Полный текст (833 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وأمثال ذَلِك مِمَّا قيل أَنه صَحِيح، وَهُوَ من أدنى مَرَاتِب الصَّحِيح.
ثمَّ من بعد ذَلِك مَا اخْتلف فِي حسنه وَضَعفه كَحَدِيث الْحَارِث ابْن عبد الله، وَعَاصِم بن ضَمرَة، وحجاج بن / أَرْطَاة ... ... ...
وبكثرة طرقه أَي الْحسن لذاته يصحح قَالَ الْمُؤلف فِي (تَقْرِيره) : يشْتَرط فِي التَّابِع أَن يكون أقوى أَو مساوي حَتَّى لَو كَانَ الْحسن لذاته يرْوى من وَجه آخر حسن لغيره لم يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَهَذَا معنى قَوْله الْآتِي: تطلق الصِّحَّة على
стр. 282
الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو انْفَرد فَقَوله لذاته احْتِرَازًا عَمَّا ذكره وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ من وَجه آخر حسن لغيره.
وَإِنَّمَا يحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْد تعدد الطّرق بِالشّرطِ الْمَذْكُور لِأَن للصورة الْمَجْمُوعَة قُوَّة تجبر الْقدر الَّذِي قصر بِهِ ضبط رَاوِي الْحسن عَن رَاوِي الصَّحِيح كالحبل الْمُؤلف من شَعرَات وَمن ثمَّ أَي وَمن هُنَا يُطلق الصِّحَّة على الْإِسْنَاد الَّذِي يكون حسنا لذاته لَو تفرد إِذا تعدد فَخرج بقوله لذاته الْحسن لغيره فَلَا يجْبر كَمَا تقرر.
مِثَال ذَلِك حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة
стр. 283
مَرْفُوعا: " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة ".
فمحمد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة مَشْهُور بِالصّدقِ والصيانة، لَكِن لم يكن متقناً حَتَّى ضعفه بَعضهم من جِهَة سوء حفظه، وَوَثَّقَهُ بَعضهم لصدقه وجلالته، فَحَدِيثه من هَذِه الْجِهَة حسن، فَلَمَّا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك كَونه روى من وَجه آخر حكم بِصِحَّتِهِ.
وكحديث البُخَارِيّ عَن أبي بن الْعَبَّاس بن سهل بن سعد عَن أَبِيه
стр. 284
عَن جده فِي ذكر خيل الْمُصْطَفى.
فَإِن أَبَيَا هَذَا ضَعِيف لسوء حفظه، فَحَدِيثه حسن لَكِن تَابعه عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الْمُهَيْمِن، فارتقى إل دَرَجَة الصِّحَّة. /
وَهَذَا حَيْثُ ينْفَرد الْوَصْف، فَإِن جمعا - أَي الْحسن وَالصَّحِيح - فِي وصف حَدِيث وَاحِد كَقَوْل التِّرْمِذِيّ وَغَيره كيعقوب بن شيبَة، وَابْن
стр. 285
الْمَدِينِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَقد جمع هَؤُلَاءِ بَين الصِّحَّة وَالْحسن والغرابة فِي مَوَاضِع من كتبهمْ، وَكَذَا أَبُو على الطوسي جمع بَين الصِّحَّة وَالْحسن (فِي مَوَاضِع) من كِتَابه الْمُسَمّى ب " الإحكام ".
وَقد أَشَارَ الْمُؤلف إِلَى ذَلِك بقوله (وَغَيره) ردا إِلَى مَا اشْتهر بَين أهل الْفَنّ من أَن ذَلِك خَاص بالترمذي.
فللتردد الْحَاصِل من الْمُجْتَهد فِي هَذَا الْفَنّ كالترمذي فِي النَّاقِل، هَل اجْتمعت فِيهِ شُرُوط الصِّحَّة أَو قصر عَنْهَا (بِأَن يَقُول فِيهِ بَعضهم صَدُوق مثلا، وَبَعْضهمْ يَقُول ثِقَة وَلَا يتَرَجَّح عِنْد النقاد وَاحِد مِنْهُمَا. أَو يتَرَجَّح لكنه يُرِيد الْإِشَارَة إِلَى كَلَام النَّاس فِيهِ) .
وَهَذَا (حَيْثُ) يحصل مِنْهُ التفرد بِتِلْكَ الرِّوَايَة قَالَ الشَّيْخ
стр. 286
قَاسم: يرد عَلَيْهِ مَا إِذا كَانَ الْمُنْفَرد جمع شُرُوط الصِّحَّة عِنْدهم.
وَعرف بِهَذَا جَوَاب من اسْتشْكل كَابْن الصّلاح الْجمع بَين الوصفين فِي حَدِيث وَاحِد / فَقَالَ: الْحسن قَاصِر عَن الصَّحِيح فَفِي الْجمع بَينهمَا إِثْبَات لذَلِك الْقُصُور ونفيه قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره لذَلِك حِين قرىء عَلَيْهِ الشَّرْح: اسْتشْكل الْجمع بَين الصِّحَّة وَالْحسن، فَأُجِيب: بِأَنَّهُ بِحَسب إسنادين.
فأورد (عَلَيْهِ) : إِنَّه يَقُول حسن صَحِيح لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
فَأُجِيب: بِمَا ذكر، وَمِنْهُم من أجَاب بالترادف فِي الْمَعْنى.
قيل: يرد بِأَصْل الْقِسْمَة.
стр. 287
قَالَ الشَّيْخ / قَاسم: وَلَيْسَ بِشَيْء، بل إِنَّه خلاف الْمُتَعَارف، وَهَذَا الْجَواب عَن قَول من وفْق بِأَن الْحسن فِي اللَّفْظ، وَالصِّحَّة للسند، لَا مَا قيل: إِنَّه يدْخل فِيهِ الضَّعِيف. اه.
