← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 598

آداب التربية في تراث الآل والأصحاب

أحمد الجابري

Полный текст (200 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آداب التربية في تراث الآل والأصحاب نماذج من تعامل الآل والأصحاب مع صغارهم تأليف أحمد الجابري

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة مبرة الآل والآصحاب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛ فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه. وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦] وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ

стр. 3

هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل. والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها. ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبياقًا وتفعيلً؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي ﷺ الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة. وقد أخذت (مبرة الآل والأصحاب) كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها

стр. 4

مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها - بفضل الله الريادة في ذلك المجال. وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و"التخصص يقود إلى الإبداع" بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز

стр. 5

البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز. ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك. وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب. نرجو من الله أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. مبرة الآل والأصحاب

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدِّمة الحمد لله منزِّلِ القرآن، معلِّمِ الإنسان البيان، باعثِ محمَّد إلى كافَّة الخلق من إنسٍ وجان، نحمده ما تعاقبت الأزمان، وخُطَّ كلامٌ بقلم وبنان، والصلاة والسلام على خير رسل بني الإنسان، من ملك أزمَّة اللغة وخُطُم البيان، أفصح من تكلَّم وبلَّغ وأبان، وعلى آل بيته وأصحابه الضاربين بسهام الخير في كل سباق وميدان. وبعد؛ فتعدُّ مرحلة الطفولة والصغر من أهمِّ مراحل الحياة الإنسانية، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، لما لها من أثر بالغ في حياة الأمة والمجتمعات في المستقبل، فالصغار لَبِناتٌ يقوم عليها بناء المستقبل؛ لأنهم سيمثلون القوة البشرية التي يُعتمَد عليها في البناء الحضاري، لذا أصبح من مسلَّمات عصرنا الحاضر: الاهتمام بهذه المرحلة العمرية، والعناية بها، والرغبة الأكيدة في الوصول إلى أفضل السبل التي تساعد على وضع الأسس السليمة لتربية الصغار.

стр. 7

ومما يزيد هذه المرحلة خطورة وأهمية: أنها إحدى المحطات الهامة التي تُبنى فيها شخصية الفرد، ففيها تُرسَم الخطوط الكبرى لما سيكون عليه الإنسان في المستقبل، حيث أكَّدت الدراسات النفسية على أهمية السنوات الأولى في حياة الفرد، لكونها تلعب دورًا هامًّا في تشكيل شخصيته، وتكوين اتجاهاته، وميوله، ونظرته للحياة، ويتم فيها وضع غالبية الأسس للجوانب التربوية المختلفة، كما أكَّدت تلك الدراسات على أنَّ كثيرًا من الانحرافات التي تظهر في الكبر ترجع إلى ما تعرَّض له الفرد في مواقف الحياة أثناء مرحلة الطفولة (١)! وفي هذا المعنى يقول صالح بن عبدالقدوس: وإن من أدَّبتَه في الصِّبا ... كالعود يُسقى الماءُ في غرسه حتى تراه مُوَنَّقًا ناضرا ... بعد الذي أبصرتَ من يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يُوَارَى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذا الصبا عاد إلى نكسه (٢) ومن هنا: غَدَت العناية بالصغار اليوم معيارًا من المعايير التي يُقاس بها مدى تقدم الأمم، فأُنشئت منظَّمات محلية، وإقليمية، ودولية

