Полный текст (833 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
صَار حَدِيثهمْ حسنا. يَعْنِي اعتضد مَا روره، وَقَوي وَخرج عَن كَونه ضَعِيفا إِلَى كَونه حسنا لغيره.
وَقد اعْترض الشَّيْخ قَاسم قَوْله حَدِيثهمْ: بِأَن كَانَ الأولى أَن يُقَال صَار الحَدِيث لِأَن الضَّمِير للمختلط والمستور والإسناد فعلى مَا قَالَ يكون على وَجه التغليب، أَو تَقْدِير مُضَاف. وعَلى مَا قُلْنَا لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك.
لَا لذاته، بل وَصفه بذلك بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع من المتابع بِفَتْح الْبَاء والمتابع بِكَسْرِهَا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم احْتِمَال كَون رِوَايَته صَوَابا أَو غير صَوَاب على حد سَوَاء فَإِذا جَاءَت من المعتبرين رِوَايَة مُوَافقَة لأَحَدهم رجح. ببنائه للْمَفْعُول أحد الْجَانِبَيْنِ من الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورين، وَدلّ على أَن الحَدِيث مَحْفُوظ، فارتقى من دَرَجَة (التَّوَقُّف إِلَى دَرَجَة الْقبُول وَمَعَ ارتقائه إِلَى دَرَجَة)
стр. 562
الْقبُول فَهُوَ منحط عَن رُتْبَة الْحسن لذاته، وَرُبمَا توقف بَعضهم فِي إِطْلَاق اسْم الْحسن عَلَيْهِ.
كَذَا عبر الْمُؤلف، وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ قَاسم: بِأَن مُقْتَضى النّظر أَنه ارجح من الْحسن لذاته، لَان المتابع - بِكَسْر الْبَاء - إِذا كَانَ مُعْتَبرا فَحَدِيثه حسن، وَقد انْضَمَّ إِلَيْهِ المتابع / - بِالْفَتْح. انْتهى.
وعَلى الأول فمثاله مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - وَحسنه - من طَرِيق شُعْبَة عَن عَاصِم بن عبيد الله عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه أَن امْرَأَة من بني فزاره تزوجت على نَعْلَيْنِ، فَقَالَ الْمُصْطَفى
стр. 563
أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: أرضيت من نَفسك وَمَالك بنعلين؟ قَالَت نعم. فَأجَاز.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة.
فعاصم ضَعِيف لسوء حفظه، وَقد حسن لَهُ التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث لوروده عَن غير عَاصِم.
ومثاله مر فِي نوع الْمُرْسل. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - أَيْضا - وَحسنه من طَرِيق هشيم عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن ابْن ابي ليلى عَن الْبَراء مَرْفُوعا: إِن حَقًا على الْمُسلمين أَن يغتسلوا يَوْم الْجُمُعَة، وليمس أحدهم من طيب أَهله. . الحَدِيث.
فهشيم مَوْصُوف بالتدليس، لَكِن مَا تَابعه عِنْد التِّرْمِذِيّ أَبُو يحيى
стр. 564
التَّمِيمِي، وَكَانَ للمتن شَوَاهِد من حَدِيث أبي سعيد وَغَيره حسنه.
أما الضَّعِيف لفسق الرَّاوِي أَو كذبه فَلَا يُؤثر فِيهِ مُتَابعَة وَلَا مُوَافقَة إِذا كَانَ الآخر مثله، لقُوَّة الضعْف وتقاعد هَذَا الجابر، نعم (يرتقي) بِمَجْمُوع طرقه عَن كَونه مُنْكرا أَو لَا اصل لَهُ - كَمَا قَالَه الْمُؤلف - قَالَ: بل رُبمَا كثرت الطّرق حَتَّى أوصلته إِلَى دَرَجَة المستور والسئ الْحِفْظ بِحَيْثُ إِذا وجد لَهُ طرق أخر فِيهِ ضعف قريب / مُحْتَمل ارْتقى بِمَجْمُوع ذَلِك إِلَى الْحسن.
стр. 565
تَنْبِيه:
علم مِمَّا مر أَن الضَّعِيف مَا لم يجمع صفة الصَّحِيح أَو الْحسن، وَقد قسمه ابْن الصّلاح إِلَى أَقسَام كَثِيرَة بِاعْتِبَار فقد صفة من صِفَات الْقبُول السِّتَّة وَهِي: الِاتِّصَال، وَالْعَدَالَة، والضبط، والمتابعة فِي المستور، وَعدم الشذوذ، وَعدم الْعلَّة.
وَبِاعْتِبَار فقد صفة مَعَ صفة أُخْرَى، أَو مَعَ أَكثر من صفة إِلَى أَن تفقد السِّتَّة، فبلغت فِيمَا ذكره الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي " شرح ألفيته ": اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين قسما.
وَوَصله غَيره إِلَى ثَلَاثَة وَسِتِّينَ، قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي " شرح التَّقْرِيب ": وَقد جمع فِي ذَلِك شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين الْمَنَاوِيّ كراسة، وَنَوع مَا فقد الِاتِّصَال إِلَى مَا
стр. 566
سقط مِنْهُ الصَّحَابِيّ، أَو وَاحِد غَيره، أَو اثْنَان. وَمَا فقد الْعَدَالَة إِلَى: مَا فِي سَنَده ضَعِيف أَو مَجْهُول. وَقسمهَا بِهَذَا الِاعْتِبَار إِلَى مائَة وَتِسْعَة وَعشْرين قسما بِاعْتِبَار الْعقل، وَإِلَى أحد وَثَمَانِينَ بِاعْتِبَار إِمْكَان الْوُجُود وَإِن لم يتَحَقَّق وُقُوعهَا. انْتهى.