ومحصل الْجَواب إِن تردد أَئِمَّة الحَدِيث فِي حَال ناقله بِأَن قَالَ بَعضهم صَدُوق مثلا، وَبَعْضهمْ يَقُول ثِقَة اقْتضى للمجتهد أَن لَا يصفه بِأحد الوصفين (لكَونه لم يتَرَجَّح عِنْده وَاحِد مِنْهُمَا، أَو ترجح لكنه يُرِيد الْإِشَارَة إِلَى كَلَام النَّاس فِيهِ) .
فَيُقَال فِيهِ حسن بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم (لِأَن رَاوِيه عِنْدهم صَدُوق) صَحِيح بِاعْتِبَار وَصفه عِنْد قوم آخَرين لِأَن رَاوِيه عِنْدهم ثِقَة،
стр. 288
(فَهَؤُلَاءِ غير مترددين فِي صِحَّته وَأُولَئِكَ مترددين فِيهَا) ، وَهَذَا نَظِير قَول الْفُقَهَاء: فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ، أَو وَجْهَان.
أَو يكون ذَلِك بِحَسب تردد الْمُجْتَهد بِعَيْنِه فِي الرَّاوِي فَتَارَة يُؤَدِّيه اجْتِهَاده بِاعْتِبَار حَدِيثه وَعرضه على حَدِيث الْحَافِظ - وَنَحْو ذَلِك - إِلَى قُصُور ضَبطه، وَتارَة إِلَى تَمَامه.
ثمَّ إِن مَا ذكره الْمُؤلف اعْتَرَضَهُ الشَّيْخ قَاسم بِأَنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا لَو كَانَ الرَّاوِي جَامعا لشروط بِاتِّفَاق، أَو لم يتَرَدَّد فِيهِ.
وَقَالَ غَيره: قد جزم الْجَزرِي بِأَن هَذَا أَعلَى رتبه مِمَّا قيل فِيهِ حسن، قَالَ هَكَذَا سَمِعت مَعْنَاهُ من شَيخنَا ابْن كثير. وَغَايَة مَا فِيهِ
стр. 289
أَنه حذف مِنْهُ حرف التَّرَدُّد ... ... لِأَن حَقه أَن يَقُول حسن أَو صَحِيح وَمثل ذَلِك سَائِغ شَائِع فِي كَلَامهم.
وَهَذَا كَمَا حذف الْعَطف من الَّذِي بعده كَمَا قَالَ ابْن مَالك فِي حَدِيث عدي بن حَاتِم - رَفعه - " تصدق رجل (من درهمه) ، من ديناره، من صَاع تمره ... " إِلَى آخِره.
وكما فِي أثر عمر فِي الصَّحِيح: صلى فِي قَمِيص وَإِزَار،
стр. 290
فِي تبان، فِي رِدَاء، فِي كَذَا.
وكما فِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - " اللَّهُمَّ إِنِّي / أَتَّخِذ عنْدك عهدا فَأَي مُسلم أذيته شتمته لعنته جلدته ... " الحَدِيث.
وعَلى هَذَا: فَمَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح دون مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط لِأَن هَذَا غير مُتَرَدّد فِي صِحَّته وَذَاكَ مُتَرَدّد فِيهَا والجزم أقوى من التَّرَدُّد وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْمُؤلف للْجمع بِهِ تبعا لجمع وَنقض ذَلِك: بِأَن التِّرْمِذِيّ يجمع بَينهمَا فِي الحَدِيث الَّذِي لَا خلاف فِي رُوَاته.
стр. 291
قَالَ ابْن الْجَزرِي - تبعا لِابْنِ كثير - وَالظَّاهِر أَن مُرَاده اسْتِوَاء الصَّحِيح وَالْحسن فِي الحكم حَيْثُ اجْتمعَا فِي متن فَيلْزم من الحكم بِالصِّحَّةِ الْحسن لدُخُوله تبعا. انْتهى.
وَجرى على ذَلِك - أَيْضا - بَعضهم حَيْثُ قَالَ: يرد عَلَيْهِ أَن التِّرْمِذِيّ يجمع بَينهمَا فِي الحَدِيث الَّذِي لَا خلاف فِي رُوَاته.
وَهَذَا (من) حَيْثُ (يحصل) التفرد وَإِلَّا أَي إِن لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين مَعًا على الحَدِيث يكون بِاعْتِبَار إسنادين (أَو أَسَانِيد) أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر حسن فَكَأَنَّهُ قيل: حَدِيث حسن بِالْإِسْنَادِ الْفُلَانِيّ، صَحِيح بِالْإِسْنَادِ الْفُلَانِيّ.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم بِأَنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا إِذا كَانَ كلا الإسنادين
стр. 292
على شَرط الصَّحِيح. قَالَ: وَمن تتبع وجد صدق مَا قلت فيهمَا.
وَوَافَقَهُ (على ذَلِك) غَيره فَقَالَ: يرد عَلَيْهِ مَا إِذا كَانَ الإسنادان على شَرط الصَّحِيح، أَو كَانَ الْمُنْفَرد جَامعا لشروط الصِّحَّة.
وعَلى هَذَا فَمَا قيل فِيهِ حسن صَحِيح فَوق مَا قيل فِيهِ صَحِيح فَقَط إِذا كَانَ فَردا لِأَن كَثْرَة الطّرق تقوى.
لَكِن ضعف بقَوْلهمْ: الحكم على الإٍ سناد بِالصِّحَّةِ لَا يقْضِي بِهِ على الْمَتْن / إِذْ قد يَصح الْإِسْنَاد لثقة رِجَاله وَلَا يَصح الْمَتْن لشذوذ أَو عِلّة، وَقد ضعف غير وَاحِد من الْمُحدثين أَحَادِيث مَعَ حكمهم على إسانيدها بِالصِّحَّةِ.
