← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5979

اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (833 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَكَانَ وَالِده شيخ تِلْكَ النَّاحِيَة، وَجمع بَين طريقي الْمَذْهَب قبل أَن يطر شَاربه، وساد، وتفقه، وارتحل، فَأخذ عَن جمَاعَة، وَسمع الحَدِيث، ودرس بالشامية الجوانية، والأشرفية، والرواحية بِالشَّام، والصالحية بالقدس، وَمَات سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة. فَجمع لما ولي تدريس الحَدِيث بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الَّتِي بِدِمَشْق كِتَابه الْمَشْهُور أَي الفاشي بَين النَّاس فهذب فنونه أَي نقاها وخلصها من الشوائب وأملاه من الْإِمْلَاء وَهُوَ إِلْقَاء مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الضَّمِير إِلَى اللِّسَان قولا وعَلى الْكتاب رسماً شَيْئا بعد شَيْء على حسب الدُّرُوس فَلهَذَا لم يحصل ترتيبه على الْوَضع المتناسب أَي المتقارب الْمُتَشَابه، وَالْمُنَاسِب الْقَرِيب، وَبَينهمَا مُنَاسبَة، وَهَذَا يُنَاسب هَذَا أَي يُقَارِبه شبها واعتنى بتصانيف الْخَطِيب المتفرقة فَجمع شتات مقاصدها، الاعتناء: الإهتمام بالشَّيْء والاحتفال بِهِ، وَيُقَال: شت شتا إِذا تفرق وَالِاسْم الشتات

стр. 107

وَضم إِلَيْهَا أَي إِلَى مَا اشْتَمَلت على تِلْكَ الْكتب من غَيرهَا نخب فوائدها أَي زبد فَوَائِد تصانيف / غَيرهَا. وَالضَّم: الْجمع بَين شَيْئَيْنِ فَأكْثر. والنخب: جمع نخبة وَهِي الشَّيْء الْمُخْتَار، وَيُقَال: هُوَ نخبة قومه أَي خيارهم، وَهُوَ نخيب الْقَوْم. وانتخبه انتزعه. والفوائد: فواعل غير منصرف جمع فَائِدَة، من الْفَوَائِد لِأَنَّهَا تفعل بِهِ، أَو من الفيد لَا من الفود وَهِي لُغَة: مَا اسْتُفِيدَ من علم أَو مَال. وَعبر عَنهُ بَعضهم بقوله: الزِّيَادَة تحصل للْإنْسَان، اسْم فَاعل من فادت لَهُ فَائِدَة فيداً، وأفيدته أَعْطيته، وأفدت مِنْهُ أخذت، وَعرفا كل نَافِع ديني أَو دُنْيَوِيّ. فَاجْتمع فِي كِتَابه مَا تفرق فِي غَيره فِي الْكتب الْكَبِيرَة والمتكثرة فَلهَذَا عكفت النَّاس أهل الحَدِيث عَلَيْهِ أَي أَقبلُوا عَلَيْهِ،

стр. 108

وَاشْتَغلُوا بِهِ والعكوف: لإقبال على الشَّيْء وملازمته على سَبِيل التَّعْظِيم لَهُ. وَسَارُوا بسيره أَي مَشوا على طَرِيقَته فَلَا (يُحْصى) كم ناظم لَهُ كالحافظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ - جدنا الْأَعْلَى من قبل الْأُم - فِي ألفيته الْمَشْهُورَة، الَّتِي هِيَ الْمرجع فِي هَذَا الشَّأْن ومختصر لَهُ كالنووي اخْتَصَرَهُ مرَّتَيْنِ سمى أحد الْكِتَابَيْنِ " التَّقْرِيب " وَالْآخر " الْإِرْشَاد "، وَابْن كثير

стр. 109

اخْتَصَرَهُ وأضاف إِلَيْهِ الْكثير ومستدرك عَلَيْهِ كمغلطاي فِي كِتَابه " إصْلَاح ابْن الصّلاح " وَالْإِمَام البُلْقِينِيّ فِي كِتَابه " محَاسِن الِاصْطِلَاح " ومقتصر ومعارض لَهُ كالبلقيني ومنتصر كالعراقي فِي نكته. فَسَأَلَنِي من السُّؤَال وَهُوَ: طلب الْأَدْنَى من / الْأَعْلَى بعض الإخوان

стр. 110

جمع أَخ، وَأَصله المشارك لآخر فِي الْولادَة، ثمَّ استعير للمشارك فِي دين، أَو حِرْفَة، أَو مَوَدَّة كَمَا هُنَا، أَن ألخص لَهُم من التَّلْخِيص وَهُوَ: اسْتِيفَاء الْمَقَاصِد بِكَلَام موجز المهم من ذَلِك فلخصته فِي أوراق لَطِيفَة أَي قَليلَة الحجم، وَلَو عبر بورقات كَانَ أولى لِأَنَّهَا دون الْعشْرَة، وَالْوَرق: الكاغد كَذَا ذَكرُوهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وَهَذَا لم يُوجد فِي الْكَلَام الْقَدِيم، بل الْوَرق اسْم لجلود رقاق يكْتب فِيهَا وَهِي مستعارة من ورق الشّجر. وَقَالَ لخصت وَلم يقل اختصرت لِأَن الِاخْتِصَار أَعم من التَّلْخِيص، فَتَارَة يكون اختصاراً على بعض الأَصْل مَعَ عدم اسْتِيفَاء الْمَقَاصِد وَغَيرهَا بِكَلَام موجز، وَتارَة يكون مَعَ اسْتِيفَاء، وَالْمُصَنّف لم يسْتَوْف. سميتها نخبة الْفِكر فِي مصطلح أهل الْأَثر أَي سميتها لمجموع الْمَوْصُوف وَالصّفة. والفكر بِفَتْح فَكسر جمع فكر بِالْكَسْرِ، وَهُوَ تردد

стр. 111

الْقلب بِالنّظرِ والتدبر لطلب الْمعَانِي، أَو تَرْتِيب أُمُور فِي الذِّهْن ليتوصل بهَا إِلَى مَطْلُوب. والأثر بحركة الحَدِيث على تَرْتِيب ابتكرته أَي اخترعته. والابتكار: اتِّخَاذ الشَّيْء على غير مِثَال سبق وسبيل انتهجته أَي طَرِيق وضحته وأبنته فَصَارَ متبينا مَعَ مَا ضممت إِلَيْهِ من شوارد الْفَوَائِد جمع شارد وَهِي النافرة، وَالْمرَاد بهَا هُنَا: مَا ذكر فِي غير مظنته. وبزوائد الفرائد جمع فريد، وَهِي وَاسِطَة العقد الْمُنْفَرد فِي حسنها.

