← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال ابن عقيل: (والسبيل ههنا هو الطريق، ولا طريق يحصل الوعيد على سلوك غيره إلا ما يوجبه اجتهادهم؛ إذ كان ما أوجبه نص القرآن، أو تواتر السنة، فذاك سبيل الله ورسوله، أخص به من الإضافة إليهم، والمؤمنون ها هنا هم العلماء، إذ قد أجمعنا على أن العوام والجهال لا سبيل لهم يتبع، فلم يبق إلا العلماء، وقد تواعد على اتباع غير سبيلهم، فثبت أن سبيلهم حق متبع ودليل مرشد، والمخالف له مستحق للعقاب بالوعيد المنصوص في الآية، إذ ليس بين سبيلهم وبين سبيل غيرهم قسم ثالث، فتعين اتباع سبيلهم حيث حصل الوعيد على اتباع غير سبيلهم اهـ) (١). المطلب الثالث اهتمامه بالقياس: القياس: هو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (٢). ولا يمكن القياس إلا لمن وصل مرتبة الاجتهاد بحيث يحيط بطرق الأحكام التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها. ومن الأمثلة التي استعمل فيها ابن عقيل القياس ما يلي: - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. قال ابن عقيل: (فأما القياس الواضح فمثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فذِكْر الإحصان ينبه بأعلى حالتيهما على أدناهما، وذكر نصف العذاب يوضح أن العلة فيه الرق، فيلحق بها العبد في نقصان الحد اهـ) (٣). - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]. قال ابن عقيل: (والمحصنات ههنا الحرائر، ثم قاس العلماء عليهن حد العبيد اهـ) (٤).

стр. 72

المطلب الرابع منهجه في الاستنباط: وصل ابن عقيل مرتبة عليَّة، حتى عده العلماء من أهل الرأي والاجتهاد والاستنباط قال عنه ابن رجب: (وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم، وكان خبيراً بالكلام، مطلعاً على مذاهب المتكلمين، وله بعد ذلك في ذم الكلام وأهله شيء كثير) (١). ويقول الذهبي: (وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير) (٢). وبين ابن عقيل عدم جواز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الخالي من العلم والنقل؛ للنهي عن ذلك بالأدلة الصريحة، منها: ما روي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " (٣). وأما التفسير بالرأي ممن توفر فيه العلم بالأدلة وكيفية استنباط الأحكام منها لغة وشرعاً فلا حرج عليه. قال ابن عقيل: (فأما نقل التفسير عن الرواية فقربة وطاعة، وقد فسر أحمد وأول كثيراً من الآي، على مقتضى اللغة) (٤). وقال ابن تيمية بعد ذكر جملة من الآثار التي تدل على تحرج السلف من التفسير: ... (وهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد) (٥). وأما ما توصلت إليه من منهج ابن عقيل في الاستنباط عموماً فأقول فيه ما يلي:

стр. 73

١ - أنه فتح لنفسه العنان في طلب العلم دون تمحيص لنوع العلم والمعلم. قال ابن كثير: (وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، فربما لامه بعض أصحابه فلا يلوي عليهم فلهذا برز على أقرانه، وبزَّ أهل زمانه في فنون كثيرة) (١). وقال ابن رجب: (كان أصحابنا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀ (٢). ٢ - أنه لما توسعت معارفه واطلاعاته مع ما وهبه الله من الذكاء كثرت آراؤه فأعمل عقله، ولذلك قد يعتقد فيبني على اعتقاده الأدلة، ومن ذلك قوله: (قال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فالأحق أن يكون الشفاء حقيقة مضافاً إلى الخالق سبحانه، والعسل عنده الشفاء، والماء يوجد عند نزوله الإنبات، والمنبت حقيقة هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقول: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ [فاطر:٩]، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ [النحل:١١]، وقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠] يعني: أنبتنا لكم عنده، وقد أضاف الله سبحانه الإضلال إلى الأصنام والسامري، والضلال فيهم لا بهم) (٣).

стр. 74

٣ - أنه اجتهد في كثير من المسائل وانفرد بأقوال كثيرة عن مذهبه، وبيَّن أنه يتبع الدليل دون الأشخاص، قال عنه ابن رجب: (وكان ﵀ بارعاً في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة، وكانت له يد طولى في الوعظ والمعارف، وكلامه في ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة وإشارات دقيقة) (١). ٤ - اهتم ابن عقيل بالاستدلال على استنباطاته بالإجماع، أو بالقرآن، أو بالسنة، أو بأقوال الصحابة، أو بأقوال أهل اللغة، أو بالقياس، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك (٢). ٥ - أنه يتلذذ حينما يجتهد في المسائل، ويستنبط الصواب فيها، حيث يقول عن نفسه: (عندي أن من أكبر فضائل المجتهد أن يتردد في الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه، وإذا وقف على أحد المترددين دله على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو له حجة، وكل قلب لا يقرعه التردد، فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له، ويسمع من غيره) (٣). ٦ - أنه يُقدِّر من يهتم بالاستنباط على غيره، ويوصي بعدم التقليد والجمود في مسائل العلم المتنوعة. ٧ - السرعة في الاستنباط، واستحضار الأدلة في المسائل التي يسأل عنها، مما جعله يشتهر أيضاً بالمناظرات مع كبار العلماء. قال ابن الجوزي: (وأفتى ابن عقيل، ودرَّس، وناظر الفحول) (٤). ٨ - ذكر ابن عقيل من وجوه ترجيح إحدى القراءات على الأخرى: كثرة من عليها من القراء، أو شهادة الأصول لها، أو كونها في اللغة أظهر، أو كونها موجِبة والأخرى مسقطة، أو كون إحدى القراءتين أعم بحيث تدخل القراءة الأخرى في معناها (٥).

