← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واعتُرض أيضاً بأن الزكاة لا تؤخذ يوم الحصاد، والجواب على هذا من أوجه: أحدها: أن الأمر بالإيتاء محمول على وجوب الإخراج، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الجذاذ والحصاد، فيؤخر إلى زمن الإمكان بعد التنقية. والثاني: أن اليوم ظرف للحق لا للإيتاء فكأنه قال: وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية والتصفية. والثالث: أن ذكر يوم الحصاد له فائدة، وهي أنه لا يجب الحق قبل يوم الحصاد، بل يجب يومه حين حصوله في يد صاحبه (١). قال ابن العربي: (قد أفادت هذه الآية: وجوب الزكاة فيما سمى الله سبحانه، وأفادت بيان ما يجب فيه من مخرجات الأرض التي أجملها في قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وفسرها ههنا، فكانت آية البقرة عامة في المخرج كله مجملة في القدر، وهذه الآية خاصة في مخرجات الأرض مجملة في القدر؛ فبينه رسول الله الذي أُمِر بأن يبين للناس ما نزل إليهم، فقال: " فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو دالية (٢) نصف العشر " فكان هذا بياناً لمقدار الحق المجمل في هذه الآية) (٣). وإذا عرفنا أن السلف يطلقون النسخ على البيان والتخصيص أمكن حمل كلامهم على هذا المعنى العام، فأحاديث السنة التي فيها الأنصبة والمقادير بيان لما أُجمل في هذه الآية. قال ابن كثير: (وفي تسمية هذا نسخاً نظر؛ لأنه قد كان شيئاً واجباً في الأصل، ثم إنه فصل بيانه وبُيّن مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم) (٤).

стр. 247

قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [الأنعام:١٥١]. ٥٥/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، بينت السنة المستثنى بقوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " (١) اهـ) (٢).

стр. 248

الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن الحق المستثنى في الآية - وهو ما أباح الله قتل النفس به - بينه النبي ﷺ في سنته، وهذا هو ما عليه جميع المفسرين، ومنهم الطبري (١)، والسمعاني (٢)، والبغوي (٣)، والقرطبي (٤). قال النحاس: (وقوله جل وعز: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] بين هذا الحديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال: شرك بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس ") (٥). وقال ابن جزي: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] فسره قول رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس ") (٦). سورة الأعراف قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف:١٢]. ٥٦/ ١ - قال ابن عقيل مستدلاً بأن الأمر على الفور: (وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، ولو كان على التراخي لما حسن العتب اهـ) (٧). _ الدراسة: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن الأمر على الفور، كما استدل بها من قال بهذا القول، وهي مسألة كبيرة في أصول الفقه اختلف فيها العلماء أعرض لها بما يناسب المقام فأقول: أولاً: تحرير محل النزاع:

стр. 249

١. أنه يخرج كل أمر متصل بقرينة تقتضي الفور كالأمر بالتعجل ونحو ذلك. ٢. وكذلك كل أمر اتصلت به قرينة تقتضي التراخي كالصلوات المفروضة. ٣. ويبقى في محل الخلاف: الأمر المطلق الخالي من القرائن. ثانياً: أقوال العلماء فيها: القول الأول: أن الأمر على الفور، وهو قول الظاهرية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنفية (٥). ومن أدلتهم: الآية التي معنا، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١١ - ١٢]، والاستدلال في هذا الدليل من وجهين: الأول: من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا﴾ فالفاء للتعقيب، والملائكة فهمت أن مقتضى الأمر على الفور فسجدت عقب الأمر مباشرة. الثاني: أن الله وبخ إبليس وطرده وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] ولم يحتج إبليس بأن الأمر على التراخي، ولو كان له لفعل. القول الثاني: أن الأمر على التراخي، وهو قول لأكثر أصحاب الشافعي (٦)، وبعض الحنفية (٧)، وهو قول المعتزلة (٨).

