Полный текст (833 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بل على التَّعَاقُب / والتوالي وَهُوَ (الْمُفِيد) للْعلم أَي مُوجبا بِنَفسِهِ إِيجَابا عادياً لسامعه حُصُول الْعلم بِصدق مضمونه، وَإنَّهُ تخلف عَنهُ ذَلِك الْحُصُول بِالْفِعْلِ الْمَانِع لحصوله بِغَيْرِهِ، لِامْتِنَاع تَحْصِيل الْحَاصِل.
فَخرج بِمَا أوجب الْعلم بِالْغَيْر الْمَذْكُور مَا لَا يُوجب كَذَلِك.
وبنفسها مَا لَا يُوجِبهُ بِنَفسِهِ بل بِوَاسِطَة الْقَرَائِن الزَّائِدَة على الْقَرَائِن الَّتِي لَا يَنْفَكّ الْخَبَر عَنْهَا عَادَة. ونقضه بتخلف إِفَادَة الْمُتَوَاتر الْعلم فِي إِخْبَار النَّصَارَى بقتل عِيسَى، وَالْيَهُود عَن التَّوْرَاة بتأبيد دين مُوسَى، فَإِن كلا مِنْهُمَا خبر مُفِيد للْعلم بمضمونه مَعَ أَنه كذب كَمَا دلّت عَلَيْهِ الشَّرَائِع.
رد بِمَنْع كَون كل مِنْهُمَا متواتراً لِأَن مرجع خبر النَّصَارَى إِلَى الْيَهُود الَّذين دخلُوا على عِيسَى الْبَيْت، وَقد كَانُوا تِسْعَة، فَلَا يحِيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب.
стр. 142
أما إِخْبَار الْيَهُود بتأبيد دين مُوسَى فَإِن كَانَ افتراؤهم إِيَّاه بعد وَاقعَة بخْتنصر فانتفاء تواتره فِيمَا قبل ظَاهر، أَو قبلهَا فقد قتل بخْتنصر كل يَهُودِيّ من الْمشرق إِلَى الْمغرب فَلم يتْرك إِلَّا الْأَطْفَال، فَانْتفى عدد التَّوَاتُر مِنْهُم، على أَنهم حرفوا التَّوْرَاة وَزَادُوا ونقصوا، ودلت معجزات عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام على أَن خبرهم آحَاد كذب.
اليقيني يَعْنِي الضَّرُورِيّ بِدَلِيل مُقَابلَته لَهُ بالنظري فِي قَوْله فَأخْرج النظري على مَا يَأْتِي تَقْرِيره بِشُرُوطِهِ الَّتِي تقدّمت وَذَلِكَ لَا يُخَالف الْمَعْرُوف فِي الِاصْطِلَاح كَمَا ادَّعَاهُ / / الْكَمَال ابْن أبي شرِيف. لِأَن
стр. 143
أهل الِاصْطِلَاح قد يسمون كل يقيني ضَرُورِيًّا وَعَكسه، أَلا ترى إِلَى قَوْله فِي " شرح المواقف " عِنْد نقد المحصل: قد يُرَاد الضَّرُورِيّ معنى اليقيني دون البديهي المستغني عَن النّظر. قَالَ: وَقد يُسمى كل يقيني ضَرُورِيًّا مُوَافقَة لقَوْل (الشَّيْخ) الْأَشْعَرِيّ. وَمعنى كَونه ضَرُورِيًّا أَنه يحصل عِنْد سَمَاعه من غير احْتِيَاج إِلَى نظر، ومصادفة حُصُول الْعلم بمضمون ذَلِك الْخَبَر من غير شُبْهَة.
فَاعْلَم أَن تَعْرِيفه بِالْعلمِ دوري لتوقفه على مَعْرفَته وعَلى تَعْرِيفه. ذكره البقاعي. وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: إِن كَانَ الْعلم بمضمون الْخَبَر مستفاداً من التَّوَاتُر فإثبات التَّوَاتُر بِهِ دوري.
وَأجِيب: بِأَن استفادة الْعلم بمضمون الْخَبَر من التَّوَاتُر بِاعْتِبَار
стр. 144
حُصُوله، وترتبه على سَمَاعه، وَفهم معنى اللَّفْظ المسموع ودلالته على صدق التَّوَاتُر على الْخَبَر بِاعْتِبَار كَون حُصُوله وترتبه مَعْلُوما لمن حصل لَهُ، فالتحقيق أَن الْحَاصِل بالتواتر هُوَ الْعلم بمضمون الْخَبَر، وَدَلِيل صدق الْمُتَوَاتر هُوَ الْعلم بذلك وهما غيران.
وَالْيَقِين: هُوَ الِاعْتِقَاد الْجَازِم المطابق أَرَادَ بالجازم مَا لَا احْتِمَال مَعَه، وَلَا يَزُول بالتشكيك فَلَا حَاجَة لزياد بَعضهم الثَّابِت.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ يَعْنِي هُوَ مُوجب للْعلم بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ الَّذِي يضْطَر الْإِنْسَان إِلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ دَفعه قَالَ / بَعضهم: وَهَذَا التَّعْبِير غير قوي؛ لِأَن النّظر بعد مُبَاشرَة الْأَسْبَاب كَذَلِك، والضروري قبل مباشرتها يُمكنهُ دَفعه بِصَرْف نظره عَنهُ.
وَقيل: يَعْنِي وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا
стр. 145
نظرياً وَلَيْسَ هَذَا القَوْل بِشَيْء يعْتد بِهِ لِأَن الْعلم بالتواتر قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لَو قَالَ بالمتواتر - بِالْمِيم - كَانَ أولى حَاصِل لمن لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة النّظر كالعامي، إِذا النّظر تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة، أَو مظنونة يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَعْلُوم أَو مظنون، وَلَيْسَ فِي الْعَاميّ أَهْلِيَّة ذَلِك، فَلَو كَانَ نظرياً لما حصل لَهُم.
