← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ذكر ابن عقيل أحد أوجه الجمع بينها وهو: أن يحمل السؤال المنفي على مقام، ويحمل السؤال المثبت على مقام آخر (١)، رواه عكرمة عن ابن عباس (٢)، وهو قول عكرمة (٣)، وقتادة (٤). الوجه الثاني: أن يحمل السؤال المثبت على السؤال عن شهادة أن لا إله إلا الله (٥)؛ لما روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢] قال: " عن لا إله إلا الله " (٦)، والسؤال المنفي عما عدا ذلك مما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه (٧)، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص:٦٥] (٨). الوجه الثالث: أن السؤال المنفي سؤال بعضهم بعضاً؛ لاشتغال كل واحد منهم بنفسه، روي هذا عن ابن عباس (٩)، والسؤال المثبت هو سؤال الله تعالى للجميع، ويدل له قوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾ [القصص:٦٥ - ٦٦].

стр. 457

الوجه الرابع: أن السؤال المنفي هو سؤال الكافر؛ لأنه قد عُرِف بعلامته وسيماه (١)، ويدل له قوله تعالى في الآية التي بعدها: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن:٤١]، روي هذا عن ومجاهد (٢)، وروي عن قتادة أن نفي السؤال عن الذنوب لأن الله قد حفظها عليهم (٣). الوجه الخامس: أن السؤال المنفي بعد استقرارهم في النار، والسؤال المثبت قبل ذلك (٤). الوجه السادس: أن السؤال المنفي سؤال الاستخبار والاستعلام، والسؤال المثبت سؤال التوبيخ والتقريع، كما قال ابن عباس ﵁: (لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لم عملتم كذا وكذا؟) (٥). قال القرطبي: (واعتمد قطرب هذا القول) (٦). وبه قال النحاس (٧)، والجصاص (٨)، والواحدي (٩). قال ابن عطية: (وهو الأظهر) (١٠).

стр. 458

قال الشنقيطي عن هذا الوجه الأخير: (وهو أوجهها لدلالة القرآن عليه .. ) إلى أن قال: (وجه دلالة القرآن على هذا أن سؤاله المنصوص: في كله توبيخ وتقريع؛ كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥]، وقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥]، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وسؤال الله للرسل ماذا أُجِبتم لتوبيخ الذين كذبوهم كسؤال الموؤودة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٩] لتوبيخ قاتلها) (١). ومما يؤيد هذا: أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة أخص من السؤال المثبت فيها؛ لأن السؤال المنفي مقيد بكونه سؤالاً عن الذنوب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] فخصه بكونه عن الذنوب، وكذلك في قوله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]، والمراد به: الاستعلام والاستخبار، وهذا لا ينافي ثبوت نوع آخر من السؤال، كسؤال التوبيخ والتقريع؛ لأنه نوع من العذاب، وكذلك سؤال التقرير؛ لأن آية إثبات السؤال جاءت عامة حيث قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢]، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة (٢)، وهذا هو أولى الأوجه بالجواب. قال القرطبي: (والقول بالعموم أولى) (٣)، أي: عموم السؤال للجميع. وبهذا يزول ما يوهم التعارض بين الآيات. والله تعالى أعلم.

стр. 459

سورة الواقعة قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]. ١٣٤/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [النساء:٢٩]، كل ذلك استثناء منقطع، بمعنى: لكن يسمعون التسليم، لكن كلوها بتجارة، لكن رحمة منا (١)، لكن من رحم (٢) ... ) إلى أن قال: (وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]، لكن قوم يونس، وهذا قول سيبويه (٣) اهـ) (٤). الدراسة: كل هذه الآيات التي ذكرها ابن عقيل فيها استثناء، وقد حكم بأنه استثناء منقطع: ... وهو ما لم يكن فيه المستثنى جنساً من المستثنى منه (٥)، ويصح أن يقع الحرف: [لكن] موقع أداة الاستثناء مع استقامة المعنى (٦). ولكون الآيات في موضوع واحد صار بحثها واحداً.

стр. 460

قال القرطبي: (﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع، أي: لكن يقولون قيلاً أو يسمعون) (١)، ووافقه جمع من المفسرين (٢). وقال أيضاً: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] هذا استثناء منقطع، أي: ولكن تجارة عن تراض) (٣). وهذا هو قول أكثر المفسرين (٤). وقال الطبري: (نَصْبُ: ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]؛ نُصِبوا لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم ومن غير جنسهم وشكلهم، وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعاً، ولكنهم كما وصفت، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٥). وقال الفراء: (ثم استثنى قوم يونس بالنصب على الانقطاع مما قبله .. ) إلى أن قال: (ولو كان الاستثناء ها هنا وقع على طائفة منهم لكان رفعاً) (٦). وقال الزجاج: (ولا أعلم أحداً قرأ بالرفع) (٧).

стр. 461

وممن قال بهذا: النحاس (١)، والجصاص (٢)، والسمرقندي (٣)، وغيرهم (٤). وأشار قوم إلى أنه: يجوز أن يكون هذا الاستثناء متصلاً (٥). والراجح في هذا هو أن الاستثناء منقطع كما قال ابن عقيل؛ لأمور منها: ١ - أنه قول جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين، بل نقل بعضهم الإجماع، قال ابن عطية: (ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وكذلك رسمه النحويون أجمع) (٦). ٢ - حكم بعض الأئمة من اللغويين والمفسرين بضعف القول الثاني، كما سيأتي.

