← Тафсир

Тафсир · id 596

منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

راشد بن حمود الثنيان

Полный текст (525 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٣ - ومن المرجحات أيضاً: أن إسماعيل أول ولد بُشر به إبراهيم وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب؛ فالجمع بين كونه مأموراً بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين (١). ٤ - أن الله حكى عن إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات:١٠٠] وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، والإجماع أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء هو إسماعيل (٢). ٥ - أن قصة الذبح كانت بمكة قطعاً ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيراً للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده (٣)، والذي بمكة إسماعيل وليس إسحاق. ٦ - أن إبراهيم ﵊ إنما رزق إسحاق ﵇ على الكبر، وإسماعيل ﵇ رزقه في عنفوانه وقوته، والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أمْيَل وله أحب، بخلاف من يرزقه على الكبر والأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار (٤). ٧ - ومما يستأنس به في ترجيح أن الذبيح هو إسماعيل: أن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم (٥).

стр. 422

قال الكرماني (١): (والأظهر أن الحليم إسماعيل، والعليم إسحاق) (٢). ٨ - أن الله وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ [الأنبياء:٨٥]، وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم:٥٤]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر فوفى به (٣). وهذا ما رجحه ابن كثير حيث قال: (وهو الصحيح المقطوع به) (٤). وقال الشنقيطي: (والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل، وقد دلت على ذلك آيتان (٥) من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها .. ) (٦). وقال أيضاً: (فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك والعلم عند الله تعالى) (٧). سورة ص قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص:٢١]. ١١٩/ ٢ - قال ابن عقيل: (فيقال: واحدٌ خصم، واثنان خصم، وثلاثة خصم اهـ) (٨).

стр. 423

الدراسة: وضح ابن عقيل أن لفظ الخصم قد يطلق ويراد به الواحد، أو الاثنين، أو الثلاثة، وهذا هو ما عليه عامة العلماء. قال الزجاج: (قال تعالى: ﴿الْخَصْمِ﴾ ولفظه لفظ الواحد، و ﴿تَسَوَّرُوا﴾ لفظ الجماعة؛ لأن قولك: خصم يصلح للواحد والاثنين والجماعة والذكر والأنثى، يُقال: هذا خصم وهي خصم وهما خصم وهم خصم، وإنما صلح لجميع ذلك؛ لأنه مصدر، تقول: خصمته أخصِمُه خَصماً، المعنى: هما ذوا خصم، وهم ذوو خصم) (١). وقال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وهل أتاك يا محمد خبر الخصم، وقيل: عُنِي بالخصم في هذا الموضع ملكان، وخرج في لفظ الواحد؛ لأنه مصدر، مثل الزَّوْر والسَّفْر (٢)، لا يثنى ولا يُجمع) (٣). وقال السمعاني: (والخصم: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، وقيل: معناه ذو خصم، وذوا خصم، وذوو خصم، فعلى هذا يتناول الكل) (٤). وتتابع العلماء على هذا التفسير (٥). قال ابن منظور: (يكون الخصم للاثنين والجمع والمؤنث وفي التنزل العزيز: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص:٢١] جعله جمعاً لأنه سمي بالمصدر) (٦).

стр. 424

وعليه فلا ترجيح بهذا اللفظ بين من فسر الخصم باثنين ومن فسره بأكثر، لدلالته عليهما، وهذا من سعة العربية (١). قال الزمخشري: (والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع، كالضيف، قال الله تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ [الذاريات:٢٤]؛ لأنه مصدر في أصله، تقول: خَصَمَهُ خَصْماً، كما تقول: ضافه ضيفاً) (٢). فإذا أردنا الترجيح في عدد الخصم فلا بد من البحث عن مرجح آخر، وأكثر العلماء على أنهما ملكان اثنان. قال النحاس: (ولا اختلاف بين أهل التفسير أنه يراد به ههنا: ملكان) (٣). وقال ابن الجوزي: (كانا ملكين، وقيل: هما جبريل وميكائيل أتياه لينبهاه على التوبة) (٤). وقال ابن جزي: (واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة، وروي: أنهما جبريل وميكائيل بعثهما الله ليضرب بهما المثل لداود في نازلة وقع هو في مثلها) (٥). وبهذا يترجح أنهما اثنان واستخدام الجمع بعدها يجاب عنه من عدة جهات: ١ - أنه نُقل الاتفاق على أن المراد مَلَكان، فيصرف معنى الجمع إلى الاثنين. ٢ - وبالنظر إلى المعنى، فإن الجمع ضم شيء إلى شيء، وهو حاصل في الاثنين (٦). ٣ - وبالنظر إلى اللفظ، فإنه جيء بالجمع لأن الاثنان سميا بالمصدر (٧). والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص:٢٧].

