← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5979

اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (833 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أبي مَنْصُور التَّمِيمِي، وَهُوَ الَّذِي صدر بِهِ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ كَلَامه. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَهُوَ الَّذِي تميل إِلَيْهِ النُّفُوس، وتنجذب إِلَيْهِ الْقُلُوب. بل نقل السُّهيْلي عَن بَعضهم أَن مثل ذَلِك عَن نَافِع مُوجب للْعلم. وعَلى هَذَا قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور: أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا: أَحْمد عَن الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَتسَمى هَذِه التَّرْجَمَة سلسلة الذَّهَب، وَلَيْسَ فِي مُسْند أَحْمد على كبره مِنْهَا سوى حَدِيث وَاحِد.

стр. 247

قَالَ البُلْقِينِيّ: وَأَبُو حنيفَة وَإِن روى عَن مَالك - كَمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ - فَلم تشتهر رِوَايَته عَنهُ كاشتهار رِوَايَة الشَّافِعِي عَنهُ. الرَّأْي الْمُخْتَار فِي أصح الْأَسَانِيد وَالْمُعْتَمد عدم الْإِطْلَاق لترجمة مُعينَة مِنْهَا أَي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ عِنْد متأخري الْمُحدثين منع إِطْلَاق / كَونهَا أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا. نعم يُسْتَفَاد من مَجْمُوع مَا أطلق الْأَئِمَّة عَلَيْهِ ذَلِك أرجحيته على مَا لم يطلقونه وأصل ذَلِك قَول النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح: وَالْمُخْتَار أَنه لَا يجْزم فِي إِسْنَاد بِأَنَّهُ أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا. لِأَن تفَاوت مَرَاتِب الصِّحَّة مُرَتّب على تمكن الْإِسْنَاد من شُرُوط الصِّحَّة، ويعز وجود أَعلَى دَرَجَات الْقبُول فِي كل وَاحِد وَاحِد من رجال الْإِسْنَاد الكائنين فِي تَرْجَمَة وَاحِدَة.

стр. 248

(قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: بل لم يتَّفق هَذَا قطّ) . وَلِهَذَا اضْطربَ من خَاضَ فِي ذَلِك فَقَالَ كل بِحَسب مَا رأى، إِذْ لم يكن عِنْدهم استقراء تَامّ، وَإِنَّمَا رجح كل مِنْهُم مَا رَجحه بِحَسب مَا قوي عِنْده، سِيمَا إِسْنَاد بَلَده لِكَثْرَة اعتنائه بِهِ. نعم يُسْتَفَاد من مَجْمُوع مَا أطلق الْأَئِمَّة ذَلِك أرجحيته. انْتهى. المفاضلة بَين الصَّحِيحَيْنِ ويلتحق بِهَذَا التَّفَاضُل مَا اتّفق الشَّيْخَانِ على تَخْرِيجه بِالنِّسْبَةِ لما انْفَرد بِهِ أَحدهمَا. قَالَ الْمُؤلف: مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ رَاجِح - أَيْضا - لترجيح أفضليتهما فَإِنَّهُم إِذا قصروا اخْتِلَافهمَا عَلَيْهِمَا اسْتُفِيدَ مرجوحية غَيرهمَا، وترجيحهما - أَي البُخَارِيّ وَمُسلم - إِذا اتفقَا، وَأفَاد تَصْرِيح الْجُمْهُور بِتَقْدِيم البُخَارِيّ. كَذَا قَالَه فِي تَقْرِيره حِين قريء عَلَيْهِ الْكتاب. قَالَ الْعَلامَة قَاسم: لَيْسَ فِي هَذَا أَكثر مِمَّا فِي الشَّرْح فِي الْمَعْنى لَكِن فِي اللَّفْظ. وَمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ بِالنِّسْبَةِ لما انْفَرد بِهِ مُسلم لِاتِّفَاق

стр. 249

الْعلمَاء بعدهمَا على تلقي كِتَابَيْهِمَا / بِالْقبُولِ كَمَا تقدم وَاخْتِلَاف بَعضهم فِي أَيهمَا أرجح: فَمَا اتفقَا عَلَيْهِ أرجح من هَذِه الْحَيْثِيَّة. أَي من حَيْثُ تلقي كِتَابَيْهِمَا بِالْقبُولِ مِمَّا لم يتَّفقَا عَلَيْهِ وَقد يعرض عَارض يَجْعَل المفوق فائقاً كَذَا ذكره المُصَنّف. فَإِذا قَالُوا: مُتَّفق عَلَيْهِ، أَو على صِحَّته فمرادهم (اتِّفَاق) الشَّيْخَيْنِ لَا الْأمة لَكِن يلْزم - كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح - من اتِّفَاقهمَا اتِّفَاق الْأمة لتلقيهم لَهما بِالْقبُولِ كَمَا تقرر. تَقْدِيم صَحِيح البُخَارِيّ على صَحِيح مُسلم وَقد صرح الْجُمْهُور بِتَقْدِيم صَحِيح البُخَارِيّ على صَحِيح مُسلم فِي الصِّحَّة أَي الْمُتَّصِل فِيهِ دون نَحْو التَّعَالِيق والتراجم كَمَا مر وَلم يُوجد عَن أحد التَّصْرِيح بنقيضه. كَذَا ادَّعَاهُ المُصَنّف. وَمنع بقول

стр. 250

مسلمة بن قَاسم فِي كتاب الصِّلَة: صَحِيح مُسلم لم يصنع أحد مثله. ثمَّ استشعر الْمُؤلف على نَفسه اعْتِرَاض فِي هَذِه الدَّعْوَى فحاول دَفعه بقوله: وَأما مَا نقل عَن أبي عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي بِفَتْح النُّون، وَهُوَ شيخ الْحَاكِم أَنه قَالَ: مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أَي مَا ظهر مِنْهَا أصح من كتاب مُسلم. فَلم يُصَرح بِكَوْنِهِ أصح من صَحِيح البُخَارِيّ.