وَاعْترض هَذَا: بِأَن الْعَاميّ فِيهِ أَهْلِيَّة النّظر على طَرِيق الْعَوام فَلَا يَصح التَّمْثِيل بِهِ، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول كَمَا غَيره: كالبله وَالصبيان.
وَالتَّحْقِيق أَنه لَا خلاف، فَإِن من قَالَ أَنه نَظَرِي كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وأتباعهما فسروا كَونه نظرياً بتوقفه على مُقَدمَات حَاصِلَة عِنْد السَّامع، وَهِي مُحَققَة لكَونه الْخَبَر متواترا من كَونه خبر جمع، وكونهم لَا يُجِيز الْعقل توافقهم على الْكَذِب، وَكَونه عَن حسي، وَلَيْسَ مُرَادهم الِاحْتِيَاج إِلَى النّظر عقب سَمَاعه فَلَا خلاف فِي الْمَعْنى فِي أَنه ضَرُورِيّ،
стр. 146
وتوقفه على تِلْكَ الْمُقدمَات لَا يُنَافِي كَونه ضَرُورِيًّا. قَالَ بَعضهم: وَحَاصِل مَا مر وَيَأْتِي أَن الْعلم الضَّرُورِيّ الْحَاصِل من التَّوَاتُر فِي قَول مَنْقُول عَن الرَّسُول وَغَيره هُوَ الْعلم بِتِلْكَ الْأَلْفَاظ / وَكَونهَا كَلَام من أسندت إِلَيْهِ، وَأما الْعلم بِثُبُوت مَدْلُوله فِي الْوَاقِع فَهُوَ استدلالي.
ولاح بِهَذَا التَّقْرِير الْفرق بَين الْعلم الضَّرُورِيّ وَالْعلم النظري إِذْ الضَّرُورِيّ يُفِيد الْعلم بِلَا اسْتِدْلَال. قَالَ بَعضهم: هَذَا التَّرْكِيب فَاسد، لِأَن الضَّرُورِيّ هُنَاكَ صفة لعلم فَيصير معنى التَّرْكِيب أَن الْعلم الضَّرُورِيّ يُفِيد الْعلم بِلَا اسْتِدْلَال، وَلَا يخفى فَسَاده.
والنظري يفِيدهُ لَكِن مَعَ الِاسْتِدْلَال على الإفادة اعْترض هَذَا الصَّنِيع، لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ بِهِ الْعلم لزم الدّور، أَو اللَّفْظ - أَي لفظ الضَّرُورِيّ يُفِيد كَذَا بِحَسب الْوَضع - فَصَحِيح، لَكِن خلاف الْمُتَبَادر من كَلَامه. فَلذَلِك قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف - كالبقاعي -: صَوَاب الْعبارَة أَن يَقُول الضَّرُورِيّ الْعلم الْحَاصِل بِلَا اسْتِدْلَال، والنظري هُوَ المفاد بالاستدلال. قَالَ الْكَمَال: وَقَوله على الإفادة منتقد بِأَن الْمُسْتَدلّ إِنَّمَا يسْتَدلّ على الحكم لَا على الإفادة.
стр. 147
فَإِن الضَّرُورِيّ يحصل لكل سامع، والنظري لَا يحصل إِلَّا لمن فِيهِ أَهْلِيَّة النّظر وَزعم أَن خبر كل وَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، وَضم الظَّن إِلَى الظَّن لَا يُوجب إِلَّا الْيَقِين، وَجَوَاز كذب كل وَاحِد يُوجب جَوَاز كذب الْمَجْمُوع لِأَنَّهُ نفس الْآحَاد.
رد بِأَنَّهُ قد يكون مَعَ الِاجْتِمَاع مَا لَا يكون مَعَ الِانْفِرَاد كقوة الْحَبل الْمُؤلف من شَعرَات.
وَالْقَوْل بِأَن الضروريات لَا يَقع فِيهَا / تفَاوت وَلَا اخْتِلَاف مَعَ أَن الْعلم بِكَوْن الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ أقوى من الْعلم بِوُجُود ذِي القرنين.
منع بِأَن الضَّرُورِيّ قد تَتَفَاوَت أَنْوَاعه لتَفَاوت الإلف وَالْعَادَة والممارسة والإخطار بالبال، وتصورات أَطْرَاف الْأَحْكَام، وَقد تخْتَلف فِيهِ عناداً، أَو تصورا، أَو مُكَابَرَة، أَو قصوراً فِي الْإِدْرَاك.
سَبَب إِبْهَام ابْن حجر شُرُوط التَّوَاتُر
وَإِنَّمَا أبهمت شُرُوط الْمُتَوَاتر فِي الأَصْل يَعْنِي الْمَتْن لِأَنَّهُ على هَذِه الْكَيْفِيَّة لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا ذكره فِيهِ للتكثير إِذْ علم الْإِسْنَاد يبْحَث فِيهِ عَن صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه، ليعْمَل بِهِ أَو يتْرك. أَي
стр. 148
ليعلم هَل هُوَ صَحِيح أَو حسن فَيجب الْعَمَل بِهِ، أَو ضَعِيف فَلَا يعْمل بِهِ فِي الْأَحْكَام بل فِي الْفَضَائِل إِن لم يشْتَد ضعفه.
من حَيْثُ صِفَات الرِّجَال وصيغ الْأَدَاء، والمتواتر لَا يبْحَث عَن رِجَاله بل يجب الْعَمَل بِهِ من غير بحث. كعن وَنَحْوهَا من المدلس. وَلذَلِك لم يفرد ابْن الصّلاح وَلَا من اختصر كِتَابه كالنووي، أَو نظمه كالعراقي الْمُتَوَاتر بِنَوْع.