стр. 112

فَرغب إِلَى ثَانِيًا أَي أَرَادَ مني بعد أَن أَجَبْته / أَولا بِوَضْع الْمَتْن أَن أَضَع عَلَيْهِ شرحاً يحل رموزها جمع رمز وَهُوَ: التلطف فِي الإفهام وَالْإِشَارَة إِلَى أصُول الْكَلَام وَيفتح كنوزها أَي يزِيل المغلق عَن فوائدها المدخرة المستورة ويوضح مَا خَفِي على الْمُبْتَدِي أَي فِي معرفَة اصْطِلَاح أهل الحَدِيث. والمبتدي: من حصل شَيْئا مَا من الْفَنّ. والمنتهي: من حصل مِنْهُ أَكْثَره وَصلح لإفادته، وَقيل: من شرع فِي فن فَإِن لم يشْتَغل بتصور مسَائِل فمبتد، وَإِلَّا فمنته إِن استحضر غَالب أَحْكَامه وَأمكنهُ الِاسْتِدْلَال، وَإِلَّا فمتوسط. وَقيل: الْمُبْتَدِي هُوَ الَّذِي لم يسند شَيْئا والمنتهي هُوَ الَّذِي يسند. ذكره البقاعي.

стр. 113

من ذَلِك أَي بكشفه لَهُ فأجبته إِلَى سُؤَاله أَي وافقته عَلَيْهِ، والإجابة الْمُوَافقَة على بذله الْمَطْلُوب، وَعبارَة المُصَنّف تَقْتَضِي أَنه كتب بعض الْمَتْن بعد أَن شرع فِي الشَّرْح وَذَلِكَ لَا يغْفل، نبه عَلَيْهِ الشَّيْخ قَاسم حَيْثُ قَالَ: قَوْله فِي الْمَتْن فَسَأَلَنِي بعض الإخوان أَن ألخص لَهُم المهم من ذَلِك وَقَالَ فِي الشَّرْح فلخصته ... ... إِلَى أَن قَالَ: فَرغب إِلَيّ ثَانِيًا أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحاً ثمَّ قَالَ فِي الْمَتْن: فأجبته إِلَى سُؤَاله ثمَّ قَالَ: فيلوح من هَذَا كُله تنكيت على المُصَنّف وَهُوَ أَن عبارَة الْمَتْن بِحَسب مَا شرحت تفِيد أَنه كتب بعض الْمَتْن بعد الشَّرْح / رَجَاء الاندراج فِي تِلْكَ المسالك أَي فِي مَسْلَك من اختصر وَاقْتصر والرجاء: توقع حُصُول مَحْبُوب عَن قرب. والاندراج: الدُّخُول فِي زمرة الْقَوْم. والمسالك: جمع مَسْلَك وَهُوَ الطَّرِيق. فبالغت فِي شرحها فِي الْإِيضَاح والتوجيه أَي بذلت الْجهد فِي

стр. 114

ذَلِك ونبهت على خبايا زواياها فَإِن صَاحب الْبَيْت أدرى بِمَا فِيهِ، وَظهر لي أَن إِيرَاده أَي الشَّرْح على صُورَة الْبسط أليق من الِاخْتِصَار ودمجها أَي النخبة الَّتِي هِيَ الْمَتْن ضمن توضيحها وَهُوَ الشَّرْح أوفق للمشتغل بمطالعتها، وقراءتها، وإقرائها، والدمج: إِدْخَال الشَّيْء فِي الشَّيْء بِحَيْثُ يحصل الامتزاج فسلكت هَذَا الطَّرِيق القليلة السالك فَأَقُول طَالبا من الله التَّوْفِيق فِيمَا هُنَاكَ والتوفيق: جعل الله فعل عَبده مُوَافقا للصَّوَاب. وَيفهم من كَلَامه أَنه سمى الشَّرْح توضيح النخبة، وَأَن بعض الْخطْبَة تقدم على وضع الشَّرْح وَالْبَعْض تَأَخّر.

стр. 115

أَقسَام الْخَبَر الْخَبَر (أى ماهيته أَو حَقِيقَته) عِنْد أهل اللُّغَة: مَا ينْقل ويتحدث بِهِ. وَعند أهل الْمعَانِي: مَا يحصل مَدْلُوله فِي الْخَارِج بِغَيْرِهِ. وَعند أهل الْأُصُول مركب كَلَامي يدْخلهُ عقلا الصدْق - وَهُوَ مَا طابق الْوَاقِع - وَالْكذب - وَهُوَ مَا لَا يطابقه - أَي من حَيْثُ الْعقل (وَكَونه) خَبرا كقام زيد. أما من حَيْثُ اللَّفْظ / فَلَا يحْتَمل إِلَّا الصدْق وَالْكذب احْتِمَال عَقْلِي، وَشَمل تعريفهم مَا يقطع بصدقه كخبره تَعَالَى وَخبر رَسُوله الله والمتواتر، أَو بكذبه كَذَلِك كالنقيضين يَجْتَمِعَانِ أَو يرتفعان، فَإِن ذَلِك لَيْسَ من مبَاحث كَونه خَبرا بل لخارج. ينْسبهُ عِنْد عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ وهم المحدثون مرادف للْحَدِيث قَالَ فِي الْخَبَر بِالنِّسْبَةِ

стр. 116

إِلَى مَا عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ بِخُصُوصِهِ عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَأَصله خبر الرَّسُول. والْحَدِيث: وَهُوَ مَا أضيف إِلَى النَّبِي وَقيل الحَدِيث مَا جَاءَ عَن النَّبِي سَوَاء كَانَ كلمة، أَو كلَاما، أَو فعلا، أَو تقريراً، أَو صفة حَتَّى الحركات والسكنات، يقظة أَو مناما. وَالْخَبَر مَا جَاءَ عَن غَيره من صَحَابِيّ أَو من دونه فَلَا يُطلق الحَدِيث على غير الْمَرْفُوع إِلَّا بِشَرْط التَّقْيِيد فَيُقَال: هَذَا حَدِيث مَوْقُوف، أَو مَقْطُوع، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ كَثِيرُونَ. وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا قيل لمن اشْتغل بالتواريخ وَمَا شاكلها من الوفيات والمناقب الإخباري لَا الْمُحدث وَلمن اشْتغل بِالسنةِ النَّبَوِيَّة الْمُحدث لَا الإخباري، فبينهما تبَاين، أما السّنة فتختص بالمرفوع اتِّفَاقًا وَقيل بَينهمَا خُصُوص وَعُمُوم مُطلق، فَكل حَدِيث خبر من غير عكس قَالَه الشَّيْخ قَاسم.