стр. 75

٩ - أنه يستنبط من الآيات أبعد من المعاني الظاهرة التي تتبادر لمن قرأ الآية، حيث يقول عند قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]: (قبلة: جهة للطاعات ومستقبلاً لله سبحانه في العبادات، ومن كان مأموراً أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا، وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقاً، وجعلوا بيوتهم قبوراً) (١). وقال في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣]: (وقد نفى سبحانه التفاوت عن أفعاله، فكان ذلك تنبيهاً على نفي النقائص عن صفاته اهـ) (٢). ١٠ - يستنبط أحياناً ضوابط يدخل تحتها كثيراً من المسائل حيث يقول: (إذا كنى الله سبحانه عن العبادة ببعض ما فيها من أركانها وتوابعها دل على وجوبه فيها، وكون ذلك الشيء من لوازمها وفروضها، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] قال ابن عقيل: (لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها) (٣).

стр. 76

الفصل الثالث علوم القرآن عند ابن عقيل وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الناسخ والمنسوخ. المبحث الثاني: أسباب النزول. المبحث الثالث: المحكم والمتشابه. المبحث الرابع: العام والخاص.

стр. 77

المبحث الأول الناسخ والمنسوخ: يأتي علم الناسخ والمنسوخ في المرتبة الأولى بين سائر علوم القرآن الكريم. قال مكي بن أبي طالب (١): (وإن من آكد ما عُني أهلُ العلم والقرآن بفهمه وحفظه والنظر فيه من علوم القرآن، وسارعوا إلى البحث عن فهمه وعلمه وأصوله: علمَ ناسخ القرآن ومنسوخه، فهو علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهلُه) (٢). وقال القرطبي: (معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام) (٣). فلا يجوز لأحد أن يفسر كلام الله حتى يعرف الناسخ والمنسوخ؛ إذ يتوقف على معرفته معرفة الحلال والحرام، وكثير من الأحكام، وقد اهتم السلف الصالح بهذا العلم حتى إنهم يستعظمون بل ويمنعون أن يفتي أو يحدث الناس من لا يعرف الناسخ والمنسوخ. قال علي بن أبي طالب ﵁ لقاصٍّ (٤): (أعرفت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت) (٥). ومن ثمَّ اهتم العلماء بمعرفة الناسخ والمنسوخ وبيان أصوله وأحواله، وكان لابن عقيل نصيب كبير في هذا الباب فقد تحدث في أصوله وفصوله من جميع الجوانب مما يمكن أن يفرد بدراسة مستقلة في علوم القرآن عند ابن عقيل (٦).

стр. 78

ومن الأمثلة التفسيرية لابن عقيل في هذا الباب ما يلي: قال ابن عقيل في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦]: (يعني: خيراً لكم، وإلا فالقرآن نفسه لا يتفاضل، لكونه كلاماً لله سبحانه، وصفة من صفاته التي لا تحتمل التفاضل والتخاير. وما هو خير لنا يحصل من وجوه: أحدها: في السهولة المخففة عنا ثقل التكليف، وذلك خير من وجهين: أحدهما: انتفاء المشقة على النفس، والثاني: حصول الاستجابة والمسارعة، فإن النفوس إلى الأسهل أسرع، وإذا أسرعت الاستجابة، تحقق إسقاط الفرض، وحصول الأجر. والثاني من وجوه الخير: كثرة المشقة التي يتوفر بها الثواب، قال النبي ﷺ لعائشة: " ثوابك على قدر نصبك " (١). وقد يكون الخير الأصلح الذي لا نعلم وجهه. وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: في السهولة أو الصعوبة أو المثوبة. فإن قيل: فما أفاد التبديل بالمثل شيئاً، إذا كان المثل ما سد مسد مثله ... ) (٢). وقال أيضاً: (قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، ثم نسخ إلى الصوم حتماً وتعييناً من غير تخيير، مع الإقامة والصحة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]) (٣).

стр. 79

وقال أيضاً: (قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة:١٢]، نسخ ذلك الوجوب إلى جواز فعلها وجواز تركها بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٣]) (١). المبحث الثاني أسباب النزول: معرفة أسباب النزول من الأمور المهمة في فهم الآيات ووضوحها، ومعرفة تاريخها، والترجيح بين معانيها. قال الواحدي (٢): (أسباب النزول هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها، وبيان سبب نزولها) (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب) (٤). واعتماد العلماء في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن النبي ﷺ أو عن الصحابة لمشاهدتهم أحوال نزول القرآن. قال الواحدي: (لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدُّوا في الطلب) (٥).