وَاعْترض على الْمُؤلف من وَجْهَيْن: -
[١] الأول: إِنَّه يجب بَيَان شُرُوط ليتميز من غَيره فَإِن شُرُوطه مَأْخُوذَة فِي تَعْرِيف الْمَشْهُور الَّذِي هُوَ من مبَاحث هَذَا الْفَنّ.
وَأجَاب ابْن الْجَزرِي عَن عدم إفرادهم لَهُ: بِأَنَّهُم اكتفوا من مبَاحث هَذَا الْفَنّ بِالصَّحِيحِ الْمجمع عَلَيْهِ عِنْدهم المتلقى بِالْقبُولِ.
[٢] الثَّانِي: إِن مَا ذكره من أَن / الْمُتَوَاتر لَا يبْحَث عَن رِجَاله يُوجب أَنه لَا دخل لصفات المخبرين فِي بَاب التَّوَاتُر، وَهُوَ نقيض لما قدمه آنِفا.
стр. 149
(فَائِدَة) من الْفُؤَاد، لانها تعقل بِهِ. أَو من الفيد لَا من الْفُؤَاد على مَا مر قريره فِي الْخطْبَة.
ذكر ابْن الصّلاح فِي " مُخْتَصره " أَن مِثَال الْمُتَوَاتر على التَّفْسِير الْمُتَقَدّم فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة يهز وجوده إِلَّا أَن يدعى ذَلِك أَي وجوده فِي حَدِيث من كذب على مُتَعَمدا قد نقل النَّوَوِيّ فِي " شَرحه لمُسلم " أَنه ورد عَن مائتى صَحَابِيّ مِنْهُم الْعشْرَة، فَمن الصِّحَاح: عَليّ
стр. 150
وَالزُّبَيْر. وَمن الحسان: طَلْحَة، وَسعد، وَسَعِيد، وَأَبُو عُبَيْدَة.
وَمن الضَّعِيف المتماسك طَرِيق عُثْمَان، وَبَقِيَّة طرقه واهية أَو سَاقِطَة.
قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيث أجمع على رِوَايَته
стр. 151
الْعشْرَة غَيره، وَغير حَدِيث الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
وَمن ذَلِك - أَيْضا: حَدِيث رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة، فقد تتبع الذَّهَبِيّ طرقه فبلغت نيفاً وَأَرْبَعين صحابياً.
وَذكر المُصَنّف - غَيره - أَن من أمثلته: من بنى لله مَسْجِدا،
стр. 152
وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ، والشفاعة والحوض، ورؤية الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة، وَالْأَئِمَّة من قُرَيْش، وَأنزل القرءان على سَبْعَة أحرف، وَغسل الْيَدَيْنِ فِي الْوضُوء، وَخير النَّاس قُرَيْش، واتخاذ الْقُبُور
стр. 153
مَسَاجِد، وسؤال الْقَبْر، وكل مُسكر حرَام، ونضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي، وَبَدَأَ الْإِسْلَام / غَرِيبا، وكل ميسر لما خلق لَهُ، والمرء مَعَ من أحب.
فَلذَلِك رد المُصَنّف مَا ادَّعَاهُ ابْن الصّلاح بقوله: وَمَا ادَّعَاهُ من الْعِزَّة مَمْنُوع، وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره. قَالَ الشَّيْخ
стр. 154
قَاسم: وَذكر بعض المحققيين أَن الْمَنْع الْمُجَرّد مَعَ الْمَيِّت لَا يقبل، لِأَن الْمَنْع طلب الدَّلِيل وَلَا طلب مِمَّن مَاتَ.
وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره كَابْن حبَان وَغَيره من الْعَدَم من بَاب أولى لَان ذَلِك نَشأ عَن قلَّة الِاطِّلَاع على كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال، وصفاتهم الْمُقْتَضِيَة لإبعاد الْعَادة أَن يتواطؤا على الْكَذِب، أَو يحصل مِنْهُم اتِّفَاقًا أَرَادَ بالقلة مَا يَشْمَل عزة الْوُجُود والعدم ليصلح عِلّة لادعاء الْقلَّة والعدم، وَلَو أخذت الْقلَّة بِأحد الْمَعْنيين دون الآخر لفات تَعْلِيل أَحدهمَا وَلم يصلح لَهُ، هَذَا مَا ذكره بعض الْمُتَكَلِّمين عَلَيْهِ.
وَقَالَ البقاعي: كَلَام المُصَنّف فَاسد من أَصله، لِأَن قلَّة الِاطِّلَاع لَيست عِلّة لِامْتِنَاع دَعوَاهُم وَإِنَّمَا هُوَ عِلّة لوقوعهم فِيمَا ادعوهُ، وصواب الْعبارَة أَن يَقُول: وَإِنَّمَا صدرت هَذِه الدَّعْوَى مِمَّن صدرت مِنْهُ لِأَن ذَلِك نَشأ ... إِلَى آخِره على أَنه إِنَّمَا نَشأ عَن الْغَفْلَة عَن أَنه لَا يحْتَاج إِلَى
стр. 155
إِسْنَاد خَاص فِي نِسْبَة الْكتب الْمَشْهُورَة إِلَى مصنفها الَّذِي سَيذكرُهُ وَأَن ذَلِك ثَبت بالتواتر، وَإِمَّا قلَّة الِاطِّلَاع على كَثْرَة الطّرق من المصنفين. انْتهى.
