلى أن قال: (ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل) (١). وقال ابن عثيمين: (وأما إجماع السلف على بطلان القول بالجبر؛ فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال به، بل رَدُّ من أدرك منهم بدعتَه موروث معلوم) (٢). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ [النساء:١٧١]. ٤٣/ ٢١ - قال ابن عقيل: (﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] روح ملك، وإضافة تجميل وتقريب كقوله في الكعبة ﴿بَيْتِيَ﴾ [البقرة:١٢٥]، وتسميته روح آدم ﴿رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] لا أن البيت مسكنه، ولا الروح صفته، لكن خلقه، وبَجَّلَهُما بالإضافة إليه، وكفى بذلك تعظيماً وتشريفاً اهـ) (٣).

стр. 212

٤٤/ ٢٢ - وقال أيضاً: (والذي أزال إشكال قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]، ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، قولُه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] اهـ) (١). الدراسة: تطرق ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين: المسألة الأولى: أن إضافة الروح لله إضافة تجميل وتقريب، وتعظيم وتشريف، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في كل ما أضيف إلى الله وهو عين قائمة بنفسها. قال ابن تيمية: (وما أضيف إلى الله، أو قيل هو منه، فعلى وجهين: إن كان عيناً قائمة بنفسها فهو مملوك له، ومِن لابتداء الغاية، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧]، وقال في المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، وما كان صفة لا يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو صفة له، كما يقال كلام الله وعلم الله) (٢). وقال ابن جماعة (٣): (أما قوله في حق آدم من روحي، فهو من إضافة خلق إلى خالقه، وملك إلى مالكه؛ لأن الأرواح كلها بيد الله تعالى لا أنه جزء منه - تعالى الله عن ذلك -وإضافته إليه إضافة تشريف) (٤). المسألة الثانية: أن مما أزال إشكال الآيات السابقة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، أي أنه مخلوق.

стр. 213

والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر ومنها: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ [الشعراء:٢٦]، والأرواح مربوبة، وكل مربوب مخلوقُ رب العالمين. ومن الأحاديث: حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كان الله ولم يكن شيء غيره " (١)، وقوله ﷺ : " الأرواح جنود مجندة " (٢)، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الروح مخلوقة (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 214

سورة المائدة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢]. ٤٥/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠]، وذلك لا يعطي عندي مذهباً في مسألتنا (١)؛ لأن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن هذه الآيات للإباحة والإطلاقِ بحسب دلالة الإجماع اهـ) (٢). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين مترابطتين: المسألة الأولى: صيغة الأمر بعد الحظر، هل هي للوجوب أو غيره؟ (٣). اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الأمر بعد الحظر للإباحة، وإليه مال الشافعي وبعض أصحابه (٤) والحنابلة (٥). واستدلوا باستعماله في عرف الناس؛ كمن قال لغلامه: لا تدخل بيت فلان، ثم قال: ادخله. وباستعماله أيضاً في عرف الشارع كما في الآيتين اللتين معنا.

стр. 215

القول الثاني: أن الأمر بعد الحظر للوجوب، وإليه مال عامة الحنفية (١)، واختاره القرطبي (٢)، ونُسب لبعض الحنابلة (٣)، استدلالاً بأصله وصيغته، وكذلك قوله تعالى بعد النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، والأمر هنا للوجوب. القول الثالث: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان واجباً فواجب، وإن كان مستحباً فمستحب، وإن كان مباحاً فمباح، وهو رأي المحققين من العلماء كابن تيمية (٤)، والزركشي (٥)، وغيرهم (٦). ودليلهم: أن هذا الحكم مبني على الاستقراء التام. قال ابن كثير: (وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر (٧) أنه يَرُد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب. ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة. يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه) (٨). وقال الشنقيطي: (وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب ... ) إلى أن قال: (وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية) (٩).

стр. 216

فمن أمثلة الواجب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، كان واجباً ثم نهي عنه في الأشهر الحرم ثم أمر به فيرجع للوجوب. ومن أمثله المستحب: قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " (١)، كانت الزيارة مستحبة ثم نهي عنها ثم أمر بها فترجع للاستحباب. ومن أمثلة المباح وهو كثير: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة:٢]، كان الصيد مباحاً ثم نهي عنه حال الإحرام ثم أمر به فيرجع للإباحة. وهذا هو القول الراجح الذي يجمع بين الأقوال، ويسلم من الاعتراض، ولا حاجة للتوقف في هذه المسألة، بعد هذا الاستقراء. ويجاب عما استدل به أصحاب القول الأول بما يلي: أما استدلالهم بالعرف، فنقول: العرف لا يقبل هنا؛ لأن الحكم مبناه على الشرع، وإذا سلمنا بقبول العرف؛ فالعرف موافق لقولنا: بأن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه؛ فمثلاً لو قال الطبيب: لا تشرب الدواء، ثم قال: اشربه، ولو قال لغلامه: لا تنظف البيت - لعارض - ثم قال: نظفها، لرجع إلى الوجوب. وأما استدلالهم بعرف الشارع، وذكر أمثلة له، فهو استقراء ناقص، ولا شك أن الاستقراء التام مقدم عليه. وأما استدلال من قال: يرجع لأصله وهو الوجوب، فإنه ينتقض عليه بآيات أخر، منها الآية التي معنا (٢).