فَإِن قيل: قد صرح التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِأَن شَرط الْحسن أَن يرْوى من غير وَجه، فَكيف يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث: حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه؟ فَالْجَوَاب: إِن التِّرْمِذِيّ لم يعرف
стр. 293
الْحسن مُطلقًا وَإِنَّمَا عرفه بِنَوْع خَاص مِنْهُ وَقع فِي كِتَابه وَهُوَ مَا يَقُول فِيهِ حسن من غير صفة أُخْرَى. ثمَّ أَخذ فِي بَيَان الْمُدعى - وَهُوَ أَكثر عرف نوعا مِنْهُ بقوله: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقُول فِي بعض الْأَحَادِيث: حسن، وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح وَفِي بَعْضهَا: غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح، وَفِي بَعْضهَا: حسن غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: صَحِيح غَرِيب، وَفِي بَعْضهَا: حسن صَحِيح غَرِيب.
وتعريفه إِنَّمَا وَقع على الأول فَقَط، وَعبارَته ترشد إِلَى ذَلِك حَيْثُ قَالَ فِي آخر كِتَابه " الْجَامِع " وَمَا قُلْنَا فِي كتَابنَا: حَدِيث (حسن) فَإِنَّمَا أردنَا بِهِ حسن إِسْنَاده عندنَا.
قَالَ المُصَنّف: فَفِي هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ حسن الْإِسْنَاد
стр. 294
فَانْتفى أَن يُرِيد حسن اللَّفْظ الَّذِي ادَّعَاهُ بَعضهم وَحمل كَلَامه عَلَيْهِ. انْتهى.
(وأتى بنُون العظمة لإِظْهَار بلزومها الَّذِي هُوَ نعْمَة من تَعْظِيم الله تَعَالَى لَهُ بتأهيله للْعلم امتثالا لقَوْله: (وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث) .
فَكل حَدِيث يرْوى وَلَا يكون رَاوِيه مُتَّهمًا بكذب، ويروى من غير وَجه نَحْو ذَلِك، وَلَا يكون شاذا فَهُوَ عندنَا حَدِيث حسن. فَعرف بِهَذَا أَنه إِنَّمَا عرف الَّذِي يَقُول فِيهِ حسن فَقَط، أما مَا يَقُول فِيهِ حسن صَحِيح، أَو حسن غَرِيب، أَو حسن (صَحِيح) غَرِيب، فَلم يعرج على تَعْرِيفه / كَمَا لم يعرج على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ صَحِيح فَقَط، أَو غَرِيب فَقَط.
قَالَ: ويوضح ذَلِك مَا ذكره فِي الْفِتَن من حَدِيث خَالِد الْحذاء
стр. 295
عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: " من أَشَارَ على أَخِيه بحديدة ... ... " الحَدِيث قَالَ فِيهِ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، فاستغربه من حَدِيث خَالِد لَا مُطلقًا.
وَكَأَنَّهُ ترك ذَلِك اسْتغْنَاء بشهرته عِنْد أهل الْفَنّ، وَاقْتصر على تَعْرِيف مَا يَقُول فِيهِ فِي كِتَابه: حسن فَقَط، إِمَّا لغموضه، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اصْطِلَاح جَدِيد وَلذَلِك قَيده بقوله عندنَا وَلم ينْسبهُ لأهل الحَدِيث كَمَا فعل الْخطابِيّ، وَبِهَذَا التَّقْرِير ينْدَفع كثير من الإيرادات الَّتِي طَال الْبَحْث فِيهَا وَلم يسفر وَجه توجيهها وَللَّه الْحَمد على مَا ألهم وَعلم.
وَهَذَا كُله مركب من أجوبة ثَلَاثَة: لِابْنِ الصّلاح، وَابْن دَقِيق
стр. 296
الْعِيد، وَابْن كثير، وَلَيْسَ للمؤلف (من ذَلِك) إِلَّا الْجمع والتركيب وَالتَّلْخِيص.
وَأما الْجَواب بِأَن المُرَاد بالْحسنِ: اللّغَوِيّ لَا الاصطلاحي كَمَا وَقع لِابْنِ عبد الْبر حَيْثُ روى حَدِيث معَاذ مَرْفُوعا: " تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة ... ... " الحَدِيث ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن جدا لَكِن لَيْسَ إِسْنَاده قوي. فَأَرَادَ بالْحسنِ حسن اللَّفْظ فَقَط لِأَنَّهُ من رِوَايَة الْبُلْقَاوِيُّ وَهُوَ كَذَّاب.
فَرد بِأَنَّهُ يُطلق على الْمَوْضُوع إِذا كَانَ حسن اللَّفْظ أَنه حسن وَهَذَا لَا يَقُوله أحد.
стр. 297
تَنْبِيهَات
١ - الأول: قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح /: كتاب التِّرْمِذِيّ أصل فِي معرفَة الْحسن، وَهُوَ الَّذِي شهره وَأكْثر من ذكره. وَمن مظانه - أَيْضا - سنَن أبي دَاوُد، وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ نَص على كثير مِنْهُ.
٢ - الثَّانِي: إِذا روى الحَدِيث من وُجُوه ضَعِيفَة لَا يلْزم أَن يحصل من مجمعها أَنه حسن، بل مَا كَانَ ضعفه لضعف حفظ رَاوِيه الصدوق الْأمين زَالَ لمجيئه من وَجه آخر وَصَارَ حسنا، وَكَذَا لَو كَانَ ضعفه لإرسال أَو تَدْلِيس أَو جَهَالَة حَال زَالَ بوروده من طَرِيق آخر.