стр. 251

خلافًا لما أفهمهُ كَلَام التَّقْرِيب (وَمن تبعه) لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفي وجود كتاب أصح من كتاب مُسلم، إِذا الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ صِيغَة افْعَل من زِيَادَة صِحَة فِي كتاب شَارك كتاب مُسلم فِي / الصِّحَّة، يمتاز بِتِلْكَ الزِّيَادَة وَلم ينف الْمُسَاوَاة فِي الصِّحَّة فَهُوَ إِنَّمَا نفى الأصحية عَن غير مُسلم عَلَيْهِ، فَيصدق بالمساواة كَمَا فِي حَدِيث: (لَا أظلت الخضراء، وَلَا أقلت الغبراء، أصدق للْخَبَر من أبي ذَر) فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَنه أصدق من جَمِيع الصَّحَابَة الَّذين مِنْهُم: أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

стр. 252

لَكِن عورض: بِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسب اللُّغَة، وَأما فِي الْعرف فنفى الأرجحية يسْتَلْزم نفى الْمُسَاوَاة، وَبِأَن الْمُسَاوَاة لَا تكَاد تُوجد فَلَا تقصد، فَكَأَن السِّيَاق لإِثْبَات الأصحية. أَلا ترى إِلَى مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن الْبَراء قَالَ: مَا رَأَيْت قطّ أحسن مِنْهُ - أَي من رَسُول الله. قَالُوا: هَذَا التَّرْكِيب وَإِن أوهم نفي تَفْضِيل الْغَيْر لكنه مُتَعَارَف فِي التَّفْضِيل عَلَيْهِ، لندرة التَّسَاوِي بَين شَيْئَيْنِ وَالْغَالِب التَّفَاضُل، فَإِذا نفى أَفضَلِيَّة أَحدهمَا ثبتَتْ أَفضَلِيَّة

стр. 253

الآخر مجَازًا، أَو اسْتِعْمَالا للأخص فِي الْأَعَمّ. قَالَ المُصَنّف: فَإِن قيل: أَن الْعرف يقْضِي فِي نَحْو قَوْلنَا: مَا فِي الْبَلَد أعلم من زيد، ينفى من يُسَاوِيه أَيْضا. قُلْنَا: لَا نسلم أَن عرفهم كَانَ كَذَلِك. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَيَردهُ قَول النَّسَفِيّ فِي " الْعُمْدَة " أَن الْمُصْطَفى قَالَ: " مَا أطلعت شمس وَلَا غربت على أحد بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر ". قَالَ النَّسَفِيّ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَن أَبَا بكر أفضل من كل من لَيْسَ / بِنَبِي أَيْضا. ثمَّ قَالَ الْمُؤلف: سلمنَا، لَكِن يجوز إِطْلَاق مثل هَذِه الْعبارَة وَإِن

стр. 254

وجد مسَاوٍ إِذْ هُوَ مقَام مدح ومبالغة وَهُوَ يحْتَمل مثل ذَلِك. انْتهى. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا يفوت فَائِدَة اخْتِصَاصه بِالذكر حِينَئِذٍ وَهُوَ خلاف الْمَقْصُود. اه. قَالَ: وَقَول ابْن حَنْبَل: مَا بِالْبَصْرَةِ أعلم من بشر بن الْفضل، أما مثله فَعَسَى. اه يقتضى أَن عرفهم كَانَ كَذَلِك. وَكَذَلِكَ مَا نقل عَن بعض المغاربة وَيُقَال: (إِنَّه ابْن حزم) أَنه فضل صَحِيح مُسلم على صَحِيح البُخَارِيّ (فَإِن ذَلِك لَيْسَ للأصحية بل لما ذكره الْمُؤلف بقوله) فَذَلِك فِيمَا يرجع إِلَى حسن السِّيَاق وجودة الْوَضع (وَالتَّرْتِيب) وَكَونه لَيْسَ فِيهِ بعد الْخطْبَة إِلَّا الحَدِيث فَقَط فسهل تنَاوله بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ قطع الْأَحَادِيث فِي الْأَبْوَاب باستنباط الْأَحْكَام مِنْهَا، وَأورد كثيرا مِنْهَا فِي غير مظنته.

стр. 255

وَلم يفصح أحد مِنْهُم بِأَن ذَلِك رَاجع إِلَى الأصحية وَلَو أفصحوا بِهِ لرده عَلَيْهِم شَاهد الْوُجُود. قَالَ المُصَنّف: وَفِي هَذِه الْعبارَة إِشَارَة إِلَى التنكيت على ابْن الصّلاح من وَجْهَيْن: ١ - أَحدهمَا: أَنه بعد أَن سَاق كَلَام أبي عَليّ قَالَ: وَهَذَا قَول من فضل من شُيُوخ الحَدِيث كتاب مُسلم على البُخَارِيّ فَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ أَن كتاب مُسلم يتَرَجَّح بِأَنَّهُ لم يمازحه غير الصَّحِيح فَلَا بَأْس بِهِ، وَلَا يلْزم أَن يكون أرجح فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصَّحِيح، وَإِن كَانَ المُرَاد أَنه أصح صَحِيحا فمردود على قَائِله. فَجمع بَين كَلَامي أبي عَليّ وَبَعض أهل الْمغرب، وَلم يذكر بعدهمَا جَوَابا / عَنْهُمَا، بل إِنَّمَا ذكر مَا يكون جَوَابا عَن كَلَام بعض أهل الْمغرب فَقَط، وَصَارَ كَلَام أبي عَليّ غير مَعْلُوم الْجَواب مِمَّا قَالَه. ٢ - الثَّانِي: أَن قَوْله فَهَذَا مَرْدُود على قَائِله لم يبين وَجه الرَّد فِيهِ. اه وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: هَذَا كَلَام لَا برهَان مَعَه فَلَا يُفِيد دفعا.