стр. 117

وعبرت هُنَا بالْخبر ليَكُون أشمل لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَرْفُوع عِنْد الْجُمْهُور بِاعْتِبَار الترادف ويتناول / الْمَوْقُوف والمقطوع عِنْد من عدا الْجُمْهُور. اه. وَهُوَ أشهر، وَالْأول أصح. وَقَالَ الْمُؤلف: قولي ليَكُون أشمل بِاعْتِبَار الْأَقْوَال، فَأَما على الأول فَوَاضِح وَأما على الثَّالِث فَلِأَن الْخَبَر أَعم مُطلقًا، فَكلما ثَبت للأعم ثَبت للأخص، وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إِذا اعْتبرت هَذِه الْأُمُور فِي الْخَبَر إِلَى هُوَ وَارِد عَن النَّبِي فَلِأَن يعْتَبر ذَلِك فِيمَا ورد عَنهُ - وَهُوَ الحَدِيث - أولى، بِخِلَاف مَا

стр. 118

إِذا اعْتبرت فِي الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يلْزم اعْتِبَارهَا فِي الْخَبَر لِأَنَّهُ أدون رُتْبَة من الحَدِيث على هَذَا القَوْل. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَمَا ذكرته أولى، إِذْ فِي هَذَا التَّقْرِيب مَا لَا يَصح وَهُوَ قَوْله: فَكلما ثَبت الْأَعَمّ ثَبت الْأَخَص مَعَ الإطناب المخل. انْتهى. وَذكر النَّوَوِيّ فِي " تقريبه " أَن الْمُحدثين يسمون الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف بالأثر، وان فُقَهَاء خُرَاسَان يسمون الْمَوْقُوف بالأثر وَالْمَرْفُوع بالْخبر. تَعْرِيف علم الحَدِيث رِوَايَة ودراية وَعلم الحَدِيث رِوَايَة: علم يشْتَمل على نقل ذَلِك، وَقيل: علم يعرف بِهِ أَقْوَال رَسُول الله وأفعاله وأحواله. ودراية - قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ - وَهُوَ المُرَاد عِنْد الْإِطْلَاق -: علم يعرف بِهِ حَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ وَمَا يتَعَلَّق بذلك فِي معرفَة اصْطِلَاح أَهله.

стр. 119

وَقيل: هُوَ الْقَوَاعِد الْكُلية الْمعرفَة بِحَال الرَّاوِي والمروي وغايته: معرفَة المقبول والمردود. ومسائله /: مَا حوته كتبه من الْمَقَاصِد. وَقيل: علم بقوانين يعرف بهَا أَحْوَال الْإِسْنَاد والمتن. وَاخْتَارَهُ ابْن جمَاعَة. قَالَ: مَوْضُوعه السَّنَد والمتن. وغايته تَمْيِيز الصَّحِيح من غَيره. وَقَالَ ابْن قطلوبغا والبقاعي: مَوْضُوعه طرق الحَدِيث، لِأَن الْمُحدث يبْحَث عَمَّا يعرض لذاتها من الِاتِّصَال وأحوال الرِّجَال. وَأما قَول الْكرْمَانِي: حَده علم يعرف بِهِ أَقْوَال النَّبِي وأفعاله، وأحواله. وموضوعه ذَات النَّبِي من حَيْثُ إِنَّه نَبِي.

стр. 120

فَرد بشموله لعلم الاستنباط، وَبِأَن هَذَا مَوْضُوع الطِّبّ لَا الحَدِيث. الحَدِيث الْمُتَوَاتر فَهُوَ بِاعْتِبَار وُصُوله إِلَيْنَا لَا بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ وَلَا نَفسه إِمَّا أَن يكون لَهُ طرق أى أَسَانِيد كَثِيرَة قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لَا حَاجَة إِلَى ذكر الْأَسَانِيد فِي تَفْسِير طرق، لقَوْله بعده: وَالْمرَاد بالطرق ... ... إِلَى آخِره. وردّ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَسَانِيدِ هُنَا التوطية لقَوْله ... ... كَثِيرَة وَفِيمَا يَأْتِي التَّفْسِير لِأَن طرقا جمع طَرِيق، وفعيل فِي الْكَثْرَة تجمع على فعل بِضَمَّتَيْنِ، وَفِي الْقلَّة على أفعلة واعتراضه بِأَنَّهُ لَا يصلح دَلِيلا على أَن طرقاً جمع كَثْرَة لِأَنَّهُ لم يوضع جمع قلَّة وَإِنَّمَا يَصح فِيمَا لَهُ جمع قلَّة وَكَثْرَة، وَمَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا جمع كَثْرَة يسْتَعْمل فيهمَا، فَلَا يدل اسْتِعْمَاله

стр. 121

على الْكَثْرَة، فَلَو اسْتدلَّ بِجعْل التَّنْوِين للتكثير والتعظيم كَانَ ظَاهرا عقله من عَظِيم، كَيفَ وَقد صرح / جمع - مَا بَين مُتَقَدم ومتأخر - بجمعه على أطرقه، فَمن الْأَوَّلين الْجَوْهَرِي وناهيك فِي " صحاحه " الَّذِي الْتزم فِيهِ الصَّحِيح، والأزهري فِي " تهذيبه "، والصغاني فِي " عبابه ". وَمن الْمُتَأَخِّرين الفيومي فِي " مصباحه "، وَالْمجد فِي " قاموسه "،

стр. 122

والرازي فِي " مختاره " وَغَيرهم مِمَّن يطول ذكرهم، وكل ذَلِك فِي نظر الْمُعْتَرض، لَكِن حب التغليط يعمي ويصم. المُرَاد بِالْإِسْنَادِ وَالْمرَاد بالطرق الْأَسَانِيد، والإسناد حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن أَي والسند طَرِيق الْمَتْن كَمَا قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف. قَالَ القَاضِي: هَذَا هُوَ التَّحْقِيق. وَتعقبه الْكَمَال بِأَنَّهُ فسر الْإِسْنَاد بِالطَّرِيقِ ثمَّ بالحكاية الْمَذْكُورَة فَلَزِمَ مِنْهُ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، إِذْ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن الْإِضَافَة فِيهِ غير بَيَانِيَّة. انْتهى.