وَأما الضَّعِيف لفسق الراوى فَلَا يُؤثر فِيهِ مُوَافقَة غَيره.
٣ - الثَّالِث: لم يذكر الْمُؤلف الصَّالح الَّذِي هُوَ بَين الضَّعِيف وَالْحسن،
стр. 298
ذَهَابًا مِنْهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر من دُخُوله فِي الْحسن لغيره فمصدقهما وَاحِد.
وَخَالفهُ فِي ذَلِك أَبُو دَاوُد فَجعله قسما بِرَأْسِهِ، وَيُؤَيِّدهُ قَول يَعْقُوب ابْن شيبَة: الصَّالح مَا فِي إِسْنَاده من لَيْسَ بالثبت، وَإِذا عرف بِأَنَّهُ مَا فِي سَنَده الْمُتَّصِل مَسْتُور خَال عَن قادحة كَانَ من الْحسن.
قَالَ أَبُو دَاوُد: مَا فِي كتابي إِذا اشْتَدَّ وهنه بَينته وَإِن سكت فَهُوَ صَالح وَبَعضهَا أصح من بعض - أَي لتَفَاوت مرتبته فِي الصلاحية - ذكريات فِيهِ الصَّحِيح، وَمَا يشبه ويقاربه - أَي الْحسن.
زِيَادَة الثِّقَة
وَزِيَادَة راويهما - أَي الصَّحِيح وَالْحسن أَي زِيَادَة الْعدْل الضَّابِط فِيمَا رَوَاهُ على غَيره من الْعُدُول / مَقْبُولَة لِأَنَّهَا فِي حكم حَدِيث
стр. 299
مُسْتَقل انْفَرد بِهِ ثِقَة، وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره، وَهَذَا مَا لم تقع أَي الزِّيَادَة مُنَافِيَة لرِوَايَة من هُوَ أوثق مِمَّن لم يذكر تِلْكَ الزِّيَادَة لمزيد ضبط أَو كَثْرَة عدد. قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف: وَمن فِي قَوْله مِمَّن بَيَان لقَوْله: من هُوَ. اه وَلَيْسَت مُتَعَلقَة بِفعل التَّفْضِيل، لِأَن الزِّيَادَة إِمَّا أَن تكون لَا تنَافِي بَينهَا وَبَين رِوَايَة من لم يذكرهَا فَهَذِهِ تقبل مُطلقًا لِأَنَّهَا فِي حكم الحَدِيث المستقل الَّذِي ينْفَرد بِهِ الثِّقَة وَلَا يرويهِ عَن شَيْخه غَيره.
وَمن أَمْثِلَة ذَلِك حَدِيث مُسلم وَغَيره من رِوَايَة أبي مَالك
стр. 300
الْأَشْجَعِيّ عَن ربعي عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا: " جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا، وَجعلت لنا تربَتهَا طهُورا ". فَإِن زِيَاد تربَتهَا تفرد بِهِ الْأَشْجَعِيّ، وَرِوَايَة جَمِيع الروَاة جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا.
وَحَدِيث ابْن عمر فِي صَدَقَة الْفطر، انْفَرد بِهِ سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي بِزِيَاد أَو صَاعا من قَمح، وَأكْثر الروَاة لم يذكرُوا إِلَّا صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير فَقَط.
стр. 301
وَأما أَن تكون مُنَافِيَة بِحَيْثُ يلْزم من قبُولهَا رد الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَهَذِهِ الَّتِي يَقع التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين معارضها فَيقبل الرَّاجِح وَيرد الْمَرْجُوح.
وَمن وُجُوه الْمُنَافَاة مَا لَو غيرت الزِّيَادَة إِعْرَاب الْبَاقِي (فيتعارضان - أَي خبر الزِّيَادَة وَخبر عدمهَا - للِاخْتِلَاف حِينَئِذٍ خلافًا لأبي عبد الله الْبَصْرِيّ) .
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقَوله لِأَن الزِّيَادَة ... ... إِلَى آخِره تَقْسِيم للزِّيَادَة لَا تَعْلِيل لما وَقع فِي الْمَتْن هَذَا هُوَ الظَّاهِر من السُّوق، فَإِن اعْتَبرهُ المُصَنّف / تعليلا فَهُوَ أَعم مِمَّا فِي الْمَتْن، وَكَانَ اللايق بِالتَّعْلِيلِ أَن يَقُول لِأَن المنافية لرِوَايَة من هُوَ أوثق مُعَارضَة بأرجح فَلم تقبل، وَالَّتِي لم تناف بِمَنْزِلَة حَدِيث مُسْتَقل. وَيفهم مِنْهُ
стр. 302
أَنه أَن مَا نافى، وَلَيْسَ بأوثق أَنه مقدم.
وَقَالَ البقاعي: لَو قَالَ إِذا لم تناف رِوَايَة أوثق مِنْهُ كَانَ أحسن، فَإِن نافت بِأَن لزم من قبُولهَا رد الْأُخْرَى احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيح بَينهَا وَبَين معارضها، فَيقبل الرَّاجِح وَيرد الْمَرْجُوح.
واشتهر عَن جمع من الْعلمَاء أَي أهل الْأُصُول وَالْفِقْه القَوْل بِقبُول الزِّيَادَة - مُطلقًا من (غير تَفْصِيل) قَالُوا: زِيَاد الثِّقَة مَقْبُولَة إِن علم تعدد الْمجْلس لجَوَاز كَون النَّبِي ذكرهَا فِي مجْلِس وَسكت عَنْهَا فِي آخر، وَكَذَا إِن لم يعلم تعدده وَلَا اتحاده لِأَن الْغَالِب التَّعَدُّد، فَإِن علم اتحاده فأقوال:
١ - أَحدهَا: الْقبُول (مُطلقًا، قَالَ الْكَمَال بن أبي شرِيف - كَغَيْرِهِ: وَهُوَ الَّذِي اشْتهر عَن الشَّافِعِي ﵁، وَنَقله الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ عَن جُمْهُور الْعلمَاء والمحدثين بل ادّعى ابْن طَاهِر اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَيْهِ) لجَوَاز غَفلَة غير من زَاد.