стр. 217

المسألة الثانية: نبه ابن عقيل إلى أن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن آية المائدة والجمعة السابقتين للإباحة والإطلاق. وقد حكى الإجماع ثلة من العلماء. قال الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا، يعني: بذلك جل ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه وأنتم حرم. يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده، فاصطادوا إن شئتم حينئذ؛ لأن المعنى الذي من أجله كنت حرمته عليكم في حال إحرامكم قد زال. وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل) (١). وقال ابن العربي: (وهو محمول على الإباحة اتفاقاً) (٢). وقال ابن عطية: (وقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠] أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر: الإباحة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة:٢]) (٣). وقال ابن جزي: (فالأمر هنا إباحة بإجماع) (٤). ولم أجد من خالف في أن الأمر للإباحة في هاتين الآيتين من المفسرين (٥). والسر في مجيء الإباحة بصيغة الأمر تأكيدُها (٦) كي لا يبقى أدنى شبهة أو حرج في بقاء شيء من النهي الأول. والله أعلم.

стр. 218

قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة:٣]. ٤٦/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، والمراد به: إمساككم إياها، وتناولكم منها أكلاً واستعمالاً (١)، فعاد النهي إلى أفعالنا فيها، ومقصودِنا إلى التناول لها والانتفاع بها، الذي يدخل تحت مقدورنا، إذ لم تكن هي بأعيانها داخلة تحت مقدورنا فتحرم ذواتها علينا اهـ) (٢).

стр. 219

الدراسة: وضح ابن عقيل أن المراد بالآية تحريم أفعالنا في الميتة، وليس تحريم ذواتها، لأن تحريم الذوات لا يدخل تحت مقدورنا، وأول ما يتبادر إلى الذهن ما قاله ابن عقيل، ولم يقل أحد من المفسرين بخلافه (١). وقد سبق الحديث عن مثل هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء:٢٣] (٢). قال الآلوسي: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة:١٧٣] أي: أكلها والانتفاع بها، وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف، وليست مما تتعلق بالأعيان؛ إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة؛ لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل) (٣). وعلى هذا فالأصل في الأكل أو الاستعمال للميتة التحريم إلا ما خصه الدليل. والله أعلم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة:٣٣]. ٤٧/ ٣ - قال ابن عقيل: (واعلم أن حدودهم على الترتيب دون التخيير فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، وإن لم يوجد منه إلا النهب نُفي عن البلاد اهـ) (٤).

стр. 220

الدراسة: أشار ابن عقيل في تفسير هذه الآية إلى أن عقوبة المحاربين مرتبة على حسب جنايتهم. واختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: وقبل الدخول في المسألة فقد أجمع العلماء على أن من قتل من المحاربين فإن الإمام يقتله حداً ولا يجوز العفو عنه بحال (١). القول الأول: وهو قول ابن عقيل: أنها على الترتيب على قدر جناية المحارب، وهو قول كثير من أهل العلم كالشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قريب من قول الحنفية، على اختلاف في كيفية التفصيل (٤)، وهو قول: ابن عباس، والنخعي، والحسن، وقتادة (٥). قالوا: إن أخذ المحاربون المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخافوا الطريق نفوا من الأرض، وحجتهم: أن العقوبة يجب أن تكون على قدر الاعتداء، وأن الله أوجب على القاتل القود، وعلى السارق القطع، ويستدلون بما روي عن ابن عباس ﵁ بهذه الكيفية (٦). القول الثاني: أن الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء على المحاربين حسب المصلحة، وهو قول مالك.