стр. 123

والبقاعي بِأَنَّهُ أَرَادَ بِاعْتِبَار اللُّغَة فممكن، وَأما اصْطِلَاحا فَلَا يشك مُحدث أَن السَّنَد والإسناد مُتَرَادِفَانِ، ومعناهما طَرِيق الْمَتْن، وأدل دَلِيل على تَفْسِير الطّرق بِالْأَسَانِيدِ. وَالطَّرِيق لَيست الْحِكَايَة بل المحكي، وَسَيَأْتِي قَوْله: ثمَّ الْإِسْنَاد وَهُوَ الطَّرِيق الموصلة إِلَى الْمَتْن. انْتهى / وَالشَّيْخ قَاسم: بِأَن قَوْله: المُرَاد بالطرق الْأَسَانِيد مُسْتَدْرك، فَإِنَّهُ قد صَار الْحَاصِل أَن الطَّرِيق حِكَايَة الطَّرِيق، قَالَ: وَمَا طرق المُصَنّف هَذَا الِاعْتِرَاض. قَالَ: التَّحْقِيق أَن تكون الْإِضَافَة بَيَانِيَّة / فِي قَوْله: طَرِيق حِكَايَة الْمَتْن، إِذْ لَا يلْزم من إِفَادَة عدد معنى للْعلم فِي صُورَة مُعينَة إفادته لَهُ فِي جَمِيع الصُّور، لاخْتِلَاف الْحَال فِي ذَلِك باخْتلَاف الوقائع والمحدثين والسامعين. فَقلت لَهُ: التَّحْقِيق خلاف هَذَا التَّحْقِيق، لِأَن الْحِكَايَة فعل (و) الطَّرِيق أَسمَاء الروَاة فَلَا يَصح أَن يكون أَحدهمَا عين الآخر. انْتهى.

стр. 124

وأصل ذَلِك قَول ابْن جمَاعَة وَالطِّيبِي: السَّنَد الْإِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن، والإسناد رفع الحَدِيث إِلَى قَائِله. قَالَ الطَّيِّبِيّ: نعم هما متقاربان فِي معنى اعْتِمَاد الْحفاظ فِي صِحَة الحَدِيث وَضَعفه عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْن جمَاعَة: المحدثون يستعملون السَّنَد والإسناد لشَيْء وَاحِد. انْتهى. قَالَ الْكَمَال: وَقد أَشَارَ الْمُؤلف إِلَى ذَلِك الِاسْتِعْمَال بقوله هُنَا: الْإِسْنَاد حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن، وَبِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي فِي مَبْحَث الصَّحِيح وَغَيره: والسند تقدم تَعْرِيفه، مَعَ أَنه لم يقدم إِلَّا هَذَا فَجعله تَعْرِيف السَّنَد هُوَ تَعْرِيف الْإِسْنَاد بِعَيْنِه بَين بِهِ أَن كلا مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلهُ المحدثون مَكَان

стр. 125

الآخر اصْطِلَاحا، وَحِينَئِذٍ فَلَا اتجاه لحكم تِلْمِيذه السخاوي لمتبوعه على كَلَامه بالتعارض. شُرُوط الحَدِيث الْمُتَوَاتر وَتلك الْكَثْرَة أحد شُرُوط التَّوَاتُر إِذا وَردت بِلَا حصر عدد معِين أَي مشترط وَلَا صفة مَخْصُوصَة بل بِحَيْثُ يوقفون / إِلَى حد تكون (الْعَادة) قد أحالت مَعَه تواطؤهم أَي توافقهم على الْكَذِب أَو وُقُوعه مِنْهُم اتِّفَاقًا من غير قصد قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله اتِّفَاقًا يُغني عَن قَوْله: عَن غير قصد. اه. وَلذَلِك قَالَ بَعضهم: هَذَا تَفْسِير لقَوْله اتِّفَاقًا. وَقَوله: الْعَادة هُوَ مَا صرح بِهِ الْعَضُد فِي شُرُوط التَّوَاتُر وفَاقا

стр. 126

لغيره، وَفِيه تَنْبِيه على أَن من قَالَ عقلا أَرَادَ أَن الْعقل لَا يجوز من حَيْثُ الِاسْتِنَاد إِلَى الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب، وَإِلَّا فالتجويز الْعقلِيّ دون نظر إِلَى الْعَادة لَا يرْتَفع وَإِن بلغ الْعدَد مَا عَسى أَن يسع. وَقَوله: تواطؤهم. أَي توافقهم على الْكَذِب، أَي على الْإِخْبَار بِخَبَر غير مُطَابق للْوَاقِع، بِأَن يتواردوا عَلَيْهِ وَهُوَ أَعم من توافقهم، على أَن كلامنا بِخَبَر بِكَذَا. وَفِي كَلَامه إِشَارَة إِلَى أَن منشأ إِحَالَة الْعَادة لذَلِك كثرتهم فَلَا يرد النَّقْض لخَبر الْوَاحِد الْمُفِيد الْعلم بالقرائن الخارجية. وَلَا يشْتَرط فِي الْجَمَاعَة الَّذين يَرْوُونَهُ أَن يكون فيهم مَعْصُوم، وَلَا أهل الذلة خلافًا لمن شَرط الأول وَإِلَّا لم يمْتَنع التوافق على

стр. 127

الْكَذِب. وَلمن شَرط الثَّانِي لِأَنَّهُ يمْتَنع تواطؤهم عَادَة للخوف بِخِلَاف أهل الْعِزَّة، وَحِينَئِذٍ فَلَا معنى لتعين الْعدَد على الصَّحِيح بل الصَّوَاب. وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّد الْمُحَقق فِي شرح المواقف /: من اعْتبر فِي التَّوَاتُر - يعْنى لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَو عبر بِهِ كَانَ أولى - عددا معينا فقد أحَال، فَإِن ذَلِك مِمَّا يخْتَلف بِحَسب الوقائع، وَالضَّابِط مبلغ يَقع مِنْهُ الْيَقِين، فَإِذا حصل الْيَقِين فقد تمّ الْعدَد. وَقَالَ بَعضهم: وَجه عدم اشْتِرَاط الْعدَد أَنا نقطع بِحُصُول الْعلم من المتواترات من غير علم بِعَدَد مَخْصُوص لَا سَابق وَلَا لَاحق، وَذَلِكَ أَن الِاعْتِقَاد يتوفر عِنْد الْأَخْبَار بتدريج خَفِي إِلَى أَن يحصل الْقطع. وَمِنْهُم من عينه فِي الْأَرْبَعَة قَالَ بَعضهم: وَلم ترد الْأَرْبَعَة فِي دَلِيل أَفَادَ الْعلم أصلا. وَقيل فِي الْخَمْسَة يَعْنِي فِيمَا فَوق الْأَرْبَعَة، وَعَلِيهِ الباقلاني لاحتياجهم إِلَى التَّزْكِيَة فِيمَا لَو شهدُوا بِالزِّنَا، فَلَا