стр. 250

ومن أقوى حججهم: أن الحج إنما فرض في السنة التاسعة على الصحيح (١)، ولم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة، ولو كان واجباً على الفورية لم يتخلف رسول الله ﷺ عن فرض عليه (٢). قلت: القول الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول - أن الأمر يقتضي الفور - وهو قول الجمهور لقوة ما استدلوا به، ولأنه الأصل، والأبرأ للذمة، والفور: هو مقتضى الأمر عند أهل اللسان؛ فلو قال السيد لعبده: أسقني، فأخر حسن لومه وتوبيخه (٣)، ولأن الامتثال على الفور إسراع في الخير، ولا خلاف بين العلماء أن التعجيل أفضل (٤)، ولأنه لو قيل على التراخي فلا يخلو من أحد حالين: الأولى / أن له التأخير أبداً ولا يكون مفرطاً. الثانية / أنه يكون مفرطاً مستحقاً للوعيد إن مات قبل فعله. فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطاً بتركه طول حياته، فهذا خرج عن حد الواجب إلى النوافل لأن ما كان مخيراً بين فعله وتركه فهو نافلة أو مباح، وهذا باطل وما أدى إليه فهو باطل. وإن قلنا: يلحقه الوعيد بالموت أدى إلى أن يكون الله ألزمه إتيان عبادة في وقت لا يعلمه ونهاه عن تأخيرها عنه، ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة؛ فإذا بطل هذا القسمان صح القول بأن الأمر على الفور وهو الحق (٥).

стр. 251

وأما تأخير النبي ﷺ حجه للسنة العاشرة؛ فقد ذكر العلماء له ﷺ أعذاراً منها: ١ - أنه أخره بأمر من الله تعالى لتكون حجته حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ويصادف وقفته يوم الجمعة، ويكمل الله دينه (١)، قال تعالى: ﴿لَنَا أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ٢ - كثرة الوفود عليه في تلك السنة، ولهذا تسمى السنة التاسعة عام الوفود، ولا شك أن استقبال المسلمين الوافدين إلى الرسول ﷺ ليتفقهوا في دينهم أمر مهم، بل قد نقول أنه واجب على الرسول ﷺ ليبلغ الناس (٢).

стр. 252

٣ - أنه كره رؤية المشركين عراة حول البيت، فأخر الحج حتى يطهر منهم ولذلك بعث أبا بكر ﵁ ينادي: " أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان " (١). وهذا العذر في نظري أنه أقوى الأعذار، والله أعلم. ... ومما يدل على تأكد تعجيل الحج وعذر النبي ﷺ قوله ﷺ : " من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] " (٢). وكذلك قوله ﷺ : " تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " (٣). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف:١٢].

стр. 253

٥٧/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، فأثبت أمره له بالسجود، ولم يقع منه السجود، وقد أجمع المسلمون على أنه عالم بامتناعه قبل وقوع الامتناع منه اهـ) (١). الدراسة: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أنه يجوز أن يأمر الله سبحانه بما يعلم أن المأمور لا يفعله، وهو استدلال صحيح، وقد نص على هذه المسألة الإمام أحمد بقوله: (علم الله أن آدم سيأكل من الشجرة التي نهاه عنها قبل أن يخلقه) (٢). وقالت المعتزلة: لا يجوز (٣). واحتجوا بأنه لا يصح أن يَأْمر الله المكلف بما يعلم أنه لا يفعله؛ لأنه عبث، والله منزه عن العبث في قوله وفعله. قال ابن عقيل: (والجواب: أن هذا كلام يرده النص، ولا عبرة بما استدلوا به مع كون الإجماع انعقد على خلافه، ونص الكتاب قضى بإبطاله، على أنه فاسد في نفسه لو ورد مع عدم الإجماع والنص، وهو أن الله خلق من في معلومه أنه لا ينتفع بخلقه ولا يطيعه في أمره، فلا يستحق الثواب، بل لا يسعى إلا فيما يوجب عليه العقاب ولم يك في خلقه عابثاً، كذلك أمره لا يكون به عابثاً) (٤). وكذلك أمر الله إبراهيم بذبح ولده وعلم أنه لا يذبحه، وليس هذا عبثاً؛ لأن فيه إظهار أمر الله، وإظهار صدق امتثال العبد لأمر الله، وفيه إقرار المأمور بوجوب طاعة الله في أوامره، وفيه إشارة إلى أن الله سيجازيه بالثواب إذا أداه (٥)، ولا يقاس أمر الله تعالى بأمر المخلوقين، وليس كل ما كان قبيحاً من العبد يكون قبيحاً من الرب، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (٦).

стр. 254

ويبطل أيضاً: بأن الله قد أمر الكفار بالإيمان، ولم يختلف في تكليفهم الإيمان اثنان، ولا فصّل أحد من الأئمة، فقال: إن المعلوم إيمانه هو المأمور به دون من عُلم أنه لا يؤمن، والقول المخالف للإجماع لا يلتفت إليه (١). ويتضح هذا إذا عرفنا أن مذهب السلف أن أوامر الله تنقسم إلى كونية وشرعية، وأن الأوامر الشرعية قد تقع وقد لا تقع. قال ابن القيم: (فصل وههنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط به علماً، وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر، وأمره سبحانه نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي؛ فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته، كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها، فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله، وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله، فما وجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعاً، فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته، وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني، وما لم يوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف:١٥].