стр. 462

٣ - أن القول: إن الاستثناء متصل، قد يوهم معنى فاسداً، قال العكبري (١): (قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [البقرة:٢٨٢]، الاستثناء منقطع ليس من جنس الأول، وقيل: هو متصل، والتقدير: لا تأكلوها بسببٍ إلا أن تكون تجارة، وهذا ضعيف؛ لأنه قال بالباطل، والتجارة ليست من جنس الباطل) (٢). وقال الزركشي: (إذ لو كان متصلاً لكان المعنى: فهل آمنت قرية إلا قوم يونس فلا يؤمنون، فيكون طلب الإيمان من خلاف قوم يونس، وذلك باطل؛ لأن الله تعالى يطلب من كل شخص الإيمان، فدل على أن المعنى: لكن قوم يونس) (٣)، وقال الشوكاني في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة:٢٦]: (وقيل الاستثناء متصل وهو بعيد؛ لأن التحية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم) (٤). ٤ - أن القول بأن الاستثناء منقطع لا يترتب عليه أي محذور، فهو أسلوب عربي فصيح، والقول بخلافه نوع من التكلف. ٥ - أن القول: إن الاستثناء متصل، يلزم منه: التقدير لمضمر، أو التضمين، وهذا خلاف الأصل، قال مكي: (ويجوز أن يكون على الاستثناء الذي هو غير منقطع، على أن يضمر في الكلام حذف مضاف تقديره: فلولا كان أهل قرية آمنوا، ويجوز الرفع على أن تجعل [إلا] بمعنى [غير] صفة للأهل المحذوفين في المعنى، ثم تعرب ما بعد إلا بمثل إعراب غير لو ظهرت في موضع إلا) (٥). والله أعلم.

стр. 463

سورة المجادلة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [المجادلة:١٢]. ١٣٥/ ١ - قال ابن عقيل: (نُسخ ذلك الوجوب إلى جواز فعلها وجواز تركها بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ [المجادلة:١٣] اهـ) (١). الدراسة: ذهب ابن عقيل إلى أن آية المناجاة منسوخة بما بعدها، وهو المروي عن علي بن أبي طالب ﵁ (٢)، وهو قول قتادة (٣)، والنحاس (٤)، ومكي (٥)، وابن الجوزي (٦)، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء في القديم والحديث (٧). قال النحاس: (أكثر العلماء على أن هذه الآية منسوخة) (٨). بل أثبت النسخ فيها كل من ألف في الناسخ والمنسوخ (٩). وذكر بعض العلماء أن هذه هي الآية الوحيدة المتفق على نسخها في القرآن (١٠).

стр. 464

وأشار الزرقاني إلى أنه قيل: لا نسخ فيها؛ بحجة أن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الأولى، وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. ثم قال رداً على هذه الحجة: (وأنت خبير بأن هذا ضرب من التكلف في التأويل، يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالي وحده) (١). ويرد هذا أيضاً: الأمر في آخر الآية عند عدم الفعل بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله، مما يثبت أن المراد بالصدقة قبل هذا الأمر غيرَ الصلاة والزكاة والطاعة حيث يقول سبحانه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ [المجادلة:١٣]. والله أعلم. سورة الحشر قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر:٢]. ١٣٦/ ١ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]: (يأمر بالاعتبار لأولي الأبصار، والنبي ﷺ داخل في ذلك؛ لأنه من أهل البصائر، بل أشرفهم وأسبقهم في ذلك اهـ) (٢).

стр. 465

الدراسة: أشار ابن عقيل إلى مسألتين: المسألة الأولى: الاستدلال بهذه الآية: على أن النبي ﷺ له حق الاجتهاد في الحكم بين الناس؛ لأنه ذكر هذه الآية ضمن أدلته على أن النبي ﷺ كان يجتهد في الحوادث، ويحكم فيها باجتهاده، وهذه المسألة قد سبق الحديث عنها عند قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] (١). المسألة الثانية: أشار ابن عقيل إلى أن النبي ﷺ أشرف أهل البصائر، وهذا أمر حتم لا يُختلف فيه، فهو ﷺ القدوة الأولى لأمته، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] [الأحزاب:٢١]، ولا يصل إلى الاقتداء إلا من وصفهم الله في الآية فقال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب:٢١]، وقد اجتمع فيه ﷺ كمال العقل وحسن التفكر، فكان أهلاً لحمل الرسالة وتبليغها، قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]. قال الشوكاني عن النبي ﷺ : (وهو أجل المتفكرين في آيات الله وأعظم المعتبرين لها) (٢). وقد خص الله تعالى أولي الأبصار بالاعتبار؛ لأنهم هم أهله والمستفيدون منه.

стр. 466

سورة الممتحنة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة:١٠]. ١٣٧/ ١ - قال ابن عقيل: (يقع على الظن اسم العلم في غالب الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، ولا طريق لنا إلى علم ذلك، وإنما المراد: ظننتموهن مؤمنات اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل في هذه الآية إلى أن العلم يطلق ويراد به الظن؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ .... ﴾ [الممتحنة:١٠] ووجه الاستدلال: أنه لا يمكن معرفة إيمان المهاجرات علماً يقيناً؛ فالمراد بالعلم في الآية: الظن، وهذا ما ذكره الجصاص (٢)، والسمرقندي (٣)، والسمعاني (٤)، وغيرهم (٥). ويشهد له في الآية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فبني آدم لهم الظاهر والله أعلم بالسرائر.