стр. 128

يُفِيد قَوْلهم الْعلم. وَقيل فِي السَّبْعَة وَقيل فِي الْعشْرَة لِأَن مَا دونهَا آحَاد كَذَا علله الْجلَال الْمحلي قَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: فَظَاهره إِرَادَة اصْطِلَاح الْحساب، وَعَلِيهِ لَا جِهَة للتمسك لَهُ وَهُوَ تَوْجِيه غَرِيب، وَالْمَعْرُوف التَّوْجِيه بِأَن مَا دونهَا جمع قلَّة وَلَا يخفي ضعفه وَقيل فِي الاثْنَي عشر كعدد نقباء بني إِسْرَائِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا) بعثوا إِلَى الكنعانيين بِالشَّام طَلِيعَة لبني إِسْرَائِيل المأمورين بجهادهم ليخبروهم بحالهم، فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا أَنه أهل مَا يُفِيد الْعلم بالمطلوب. وَقيل فِي الْأَرْبَعين وَقيل

стр. 129

فِي الْعشْرين لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ) فيفهم بعث عشْرين إِلَى مِائَتَيْنِ إخبارهم لغَيرهم فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أهل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك /. وَأما الْأَرْبَعين لقَوْله تَعَالَى: (يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ) وَكَانُوا أَرْبَعِينَ، فإخبار الله عَنْهُم بِأَنَّهُم كَانُوا مُؤمنين تَنْبِيه يَسْتَدْعِي إخبارهم عَن أنفسهم بذلك لَهُ لِيَطمَئِن قلبه، وكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك. وَقيل فِي السّبْعين عدَّة أَصْحَاب مُوسَى لقَوْله تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا) أَي للاعتذار إِلَى الله من عبَادَة الْعجل، ولسماعهم كَلَامه من أَمر وَنهي ليخبروا قَومهمْ بِمَا يسمعُونَ فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك وَقيل غير ذَلِك فمما قيل ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر عَنهُ أهل طالوت وَأهل بدر. وَتمسك كل قَائِل على مَا عينه من الْعدَد بِدَلِيل جَاءَ فِيهِ ذكر ذَلِك الْعدَد فَأفَاد الْعلم اليقيني وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يطرد فِي غَيره لاحْتِمَال

стр. 130

الِاخْتِصَاص قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَلم ترد الْأَرْبَعَة، والخمسة، والسبعة، وَالْعشرَة، وَالْأَرْبَعُونَ فِي دَلِيل أَفَادَ الْعلم أصلا، فَلَا يَصح أَن يُقَال فِي هَذِه: وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يطرد فِي غَيره. انْتهى. وَيُجَاب بِأَن الْمُؤلف من أكَابِر الْحفاظ، وَمن حفظ حجَّة على من لم يحفظ. فَإِذا ورد الْخَبَر كَذَلِك وانضاف إِلَيْهِ أَن يَسْتَوِي الْأَمر (فِيهِ) فِي الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة قَالَ بَعضهم: كَلَامه هَذَا كالناطق بِأَن أَقَله عِنْده / عشرَة، وَأَنه لَا يَكْفِي مَا دونهَا فيناقض مَا ذكره قبله، لِأَنَّهُ اشْترط الْكَثْرَة، وَالْعشرَة أقل جموعها وَمَا دونهَا جمع قلَّة وَهِي رأى الْإِصْطَخْرِي. وَقَالَ فِي " التَّقْرِيب ": إِنَّه الْمُخْتَار. لَكِن رد بِأَنَّهُ لَا ارتباط عَادَة بَين خُرُوج الْعدَد عَن جمع الْقلَّة وَبَين إِفَادَة الْعلم الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرط، نعم

стр. 131

يشْتَرط أَن يكون الْعدَد فَوق أَرْبَعَة بِاتِّفَاق جُمْهُور الشَّافِعِيَّة، وَبِذَلِك عرف أَن الْمُؤلف لم يعْتَبر هُنَا - وَفِيمَا يَأْتِي - بِجمع الْكَثْرَة، كَانَ أولى وأنفى للتعارض بَين كلاميه. من ابْتِدَائه وَيسْتَمر ذَلِك فِي كل طبقَة إِلَى انتهائه الَّذِي من ابْتِدَاء السَّنَد إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى من أخْبرهُم بالواقعة القولية، أَو الفعلية، لِأَن خبر كل طبقَة وعصر مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَلَا بُد فِيهِ من ذَلِك. وَالْمرَاد بالاستواء أَن لَا تنقص الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة فِي بعض الْمَوَاضِع اعْتِرَاض بِأَنَّهَا قد تنقص وَلَا يضر بِأَن تكون قد جَاوَزت الْحَد الْمُشْتَرط. وَأجِيب بِأَن مُرَاده أَن لَا ينقص الْمُعْتَبر لَا أَن لَا تزيد لِأَن الزِّيَادَة هُنَا مَطْلُوبَة من بَاب الأولى لِأَنَّهَا زِيَادَة فِي الْقُوَّة وَأَن يكون مُسْتَند انتهائه أَي الْخَبَر الْأَمر الْمشَاهد أَو المسموع من رَسُول الله أَو من الصَّحَابِيّ، أَو بعده على مَا مر. لَا أَن كَانَ

стр. 132

مُسْتَنده مَا ثَبت بقضية الْعقل الصّرْف أَي الْمَحْض لِإِمْكَان الْغَلَط فِيهِ كَخَبَر الفلاسفة بقدم الْعَالم، وَلَو قَالَ بِالْعقلِ / فَقَط بدل الصّرْف كَانَ أولى. فَإِذا جمع الْخَبَر هَذِه الشُّرُوط الْأَرْبَعَة وَهِي عدد كثير قد أحالت الْعَادة أَي منعت تواطؤهم وتوافقهم على الْكَذِب رووا ذَلِك عَن مثلهم فِي امْتنَاع وُقُوع تواطؤهم على الْكَذِب، وَيسْتَمر الْحَال كَذَلِك بِأَن يكون كل طبقَة جمَاعَة بِالصّفةِ الْمَذْكُورَة من الِابْتِدَاء إِلَى الِانْتِهَاء أَي من ابْتِدَاء السَّنَد إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى من أخْبرهُم. وَقَول الْمُؤلف فِي تَقْرِيره: المُرَاد مثلهم فِي كَون الْعَادة تحيل تواطؤهم على الْكَذِب وَإِن لم يبلغُوا عَددهمْ، فالسبعة الْعُدُول ظَاهرا بَاطِنا مثل عشرَة عدُول فَقَط فِي الظَّاهِر، فَإِن الصِّفَات تقوم مقَام الذوات بل قد يُفِيد قَول سَبْعَة صلحاء الْعلم وَلَا يُفِيد قَول عشرَة دونهم فِي الصّلاح فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ الْمُمَاثلَة فِي الْعلم لَا فِي إِفَادَة الْعدَد. انْتهى.