стр. 425

وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون:١١٥]. ١٢٠/ ٢ - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾، وقال: ﴿عَبَثًا﴾، والعبث والباطل: ما خلا عن فائدة للفاعل أو لغيره اهـ) (١). الدراسة: هنا فسر ابن عقيل العبث والباطل بما خلا عن الفائدة للفاعل أو لغيره، وهو كما قال. قال النحاس: (أي: لما قالوا إنه لا حساب ولا جنة و لا نار، قيل لهم هذا) (٢). ويؤيد هذا سياق الآية بعدها حيث قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [ص:٢٧]، فجاءت بأسلوب التقريع لظن الكفار أن خلق السماوات والأرض بلا فائدة. قال الراغب: (ويقال لما ليس له غرض صحيح عبث، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]) (٣). وقال الزمخشري: (باطلاً: خلقاً باطلاً لا لغرض صحيح وحكمة بالغة، أو مبطلين عابثين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]) (٤). وقال القرطبي: (أي: هزلاً ولعباً، أي: ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا) (٥). وقال السعدي: (يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السماوات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلاً أي: عبثاً ولعباً من غير فائدة، ولا مصلحة) (٦).

стр. 426

ومن حِكَم خلق السماوات والأرض ما قاله ابن جزي: (خلقهما الله بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [ص:٢٧] المعنى: أن الكفار لما أنكروا الحشر والجزاء كانت خلقة السماوات والأرض عندهم باطلاً بغير الحكمة؛ فإن الحكمة في ذلك إنما تظهر في الجزاء الأخروي) (١). والله أعلم. سورة الزمر قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر:٣٠]. ١٢١/ ١ - قال ابن عقيل: (المراد به: ستموت ويموتون اهـ) (٢). الدراسة: أبان ابن عقيل أن معنى: ميت وميتون أي: ستموت ويموتون، وهذا هو ما عليه أكثر العلماء (٣)؛ قالوا: لأن من لغة العرب إطلاق الشيء وإرادة ما يؤول إليه، فالشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه. قال السمرقندي: (يعني: أنت ستموت وهم سيموتون، ويقال: إنك ميت وإنهم ميتون يعني: إنك لميت لا محالة، وإنهم لميتون لا محالة، والشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه؛ فالخلق كلهم إذا كانوا بقرب من الموت فكل واحد منهم يموت لا محالة فسماهم ميتين) (٤). ولأن كل ما هو كائن فهو قريب وكأنه قد كان. قال الزمخشري: (والمعنى في قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر:٣٠]، إنك وإياهم وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى؛ لأن ما هو كائن فكأن قد كان) (٥).

стр. 427

وقال الرازي: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر:٣٠]، أي: إنك وإياهم وإن كنتم أحياء فإنك وإياهم في أعداد الموتى؛ لأن كل ما هو آت آت) (١). ولأن استعمال الاسم فيما يؤول إليه دليل على تحقق وقوعه وتأكده. قال ابن كثير: (ومعنى هذه الآية: ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة) (٢). وإذا قيل: ما فائدة إخبارهم بهذا؟. فإن القرطبي أجاب بقوله: (فاحتمل خمسة أوجه: أحدها / أن يكون ذلك تحذيراً من الآخرة. الثاني / أن يذكره حثاً على العمل. الثالث / أن يذكره توطئة للموت. الرابع / لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره، حتى أن عمر ﵁ لما أنكر موته احتج أبو بكر ﵁ بهذه الآية فأمسك. الخامس / ليعلمه أن الله تعالى قد سوى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره؛ لتكثر فيه السلوة، وتقل فيه الحسرة) (٣). والله أعلم. قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزمر:٥٦]. ١٢٢/ ٢ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يعني: في حق الله اهـ) (٤). الدراسة: في قول الله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، خمسة أقوال:

стр. 428

القول الأول: في ذات الله. قاله أبو عبيدة (١)، والسمعاني (٢)، وهذا قول مردود؛ لأن ذات الله لا يقع فيها تفريط من العباد البتة (٣). القول الثاني: في حق الله. قاله ابن عقيل، وهو قول سعيد بن جبير (٤)، واختيار ابن الجوزي (٥). القول الثالث: في أمر الله. قاله مجاهد (٦)، والزجاج (٧)، والأصفهاني (٨). القول الرابع: في طاعة الله. قاله الحسن (٩)، والنحاس (١٠). القول الخامس: في ذكر الله. قاله مقاتل (١١)، والضحاك (١٢). والذي أختاره أن المعاني الأربعة الأخيرة كلها صحيحة، فتفسير السلف للتفريط في جنب الله بهذه المعاني من باب ذكر المثال على نوع من أنواع التفريط (١٣). قال الطبري في معنى الآية: (على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (١٤)، ثم ذكر روايات السلف. وقال الزجاج: (معناه: على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، وهو توحيد الله، والإقرار بنبوة رسوله وهو محمد ﷺ ) (١٥).