стр. 221

قال الشنقيطي: (وكون الإمام مخيراً بينهما مطلقاً من غير تفصيل هو مذهب مالك) (١)، وهو قول مجاهد، وعطاء، والضحاك (٢)، واستحسنه النحاس (٣)، واستظهره القرطبي (٤). وحجتهم: أن حرف [أو] المذكور في آية المحاربة يفيد التخيير؛ لأن استعماله في القرآن في كل ما أوجب فرضاً بمعنى التخيير، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]. وسبب الخلاف: هل حرف [أو] للتخيير، أو للتفصيل على حسب جناياتهم؟ (٥). والقول الراجح: أن عقوباتهم ترتب وتفصل على قدر جناياتهم؛ وذلك لأمور منها: ١ - أن اختلاف العقوبات توجب اختلاف أسبابها، ومن قال بالتخيير سوى بينها. ٢ - أن القول بالتخيير يفضي إلى أن يعاقب من قل جرمه بأغلظ العقوبات ومن كثر جرمه بأخف العقوبات، والترتيب يمنع من هذا التناقض. ٣ - أنه بدأ بالأغلظ فالأخف، وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداية بالأخف، ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ، ككفارة الظهار والقتل. ٤ - أن النبي ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك

стр. 222

للجماعة " (١)، ومن قال بالتخيير جوز القتل في غيرها. ٥ - قول النبي ﷺ : " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا " (٢)، والقول بالتخيير خلاف هذا. ٦ - أما قولهم: إن [أو] في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فقد أجاب عنه الطبري بأنه: (كلام لا معنى له؛ لأن [أو] في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني) (٣)، ومعناها هنا: التنويع والتفصيل والتقسيم (٤). وهذا القول هو ما رجحه الطبري (٥)، والشنقيطي (٦)، وكثير من أهل العلم (٧). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة:٣٨].

стр. 223

٤٨/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] خُص بما روي عن النبي ﷺ : " لا قطع في ثمر ولا كثر " (١) اهـ) (٢). الدراسة: بين ابن عقيل أن عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨] مخصوص بما روي عن النبي ﷺ في سنته، كالحديث السابق، وقوله ﷺ : " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً " (٣). وهذا هو ما عليه عامة العلماء. قال ابن الجوزي: (وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد به: السارق لنصاب من حرز مثله) (٤). وقال ابن عطية: (فلفظ السارق في الآية عموم معناه الخصوص) (٥). وقال ابن القيم: (تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص) ... وذكر آيات ومنها: (عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] بقوله ﷺ : " لا قطع في ثمر ولا كثر " ونظائر ذلك كثيرة) (٦).

стр. 224

وقيل: إنه يُقطع في القليل والكثير، روي عن الحسن، وهو قول داود، والخوارج (١). واستدلوا بعموم الآية، ويجاب بأن الإطلاق مقيد بالأحاديث المذكورة. واستدلوا أيضاً: بقوله ﷺ : " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " (٢)، ويجاب عنه: بأن المراد: التنفير عن السرقة، وجعل ما لا قطع فيه بمنزلة ما فيه القطع، وأن من سرق القليل لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة الكثير فتُقطع فيه اليد (٣)، على أنه قيل: إن المراد بالبيضة بيضة الحديد ولا شك أن لها قيمة، وكذلك الحبل فإن في الحبال ما تزيد قيمته على ثلاثة دراهم كحبال السفن (٤)، ولكن مقام المبالغة لا يناسب ذلك (٥). قال الجصاص: (وروي عن الحسن البصري أنه قال: (يقطع في درهم واحد) وهو قول شاذ، قد اتفق الفقهاء على خلافه ... ) إلى أن قال: (ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]؛ لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول ﵇ على اعتبار ثمن المجن، ومن اتفاق السلف على ذلك أيضاً؛ فسقط الاحتجاج بعمومه) (٦).

стр. 225

والقول الراجح هو جواز تخصيص القرآن بالسنة، وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على تخصيص الآية بالسنة (١). وتفاصيل نصاب القطع وشروطه الأخرى وأقوال العلماء قد أطال فيها أئمة الفقه وشراح الحديث مما لا يناسب التطويل به هنا (٢). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة:٧٥]. ٤٩/ ٥ - قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه في عيسى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]، وهذا مدح يقتضي النبوة، ثم قال: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، وهذا نقص في الكمال يقتضي التغذية اهـ) (٣).

стр. 226

الدراسة: بين ابن عقيل أن الوصف بالرسالة صفة مدح تقتضي النبوة، وقد وصف الله به عيسى ﵇، وجاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " (١). وفي هذا الوصف رد على اليهود في تكذيبهم رسالته. ثم بين أن أكله الطعام نقص في الكمال يقتضي التغذية، وفي هذا الوصف رد على النصارى الذين غلوا فيه فجعلوه إلهاً، ومعناه أن من يأكل الطعام لا يكون إلهاً يعبد. قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [المائدة:٧٥] فيه رد على اليهود في تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته، والمعنى: أنه ليس بإله، وإنما حكمه حكم من سبقه من الرسل) (٢).