стр. 133

رده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن الأول هُوَ الصَّحِيح، وَأما قَوْله فالسبعة ... ... إِلَى آخِره فَلَيْسَ بِشَيْء، إِذْ لَا دخل لصفات المخبرين فِي بَاب التَّوَاتُر، وَالْمقَام مستغن عَن هَذَا كُله. وَكَانَ مُسْتَند انتهائهم الْحس أَي مَا من شَأْنه ذَلِك، قَالَ فِي " شرح المواقف ": الْحَاصِل فِي التَّوَاتُر علم جزئي من شَأْنه أَن يحصل بالإحساس فَلذَلِك لَا يَقع فِي الْعُلُوم بِالذَّاتِ. وانضاف إِلَى ذَلِك أَي مَا ذكر من الشُّرُوط أَن يصحب خبرهم بِالضَّرُورَةِ إِفَادَة الْعلم جَوَاب قَوْله: قيل فَإِذا ورد الْخَبَر ... إِلَخ لسامعه فَهَذَا هُوَ الْمُتَوَاتر كَذَا وَقع للمؤلف، وَاعْترض بِأَن هَذَا حكم التَّوَاتُر / فَكيف يَجْعَل حكم الشَّيْء شرطا لَهُ؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرِيد أَنه من شُرُوط الْعلم.

стр. 134

التَّوَاتُر النسبي واللفظي والمعنوي وَاعْلَم أَن التَّوَاتُر قد يكون نسبيا فيتواتر الْخَبَر عِنْد قوم دون قوم كَمَا يَصح الْخَبَر عِنْد بعض دون بعض. وَقد يكون لفظياً أَو معنوياً، فَإِنَّهُم إِن اتَّفقُوا فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى فلفظي. وَإِن اخْتلفُوا فِيهَا مَعَ رجوعهم إِلَى معنى كلي مُشْتَرك فِيهِ فمعنوي، لَا يُقَال هَذَا تَقْسِيم أهل الْأُصُول فَذكره هُنَا من الفضول إِذْ لَا تعلق لهَذَا الْفَنّ بِهِ، وَالَّذِي يتَعَلَّق بالمحدث إِنَّمَا هُوَ اللَّفْظِيّ على مَا فِيهِ أَيْضا؟ لأَنا نقُول: هَذَا غير مَقْبُول، بل هُوَ مَبْحَث عَن الْقسمَيْنِ جَمِيعًا. أما اللَّفْظِيّ فأمثلته كَثِيرَة، وَأما الْمَعْنَوِيّ فقد مثلُوا لَهُ بِأَحَادِيث مِنْهَا: أَخْبَار رفع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء، فقد ورد عَن الْمُصْطَفى نَحْو مائَة حَدِيث فِيهَا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء، لَكِن فِي قضايا مُخْتَلفَة،

стр. 135

فَكل قَضِيَّة مِنْهَا لم تتواتر، وَالْقدر الْمُشْتَرك - وَهُوَ الرّفْع عِنْد الدُّعَاء - متواتر بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع، وَقد ألف بعض الْمُحدثين فِي ذَلِك كتابا حافلا. وَمَا تخلفت إِفَادَة الْعلم عَنهُ كَانَ مَشْهُورا فَقَط قَالَ السيخ قَاسم: وَلَا بُد أَن يزِيد هُنَا مِمَّا رُوِيَ بِلَا حصر عدد معِين وَإِلَّا لصدق الْمَشْهُور على الْجَمِيع، فينافيه قَوْله: إِن الْمَشْهُور مَا رُوِيَ مَعَ حصر عدد بِمَا يفوق الِاثْنَيْنِ. فَكل متواتر مَشْهُور من غير عكس هَذَا إِذا أَخذ الْجِنْس من غير / فصل، وَهُوَ تخلف إِفَادَة الْعلم، وَخطأ هَذَا مُبين فِي مَبْحَث الْمُبَاح فِي الْأُصُول. وَقد يُقَال: إِن الشُّرُوط الْأَرْبَعَة إِذا حصلت استلزمت حُصُول الْعلم - وَهُوَ كَذَلِك - فِي الْغَالِب، لَكِن قد يتَخَلَّف عَن الْبَعْض لمَانع.

стр. 136

اعْترض الْكَمَال ابْن أبي شرِيف، والشرف الْمَنَاوِيّ: بِأَنَّهُ مَتى حصلت الشُّرُوط حصل الْعلم فَكيف تخلف حُصُوله؟ والعاد تحيل الْكَذِب، إِلَّا أَن يُقَال: إِن الإحالة سَبَب للْعلم وَلَا بُد مَعَ وجود سَبَب الشَّيْء من انْتِفَاء مانعه، وَفِيه مَا فِيهِ. وَقَالَ شَيخنَا النَّجْم الغيطي: الصَّوَاب حذف الْأَرْبَعَة، أَو يُقَال لَهَا الثَّلَاثَة، إِلَّا أَن يُقَال أَن قَوْله وانضاف إِلَى ذَلِك ... إِلَى آخِره زَائِد على الشُّرُوط الْأَرْبَع، وَإِن أَولهَا عدد كثير فَقَط.