стр. 567
وَقد انْقَضى مَا يتَعَلَّق بِالْمَتْنِ من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ، ثمَّ الْإِسْنَاد، وَهُوَ الطَّرِيق الموصلة إِلَى الْمَتْن.
كَذَا قَالَه الْمُؤلف هُنَا، وَقَالَ فِي صدر الْكتاب: الْإِسْنَاد حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن، فَجعله هُنَاكَ / الْحِكَايَة وَهنا المحكي، فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ اسْتِعْمَالا.
والمتن: هُوَ غَايَة مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْإِسْنَاد من الْكَلَام.
كَذَا عبر الْمُؤلف، ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن لَفظه غَايَة زَائِد مُفسد للمعنى، لِأَن لفظ مَا المُرَاد بِهِ الْكَلَام كَمَا فسره بقوله من الْكَلَام، فَيصير التَّقْدِير: الْمَتْن غَايَة كَلَام كَمَا فسره بقوله من الْكَلَام فَيصير التَّقْدِير يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْإِسْنَاد، فعلى هَذَا الْمَتْن حرف اللَّام من قَوْله أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل. انْتهى.
وَوَافَقَهُ على ذَلِك غَيره فَقَالَ: لَا يخفى مَا فِي هَذَا من الْفساد، إِذْ الاسناد يَنْتَهِي إِلَى الْمَتْن، وَقد جعله غَايَة الْمُنْتَهى إِلَيْهِ فَيكون الشَّيْء غَايَة لنَفسِهِ.
стр. 568
الْمَرْفُوع
وَهُوَ إِمَّا أَن يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي من اصل الْمَتْن وَيَقْتَضِي لَفظه إِمَّا تَصْرِيحًا أَو حكما أَن الْمَنْقُول بذلك الْإِسْنَاد من قَوْله، أَو من فعله، أَو من تَقْرِيره بِسَنَد مُتَّصِل أَو غير مُتَّصِل.
مِثَال الْمَرْفُوع من القَوْل تَصْرِيحًا: أَن يَقُول الصَّحَابِيّ سَمِعت رَسُول الله يَقُول، أَو حَدثنَا. أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره قَالَ رَسُول الله كَذَا، أَو عَن رَسُول الله أَنه قَالَ كَذَا. (أَو نَحْو ذَلِك) .
كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف، وَقَوله أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره أَي الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ (وتابعيه) فَمَا أضيف إِلَى النَّبِي مَرْفُوع وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا بِسُقُوط الصَّحَابِيّ مِنْهُ أَو غَيره. كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ
стр. 569
- كَابْن الصّلاح - فِي كَلَامه.
لَكِن قَالَ الْخَطِيب: الْمَرْفُوع مَا أخبر بِهِ الصَّحَابِيّ عَن فعل الْمُصْطَفى أَو قَوْله. فَأخْرج بذلك الْمُرْسل فَلَا يُسمى مَرْفُوعا.
قَالَ الْمُؤلف: لَكِن الظَّاهِر أَن الْخَطِيب لم يشرط ذَلِك وَأَن كَلَامه خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن غَالب مَا يُضَاف إِلَى النَّبِي إِنَّمَا يضيفه الصَّحَابِيّ.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَمن جعل الْمَرْفُوع فِي مُقَابلَة الْمُرْسل - أَي حَيْثُ يَقُول: رَفعه فلَان أَو أرْسلهُ فلَان - فقد عَنى بالمرفوع الْمُتَّصِل.
ومثاله الْمَرْفُوع من الْفِعْل تَصْرِيحًا: أَن يَقُول الصاحبي رَأَيْت رَسُول الله فعل كَذَا.
أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره: كَانَ رَسُول الله يفعل كَذَا.
ومثاله من التَّقْرِير أَي تَصْرِيحًا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ فعلت بِحَضْرَة النَّبِي كَذَا.
أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره: فعل فلَان بِحَضْرَة النَّبِي
стр. 570
كَذَا، أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا وَلَا يذكر إِنْكَاره لذَلِك.
ومثاله من القَوْل حكما لَا تَصْرِيحًا: مَا (مَصْدَرِيَّة) يَقُول الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يَأْخُذ عَن الْإسْرَائِيلِيات أَي اسْتِقْلَالا أَو بِوَاسِطَة مِمَّا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ، وَلَا لَهُ تعلق بِبَيَان لُغَة أَو شرح غَرِيب كالإخبار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخلق وأخبار الْأَنْبِيَاء، أَو الْإِخْبَار عَن الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة بِكَسْر الْبَاء على الصَّوَاب أَو الْقيَاس الْآتِيَة كالملاحم وَهِي / الْفِتَن الْعِظَام.
فَقَوله والفتن عطف عَام على خَاص، والبعث وأحوال يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا الْإِخْبَار عَمَّا يحصل بِفِعْلِهِ ثَوَاب مَخْصُوص أَو عِقَاب مَخْصُوص يَتَرَتَّب على عمل مَخْصُوص فَهَذَا كُله يحمل على السماع كَمَا صرح بِهِ الإِمَام الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول ".
مِثَاله: قَول ابْن مَسْعُود: من أَتَى ساحرا أَو عرافا فقد كفر بِمَا
стр. 571
أنزل على مُحَمَّد. لِأَن مثله لَا يَقُوله الصَّحَابِيّ إِلَّا بتوقيف. وَمن ثمَّ قَالَ الْمُؤلف: وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حكم الْمَرْفُوع لِأَن إخْبَاره بذلك يَقْتَضِي (مخبرا) ، وَمَا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ يَقْتَضِي موقفا للقائل بِهِ، وَلَا موقف للصحابي إِلَّا النَّبِي، أَو بعض من يخبر عَن الْكتب الْقَدِيمَة.