стр. 303
٢ - وَالثَّانِي: عَدمه لجَوَاز خطأ من زَاد.
٣ - وَالثَّالِث: الْوَقْف وَإِن كَانَ السَّاكِت (عَنْهَا - أَي غير) الذاكر لَهَا - أضبط مِمَّن ذكرهَا، أَو صرح بِنَفْي الزِّيَادَة على وَجه لَا يقبل، كَأَن قَالَ: مَا سَمعتهَا - أَي تعَارض الخبران فِيهَا - نعم إِن نفاها على وَجه لَا يقبل بِأَن مَحْض النَّفْي فَقَالَ: لم يقلها النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام.
فَإِنَّهُ لَا أثر لذَلِك، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك على طَرِيق الْمُحدثين الَّذين يشترطون فِي الصَّحِيح أَن لَا يكون شاذا، ثمَّ يفسرون الشذوذ بمخالفة الثِّقَة لمن هُوَ أوثق مِنْهُ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: قد ذكر المُصَنّف فِي تَقْرِيره لذَلِك إِن الْمُخَالفَة تصدق على زِيَادَة / لَا تنَافِي فِيهَا، فَلَا يحسن الْإِطْلَاق، وَلَيْسَ فِي الشاذ مَا يُخَالف، فَلذَلِك قيدت بِقَوْلِي مَا لم تقع مُنَافِيَة ... ... إِلَخ.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَلَيْسَ فِي هَذَا زِيَاد فَائِدَة وَمَا فِي الشَّرْح يُغني عَنهُ.
وَالْعجب مِمَّن أغفل ذَلِك مِنْهُم مَعَ اعترافه بِاشْتِرَاط
стр. 304
انْتِفَاء الشذوذ فِي حد الحَدِيث الصَّحِيح وَكَذَا الْحسن.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: أَعَادَهُ لأجل ذكر الْحسن وَأَنه يكون أولى أَن يشْتَرط فِي الصَّحِيح.
وَالْمَنْقُول عَن أَئِمَّة الْمُحدثين الْمُتَقَدِّمين: كَابْن مهْدي وَيحيى الْقطَّان نسبته إِلَى بيع الْقطن وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْمُهْملَة وَسُكُون التَّحْتِيَّة - نِسْبَة إِلَى مَدِينَة (نيسابور) وَقيل غَيرهَا وَالْبُخَارِيّ وَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِفَتْح الرَّاء وَضم الْقَاف وَسُكُون الطَّاء نِسْبَة إِلَى دَار الْقطن محلّة بِبَغْدَاد وَغَيرهم اعْتِبَار التَّرْجِيح فِيمَا يتَعَلَّق بِالزِّيَادَةِ وَغَيرهَا، وَلَا يعرف عَن أحد مِنْهُم إِطْلَاق قبُول الزِّيَادَة، وأعجب من
стр. 305
ذَلِك إِطْلَاق كثير من الشَّافِعِيَّة القَوْل بِقبُول زِيَادَة الثِّقَة مَعَ أَن نَص الشَّافِعِي يدل على غير ذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه على مَا يعْتَبر فِيهِ حَال الرَّاوِي فِي الضَّبْط مَا نَصه: وَيكون إِذا شرك أحدا من الْحفاظ لم يُخَالِفهُ، فَإِن خَالفه فَوجدَ حَدِيثه أنقص كَانَ فِي ذَلِك دَلِيل على / صِحَة مخرج حَدِيثه وَمَتى خَالف مَا وصفت أضرّ ذَلِك بحَديثه. انْتهى.
(كَلَامه وَمُقْتَضَاهُ أَنه إِذا خَالف فَوجدَ حَدِيثه أَزِيد ضرّ ذَلِك بحَديثه) فَدلَّ على أَن زِيَادَة الْعدْل عِنْده لَا يلْزم قبُولهَا مُطلقًا وَإِنَّمَا تقبل من الْحَافِظ، فَإِنَّهُ اعْتبر أَن يكون حَدِيث هَذَا الْمُخَالف أنقص من حَدِيث من خَالفه من الْحفاظ، وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من الحَدِيث دَلِيلا على صِحَّته لِأَنَّهُ يدل على تحريه، وَجعل مَا عدا ذَلِك مضرا بحَديثه فَدخلت فِيهِ الزِّيَادَة، فَلَو كَانَت عِنْده مَقْبُولَة مُطلقًا لم تكن مضرَّة (بِحَدِيث) صَاحبهَا.
стр. 306
كَذَا زَعمه المُصَنّف، وَقد رده عَلَيْهِ جمع مِنْهُم الْكَمَال بن أبي شرِيف فَقَالَ: الثِّقَة هُوَ الْعدْل الضَّابِط وَكَلَام الشَّافِعِي فِيمَن لم يعرف ضَبطه فَلَا يكون دَلِيلا على عدم قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا كَمَا زَعمه المُصَنّف، إِذْ لَيْسَ الحكم فِيهِ إِلَّا فِي حَدِيث من يختبر ضَبطه.
قَالَ: وَقَول الشَّافِعِي وَيكون مَنْصُوب عطفا على مَا قبله فِي كَلَامه، فَإِنَّهُ قَالَ: ثمَّ يعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن يكون إِذا سمى من روى عَنهُ لم يسم مَجْهُولا وَلَا مرغوباً عَن الرِّوَايَة عَنهُ. ثمَّ قَالَ: وَيكون. انْتهى.