стр. 255

٥٨/ ٣ - قال ابن عقيل: (فأما إبليس حيث طلب الإنظار، وخطب طول الأعمار أجابه سبحانه فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥] فلو كان أمره لإصلاحه وصلاح عاقبته لما أجابه إلى الإبقاء، وقد كشفت العاقبة أن إنظاره الذي أجابه الحق إليه وبال عليه وعلى من اتبعه، فلو كان الله سبحانه أراد حفظه عن الفساد، وأراد به الصلاح، وبغيره ممن علم أنه يغويه؛ لفعل في حقه ما فعله في حق طفل الخضر، فعلم أن مطلق الأمر والمشيئة بفعل الأصلح لمن شاء، وفي حق من شاء، ويأمر من لا يريد صلاحه بما شاء، فهذا طريق مهيع (١) قد ملأ كتابه الكريم بأمثاله اهـ) (٢). __ الدراسة: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن الأمر من جهة الله سبحانه لا يقف على مصلحة المأمور؛ بل يجوز أن يأمره بما يعلم أنه لا يعود بصلاح حاله. قال ابن عقيل: (وبهذا قال الفقهاء أجمع، خلافاً للمعتزلة ومن وافقهم في تلك الأصول في قولهم: لا يأمر إلا بما فيه مصلحة) (٣). قالت المعتزلة: القول والفعل إذا خلا من فائدة كان عبثاً، وقد نزه الله نفسه عن العبث والباطل (٤)، فمن تنزه عن فعل يخلو من نفع به، فهو على أن ينزه من فعل هو محض مضرة لا فائدة فيه أولى. فيقولون: إن الله أمر الكافر بالإيمان، ولكن الكافر شاء الكفر، ليفروا من كون الله يأمر بالكفر ويعذب عليه. وقد وقعوا في شر مما فروا منه، وهو أنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، وهذا من أقبح الاعتقاد، ولا دليل عليه؛ بل هو مخالف للدليل (٥).

стр. 256

والجواب: أنه لا بد من التفصيل حتى يتبين الكلام السليم: فأولاً: أهل السنة يقولون: إن الله وإن كان مريداً للمعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها، ولا يأمر بها، بل يبغضها، وينهى عنها، وهذا هو قول السلف قاطبة. ثانياً: المحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية. فالإرادة الشرعية: هي المتضمنة للمحبة والرضى، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهي مقصودة لذاتها، ولا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع. والإرادة الكونية: هي المرادفة للمشيئة الشاملة لجميع الحوادث، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وهذه لا بد من وقوعها، وقد يحبها الله ويرضاها وقد لا يحبها ولا يرضاها، وهي مقصودة لغيرها؛ كخلق إبليس وسائر الشرور؛ لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار وغير ذلك من المحاب (١). ومن لم يثبت الإرادتين ويفرق بينهما فقد ضل كالجبرية والقدرية، فالجبرية أثبتوا الإرادة الكونية فقط، والقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية فقط، وأهل السنة أثبتوا الإرادتين وفرقوا بينهما (٢). وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى، فليس بين الأمر والإرادة تلازم، فالواحد منا يأمر غيره وينهاه مريداً نصحه ومبيناً ما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل، فجهة أمره لغيره نصحاً غيرُ جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين، فهو في حق الله أولى بالإمكان (٣).

стр. 257

وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، ومن النصوص في المشيئة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس:٩٩]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام:٣٩]. ... ومن نصوص المحبة والرضا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] (١).

стр. 258

قال ابن أبي العز (١): (فإن قيل كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكوّنه؟ وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته؟. قيل هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقاً، وتباينت طرقهم وأقوالهم، فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره؛ فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، والمراد لغيره قد لا يكون مقصوداً للمريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه، وإرادتِه بالظن الغالب، وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف ممن لا يخفى عليه خافية فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سبباً إلى أمر هو أحب إليه من فوته) (٢). ويقال: إن جميع ما أمر الله به وحصل منه ضررٌ فبه حكمة مطلوبة ولا يكون شراً مطلقاً، وإن كان شراً بالنسبة إلى من تضرر به، ولهذا لم يأت في كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ إضافة الشر إلى الله سبحانه، بل يذكر على أحد أوجه ثلاثة: ١ - أن يدخل في عموم المخلوقات، وهنا يفيد عموم القدرة والمشيئة والخلق كقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].