стр. 256

فالصفات كَانَ الأولى أَن يَقُول: لِأَن الصِّفَات الَّتِي تَدور عَلَيْهَا الصِّحَّة فِي كتاب البُخَارِيّ أتم مِنْهَا فِي كتاب مُسلم وَأسد، وَشَرطه فِيهَا أقوى وَأَشد: ١ - أما رجحانه من حَيْثُ الِاتِّصَال فلاشتراطه أَن يكون الرَّاوِي قد ثَبت لَهُ لِقَاء من روى عَنهُ وَلَو مرّة وَاحِد وَاكْتفى مُسلم بِمُطلق المعاصرة، وألزم البُخَارِيّ بِأَنَّهُ يحْتَاج أَن لَا يقبل العنعنة أصلا، وَمَا ألزمهُ بِهِ لَيْسَ بِلَازِم لِأَن الرَّاوِي إِذا ثَبت لَهُ اللِّقَاء مرّة لَا يجْرِي فِي رواياته احْتِمَال أَن لَا يكون قد سمع مِنْهُ، لِأَنَّهُ يلْزم من جَرَيَانه أَن يكون مُدَلّس وَالْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي غير المدلس. اعْترض عَلَيْهِ: بِأَن الْغَرَض أَيْضا حَال فِي عنعنة من لم يلق عدم التَّدْلِيس فَلَا احْتِمَال، لَكِن قَالَ الْمُؤلف: إِن شَرط مُسلم لَا يسلم من الْإِرْسَال الْخَفي، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ أَنه هُنَاكَ غَلَبَة

стр. 257

الظَّن بِالسَّمَاعِ وَكَذَا الاستقراء. ٢ - وَأما رجحانه من حَيْثُ الْعَدَالَة والضبط فَلِأَن الرِّجَال الَّذين تكلم (بِضَم التَّاء) فيهم من رجال مُسلم أَكثر عددا من الرِّجَال الَّذين تكلم فيهم من رجال البُخَارِيّ. فَإِن الَّذين انْفَرد البُخَارِيّ بِالْإِخْرَاجِ لَهُم دون مُسلم أَرْبَعمِائَة وَبضْعَة وَثَلَاثُونَ، الْمُتَكَلّم فيهم بالضعف ثَمَانُون، وَمن انْفَرد مُسلم بِالْإِخْرَاجِ لَهُ / سِتّمائَة وَعِشْرُونَ، الْمُتَكَلّم فيهم بالضعف مائَة وَسِتُّونَ. والتخريج عَمَّن لم يتَكَلَّم فيهم أصلا أولى مِمَّن تكلم فِيهِ. مَعَ أَن البُخَارِيّ لم يكثر من إِخْرَاج حَدِيثهمْ، بل غالبهم من شُيُوخه الَّذين أَخذ عَنْهُم ومارس حَدِيثهمْ وأطلع على أَحَادِيثهم، والمحدث أعرف بِحَدِيث شُيُوخه مِمَّن تقدم بِخِلَاف مُسلم فِي الْأَمريْنِ فَإِنَّهُ أَكثر من إِخْرَاج حَدِيثهمْ. وغالب الرِّجَال الَّذين تكلم فيهم من رِجَاله لَيْسُوا من شُيُوخه، وَلم يعاصرهم حَتَّى يُمَيّز بَين قوي حَدِيثهمْ وسقيمه. وَلِأَن البُخَارِيّ يخرج عَن الطَّبَقَة الأولى الْبَالِغَة فِي الْحِفْظ والإتقان وَعَن

стр. 258

طبقَة تَلِيهَا فِي التثبيت وَطول الْمُلَازمَة انتقاء وتعليقاً، وَمُسلم يخرج عَن هَذِه الطَّبَقَة أصولاً. وَلِأَن مُسلما يرى أَن للمعنعن حكم الِاتِّصَال إِذا تعاصرا وَإِن لم يثبت اللقي، وَالْبُخَارِيّ لَا يرَاهُ حَتَّى يثبت. وإلزامه باحتياجه أَن لَا يقبل المعنعن أصلا رد بِأَن الرَّاوِي إِذا ثَبت لَهُ اللِّقَاء مرّة (وَاحِدَة) لَا يتَطَرَّق لرواياته احْتِمَال أَن لَا يكون سمع وَإِلَّا لزم كَونه مدلساً. وَالْكَلَام فِي غَيره كَمَا مر. ٣ - وَأما رجحانه من حَيْثُ عدم الشذوذ والإعلال فَلِأَن مَا انتقد على البُخَارِيّ من الْأَحَادِيث اقل عددا مِمَّا انتقد على مُسلم. وَذَلِكَ لِأَن الْأَحَادِيث الَّتِي انتقدت عَلَيْهِمَا نَحْو مِائَتي حَدِيث (وَعشرَة أَحَادِيث) اخْتصَّ البُخَارِيّ مِنْهَا بِأَقَلّ من ثَمَانِينَ وَمَا / قل الانتقاد فِيهِ أرجح.

стр. 259

وَهَذَا مَعَ اتِّفَاق الْعلمَاء على أَن البُخَارِيّ كَانَ أجل من مُسلم فِي الْعُلُوم، وَأعرف بصناعة الحَدِيث مِنْهُ. وغوامضه ودقائقه وَأَن مُسلما تِلْمِيذه وخريجه، وَلم يزل يَسْتَفِيد مِنْهُ، ويتتبع آثاره حَتَّى لقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَوْلَا البُخَارِيّ لما رَاح مُسلم وَلَا جَاءَ. تعقبه بعض الْمُتَأَخِّرين: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك تَفْضِيل التصنيف على التصنيف. وَالشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا ذكره يتَضَمَّن أرجحية البُخَارِيّ على مُسلم فِي كل من شُرُوط الصِّحَّة الَّتِي هِيَ الِاتِّصَال، وَالْعَدَالَة، والضبط، وَعدم الْعلَّة والشذوذ وَلَيْسَ فِي جَمِيع مَا ذكر حجَّة، لِأَن قَوْله لَا يجْرِي فِي رواياته احْتِمَال أَن لَا يكون سمع: إِن اراد عقلا فَمَمْنُوع، وَإِن أَرَادَ اللَّازِم الْمَذْكُور فَمثله فِي عنعنة المعاصر الَّذِي لم يثبت عدم لِقَائِه لمن عاصره على مَا لَا يخفى. وَأما قَوْله: فَلِأَن ... إِلَى آخِره. إِن أَرَادَ الَّذين أخرج عَنْهُم مُسلم فِي غير المتابعات وَمن لَيْسَ مَقْرُونا بِغَيْرِهِ فَمَمْنُوع، بل هما سَوَاء