وَمِنْهُم البقاعي فَقَالَ: كَلَام الإِمَام الشَّافِعِي فِي عدل لم يعرف ضَبطه فَلَا يُعَارض قبولهم زِيَادَة الثِّقَة، فَإِن الثِّقَة هُوَ الَّذِي جمع إِلَى الْعَدَالَة الضَّبْط.
قَالَ: وَقَوله وَإِنَّمَا / يقبل من الْحَافِظ يُقَال عَلَيْهِ: سلمنَا ذَلِك،
стр. 307
فَإِن أردْت مُطلق الثِّقَة فَهُوَ غير مَا قُلْنَا، وَإِلَّا فَلَا دلَالَة لكَلَام الشَّافِعِي عَلَيْهِ.
وَقَوله وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي من الحَدِيث دَلِيلا على صِحَّته لِأَنَّهُ يدل على تحريه ... ... إِلَى آخِره مُسلم، لَكِن الْكَلَام فِي الزِّيَادَة الْوَاقِعَة من الثِّقَة لَا فِي مُطلق الزِّيَادَة الْوَاقِعَة من الثِّقَة وَغَيره، وَهَذَا كُله لَيْسَ ردا على مَا فصل وَإِنَّمَا هُوَ دفع للاستدلال بِكَلَام الإِمَام الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ لَا دلَالَة فِيهِ على مَا ادَّعَاهُ أصلا.
وَمِنْهُم الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ فَقَالَ: قَوْله وأعجب من ذَلِك ... إِلَى آخِره إِلَى أَن قَالَ كَونه أعجب لوُجُود نَص أمامهم فِي ذَلِك. أَقُول: لَيْسَ هَذَا مَحل مَا ذكره إمَامهمْ لِأَنَّهُ فِيمَن يختبر ضَبطه، وَكَلَامهم فِي الثِّقَة وَهُوَ عِنْدهم الْعدْل الضَّابِط فَلَا تجب. الْعجب مِنْك.
وَقَوله وَجعل نُقْصَان هَذَا الرَّاوِي ... ... إِلَى آخِره يُقَال عَلَيْهِ: لم لَا
стр. 308
يجوز أَن يكون نقصانه دَلِيلا على نُقْصَان حفظه.
وَقَوله: وَجعل مَا عدا ذَلِك ... إِلَى آخِره. أَقُول إِذا حمل كَلَام الإِمَام على مَا نَحن فِيهِ فَظَاهره منع قبُول الزِّيَادَة مُطلقًا لَا على التَّفْضِيل الْمَذْكُور، ويتبادر من سوق الْكَلَام فِي قَوْله وَزِيَادَة رَاوِيه إِلَى هُنَا أَن الْمُخَالفَة من حَيْثُ أَن يزِيد الثِّقَة مُخَالفا لمن هُوَ أوثق مِنْهُ، أَو يزِيد الضَّعِيف مُخَالفا للثقة، وَالْوَاقِع أَن المُرَاد / مُجَرّد الْمُخَالفَة. انْتهى.
فَإِن خُولِفَ أَي الرَّاوِي بأرجح مِنْهُ لمزيد ضبط وإتقان أَو كَثْرَة عدد أَو غير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات سَوَاء خَالفه فِي السَّنَد أَو فِي الْمَتْن فالراجح يُقَال لَهُ الْمَحْفُوظ وَمُقَابِله وَهُوَ الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ الشاذ.
فالمحفوظ: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن دونه فِي الْحِفْظ والإتقان، والشاذ: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن فَوْقه فِي الْحِفْظ والإتقان. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامه.
وَخرج بالمقبول الْمَعْرُوف وَالْمُنكر فَإِن رَاوِي كل مِنْهُمَا غير مَقْبُول.
وبمن دونه الشاذ كَمَا يَأْتِي.
وَمِثَال ذَلِك يَعْنِي مِثَال الْمُخَالفَة فِي الْإِسْنَاد مَا رَوَاهُ
стр. 309
الْحَاكِم وَصَححهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة عَن ابْن عَبَّاس مَوْصُولا أَن رجلا توفى على عهد رَسُول الله وَلم يدع وَارِثا إِلَّا مولى هُوَ أعْتقهُ ... الحَدِيث وتتمته: فَدفع مِيرَاثه إِلَيْهِ. وتابع ابْن عُيَيْنَة على وَصله ابْن جريج وَغَيره، وَخَالفهُم حَمَّاد بن زيد فَرَوَاهُ عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة وَلم يذكر ابْن عَبَّاس. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: الْمَحْفُوظ حَدِيث ابْن عُيَيْنَة.
стр. 310
انْتهى. وَتَابعه مُحَمَّد بن مُسلم، وَقصر حَمَّاد بن زيد فحماد بن زيد من أهل الْعَدَالَة والضبط وَمَعَ ذَلِك رجح أَبُو حَاتِم رِوَايَة من هُوَ أَكثر عددا مِنْهُ. وَفِيه هُنَا أَمْرَانِ:
١ - الأول: أَن تمثيله بذلك / قد نازعه فِيهِ ابْن قطلوبغا، فَقَالَ: الأولى فِي الْمِثَال أَن يكون بمتن خَالف فِيهِ الثِّقَة غَيره لِأَن هَذِه الْأَنْوَاع من الشذوذ وَنَحْوه إِمَّا هِيَ وَاقعَة بِالذَّاتِ على الْمَتْن لما فِيهِ أَو فِي طَرِيقه مَا يقتضيها.