стр. 259

٢ - أن يضاف إلى السبب الفاعل مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق:٢]. ٣ - أن يحذف فاعله مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن:١٠]. ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر، وإنما يذكر الشر في مفعولاته كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ [الأعراف:١٦٧] (١). فالله سبحانه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد كل شيء، وسبب لشقاوة كثير من العباد، ومع هذا: فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب سبحانه ترتبت على خلقه، ووجودُها أحب إليه من عدمها، منها: أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات في مقابلة ذات جبرائيل التي هي من أشرف الذوات، كما ظهرت قدرته في: خلق الليل والنهار، والدواء والداء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر، وذلك أدل دليل على كمال صفاته وأفعاله (٢). قال النسفي (٣): (﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥] إلى النفخة الأولى، وإنما أُجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء، وفيه تقريب لقلوب الأحباب، أي: هذا بِرِّي بمن يسيئني فكيف بمن يحبني، وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال) (٤).

стр. 260

وقال ابن كثير: (أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) (١). وقال السعدي (٢): (فلما أعلن عدو الله بعداوة الله وعداوة آدم وذريته سأل الله النظرة والإمهال إلى يوم البعث ليتمكن من إغواء ما يقدر عليه من بني آدم، ولما كانت حكمة الله مقتضية لابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق من الكاذب ومن يطيعه ومن يطيع عدوه أجابه لما سأل فقال: ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف:١٥]) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف:١٣٨]. ٥٩/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨]، يعني: يلازمونها اهـ) (٤).

стр. 261

الدراسة: فسر ابن عقيل الاعتكاف بالملازمة، وهو المعنى اللغوي له كما قال الزجاج: (ومعنى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨]، أي: يواظبون عليها ويلازمونها، يقال لكل من لزم شيئاً وواظب عليه، عَكَفَ يعْكِف ويعْكُفُ، ومن هذا قيل للملازم للمسجد معتكف) (١). وقال النحاس: (ومعنى: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، يواظبون ويلازمون، ومنه قيل: اعتكف فلان) (٢). وهذا هو ما عليه أكثر المفسرين (٣). وقال ابن فارس: (العين والكاف والفاء أصل صحيح يدل على مقابلة وحبس) (٤). وفسر بعضهم الاعتكاف بالمواظبة (٥)، وبعضهم بالإقامة (٦). وهذه الألفاظ بمعنى واحد، فالملازمة للشيء حبس للنفس عليه، وهو كذلك مواظبة وإقامة وإقبال عليه (٧)، وكلها موافقة تماماً لما عليه المشركون مع أصنامهم كما نصت الآية. أما المعنى الشرعي للاعتكاف: فهو لزوم مسجد لطاعة الله تعالى (٨). قال الراغب: (والاعتكاف في الشرع: هو الاحتباس في المسجد على سبيل القربة، ويقال: عكفته على كذا، أي: حبسته عليه) (٩). وقال الرازي: (والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تقرباً إليه) (١٠).

стр. 262

والخلاصة: أن من معاني الاعتكاف في اللغة: الملازمة والحبس والإقبال والإقامة والمواظبة. وأضاف الشرع إليه أن يقصد القربة لله تعالى فيه. والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف:١٥٠]. ٦٠/ ٥ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠]، وهو النهاية في الغضب اهـ) (١). الدراسة: ذكر العلماء في الأسِف معنيين (٢): المعنى الأول: النهاية في الغضب وهو تفسير أبي الدرداء ﵁ (٣) حيث قال: (الأسف: منزلة وراء الغضب أشد من ذلك) (٤)، وهو قول ابن عقيل، واختيار الزجاج (٥). المعنى الثاني: شدة الحزن.

стр. 263

قال ابن عباس ﵁: (والأسف على وجهين: الغضب والحزن) (١). وقال النحاس: (الأسف: الشديد الغضب المغيظ ويكون الحزين) (٢). وقال ابن منظور: (الأسف: المبالغة في الحزن والغضب) (٣). وأكثر العلماء على ذكر القولين (٤)، فكلاهما صحيح ولا تعارض بينهما فبالإمكان الجمع بينهما بما قال الرازي: (قال الواحدي: والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً، والأخرى غضباً؛ فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل، أسفاً حزيناً لأن الله تعالى فتنهم وقد كان تعالى قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه:٨٥]) (٥). وقال ابن عطية: (والأسف قد يكون بمعنى الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن، والمعنيان مترتبان ههنا) (٦). والله تعالى أعلم. سورة التوبة قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩]. ٦١/ ١ - قال ابن عقيل: (يعنى: حتى يبذلوها، وينزلوا على حكمنا فيها؛ للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام اهـ) (٧).