стр. 260

لمن تتبع مَا فِي الْكِتَابَيْنِ مُطلقًا. وَقَوله: بل غالبهم من شُيُوخه، صرح المُصَنّف فِي الْمُقدمَة بِخِلَافِهِ. وَأما قَوْله: فَلِأَن مَا انتقد ... إِلَى آخِره. فالنقد غير مُسلم فِي نَفسه، ثمَّ إِن هَذَا كُله لَيْسَ من الحيثيتين إِلَى هُنَا كَلَامه. قَالَ المُصَنّف: وَرَأَيْت فِي كَلَام العلائي مَا يشْعر بِأَن أَبَا عَليّ لم يقف على صَحِيح البُخَارِيّ وَهَذَا بعيد، فقد صَحَّ عَن بلديه وَشَيْخه ابْن / خُزَيْمَة أَنه قَالَ: مَا فِي الْكتب أَجود من البُخَارِيّ. وَيظْهر من كَلَام أبي عَليّ أَنه قدم صَحِيح مُسلم لِمَعْنى غير الصِّحَّة هُوَ: أَن مُسلما صنف كِتَابه فِي بَلَده محضوراً أُصُوله، فِي حَيَاة كثير من مشايخه، فَكَانَ يتحرز فِي الْأَلْفَاظ ويتحرى فِي السِّيَاق، وَالْبُخَارِيّ رُبمَا كتب الحَدِيث من حفظه فَلم يُمَيّز أَلْفَاظ رِوَايَة، وَبِذَلِك رُبمَا يعرض

стр. 261

لَهُ الشَّك. وَصَحَّ (عَنهُ) أَنه قَالَ: رب حَدِيث سمعته بالبصر وكتبته بِالشَّام. (وَبِالْجُمْلَةِ فقد أجمع النَّاس الْآن على تَرْجِيح البُخَارِيّ) لِأَن مُسلما لم يتصد لما تصدى لَهُ البُخَارِيّ من استنباط الْأَحْكَام، وتقطيع الْأَحَادِيث، وَلم يخرج الْمَوْقُوفَات. وَله فِي مُقَابلَة مُسلم من الْفَضَائِل الجمة مَا ضمنه فِي أبوابه من التراجم الَّتِي تحيرت فِيهَا أفكار الأجلاء. انْتهى. وَحكى فِي الْمقنع قولا ثَالِثا: أَنَّهُمَا سَوَاء قَالَ ابْن قطلوبغا: وَهُوَ أعدل الْأَقْوَال لعدم دَلِيل التَّفْضِيل فَكل مَا قيل دعاوى مُجَرّدَة عَن دَلَائِل بَاطِلَة. وَنقل ابْن أبي جَمْرَة عَن بعض الصَّالِحين: أَن البُخَارِيّ مَا قريء فِي شدَّة إِلَّا فرجت، وَلَا ركب بِهِ فِي مركب فغرق.

стр. 262

وَمن ثمَّ - أَي وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة وَهِي أرجحية شَرط البُخَارِيّ (على) غَيره وَقَوله: وَمن ثمَّ متن وَمَا بعده جعله الْمُؤلف شرحاً، وَقد تعقب البقاعي هَذَا الصَّنِيع بِأَن الْإِشَارَة بثم فِي الْمَتْن إِنَّمَا هِيَ إِلَى جِهَة تفَاوت رتب الصَّحِيح بتفاوت أَوْصَاف رُوَاته وَغَيرهَا من شُرُوطه، وَلَا يحسن أَن يُزَاد بِالْمَتْنِ جِهَة مَا ذكرت إِلَّا فِي الشَّرْح. قَالَ: فاللايق أَن يُقَال أَي / وَمن جِهَة تفَاوت رتب الصَّحِيح ... إِلَى آخِره. انْتهى. عدد أَحَادِيث صَحِيح البُخَارِيّ قدم صَحِيح البُخَارِيّ على غَيره من الْكتب المصنفة فِي الحَدِيث. وَهُوَ - أَعنِي البُخَارِيّ - أول مُصَنف فِي الحَدِيث الْمُجَرّد، وَجُمْلَة مَا فِيهِ:

стр. 263

سَبْعَة آلَاف حَدِيث ومائتان وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ بالمكرر، وبحذفه أَرْبَعَة آلَاف. كَذَا قَالَه النَّوَوِيّ كَابْن الصّلاح لَكِن قَالَ الْمُؤلف: عددتها فبلغت بالمكرر - سوى المتابعات والمعلقات - سَبْعَة آلَاف وثلاثمائة وَسَبْعَة وَتسْعُونَ، وَبِدُون المكرر أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة وَثَلَاثَة عشر.

стр. 264

تَوْجِيه كَلَام الشَّافِعِي فِي تَفْضِيل المؤطأ على الصَّحِيحَيْنِ ثمَّ صَحِيح مُسلم لمشاركته للْبُخَارِيّ فِي اتِّفَاق الْعلمَاء على تلقي كِتَابه بِالْقبُولِ أَيْضا سوى مَا علل وَأما مَا رُوِيَ عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه قَالَ: مَا أعلم فِي الأَرْض كتابا أَكثر صَوَابا من كتاب مَالك. (وَفِي رِوَايَة عَنهُ: مَا بعد كتاب الله أصح من موطأ مَالك) . فَذَلِك قبل وجود الْكِتَابَيْنِ. الْإِجَابَة عَن إِخْرَاج مُسلم حَدِيث بعض الضُّعَفَاء وَأما عيب بِهِ على مُسلم من إِخْرَاجه عَن ضعفاء ومتوسطين لَيْسُوا من شَرط الصَّحِيح؟ فَأُجِيب عَنهُ: ١ - بِأَن ذَلِك فِيمَن هُوَ ضَعِيف عِنْد غَيره ثِقَة عِنْده. ٢ - وَبِأَنَّهُ وَقع فِي المتابعات والشواهد لَا الْأُصُول. ٣ - وَبِأَن ضعف الضَّعِيف الَّذِي اعْتد بِهِ طَرَأَ بعد أَخذه عَنهُ بِنَحْوِ اخْتِلَاط. ٤ - وَبِأَنَّهُ قد يَعْلُو بالضعيف إِسْنَاده وَهُوَ عِنْده من رِوَايَة الثِّقَات نَازل مقتصر عَن العالي، وَلَا يطول بِإِضَافَة النَّازِل إِلَيْهِ، مكتفياً بِمَعْرِِفَة أهل الْفَنّ.