стр. 429

وقال النحاس: (المعنى: في جنب أمر الله، على التمثيل، أي: على الطريق الذي يؤدي إلى الحق، وهو الإيمان) (١). وقال ابن عطية: (وقوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] معناه: في مقاصدي إلى الله وفي جهة طاعته، أي: في تضييع شريعته والإيمان به، والجنب يعبر به عن هذا ونحوه) (٢). أما القول الأول: فلا يستقيم مع سياق الآية كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه على مذاهب نفاة الصفات ومثبتيها حيث قال: ( .. بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يُضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات، كقوله تعالى: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]، وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط، فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية) (٣). والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر:٧١]. ١٢٣/ ٣ - قال ابن عقيل: (وحقَّ بمعنى: وجب، من قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر:٧١]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ [الزمر:١٩] وجب ووجبت اهـ) (٤).

стр. 430

الدراسة: فسر ابن عقيل: [الحق] في هذين الموضعين بمعنى الوجوب، وهو كما قال، فلم أقف على من فسرها بغير هذا المعنى. قال الطبري: (﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:١٩]: أفمن وجب عليه كلمة العذاب) (١). وقال أيضاً: (﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]: يقول قالوا: ولكن وجبت كلمة الله) (٢). وقال السمرقندي: (قوله : ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:١٩] يعني: وجب له العذاب) (٣). وقال أيضاً: (﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] أي: وجبت كلمة العذاب) (٤). وقال السمعاني: (ومعنى حقت: وجبت) (٥). وهكذا قال من بعدهم من المفسرين وغيرهم (٦). فإن قيل: فما السر في اختيار [حق] بدل [وجب]؟. فالجواب من وجوه منها: أن معنى [حقَّ]: تحقق حصوله في الواقع، فكلمة العذاب حق وصدق لا كذب (٧)، وفي [حق] الدلالة على الثبوت واليقين بلا شك (٨)، وفيها معنى الاستحقاق والإحكام والعدل بلا ظلم، فكلمة [حق] جمعت هذه المعاني أكثر من غيرها. والله تعالى أعلم. سورة فصلت

стр. 431

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت:٦ - ٧]. ١٢٤/ ١ - قال ابن عقيل: (فتواعدهم على الكفر وترك الزكاة وجحد البعث، ولا يتواعد إلا على فعل محظور أو ترك واجب، فكان الظاهر مقابلة الوعيد لجميع ما عدد من الجرائم اهـ) (١). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان: المسألة الأولى: استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأن الله توعدهم بالعذاب على الشرك وترك الزكاة وإنكار البعث، وتركُ الزكاة من فروع الشريعة. وقد سبق الإشارة إلى خلاف العلماء في هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩] (٢). قال السمعاني: (وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، أي: لا يرون الزكاة واجبة عليهم كما يراه المسلمون، ويقال معنى الإيتاء هو على ظاهره والكافر يعاقب في الآخرة بترك إيتاء الزكاة لأنهم مخاطبون بالشرائع، ذكره جماعة من أهل العلم) (٣). وقال القرطبي: (وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره، مع منع وجوب الزكاة عليه) (٤). المسألة الثانية:

стр. 432

فسر ابن عقيل الزكاة بزكاة المال وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين (١). وذهب جماعة إلى أن معنى الزكاة في هذه الآية: أنهم لا يفعلون ما يصيرون به أزكياء. قال ابن عطية: (قال ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية، لا إله إلا الله التوحيد، كما قال موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النازعات:١٨]، ويرجح هذا التأويل: أن الآية من أول المكي وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره من الشرك والمعاصي) (٢). وقد أزال هذا الإشكال وجمع بين القولين ابن كثير حيث قال: (لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة كان مأموراً به في ابتداء البعثة، كقوله ﵎: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بُين أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعاً بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجباً قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله تعالى على رسوله ﷺ الصلوات الخمس وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئاً فشيئاً، والله أعلم) (٣). وبهذا نصل إلى أن قول ابن عقيل هو الصحيح وأن هذه الآية صالحة لما استدل بها له.

стр. 433

كما قال الطبري: (والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدون زكاة أموالهم، وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وإن في قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت:٧] دليلاً على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٧] مراداً بها الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله، لم يكن لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت:٧] معنى؛ لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت:٧] قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٧] ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال) (١). والله تعالى أعلم. سورة الشورى قال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى:١١]. ١٢٥/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] الكاف زائدة، والمراد به: ليس مثله شيء، وإذا انحذفت الكاف ظهرت الحقيقة اهـ) (٢). ١٢٦/ ٢ - ويقول في موضع آخر: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أزال الاشتباه من قوله: ﴿عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] و ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وأنها ليست جوارح ولا أبعاضاً اهـ) (٣). الدراسة: في كلام ابن عقيل مسألتان:

стр. 434

المسألة الأولى: اختلف العلماء في معنى الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] على قولين: القول الأول: أن الكاف صلة للتأكيد، فالمراد: ليس مثله شيء، وهو قول ابن عقيل، وبه قال الزجاج (١)، والنحاس (٢)، وغيرهم (٣). القول الثاني: أن الكاف غير زائدة، ثم اختلفوا على أقوال منها: الأول: أن [مثل] هي الزائدة للتوكيد، وبه قال الطبري (٤)، والبغوي (٥)، أي: ليس هو كشيء، قالوا: وإنما زيدت [مثل] هنا لتفصل الكاف عن الضمير؛ فإدخال الكاف على الضمير غير جائز (٦). الثاني: أن [مثل] بمعنى الذات: أي: ليس كذاته شيء (٧)، من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا، أي: أنت لا تفعله (٨). الثالث: أن [مثل] بمعنى الصفة: أي: ليس كصفته شيء (٩). وعلى هذين القولين الأخيرين لا يكون في الكلام زيادة، والإتيان بـ[مثل] للمبالغة في تأكيد النفي. قال الراغب: (وأما الجمع بين الكاف والمثل، فقد قيل ذلك لتأكيد النفي، تنبيهاً على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بليس الأمرين جميعاً) (١٠). والذي يترجح عندي هو القول الأول لعدة أمور:

стр. 435

١ - أن هذا هو قول أكثر العلماء، وهو وجه معروف عند العرب لا يخفى عليهم إذا خوطبوا به، وزيادة الكاف عندهم غير قليل (١). ٢ - أن في القول بزيادتها السلامة من إثبات المثل لله؛ لأن معنى الكاف: المثل (٢)، ... قال الزجاج: (ولا يجوز أن يُقال: المعنى: مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) (٣). ٣ - أن في القول بزيادتها المبالغة وتوكيد نفي المثل، وذلك من وجوه: أ/ أن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانياً (٤)، فعلى هذا يكون المعنى: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وهذا توكيد لفظي. ب/ أن عادة العرب عند المبالغة في التشبيه زيادة الكاف، وهذا توكيد معنوي. قال ابن عطية: (الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فإذا أردت المبالغة التامة، قلت: زيد كمثل عمرو) (٥). ٤ - أن القول بأن [مثل] هي الزائدة قول بعيد؛ لأنها اسم، والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم، بل قال ابن هشام: (زيادة الاسم لم تثبت) (٦). وقال أبو حيان: (وما ذهب إليه الطبري وغيره من أن [مثل] زائدة للتوكيد كالكاف ليس بجيد؛ لأن [مثل] اسم، والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة) (٧).

стр. 436

٥ - أن القول بعدم الزيادة في الآية أصلاً قول متوجه، ولكن فيه تخصيص لعموم الآية، فالمِثْل إذا فسر بالذات أو الصفة قصر على بعض معانيه، والقول الأول أعم منهما، وحمل الآية على العموم أولى، لا سيما مع المرجحات السابقة. قال الراغب: (والمثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة ... ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]) (١). فاختيار لفظ المثل له معنى عام يُخَصَّص إذا فسر بالذات أو الصفة. وقال ابن تيمية: (اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة، وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء، يجب أن يكون أحدهما مِثْلاً للآخر، ولا يجوز أن يُنفى عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في معنى ما، فإنه يلزمه عدمه بالكلية) (٢). فالمراد بالآية أنه لا يشارك الله تعالى شيء من الأشياء فيما هو من خصائص الله، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيها أحد (٣). والقول بزيادة الكاف هو ما رجحه ابن عثيمين حيث قال: (والراجح أن نقول: إن الكاف زائدة) (٤). المسألة الثانية:

стр. 437

أشار ابن عقيل إلى أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أزال الاشتباه الذي قد يحصل لبعض الناس في صفات الله تعالى التي أثبتها في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فهي صفات حقيقية نثبتها لله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومن ذلك مثلاً العين في قوله تعالى: ﴿عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، واليد في قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة، فإن الله له صفات الكمال وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (١). قال ابن تيمية: (واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً) (٢).

стр. 438

ففي نفي المثلية لغيره مطلقاً ثم إثبات صفة السمع والبصر له سبحانه في نفس الآية دلالة واضحة على أن هذه الصفات ثابتة لله تعالى على ما يليق بعظمته وجلاله، فالله موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير، فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه، إذ صفات المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به، ولا يمكن أن تصل عقول الخلق إلى كيفيتها، ثم إن في هذه الآية أيضاً الرد على الممثلة والمعطلة، كما قال ابن تيمية: (ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، إثبات الصفات ونفى مماثلة المخلوقات، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل التشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل النفي والتعطيل، فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً) (١). تنبيه: قول ابن عقيل: (وأنها ليست جوارح ولا أبعاضاً) هذه من الألفاظ المحدثة، يستدل بها نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة، فنفوا معنى الصفة عن الله تعالى بهذه الحجة، وأما المفوضة (٢) فأثبتوا معنىً مجهولاً ونفوا ما يُعلم من لفظه، حيث يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام جوارح وأبعاض متماثلة، فإثبات الصفات مستلزم للتجسيم والتشبيه، والنصوص الواردة في الصفات مجهولة للخلق لا سبيل لمعرفة معانيها. وكلامهم باطل من وجوه:

стр. 439

١ - أن الصفات تقوم بالأجسام وغير الأجسام، فيقال مثلاً: الليل طويل والنهار قصير والعكس وهما ليسا جسمين. ٢ - أنه لا بد من تحديد المراد بالجوارح والأبعاض، فإنه في حق الله تعالى من الألفاظ البدعية التي لم ترد بنفي ولا إثبات، فلا يصح إطلاقه نفياً ولا إثباتاً في حق الله تعالى؛ لأن صفاته سبحانه توقيفية. ٣ - أن دعوى تماثل الأجسام دعوى باطلة ببداهة العقول، فإن بين الأجسام من التغاير في الصفات ما هو معلوم بالضرورة (١)، قال ابن تيمية: (ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه أو بالمركب أو بالهيولى والصورة ونحو ذلك .. ) (٢). ٤ - أنهم يدعون لله أوصافاً لا بد لهم من إثباتها كالوجود والحياة والقدرة، وهذا تناقض يستلزم البطلان. ٥ - أن نفي الصفة إثبات لضدها، قال ابن تيمية: (وهذه الطريقة من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهاً لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم فقد عبد رباً ناقصاً معيباً .. ) (٣).فهم يريدون بهذا النفي: الفرار من التشبيه، فوقعوا في التعطيل؛ لأن هذا هو التعطيل بعينه. ٦ - أن نصوص الصفات واضحة المعاني فهي بلسان عربي مبين، والمجهول هو كيفياتها؛ لأن من ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات. ٧ - أن هذا قياس عقلي، وصفات الله تعالى، لا مجال للعقل فيها. والله أعلم.

стр. 440

سورة الزخرف قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف:٥٥]. ١٢٧/ ١ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿آسَفُونَا﴾، يرجع إلى موسى بدليل قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠] اهـ) (١). الدراسة: أشار ابن عقيل إلى أن الضمير يرجع إلى موسى واستدل بقوله تعالى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠] والمراد هنا موسى، تنزيهاً لله من الأسف؛ لأنه إنما يكون على شيء فائت، والله سبحانه لا يفوته شيء (٢)، وهذا هو القول الأول. والقول الثاني: أن الضمير يرجع إلى الله سبحانه، وهو ما عليه أكثر المفسرين (٣)، وهو الذي يدل عليه سياق الآية حيث قال بعدها: ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] وهذا إنما يكون من الله سبحانه. وهذا هو الراجح بإذن الله، ويجاب عما استدل به ابن عقيل بما يلي: الأول: أن الترجيح بسياق الآية أقوى من كل مرجح وقد اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير وغيرهم (٤). الثاني: نحن متفقون على تنزيه الله من النقص؛ والأسف في اللغة له معنيان: أحدهما: أنه يأتي بمعنى الحزن كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف:٨٤] وهذا المعنى ممتنع بالنسبة لله (٥).

стр. 441

وثانيهما: أنه بمعنى الغضب (١)، وهو المراد في هذه الآية، كما فسرها به عامة العلماء (٢). قال الطبري: (يعني بقوله: آسفونا: أغضبونا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٣). وقال ابن عطية: (و ﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] معناه: أغضبونا بلا خلاف) (٤). وقال السمرقندي: (قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، يعني: أغضبونا، قال أهل اللغة: الأسف: الغضب) (٥). وبهذا التفسير لا نحتاج إلى تأويل الآية كما فعل بعضهم بقوله: فعلوا فعلاً لو فعلوه مع مخلوق لكان متأسفاً حزيناً (٦). وقول بعضهم المراد: أغضبوا رسلنا وأولياءنا (٧)، فلا حاجة لهذا.

стр. 442

وصفة الغضب ثابتة لله تعالى كما أثبتها لنفسه سبحانه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨]، فهي عند أهل الحق صفة حقيقية لله على ما يليق بجلاله سبحانه ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق، قال ابن أبي العز: (ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى) (١). بل في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] رد على من فسر السخط والغضب بالانتقام فإنه نتيجة لهما كما أن الثواب نتيجة الرضى، والعقل يدل على إثبات السخط والغضب، فإن الانتقام من المجرمين وتعذيب الكافرين دليل على السخط والغضب، وليس دليلاً على الرضى ولا على انتفاء الغضب والسخط (٢). ويقال لمن تأول الغضب بإرادة الانتقام، لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه الغضب، ويقال له أيضاً: كذلك الإرادة والمشيئة فينا فهي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه؛ فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه ويزداد بوجوده وينتقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك.

стр. 443

فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة، قيل له: فقل إن الغضب الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد وإن كان كل منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضاً من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب (١). والله تعالى أعلم. سورة الأحقاف قال تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف:٣١]. ١٢٨/ ١ - قال ابن عقيل: (فليس غفرانه مقصوراً على التوبة، فالطاعات مكفِّرة، توبةً أو غيرَ توبة اهـ) (٢). الدراسة: استدل ابن عقيل بالآية على أن الطاعات مكفرة للذنوب سواء كانت توبةً أو غيرها. ووجه الاستدلال أن الله تعالى رتب المغفرة للذنوب على إجابة أمره والإيمان به ولم يقيد الغفران بالتوبة. والنصوص الدالة على هذا صريحة صحيحة كثيرة، منها: حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه توضأ لهم ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: " من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يُبْقِي من دَرَنِه؟ " قالوا لا يُبْقِي من دَرَنِه شيئاً، قال: " فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا " (٤).