стр. 227

وقال ابن تيمية: (وهذا ونحوه يتضمن اعترافه بأنه عبد الله، ورسول من الله لا يتعدى حد الرسالة، ولا يدعي المشاركة في الألوهية كما ادعته النصارى في المسيح، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فتبين أنه لا يتعدى حد الرسالة وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. ولهذا قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " (١)) (٢). وقال أيضاً: (فذكر : أنهما كانا يأكلان الطعام؛ لأن ذلك من أظهر الأدلة على أنهما مخلوقان مربوبان، إذ الخالق أحد صمد لا يأكل ولا يشرب، وذكر مريم مع المسيح لأن من النصارى من اتخذها إلها آخر فعبدها كما عبد المسيح) (٣). وقال ابن القيم: (وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه: أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب، وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما، بل هي محتاجة فيما يقيمها إلى الغذاء والشراب، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهاً، إذ من لوازم الإله أن يكون غنياً.

стр. 228

الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه، بل يستحي من التصريح بذكرها، ولهذا والله أعلم كنى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة، فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولداً من هذا الجنس، ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنسٍ لا يأكل ولا يشرب، ولا يكون منه الفضلات المستقذرة التي يستحي منها ويرغب عن ذكرها) (١). وهذا هو ما عليه عامة المفسرين (٢). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠]. ٥٠/ ٦ - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠]، ثم علل سبحانه التحريم بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:٩١] فكل شراب أسكر، وصد عن ذكر الله، وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام ويجب الحد لشربه، ويسمى خمراً؛ لأن الخمر ما غطى العقل اهـ) (٣). الدراسة: في كلام ابن عقيل أربع مسائل:

стр. 229

المسألة الأولى: أن الله ذكر سبب تحريم الخمر والميسر في الآية التالية؛ ليكون أدعى للقبول، ومما ذكر من المفاسد: إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا من بيان القرآن بالقرآن (١). أضف إلى ذلك ما أكد الله به تحريمه من الأمر باجتنابه، وترتب الفلاح عليه، وأنه رجس من عمل الشيطان، فهل أنتم منتهون بعد سماع هذه الصوارف، وأمر بالآية التالية بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فإن تولوا فما على الرسول إلا البلاغ المبين، وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف هذا التكليف (٢). المسألة الثانية: أن كل شراب أسكر وصد عن ذكر الله وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام، وهذا بين وواضح؛ لأن الله جل وعلا ذكر العلة في التحريم؛ فإذا وجدت هذه العلة وجد التحريم، وقد بينت السنة ذلك، فقد قال النبي ﷺ : " كل شراب أسكر فهو حرام " (٣). قال الجصاص: (فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه، أحدها: قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، وذلك لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظوراً محرماً، ثم أكده بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه، ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩١]، ومعناه: فانتهوا) (٤).

стр. 230

وقد أجمعت الأمة على تحريم الخمر (١). المسألة الثالثة: أنه يجب الحد على من شرب الخمر. أما حد شارب الخمر فقد ثبت في السنة بأحاديث كثيرة، منها ما روي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر " فجلده بجريدتين نحو أربعين ". قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر (٢). وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: " كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين " (٣). وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر، ثم اختلفوا في مقداره ما بين أربعين أو ثمانين، والجمهور على القول بالثمانين (٤). المسألة الرابعة: أن الخمر ما غطى العقل، وهذا هو الأصل في معناها بدليل أن كل الاشتقاقات تعود إلى التغطية. قال ابن فارس: (الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية، والمخالطة في ستر) (٥).

стр. 231

وقال الرازي: (من الدلائل على أن كل مسكر خمر: التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خماراً لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره من وهدة (١) وأكمة، وخمرت رأس الإناء، أي: غطيته، والخامر: هو الذي يكتم شهادته) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥]. ٥١/ ٧ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] كان تقييده بالعمد مقيّداً للحكم بالتقييد، ونافياً له عما عدم فيه التقييد، وهو صفة العمد اهـ) (٣). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى مسألتين: المسألة الأولى: ذكر قاعدة في المقيد وهي: وجوب تقييد اللفظ بالوصف المذكور في الآية وهو العمد، وأقول هذه القاعدة تحتاج إلى ضابط وليست على إطلاقها وهو أن يقال: ما لم يدل دليل على عدم اعتبار القيد.