стр. 265

جملَة مَا فِي صَحِيح مُسلم قَالَ النَّوَوِيّ: وَجُمْلَة مَا فِي مُسلم باسقاط المكرر نَحْو أَرْبَعَة آلَاف /. وَهُوَ يزِيد على البُخَارِيّ بالمكرر لِكَثْرَة طرقه. عدم اسْتِيعَاب الشَّيْخَيْنِ للصحيح وَلم يستوعب الشَّيْخَانِ الصَّحِيح، وَلَا التزماه، بل فاتهما مِنْهُ الْكثير، وَقَول ابْن الصّلاح: لم يفتهما مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل رده النَّوَوِيّ: بِأَن الصَّوَاب أَنه لم يفت الْأُصُول الْخَمْسَة إِلَّا الْيَسِير ... ... المُرَاد من شَرطهمَا وَتَقْدِيم مَا وَافق شَرطهمَا على غَيره ثمَّ يقدم فِي الأرجحية من حَيْثُ الأصحية مَا وَافق شَرطهمَا لِأَن

стр. 266

المُرَاد بِهِ رواتهما أَي رجال إسناديهما كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ. فَهَذَا هُوَ المُرَاد بشرطهما، إِذْ لَا شَرط لَهما مَذْكُور فِي كِتَابَيْهِمَا وَلَا فِي غَيره، وَأما قَول ابْن طَاهِر: شَرطهمَا أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع على ثِقَة نقلته إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور من غير اخْتِلَاف بَين الثِّقَات الْأَثْبَات. فَرده الْعِرَاقِيّ، بِأَن النَّسَائِيّ ضعف جمَاعَة أخرجَا لَهما. مَعَ بَقِيَّة شُرُوط الصَّحِيح احْتِرَازًا عَن انْقِطَاع وَنَحْوه. عَدَالَة رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ وتقدمهم على غَيرهم ورواتهم قد حصل الِاتِّفَاق على القَوْل بتعديلهم بطرِيق اللُّزُوم. أَي من الحكم بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّهَا عِنْد التفرد لَا تُوجد بِدُونِ الْعَدَالَة. وَلم يفرقُوا فِي تلقيهم لَهَا بِالْقبُولِ - وَالْحكم بِصِحَّة غير مَا علل من

стр. 267

أحاديثهما - بَين مَا تفرد / بِهِ الرَّاوِي وَغَيره فهم أَي رواتهما مقدمون على غَيرهم فِي رواياتهم وَهَذَا أصل لَا يخرج عَنهُ إِلَّا بِدَلِيل، فَإِن كَانَ الْخَبَر على شَرطهمَا مَعًا كَانَ دون مَا أخرجه مُسلم أَو مثله. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر أَن مَا كَانَ على شَرطهمَا وَلَيْسَ لَهُ عِلّة مقدم على مَا أخرجه مُسلم وَحده، لِأَن قُوَّة الحَدِيث إِنَّمَا هِيَ النّظر إِلَى رِجَاله لَا بِالنّظرِ إِلَى كَونه فِي كتاب كَذَا، فَمَا ذكره المُصَنّف شَأْن الْمُقَلّد فِي الصِّنَاعَة لَا شَأْن الْعَالم بهَا فَتدبر. قَالَ المُصَنّف: إِنَّمَا قلت: أَو مثله، لِأَن الحَدِيث الَّذِي يرْوى وَلَيْسَ عِنْدهمَا جِهَة تَرْجِيح على مَا كَانَ عِنْد مُسلم، وَمَا كَانَ عِنْد مُسلم جِهَة تَرْجِيح من حَيْثُ أَنه فِي الْكتاب الْمَذْكُور فتعادلا، فَلذَلِك قلت: أَو مثله. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا مبْنى على مَا تقدم من أَن كَون

стр. 268

الحَدِيث فِي كتاب فلَان يَقْتَضِي تَرْجِيحه على مَا رُوِيَ بِرِجَالِهِ - وَقد تقدم مَا فِيهِ -. اه. قَالَ: فَالَّذِي يَنْبَغِي القَوْل بِهِ أرجحية مَا على شَرطهمَا لما لم يُخرجهُ أَحدهمَا، إِذْ لَا تَرْجِيح بِكَوْنِهِ فِي الصَّحِيح، وَزعم أَن مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ يتلَقَّى بِالْقبُولِ فرجح لذَلِك فِي حيّز التهافت، وَمن شَرط فِي الأصحية التلقي الْقبُول؟ فَمَا معنى هَذَا التلقي؟ وَمن هُوَ الَّذِي تلقى ذَلِك؟ . بَقِيَّة مَرَاتِب الصَّحِيح وَمَا أورد عَلَيْهِ مِنْهَا وَإِن كَانَ على شَرط أَحدهمَا فَيقدم شَرط البُخَارِيّ وَحده على شَرط مُسلم وَحده تبعا لأصل كل مِنْهُمَا، فَخرج لنا من هَذَا سِتَّة أَقسَام تَتَفَاوَت درجاتها فِي / الصِّحَّة، وَبَقِي قسم سَابِع وَهُوَ مَا لَيْسَ على شَرطهمَا اجتماعا وانفراداً.

стр. 269

قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَقد يُقَال: بَقِي ثامن وَهُوَ الْحسن عِنْد من يعده صَحِيحا فَإِنَّهُ دون مَا ذكر من الْأَقْسَام. وَأورد عَلَيْهِ - أَيْضا - أَقسَام أُخْرَى: ١ - أَحدهمَا: الْمُتَوَاتر. ورد بِأَنَّهُ لَا يعْتَبر فِيهِ عَدَالَة، وَالْكَلَام فِي الصَّحِيح بالتعريف الْمُتَقَدّم. ٢ - الثَّانِي: الْمَشْهُور. قَالَ الْمُؤلف: وَهُوَ وَارِد قطعا. قَالَ: وَأَنا مُتَوَقف فِي رتبته، هَل هِيَ قبل الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَو بعده؟ ٣ - الثَّالِث: مَا أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة.