وَاعْترض الشَّيْخ قَاسم مَا ذكره المُصَنّف أَيْضا / بِأَنَّهُ قدم قبله: إِن التَّوَاتُر لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد، وَإنَّهُ لَا يبْحَث عَن رِجَاله، وَحِينَئِذٍ فَلَو سلم قلَّة اطلَاع من ذكرهم المُصَنّف على أَحْوَال الرِّجَال وصفاتهم لم يُوجب مَا ذكره. انْتهى.
وَقد أجَاب بعض شرَّاح الألفية عَن ابْن الصّلاح وَمن تبعه: بِأَن مُرَادهم الْعِزَّة من حَيْثُ الرِّوَايَة لَا الشُّهْرَة.
وَقَالَ شَيخنَا النَّجْم الغيطي: أَرَادَ ابْن الصّلاح بِالْعِزَّةِ عدم الْوُجُود بِدَلِيل قَوْله: إِلَّا أَن يدعى ذَلِك ... إِلَى آخِره، وَإِن كَانَ قَول المُصَنّف وَمَا ادَّعَاهُ غَيره من الْعَدَم يدل على أَن مُرَاده الْقلَّة.
وَمن أحسن مَا بِهِ تقرر كَون الْمُتَوَاتر مَوْجُودا - وجود كَثْرَة فِي
стр. 156
الْأَحَادِيث - وَأَن الْكتب الْمَشْهُورَة المتداولة بَين أَيدي أهل الْعلم شرقاً وغرباً الْمَقْطُوع عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مصنفيها إِذا اجْتمعت على إِخْرَاج حَدِيث، وتعددت طرقه تعدداً يحِيل الْعَادة بتواطئهم أَي الواقعين فِي الطّرق على الْكَذِب إِلَى آخر الشُّرُوط أَفَادَ الْعلم اليقيني بِصِحَّة نسبته إِلَى قَائِله وَمثل ذَلِك فِي الْكتب الْمَشْهُورَة كثير.
قَالَ البقاعي: وَلَيْسَ القَوْل قيدا خلافًا لما يُوهِمهُ كَلَامه، بل لَو كَانَ الحَدِيث فعلياً كَانَ كَذَلِك بِلَا ريب، أَو علم أَن مقَالَة الْمُؤلف قد كَاد يجمع من جَاءَ بعده على ترتيبها، فتعقبها بعض الآخذين عَنهُ: بِأَن أول مقَالَته هَذِه لَا تلتئم مَعَ مَا سلف تَحْقِيقه من أَنه لَا دخل لصفات المخبرين من التَّوَاتُر.
стр. 157
وَالشَّيْخ قَاسم / بِأَن الْبَحْث فِي وجود الْمُتَوَاتر لَا فِي طَرِيق إِمْكَان وجوده. وَبِأَن قَوْله الْمَقْطُوع عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مؤلفيها إِن سلم مَا ذكره من الْقطع وَهُوَ بِنَفس النِّسْبَة لَا بِصِحَّتِهَا. وَقَوله وَمثل ذَلِك كثير. دَعْوَى مُجَرّدَة فَلَا يُفِيد فِي مَحل النزاع.
والكمال بن أبي شرِيف: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من الْقطع بِصِحَّة نِسْبَة الْكتب إِلَى مصنفيها كَون ذَلِك الْقطع حَاصِلا فِي التَّوَاتُر، وَقد يحصل بِخَبَر الْآحَاد المحتف بالقرائن وَإِلَّا فَهَذَا صَحِيح البُخَارِيّ الَّذِي هُوَ أصح كتاب بعد كتاب الله لَا يروي الْآن بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِل إِلَّا عَن الْفربرِي، بل وغالب الْكتب الْمَشْهُورَة لَا تبلغ - فِيمَا تعلم رواتها عَن مؤلفيها
стр. 158
الَّذين يتَّصل الْإِسْنَاد فِي عصرنا إِلَيْهِم سَمَاعا - عدد التَّوَاتُر ... ...
أَقسَام الْآحَاد
وَالثَّانِي وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد بِالْمدِّ، وأخره عَن الْمُتَوَاتر لاعتباره فِي معنى الْآحَاد نفي معنى الْمُتَوَاتر.
مَا لَهُ طرق محصورة بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ قَالَ البقاعي: هَذَا يَأْتِي فِيهِ مَا مر من أَن الْحصْر إِنَّمَا يكون فِي معِين وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين أَي النَّوْع الَّذِي يُقَال لَهُ الْمَشْهُور عِنْدهم سمي بذلك لوضوحه أَشَارَ بذلك إِلَى الْمُنَاسبَة المصححة لنقله من الْمَعْنى اللّغَوِيّ إِلَى الاصطلاحي. قَالَ
стр. 159
البقاعي: وَلَو قَالَ لظُهُوره كَانَ أبلغ لأهل اللُّغَة، فَإِنَّهُم قَالُوا: الْمَشْهُور ظُهُور الشَّيْء، والشهير مَعْرُوف.
وَاعْلَم أَن مَا / جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف من أَن أقل عدد الْمَشْهُور ثَلَاثَة هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَام ابْن الصّلاح.
لَكِن اخْتَار ابْن الْحَاجِب - تبعا للآمدي والإمامين والغزالى - أَن أَقَله مَا زَادَت نقلته على ثَلَاثَة مَا لم يبلغ حد التَّوَاتُر، وَهُوَ رأى مأثور عَن النظام، وَجزم بِهِ البُلْقِينِيّ وَمَال إِلَيْهِ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف
стр. 160
وَقَالَ: القَوْل بِالثَّلَاثَةِ غَرِيب. قَالَ: وَلَا يُقَال هَذَا اصْطِلَاح أهل الْأُصُول دون الْمُحدثين لأَنا نقُول: مَمْنُوع، وَقد جزم ابْن الْجَزرِي فِي " منظومته " الَّتِي نظمها فِي هَذَا الْعلم بِأَنَّهُ الْمَشْهُور فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث حَيْثُ قَالَ:
(واصطلحوا الْمَشْهُور مَا يرويهِ ... فَوق ثَلَاثَة عَن الْوَجِيه)
أَي عَن راو ذِي وجاه وَقدر.