стр. 467

قال القرطبي: (﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن؛ لأنه متولي السرائر) (١). ومن الأدلة على هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١]. قال الجصاص في تفسيرها: (يعني: من الأمر الظاهر لا من الحقيقة، وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق الظاهر وإن لم يعلم حقيقة وهو كقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ... ﴾ [الممتحنة:١٠] ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علماً وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن) (٢). وقال الرازي: (إن الظن قد يسمى بالعلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وذلك لا يفيد إلا الظن، فههنا الله تعالى سمى الظن علماً) (٣). فإن قيل: ما الفائدة من استعمال العلم مكان الظن؟. فيجاب بما قال الرازي: (نقول إنه من باب أن الظن الغالب، وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم) (٤). وقال البيضاوي: (﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠]: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علماً إيذاناً بأنه كالعلم في وجوب العمل به) (٥).

стр. 468

وقال الزركشي: (إن بين الظن والعلم قدراً مشتركاً وهو الرجحان فتجوز بأحدهما عن الآخر) (١). وقال الفيروزابادي (٢): (واعلم أن العلم على ثلاث درجات: أحدها: ما وقع من عيان وهو البصر، والثاني: ما استند إلى السمع وهو الاستفاضة، والثالث: ما استند إلى العلم وهو علم التجربة. على أن طرق العلم لا تنحصر فيما ذكرناه؛ فإن سائر الحواس توجب العلم، وكذا ما يدرك بالباطن وهي الوجدانيات، وكذا ما يدرك بالمخبِر الصادق وإن كان واحداً، وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط وإن لم يكن تجربة) (٣). فتبين لي من كلام العلماء أن اختيار هذا اللفظ للاعتقاد الغالب الراجح؛ ليدخل فيه الاعتقاد اليقيني الجازم (٤) - إذا وجد - من باب أولى (٥)، كما أن فيه حث على التثبت والتأكد في الامتحان بما يُستطاع من الدلائل والأمارات (٦). والله أعلم.

стр. 469

سورة الطلاق قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق:١]. ١٣٨/ ١ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ولم يقل: فطلقهن، وهذا يدل على أنه إذا خاطبه فقد خاطب أمته، وجعل خطابه له نائباً مناب خطابهم اهـ) (١). الدراسة: استدل بهذه الآية من قال: إن الله تعالى إذا خاطب نبيه ﷺ فهو خطاب لأمته وقد سبقت الإشارة إلى خلاف العلماء في ذلك عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] (٢). قال الزجاج: (هذا خطاب للنبي ﵇ والمؤمنون داخلون معه في الخطاب) (٣). وهو ما قال به النحاس (٤)، والجصاص (٥)، والواحدي (٦)، والسمعاني (٧)، وغيرهم (٨). وهذه الآية صريحة الدلالة على دخول أمة محمد ﷺ في خطابه لوجود القرينة الظاهرة.

стр. 470

وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ وما بعدها، مع العلم أن ابن عقيل لم يشر إلى هذه الأولى واكتفى بالإشارة إلى الثانية. قال السمرقندي: (فالخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به: هو وأمته، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] فذكر بلفظ الجماعة، فكأنه قال: يا أيها النبي ومن آمن بك إذا طلقتم النساء، يعني: أنت وأمتك) (١). وقال البيضاوي: (خص النداء وعم الخطاب بالحكم لأنه أمام أمته، فنداؤه كندائهم، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم) (٢). وقال السيوطي: (وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام، لكن مع قرينة إرادة العموم كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١] ولم يقل: طلقت) (٣). ومن هنا نستنتج أن الخطاب يوجه للنبي ﷺ وحده والمراد هو والمؤمنون معه. ومن اللطائف ما قاله القرطبي: (وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: ... ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الطلاق:١]، فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: ... ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]) (٤)، وهذا حكم أغلبي؛ لوجود بعض الآيات بلفظ النبي وهي خطاب له ﷺ باللفظ والمعنى كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].

стр. 471

وقال الجصاص: (يحتمل تخصيص النبي ﷺ بالخطاب وجوهاً: أحدها: اكتفاءً بعلم المخاطبين بأن ما خوطب به النبي ﷺ خطاب لهم إذ كانوا مأمورين بالاقتداء به إلا ما خص به دونهم فخصه بالذكر، ثم عدل بالخطاب إلى الجماعة إذ كان خطابه خطاباً للجماعة، والثاني: أن تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء، والثالث: على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الأتباع كقوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [الأعراف:١٠٣]) (١). وقال الآلوسي: (اختير لفظ النبي لما فيه من الدلالة على علو مرتبته) (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢]. ١٣٩/ ٢ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فكان عمل التقييد بالعدالة عمل التخصيص المخرج من الجملة بعضها؛ فصارت العدالة مخصصة بعض الرجال بالشهادة اهـ) (٣). الدراسة: يتخرج من كلام ابن عقيل ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن التقييد يعمل عمل التخصيص فيخرج من الجملة بعضها (٤). قال الجصاص: (الأسماء المطلقة والمقيدة كثيرة، ويجب اعتبارها في كثير من الأحكام، فما كان في العادة مطلقاً فُهم على إطلاقه، والمقيَّدُ فيها على تقييده، ولا يُتجاوز به موضعه) (٥).