стр. 270

وَأجِيب: بِأَن من لم يشرط الصَّحِيح فِي كِتَابه لَا يزِيد بتخريجه للْحَدِيث قُوَّة، قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: لَكِن مَا اتّفق السِّتَّة على تَوْثِيق رُوَاته أولى بِالصِّحَّةِ مِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ، وَإِن اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ. ٤ - الرَّابِع: مَا فقد شرطا (كالاتصال) عِنْد من يُسَمِّيه صَحِيحا. ٥ - (الْخَامِس: مَا فقد تَمام الضَّبْط وَنَحْوه مِمَّا ينزل إِلَى رُتْبَة الْحسن عِنْد من يُسَمِّيه صَحِيحا) . ٦ - قَالَ الْمُؤلف: وَمَا أخرجه السِّتَّة إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم. ٧ - وَكَذَا مَا أخرجه الْأَئِمَّة الَّذين التزموا الصِّحَّة. وَنَحْو هَذَا إِلَى أَن تَنْتَشِر الْأَقْسَام فتكثر حَتَّى يعسر حصرها.

стр. 271

وَهَذَا التَّفَاوُت إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة أَي من حَيْثُ تفَاوت الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة للتصحيح أما لَو رجح قسم على مَا هُوَ فَوْقه بِأُمُور أُخْرَى تَقْتَضِي التَّرْجِيح فَإِنَّهُ يقدم على مَا فَوْقه، إِذْ قد يعرض للمفوق مَا يَجعله فائقاً. كَمَا مر مرَارًا وَذَلِكَ كَمَا لَو كَانَ الحَدِيث عَن مُسلم مثلا وَهُوَ مَشْهُور قَاصِر عَن دَرَجَة التَّوَاتُر لَكِن حَفَّتْهُ قرينَة / صَار بهَا يُفِيد الْعلم، فَإِنَّهُ يقدم على الحَدِيث الَّذِي يُخرجهُ البُخَارِيّ إِذا كَانَ فَردا مُطلقًا. اعْترض بِأَن الْكَلَام فِي المقبول من الْآحَاد. وكما لَو كَانَ الحَدِيث الَّذِي لم يخرجَاهُ أَي الشَّيْخَانِ من تَرْجَمَة وصنفت بِكَوْنِهَا أصح الْأَسَانِيد من التراجم الْمُتَقَدّمَة كمالك أَي كَحَدِيث رَوَاهُ مَالك بن أنس عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَن ابْن عمر

стр. 272

ابْن الْخطاب - ﵃ فَإِنَّهُ يقدم على مَا انْفَرد بِهِ أَحدهمَا مثلا لِأَنَّهُ شَارك مَا أَخْرجَاهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاتِّفَاق على الْقبُول فحصلت الْمُسَاوَاة، وَالْمَقْصُود الأرجحية وَتحصل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحدهمَا لَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي إِسْنَاده من فِيهِ مقَال يَعْنِي وَإِن كَانَ عَنهُ جَوَاب، لِأَن من تكلم فِيهِ لَيْسَ كمن لم يتَكَلَّم فِيهِ أصلا كَمَا هُوَ ظَاهر. ذكره الشَّيْخ قَاسم. فَائِدَة بَيَان مَرَاتِب الصَّحِيح وَفَائِدَة التَّقْسِيم الْمُقَرّر تظهر عِنْد التَّعَارُض وَالتَّرْجِيح. وَهَذَا كُله اصْطِلَاح الْمُحدثين، أما الْفُقَهَاء فَإِنَّهُم قد يرجحون بِمَا لَا دخل لَهُ فِي ذَلِك كَمَا صرح بِهِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيره.

стр. 273

تَنْبِيهَات : ١ - الأول: ذكرُوا أَن أصح مَا صنف فِي الصَّحِيح بعد الشَّيْخَيْنِ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان، وَأَبُو عوَانَة، (وَالْحَاكِم، وَأَن صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) أصح من صَحِيح ابْن حبَان، وصحيح ابْن حبَان وَأبي عوَانَة) أصح من مُسْتَدْرك الْحَاكِم لتفاوتهم فِي الِاحْتِيَاط وَتوسع الْحَاكِم وتساهله. وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُم لاحقاً بالصحيحين إِلَّا فِي مُجَرّد التَّسْمِيَة لوُجُود غير الصَّحِيح فِيهَا. وَقَالَ بعض الْحفاظ: يَنْبَغِي أَن يُقَال: أَصَحهَا بعد مُسلم مَا اتّفق / عَلَيْهِ الثَّلَاثَة ثمَّ ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان أَو الْحَاكِم، ثمَّ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، ثمَّ ابْن خُزَيْمَة فَقَط، ثمَّ ابْن حبَان فَقَط، ثمَّ الْحَاكِم فَقَط إِن لم يكن الحَدِيث على شَرط أحد الشَّيْخَيْنِ. ٢ - الثَّانِي: قد يعرض للمفوق مَا يصيره فائقاً - كَمَا مر - وَذَلِكَ كَأَن يتَّفقَا على إِخْرَاج حَدِيث غَرِيب، وَيخرج مُسلم حَدِيثا مَشْهُورا، أَو مِمَّا وصفت تَرْجَمته بِكَوْنِهَا أصح الْأَسَانِيد، وَلَا يقْدَح ذَلِك فِيمَا مر

стр. 274

لِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار الْإِجْمَال ذكره الزَّرْكَشِيّ ثمَّ قَالَ: وَمِنْه يعلم أَن تَرْجِيح كتاب البُخَارِيّ إِنَّمَا المُرَاد بِهِ تَرْجِيح الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لَا كل فَرد من أَحَادِيثه على كل فَرد من أَحَادِيث الآخر. انْتهى. التَّصْحِيح والتضعيف فِي العصور الْمُتَأَخِّرَة ٣ - الثَّالِث: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ النَّوَوِيّ وَجل الْمُحدثين جَوَاز النّظر فِي الْأَسَانِيد والمتون للعارف بهَا، وَالْحكم عَلَيْهَا بِمَا يظْهر لَهُ من صِحَة وتحسين وَغَيرهمَا حَيْثُ قويت مَعْرفَته وتمكنه. وَذهب ابْن الصّلاح إِلَى الْمَنْع، محتجاً بِعَدَمِ إِمْكَانه فِي الْأَزْمِنَة الْمُتَأَخِّرَة، لتحري الْمُتَقَدِّمين وَشدَّة فحصهم إِذْ لَا يكْتَفى بِمُجَرَّد صِحَة السَّنَد مَعَ ظن أَنه لَو صَحَّ لما أهملوه، لِأَن كل إِسْنَاد فِيهِ من اعْتمد على كِتَابه وَلم يُلَاحظ ضبطاً وَلَا إتقاناً فالاعتماد فِي معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن على مَا فِي تصانيف الْأَئِمَّة الْمَشْهُورَة الَّتِي سلمت من التَّغْيِير والتحريف.