وَهُوَ المستفيض على رَأْي جمَاعَة من أَئِمَّة الْفُقَهَاء أَي قَول جمَاعَة من الْفُقَهَاء، وَكَذَلِكَ للأصوليين وَبَعض الْمُحدثين كَمَا عبر بِهِ السخاوي، وَأَخْطَأ من قَالَ كلهم. وعَلى هَذَا الرَّأْي جرى المُصَنّف فِي " الْإِصَابَة "، لَكِن هَذَا الرَّأْي مَرْجُوح كَمَا أفهمهُ تَعْبِير " جمع الْجَوَامِع " بقوله: قد يُسمى أَي المستفيض مَشْهُورا.
стр. 161
قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف، والشرف الْمَنَاوِيّ: واللايق بالدمج أَنه كَانَ يَقُول: على رَأْي. هُوَ رَأْي جمَاعَة، أَو على رَأْي لجَماعَة، لِأَن الرَّأْي فِي الْمَتْن منون.
سمي بذلك لانتشاره واشتهاره وإشاعته فِي النَّاس، مَأْخُوذ من قَوْلهم فاض / المَاء يفِيض فيضاً وفيوضة، إِذا كثر حِين سَالَ على صفة الرَّاوِي.
وَمِنْهُم من غاير بَين المستفيض وَالْمَشْهُور وَفرق بَينهمَا أَن المستفيض يكون فِي ابْتِدَائه وانتهائه يعْنى وَفِيمَا بَينهمَا سَوَاء وَقد صرح بذلك الْمُؤلف فِي " تَقْرِيره " فَقَالَ: من الِابْتِدَاء إِلَى الِانْتِهَاء حَتَّى تدخل الْوَاسِطَة.
وَالْمَشْهُور أَعم من ذَلِك بِحَيْثُ يَشْمَل مَا كَانَ أَوله مَنْقُولًا عَن وَاحِد
стр. 162
كَحَدِيث " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "، وَإِن اعْترض ابْن الصّلاح التَّمْثِيل بِهِ لِأَن الشُّهْرَة فِيهِ نسبية.
وَمِنْهُم من غاير على كَيْفيَّة أُخْرَى فَفرق بِأَن المستفيض مَا تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ دون اعْتِبَار عدد، وَلذَلِك قَالَ الصَّيْرَفِي والقفال: إِنَّه هُوَ والمتواتر بِمَعْنى وَاحِد.
بل قَالَ الْمَاوَرْدِيّ أَنه أقوى من التَّوَاتُر كَذَلِك نَقله ابْن كثير عَنهُ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا اصْطِلَاح (مِنْهُ) .
وَمِنْهُم من غاير بِأَن المستفيض هُوَ الشَّائِع عَن أصل كَيفَ كَانَ،
стр. 163
وَالْمَشْهُور مَا زَادَت رُوَاته على ثَلَاثَة.
وَلَيْسَ من مبَاحث هَذَا الْفَنّ أَي وَلَيْسَ تَحْقِيق الْمُغَايرَة أَو الترادف بَينهمَا من مبَاحث علم الحَدِيث بل مَحَله أصُول الْفِقْه.
ثمَّ الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين (قِسْمَانِ الأول أَنه) يُطلق على مَا حرر هُنَا قَالَ العلائي: وَهَذَا الْقسم مُلْحق بالتواتر عِنْد الْمُحدثين، يُفِيد الْعلم النظري إِذا كَانَت طرقه متباينة / سَالِمَة من ضعف الروَاة، وَمن الشذوذ وَالْعلَّة، لكنه يُفَارق الْمُتَوَاتر فِي أَنه يشْتَرط عَدَالَة نقلته، فَإِن الْمَشْهُور قد يكون أحادي الأَصْل ثمَّ يشْتَهر بعد الصَّحَابَة فِي الْقرن الثَّانِي فَمن بعدهمْ، وَفِي أَن الْمَشْهُور لَا يحصل الْعلم بِهِ إِلَّا لعالم بِالْحَدِيثِ متبحر فِيهِ، عَارِف بأحوال الروَاة، مطلع على الْعِلَل بِخِلَاف الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ يحصل بِهِ لكل سامع.
وَالثَّانِي: أَنه يُطلق على مَا أَي على الحَدِيث الَّذِي اشْتهر على
стр. 164
الْأَلْسِنَة فَيشْمَل مَا لَهُ إِسْنَاد وَاحِد (فَصَاعِدا) وَإِن لم يكن صَحِيحا بل مَا لَا يُوجد لَهُ إِسْنَاد أصلا.
ك " عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل "، و " ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل كسْرَى "، و " من بشرني بِخُرُوج آذار بَشرته بِالْجنَّةِ "، و " يَوْم نحركم يَوْم صومكم ".
стр. 165
وَمن نظر " الواهيات " و " الموضوعات " لِابْنِ الْجَوْزِيّ علم لذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة.
وَمن الْقسم الأول وَهُوَ الصَّحِيح: حَدِيث " إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً ينتزعه "، وَحَدِيث " من أَتَى الْجُمُعَة فليغتسل ".
ومثاله وَهُوَ حسن: حَدِيث " طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم ". فقد أَفَادَ الْمزي أَن طرقه يرتقى بهَا إِلَى الْحسن.
стр. 166
وَحَدِيث: " للسَّائِل حق وَإِن جَاءَ على فرس ". قَالَ السخاوي: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الْحُسَيْن وَعَن وَالِده، وخرجه أَحْمد عَن الْحُسَيْن وَغَيره.