стр. 137

وَقد وضح بِهَذَا تَعْرِيف الْمُتَوَاتر وَهُوَ أَنه خبر جمع يحِيل الْعقل بملاحظ الْعَاد تواطؤهم على الْكَذِب، عَن خبر جمع مثلهم فِي امْتنَاع وُقُوع التواطؤ الْمَذْكُور، وَيسْتَمر الْحَال كَذَلِك بِأَن يكون كل طبقَة من الصّفة الْمَذْكُورَة من ابْتِدَاء الرِّوَايَة إِلَى الِانْتِهَاء إِلَى مخبرهم بالواقعة القولية أَو الفعلية. سَوَاء كَانَت بِعَينهَا مُتَعَلق أخبارهم وَيُسمى تواتراً لفظياً، أَو مُشْتَركا بَين متعلقات أخبارهم وَيُسمى تواتراً معنوياً كَمَا مر. وَإِذا كَانَ الْخَبَر كَذَلِك أوجب حُصُول الْعلم، وَلم يذكر كَثِيرَة ضد الْعَدَالَة، وَتَأْتِي الأوطان لعدم اشْتِرَاطهَا، فَلَو أخبر جمع وَلَو فساقاً أرقاء إِنَاثًا بِخَبَر أوجب ذَلِك لنا الْعلم، لِأَن الِاتِّفَاق على شَيْء مخترع / مَعَ تبَاين الْأَغْرَاض والطبائع مِمَّا يجْزم الْعقل بامتناعه.

стр. 138

الْمَشْهُور وخلافه قد يرد بِلَا حصر - أَيْضا - لَكِن مَعَ فقد بعض الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة، وَاعْتَرضهُ البقاعي: بِأَن مَا يرد بِلَا حصر هُوَ الْمَشْهُور وَإِن لم يكن فَهُوَ قسم آخر، فَمَا اسْمه؟ وَالشَّيْخ قَاسم: بِأَن قَوْله مَعَ فقد بعض الشُّرُوط زِيَادَة زَادهَا تبعا لرأي من لَا رَأْي لَهُ، إِذْ يُغني عَنْهَا قَوْله الْآتِي: مَا لم يجمع شُرُوط التَّوَاتُر. أَو مَعَ حصر بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ - أَي بِثَلَاثَة فَصَاعِدا - مَا لم يجمع شُرُوط الْمُتَوَاتر. هَذَا التَّعْبِير غير مُسْتَقِيم، فقد تعقبه البقاعي: بِأَن الْحصْر إِنَّمَا يكون فِي شَيْء بِعَيْنِه - كَمَا مر فِي تِلْكَ الْأَقْوَال: خَمْسَة عشر، اثْنَي عشر، ... ... إِلَى آخِره - وَأما ثَلَاثَة فَصَاعِدا فَلَيْسَ بحصر، فَحق التَّقْسِيم أَن يَقُول: إِمَّا أَن يكون لَهُ طرق بِغَيْر حصر فِي عدد معِين، وَحِينَئِذٍ فإمَّا أَن يُفِيد الْعلم أَولا، أَو يحصر فِي اثْنَيْنِ أَو وَاحِد ... ... إِلَى آخِره، وَغَيره باقتضائه أَن الْمَشْهُور مَخْصُوص بِمَا لم يجمع شُرُوط التَّوَاتُر، فَيكون بَين الْمَشْهُور والمتواتر مباينة كُلية فتخالف مَا قدمه من أَن بَينهمَا عُمُوما مُطلقًا.

стр. 139

وَاعْتذر عَنهُ بَعضهم بِأَن الْمَشْهُور يُطلق على مَا يُقَابل الْمُتَوَاتر، وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وعَلى مَا هُوَ أَعم مِنْهُ وَهُوَ مُرَاده هُنَاكَ فَلَا تعَارض. وَقَالَ السخاوي: الْمَشْهُور قِسْمَانِ: قسم لم يرتق إِلَى التَّوَاتُر وَهُوَ الْأَغْلَب فِيهِ، وَقسم يرتقي إِلَيْهِ. فَمَعْنَى قَول الْمُؤلف: كل متواتر / مَشْهُور وَلَا عكس أَنه لَا يرتقي إِلَى التَّوَاتُر إِلَّا بعد الشُّهْرَة، فَلَا تنَاقض فِي عباراته. الْعَزِيز أَو بهما - أَي بِاثْنَيْنِ فَقَط - (أَو بِوَاحِد) ، وَالْمرَاد بقولنَا: إِن يرد بِاثْنَيْنِ أَن لَا يرد بِأَقَلّ مِنْهُمَا، فَإِن ورد بِأَكْثَرَ فِي بعض الْمَوَاضِع من سَنَد وَاحِد لم يضر فِي تَسْمِيَته عَزِيزًا إِذْ الْأَقَل فِي هَذَا الْعلم يقْضِي على الْأَكْثَر. حَتَّى إِذا وجد فِي بعض الطَّبَقَات مَا ينقص عَن الشُّرُوط خرج عَن التَّوَاتُر، كَذَا قرر بِهِ تِلْمِيذه الشَّيْخ قَاسم عِبَارَته.

стр. 140

وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: قَول الْمُؤلف فِي بعض الْمَوَاضِع دَلِيل على أَنه لَو ورد فِي كلهَا لَا يُسمى عَزِيزًا بل مَشْهُورا، فَلَيْسَ بَينهمَا عُمُوم مُطلقًا، فَشرط تَسْمِيَة الحَدِيث عَزِيزًا أَن يرد فِيهِ اثْنَان وَلَو فِي مَوضِع وَاحِد. انْتهى. وَقَالَ البقاعي: عبارَة الْمُؤلف مُخْتَلفَة، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ المُرَاد بالاثنين فَقَط أَن لَا ينقص فَلَا حَاجَة لقَوْله يقْضِي على الْأَكْثَر، إِذْ هَذَا إِنَّمَا يَأْتِي إِذا كَانَ معنى فَقَط لَا أقل وَلَا أَكثر، وَيكون دُخُوله بطرِيق التغليب، فَكيف هَذَا. انْتهى. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَرَادَ بقوله: إِذْ الْأَقَل ... ... إِلَى آخِره بَيَان كَيْفيَّة وجود الْأَكْثَر مَعَ ذكر الِاثْنَيْنِ. سَبَب تَسْمِيَة الْمُتَوَاتر فَالْأول: الْمُتَوَاتر بمثناة فوقية، سمي متواتراً لما أَنه لَا يَقع دفْعَة وَإِنَّمَا الَّذِي يَقع دفْعَة الْعلم الْحَاصِل عَنهُ. وَقيل: لتواتر رِجَاله حَيْثُ جَاءُوا وَاحِدًا بعد آخر بفترة. قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: سمي بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقع دفْعَة