стр. 275

وَتعقبه الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ: بِأَن مَنعه لم يتَحَصَّل مِنْهُ على شَيْء، وَكَيف يَتَأَتَّى القَوْل بِالْمَنْعِ من / الحكم بِالصِّحَّةِ إِذا وجد عَالم (فِي كتاب) كسنن أبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ من التصانيف الْمَشْهُورَة المحفوظة من التَّغْيِير والتحريف حَدِيثا بِإِسْنَاد لَا غُبَار عَلَيْهِ كقتيبة عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، فَإِن إِسْنَاده من فَوق وَاضح الْأَمر، وَمن أَسْفَل لَا يحْتَاج لبَيَان عِنْده لاكتفائه بشهرة التصنيف. انْتهى. وَقد أَخذه المُصَنّف وَنسبه لنَفسِهِ حَيْثُ قَالَ الْكتاب الْغَنِيّ بشهرته عَن اعتبارنا لإسناده لمسنده كسنن النَّسَائِيّ لَا يحْتَاج فِي صَحَّ نسبته لاعْتِبَار رجال الْإِسْنَاد، فَإِذا روى حَدِيثا وَلم يعلله وَجمع إِسْنَاده

стр. 276

شُرُوط الصِّحَّة وَلم يطلع الْمُحدث الْعَارِف على عِلّة فِيهِ فَلَا مَانع من الحكم بِصِحَّتِهِ و (إِن) لم ينص عَلَيْهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين، مَعَ أَن أَكثر رُوَاته رَوَاهُ الصَّحِيح. انْتهى. وَاعْتَرضهُ السخاوي: بِأَنَّهُ كَيفَ يسوغ الرَّد على ابْن الصّلاح بِمَا هُوَ مُصَرح باعتماده وَهُوَ عين كَلَامه. الحَدِيث الْحسن بنوعيه فَإِن خف الضَّبْط - أَي قل - يُقَال: خف الْقَوْم خفوفاً أَي قلوا، وَالْمرَاد انه خف لَكِن مَعَ وجود بَقِيَّة الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة فِي حد الصَّحِيح أَي مَعَ وجود بَاقِي الشُّرُوط كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله بعد ذَلِك وَخرج بِاشْتِرَاط بَاقِي الْأَوْصَاف إِلَى آخِره فَهُوَ الْحسن لذاته لَا لشَيْء خَارج عَن ذَاته. وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مَا ذكره لَا يحصل بِهِ تَمْيِيز الْحسن عَن غَيره، لِأَن الخفة الْمَذْكُورَة غير منضبطة وَهُوَ أَي الْحسن لأمر خَارج / هُوَ الَّذِي يكون حسنه حسب الاعتضاد أَي بِحَسب اعتضاده بمتابعة أَو بِمَا لَهُ من الشواهد نَحْو حَدِيث المستور. قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: وَأحسن مَا يحد بِهِ الْحسن أَن يُقَال: هُوَ خبر الصَّادِق أَو المستور المعتضد.

стр. 277

قَالَ المُصَنّف: الرَّاوِي إِذا لم يسم كَرجل يُسمى مُبْهما، وَإِن ذكر من عدم تَمْيِيز فَهُوَ المهمل، وَإِن ميز وَلم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد فمجهول وَإِلَّا فمستور. انْتهى. وَقَالَ غَيره: المستور هُوَ الَّذِي لم تتَحَقَّق أَهْلِيَّته وَلَيْسَ مغفلاً كثير الْخَطَأ، وَلَا مُتَّهمًا بفسق، إِذا تعدّدت طرقه أَو وجد لَهُ شَاهد وَهُوَ وُرُود حَدِيث آخر نَحوه، فَيخرج بذلك عَن كَونه شاذاً أَو مُنْكرا. وَخرج بِاشْتِرَاط بَاقِي الْأَوْصَاف الضَّعِيف كَمَا يَأْتِي، هَذَا مَا لخصه الْمُؤلف وحرره من أقاويل متعارضة، وحدود مُعْتَرضَة، وَحَاصِله أَنه شرك بَين الْحسن لذاته وَبَين الصَّحِيح فِي الشُّرُوط إِلَّا تَمام الضَّبْط

стр. 278

وَنَحْوه قَول الْجَزرِي: الْحسن لذاته مَا حصل بِنَقْل عدل مُتَّصِل السَّنَد سالما من الشذوذ والإعلال. وَهَذَا أحسن مَا قيل، وَقد كثر الِاضْطِرَاب فِي هَذَا الْمقَام، واستقصى تحريره على كثير من الأفهام. قَالَ ابْن كثير والبلقيني: وَسَببه أَن الْحسن لما توَسط بَين الصَّحِيح والضعيف كَأَن شَيْئا ينقدح فِي نفس الْحَافِظ قد تقصر عِبَارَته كَمَا قيل الِاسْتِحْسَان، فَلذَلِك صَعب تَعْرِيفه. وَهَذَا الْقسم من الْحسن / مشارك للصحيح فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن كَانَ دونه فِي الْقُوَّة، وَلِهَذَا أدرجه الْحَاكِم وَابْن خُزَيْمَة (وَابْن حبَان فِي نوع