стр. 80

وذهب السيوطي إلى أن قول التابعي إذا كان صريحاً في سبب النزول فإنه يقبل، ويكون مرسلاً إذا صح المسند إليه، وكان من أئمة التفسير واعتضد بمرسل آخر (١). ولما كان لأسباب النزول هذه المكانة العالية اعتنى فيه العلماء والباحثون ومنهم ابن عقيل الذي لم يغفل هذا الجانب، ومن أمثلة اهتمامه بأسباب النزول ما يلي: قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود:١١٤]: ... (نزلت في الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن استمتاعه من المرأة الأجنبية بكل ما يستمتع به الرجل من زوجته إلا الجماع؛ فأنزل الله هذه الآية اهـ) (٢). وقال أيضاً: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى: لأخصمن محمداً، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي ﷺ تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكراً لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (٣).

стр. 81

المبحث الثالث المحكم والمتشابه: موضوع هذا المبحث من الموضوعات المهمة الشائكة في علوم القرآن؛ لأنه لم ينل حظه من البحث والدراسة في جميع جوانبه، وقد اختلف العلماء في تعريف المحكم والمتشابه (١): فقال النحاس (٢): (وأجمع هذه الأقوال: أن المحكم ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج إلى استدلال، والمتشابه: ما لم يقم بنفسه واحتاج إلى استدلال) (٣)، وهذا هو ما اختاره ابن عقيل (٤). وقد توقف بعض العلماء عن الكلام في المتشابه، ووضح الأمر شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: (والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله، وطلب فهمه ومعرفة معناه، فلم يذمه الله، بل أمر بذلك ومدح عليه) (٥). وقد اجتهد العلماء في ما يتعلق بالمحكم والمتشابه في كتاب الله جل وعلا، ومن أولئك ابن عقيل الذي أفرده بفصول في الواضح (٦)، ومن أمثلة اهتمامه في هذا الباب ما يلي: قال ابن عقيل: (﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام:٧٦]، أزال الاشتباه من قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ [الأنعام:١٥٨]، ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، وأنه ليس بالانتقال المشاكل لأفول النجوم اهـ) (٧).

стр. 82

وقال أيضاً: (﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] روح ملك، وإضافة تجميل وتقريب كقوله في الكعبة ﴿بَيْتِيَ﴾ [البقرة:١٢٥]، وتسميته روح آدم ﴿رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]، لا أن البيت مسكنه، ولا الروح صفته، لكن خلقه، وبَجَّلَهُما بالإضافة إليه، وكفى بذلك تعظيماً وتشريفاً اهـ) (١). وقال أيضاً: (والذي أزال إشكال قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]، ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، قولُه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] اهـ) (٢). المبحث الرابع العام والخاص: الأصل حمل نصوص القرآن العامة على عموم لفظها ما لم يرد نص بالتخصيص، فكان السلف رضوان الله عليهم يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم (٣). ولهذا فمعرفة العام والخاص مهم في فهم الآية ودلالتها. قال الزركشي: (قال القفال: ومن ضبط هذا الباب أفاد علماً كثيراً) (٤). والخاص المتأخر يؤثر في العام المتقدم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والخاص المتأخر يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين) (٥). وعلى هذا فالبحث في العام والخاص، والتتبع لأدلة التخصيص من الأهمية بمكان. ولقد أولى ابن عقيل هذا الباب عناية كبيرة، وبسط الكلام فيه في صفحات كثيرة (٦). ومن الأمثلة التي تدل على اهتمامه بالخاص والعام ما يلي:

стр. 83

قال ابن عقيل: (﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] والمراد به كل الحرائر من المطلقات بوائن أو رجعيات، وقال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ يرجع إلى الرجعيات، فالأول على عمومه، والآخر خاص في الرجعيات اهـ) (١). وقال أيضاً: (قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود:٤٥] تمسكاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٢٧]، وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] فأجابه الباري سبحانه عن ذلك جواب تخصيص لا جواب نكير عليه ما تعلق به العموم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فدل على أن اللفظة عموم، ولولا دليل أخرج ابنه من أهله؛ لكان داخلاً تحت اللفظ اهـ) (٢). وقال أيضاً: (لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قال ابن الزِّبعرى: لأخصمن محمداً، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي ﷺ تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكراً لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 84

القسم الثاني أقوال ابن عقيل في التفسير - من أول القرآن إلى آخره - مع دراستها

стр. 85

سورة الفاتحة قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦]. ١/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، المراد به: أدم لنا ما منحتنا من هدايتك اهـ) (١). الدراسة: ذكر العلماء في تفسير قوله تعالى: قال تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] أقوالاً منها: الأول: ثبتنا وأدم الهداية لنا (٢)، وهذا هو قول ابن عقيل، وهو مروي عن عليّ، وأُبيّ بن كعب (٣) ﵄. الثاني: أرشدنا، ذكره ابن كثير في تفسيره (٤). الثالث: وفقنا وألهمنا، وهذا تفسير ابن عباس ﵁ (٥)، وتضمنه لهذا المعنى لأن الهداية عديت بنفسها (٦). قال الطبري: (وإلهامه إياه ذلك هو توفيقه له) (٧). وقال أيضاً: (والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي، أعني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أن يكون معنياً به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك ... ) (٨). الرابع: زدنا هداية (٩).