وَالْغَرَض أَنه لم يَأْخُذ عَن أَهلهَا، قَالَ الْحَاكِم: وَمِنْه تَفْسِير
стр. 572
الصَّحَابِيّ الَّذِي يشْهد الْوَحْي والتنزيل. وَخَصه النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح -: بِمَا فِيهِ سَبَب النُّزُول. وَاسْتحْسن بَعضهم مَا اقْتَضَاهُ قَول ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا: التَّفْسِير على أَرْبَعَة أوجه:
١ - تَفْسِير تعرفه الْعَرَب من كَلَامهَا.
٢ - وَتَفْسِير لَا يعْذر أحد بجهله.
٣ - وَتَفْسِير تعلمه الْعلمَاء.
٤ - وَتَفْسِير لَا يُعلمهُ إِلَّا الله.
فَمَا كَانَ عَن الصَّحَابَة مِمَّا هُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين غير مَرْفُوع، لأَنهم أَخَذُوهُ عَن معرفتهم بِلِسَان الْعَرَب، وَمَا كَانَ من الْوَجْه الثَّالِث فمرفوع / إِذْ لم يَكُونُوا يَقُولُونَ كالقرءآن بِالرَّأْيِ، وَالْمرَاد بالرابع: الْمُتَشَابه.
قَالَ الْمُؤلف: وَمَا ذَكرُوهُ من أَن سَبَب النُّزُول مَرْفُوع يُعَكر على
стр. 573
إِطْلَاقهم مَا إِذا استنبط الرَّاوِي السَّبَب كَمَا فِي حَدِيث زيد بن ثَابت: أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ الظّهْر.
وَبِهَذَا وَقع الِاحْتِرَاز عَن الْقسم الثَّانِي قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وهم بعض من يخبر عَن الْكتب الْقَدِيمَة، وَوَقع الِاحْتِرَاز عَنهُ بقوله - فِيمَا تقدم - مَا يَقُول الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يَأْخُذ عَن الْإسْرَائِيلِيات. لِأَن من كَانَ من بني إِسْرَائِيل كَعبد الله بن سَلام، وَمِمَّنْ نظر فِي كَلَامهم كَعبد لله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِنَّهُ حصل لَهُ فِي وقْعَة اليرموك كتبا كَثِيرَة من كتب أهل الْكتاب، لَا يحمل ذَلِك مِنْهُ على الرّفْع لاحْتِمَال أَن يكون نَقله عَن ذَلِك.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلهُ حكم. . مَا لَو قَالَ: قَالَ رَسُول الله فَهُوَ مَرْفُوع على الْأَصَح سَوَاء كَانَ سَمعه مِنْهُ أَو عَنهُ بِوَاسِطَة. لِأَن الصَّحَابَة لَا يبْحَث عَن عدالتهم - كَمَا تقدم.
стр. 574
لَكِن قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أخبر بِهِ شخص بِحَضْرَة رَسُول الله وَأقرهُ، فنقله بعض من سمع من الصَّحَابَة كَذَلِك، فَيكون من الْمَرْفُوع تقريرا.
وَقيل: لَا يحْتَج بِهِ لاحْتِمَال أَن يكون سَمعه من تَابِعِيّ، وَعَلِيهِ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق، وَعَلِيهِ جرى القَاضِي فِي " التَّقْرِيب " وَمِمَّنْ حكى الْخلاف ابْن برهَان / فِي " الْأَوْسَط " والآمدي وَغَيرهمَا.
وَمثل قَول الصَّحَابِيّ قَالَ قَوْله عَن، فَالْأَصَحّ أَن لَهُ حكم الْمَرْفُوع، وَقيل لَا لظُهُوره فِي الْوَاسِطَة، وَيحْتَمل كَونه تابعيا.
وَمِثَال الْمَرْفُوع من الْفِعْل حكما: أَن يفعل الصَّحَابِيّ مَا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ فَينزل على أَن ذَلِك الْفِعْل عِنْده عَن النَّبِي.
قَالَ بعض من لقيناه: يحْتَمل أَن يكون عَن قَوْله
стр. 575
لَا عَن فعله بِأَن اخبر بِالْجَوَازِ. كَمَا قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي صَلَاة عَليّ - رضى الله عَنهُ - فِي الْكُسُوف فِي كل رَكْعَة أَكثر من ركوعين.
كَذَا مثل الْمُؤلف، وَخَالفهُ الشمني فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ: لَا يَتَأَتَّى فعل مَرْفُوع حكما. قَالَ: وَلَا يلْزم من كَونه عِنْده عَن النَّبِي أَن يكون عِنْده من فعله، لجَوَاز أَن يكون عِنْده من قَوْله. انْتهى /
وَقَالَ البقاعي: أَظن قَول الْمُؤلف فِي الْكُسُوف وهما، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الزلزلة، فقد روى الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن " و " الْمعرفَة " عَن الإِمَام
стр. 576
الشَّافِعِي فِيمَا بلغَة عَن عباد عَن الْأَحول عَن قزعة عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه صلى سِتّ رَكْعَات فِي أَربع سَجدَات. . قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: وَلَو ثَبت هَذَا عَن عَليّ خص بِهِ وهم يثبتونه.