стр. 279

الصَّحِيح) مَعَ قَوْلهم أَنه دونه لَكِن قَالَ فِي " الاقتراح ": مَا ذكر من أَن الْحسن يحْتَج بِهِ مُشكل، لِأَن ثمَّ أَوْصَاف يجب مَعهَا قبُول الرِّوَايَة إِذا وجدت فَإِن كَانَ هَذَا الْمُسَمّى بالْحسنِ مِمَّا وجدت فِيهِ على أقل الدَّرَجَات الَّتِي يجب مَعهَا الْقبُول فَصَحِيح، وَإِن لم تُوجد لم يجز الِاحْتِجَاج بِهِ وَإِن سمي حسنا، إِلَّا أَن يُرِيد الْأَمر الاصطلاحي بِأَن يُقَال: إِن هَذِه الصِّفَات لَهَا مَرَاتِب ودرجات فأعلاها يُسمى صَحِيحا وَأَدْنَاهَا يُسمى حسنا، وَحِينَئِذٍ يرجع الْأَمر إِلَى الِاصْطِلَاح وَيكون الْكل صَحِيحا. انْتهى. وَقَضِيَّة كَلَام الْمُؤلف كَمَا قَالَه بعض الْمُحَقِّقين أَن الْحسن لخارج لَا يحْتَج بِهِ، لَكِن يُخَالِفهُ إِطْلَاق (التَّقْرِيب) كَأَصْلِهِ حَيْثُ قَالَ:

стр. 280

الْحسن كَالصَّحِيحِ فِي الِاحْتِجَاج بِهِ إِن كَانَ دونه فِي الْقُوَّة. وَلَا بدع فِي الِاحْتِجَاج بِحَدِيث لَهُ طَرِيقَانِ، وَلَو انْفَرد كل مِنْهُمَا لم يكن حجَّة كَمَا فِي مُرْسل ورد من وَجه آخر مُسْندًا، أَو وَافقه مُرْسل آخر بِشَرْطِهِ كَمَا ذكره ابْن الصّلاح. ومشابه لَهُ فِي الانقسام إِلَى مَرَاتِب بَعْضهَا فَوق بعض فأعلى مراتبه كَمَا قَالَه الذَّهَبِيّ: بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده، وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، وَابْن إِسْحَق عَن التَّيْمِيّ

стр. 281

وأمثال ذَلِك مِمَّا قيل أَنه صَحِيح، وَهُوَ من أدنى مَرَاتِب الصَّحِيح. ثمَّ من بعد ذَلِك مَا اخْتلف فِي حسنه وَضَعفه كَحَدِيث الْحَارِث ابْن عبد الله، وَعَاصِم بن ضَمرَة، وحجاج بن / أَرْطَاة ... ... ... وبكثرة طرقه أَي الْحسن لذاته يصحح قَالَ الْمُؤلف فِي (تَقْرِيره) : يشْتَرط فِي التَّابِع أَن يكون أقوى أَو مساوي حَتَّى لَو كَانَ الْحسن لذاته يرْوى من وَجه آخر حسن لغيره لم يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ. قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهَذَا معنى قَوْله الْآتِي: تطلق الصِّحَّة على

стр. 282

الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو انْفَرد فَقَوله لذاته احْتِرَازًا عَمَّا ذكره وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ من وَجه آخر حسن لغيره. وَإِنَّمَا يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْد تعدد الطّرق بِالشّرطِ الْمَذْكُور لِأَن للصورة الْمَجْمُوعَة قُوَّة تجبر الْقدر الَّذِي قصر بِهِ ضبط رَاوِي الْحسن عَن رَاوِي الصَّحِيح كالحبل الْمُؤلف من شَعرَات وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا يُطلق الصِّحَّة على الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو تفرد إِذا تعدد فَخرج بقوله لذاته الْحسن لغيره فَلَا يجْبر كَمَا تقرر. مِثَال ذَلِك حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة

стр. 283

مَرْفُوعا: " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة ". فمحمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة مَشْهُور بِالصّدقِ والصيانة، لَكِن لم يكن متقناً حَتَّى ضعفه بَعضهم من جِهَة سوء حفظه، وَوَثَّقَهُ بَعضهم لصدقه وجلالته، فَحَدِيثه من هَذِه الْجِهَة حسن، فَلَمَّا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك كَونه روى من وَجه آخر حكم بِصِحَّتِهِ. وكحديث البُخَارِيّ عَن أبي بن الْعَبَّاس بن سهل بن سعد عَن أَبِيه

стр. 284

عَن جده فِي ذكر خيل الْمُصْطَفى. فَإِن أَبَيَا هَذَا ضَعِيف لسوء حفظه، فَحَدِيثه حسن لَكِن تَابعه عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الْمُهَيْمِن، فارتقى إل دَرَجَة الصِّحَّة. / وَهَذَا حَيْثُ ينْفَرد الْوَصْف، فَإِن جمعا - أَي الْحسن وَالصَّحِيح - فِي وصف حَدِيث وَاحِد كَقَوْل التِّرْمِذِيّ وَغَيره كيعقوب بن شيبَة، وَابْن

стр. 285

الْمَدِينِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَقد جمع هَؤُلَاءِ بَين الصِّحَّة وَالْحسن والغرابة فِي مَوَاضِع من كتبهمْ، وَكَذَا أَبُو على الطوسي جمع بَين الصِّحَّة وَالْحسن (فِي مَوَاضِع) من كِتَابه الْمُسَمّى ب " الإحكام ". وَقد أَشَارَ الْمُؤلف إِلَى ذَلِك بقوله (وَغَيره) ردا إِلَى مَا اشْتهر بَين أهل الْفَنّ من أَن ذَلِك خَاص بالترمذي. فللتردد الْحَاصِل من الْمُجْتَهد فِي هَذَا الْفَنّ كالترمذي فِي النَّاقِل، هَل اجْتمعت فِيهِ شُرُوط الصِّحَّة أَو قصر عَنْهَا (بِأَن يَقُول فِيهِ بَعضهم صَدُوق مثلا، وَبَعْضهمْ يَقُول ثِقَة وَلَا يتَرَجَّح عِنْد النقاد وَاحِد مِنْهُمَا. أَو يتَرَجَّح لكنه يُرِيد الْإِشَارَة إِلَى كَلَام النَّاس فِيهِ) . وَهَذَا (حَيْثُ) يحصل مِنْهُ التفرد بِتِلْكَ الرِّوَايَة قَالَ الشَّيْخ
следующие страницы →