стр. 86

وكل الأقوال صحيحة في هذه الكلمة إذ أن الدعاء بها ليس تحصيل حاصل (١)، ولكن العبد محتاج إليها على جميع المعاني التي ذكرها العلماء. قال ابن القيم: (والعبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس في جميع ما يأتيه ويذره، فإنه بين أمور لا ينفك عنها: أحدها: أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلاً فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها. أو يكون عارفاً بالهداية فيها، فأتاها على غير وجهها عمداً فهو محتاج إلى التوبة منها. أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علماً ولا عملاً ففاتته الهداية أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علماً ولا عملاً ففاتته الهداية إلى علمها ومعرفتها وإلى قصدها وإرادتها وعملها. أو أمور قد هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها. أو أمور قد هدي إلى أصلها دون تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل. أو طريق هدي إليه، وهو محتاج إلى هداية أخرى فيها ... إلى أن قال: وكذلك أيضاً ثَمَّ أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي. وأمور هو خال عن اعتقاد حق أو باطل فيها، فهو محتاج إلى هداية الصواب فيها. وأمور يعتقد أنه فيها على هدى وهو على ضلالة ولا يشعر، فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله. وأمور قد فعلها على وجه الهداية، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها، ويرشده وينصحه، فإهماله ذلك يفوت عليه من الهداية بحسبه، كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح له باب الهداية؛ فإن الجزاء من جنس العمل .. ) (٢).

стр. 87

وقال ابن كثير: (كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ وهل هذا من تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الله الهداية لما أرشده الله إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ... ) (١). سورة البقرة قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة:٣٨]. ٢/ ١ - قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه لآدم وحواء: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ وهذا خطاب الذكور اهـ) (٢). الدراسة: ذكر ابن عقيل هذا ضمن أدلة من قال بدخول النساء في مطلق الأمر. والمسألة المستفادة هنا هي: مسألة تغليب جمع الذكور، ولبيان هذه المسألة أقول: إن ... الجمع لا يخلو من إحدى هذه الصور: الأولى: أن يكون مفرد الجمع لا يصح إطلاقه على النساء، كالرجال، فهو جمع خاص بالرجال اتفاقاً. الثانية: أن يكون مفرده لا يصح إطلاقه على الرجال، كالبنات، فهو جمع خاص بالنساء اتفاقاً. الثالثة: أن يكون ذلك الجمع متناولاً للذكور والإناث لغة ووضعاً، كالناس فإنه يتناول الذكور والإناث بالاتفاق (٣).

стр. 88

أما الصورة الرابعة التي فيها الخلاف فهي: إذا كانت علامة الذكور فيه واضحة بينة، كجمع المذكر، نحو: المؤمنين، وقد اتفق أهل اللغة على تغليب جمع الذكور مع دخول النساء فيه. قال ابن منظور (١): (وإنما المستجاز من ذلك رد التأنيث إلى التذكير؛ لأن التذكير هو الأصل بدلالة أن الشيء مذكر وهو يقع على المذكر والمؤنث فعلم بهذا عموم التذكير وأنه هو الأصل الذي لا ينكر) (٢). ونُقل عن بعض اللغويين أن هذا قول جميع النحويين (٣). أما اختلاف العلماء ففي مسألة اندراج النساء تحت لفظ جمع المذكر؛ هل هو بالتغليب أو بأصل الوضع؟ فقد ذهب ابن عقيل وجماعة من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن قدامة (٤) ورواية عن الإمام أحمد وهو قول لابن داود (٥) إلى أن دخول النساء في جمع المذكر بأصل الوضع واستدلوا بأدلة من أهمها: استخدام العرب والآية التي معنا.

стр. 89

وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد أن النساء لا يدخلن في ذلك بأصل الوضع بل بالتغليب، واختارها من الحنابلة أبو الخطاب (١)، والطوفي (٢)، واستدلوا بأدلة من أهمها: ما روي عن أم سلمة ﵂ قالت: (يا رسول الله، ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ .. فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب:٣٥]) (٣).