وَأما الْكُسُوف: فقد رُوِيَ أَن فِي كل رَكْعَة أَكثر من ركوعين عَن فعل النَّبِي - أَيْضا - فِي عدَّة طرق، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّمَسُّك بِفعل عَليّ /. انْتهى
стр. 577
وَمِثَال الْمَرْفُوع من التَّقْرِير حكما: أَن يخبر الصَّحَابِيّ أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي زمَان النَّبِي كَذَا أَو يَقُول كُنَّا نَفْعل كَذَا، أَو نرى كَذَا، أَو كُنَّا معاشر النَّاس نَفْعل فِي عَهده كَذَا فَإِنَّهُ يكون لَهُ حكم الرّفْع على الاصح، خلافًا للإسماعيلي وَغَيره من جِهَة أَن الظَّاهِر هُوَ اطِّلَاعه على ذَلِك، وَإِقْرَاره عَلَيْهِ لتوفر دواعيهم على سُؤَاله عَن أُمُور دينهم، وَلِأَن ذَلِك الزَّمَان زمَان نزُول الْوَحْي فَلَا يَقع من الصَّحَابَة فعل شَيْء ويستمرون عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ (غير) مَمْنُوع الْفِعْل، وَقد اسْتدلَّ جَابر وَأَبُو سعيد على جَوَاز الْعَزْل (بِعَين مُهْملَة بعْدهَا زَاي وَهُوَ منع الْإِنْزَال فِي فرج الْأُنْثَى) بِأَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ والقرءان ينزل، وَلَو كَانَ مِمَّا ينْهَى عَنهُ لنهى عَنهُ القرءان. كَذَا أخرجه الشَّيْخَانِ عَن جَابر.
стр. 578
وَقَالَ الْحَاكِم والخطيب: هُوَ لَيْسَ بمرفوع ولجواز أَن لَا يعلم النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بِهِ. وَمن ذَلِك مَا لَو قَالَ: كَانَ النَّاس يَفْعَلُونَ فِي عَهده كَذَا فَلهُ حكم الرّفْع، وَكَانُوا لَا يقطعون فِي الشَّيْء التافه قالته عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - لظُهُور ذَلِك فِي جَمِيع النَّاس الَّذِي هُوَ إِجْمَاع.
стр. 579
وَقيل: لَا لجَوَاز إِرَادَة نَاس مخصوصين وَمن أَمْثِلَة ذَلِك - ايضا قَول جَابر: كُنَّا نَأْكُل لُحُوم الْخَيل على عهد رَسُول الله رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
وَكَذَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا لَا نرى بَأْسا بِكَذَا فِي حَيَاة / الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو وَهُوَ فِينَا، أَو بَين أظهرنَا، أَو كَانُوا يَقُولُونَ، أَو يَفْعَلُونَ أَو لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا فِي حَيَاته.
أما إِذا لم يضفه إِلَى زمن النَّبِي فَهُوَ مَوْقُوف. على مَا جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي " التَّقْرِيب " تبعا لِابْنِ الصّلاح التَّابِع للخطيب، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ - أَيْضا - فِي " شرح مُسلم " عَن جُمْهُور الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول.
وَأطلق الإِمَام الرَّازِيّ، والآمدي، وَالْحَاكِم أَنه مَرْفُوع وَقَالَ
стр. 580
ابْن الصّباغ: إِنَّه الظَّاهِر، وَمثل لَهُ بقول عَائِشَة: كَانَت الْيَد لَا تقطع فِي الشَّيْء التافه. وَحَكَاهُ فِي " الْمَجْمُوع " وَقَالَ: هُوَ قوي من حَيْثُ الْمَعْنى. وَصَححهُ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ ثمَّ الْمُؤلف قَالَ: لكنه أنزل رُتْبَة من الأول لتردده بَين أَن يُرِيد الْإِجْمَاع أَو تَقْرِير الشَّارِع.
وَمن أمثلته: مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ: كُنَّا إِذا صعدنا كبرنا وَإِذا نزلنَا سبحنا.
وَمن التَّقْرِير الْحكمِي: قَول الْمُغيرَة بن شُعْبَة كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يقرعون بَابه بالأظافير. لاستلزامه اطلَاع الْمُصْطَفى على ذَلِك وإقرارهم عَلَيْهِ.
ويلتحق بِقَوْلِي حكما مَا ورد بِصِيغَة الْكِنَايَة (بالنُّون وَالْيَاء
стр. 581
التَّحْتِيَّة) فِي مَوضِع الصِّيَغ الصَّرِيحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فِي قَول التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ يرفع الحَدِيث أَو يرويهِ أَو ينميه أَو يبلغ بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو رِوَايَة أَو رَوَاهُ. كَقَوْل ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الشِّفَاء فِي ثَلَاثَة: شربة عسل، وَشَرطه محجم، وكية نَار، وَآيَة من كتاب الله . رفع الحَدِيث. رَوَاهُ الْحَاكِم.
وكحديث الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ يبلغ بِهِ: النَّاس تبع لقريش. أخرجه الشَّيْخَانِ.
فَكل هَذَا كيرويه وَرَوَاهُ بِلَفْظ الْمَاضِي مَرْفُوع. قَالَ الْمُؤلف: وَلم يذكرُوا مَا حكم ذَلِك لَو قيل عَن النَّبِي قَالَ: ظَفرت لذَلِك بمثال فِي " مُسْند الْبَزَّار " عَن رَسُول الله " يرويهِ - أَي عَن ربه فَهُوَ حِينَئِذٍ من الْأَحَادِيث القدسية.
وَقد يقتصرون على القَوْل مَعَ حذف الْقَائِل ويريدون بِهِ النَّبِي
стр. 582
كَقَوْل ابْن سِيرِين عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ: تقاتلون قوما صغَار الْأَعْين. . الحَدِيث. أخرجه الشَّيْخَانِ.
وكقول ابْن سِيرِين - أَيْضا - عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ: أسلم وغفار وَشَيْء من مزينة. . الحَدِيث. وَفِي كَلَام الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ أَنه اصْطِلَاح خَاص بِأَهْل الْبَصْرَة لَكِن روى عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: كل شَيْء حدثت بِهِ عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ مَرْفُوع.