ومثاله وَهُوَ ضَعِيف: " الأذنان من الرَّأْس ". قَالَ
стр. 167
بَعضهم: وينقسم الْمَشْهُور - أَيْضا - إِلَى مَشْهُور عِنْد / الْمُحدثين فَقَط، (وَإِلَى مَشْهُور بَينهم وَبَين غَيرهم فمثال الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين فَقَط) كَحَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي مجلز عَن أنس أَن الْمُصْطَفى قنت شهرا بعد الرُّكُوع. فَهَذَا مَشْهُور بَين الْمُحدثين وَرَوَاهُ التَّيْمِيّ عَن أنس - أَيْضا -، وَأما غَيرهم فيستغربه من جِهَة أَن التَّيْمِيّ يروي عَن أنس بِلَا وَاسِطَة.
стр. 168
الْعَزِيز
وَالثَّالِث الْعَزِيز وَهُوَ أَن لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ أَي يرويانه عَن اثْنَيْنِ، فَقَوله: عَن اثْنَيْنِ. نعت اثْنَيْنِ لَا مُتَعَلق بيروي هَذَا مَا جرى عَلَيْهِ الْمُؤلف هُنَا، لَكِن كَلَام شَيْخه الْعِرَاقِيّ فِي " ألفيته " ظَاهر - كَمَا قَالَه السخاوي - فِي الِاكْتِفَاء بِوُجُود ذَلِك فِي طبقَة وَاحِدَة بِحَيْثُ لَا يمْتَنع أَن يكون فِي غَيرهَا من طباقه غَرِيبا بِأَن يتفرد بِهِ راو آخر عَن شَيْخه، بل وَلَا أَن يكون مَشْهُورا كاجتماع ثَلَاثَة فَأكْثر على رِوَايَته فِي بعض طباقه، وَجرى على ذَلِك فِي غير هَذَا الْكتاب. وَإِلَّا وَجه كَمَا صَار إِلَيْهِ السخاوي: إِن مَا كَانَت الْعِزَّة فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى راو يُقيد أَو بِأَن يُقَال عَنهُ فِيهِ عَزِيز من حَدِيث فلَان، وَأما عِنْد الْإِطْلَاق
стр. 169
فَيَنْصَرِف لما أَكثر طباقه كَذَلِك، لِأَن وجود سَنَد على وتيرة وَاحِدَة بِرِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ ادّعى فِيهِ ابْن حبَان عدم الْوُجُود، وَكَاد الْمُؤلف أَن يُوَافقهُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّه يُمكن أَن يسلم بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَة الَّتِي جوزناها وَهِي أَن لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ عَن أقل من اثْنَيْنِ يَعْنِي على مِمَّا حَرَّره هُوَ فَإِنَّهُ مَوْجُود.
سمى بذلك (إِمَّا) لقلَّة وجوده لِأَنَّهُ يُقَال عز يعز / بِكَسْر الْعين فِي الْمُضَارع عزا وعزازة بِفَتْح الْعين إِذا قل بِحَيْثُ لَا يكَاد يُوجد. وَإِمَّا لكَونه عز أَي قوي بمجيئه من طَرِيق أُخْرَى من عز يعز - بِفَتْح الْعين فِي الْمُضَارع - عزازة أَيْضا إِذا اشْتَدَّ وَقَوي، وَمِنْه (فعززنا بثالث)
стр. 170
أَي قوينا وشددنا، وَجمع الحَدِيث عزاز ككرم وكرام قَالَ الشَّاعِر:
(بيض الْوُجُوه البة ومعاقل ... فِي كل نائبة عزاز الْأَنْفس)
وَلَيْسَ اشْتِرَاط الْعدَد بِأَن لَا يرويهِ اقل من اثْنَيْنِ شرطا لصحيح أَي للْحَدِيث الصَّحِيح خلافًا لمن زَعمه وَهُوَ أَبُو عَليّ الجبائي بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد نِسْبَة إِلَى جبى الْقصر وَالتَّشْدِيد قَرْيَة بِالْبَصْرَةِ من الْمُعْتَزلَة أهل الْأُصُول حَيْثُ قَالَ: لَا يقبل خبر الْوَاحِد الْعدْل إِلَّا إِن انْضَمَّ إِلَيْهِ آخر، وعضده مُوَافقَة الْكتاب، أَو ظَاهر خبر آخر، وانتشر بَين الصَّحَابَة، أَو عمل بِهِ بَعضهم، بل نقل عَنهُ (أَنه) اشْترط أَرْبَعَة.
стр. 171
وَنقل النَّوَوِيّ عَن بعض الْقَدَرِيَّة أَنه اشْترط أَرْبَعَة أَيْضا، قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَلَا عِبْرَة بِخِلَاف أبي على الجبائي وَلَا بِبَعْض الْقَدَرِيَّة فِي ذَلِك. وَإِلَيْهِ يؤمي كَلَام الْحَاكِم أبي عبد الله من أكَابِر الْمُحدثين فِي كِتَابه الْمُسَمّى " بالمدخل " - وَقَوله أَبُو عبد الله احْتَرز بِهِ عَن الْحَاكِم أبي أَحْمد - فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي عُلُوم الحَدِيث حَيْثُ قَالَ: الصَّحِيح أَن يرويهِ الصَّحَابِيّ الزائل / عَنهُ اسْم الْجَهَالَة، بِأَن يكون لَهُ راويان ثمَّ يتداوله أهل الحَدِيث إِلَى وقتنا كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة. وَوَافَقَهُ
стр. 172
على ذَلِك من الْمُحدثين - أَيْضا - ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة " جَامع الْأُصُول "، وَوَافَقَهُمَا على ذَلِك من الْفُقَهَاء إِبْرَاهِيم ابْن علية، وَجزم بذلك الْبَيْضَاوِيّ فَقَالَ: إِن روايه - أَي الحَدِيث - إِن كَانَ مثنى أَو أَكثر كَمَا فِي الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا الإمامان البُخَارِيّ وَمُسلم يُسمى صحاحاً.