стр. 141

بل على التَّعَاقُب / والتوالي وَهُوَ (الْمُفِيد) للْعلم أَي مُوجبا بِنَفسِهِ إِيجَابا عادياً لسامعه حُصُول الْعلم بِصدق مضمونه، وَإنَّهُ تخلف عَنهُ ذَلِك الْحُصُول بِالْفِعْلِ الْمَانِع لحصوله بِغَيْرِهِ، لِامْتِنَاع تَحْصِيل الْحَاصِل. فَخرج بِمَا أوجب الْعلم بِالْغَيْر الْمَذْكُور مَا لَا يُوجب كَذَلِك. وبنفسها مَا لَا يُوجِبهُ بِنَفسِهِ بل بِوَاسِطَة الْقَرَائِن الزَّائِدَة على الْقَرَائِن الَّتِي لَا يَنْفَكّ الْخَبَر عَنْهَا عَادَة. ونقضه بتخلف إِفَادَة الْمُتَوَاتر الْعلم فِي إِخْبَار النَّصَارَى بقتل عِيسَى، وَالْيَهُود عَن التَّوْرَاة بتأبيد دين مُوسَى، فَإِن كلا مِنْهُمَا خبر مُفِيد للْعلم بمضمونه مَعَ أَنه كذب كَمَا دلّت عَلَيْهِ الشَّرَائِع. رد بِمَنْع كَون كل مِنْهُمَا متواتراً لِأَن مرجع خبر النَّصَارَى إِلَى الْيَهُود الَّذين دخلُوا على عِيسَى الْبَيْت، وَقد كَانُوا تِسْعَة، فَلَا يحِيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب.

стр. 142

أما إِخْبَار الْيَهُود بتأبيد دين مُوسَى فَإِن كَانَ افتراؤهم إِيَّاه بعد وَاقعَة بخْتنصر فانتفاء تواتره فِيمَا قبل ظَاهر، أَو قبلهَا فقد قتل بخْتنصر كل يَهُودِيّ من الْمشرق إِلَى الْمغرب فَلم يتْرك إِلَّا الْأَطْفَال، فَانْتفى عدد التَّوَاتُر مِنْهُم، على أَنهم حرفوا التَّوْرَاة وَزَادُوا ونقصوا، ودلت معجزات عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام على أَن خبرهم آحَاد كذب. اليقيني يَعْنِي الضَّرُورِيّ بِدَلِيل مُقَابلَته لَهُ بالنظري فِي قَوْله فَأخْرج النظري على مَا يَأْتِي تَقْرِيره بِشُرُوطِهِ الَّتِي تقدّمت وَذَلِكَ لَا يُخَالف الْمَعْرُوف فِي الِاصْطِلَاح كَمَا ادَّعَاهُ / / الْكَمَال ابْن أبي شرِيف. لِأَن

стр. 143

أهل الِاصْطِلَاح قد يسمون كل يقيني ضَرُورِيًّا وَعَكسه، أَلا ترى إِلَى قَوْله فِي " شرح المواقف " عِنْد نقد المحصل: قد يُرَاد الضَّرُورِيّ معنى اليقيني دون البديهي المستغني عَن النّظر. قَالَ: وَقد يُسمى كل يقيني ضَرُورِيًّا مُوَافقَة لقَوْل (الشَّيْخ) الْأَشْعَرِيّ. وَمعنى كَونه ضَرُورِيًّا أَنه يحصل عِنْد سَمَاعه من غير احْتِيَاج إِلَى نظر، ومصادفة حُصُول الْعلم بمضمون ذَلِك الْخَبَر من غير شُبْهَة. فَاعْلَم أَن تَعْرِيفه بِالْعلمِ دوري لتوقفه على مَعْرفَته وعَلى تَعْرِيفه. ذكره البقاعي. وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: إِن كَانَ الْعلم بمضمون الْخَبَر مستفاداً من التَّوَاتُر فإثبات التَّوَاتُر بِهِ دوري. وَأجِيب: بِأَن استفادة الْعلم بمضمون الْخَبَر من التَّوَاتُر بِاعْتِبَار

стр. 144

حُصُوله، وترتبه على سَمَاعه، وَفهم معنى اللَّفْظ المسموع ودلالته على صدق التَّوَاتُر على الْخَبَر بِاعْتِبَار كَون حُصُوله وترتبه مَعْلُوما لمن حصل لَهُ، فالتحقيق أَن الْحَاصِل بالتواتر هُوَ الْعلم بمضمون الْخَبَر، وَدَلِيل صدق الْمُتَوَاتر هُوَ الْعلم بذلك وهما غيران. وَالْيَقِين: هُوَ الِاعْتِقَاد الْجَازِم المطابق أَرَادَ بالجازم مَا لَا احْتِمَال مَعَه، وَلَا يَزُول بالتشكيك فَلَا حَاجَة لزياد بَعضهم الثَّابِت. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ يَعْنِي هُوَ مُوجب للْعلم بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ الَّذِي يضْطَر الْإِنْسَان إِلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ دَفعه قَالَ / بَعضهم: وَهَذَا التَّعْبِير غير قوي؛ لِأَن النّظر بعد مُبَاشرَة الْأَسْبَاب كَذَلِك، والضروري قبل مباشرتها يُمكنهُ دَفعه بِصَرْف نظره عَنهُ. وَقيل: يَعْنِي وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا

стр. 145

نظرياً وَلَيْسَ هَذَا القَوْل بِشَيْء يعْتد بِهِ لِأَن الْعلم بالتواتر قَالَ الشَّيْخ قَاسم: لَو قَالَ بالمتواتر - بِالْمِيم - كَانَ أولى حَاصِل لمن لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة النّظر كالعامي، إِذا النّظر تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة، أَو مظنونة يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَعْلُوم أَو مظنون، وَلَيْسَ فِي الْعَاميّ أَهْلِيَّة ذَلِك، فَلَو كَانَ نظرياً لما حصل لَهُم. وَاعْترض هَذَا: بِأَن الْعَاميّ فِيهِ أَهْلِيَّة النّظر على طَرِيق الْعَوام فَلَا يَصح التَّمْثِيل بِهِ، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول كَمَا غَيره: كالبله وَالصبيان. وَالتَّحْقِيق أَنه لَا خلاف، فَإِن من قَالَ أَنه نَظَرِي كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وأتباعهما فسروا كَونه نظرياً بتوقفه على مُقَدمَات حَاصِلَة عِنْد السَّامع، وَهِي مُحَققَة لكَونه الْخَبَر متواترا من كَونه خبر جمع، وكونهم لَا يُجِيز الْعقل توافقهم على الْكَذِب، وَكَونه عَن حسي، وَلَيْسَ مُرَادهم الِاحْتِيَاج إِلَى النّظر عقب سَمَاعه فَلَا خلاف فِي الْمَعْنى فِي أَنه ضَرُورِيّ،
следующие страницы →