стр. 472

وقال البغوي: ( .. قلنا: المطلق يحمل على المقيد كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وأطلق في موضع فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ثم العدالة شرط في جميعها حملاً للمطلق على المقيد .. ) (١). فيجب العمل بالقيد إلا أن يدل دليل على عدم اعتباره (٢)، وقد سبقت الإشارة إلى تفصيل في هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] (٣). المسألة الثانية: اشتراط العدالة في الشهود: لاخلاف بين الفقهاء في اشتراط عدالة الشهود (٤) لأدلة منها: ١ - هذه الآية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]. ٢ - ولقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والشاهد المرضي هو: الشاهد العدل (٥). ٣ - ولأن الله تعالى أمر بالتوقف عن نبإ الفاسق في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، والشهادة نبأ فيجب التثبت. ٤ - ولأن دين الفاسق لم يمنعه من ارتكاب المحظورات، فلا يؤمن أن لا يمنعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بشهادته.

стр. 473

قال الجصاص: (وقد وصف الله تعالى الشهود المقبولين بصفتين: إحداهما: العدالة في قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، والأخرى: أن يكونوا مرضيين لقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والمرضيون لا بد أن تكون من صفتهم العدالة) (١). واختار أبو حنيفة أن العدالة الظاهرة كافية في قبول الشهادة، أما العدالة الحقيقية وهي الثابتة بالسؤال عن حال الشهود بالتعديل والتزكية فليست بشرط عنده؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: عدلاً (٢). ولأن العدالة الحقيقية لا يمكن الوصول إليها، فتعلق الحكم بالظاهر (٣). قال ابن قدامة: (الفسوق نوعان: أحدهما: من حيث الأفعال، فلا نعلم خلافاً في رد شهادته، والثاني: من جهة الاعتقاد، وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضاً ... ) (٤). وذلك: مثل شرب الخمر، والتساهل في فعل المعاصي، والقول بخلق القرآن، ونحوها، وأشار ابن قدامة إلى أن ظاهر قول أبي حنيفة: قبول شهادة أهل الأهواء (٥)، وهذا قول مرجوح، لأنه أحد نوعي الفسق، إلا ألا يكون ذلك ظاهراً كما سبق. المسألة الثالثة: أشار ابن عقيل إلى أن الشهادة بالرجعة في الطلاق الرجعي خاص بالرجال دون النساء، وهو قول مالك (٦)، والشافعي (٧)، وأحمد (٨)، وأكثر الفقهاء (٩).

стр. 474

ودليلهم نص الآية: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] والعدل إنما يقع على الرجال دون النساء (١)، وذوي: مذكر فلا يدخل فيه الإناث (٢). قال مالك عن شهادة النساء: (لا تجوز إلا حيث ذكرها الله في الدَّين، أو ما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك) (٣). وذهب أبو حنيفة إلى أنه تقبل في الرجعة شهادة رجل وامرأتين (٤). استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ... ﴾ [البقرة:٢٨٢]. والصواب ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ لأن الله تعالى نص في الشهادة فيما سوى الأموال على الرجال دون النساء كأمور الطلاق والرجعة والوصية؛ فقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقال سبحانه: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينٍ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]؛ ولأنها مما يطلع عليه الرجال، فلم يكن للنساء في الشهادة مدخل (٥). قال ابن حزم: (أما أبو حنيفة: فأجاز شهادة النساء في النكاح، والطلاق، والرجعة مع رجل، وليس هذا في شيء من الآيات، بل فيها: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]) (٦).

стр. 475

وأما الجواب عن آية الدين التي استدل بها أبو حنيفة: فهو أنها نص في الأموال، ولا يصح استعمال العموم فيها، والرجعة ليست بمال، ولا يقصد فيها المال، ولا يصح قياس الرجعة على الأموال لوجود الفارق بينهما، وهو أن الأموال يصح الإبراء منها بخلاف الرجعة (١)، والرجعة من الأمور التي يطلع عليها الرجال فلم يكن للنساء في شهادتها مدخل كالحدود والقصاص (٢). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق:٦]. ١٤٠/ ٣ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]: (اقتضى ذلك أن البوائن (٣) الحوامل لا نفقة عليهن، وعلى هذا لغة العرب لا نعرف سوى ذلك اهـ) (٤). الدراسة: يُفهم من ظاهر كلام ابن عقيل أن المطلقة البائن لا نفقة لها ولو كانت حاملاً. ويتفرع على هذا مسألتان: المسألة الأولى:

стр. 476

سياق الآية قبلها وبعدها هل هو في الرجعيات أم في عموم المطلقات؟. هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن السياق كله في الرجعيات، قالوا: لأن حديث أول السورة كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق:١] كان في الرجعيات، وإنما نص على نفقة الحامل وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالباً فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع؛ لئلا يُتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة (١). القول الثاني: أن السياق في عموم المطلقات، قالوا: بدليل وجوب النفقة على الرجعية سواء كانت حاملاً أو حائلاً (٢). وهذا القول الأخير هو الصواب؛ بدليل أن السياق بعد الآيات الأولى في السورة كان في جميع المطلقات (٣). قال الجصاص: (وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق:٦] قد انتظم المبتوتة والرجعية) (٤). وقال ابن العربي: (وتحقيقه: أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] ثم ذكر بعد ذلك حكماً يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك من الأحكام وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة) (٥). المسألة الثانية: هل تجب النفقة على البائن الحامل؟. نَقَل الاجماع غير واحد من العلماء على وجوب النفقة على البائن الحامل مستدلين بهذه الآية.