стр. 583
وَمن الصِّيَغ المحتملة قَول الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ: من السّنة كَذَا، فالأكثر على أَن ذَلِك مَرْفُوع. لِأَن الظَّاهِر أَنهم لَا يُرِيدُونَ بِالسنةِ عِنْد الْإِطْلَاق إِلَّا سنة النَّبِي ﵇ كَقَوْل عَليّ: من / السّنة وضع الْكَفّ على الْكَفّ فِي الصَّلَاة تَحت السُّرَّة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَهُوَ مَرْفُوع قَالَ فِي " التَّقْرِيب " - كَأَصْلِهِ: على الصَّحِيح الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور.
قَالَ المُصَنّف: وَمِمَّا يرجح أَنَّهَا من سنة النَّبِي كبر الصَّحَابِيّ كَأبي بكر مثلا، فَإِنَّهُ لم يكن قبله سنة غير سنة رَسُول الله. وَكَذَلِكَ إِذا أوردهُ مقَام الِاحْتِجَاج
стр. 584
على صحابة مجتهدين أَو فيهم مُجْتَهد.
وَاحْتِمَال أَن يُرِيد سنة غير النَّبِي كَسنة الْبَلَد بعيد، مَعَ أَن الأَصْل خِلَافه وَنقل ابْن عبد الْبر عَن الْعلمَاء فِيهِ الِاتِّفَاق قَالَ: وَإِذا قَالَهَا غير الصَّحَابِيّ فَكَذَلِك مَا لم يضفها إِلَى صَاحبهَا كَسنة العمرين قَالَ الشَّيْخ قَاسم: فبذلك يظْهر أَن هَذَا من التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى، فَإِذا قَالَهَا التَّابِعِيّ فَهُوَ كَذَلِك بِالْأولَى.
وَفِي نقل الِاتِّفَاق نظر، فَعَن الإِمَام الشَّافِعِي فِي أصل الْمَسْأَلَة قَولَانِ، وَذهب إِلَى أَنه غير مَرْفُوع الصَّيْرَفِي من الشَّافِعِيَّة، وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة، وَابْن حزم من الظَّاهِرِيَّة، وَاحْتَجُّوا بِأَن السّنة تَتَرَدَّد بَين النَّبِي وَبَين غَيره. وأجيبوا: بِأَن احْتِمَال غير النَّبِي بعيد. وَقد روى البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " فِي حَدِيث ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن
стр. 585
عمر عَن أَبِيه. . فِي قصَّته مَعَ الْحجَّاج حِين قَالَ لَهُ: إِن كنت تُرِيدُ السّنة فَهجر بِالصَّلَاةِ. قَالَ ابْن / شهَاب: فَقلت لسالم: أَفعلهُ رَسُول الله: فَقَالَ سَالم وَهل يعنون بذلك إِلَّا سنته. فَنقل سَالم وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة، وَأحد الْحفاظ من التَّابِعين عَن الصَّحَابَة أَنهم إِذا أطْلقُوا السّنة لَا يُرِيدُونَ إِلَّا سنة النَّبِي، وَأما قَول بَعضهم يعْنى ابْن حزم كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف فِي غير هَذَا الْكتاب إِن كَانَ
стр. 586
مَرْفُوعا فَلم لَا يَقُولُونَ فِيهِ: قَالَ رَسُول الله؟ فَجَوَابه: إِنَّهُم تركُوا الْجَزْم تورعا واحتياطا، وَمِنْه قَول أبي قلَابَة (بِكَسْر الْقَاف) عَن أنس: من السّنة إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا سبعا. أخرجه الشَّيْخَانِ قَالَ أَبُو قلَابَة: لَو شِئْت لَقلت: إِن أنسا رَفعه إِلَى النَّبِي - أَي لَو قلت لم أكذب - لِأَن قَوْله من السّنة هَذَا مَعْنَاهُ لَكِن إِيرَاده بالصيغة الَّتِي أوردهَا الصَّحَابِيّ أولى. وَخص بَعضهم الْخلاف بِغَيْر الصّديق، أما هُوَ إِن قَالَه فمرفوع اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ قبله سنة غير سنة النَّبِي.
وَمن ذَلِك: قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا وَأوجب أَو حرم أَو رخص بِبِنَاء الْجَمِيع للْمَفْعُول فِي الْأَظْهر. فمثال قَوْله
стр. 587
أمرنَا: قَول أم عَطِيَّة: أمرنَا أَن نخرج فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الخذور / وَأمر الْحيض أَن يعتزلن مصلى الْمُسلمين. أخرجه الشَّيْخَانِ.
وَمِثَال قَوْله نهينَا: قَوْلهَا - أَيْضا: نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا. أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا.
فَالْخِلَاف فِيهِ كالخلاف فِي الَّذِي قبله والتصحيح فِيهِ كالتصحيح فِي الَّذِي قبله فَإِن مُطلق ذَلِك إِنَّمَا ينْصَرف بِظَاهِرِهِ إِلَى من لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي وَمن يجب اتِّبَاع سنته وَهُوَ الرَّسُول وَلِأَن مَقْصُود الصَّحَابِيّ بَيَان الشَّرْع لَا اللُّغَة وَلَا الْعَادة، وَالشَّرْع يتلَقَّى من السّنة وَالْكتاب وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، وَلَا يَصح أَن يُرِيد أَمر الْكتاب لكَون مَا فِي الْكتاب مَشْهُورا يعرفهُ النَّاس، وَلَا الْإِجْمَاع لِأَن الْمُتَكَلّم.