стр. 264

الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن معنى الإعطاء في الآية الالتزام بإعطاء الجزية، والنزول على حكم المسلمين، وهذان هما الشرطان لجواز عقد الذمة (١)، وذلك للإجماع بأن القتل يرتفع عنهم بعد الالتزام وقبل العطاء، ولأن العطاء يكون في آخر الحول باتفاق (٢)، ولقول النبي ﷺ في حديث بريدة ﵁: " فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " (٣). قال ابن قدامة: (ولا تعتبر حقيقة الإعطاء، ولا جريان الأحكام، لأن إعطاء الجزية إنما يكون في آخر الحول، والكف عنهم في ابتدائه عند البذل. والمراد بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا﴾ [التوبة:٢٩] أي يلتزموا الإعطاء، ويجيبوا إلى بذله، كقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، والمراد به: التزام ذلك دون حقيقته، فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول) (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة:٣٥].

стр. 265

٦٢/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾؛ لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله اهـ) (١). الدراسة: جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف .. "الحديث (٢). وقد التمس العلماء الحكمة من تخصيص هذه الأعضاء، ومن ذلك ما ذكره ابن عقيل في كلامه السابق، وهو من ألطفها، فالجزاء من جنس العمل. قال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء؟ قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية، ومن وجاهة عند الناس وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصوناً عندهم، يُتلقون بالجميل، ويُحَيون بالإكرام، ويُبجلون ويُحتَشمون، ومن أكل طيباتٍ يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمةٍ من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم لا يُخطِرون ببالهم قول رسول الله ﷺ : " ذهب أهل الدثور بالأجور " (٣).

стр. 266

وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازْوَرُّوا عنه (١)، وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم. وقيل: معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم) (٢). وقال ابن عاشور: (والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكي، فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام، وسُلك في التعبير عن التعميم مسلكُ الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم، تهويلاً لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة:٤٦]. ٦٣/ ٣ - قال ابن عقيل: (قال الله في حق قوم: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة:٤٦]، وأبان علة الكراهة، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة:٤٧]، فأبان علة عاقبتهم وتثبيطهم عن الخروج لمصلحة جيش رسول الله ﷺ لما أراد بجيشه الأصلح اهـ) (٤).

стр. 267

الدراسة: أبان ابن عقيل في كلامه على هذه الآية أن الله تعالى كره خروج المنافقين مع الرسول ﷺ ، والكره عند أهل الحق من صفات الله الحقيقية على ما يليق به سبحانه، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم المخلوق (١). قال ابن عثيمين: (وفي الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]- إثبات أن الله يكره، وهذا ثابت في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء:٣٨] ... وقال النبي ﷺ : " إن الله كره لكم قيل وقال " (٢)، فالكراهة ثابتة بالكتاب والسنة) (٣). وقد بين الله سبب الكراهة في الآية التالية لها، بأنهم لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا فساداً، ولأسرعوا المشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة (٤)، وفي منعهم وتثبيطهم الحكمة العظيمة: وهي مصلحة جيش النبي ﷺ ، لما أراد الله له الأصلح، وهذا هو ما عليه جميع المفسرين (٥).

стр. 268

قال الطبري: (وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله ﷺ والمؤمنين به؛ لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضروهم ولم ينفعوا) (١). وقال ابن كثير: (﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، أي: أبغض أن يخرجوا معكم قدراً ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾، أي: أخرهم، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة:٤٦]، أي: قدراً، ثم بين وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ التوبة:٤٧]) (٢). وقال ابن أبي العز: (فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله، وهو طاعة؛ فلما كرهه منهم، ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، أي: فساداً وشراً) (٣). وقال الشنقيطي: (إن الله تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا يخرجون إليها معه ﷺ ، والله ثبطهم عنها لحكمة، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآية [التوبة:٤٦]، وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]) (٤).

стр. 269

وقال السعدي: (﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] معكم في الخروج للغزو ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قدَراً وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم؛ بل خذلهم .. ) إلى أن قال: (ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، أي: نقصاً) (١). والله أعلم. قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة:٦٢]. ٦٤/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما وطلب رسول الله ﷺ ما ذكره الله في كتابه (٢)، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو اهـ) (٣). الدراسة: للعلماء في إفراد الضمير: ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] توجيهات كثيرة، أهمها ثلاثة: ١ - أن الإفراد جاء لتعظيم الله سبحانه. ٢ - أنه في حكم أمر واحد إذ في رضى الله رضى رسوله ﷺ (٤).