стр. 477

قال الطبري: (وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] يقول تعالى ذكره: وإن كان نساؤكم المطلقات أولات حمل، وكن بائنات منكم، فأنفقوا عليهن في عدتهن منكم حتى يضعن حملهن، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (١). وقال السمرقندي: (وقد أجمعوا أن المطلقة إذا كانت حاملا فلها النفقة) (٢). وقال ابن قدامة في البائن الحامل: (فلها النفقة والسكنى بإجماع أهل العلم) (٣). وقال القرطبي: (أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثاً أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]) (٤). ودليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: " ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً " (٥). ولأن الحمل ولده، فيلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه النفقة عليه إلا بالإنفاق عليها فوجب كما وجبت أجرة الرضاع (٦). والخلاف إنما هو في النفقة على البائن غير الحامل، وهو مبسوط في كتب الفقه وغيرها (٧)، والراجح أنه لا نفقة لها ولا سكنى؛ لدلالة الآية السابقة والحديث، ولا معارض لهما. والله أعلم.

стр. 478

سورة التحريم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم:٨]. ١٤١/ ١ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]: (مما يعطي قبول شفاعته في عصاة أمته، لأن رد السؤال خزي عند العرب اهـ) (١). الدراسة: فسر ابن عقيل الخزي في الآية برد الشفاعة، لأن ذلك خزي عند العرب. وقد أشار إلى هذا المعنى السمرقندي حيث قال: (ويقال: يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة .. ) (٢). وهذا من التفسير للآية بالمثال، فرد السؤال خزي عند العرب ولا شك؛ لما فيه من الإهانة. وممن فسرها بالمثال أيضاً البغوي حيث يقول: (﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]، أي: لا يعذبهم الله بدخول النار) (٣)، وسياق الآية يدل عليه وعلى ما هو أعم من ذلك حيث يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨] فلا يحصل للنبي ﷺ ولا لمن آمن معه أي نوع من أنواع الخزي مهما دقَّ، وهذا هو ما عليه عامة العلماء، وما يوافق لغة العرب، ولا يُعارض من ذكر نوعاً من أنواع الخزي.

стр. 479

قال الزجاج: (المُخْزى في اللغة: المذل المحقور بأمر قد لزمه بحجة) (١). وقال الواحدي: (﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]، ... أي: لا يفضحهم ولا يهلكهم) (٢). وقال السمعاني: (وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم:٨]، أي: لا يهينه ولا يفضحه، وهو إشارة إلى كرامة في الآخرة، يعني: يكرمه ويشرفه في ذلك اليوم ولا يهينه ولا يذله) (٣). وقال الراغب: (خزي الرجل: لحقه انكسار إما من نفسه، وإما من غيره؛ فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ... والذي يلحقه من غيره، يقال: هو ضرب من الاستخفاف) (٤). والله أعلم. سورة الملك قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك:٣]. ١٤٢/ ١ - قال ابن عقيل: (وقد نفى سبحانه التفاوت عن أفعاله بقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣]، فكان ذلك تنبيهاً على نفي النقائص عن صفاته اهـ) (٥). الدراسة: استنبط ابن عقيل فائدة من نفي الله التفاوت عن أفعاله: نفي النقائص عن صفاته، وهو كما قال؛ لأن إتقان الخلق يدل على كمال الخالق سبحانه.

стр. 480

وهذا استدلال واضح في هذه المسألة، ولذلك لم أجد من المفسرين من أشار إلى هذه اللفتة عند هذه الآية إلا ما ذكره الرازي في تفسيره حيث قال: (وأما دليل العلم فهو قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ .... ﴾ [الملك:٣] ... ) إلى أن قال: (اعلم أن وجه الاستدلال بهذا على كمال علم الله تعالى: هو أن الحس دل أن هذه السماوات السبع أجسام مخلوقة على وجه الإحكام والإتقان، وكل فاعل كان فعله محكماً متقناً فإنه لا بد وأن يكون عالماً؛ فدلت هذه الدلالة على كونه تعالى عالماً بالمعلومات) (١). وما ذكره الرازي في استدلاله على إثبات كمال علم الله تعالى يندرج على جميع صفات المولى . والذي عليه أهل السنة والجماعة أن نفي النقص عن أفعال الله أو صفاته هو إثبات لكمال ضده؛ لأن النفي الخالص لا مدح فيه. قال ابن القيم: (كل ما نفاه الله عن نفسه هو لإثبات كمال ضده) (٢). وقال ابن أبي العز: (كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] لكمال علمه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق:٣٨] لكمال قدرته، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصِّرف (٣) لا مدح فيه) (٤).

стр. 481

لأن النفي قد يكون عن عجز، كما يُمَثَّل على نفي الفعل لعدم القدرة عليه بقولهم: الجدار لا يظلم، والله جل وعلا منزه عن ذلك. والله تعالى أعلم. سورة المدثر قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر:٤]. ١٤٣/ ١ - قال ابن مفلح (١): (احتج غير واحد منهم ابن عقيل على أن اجتناب النجاسة شرط بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ اهـ) (٢). الدراسة: استدل ابن عقيل بالآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ على أن الصلاة لا تصح بدون طهارة الثياب؛ لنص الآية على هذا، وهو استدلال صحيح، وبمثله استدل الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وغيرهم (٧). قال السمعاني: (وهو قول مختار عند الفقهاء) (٨). وقال القرطبي: (وهو ظاهر منها - أي الاستدلال بالآية - صحيح فيها) (٩).