٢ - الثَّانِي: أَن قَوْله قَالَ أَبُو حَاتِم ... ... إِلَى آخِره قد رده عَلَيْهِ الشَّيْخ قَاسم بِأَن هَذَا معَارض لما قدمه عَن الشَّافِعِي لِأَن النُّقْصَان أضرّ بحَديثه وَلم يكن ذَلِك دَلِيل تحريه، فَهَذَا هُوَ المُرَاد لما فهمه المُصَنّف.
стр. 311
والكمال بن أبي شرِيف على هَذَا. فَذكر مَا ذكره الشَّيْخ قَاسم ثمَّ قَالَ: وعَلى هَذَا) فالثقة فِي قَول الإِمَام الشَّافِعِي الشاذ: أَن يروي الثِّقَة مَا يُخَالف مَا روى النَّاس. بِمَعْنى المقبول الشَّامِل للعدل الضَّابِط، وللصدوق الْقَرِيب من دَرَجَة الضَّبْط والإتقان.
أَو يكون ذكر الثِّقَة للِاحْتِرَاز عَن الضَّعِيف لَا عَن الصدوق بل لإفهام أَن مُخَالفَة الصدوق الْمَذْكُور أولى باسم الشذوذ. انْتهى.
وَمن أمثلته فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث
стр. 312
عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " إِذا صلى أحدكُم رَكْعَتي الْفجْر فليضطجع عَن يَمِينه " ... قَالَ الْبَيْهَقِيّ: خَالف عبد الْوَاحِد الْعدَد الْكثير فِي هَذَا فَإِن النَّاس إِنَّمَا رَوَوْهُ عَن فعل الْمُصْطَفى لَا من قَوْله، وَانْفَرَدَ عبد الْوَاحِد من بَين ثِقَات أَصْحَاب الْأَعْمَش بِهَذَا اللَّفْظ.
وَعرف من هَذَا التَّقْرِير أَن الشاذ مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا لمن هُوَ أولى مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي تَعْرِيف الشاذ بِحَسب الِاصْطِلَاح. وَأما بِحَسب اللُّغَة فَإِنَّهُ مُطلق / الِانْفِرَاد.
وَإِن وَقعت الْمُخَالفَة مَعَ الضعْف بِأَن روى الضَّعِيف حَدِيثا وَخَالف فِي إِسْنَاده أَو مَتنه ضَعِيف أرجح مِنْهُ لكَونه أقل مِنْهُ ضعفا، وَأحسن مِنْهُ حَالا فَمَا رَوَاهُ الضَّعِيف الرَّاجِح يُقَال
стр. 313
لَهُ الْمَعْرُوف مُقَابِله وَهُوَ مَا رَوَاهُ الضَّعِيف الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ الْمُنكر.
فَخرج بِقَيْد الضَّعِيف فِي كل مِنْهُمَا الْمَحْفُوظ والشاذ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا رَاوِيه مَقْبُول.
ثمَّ مثل لذَلِك بقوله: مِثَاله مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حبيب بِضَم (الْحَاء الْمُهْملَة) وَفتح بَاء مُوَحدَة وَكسر يَاء تحتية مُشَدّدَة مُصَغرًا بن حبيب بِفَتْح فَكسر - (وَهُوَ أَخُو حَمْزَة بن حبيب) -
стр. 314
كقريب الزيات الْمقري عَن أبي إِسْحَق عَن الْعيزَار بِعَين مُهْملَة، فزاي بعد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة، وَبعد الْألف رَاء ابْن حُرَيْث بِالتَّصْغِيرِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَحج وَصَامَ وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة ". قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ أَي حَدِيث حبيب هَذَا مُنكر لِأَن غَيره من الثِّقَات رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَق مَوْقُوفا وَهُوَ الْمَعْرُوف.
وَنقل بعض تلامذة الْمُؤلف عَنهُ أَنه قَالَ: المُرَاد بِقَوْلِي وَإِن وَقعت الْمُخَالفَة مَعَ الضعْف أَن يكون فِي الْجَانِبَيْنِ مَعَ رُجْحَان أَحدهمَا.
стр. 315
قَالَ تلميذ المُصَنّف الْمَذْكُور: لَكِن مَا مثل بِهِ أولى وَقَول أبي حَاتِم: هُوَ مُنكر لِأَن غَيره من الثِّقَات رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَق مَوْقُوفا يبين أَن الضعْف فِي أَحدهمَا.
قَالَ: وَقد أوقفت الشَّيْخ يَعْنِي / المُصَنّف على هَذَا فَقَالَ: أَن اللايق فِي التَّمْثِيل التَّمْثِيل بِغَيْرِهِ، وروجع فِي أَن الْمَأْخُوذ أَولا زِيَادَة رَاوِي الْحسن أَو الصَّحِيح.
فَأجَاب: بِأَنَّهُ لَيْسَ معزيا هُنَا، وَأَن الْكَلَام وَقع اسْتِطْرَادًا هُنَا لأجل مُطلق الْمُخَالفَة.
ثمَّ رُوجِعَ، فَأخْبر بِمَا فسر بِهِ أَولا من كَون الضَّعِيف فِي الْمُخَالف مَعَ قَوْله أَو وجا فيهمَا كَانَ كَذَلِك فِي التَّسْمِيَة أَي يُقَال لمن قل ضعفه مَعْرُوف وَالْآخر مُنكر. انْتهى.
стр. 316
وَعرف بِهَذَا أَن بَين الشاذ وَالْمُنكر عُمُوما وخصوصاً من وَجه، لِأَن بَينهمَا اجتماعاً فِي اشْتِرَاط الْمُخَالفَة، وافتراقاً فِي أَن الشاذ رَاوِيه ثِقَة أَو صَدُوق، وَالْمُنكر رَاوِيه ضَعِيف.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ يشْتَرط فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه أَن يكون بَين الْمَذْكُورين مَادَّة اجْتِمَاع يصدق فِيهَا كل مِنْهُمَا، وَلَيْسَ الْمَذْكُور هُنَا كَذَلِك.