стр. 90

والحاصل الملخص: هو القول بأن دخول النساء في جمع المذكر راجع للسياق والقرائن، فسماه بعضهم تغليباً، والآخرون أصلاً، وبهذا تتفق الأقوال (١)، ولذا يستدل من قال بدخولهن بأصل الوضع بدلالة التغليب للذكور، وأما أن يفسر قول من قال بدخول النساء في جمع المذكر بأصل الوضع بأنه ينصرف جمع المذكر للنساء كما ينصرف إلى الرجال على حد سواء فهذا لا يسوغ، للقطع باختصاص الذكور بهذه الصيغة لغة واختصاص النساء بغيرها، وإجماع أهل اللغة على ذلك، ولذا قال أبو المعالي (٢): (وما ذكره هؤلاء من تغليب علامة التذكير عند محاولة التعبير عن الجنسين فصحيح في الجملة، ولكنهم لم يفهموه على وجهه؛ فإن ما ذكروه سائغ إن أريد، فأما أن يقال: وضع اللسان على أن المسلمين مسترسل على الرجال والنساء استرساله على آحاد الرجال فلا، والذي ذكروه صالح لو أريد، وليس في اللسان القضاء به إلا عند قرينة شاهدة عليه) (٣). وقد قال ابن عقيل ضمن جوابه على دليل من منع الدخول بأصل الوضع: (وإن قلنا: إنهن يدخلن، فإنما يدخلن من جهة الظاهر، فأما من جهة الصريح والنص فلا .. ) (٤)، فالصواب أن تناول صيغة جمع المذكر للنساء بقرينة شرف الذكورية وتسمى التغليب وهو واقع في اللغة كما سبق، وتدخل النساء في جمع المذكر حسب دلالة العرف، وكذا دلالة الشرع؛ لأن عموم الأحكام الشرعية شاملة للجنسين (٥).

стр. 91

قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة:٤٣]. ٣/ ٢ - قال ابن عقيل: (ومثل قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بين ذلك في كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم ﵁ في الزكوات والديات (١)، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر في الصدقات (٢) اهـ) (٣). الدراسة: هذه المسألة التي أشار إليه ابن عقيل من المسائل الواضحة، فلا نجد في القرآن الأحكام التفصيلية لمقادير الزكاة؛ وإنما بينها النبي ﷺ في سنته بياناً شافياً كافياً. وقد أشار إلى هذا القرطبي بقوله: (فالزكاة في الكتاب مجملة بينها النبي ﷺ ) (٤). وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: (ويكون البيان - يعني من النبي ﷺ بالكتابة أيضاً: كنحو الذي كتبه لعمرو بن حزم في الصدقات والديات وسائر الأحكام، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر الصديق في الصدقات) (٥). والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة:٤٦].

стр. 92

٤/ ٣ - قال ابن عقيل: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ والمراد به: يعلمون اهـ) (١). الدراسة: بيّن ابن عقيل معنى الظن في الآية: بأنه العلم، والظن في اللغة يطلق على معنيين متضادين. قال ابن فارس (٢): (الظاء والنون أُصيل صحيح، يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك) (٣). وقال ابن منظور: (الظن شك ويقين إلا أنه ليس بيقين عيان، إنما هو يقين تدبر، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم) (٤). وقال الطبري: (إن العرب قد تسمي اليقين ظناً، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفة، والضياء سُدْفة، والمغيث صارخاً، والمستغيث صارخاً، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده) (٥). وقد ذهب الجمهور (٦) إلى أن معنى الظن في هذه الآية: العلم واليقين (٧). وقيل: إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم

стр. 93

يتوقعون لقاءه مذنبين، ذكره الماوردي (١)، ونسبه ابن عطية (٢) للمهدوي (٣)، وقال: (وهذا تعسف) (٤)، وقد أصاب ﵀ فسياق الآية يدل على أن معناه في هذا الموضع: اليقين، وهو قول عامة المفسرين سلفاً وخلفاً. قال قطرب (٥): (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ .. فهذا يقين، ولو كان شكاً لم يجز في ذلك المعنى، وكان كفراً، ولكنه يقين) (٦). وقال البغوي: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يستيقنون، فالظن من الأضداد يكون شكاً ويقيناً) (٧). وقال ابن كثير: (أي يعلمون) (٨).

стр. 94

وقال الشنقيطي: (المراد بالظن هنا اليقين) (١). وقد ذكر ابن عاشور (٢) السر في التعبير بالظن بدلاً عن العلم واليقين: هو أن لفظ الظن مشترك بين الاعتقاد الجازم وبين الاعتقاد الراجح (٣) فيشمل المعنيين كما هو المراد في الآية بخلاف لفظ العلم واليقين فيقتصر على الاعتقاد الجازم. والله تعالى أعلم. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة:٧٨]. ٥/ ٤ - قال ابن عقيل: (﴿أَمَانِيَّ﴾ يعني: تلاوة اهـ) (٤). الدراسة: فسر ابن عقيل كلمة: ﴿أَمَانِيَّ﴾ في هذه الآية بالتلاوة، وهو قول للكسائي، والزجاج (٥)، والفراء (٦)، وابن اليزيدي (٧)، ومستندهم قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، أي: في تلاوته (٨)، وهذا هو القول الأول في معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾.

стр. 95

القول الثاني: ذهب ابن عباس ومجاهد (١) إلى أن معنى الأماني الكذب، واختاره الفراء (٢)، ورجحه الطبري بقوله: (وأولى ما روينا في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ بالحق وأشبهه بالصواب، الذي قاله ابن عباس - الذي رواه عنه الضحاك (٣) - وقول مجاهد: أن الأميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئاً، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذباً وزوراً) (٤). القول الثالث: ذهب قتادة (٥) إلى أن معنى الأماني: أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم (٦).