стр. 232

فيكون سبك القاعدة: (وجوب العمل بالقيد إلا أن يدل دليل على عدم اعتباره) (١). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قيد معتبر، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فالجزاء المذكور في الآية مقيد فيمن تعمد القتل كما ذكر العلماء، وإنما خلافهم في صفة هذا العمد (٢). ٢ - قيد غير معتبر، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فالقيد الأول غير معتبر فتحرم الربيبة ولو لم تكن في الحجر (٣)، والثاني معتبر، فلا تحرم إلا بالدخول بالأم، والذي دل على إلغاء القيد الأول بقية الآية حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فنفى مفهوم القيد الثاني، والأول خرج مخرج الغالب. ٣ - قيد مختلف فيه، وهي: المسألة الثانية: هل جزاء الصيد في الإحرام خاص بالمتعمد؟. اختلف أهل العلم في جزاء الصيد، هل يلزم الناسي؟ أم هو مقيد بالمتعمد فقط؟. ... على أقوال منها:

стр. 233

القول الأول: أن الجزاء خاص بالمتعمد فقط، وذلك لتقييده بالمتعمد في الآية، مما يدل على أن غيره بخلافه؛ ولأن الأصل براءة الذمة، روي هذا عن طاووس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، وبه قال الطبري (٣)، وأحمد في رواية، وهو قول داود (٤)، وهو قول ابن عقيل، واستغربه ابن كثير (٥). القول الثاني: أن الجزاء خاص بالناسي لإحرامه فقط، وأما الذاكر للإحرام فأمره إلى الله؛ لأن فعله أعظم من أن يكفر، روي هذا القول عن مجاهد، والحسن (٦). قال ابن قدامة: (ولا نعلم أحداً خالف في الجزاء في قتل الصيد متعمداً، إلا الحسن ومجاهداً) (٧). واستدل مجاهد بقوله: (فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حل ولا حج له؛ لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه، كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه) (٨).

стр. 234

القول الثالث: أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان، روي عن ابن عباس ﵁ وعطاء، وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الحنابلة (٤). قال الزهري: (وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة) (٥). وقال ابن كثير: (والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه ... ) ثم قال: (لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم) (٦). قال ابن بطال (٧): (اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمداً أو خطأً، فعليه الجزاء) (٨). والراجح قول الجمهور، لأن النبي ﷺ أوجب الجزاء ولم يفرق بين المتعمد والناسي، فعن جابر ﵁ قال: " جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشاً " (٩) ولم يفرق بين العامد وغيره (١٠).

стр. 235

وقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥] يحتمل المتعمد الصيد الذاكر للإحرام، ويحتمل أيضاً المتعمد الصيد الناسي للإحرام، والواجب عدم التفريق بينهما، فيحمل على عموم العمد. ومما يؤيد هذا القول: أن القتل إتلاف، والإتلاف يضمن عمده وخطؤه؛ فيستدل به على أن التعمد ليس بشرط (١). ومن فوائد التقييد به: أن المتعمد إنما ذكر ليُعَلَّقَ به الوعيد في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة:٩٥] إذ لا وعيد على الناسي (٢). وقال الزركشي: (فإن قيل: فما فائدة التقييد في هذا القسم إذا كان المسكوت عنه مثله، وهلا حُذفت الصفة واقتصر على قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]؟. قلنا: لتخصيص الشيء بالذكر فوائد منها: اختصاصه في جنسه بشيء لا يشركه فيه غيره من جملة الجنس كما في هذه الآية) (٣). ويجاب على دليل مجاهد بما يلي: ١ - أنه خلاف النص؛ فالذاكر لإحرامه متعمد، وفي سياق الآية: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:٩٥] والمخطئ والناسي لا إثم عليهما (٤). ٢ - قال القرطبي: (ودليلنا على مجاهد: أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكراً للإحرام أو ناسياً له، ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان) (٥).

стр. 236

ويجاب عن القول الأول: بأن السنة لم تفرق بين العمد والخطأ؛ كما في حديث جابر ﵁ ولهذا قال بعض العلماء: وجب الجزاء في العمد بالقرآن وفي الخطأ والنسيان بالسنة (١). والله أعلم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ [المائدة:١٠٧]. ٥٢/ ٨ - قال ابن عقيل: (﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة:١٠٧]، أي: استحق منهم اهـ) (٢). الدراسة: اختلف العلماء في تفسير ﴿عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة:١٠٧] على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن [على] بمعنى [من]، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين:٢]، أي: من الناس، وهذا هو قول ابن قتيبة (٣) (٤)، والسمرقندي (٥)، وهو اختيار ابن عقيل، وابن الجوزي (٦)، والزركشي (٧).