والميانجي - من الْمُحدثين - وَزَاد: إِن شَرط الشَّيْخَيْنِ أَن يرويهِ عَن الْمُصْطَفى اثْنَان فَأكْثر، وَيَرْوِيه عَن كل مِنْهُمَا أَرْبَعَة، وَيَرْوِيه عَن كل مِنْهُم أَكثر من أَرْبَعَة.
ورده الْمُؤلف بِأَنَّهُ لَو قيل: أَنه لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث وَاحِد بِهَذِهِ الصّفة لم يبعد.
стр. 173
قَالَ شَيخنَا الغيطي: والإيماء فِي كَلَام الْحَاكِم من قَوْله: كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة. فَإِنَّهُ اقْتضى أَن يكون الحَدِيث رَوَاهُ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ من الصَّحَابِيّ الَّذِي زَالَ عَنهُ اسْم الْجَهَالَة إِلَيْنَا، لكنه لم يشْتَرط أَن يرويهِ اثْنَان عَن النَّبِي كَمَا اشْتَرَطَهُ غَيره. انْتهى.
وَبِذَلِك علم أَن اشْتِرَاط الْعدَد لَيْسَ خَاصّا بِبَعْض الْمُعْتَزلَة، بل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْمُحدثين وَغَيرهمَا، فَقَوْل الْمُؤلف فِي " نكته عَن ابْن الصّلاح " أَنه خَاص بِبَعْض الْمُعْتَزلَة غير صَحِيح.
وَصرح أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي فِي شرح البُخَارِيّ بِأَن ذَلِك شَرط البُخَارِيّ / حَيْثُ قَالَ: مَذْهَب البُخَارِيّ أَن الصَّحِيح لَا يثبت حَتَّى يرويهِ اثْنَان عَن اثْنَيْنِ، وَهُوَ بَاطِل.
وتقدمه إِلَى القَوْل بذلك بعض الْمُحدثين حَكَاهُ الْجُوَيْنِيّ عَنْهُم
стр. 174
وَأجَاب أَي ابْن الْعَرَبِيّ عَمَّا أورد عَلَيْهِ من ذَلِك من أَن حَدِيث " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " الَّذِي هُوَ أول حَدِيث فِي البُخَارِيّ انْفَرد بِهِ عمر بِجَوَاب فِيهِ نظر ثمَّ بَين وَجه النّظر بقوله لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِن قيل حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَرد بِأَنَّهُ لم يروه عَن عمر بن الْخطاب إِلَّا عَلْقَمَة بن وَقاص قُلْنَا: قد خطب بِهِ عمر على الْمِنْبَر بِحَضْرَة الصَّحَابَة فلولا أَنهم يعرفونه لأنكروه عَلَيْهِ. قَالَ: فَالْبُخَارِي وَإِن كَانَ بنى كِتَابه على حَدِيث يرويهِ اكثر من وَاحِد، فَهَذَا الحَدِيث لَا يرد عَلَيْهِ، فَإِن عمر لما قَالَه بِمحضر الصَّحَابَة وأقروه صَار كالمجمع عَلَيْهِ، فعمر ذكرهم لَا أخْبرهُم.
وَتعقب يعْنى تعقبه ابْن رشيد فِي " ترجمان التراجم " بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونهم سكتوا عَنهُ أَن يَكُونُوا سَمِعُوهُ من غَيره. قَالَ الشَّيْخ قَاسم:
стр. 175
حَاصِل السُّؤَال أَنه لم يروه عَن عمر إِلَّا وَاحِد، وَحَاصِل الْجَواب أَنه رَوَاهُ عمر وَغَيره، فَلَا يمس هَذَا الْجَواب السُّؤَال بِوَجْه من الْوُجُوه.
وَإِن هَذَا لَو سلم فِي عمر أَي فِي انْفِرَاده بِهِ وَحده منع فِي تفرد عَلْقَمَة عَنهُ بِهِ ثمَّ تفرد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، ثمَّ تفرد يحيى بن سعيد بِهِ / عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة وَعنهُ تعدّدت رُوَاته.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن ظَاهر التعقب أَنه على اشْتِرَاط التَّعَدُّد فِي الصَّحَابِيّ وَمن بعده، وَظَاهر كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ وَالْحَاكِم أَنه لَا يشْتَرط التَّعَدُّد فِي الصَّحَابِيّ بل فِيمَن بعده على مَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف عِنْد الْمُحدثين، وَقد وَردت لَهُ
стр. 176
متابعات كَغَيْرِهِ لَا عِبْرَة بهَا لِضعْفِهَا وَقد أَفَادَ المُصَنّف فِي تَقْرِير هَذَا حِين قرئَ عَلَيْهِ الشَّرْح: إِن هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن المتابعات الَّتِي وَردت لهَذَا الحَدِيث لَا تخرجه عَن كَونه فَردا لِضعْفِهَا فَلَا يعْتد بهَا.