стр. 270

٣ - أن الكلام فيه جملتان، حُذف خبر أحدهما لدلالة الثاني عليه (١)، والتقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه. قال ابن عاشور: (وإنما أفرد الضمير في قوله: ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] مع أن المعاد اثنان؛ لأنه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك ... ) إلى أن قال: (ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين) (٢). ٤ - ما ذكره ابن عقيل، وهو أن هاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو. وكل ما ذكر من التوجيهات له حظ من النظر، وهذا من إعجاز القرآن. قال الرازي: (وأما قوله ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول، ففيه وجوه: الأول: أنه تعالى لا يُذكر مع غيره بالذكر المجمل بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيما له. والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله فاقتصر على ذكره ... الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ (٣) والرابع: أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر.

стр. 271

الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقاً لرضا الله تعالى، وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما، كما يقال: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني. السادس: التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك اهـ) (١). والله أعلم. قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ [التوبة:٨٠]. ٦٥/ ٥ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فقال النبي ﷺ : " والله لأزيدن على السبعين " (٢)، فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافها اهـ) (٣).

стр. 272

الدراسة: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن النبي ﷺ فهم من الآية أن ما زاد على السبعين من الاستغفار جائز، بدليل قوله ﷺ : " لأزيدن على السبعين "، وهذا استدلال بمفهوم العدد ودليل الخطاب، وهو حجة شرعية (١)، لولا أنه جاء في كتاب الله ما يبين المراد في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦]، وأن المراد بالسبعين مرة: التكثير، وهذا هو ما ذكره جمهور العلماء (٢). قال ابن حجر: (لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقياً) (٣). ولفظ السبعين قد جرى عند العرب مجرى المثل للتكثير، والرسول ﷺ أبلغ العرب (٤). قال الزركشي: (قالوا: المراد بها الكثرة، وخصوص السبعين ليس مراداً) (٥).

стр. 273

وقال البيضاوي (١): (وقد شاع استعمال السبعة، والسبعين، والسبعمائة، ونحوها في التكثير؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره) (٢). وعلى فرض صحة ما روي عن النبي ﷺ بلفظ الحديث السابق: " لأزيدن " فالجواب: ١ - فيجوز أنه ﷺ لم يعلم بَوَاطن المنافقين (٣). ٢ - ويجوز أنه قصد طلب المغفرة لهم لا لأجل أنه عقل ذلك من النطق، فلم يقل ليُغفر لهم؛ بل إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليهم (٤). ٣ - ويجوز أن يكون من جهة علمه أن هذا المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد في هذا المقام بخصوصه. ٤ - ويجوز أن لا يكون الفهم من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبي ﷺ وقد تحقق النفي في السبعين فبقي ما فوقها على الأصل. ٥ - أو أنه ﷺ إنما نهي عن الاستغفار لهم بعد ذلك (٥).

стр. 274

وإلا فقد قال الجصاص في لفظ رواية: (" لأزيدن على السبعين " وهذا خطأ من راويه) (١)، والذي في الصحيح قوله ﷺ : " لو أعلم أني لو زدت على السبعين يُغفر له، لزدت عليها " (٢)، فلم يعلق زيادة الاستغفار بالدليل، وإنما علقه بوجود طريق يعلم به أن الزيادة على السبعين تنفعهم (٣). ومما يؤيد ذلك كله: ما جاء في تمام الآية، حيث قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ [التوبة:٨٠]، فلم يكن النبي ﷺ ليسأل المغفرة للكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم، وقد نهي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة:١١٣]، إلا أن هناك معنى آخر (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة:١٠٤]. ٦٦/ ٦ - قال ابن عقيل: (﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من عباده اهـ) (٥).

стр. 275

الدراسة: مثَّل ابن عقيل لاستعمال [عن] بمعنى [من] بهذه الآية، وهو قول أبي يعلى (١)، والزمخشري (٢)، وابن عطية (٣)، والرازي (٤)، وابن هشام (٥)، والزركشي (٦)، وغيرهم (٧). قال الزمخشري: (يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى قبلته عنه: عزلته عنه وأبنته عنه) (٨). والشاهد على هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٦] بدليل قوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧] (٩). والأصل في معنى [عن] هو المجاوزة، ومع هذا المعنى، فهناك معان أخرى كثيرة، تستفاد من خصوصية كل سياق ترد فيه، دون أن يخرج هذا الحرف عن دلالته الأصلية (١٠). فإن قيل: فما سبب استعمال [عن] مكان [من]؟. فالجواب:

стр. 276

أن في استعمال [عن] في هذا الموضع تضمين الآية معنى العفو والصفح والتجاوز (١). أشار إلى هذا السمرقندي بقوله: (قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥] حتى يتجاوز عما عملوا قبل التوبة) (٢). كما أن في استعمال [عن] إشارة إلى تجاوز المذنب لحدوده، فهو بحاجة إلى استحضار هذا المعنى ليستوفي شروط التوبة فيحصل له القبول (٣). وقال أبو حيان: (﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: يزيد الرجوع عن المعاصي) (٤). وبتتبع قَبِل وتَقَبَّل في القرآن نجد أنهما تعديا بـ[من] إلا في ثلاثة مواضع كلها في سياق التوبة والتجاوز عن السيئات: أحدها: آية التوبة التي معنا، وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ [الشورى:٢٥]، وثالثها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٦]. فكان من حِكَم اختيارها إفادة معنى زائد لا يوجد عند استعمال [من] في موضعها، فقد أفادت معنى [من] وزادت عليها محو الذنوب وصرفها عنهم فضلاً منه ورحمة، وكأن الله ميز الأعمال الصالحة وعزلها عن الأعمال السيئة، فقبل الطيب منها وتجاوز عن السييء (٥).

стр. 277

قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة:١١٧]. ٦٧/ ٧ - قال ابن عقيل: (﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]، فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن (١): • لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة " (٢)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن اهـ) (٣). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: هل [الواو] تفيد الترتيب أم لا؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

стр. 278

القول الأول: أن الواو لا تفيد الترتيب وهو قول جمهور العلماء (١)، ورجحه ابن عقيل، واحتجوا بحديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان " (٢)، قالوا فرق النبي ﷺ بينهما وأمره بأحدهما ونهاه عن الأخرى، فعلم أن أحدهما يوجب الجمع والآخر الترتيب. القول الثاني: أنها توجب الترتيب وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي (٣)، واحتجوا: بما روي عن عدي بن حاتم ﵁ أنه قال حينما خطب رجل عند رسول الله ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي ﷺ : " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله " (٤)، قالوا: يعصهما يفيد الجمع، فالواو تفيد الترتيب لأنه لا يجوز أن يكون المنهي عنه هو المأمور به.

стр. 279

والقول الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب فحسب، بمعنى أن الواو تفيد: القدر المشترك بين الترتيب والمعية، فيدخل فيه جميع معاني الواو: المعية والترتيب وعدمه، والفاصل في ذلك حال المقام (١)، والجواب عما استدلوا به: أنه إنما أمره بذلك لئلا يجمع بين ذكر الله وذكر رسوله في ضمير واحد فهذا هو المنهي عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، ولم يقل: يرضوهما. ولأنه لو قال قائل: رأيت زيداً وعمراً، لم يفهم منه أنه رأى زيداً قبل عمرو، ولو كان المفهوم منه الترتيب لوجب إذا رآهما معاً، أو رأى عمراً قبل زيد أن يكون كاذباً في خبره، ولكنه يفيد الجميع (٢). المسألة الثانية: أكد ابن عقيل - بقوله: لعمري التي تفيد التأكيد وليس القسم إذ لا يجوز القسم إلا بالله تعالى أو صفاته (٣) - أن في هذه الآية مزية للمهاجرين في تقديمهم على الأنصار، ولا يلزم من ذلك أن تكون الواو للترتيب، بدليل تقديم النبي ﷺ للأنصار في رجزه مع الصحابة ﵃ ففهم منه أن الواو ليست للترتيب، ولهذا أشير لمسألة تفاضل الصحابة باختصار فأقول:

стр. 280

أولاً: أفضل أمة محمد ﷺ القرن الأول، ثم الذين يلونهم، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (١)، وجاءت تزكيتهم في القرآن في غير ما موضع، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة:١٠٠]، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة (٢). ثانياً: أن الصحابة ﵃ أصناف، ومن أصول أهل السنة والجماعة قبول ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم؛ فَيُقَدِّمون إجمالاً السابقين الأولين من المهاجرين ثم من الأنصار، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل الثبات في غزوة الأحزاب التي نجم فيها النفاق، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم من هاجر من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى (٣). قال شيخ الإسلام: (وتفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم تفضيل الأفراد على كل فرد، فإن القرن الثالث والرابع فيهم من هو أفضل من كثير ممن أدرك الصحابة) (٤).