стр. 482

وذهب بعض العلماء إلى أن المراد في الآية: الثياب المعنوية، أي: العمل، ففي الآية الأمر بإصلاح العمل، لأنه يقال: فلان خبيث الثياب، إذا كان خبيث العمل (١)، وهذا من أسباب اختلافهم في هذه المسألة، ولذا قال من فسرها بالمعنى المعنوي: لا تشترط طهارة الثياب الحسية في الصلاة، وممن رُوي عنه ذلك: مالك وبعض أصحابه (٢)، واحتُج لمالك بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: " ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : " إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً " (٣)، ... ووجه الاستدلال به: أنه أكمل الصلاة ولم يُعد ما مضى من صلاته بالقذر. والصواب أن استدلال ابن عقيل بالآية صحيح لا إشكال فيه لأمور منها: ١ - أن هذه الآية مما استدل بها الجمهور على وجوب اجتناب النجاسة في الصلاة. قال النووي: (واحتج الجمهور بقول الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] والأظهر أن المراد ثيابك الملبوسة، وأن معناه: طهرها من النجاسة، وقد قيل في الآية غير هذا، لكن الأرجح ما ذكرناه، ونقله صاحب الحاوي عن الفقهاء، وهو الصحيح) (٤).

стр. 483

٢ - أن أدلة من قصرها على المعنى الثاني غير ناهضة لقصرها عليه. ويمكن الإجابة عنها، أما الحديث: فإن الوارد فيه " القذر " ولا يلزم أن يكون نجساً كالمخاط والبصاق ونحوهما، وعلى فرض كونه نجساً فيحتمل كونه قليلاً معفواً عنه. ثم إن الحديث دليل عليهم حيث أزال النبي ﷺ ما فيه القذر فور علمه بها، وما كان قبل علمه فهو معذور فيه لجهله بوجوده أو نسيانه. ٣ - أن الأولى البقاء على المعنى الظاهر دون غيره من المعاني الخفية. ٤ - أن الأمر المعنوي عُطف على هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدثر:٥ - ٧]، فدل على أن الأولى إرادة المعنى الحسي لتزيد الفائدة، ولا يكون في الآيات تكراراً. ٥ - أنه مع التسليم بحمل الآية على المعنى المعنوي فلا ينفى عنها المعنى الحسي؛ بل هو الأصل فتحمل عليهما جميعاً، وليس هناك مانع من هذا، أما قصرها على المعنى المعنوي فهو تخصيص بلا دليل (١). ٦ - أن الأدلة الأخرى شاهدة للمعنى الحسي، وهو شرطية إزالة النجاسة، ومنها: ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بقبرين يعذبان، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة " (٢). والله أعلم.

стр. 484

قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦]. ١٤٤/ ٢ - قال ابن عقيل: (وهذا يدل على أنهم يؤاخذون بترك الإيمان وترك العبادات المذكورة اهـ) (١). الدراسة: استدل ابن عقيل في هذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وقد سبق بحث خلاف العلماء في هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩] (٢). قال الرازي ضمن تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦]: (واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار يعذبون بترك فروع الشرائع، والاستقصاء فيه قد ذكرناه في المحصول من أصول الفقه (٣)) (٤). والله أعلم.

стр. 485

سورة الإنسان قال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان:٦]. ١٤٥/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ يعني: يشرب منها عباد الله اهـ) (١). الدراسة: اختلف العلماء في معنى [الباء] في هذه الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن [الباء] بمعنى [من]، وهذا جائز في العربية (٢)، تقول العرب: شربت بماء كذا، أي من ماء كذا (٣)، وهو قول ابن عقيل، والسمعاني (٤). القول الثاني: أن الباء صلة، والمعنى: يشربها عباد الله، وهذا مستعمل في معاني الباء (٥). قال الفراء: (﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان:٦]، ويشربها: سواء في المعنى) (٦). القول الثالث: أن [الباء] على معناها الأصلي وهو الإلصاق. فيكون قوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان:٦] مضمناً قولك: يروى بها أو يتلذذ بها (٧)؛ لأن قوله: يشرب يتعدى بنفسه فلما أريد باللفظ الشرب والري معاً عدي بالباء (٨). أو يضمن معنى المزج، فتقول: عيناً يمزجون بها شرابهم، كما تقول: شربت الماء بالعسل (٩).

стр. 486

والراجح عندي أن جميع المعاني صحيحة فهي مستعملة في العربية، ويمكن حملها على الآية دون أي محذور، لكن الأولى والأظهر هو القول الثالث لأمور منها: ١ - أن هذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم (١). ٢ - أن العين قد يراد بها المكان فيكون المعنى: مكاناً يشرب به، دل عليه آخر الآية وهو قوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان:٦] أي: يفجرون ذلك المكان (٢)، فكون الباء على معناها الأصلي يفيد المعنيين. ٣ - أن معنى الإلصاق للباء في كلام العرب أكثر من غيره، فهو أصل معانيها، حتى إن بعض النحويين قد ردوا أكثر معاني الباء إليه (٣). ٤ - أن الأصل البقاء على المعنى الأصلي حتى يأتي دليل ينقل عنه (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 487