стр. 237

القول الثاني: أن [على] بمعنى [في]، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: في ملك سليمان، وهو قول الفراء (١)، والطبري (٢)، وقال: (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف الإثم وأقيم مقامه الأوليان؛ لأنهما هما الذان ظلما وأثما فيهما، بما كان من خيانة الذين استحقا الإثم) (٣). القول الثالث: أن [على] على بابها، قالوا: بقاء على الأصل، وهذا هو قول الأخفش (٤)، والزجاج (٥)، والنحاس حيث قال: (والمعنى: من الذين اسْتَحَقَّ عليهم الإيصاء) (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة:١٠٧]، يحتمل أن يكون مضمناً معنى بغى عليهم، وعدى عليهم، كما يقال في الغصب: غصبت علي مالي، ولهذا قيل: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة:١٠٧]، أي: كما اعتدوا) (٧). وقد قال بعض العلماء عن هذه الآية: إنها أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (٨). قال الزجاج: (وهذا موضع من أصعب ما في القرآن في الإعراب) (٩).

стр. 238

وقال مكي: (وهذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلِها، ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر) (١). والذي ترجح عندي هنا أن [على] على معناها الأصلي، على جميع التقديرات، والمعنى الصحيح لهذه الآية: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم اليمين، والأوليان: مثنى أَوْلى، وإعرابها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هما الأوليان (٢). وسبب الترجيح: ما جاء في سبب النزول:

стр. 239

عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بدَّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً (١) من فضة مُخَوّصاً (٢) من ذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة:١٠٧]، وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]) (٣). قال شيخ الإسلام: (معرفة سبب نزول القرآن، يعين على فهم الآية) (٤). ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: قاعدة (إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) (٥). والله أعلم.

стр. 240

سورة الأنعام قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام:٧٦]. ٥٣/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام:٧٦]، أزال الاشتباه من قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ [الأنعام:١٥٨]، ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، وأنه ليس بالانتقال المشاكل لأفول النجوم اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى مسألتين: المسألة الأولى: الصفات الفعلية. وهي الأمور التي يتصف بها الرب فتقوم بذاته ومشيئته وقدرته مثل كلامه وإرادته ومحبته ورضاه واستوائه ومجيئه وإتيانه؛ فالسلف وأئمة السنة والحديث يقولون: إنه متصف بذلك كما نطق به الكتاب والسنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة. قال شيخ الإسلام: (فالرب سبحانه إذا وصفَ رسولُه بأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وأنه كلم موسى بالواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً؛ لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة حتى يُقال: ذلك يستلزم تفريغ مكان وشَغْل آخر) (٢). وأما الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم، فيقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها (٣). قال الزمخشري: (إتيان الله: إتيان أمره وبأسه) (٤).

стр. 241

والآيات صريحة في هذا الباب لا تقبل شيئاً من التأويل، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، وهذه أشد صراحة، إذ لا يمكن تأويل الإتيان بأنه إتيان الأمر أو العذاب؛ لأنه ردد فيها بين إتيان الملائكة وإتيان الرب، وإتيان بعض آيات الرب سبحانه (١). المسألة الثانية: الاشتباه في قول إبراهيم والمزيل له. اشتبهت هذه الآية على كثير من الطوائف وقالوا: نفهم من كلام إبراهيم أن الله لا يوصف بالإتيان والمجيء وما فيه حركة؛ لقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] قالوا: الآفل هو المتحرك الذي تقوم به الحوادث، فيكون الخليل قد نفى المحبة عمن تقوم به الحوادث، فلا يكون إلهاً، ومن نظر إلى تفاسيرهم وكلامهم وجد اضطراباً في تخريج الآيات وتفسيرها (٢). وخلاصة الجواب على هذا الفهم من ثلاثة وجوه: ١ - أن إبراهيم رأى بزوغ الكوكب وتحركه إلى أفوله، ولم يقل: لا أحب البازغين، ولا المتحركين، ولا أحب من تقوم به الحركات والحوادث (٣)، فلو كان احتجاجه بالحركة والانتقال لم ينتظر حتى يغيب. ٢ - أن الأفول في لغة العرب هو المغيب والاحتجاب وليس هو الحركة والانتقال (٤).