стр. 96

القول الرابع: أن الأماني: التقدير، يقال: منى لك الماني أي قدر لك المقدر، قاله ابن فارس (١)، والجوهري (٢)، والراغب الأصفهاني (٣). وعند التأمل في هذه المعاني لا نجد بينها تعارضاً؛ بل الكلمة تحتملها جميعاً. قال ابن فارس: (الميم والنون والحرف المعتل أصل واحد صحيح، يدل على تقدير شيء ونفاذ القضاء به) (٤)، فالتلاوة تقدير ووضع كل آية موضعها (٥)، وكذلك هي تقدير لا يتبعه عمل وفهم للمتلو، وكذلك الكذب تقدير ما لا حقيقة له، والتمني كالمقدمة له، كما قال الراغب: (ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمني كالمبدء للكذب فصح أن يعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما روي عن عثمان ﵁: ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت ... ) (٦)، ولذا فسرها جمع من أهل العلم بأكثر من معنى بلا ترجيح (٧).

стр. 97

قال ابن تيمية بعد ذكر الأقوال في قوله تعالى: ﴿أَمَانِيَّ﴾: (والآية تعمها فإنه قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾،لم يقل: لا يقرؤون ولا يسمعون، ثم قال: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وهذا استثناء منقطع؛ لكن يعلمون أماني: إما بقراءتهم لها، وإما بسماعهم قراءة غيرهم، وإن جعل الاستثناء متصلاً كان التقدير: لا يعلمون الكتاب إلا علم أماني، لا علم تلاوة فقط بلا فهم، والأماني جمع أمنية وهي التلاوة ... ) (١). وهذا لا يمنع من كون بعضها أولى من بعض؛ لأن العبارات وإن كانت ترجع لمعنى واحد، إلا أن السياق أو غيره من القرائن يقوي أحدها، ولأجل هذا فقد رجح الطبري - كما سبق - القول الثاني، وعلل ذلك بقوله: (والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك، وأنه أولى بتأويل قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ من غيره من الأقوال قول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظناً منهم لا يقيناً، ولو كان معنى ذلك أنهم يتلونه لم يكونوا ظانين ... الخ) (٢). وقال الفراء في القول الثاني: (وهذا أبين الوجهين) (٣). وقال الشنقيطي بعد ذكره للقول الأول: ( .. وهذا القول لا يتناسب مع قوله: ... ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ لأن الأمي لا يقرأ) (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 98

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة:٩٣]. ٦/ ٥ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ وحذف حب العجل، ولو ذكر حب العجل لكان هو الحقيقة اهـ) (١). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: هل في القرآن مجاز؟ الخلاف في ذلك مشهور معروف: عرَّف العلماء المجاز: بأنه استعمال الكلام في غير ما وضع له لقرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، وقسيمه الحقيقة: وهي الكلام الذي استعمل فيما وضع له في الأصل (٢). وقد اختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن: فذهب بعض العلماء إلى منع وجود المجاز في اللغة، ورجح هذا القول وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية وألف رسالة في الحقيقة والمجاز (٣)، ورد القول بوقوعه، وما تذرع به من قال به، وأبطل الحد الذي حد به (٤).

стр. 99

ومن كلامه أنه قال: (لم ينقل أحد قط عن أهل الوضع أنهم قالوا: هذا حقيقة وهذا مجاز، بل ولا ذكر هذا أحد عن الصحابة الذين فسروا القرآن وبينوا معانيه، ولا من بعدهم، ولا غير هؤلاء، ولا أحد من أئمة الفقه الأربعة وغيرهم، وإنما وجد في كلام أحمد بن حنبل لكن بمعنى آخر (١)، كما أنه وجد في كلام أبي عبيدة معمر بن المثنى بمعنى آخر (٢)، ولم يوجد أيضاً تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في كلام أئمة النحو واللغة: كأبي عمرو بن العلاء، والأصمعي، والخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء، ولا يعلمه أحد من هؤلاء عن العرب) (٣). وتبعه تلميذه ابن القيم، وعقد له فصلاً في الصواعق المرسلة قال فيه: (كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز من خمسين وجهاً) (٤). وذهب كثير من العلماء إلى القول بالمجاز في اللغة، ثم اختلف هؤلاء في جواز إطلاقه في القرآن: فمنهم من أجازه، وهو مذهب جمهور أهل الأصول (٥)، ومنهم من منعه (٦).

стр. 100

وقد ألف الشنقيطي رسالة في منعه سماها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) تكلم فيها عن المسألة، وحرر رأيه بقوله: (والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقاً على كلا القولين، أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة وهو الحق؛ فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن، وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه .. ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن) (١). ثم أجاب بأجوبة سديدة على ما ادعي فيه المجاز في كتاب الله تعالى (٢). ولا بد من العلم بأن حقيقة الخطاب هو ما أراده المتكلم في خطابه، كما قال ابن القيم في الصواعق المرسلة: (الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى، وأن القصدين متنافيان، وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى) (٣). ولو قيل بالمجاز لأصبح أكثر كلام الناس لا حقيقة له، وهذا مما يضعف القول به ويرده. قال ابن القيم: (وقد قال بعض أئمة النحاة: أكثر اللغة مجاز، فإذا كان أكثر اللغة مجازاً سهل على النفوس أنواع التأويلات، فقل ما شئت، وأول ما شئت، وأنزل عن الحقيقة ولا يضرك أي مجاز ركبته) (٤). فإذا قيل مثلاً: قطع الأمير يد زيد. قيل: هل قطعها حساً أو معنى؟ وهل قطعها بنفسه؟ أو أمر بذلك؟ وهكذا. المسألة الثانية: ذكر العلماء في تفسير هذه الآية قولين:

стр. 101

القول الأول: أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل، وهذا هو قول قتادة وأبي العالية (١)، وذلك أن من عادة العرب إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض استعملوا لفظ الشراب لأنه أبلغ ما يتغلغل في البدن، ولو قيل: إنهم أحبوا العجل لم تكن هذه المبالغة (٢)، ويكون هذا من باب حذف المضاف وهو الحب، وحلول المضاف إليه مقامه اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام فيكون كالمذكور، إذ كان معلوماً أن العجل لا يُشرِبُ القلبَ، وأن الذي يُشرِب القلبَ منه حبه، وهو مستعمل كثيراً، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣]، وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، والمراد: أهل القرية. القول الثاني: أنهم سقوا الماء الذي ذُرِّي فيه سُحالة العجل، وهذا هو قول السدي (٣)، وابن جريج (٤)، ودليل تذريته في البحر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾ [طه:٩٧].

стр. 102

والراجح بعد النظر في القولين: القول الأول وهو الذي قال به ابن عقيل، ويؤيده ما قاله الطبري: (وأولى التأويلين الذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، تأويل من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، لأن الماء لا يقال منه: أُشرِب فلان في قلبه، وإنما يقال ذلك في حب الشيء) (١). ومنه قوله ﷺ : " تعرض الفِتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشرِبها نُكِت فيه نُكتة سوداء .. " الحديث (٢). قال النووي: (معنى أُشربها دخلت فيه دخولاً تاماً وألزمها وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣] أي حب العجل) (٣). وهو ما رجحه الفراء (٤)، وابن الجوزي (٥)، والبغوي (٦)، وابن عطية (٧)، والقرطبي (٨). وهذا من إيجاز الحذف، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: أهلها. فالإيجاز ضربان: أحدهما: إيجاز الحذف وشرطه أن يكون في اللفظ دلالة على المحذوف.

стр. 103

والثاني: إيجاز القصر، وهو ما ليس بحذف، لكن معناه كثير يزيد على لفظه (١) كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]، ولأجل تحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل حسن الإيجاز بنوعيه (٢)، ومن قواعد التفسير: أن القرآن بلغة العرب والعرب تحذف ما كفى منه الظاهر في الكلام إذا لم تشك في معرفة السامع مكان الحذف (٣). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ [البقرة:٩٤ - ٩٥]. ٧/ ٦ - قال ابن عقيل: (﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥] وأخبر سبحانه عن تمنيهم الموت في النار، وأنهم يقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: ليمتنا؛ فبان بذلك أنه أراد بالأبد: مدتهم في الدنيا، ومبلغ أعمارهم اهـ) (٤). الدراسة: تناول ابن عقيل في كلامه مسألتين: المسألة الأولى: نفى ابن عقيل أن يكون المراد بالأبد ما لا نهاية له، وعلى هذا فالمراد بالآية: أن اليهود لن يتمنوا الموت مدة بقائهم في الدنيا، ويؤيد هذا أن الله ذكر تمنيهم الموت في النار بقوله سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فالأبد مدة من الزمان مهما طالت، وهو في الآية أبدٌ من الآباد، وهذا هو قول عامة العلماء في معنى الأبد، وفي المراد به بالآية.

стр. 104

قال الطبري: (﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]: يعني به: ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرهم بالله) (١). وقال ابن فارس: (الهمزة والباء والدال يدل بناؤها على طول المدة) (٢). وقال البغوي: (ولن لا تكون للتأبيد (٣)، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥] إخباراً عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]) (٤). ومثله قال ابن الجوزي (٥). ومما يؤيد هذا أيضاً حديث سراقة بن مالك في الحج حينما سأل النبي ﷺ عن المتعة فقال: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد " (٦). والمراد بأبد الأبد في هذا الحديث: إلى نهاية الدنيا. قال ابن الأثير (٧): (والأبد: الدهر، أي: هي لآخر الدهر) (٨). المسألة الثانية:

стр. 105

فسر ابن عقيل القضاء بالموت، والقضاء في اللغة: إحكام الأمر وإتقانه، والموت أمر محكم ومتقن، ولذلك سمي قضاء. قال ابن فارس: (القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته ... وسميت المنية قضاء لأنه أمر يُنْفَذ في ابن آدم وغيره من الخلق) (١). وهذا التفسير تؤيده الأدلة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] أي: قتله (٢). وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: مات على ما عاهد عليه (٣). قال الطبري: (قالوا: ليمتنا ربك، فيفْرُغ من إماتتنا) (٤). وقال السمرقندي (٥): (﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني: ادع لنا ربك لقبض أرواحنا) (٦). وتتابع العلماء على هذا التفسير (٧). والله أعلم.