قَالَ: وَمَا ذكره المُصَنّف فِي تَوْجِيهه لَيْسَ على حد مَا عِنْد الْقَوْم.
والبقاعي فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف من الْعُمُوم وَالْخُصُوص غير صَحِيح، وَإِنَّمَا بَين الشاذ وَالْمُنكر من النّسَب المباينة الْكُلية لَا شَيْء من الشاذ بمنكر، وَلَا شَيْء من الْمُنكر بشاذ، وَلم يجتمعا فِي مُطلق الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة فِي الشاذ لِأَنَّهَا مُقَيّدَة بالثقة، وَلَا بِمُطلق الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة فِي الْمُنكر فَإِنَّهَا مُقَيّدَة بالضعيف.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا كالحيوان وَالْأسود فِي فَرد من أَفْرَاد الْحَيَوَان / فَإِنَّهُمَا اجْتمعَا فِي مُطلق الْحَيَوَان الْأسود وَأما هُنَا فَلم يجتمعا فِي فَرد من أَفْرَاد الْمُنكر، وَلَا فِي فَرد من أَفْرَاد الشاذ كَمَا اجْتمع الْحَيَوَان وَالْأسود فِي فَرد
стр. 317
من أَفْرَاد الْحَيَوَان، فَكَانَ بعض الْحَيَوَان أسود وَبَعض الْأسود حَيَوَان إِلَى هُنَا كَلَامه.
وتبعهما على ذَلِك الأشموني فَقَالَ: مَا ذكره الْمُؤلف مَمْنُوع، وَإِنَّمَا الَّذِي بَين الشاذ وَالْمُنكر تبَاين كلي لَا عُمُوم وخصوص من وَجه كَمَا زَعمه، لِأَن الشاذ لَا يصدق على شَيْء من أَفْرَاد الْمُنكر، كَمَا أَن الْمُنكر لَا يصدق على شَيْء من أَفْرَاد الشاذ، لِأَن الشاذ من رِوَايَة المقبول وَالْمُنكر من رِوَايَة الضَّعِيف. انْتهى.
وَمَا ذكره غَفلَة عَن مُرَاد الْمُؤلف مِمَّا ذكره، فَإِن الْكَمَال بن أبي شرِيف نقل عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ: إِنَّه لَيْسَ مُرَاده الْعُمُوم وَالْخُصُوص المصطلح عَلَيْهِ: وَهُوَ صدق كل مِنْهُمَا على بعض مَا يصدق عَلَيْهِ الآخر، وَإِنَّمَا مُرَاده مَا فسر بِهِ وَهُوَ أَن بَينهمَا اجْتِمَاع وافتراق. انْتهى.
وَأما الْجَواب بِأَن شَرط الْعُمُوم وَالْخُصُوص مَوْجُود هُنَا، وَهُوَ وجود مَادَّة يصدق فِيهَا كل مِنْهُمَا لِأَن لنا رَاوِيا وَاحِدًا يكون حَدِيثه شاذاً ومنكراً، شَاذ
стр. 318
بِاعْتِبَار أَنه صَدُوق ومنكر بِاعْتِبَار أَنه سيئ الْحِفْظ أَو مُغفل أَو فَاحش الْغَلَط أَو مُبْتَدع فَهُوَ ضَعِيف بِهَذِهِ الاعتبارات إِذْ كل وَاحِد مِنْهَا - أَي من هَذِه الْأَوْصَاف - يضعف بهَا الرَّاوِي لَا يُنَافِي أَن / يكون صَدُوقًا.
وَالْحَاصِل: أَن بقوله أَو صَدُوق ينْدَفع الِاعْتِرَاض عَنهُ فَفِيهِ تعسف لَا يخفى.
وَقد غفل من سوى بَينهمَا أَي كَابْن الصّلاح حَيْثُ قَالَ فِي الْمُنكر أَنه بِمَعْنى الشاذ.
وَتعقب الشَّيْخ قَاسم هَذَا: بِأَنَّهُم أطْلقُوا فِي غير مَوضِع النكارة على
стр. 319
رِوَايَة الثِّقَة مُخَالفا لغيره، من ذَلِك حَدِيث نزع الْخَاتم حَيْثُ قَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَذَا حَدِيث مُنكر. مَعَ أَن رَاوِيه همام بن يحيى وَهُوَ ثِقَة احْتج بِهِ أهل الصِّحَّة، وَفِي عبارَة النَّسَائِيّ مَا يُفِيد فِي هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه. أَنه يُقَابل
стр. 320
الْمَحْفُوظ، وَكَأن الْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف ليسَا بنوعين حقيقين تحتهما أَفْرَاد مَخْصُوصَة عِنْدهم، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي التَّضْعِيف فَجَعلهَا الْمُؤلف أنواعاً فَلم يُوَافق مَا وَقع عِنْدهم. انْتهى.
قَالَ بَعضهم: وَالْمَحْفُوظ وَالْمَعْرُوف من الْأَنْوَاع الَّتِي أهملها ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ، وحقهما أَن يذكرَا كَمَا ذكر الْمُتَّصِل مَعَ مَا يُقَابله من الْمُرْسل والمنقطع والمعضل.
تَنْبِيه:
وَقع فِي عباراتهم: أنكر مَا رَوَاهُ فلَان كَذَا وَإِن لم يكن ذَلِك الحَدِيث ضَعِيفا، قَالَ ابْن عدي: أنكر مَا روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: " إِذا أَرَادَ
следующие страницы →