سورة المطففين قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين:٢]. ١٤٦/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: من الناس اهـ) (١). الدراسة: فسر ابن عقيل [على] بـ[من] في هذه الآية، أي: إذا اكتالوا من الناس يستوفون، وهو قول ابن قتيبة (٢)، والطبري (٣)، والزجاج (٤)، والنحاس (٥)، والسمرقندي (٦)، وكافة العلماء على هذا التفسير (٧). قال الفراء: (﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين:٢] يريد اكتالوا من الناس، وهما تعتقبان - على ومن - في هذا الموضع؛ لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فهو كقولك: استوفيت منك) (٨). وقال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين:٢] أي: من الناس فـ[على] بمعنى [من] في قول المفسرين واللغويين) (٩). ومما يحسن التنبيه عليه عند هذه الآية: أنه إذا كان الأصل في اللغة أن يقال: اكتلت من فلان، ولا يقال: اكتلت على فلان (١٠)، فما وجه استخدام [على] مكان [من] في هذا الموضع؟. فأقول: الجواب من وجوه: الأول: أن [على] و [من] يتعاقبان كما قال الفراء (١١) وغيره (١٢)، فهما بمعنى واحد، ويجوز استخدام أحدهما مكان الآخر؛ ليكون في ذلك تنبيه لأمر آخر، كما سيأتي.

стр. 488

الثاني: لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً فيه إضرار بهم وتحامل عليهم أقيمت [على] مقام [من] الدالة على ذلك (١)، أي: على الاستعلاء وما يحمله من المعاني كالظلم والتعدي ونحوها. قال أبو السعود: (وتبديل كلمة [على] بـ[من] لتضمين الاكتيال معنى: الاستيلاء) (٢). الثالث: أن يكون ذلك للدلالة على أن اكتيالهم: لما لهم على الناس؛ لأن استخدام [من] في هذا المقام يوهم معنى آخر، وهو أنهم يكتالون للناس ما ليس لهم. قال البيضاوي: (أي: إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية، وإنما أبدل [على] بـ[من] للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم على الناس) (٣). الرابع: أن يكون [على] متعلق بـ ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين:٢] من باب تقديم المفعول على الفعل. قال الزمخشري: (ويجوز أن يتعلق على بـ ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين:٢] ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة) (٤). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين:٢٨]. ١٤٧/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿بِهَا﴾ يعني: منها اهـ) (٥).

стр. 489

الدراسة: فسر ابن عقيل [الباء] بـ[من] في هذه الآية وهو مستعمل في معاني الباء عند أهل اللغة (١)، وقد سبق ذكر أقوال العلماء في معناها في مثل هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان:٦] (٢). سورة القدر قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤]. ١٤٨/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ أي: بكل أمر اهـ) (٣). الدراسة: فسر ابن عقيل [من] في هذه الآية بـ[الباء] فيكون معنى الآية: أن الملائكة والروح تنزل فيها بإذن الله بكل أمر. وهو ما فسرها به ابن قتيبة (٤)، والواحدي (٥)، والبغوي (٦)، وغيرهم (٧). قال ابن الجوزي: (قال المفسرون: يتنزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة إلى قابل) (٨).

стр. 490

و [من] تأتي بمعنى [الباء] في القرآن وغيره (١) كما سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك عند قوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] (٢)، أي: بأمر الله. وهذه مثلها (٣)، وتقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف (٤). وهذا من سعة اللغة العربية في استعمال حروف الصفات مكان بعض خصوصاً إذا كان لاستعماله زيادة معنى أو تنبيه على أمر أو نحو ذلك. والذي أراه في هذه الآية أن استعمال [من] بدلاً من [الباء] هو مراعاة عدم تتكرار [الباء] في كلمتين متتاليتين، فيكون في الكلام ثقلاً، وذلك أن الباء سبقت في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤]، فناسب استخدام حرف آخر يحمل نفس المعنى، وهذا من إعجاز القرآن المتضمن فصاحة أسلوبه وسلامة ألفاظه. ويجوز أن تكون [من] بيانية كما قال ابن عاشور: (و [مِن] في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ يجوز أن تكون بيانية تُبَيِّن الإذن من قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، أي: بإذن ربهم الذي هو في كل أمر) (٥). ويجوز أن تكون [من] للتعليل، ولذلك فسر بعض العلماء هذه الآية بقولهم: من كل أمر، أي: لكل أمر (٦)، أو من أجل كل أمر (٧). قال الزمخشري: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل) (٨). ومثله قال أبو حيان (٩).

стр. 491

وما دامت [من] تستعمل بمعنى الباء في القرآن كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] (١)، وتستعمل بمعنى التعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] (٢)، فلا مانع من حمل الآية عليها كلها، لأن الآية تحتملها. والله تعالى أعلم. سورة الزلزلة قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة:٥]. ١٤٩/ ١ - قال ابن عقيل: (يعني: إليها اهـ) (٣). الدراسة: فسر ابن عقيل [اللام] في هذه الآية بـ[إلى]، وروي عن ابن عباس ﵁ (٤)، وهو قول ابن قتيبة (٥)، والطبري (٦)، والنحاس (٧)، والجصاص (٨)، والواحدي (٩)، والسمعاني (١٠)، وعليه أكثر العلماء (١١)؛ لأن المعروف تعدي الوحي بـ[إلى]، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨].