стр. 444

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (١). وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي " (٢). وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " (٣). ويتفرع على هذه المسألة مسألة: هل الحسنات والأعمال الصالحة تكفر الكبائر أم هي خاصة بالصغائر؟: اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تكفِّر سوى الصغائر؛ قالوا لأن بعض الأحاديث قيدت باجتناب الكبائر؛ فيحمل المطلق على المقيد، كحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " (٤).

стр. 445

وحديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله " (١)، قالوا: فالكبائر لا بد لها من التوبة؛ لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالماً، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر مكفَّرة بالوضوء، والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع (٢)، وهذا قول الجمهور، وصوبه ابن رجب (٣). القول الثاني: أن الأعمال الصالحة تكفِّر الصغائر والكبائر جميعاً، واستدلوا بما يلي: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التغابن:٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق:٥]. وغيرها كثير (٤). قال ابن رجب مورِداً على هذه الآيات: (لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمن لم يتب، فهو ظالم، غير متقٍ) (٥).

стр. 446

والقول بأن الأعمال الصالحة تكفر الصغائر والكبائر هو قول ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية، وأجاب على من قيدها بالكبائر بخمسة وجوه حيث قال: (أحدها: أن هذا الشرط - يعني ما اجتنبت الكبائر - جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر؛ فإن الله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة تكون مع الكبائر، كما في قوله ﷺ : " غفر له وإن كان فر من الزحف " (١). وفي الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁: " وإن زنى وإن سرق " (٢).

стр. 447

الثالث: أن قوله لأهل بدر ونحوهم: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " (١) إن حُمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر؛ لما قد عُلم أن الكفر لا يُغفر إلا بالتوبة لا يجوز حمله على الصغائر المكَفَّرة باجتناب الكبائر. الرابع: أنه قد جاء في غير حديث أن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب ... ) إلى أن قال: (الخامس: أن الله لم يجعل شيئاً يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة ... ) (٢).

стр. 448

وبعد هذا يتبين لي قوة القولين، لكن ما أجمل قول ابن رجب في الجمع بين القولين حيث قال: (والأظهر والله أعلم في هذه المسألة أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال: إن أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع الكبائر مكفَّرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر فهذا باطل، وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع) إلى أن قال: (وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيئات وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصة وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافاً لمن قال: يثاب بالجميع وتسقط سيئاته كأنها لم تكن، وهذا في الكبائر أما الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها) (١). وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٢٩]: (يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه ويغطيها فيسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها) (٢). وقال ابن كثير عندها: (فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفِّق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة. - وتكفيرُ ذنوبه وهو محوها، وغفرُها: سترها - سبباً لنيل ثواب الله الجزيل .. ) (٣) والله أعلم.

стр. 449

سورة الفتح قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح:٢٧]. ١٢٩/ ١ - قال ابن عقيل: (﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فكنى عن الحج بحلق الرأس فدل على وجوبه فيه، والأصل في ذلك أن العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به تقول: عندي كذا وكذا رقبة، وتحتي كذا وكذا فرج، قال النبي ﷺ : " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " (١) ويقول القائل: لي كذا وكذا وقفة، ويريدون حجة، لما كان الوقوف بفواته فوات الحج، ويدرك بإدراكه، هذا دأبهم اهـ) (٢). الدراسة: استنبط ابن عقيل من الآية قاعدة: وهي أن تسمية العبادة ببعض ما فيها يدل على وجوبه فيها، والأصل فيها: أن العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به، وهذا هو ما ذكره عامة العلماء، وقد سبق مثل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] (٣)، فلما سمى الحاج بالمحلق أو المقصر دل على وجوب هذا النسك في الحج.

стр. 450

قال الجصاص: (المقصد إخبارهم بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين متقربين بالإحرام، فلما ذكر معه الحلق والتقصير: دل على أنهما قربة في الإحرام، وأن الإحلال بهما يقع، لولا ذلك ما كان للذكر ههنا وجه .. وهذا أيضاً يدل على أنهما قربة ونسك عند الإحلال من الإحرام) (١). وقال ابن قدامة في الاستدلال على وجوب الحلق أو التقصير: (لأن الله تعالى وصفهم به، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به) (٢). وقال ابن النجار: (وإن كنى الشارع عن عبادة ببعض ما فيها، نحو: التعبير عن الإحرام بالنسك بأخذ الشعر في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] دل على فرضية المكنى به عن تلك العبادة. فيدل قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ على فرضية الحلق في الحج؛ لأن العرب لا تكني عن الشيء إلا بالأخص به. وكذا قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق:٣٩] يدل على وجوب التسبيح في الصلاة. ذكره القاضي وابن عقيل) (٣). والله تعالى أعلم. سورة الحجرات قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات:٢]. ١٣٠/ ١ - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] (يعني: عليه بالقول اهـ) (٤).