стр. 588
بِهَذَا من أهل الْإِجْمَاع، ويستحيل أمره نَفسه، وَلَا الْقيَاس إِذْ لَا أَمر فِيهِ، فَتعين كَون المُرَاد أَمر الرَّسُول فَلذَلِك قَالَ المُصَنّف: وَخَالف فِي ذَلِك طَائِفَة تمسكوا بِاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد غَيره، كأمر القرءان أَو الْإِجْمَاع أَو بعض الْخُلَفَاء أَو بعض الْوُلَاة أَو الاستنباط قَائِله من قَائِله للْإِيجَاب أَو التَّحْرِيم أَو الترخيص.
واجيبوا: بَان الأَصْل هُوَ الأول، وَمَا وَمَا عداهُ مُحْتَمل لكنه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَرْجُوح. وَأَيْضًا فَمن كَانَ فِي طَاعَة رَئِيس إِذا قَالَ أمرت لَا يفهم عَنهُ أَن أمره إِلَّا رئيسه. قَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يخرج / احْتِمَال القرءان وَلَا أَمر الْخُلَفَاء.
وَأما قَول من قَالَ: يحْتَمل أَن يظنّ مَا لَيْسَ بِأَمْر أمرا فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة، بل هُوَ مَذْكُور فِيمَا لَو صرح فَقَالَ: أمرنَا رَسُول الله بِكَذَا وَهُوَ احْتِمَال ضَعِيف، لِأَن الصَّحَابِيّ عدل، عَارِف بِاللِّسَانِ فَمَا يُطلق ذَلِك إِلَّا بعد التحقق.
وَمن ذَلِك: قَوْله كُنَّا نَفْعل كَذَا فَلهُ حكم الْمَرْفُوع كَمَا تقدم.
стр. 589
وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الْبيُوع من البُخَارِيّ: أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْتَأْذن على عمر. . فَذكره إِلَى أَن قَالَ: فَكُنَّا نؤمر بذلك. فَقَالَ عمر: تَأتِينِي بِالْبَيِّنَةِ على ذَلِك. فالتعبير بِهِ يدل على مساواته للفظ الَّذِي ورد مُصَرحًا بِإِسْنَاد الْأَمر إِلَى النَّبِي سَوَاء كَانَ من قَول أبي مُوسَى أَو غَيره من الروَاة الْعَالمين بمدلولات الْأَلْفَاظ وَلَا فرق بَين قَوْله - أَي الصَّحَابِيّ - مَا تقدم فِي حَيَاة النَّبِي أَو بعده.
وَمن ذَلِك: أَن يحكم الصَّحَابِيّ على فعل من الْأَفْعَال بِأَنَّهُ طَاعَة لله أَو لرَسُوله، أَو مَعْصِيَته كَقَوْل عمار بن
стр. 590
يَاسر من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فِيهِ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم. فَلهَذَا حكم الرّفْع - أَيْضا - لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِمَّا تَلقاهُ عَنهُ. كَمَا جزم بِهِ الزَّرْكَشِيّ فِي " مُخْتَصره " نقلا عَن ابْن عبد الْبر وَغَيره. لَكِن خَالف فِي ذَلِك البُلْقِينِيّ فَقَالَ فِي / " محَاسِن الِاصْطِلَاح ": الْأَقْرَب أَنه لَيْسَ بمرفوع لجَوَاز إِحَالَة الْإِثْم على مَا ظهر من الْقَوَاعِد. اه. وَسَبقه إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم الْجَوْهَرِي وَغَيره.
قَالَ المُصَنّف: وَقَوله كُنَّا نَفْعل كَذَا أحط رُتْبَة من قَوْلهم كُنَّا نَفْعل فِي عهد النَّبِي، لَان هَذَا وَإِن أوردهُ محتجا بِهِ
стр. 591
يحْتَمل أَن يُرِيد الاجماع، أَو تَقْرِير النَّبِي، فالاحتجاج الصَّحِيح وَفِي كَونه من التَّقْرِير التَّرَدُّد.
أَو تَنْتَهِي غَايَة الْإِسْنَاد إِلَى الصَّحَابِيّ كَذَلِك - أَي مثل مَا تقدم - فِي كَون اللَّفْظ يَقْتَضِي التَّصْرِيح بِأَن الْمَنْقُول هُوَ من قَول الصَّحَابِيّ أَو من فعله أَو من تَقْرِيره، وَلَا يجِئ فِيهِ جَمِيع مَا تقدم بل معظمه، والتشبيه لما يشْتَرط فِيهِ الْمُسَاوَاة من كل جِهَة. بل يَكْتَفِي من بعض الْوُجُوه، وَجزم ابْن الصّباغ فِي كتاب " الْعدة ": بِأَن التَّابِعِيّ إِذا قَالَ ذَلِك فَهُوَ مُرْسل، ثمَّ حكى فِيهِ إِذا قَالَه ابْن الْمسيب وَجْهَيْن: هَل يكون حجَّة أَو لَا؟ وللغزالي فِيهِ احْتِمَالَانِ بِلَا تَرْجِيح: هَل يكون مَوْقُوفا أَو مَرْفُوعا مُرْسلا؟ وَقَالَ: قَوْله من السّنة فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم " وَغَيره، وَصحح وَقفه. وَحكى الداوودي الرّفْع عَن الْقَدِيم.
стр. 592
معرفَة الصَّحَابَة ﵃ -
وَلما كَانَ هَذَا الْمُخْتَصر شَامِلًا لجَمِيع أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث استطرد فِيهِ وَفِي نُسْخَة: مِنْهُ إِلَى تَعْرِيف الصَّحَابِيّ مَا هُوَ؟ فَقلت: وَهُوَ من لَقِي النَّبِي مُؤمنا وَمَات على / الْإِسْلَام وَلَو تخللت ردة فِي الْأَصَح.