стр. 242

قال شيخ الإسلام: (والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو الغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء. فلم يقل إبراهيم: لا أحب الآفلين إلا حين أفل وغاب عن الأبصار فلم يبق مرئياً ولا مشهوداً فحينئذ قال: لا أحب الآفلين. وهذا يقتضي أن كونه متحركاً متنقلاً تقوم به الحوادث؛ بل كونه جسماً متحيزاً تقوم به الحوادث لم يكن دليلاً عند إبراهيم على نفي محبته، فإن كان إبراهيم إنما استدل بالأفول على أنه ليس رب العالمين - كما زعموا -: لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الأفول - من كونه متحركاً منتقلاً - تحله الحوادث؛ بل ومن كونه جسماً متحيزاً: لم يكن دليلاً عند إبراهيم على أنه ليس رب العالمين، وحينئذ فيلزم أن تكون قصة إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم؛ لا على تعيين مطلوبهم، وهكذا أهل البدع لا يكادون يحتجون بحجة سمعية ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم؛ لا لهم) (١). ٣ - كل الآيات التي جاء فيها إثبات الإتيان والمجيء. فالمزيل للاشتباه صريح كالشمس، وقد ذكر ابن عقيل عدداً من الآيات في ذلك تثبت الإتيان والمجيء صراحة لله تعالى مما لا يقبل التأويل (٢). قال ابن القيم: (قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، لما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم متوهم: أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم، ورفع الإشكال بقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصاً صريحاً في معناه لا يحتمل) (٣). والله أعلم.

стр. 243

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام:١٤١]. ٥٤/ ٢ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: (فبين النبي ﷺ أن المراد به العشر من السَّيْح (١)، أو نصف العشر من سَقْي الكُلَف (٢)، أو ربع العشر من الأثمان (٣) اهـ) (٤). الدراسة: اختلف العلماء في تفسير الحق في هذه الآية على ثلاثة أقوال:

стр. 244

القول الأول: وهو قول ابن عقيل أنه الزكاة المفروضة وهو المروي عن ابن عباس وأنس ﵄ (١)، والحسن، وطاووس، وقتادة، وعطاء، وابن جريج (٢). وقالوا: إنها مجملة المقدار في القرآن فبينها النبي ﷺ في سنته بالتفصيل، ورجحه الواحدي (٣) وابن العربي (٤). القول الثاني: أنه حق غير الزكاة، يكون يوم الحصاد وعند الصرام، وهو إطعام من حضر من الفقراء، والإيتاء لمن غبر، قاله مجاهد، وهو مذهب ابن عمر، وأبي العالية (٥)، والنخعي، وسعيد بن جبير، وابن أبي نجيح (٦)، ومحمد بن كعب (٧).

стр. 245

ورجحه النحاس حيث قال: (والقول الأول أولاها لأنه يبعد أن يعني به الزكاة المفروضة لأن الأنعام مكية، والزكاة إنما فرضت بعد مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، ويقوي القول الأول حديث النبي ﷺ : " أنه نهى عن جذاذ الليل " (١)، قال سفيان: كي يحضر المساكين) (٢). القول الثالث: أن الحق في الآية منسوخ بالزكاة فلا يحكم بوجوبه، وهو قول لابن عباس، والنخعي، وسعيد بن جبير، والسدي (٣)، ورجحه الطبري وقال: (وذلك لأن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف) (٤). والقول الراجح هو القول الأول وهو أن المراد بالحق الزكاة المفروضة وهو قول الجمهور، واعتُرِض عليه بأن السورة مكية، والزكاة فرضت في المدينة، والجواب أن أصل الزكاة كان مشروعاً في أول الإسلام وذلك بالإنفاق في سبيل الله بدون تحديد، وفي المدينة النبوية حددت الأنصبة والمقادير. قال ابن الحصار: (ذكر الله الزكاة في السور المكيات كثيراً تصريحاً وتعريضاً بأن الله سينجز وعده لرسوله ويقيم دينه ويظهره حتى تفرض الصلاة والزكاة وسائر الشرائع، ولم تؤخذ الزكاة إلا بالمدينة بلا خلاف، وأورد من ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]، وقوله في سورة المزمل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل:٢٠]، ومن ذلك قوله فيها: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠]) (٥).