стр. 451

الدراسة: فسر ابن عقيل [اللام] في هذه الآية بـ[على]، ففيه النهي عن رفع الصوت على النبي ﷺ (١)؛ لأن [على] تفيد الاستعلاء. وهو تفسير ابن قتيبة حيث قال: (﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] أي: لا تجهروا عليه بالقول. والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه) (٢). وقال أبو يعلى مثله (٣)، وأشار إليه القرطبي (٤)، وغيرهم (٥). وأكثر العلماء لا يشيرون في تفاسيرهم إلى معنى اللام، ولعل ذلك إبقاء لها على بابها، وهو الأقرب عندي: قال الطبري: (﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢] يقول: ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه؛ يا محمد؛ يا محمد، ولكن قولاً ليناً وخطاباً حسناً، بتعظيم له وتوقير وإجلال؛ يا نبي الله؛ يا رسول الله، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٦). وقال السمرقندي: (ثم قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢] يعني: لا تدعوه باسمه كما يدعو الرجل الرجل منكم باسمه، ولكن عظموه ووقروه وقولوا: يا رسول الله؛ يا نبي الله) (٧). وقال الواحدي: (لاتنزلوه منزلة بعضكم من بعض؛ فتقولوا: يا محمد، ولكن خاطبوه بالنبوة والسكينة والإعظام) (٨). فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] جاءت بعد جملة ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] فالأولى أن لا تفسر [اللام] بـ[على] لئلا يكون معنى الجملتين واحداً.

стр. 452

وإذا كانت [اللام] على بابها أفادت الجملة الثانية زيادة على النهي عن رفع الصوت على النبي ﷺ : النهي عن المساواة في الخطاب بين النبي ﷺ وأقرانكم ونظرائكم (١)، وإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى (٢). والله أعلم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات:١٠]. ١٣١/ ٢ - قال ابن عقيل: (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] المراد به: بين كل اثنين من المؤمنين اهـ) (٣). الدراسة: قال ابن عقيل في معنى قوله تعالى: ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾ كل اثنين من المؤمنين، بمعنى أن المراد: الجمع، أي: بين كل أخوين. وهو كما قال ﵀؛ لأمور منها: ١ - أنه قول عامة العلماء (٤). قال الطبري: (ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان، وبالتثنية قرأ ذلك قرأة الأمصار) (٥). وقال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] يعني: الفئتين المقتتلتين) (٦).

стр. 453

٢ - القراءات الواردة في هذه الكلمة: حيث قرأ ابن عامر: (بين إخوتكم) (١)، قال الفراء: (ولو قيل ذلك كان صواباً) (٢) أي: لو قيل إخوتكم مكان أخويكم لكان صواباً؛ لأنهما بمعنى واحد. ورُوي عن ابن سيرين (٣) أنه قرأها: (بين إخوانكم) (٤) ولكنها شاذة (٥)، قال الطبري: (وذلك من جهة العربية صحيح غير أنه خلاف لما عليه قرأة الأمصار، فلا أحب القراءة بها) (٦). ٣ - سياق الآية مع ما قبلها. حيث أن هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات:٩]؛ فدل على أن المراد الجمع لا التثنية. فإن قيل: لم خُص الاثنان بالذكر دون الجمع؟. فالجواب: أ/ أن يقال: لأن الاثنين أقل ما يقع بينهم الخلاف والشقاق؛ فإذا وجب الإصلاح بين الأقل كانت بين الأكثر من باب أولى، لأن الفساد في شقاق الأكثر أكبر منه في شقاق الاثنين (٧).

стр. 454

ب/ أن يقال: إن المراد بالأخوين: هم الأوس والخزرج (١)، كما ذكر ذلك بعض العلماء استناداً إلى سبب نزول الآية قبلها، قال أنس ﵁: (فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]) (٢). ويعود ضمير ﴿اقْتَتَلُوا﴾ على ﴿طَائِفَتَانِ﴾ باعتبار المعنى؛ لأن لفظ الطائفة يدل على الجماعة (٣). والله أعلم. سورة الطور قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور:٢١]. ١٣٢/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ يعني: ما نقصناهم اهـ) (٤). الدراسة: بين ابن عقيل أن معنى قوله تعالى: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ نقصناهم، وهو قول عامة العلماء. قال الطبري: (يعنى بقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئاً) إلى أن قال: (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٥). وقال ابن فارس: (الهمزة واللام والتاء كلمة واحدة تدل على النقصان، يقال: أَلَتَهُ، يأْلِتُهُ، أي نقصه) (٦).

стр. 455

وقال السمرقندي: (يعني ما نقصناهم) (١). ومثله قال الواحدي (٢)، والسمعاني (٣)، والراغب (٤)، وابن الجوزي (٥)، وغيرهم (٦). والله أعلم. سورة الرحمن قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩]. ١٣٣/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ يُحْمل على مقام، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢] يُحْمل على مقام آخر اهـ) (٧). الدراسة: ظاهر هاتين الآيتين التعارض، قال الشنقيطي: (وهنا إشكال معروف) (٨). ففي الآية الأولى: نفي السؤال يوم القيامة، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]. وفي الآية الثانية: إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦].