قَالَ البقاعي: وَقَوله شَامِلًا أَي أُرِيد أَن يكون شَامِلًا. وَلم أدر مَا يعود عَلَيْهِ ضمير مِنْهُ، وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَقُول: والصحابي هُوَ من لَقِي النَّبِي. . إِلَى آخِره، أَو يكْتب الْوَاو بالحمرة (والصحابي) بِالسَّوَادِ وَهُوَ وَمَا بعْدهَا بالحمرة. وَيُمكن أَن يعود ضمير مِنْهُ على الْإِسْنَاد الْمُحدث عَنهُ فِي قَوْله ثمَّ الْإِسْنَاد.
وَلَكِن كَيفَ يكون الاستطراد (مَشْرُوطًا بِكَوْن الْمُخْتَصر شَامِلًا لما ذكر؟ إِن كَانَ التَّعْرِيف من أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث لم يكن ذكره اسْتِطْرَادًا)
стр. 593
بل متأصلا، وَإِلَّا لم يشْتَرط فِيهِ شُمُول الْمُخْتَصر لجَمِيع الْأَنْوَاع، بل الْبَعْض الَّذِي بِهِ تعلق، وَهُوَ مَا ذكر فِيهِ الصَّحَابِيّ كَانَ فِي توسيع الاستطراد إِلَيْهِ.
وَالْمرَاد باللقاء: مَا هُوَ أَعم من المجالسة والمماشاة والمكالمة ووصول أَحدهمَا إِلَى الآخر (وَإِن لم يكالمه) لكَون أَحدهمَا بشاهق جبل وَالْآخر بوهدة وَيدخل فِيهِ رُؤْيَة أَحدهمَا الآخر سَوَاء كَانَ ذَلِك أَي الرُّؤْيَة بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ أَي سَوَاء كَانَ اللِّقَاء بِنَفسِهِ - وَهُوَ ظَاهر -، أَو بِغَيْرِهِ كَمَا إِذا حمل طِفْل رَضِيع إِلَيْهِ وَالتَّعْبِير باللقي أولى من قَول بَعضهم وَهُوَ ابْن الصّلاح: الصَّحَابِيّ من رأى النَّبِي، لِأَنَّهُ يخرج ابْن أم مَكْتُوم وَنَحْوه من العميان وهم صحابة بِلَا تردد.
كَذَا قَالَه الْمُؤلف هُنَا، وَقَالَ فِي كتاب آخر: الَّذِي اخترته أخيرا أَن
стр. 594
قَول من قَالَ رأى النَّبِي لَا يرد عَلَيْهِ الْأَعْمَى، لِأَن المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ مَا هُوَ أَعم من الرُّؤْيَة بِالْقُوَّةِ أَو بِالْفِعْلِ / وَالْأَعْمَى فِي قُوَّة من يرى بِالْفِعْلِ وَإِن عرض مَانع من الرُّؤْيَة بِالْفِعْلِ. إِلَى هُنَا كَلَامه.
ورده الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا اخْتِيَار مجازي بِلَا قرينَة فَلَا عِبْرَة بِهِ. واللقي فِي هَذَا التَّعْرِيف كالجنس.
وَقَوْلِي: مُؤمنا كالفصل، يخرج من حصل لَهُ اللِّقَاء الْمَذْكُور لَكِن فِي حَال كَونه كَافِرًا. وَإِن أسلم بعد كرسول قَيْصر، فَلَا صُحْبَة لَهُ كَمَا جزم بِهِ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي " شرح التَّقْرِيب ". وَيُوَافِقهُ قَول الأشموني فِي " شرح نظم النخبة ": يخرج من لقِيه قبل الْبعْثَة وَغَابَ ثمَّ أسلم زمن الْبعْثَة حَال كَونه مُسلما كسعيد بن حَيْوَة الْبَاهِلِيّ. هَذِه عِبَارَته. وَقَوْلِي: بِهِ فصل ثَان، يخرج من لقِيه مُؤمنا لَكِن بِغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاء.
стр. 595
وَتعقب هَذِه الْعبارَة الشَّيْخ قَاسم: بِأَنَّهُ إِذا كَانَ المُرَاد بقوله مُؤمنا بِغَيْرِهِ: أَنه مُؤمن بِأَن ذَلِك الْغَيْر نَبِي، وَلم يُؤمن بِمَا جَاءَ بِهِ كَأَهل الْكتاب الْيَوْم من الْيَهُود فَهَذَا لَا يُقَال لَهُ مُؤمن، فَلم يدْخل فِي الْجِنْس فَيحْتَاج إِلَى إِخْرَاجه بفصل، وَحِينَئِذٍ لَا يَصح أَن يكون هَذَا فصلا وَإِنَّمَا هُوَ لبَيَان مُتَعَلق الْإِيمَان. وَإِن كَانَ المُرَاد مُؤمنا بِمَا جَاءَ بِهِ غَيره من الْأَنْبِيَاء فَذَلِك مُؤمن بِهِ إِن كَانَ لقاؤه بعد الْبعْثَة، وَإِن كَانَ قبلهَا فَهُوَ مُؤمن بِأَنَّهُ سيبعث فَلَا يَصح أَيْضا أَن يكون فصلا لما ذكره فِي قَوْله لَكِن هَل يخرج بِهِ من لقِيه مُؤمنا أَنه سيبعث وَلم يدْرك الْبعْثَة / فِيهِ نظر. يعْنى أَنه مَحل تَأمل.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَقد رجح الْمُؤلف أحد جَانِبي هَذَا الترديد فَقَالَ: إِن الصُّحْبَة وَعدمهَا من الْأَحْكَام الظَّاهِرَة فَلَا تحصل إِلَّا عِنْد حُصُول مقتضيها فِي الظَّاهِر، وحصوله فِي الظَّاهِر يتَوَقَّف على الْبعْثَة. انْتهى كَذَا نَقله الشَّيْخ عَن الْمُؤلف.