стр. 281

ثالثاً: أما التفضيل تفصيلاً فهم متفاوتون، والمعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها أن أفضل الصحابة: الخلفاء الأربعة (١)، وأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر (٢)، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (٣)، لما جاء من حديث عمرو بن العاص ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة ". فقلت: من الرجال؟ قال: " أبوها "، فقلت: ثم من؟ فقال: " عمر بن الخطاب " (٤). ثم بعد أبي بكر و عمر: عثمان ثم علي ﵃ أجمعين. قال ابن أبي العز: (وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة) (٥). وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: (كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي الله ﷺ لا نفاضل بينهم) (٦).

стр. 282

ثم أفضل الناس بعد هؤلاء علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح، ثم من صلى القبلتين، ثم عموم من صحب النبي ﷺ (١). قال محمد بن عبدالوهاب (٢): (وأومن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃) (٣). وهذا التفاضل لا ينقص قدر أحد منهم كما قد يرد عند بعض الناس. قال شيخ الإسلام: (الكلام في تفضيل الصحابة يتقى فيه نقص أحد عن رتبته أو الغض من درجته أو دخول الهوى والفرية في ذلك كما فعلت الرافضة و النواصب الذين يبخسون بعض الصحابة حقوقهم) (٤). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة:١٢٢].

стр. 283

٦٨/ ٨ - قال ابن عقيل: (جعل الله تعالى طلب العلم فرضاً على الكفاية بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢]، بعد قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢] اهـ) (١). الدراسة: استفاد ابن عقيل من هذه الآية أن طلب العلم فرض على الكفاية، وهو استنباط صحيح (٢)، ولكنه ليس في كل العلوم بل في نوع منها، فإذا بحثنا عن الحكم الشرعي لطلب العلم وجدنا أنه يختلف باختلاف الحاجة إليه (٣)، فمنه ما هو فرض، ومنه ما هو محرم، والفرض منه ما هو على الكفاية، ومنه ما هو على الأعيان، وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على أن من العلم ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، واختلفوا في تلخيص ذلك (٤). فأقسام العلم الشرعي ثلاثة: القسم الأول: العلوم التي تعلمها فرض عين هي ما لا يسع الإنسان جهله من الفرائض كالشهادتين، والصلاة، وأركان الإسلام وما لا تتم إلا به، والمحرمات التي نص عليها الكتاب، أو السنة، أو أجمعت الأمة على تحريمه. القسم الثاني: العلوم التي تعلمها فرض كفاية هي ما لا بد للناس منها في إقامة دينهم من العلوم الشرعية، كحفظ القرآن والأحاديث، وعلومهما والأصول، والفقه، واللغة والتصريف، ومعرفة رواة الحديث، والإجماع، والخلاف، وكذلك العلوم التي يُحتاج إليها في قوام أمر الدنيا كالطب، والحساب، والصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالخياطة، والفلاحة ونحوهما (٥).

стр. 284

وحجتهم فيه ما احتج به ابن عقيل وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، فألزم النفير في ذلك البعض دون الكل ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم (١). قال الزمخشري: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢] اللام لتأكيد النفي، ومعناه: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح، ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن، ولم يؤد إلى مفسدة لوجب التفقه على الكافة) (٢). وقال القرطبي: (هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، والنبي ﷺ مقيم لا ينفر، فيتركوه وحده، فلو لا نفر بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم من كل فرقة منهم طائفة وتبقى بقيتها مع النبي ﷺ ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموهم، وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان) (٣). القسم الثالث: العلوم التي تعلمها على الاستحباب، كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية.

стр. 285

هذه أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم كتعلم السحر، ومنه ما هو مكروه كأشعار الغزل، ومنه ما هو مباح كالأشعار التي ليس فيها ما يعين على خير ولا شر (١)، وبهذا فقد حوى العلم جميع الأحكام التكليفية على حسب نوع العلم. والله أعلم. سورة يونس قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦]. ٦٩/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ بمعنى: والله شهيد على فعلهم حال فعلهم لا مرتباً على فعلهم، ويحتمل أن تكون على أصلها للتراخي بكون شهود الباري متراخياً عن وفاته ﷺ ؛ فإنه قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾ [يونس:٤٦] اهـ) (٢). _ الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: أن [ثم] حرف عطف يفيد الترتيب، ويقتضي تأخر ما بعده عما قبله (٣)؛ إما تأخيراً بالذات أو بالمرتبة أو بالوضع (٤)، وهذا هو مذهب الجمهور (٥). وذهب جماعة من العلماء إلى أن [ثم] بمنزلة [الواو] لا ترتب، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦] ومعلوم أن هذا الجعل كان قبل الخلق، والجواب على هذا من عدة أوجه:
следующие страницы →