стр. 456

ذكر ابن عقيل أحد أوجه الجمع بينها وهو: أن يحمل السؤال المنفي على مقام، ويحمل السؤال المثبت على مقام آخر (١)، رواه عكرمة عن ابن عباس (٢)، وهو قول عكرمة (٣)، وقتادة (٤). الوجه الثاني: أن يحمل السؤال المثبت على السؤال عن شهادة أن لا إله إلا الله (٥)؛ لما روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢] قال: " عن لا إله إلا الله " (٦)، والسؤال المنفي عما عدا ذلك مما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه (٧)، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص:٦٥] (٨). الوجه الثالث: أن السؤال المنفي سؤال بعضهم بعضاً؛ لاشتغال كل واحد منهم بنفسه، روي هذا عن ابن عباس (٩)، والسؤال المثبت هو سؤال الله تعالى للجميع، ويدل له قوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾ [القصص:٦٥ - ٦٦].

стр. 457

الوجه الرابع: أن السؤال المنفي هو سؤال الكافر؛ لأنه قد عُرِف بعلامته وسيماه (١)، ويدل له قوله تعالى في الآية التي بعدها: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن:٤١]، روي هذا عن ومجاهد (٢)، وروي عن قتادة أن نفي السؤال عن الذنوب لأن الله قد حفظها عليهم (٣). الوجه الخامس: أن السؤال المنفي بعد استقرارهم في النار، والسؤال المثبت قبل ذلك (٤). الوجه السادس: أن السؤال المنفي سؤال الاستخبار والاستعلام، والسؤال المثبت سؤال التوبيخ والتقريع، كما قال ابن عباس ﵁: (لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لم عملتم كذا وكذا؟) (٥). قال القرطبي: (واعتمد قطرب هذا القول) (٦). وبه قال النحاس (٧)، والجصاص (٨)، والواحدي (٩). قال ابن عطية: (وهو الأظهر) (١٠).

стр. 458

قال الشنقيطي عن هذا الوجه الأخير: (وهو أوجهها لدلالة القرآن عليه .. ) إلى أن قال: (وجه دلالة القرآن على هذا أن سؤاله المنصوص: في كله توبيخ وتقريع؛ كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥]، وقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥]، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وكقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وسؤال الله للرسل ماذا أُجِبتم لتوبيخ الذين كذبوهم كسؤال الموؤودة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٩] لتوبيخ قاتلها) (١). ومما يؤيد هذا: أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة أخص من السؤال المثبت فيها؛ لأن السؤال المنفي مقيد بكونه سؤالاً عن الذنوب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] فخصه بكونه عن الذنوب، وكذلك في قوله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]، والمراد به: الاستعلام والاستخبار، وهذا لا ينافي ثبوت نوع آخر من السؤال، كسؤال التوبيخ والتقريع؛ لأنه نوع من العذاب، وكذلك سؤال التقرير؛ لأن آية إثبات السؤال جاءت عامة حيث قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢]، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة (٢)، وهذا هو أولى الأوجه بالجواب. قال القرطبي: (والقول بالعموم أولى) (٣)، أي: عموم السؤال للجميع. وبهذا يزول ما يوهم التعارض بين الآيات. والله تعالى أعلم.

стр. 459

سورة الواقعة قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]. ١٣٤/ ١ - قال ابن عقيل: (قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [النساء:٢٩]، كل ذلك استثناء منقطع، بمعنى: لكن يسمعون التسليم، لكن كلوها بتجارة، لكن رحمة منا (١)، لكن من رحم (٢) ... ) إلى أن قال: (وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]، لكن قوم يونس، وهذا قول سيبويه (٣) اهـ) (٤). الدراسة: كل هذه الآيات التي ذكرها ابن عقيل فيها استثناء، وقد حكم بأنه استثناء منقطع: ... وهو ما لم يكن فيه المستثنى جنساً من المستثنى منه (٥)، ويصح أن يقع الحرف: [لكن] موقع أداة الاستثناء مع استقامة المعنى (٦). ولكون الآيات في موضوع واحد صار بحثها واحداً.

стр. 460

قال القرطبي: (﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع، أي: لكن يقولون قيلاً أو يسمعون) (١)، ووافقه جمع من المفسرين (٢). وقال أيضاً: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] هذا استثناء منقطع، أي: ولكن تجارة عن تراض) (٣). وهذا هو قول أكثر المفسرين (٤). وقال الطبري: (نَصْبُ: ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]؛ نُصِبوا لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم ومن غير جنسهم وشكلهم، وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعاً، ولكنهم كما وصفت، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (٥). وقال الفراء: (ثم استثنى قوم يونس بالنصب على الانقطاع مما قبله .. ) إلى أن قال: (ولو كان الاستثناء ها هنا وقع على طائفة منهم لكان رفعاً) (٦). وقال الزجاج: (ولا أعلم أحداً قرأ بالرفع) (٧).
следующие страницы →