стр. 596
وَقَالَ الْكَمَال ابْن أبي شرِيف: وَجه النّظر أَنه لم يكن حِينَئِذٍ نَبيا فِي الظَّاهِر، فملاقيه لم يلق النَّبِي، لكنه كَانَ نَبيا عِنْد الله فَيصدق أَنه لَقِي النَّبِي، فَيخرج بِالِاعْتِبَارِ الأول وَيدخل بِالثَّانِي، وَهَذَا مثل بحيرا الراهب وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل. انْتهى.
وَذكر نَحوه البقاعي ثمَّ قَالَ: وَيظْهر لي فِي وَجه النّظر أَن يُقَال: نَحن وَإِن تَبينا أَن النَّبِي كَانَ وَقت اللِّقَاء نَبيا فَمن لم يتَبَيَّن أَن ذَلِك الْإِنْسَان يثبت على إيمَانه أَو ترك فَإِن الْحَالين مُخْتَلِفَانِ
стр. 597
من العلمين، كَمَا وَقع لورقة فَإِنَّهُ يثبت، وَأُميَّة فَإِنَّهُ كفر بعد أَن كَانَ مُصدقا أَنه هُوَ. وَنحن نشترط الْمَوْت على إِيمَان بعد الْبعْثَة فَهَذَا يدْفع عده فِي الصَّحَابَة وَهَذَا بِالنّظرِ إِلَى مَا فِي نفس الْأَمر أما بِالنّظرِ إِلَى التَّعْرِيف فَلَا يَصح دُخُوله، لِأَن النُّبُوَّة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الْإِخْبَار لَا يُطلق عَلَيْهِ إِلَّا بمجاز الأول، وألفاظ التَّعْرِيف تصان من الْمجَاز الَّذِي لَيْسَ بشهير، والشهير يجوز وَهُوَ مَا صحبته قرينَة تتَعَيَّن المُرَاد فَهِيَ أخص من / الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة. ولمثل ذَلِك أخرج الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي " نكته " على ابْن الصّلاح من رأى النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد مَوته. اه مَعَ أَن مجَاز الْكَوْن أرجح من مجَاز الأول وَيخرج من جِهَة
стр. 598
أُخْرَى وَهِي اشْتِرَاط الْإِسْلَام عِنْد اللقي، وَبِه يعرف أَن المُرَاد بِمن يسلم أَي الصَّحَابِيّ مُسلم لَقِي النَّبِي وَمَات على الْإِسْلَام وَمن كَانَ على دين عِيسَى، أَو مُوسَى لم يسم فِي الإصطلاح إِلَّا نَصْرَانِيّا أَو يَهُودِيّا، فَلَا يُقَال: مُسلم لَا فِيمَا بَيْننَا وَلَا فِيمَا بَين أهل الْكتاب.
وَكَذَا يخرج من التَّعْرِيف: من رَآهُ بعد الْمَوْت وَقبل الدّفن كَأبي ذُؤَيْب فَإِن الْإِخْبَار الَّذِي هُوَ معنى النُّبُوَّة انْقَطع، وَأَيْضًا لَا يعد ذَلِك لقيا عرفا، وَقد صَرَّحُوا بِأَن عدم جعله صحابيا أرجح. انْتهى
وَقَوْلِي: وَمَات على الْإِسْلَام فصل ثَالِث يخرج من ارْتَدَّ بعد أَن لقِيه مُؤمنا بِهِ وَمَات على الرِّدَّة كعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن جحش، وَابْن
стр. 599
خطل (بخاء مُعْجمَة) فَلَا يُسمى صحابيا، قَالَ الْمُؤلف: وَكَذَا من روى عَنهُ ثمَّ مَاتَ مُرْتَدا بعد وَفَاته كربيعة بن أُميَّة بن خلف فَإِنَّهُ لقِيه مُؤمنا بِهِ، وروى عَنهُ، وَاسْتمرّ إِلَى خلَافَة عمر ثمَّ ارْتَدَّ وَمَات على الرِّدَّة.
وَقَوْلِي: وَلَو تخللت ردة أَي بَين لقِيه مُؤمنا بِهِ وَبَين مَوته على الْإِسْلَام، كَذَا فِي نسخ، وَفِي نُسْخَة: بدوين مَوته على الْإِسْلَام فَإِن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ لَهُ سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام / فِي حَيَاته أَو بعده. أَي بعد مَوته سَوَاء لقِيه ثَانِيًا أَو بعد الْإِسْلَام أم لَا فَإِن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ لَهُ أَيْضا.
стр. 600
قَالَ بعض من لقيناه: وَقَوله سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام. . إِلَخ يُغني عَن قَوْله سَوَاء لقِيه ثَانِيًا لِأَن من رَجَعَ بعد مَوته لَا يتَصَوَّر فِي حَقه اللِّقَاء، اللَّهُمَّ أَن تكون رَاجِعَة إِلَى الرُّجُوع فِي حَال الْحَيَاة فَقَط، فَلَا يلْزم مَا ذكر.
وَقَول فِي الْأَصَح إِشَارَة إِلَى الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة يعْنى مَسْأَلَة الارتداد. ذكره الشَّيْخ قَاسم وَقد ذهب جمَاعَة إِلَى أَنه لَا يُسمى صحابيا إِذا لم يره بعد ذَلِك. وَيدل على رُجْحَان الأول: قصَّة الْأَشْعَث بن قيس فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ وَأتي بِهِ بعد موت الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
следующие страницы →