стр. 492

واستعمال [اللام] مكان [إلى] كثير في اللغة العربية (١)، كقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف:٥٧] أي: إلى بلد، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد:٢] أي: إلى أجل. وتأمل في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية [الأعراف:٤٣]، فـ[هدى] يتعدى بـ[إلى]، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام:٨٧] فالهداية أوصلت صاحبها إلى الصراط المستقيم. والوصول موجود في معنى [إلى] و [اللام]، فـ[اللام] أقرب الحروف لفظاً ومعنىً إلى [إلى]، ولذلك جاز دخول كل واحدة منهما في موضع الأخرى، كقوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] أي: ادفعوا لهم (٢). وذهب جماعة من العلماء إلى أن الفعل [أوحى] مضمن معنى: [أذن] منهم الواحدي (٣)، وأشار إليه البغوي (٤)، واستظهره ابن كثير (٥). ولا تعارض بين القولين؛ فمؤداهما واحد، وليس تضمين أحدهما بأولى من الآخر (٦). قال الطبري: (وتأويل الكلام على هذا المعنى: يومئذ تبين الأرض أخبارها بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطونها إلى ظهورها بوحي الله إليها وإذنه لها بذلك، وذلك معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة:٥]، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٧).

стр. 493

فجمع الطبري بين القولين على أنهما قولاً واحداً، وهذا بديع في تفسير كلام الله جل وعلا. فإن قال قائل: فما السر في استعمال [اللام] مكان [إلى]؟. فالجواب أن يقال: ١ - لقرب [اللام] من [إلى] في اللفظ والمعنى كما سبق، فأيهما كان أولى في سياق الآية كان استعماله أجدر وأحرى. ٢ - أن اختيار [اللام] دون [إلى] لمراعاة فواصل الآيات، وهذا من أقوى الأوجه في نظري؛ لأن الفواصل لها اعتبارها في كثير من خواتم الآيات في القرآن مع ما يرتبط بها من معان أخرى قد نعلم منها اليسير ويخفى علينا الكثير، وقد أشار بعض العلماء إلى شيء من ذلك في هذه الآية التي معنا. ٣ - أن التعدية باللام لتضمين [أوحى] معنى [قال] وإنما عدل عن فعل [قال لها] إلى فعل [أوحى لها] لأنه حكاية تكوين لا عن قول لفظي (١). ٤ - أن الوحي للأرض أمر خاص لها على سبيل التسخير، وهو ما يفسر به مجيئه هنا متعدياً باللام من بين ما يقرب من سبعين موضعاً كلها عديت بـ[إلى] (٢). ٥ - قال الرازي: (لعله إنما قال: [لها] أي: فعلنا ذلك لأجلها، حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفي من العصاة) (٣). بمعنى: أن اللام على بابها، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، والتقدير: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها، وفي هذا من التكلف ما فيه.

стр. 494

سورة العصر قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر:٢ - ٣]. ١٥٠/ ١ - قال ابن عقيل: (الذين اسم جماعة، والجماعة لا تستثنى من واحد، فدل ذلك على أنه أراد بالإنسان الجنس، فكذلك صح أن يستثنى منه جماعة اهـ) (١). الدراسة: فسر ابن عقيل الإنسان في الآية بالجنس، فيشمل كل إنسان وبهذا فسره الطبري (٢)، والزجاج (٣)، وابن الجوزي (٤)، والقرطبي (٥)، وغيرهم (٦). قال الزجاج: (الإنسان ههنا في معنى الناس، كما تقول: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، تريد قد كثر الدراهم) (٧). ودليلهم: أن الله سبحانه استثنى من الإنسان جماعة فدل على أن المراد عموم الناس. قال الطبري: (واستثنى الذين آمنوا عن الإنسان؛ لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد) (٨). وقال الفراء: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] استثنى كثيراً من لفظ واحد؛ لأنه تأويل جِمَاع) (٩). وذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان هنا بمعنى الكافر (١٠)، ومنهم السمرقندي (١١)، والواحدي (١٢)، وأشار إليه النحاس (١٣). قال السمرقندي: (يعني: أبا جهل، والوليد بن المغيرة، ومن كان في مثل حالهم) (١٤). وقال الواحدي: (يعني: الكافر العامل لغير طاعة الله) (١٥).

стр. 495

وقال البغوي في استدلالهم: (قيل: أراد به الكافر بدليل أنه استثنى المؤمنين) (١). والذي يظهر لي أن هذا الدليل لا يقوى على تخصيص اللفظ العام ببعض أجزائه، أضف إلى ذلك أن الاستثناء سيكون على هذا التفسير منقطعاً، وهذا خلاف الأصل، فيبقى الاستثناء دليلاً قوياً للقول الأول. كما أن مما يُستدل لهم به: أن استعمال لفظ الإنسان في القرآن إنما يراد به الكافر، لأن هذا اللفظ من خصائص المكي، وهذا أيضاً غير مسَلَّم، لأنه ينخرم عليهم في مواضع عدة من كتاب الله تعالى. قال القرطبي: (وأما من قال: إن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح؛ فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة:٢١ - ١٦٨] في موضعين) (٢). فالحق والصواب أن المراد في الآية: عموم الناس؛ لأمور منها: ١ - أن هذا هو ما عليه اختيار جماهير العلماء من المفسرين وغيرهم (٣). ... قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] استثناء من الإنسان، إذ هو بمعنى الناس على الصحيح) (٤). ٢ - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولم أجد دليلاً صحيحاً لمن خصه بأسماء معينة (٥)، قال ابن حجر: (تنبيه: لم أر في تفسير هذه السورة - يعني: سورة العصر - حديثاً مرفوعاً صحيحاً) (٦). ٣ - أن الأصل كذلك: بقاء العموم على عمومه حتى يأتي ما يقوى على تخصيصه. قال الشنقيطي: (وقيل: خاص بالكافر، والأول أرجح للعموم) (٧).
следующие страницы →