وَكَذَا لَا نسلم جَوَابه فِي غير حَدِيث عمر كالوارد من غير طَرِيق أبي سعيد عِنْد الْبَزَّار قَالَ ابْن رشيد بِالتَّصْغِيرِ فِي كِتَابه " ترجمان التراجم " بَعْدَمَا تعجب من ابْن الْعَرَبِيّ وَاشْتَدَّ إِنْكَاره عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ يَكْفِي القَاضِي ابْن الْعَرَبِيّ فِي بطلَان مَا ادّعى أَنه شَرط البُخَارِيّ أول حَدِيث مَذْكُور فِيهِ وَهُوَ حَدِيث " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " فَإِنَّهُ مَرْوِيّ آحاداً. قَالَ: وَكَيف يَدعِي عَلَيْهِ ذَلِك ثمَّ يزْعم أَنه بَاطِل؟ وَمن أعلمهُ بِأَنَّهُ شَرطه؟ إِن كَانَ مَنْقُولًا فليبينه؟ أَو عرفه بالاستقراء فقد وهم، وَأَخْطَأ.
وَقَوله ذكرهم لَا أخْبرهُم من قبيل الرَّجْم بِالْغَيْبِ، لاحْتِمَال كَون السُّكُوت لقبُول الْخَبَر لَا لمعْرِفَة مَا أخبر بِهِ.
стр. 177
وَقد استبان بذلك أَن أول حَدِيث فِي البُخَارِيّ مَرْوِيّ بالآحاد، وَكَذَا آخر حَدِيث / فِيهِ، فَإِن أَبَا هُرَيْرَة تفرد بِهِ عَن الْمُصْطَفى، وَتفرد بِهِ عَنهُ أَبُو زرْعَة وَتفرد بِهِ عَنهُ عمَارَة بن الْقَعْقَاع، وَتفرد بِهِ عَنهُ مُحَمَّد بن فُضَيْل وَعنهُ انْتَشَر.
وَادّعى ابْن حبَان نقيض دَعْوَاهُ أَي القَاضِي ابْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ: إِن رِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ إِلَى أَن يَنْتَهِي الْإِسْنَاد لَا يُوجد أصلا فِي شَيْء من الْجَوَامِع، وَلَا المسانيد وَغَيرهَا. وَكَاد الْمُؤلف أَن يُوَافقهُ على ذَلِك حَيْثُ
стр. 178
قَالَ: قلت: إِن أَرَادَ أَن رِوَايَة اثْنَيْنِ فَقَط عَن اثْنَيْنِ فَقَط لَا يُوجد أصلا فَيمكن أَن يسلم لَهُ ذَلِك فَإِنَّهُ قريب.
وَأما صُورَة الْعَزِيز الَّتِي حررناها فِيمَا تقدم فموجودة بِكَثْرَة، وَذَلِكَ بِأَن لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ عَن أقل من اثْنَيْنِ يَعْنِي على مَا حَرَّره هُوَ، فَإِنَّهُ مَوْجُود بِكَثْرَة مِثَاله: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس بن مَالك وَالْبُخَارِيّ فَقَط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة الدوسي أَن رَسُول الله قَالَ: " لَا يُؤمن أحدكُم " وَفِي رِوَايَة: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده ". الحَدِيث أَي إِلَى تَمام الحَدِيث، وَهُوَ قَوْله: " وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ".
رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ عَن أنس قَتَادَة بن دعامة الْأنْصَارِيّ وَعبد الْعَزِيز بن
стр. 179
صُهَيْب بِالتَّصْغِيرِ وَرَوَاهُ عَن قَتَادَة شُعْبَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَرَوَاهُ عَن عبد الْعَزِيز / الْمَذْكُور إِسْمَاعِيل ابْن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَشدَّة الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعبد الْوَارِث بن سعيد كَمَا فِي مُسلم وَرَوَاهُ عَن كل مِمَّن ذكر جمَاعَة هَذَا مَا ذكره الْمُؤلف.
وَتعقبه السخاوي بِأَن مَا ذكره من رِوَايَة سعيد لم يقف عَلَيْهِ بعد التتبع والكشف.
وَاعْترض شَيخنَا النَّجْم الغيطي صَنِيع الْمُؤلف هَذَا بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بروايتين عَن الراويين عَنْهُمَا وَهَكَذَا، فاقتصاره على هَذَا الْوَجْه غير جيد.
стр. 180
الْغَرِيب
الرَّابِع: الْغَرِيب كَانَ اللايق أَن يقدم الْغَرِيب على الْعَزِيز، والعزيز على الْمَشْهُور، لِأَن الْغَرِيب من الْعَزِيز بِمَنْزِلَة الْبَسِيط من الْمركب، كَمَا أَن الْعَزِيز كَذَلِك، ذكره بعض شُيُوخنَا.
وَهُوَ هُنَا، أَي فِي اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ مَا أَي حَدِيث ينْفَرد بروايته أَي بِرِوَايَة زِيَادَة فِي مَتنه أَو إِسْنَاده شخص وَاحِد فِي أَي طبقَة عَن جَمِيع رُوَاته الثِّقَات وَغَيرهم، فَلم يرو ذَلِك غَيره فِي أَي مَوضِع وَقع التفرد بِهِ فِي السَّنَد أَي سَوَاء وَقع التفرد فِي جَمِيع طباقه بِأَن انْفَرد بِهِ الصَّحَابِيّ، ثمَّ التَّابِعِيّ ثمَّ تَابع التَّابِعِيّ وهلم جرا. أَو فِي بَعْضهَا، قَالَ بَعضهم: وَلَو قَالَ فِي مَوضِع مَا من إِسْنَاده كَانَ أولى على مَا سيقسم إِلَيْهِ: الْغَرِيب الْمُطلق، والغريب النسبي. وَالْقسم مُطلق الْغَرِيب، وكل من الْقسمَيْنِ لَهُ أَمْثِلَة كَثِيرَة سَيَجِيءُ بَعْضهَا وَلَا يدْخل / فِيهِ إِفْرَاد الْبلدَانِ المضافة إِلَيْهَا إِلَّا أَن يُرَاد بقوله تفرد بِهِ أهل الْبَصْرَة مثلا أَو أحد من أَهلهَا.
следующие страницы →