стр. 246

واعتُرض أيضاً بأن الزكاة لا تؤخذ يوم الحصاد، والجواب على هذا من أوجه: أحدها: أن الأمر بالإيتاء محمول على وجوب الإخراج، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الجذاذ والحصاد، فيؤخر إلى زمن الإمكان بعد التنقية. والثاني: أن اليوم ظرف للحق لا للإيتاء فكأنه قال: وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية والتصفية. والثالث: أن ذكر يوم الحصاد له فائدة، وهي أنه لا يجب الحق قبل يوم الحصاد، بل يجب يومه حين حصوله في يد صاحبه (١). قال ابن العربي: (قد أفادت هذه الآية: وجوب الزكاة فيما سمى الله سبحانه، وأفادت بيان ما يجب فيه من مخرجات الأرض التي أجملها في قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وفسرها ههنا، فكانت آية البقرة عامة في المخرج كله مجملة في القدر، وهذه الآية خاصة في مخرجات الأرض مجملة في القدر؛ فبينه رسول الله الذي أُمِر بأن يبين للناس ما نزل إليهم، فقال: " فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو دالية (٢) نصف العشر " فكان هذا بياناً لمقدار الحق المجمل في هذه الآية) (٣). وإذا عرفنا أن السلف يطلقون النسخ على البيان والتخصيص أمكن حمل كلامهم على هذا المعنى العام، فأحاديث السنة التي فيها الأنصبة والمقادير بيان لما أُجمل في هذه الآية. قال ابن كثير: (وفي تسمية هذا نسخاً نظر؛ لأنه قد كان شيئاً واجباً في الأصل، ثم إنه فصل بيانه وبُيّن مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم) (٤).

стр. 247

قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [الأنعام:١٥١]. ٥٥/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، بينت السنة المستثنى بقوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " (١) اهـ) (٢).

стр. 248

الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن الحق المستثنى في الآية - وهو ما أباح الله قتل النفس به - بينه النبي ﷺ في سنته، وهذا هو ما عليه جميع المفسرين، ومنهم الطبري (١)، والسمعاني (٢)، والبغوي (٣)، والقرطبي (٤). قال النحاس: (وقوله جل وعز: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] بين هذا الحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال: شرك بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس ") (٥). وقال ابن جزي: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] فسره قول رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس ") (٦). سورة الأعراف قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف:١٢]. ٥٦/ ١ - قال ابن عقيل مستدلاً بأن الأمر على الفور: (وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، ولو كان على التراخي لما حسن العتب اهـ) (٧). _ الدراسة: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن الأمر على الفور، كما استدل بها من قال بهذا القول، وهي مسألة كبيرة في أصول الفقه اختلف فيها العلماء أعرض لها بما يناسب المقام فأقول: أولاً: تحرير محل النزاع:

стр. 249

١. أنه يخرج كل أمر متصل بقرينة تقتضي الفور كالأمر بالتعجل ونحو ذلك. ٢. وكذلك كل أمر اتصلت به قرينة تقتضي التراخي كالصلوات المفروضة. ٣. ويبقى في محل الخلاف: الأمر المطلق الخالي من القرائن. ثانياً: أقوال العلماء فيها: القول الأول: أن الأمر على الفور، وهو قول الظاهرية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنفية (٥). ومن أدلتهم: الآية التي معنا، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١١ - ١٢]، والاستدلال في هذا الدليل من وجهين: الأول: من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا﴾ فالفاء للتعقيب، والملائكة فهمت أن مقتضى الأمر على الفور فسجدت عقب الأمر مباشرة. الثاني: أن الله وبخ إبليس وطرده وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] ولم يحتج إبليس بأن الأمر على التراخي، ولو كان له لفعل. القول الثاني: أن الأمر على التراخي، وهو قول لأكثر أصحاب الشافعي (٦)، وبعض الحنفية (٧)، وهو قول المعتزلة (٨).

стр. 250

ومن أقوى حججهم: أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة على الصحيح (١)، ولم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة، ولو كان واجباً على الفورية لم يتخلف رسول الله ﷺ عن فرض عليه (٢). قلت: القول الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول - أن الأمر يقتضي الفور - وهو قول الجمهور لقوة ما استدلوا به، ولأنه الأصل، والأبرأ للذمة، والفور: هو مقتضى الأمر عند أهل اللسان؛ فلو قال السيد لعبده: أسقني، فأخر حسن لومه وتوبيخه (٣)، ولأن الامتثال على الفور إسراع في الخير، ولا خلاف بين العلماء أن التعجيل أفضل (٤)، ولأنه لو قيل على التراخي فلا يخلو من أحد حالين: الأولى / أن له التأخير أبداً ولا يكون مفرطاً. الثانية / أنه يكون مفرطاً مستحقاً للوعيد إن مات قبل فعله. فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطاً بتركه طول حياته، فهذا خرج عن حد الواجب إلى النوافل لأن ما كان مخيراً بين فعله وتركه فهو نافلة أو مباح، وهذا باطل وما أدى إليه فهو باطل. وإن قلنا: يلحقه الوعيد بالموت أدى إلى أن يكون الله ألزمه إتيان عبادة في وقت لا يعلمه ونهاه عن تأخيرها عنه، ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة؛ فإذا بطل هذا القسمان صح القول بأن الأمر على الفور وهو الحق (٥).
следующие страницы →