стр. 106

قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة:١٠٦].٨/ ٧ - قال ابن عقيل: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يعني: خيراً لكم، وإلا فالقرآن نفسه لا يتفاضل، لكونه كلاماً لله سبحانه، وصفة من صفاته التي لا تحتمل التفاضل والتخاير. وما هو خير لنا يحصل من وجوه: أحدها: في السهولة المخففة عنا ثقل التكليف، وذلك خير من وجهين: أحدهما: انتفاء المشقة على النفس، والثاني: حصول الاستجابة والمسارعة، فإن النفوس إلى الأسهل أسرع، وإذا أسرعت الاستجابة، تحقق إسقاط الفرض، وحصول الأجر. والثاني من وجوه الخير: كثرة المشقة التي يتوفر بها الثواب، قال النبي ﷺ لعائشة: " ثوابك على قدر نصبك " (١). وقد يكون الخير الأصلح الذي لا نعلم وجهه. وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: في السهولة أو الصعوبة أو المثوبة. فإن قيل: فما أفاد التبديل بالمثل شيئاً، إذا كان المثل ما سد مسد مثله.

стр. 107

قيل: بل قد يفيد، إما زوال الملل؛ فإن النفوس قد تمل، فإذا انتقلت إلى غيرٍ، سهل عليها التكليف، فإن المغايرة تخفف الأفعال. وقد تكون مثلاً لها في السهولة والأجر، لكن يحصل بتغيرها وتبديلها بغيرها زيادة تعبد، وهو التسليم والتحكم لأمر الله في تغيير أحكامه، ونقل عباده من عبادة إلى عبادة من غير لوم ولا اعتراض، بخلاف ما نطقت به الآيات عن أهل الشرك والنفاق؛ من قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]، وقولهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل:١٠١]، فإذا حصل من المؤمنين المسارعة إلى طاعة الله، والرضا بتبديل الأحكام، وتغير التكليف، كان لهم المضاعفة في الثواب والله أعلم اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل في كلامه على هذه الآية إلى أربع مسائل، وهي كالتالي: المسألة الأولى: معنى: (بخير منها): قال ابن عقيل: (يعني خيراً لكم) ولم أجد من خالف من المفسرين في هذا المعنى. قال الجصاص (٢): (فحصل من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم إما في التخفيف أو في المصلحة) (٣).

стр. 108

وقال الرازي (١): (أي بخير منها لكم؛ لأنه إن كان أخف كان خيراً في الدنيا والآخرة، وإن كان أشد كان خيراً في الآخرة لامتثال أمر الله تعالى فيه) (٢). المسألة الثانية: هل يستفاد من هذا المعنى تفاضل كلام الله؟. الخلاف في هذه المسألة مبسوط في المطولات، وهي مسألة مشهورة عند المتقدمين، هل كلام الله يتفاضل أم لا؟ على قولين: فالقول الأول: أنه لا يتفاضل؛ وهو قول ابن عقيل وما ذهب إليه ابن جرير الطبري (٣)، وأبو بكر الجصاص (٤)، وجماعة من الفقهاء. ودليلهم: أن القرآن كله كلام الله فهو صفة من صفاته فلا تحتمل التفاضل. والقول الثاني: أنه يتفاضل، وبهذا قال أبو بكر بن العربي (٥)، والقرطبي، وابن تيمية، وكثير من أهل العلم. ومن أدلتهم: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب معك الله أعظم؟ " قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال: فضرب في صدري، وقال: " لِيُهنِك العلم أبا المنذر " (٦).

стр. 109

وقوله ﷺ في سورة الإخلاص: " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن " (١)، وغيرها كثير. قال القرطبي: (والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق) (٢). وقال أيضاً: (ويدل على القول الأول - يعني التفاضل - قوله تعالى: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾) (٣). وقال ابن الحصار (٤): (عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص) أي الواردة بالتفضيل (٥).

стр. 110

وأطال ابن تيمية في مجموع الفتاوى الكلام حولها فيما يزيد على خمسين صفحة وحرر محل النزاع، وشفى وكفى، ونص على كلام ابن عقيل في الواضح وبسط الكلام فيه (١)، ومن ذلك قوله ﵀: (والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم ... ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا ولا قال لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات الله ونحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار لما ظهرت بدع الجهمية (٢)) (٣). وقال أيضاً في آخر الكلام على المسألة: (فنقول: قد علم أن تفاضل القرآن وغيره من كلام الله ليس باعتبار نسبته إلى المتكلم، فإنه سبحانه واحد، ولكن باعتبار معانيه التي يتكلم بها، وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه) (٤). وذكر نحوه الشيخ ابن عثيمين (٥) فقال: ( .. وهذا موضع يجب فيه التفصيل؛ فإننا نقول: أما باعتبار المتكلم به؛ فإنه لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به واحد وهو الله ، وأما باعتبار مدلولاته وموضوعاته فإنه يتفاضل ... ) (٦). وبهذا التفصيل يحصل الفصل في المسألة، والله أعلم.
следующие страницы →