стр. 8

لرعايتها، وتوفير المقومات الأساسية التي تكفل وقايتها، وتغذيتها، ونموها، وعلاجها. وإذا كانت كل الأمم تُعنَى بالأطفال؛ فإنَّ الإسلامَ أشدُّ عنايةً بهم، فهو الدين الوحيد الذي نطق كتابه المقدَّس بأنَّ الله قضى أن يجعل في الأرض خليفة، وأنَّ هذا الخليفة هو الإنسان الذي كرمه الله وفضَّله على كثير ممن خلق تفضيلًا، ورَسَمَ القرآن خطى حياته الجسدية: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم مخلوقًا سويًّا، ورسم خطى حياته النفسية، التي تبدأ من حين إخراجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم يكتسب معارفه عن طريق الحواس، ثم يرتد إلى أرذل العمر لا يعلم شيئًا! ولذا كانت حفاوة الإسلام بالطفل عظيمة، من قبل أن يُولَد، ومن بعد ولادته، فكانت التشريعات التي تُنظِّم حقوق الطفل من جميع النواحي، حتى يشبَّ على ما أراد له الإسلام من أقصى درجات الكمال البشري الممكن؛ ليكون -بحقٍّ- لَبِنةً في بناء صرح الإسلام (١). وقد حدَّد القرآن الكريم في آياتٍ متعدِّدةٍ حقوقًا للطفل، ودعا إلى احترامها وحمايتها؛ كحقِّه في الحياة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢)، وخصَّه بعدَّة حقوق

стр. 9

ما دام لم يبلغ سنَّ الرشد؛ كحقه في الرضاعة، والحضانة، والولاية، كما خصَّ الطفل المحروم؛ كاليتيم، واللقيط، وذي العاهة، بحقوق إضافية، وأحاطه بأنواع من الكفالة المادية، والمعنوية، لتضمن تربيته تربية صالحة. وبالرغم مما صدر حتى الآن من اهتمامات خاصة بحقوق الطفل، على الصعيدين الدولي والمحلي؛ إلا أن الطفولة الإسلامية تمر حاليًا بمرحلة لا تُحسدُ عليها، حيث تمر بأزمات تربوية نتيجة للتغيرات الثقافية والحضارية الجديدة السريعة والمتلاحقة، ونتيجة للتغيرات في الأدوار داخل الأسرة والمجتمع، ولقد جاءت النتائج تؤكِّد صحة هذا، فقد أوضحت أبحاث الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية أن الطفولة المعاصرة تعاني من مشكلات مختلفة؛ مصدرها: تواجد هذه الطفولة في مجتمع ينغمس في موجة زاحفة من التبدل المادي السريع والمستعار، وما يصاحب ذلك من تحولات نفسية وأخلاقية (١). ومن هنا: وجب على الآباء والمربين والقائمين على أمر تربية الأولاد والصغار أن يُولوا هذا الموضوع اهتمامًا أكبر، وعناية أوفر، وذلك بالاطلاع على ما يستجد من دراسات، وما تناله اليد من أطروحات وإحصائيات؛ ليكون الأمر متمَّما على قواعدَ متينة، وأسسٍ رسيخة، نرجوا من ورائه بناءً سامقًا، وشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ فتؤتي أكلها كل حين.

стр. 10

* ومن جوانب الفخر والاعتزاز أن نقول: إنه مع ما بلغته عقولُ البشر من تطوُّر في الفكر وأدواته ووسائله؛ فلا يزال تراث الأمَّة الإسلامية يُشكِّل مخزوناً هائلاً يجترُّ منه أهله المنتسبون إليه، وينهل منه المحبُّون له، ليس في الأفكار فحسب؛ بل أيضاً في طريقة التربية، والتوجيه، والتعليم، ووسائل ذلك. لذا فالدعوة إلى الانقطاع عن تراث الأمة وأصولها، ليست دعوةً مقبولة، لا في السياق العقلي ولا الشرعي، كما أن نقيضتها على الطرف الآخر من دفن الرأس في الرمال، وغضِّ الطرف عن آخر ما توصل إليه المتخصِّصُون في هذه الأبواب؛ تشابهها في الحكم عليها، والانفضاض عنها، وإنما الدعوة التي نرجوها: التوسُّط في الأمر، عن طريق مواكبة العصر بأصولنا الإسلامية، لتتلاقح الأفكار، ويجني صغارُنا الثمار. والحكمة ضالُّة المؤمن، أنَّى وجدها؛ فهو أحقُّ بها. لكن: ثمَّ سؤال قد يراود الأذهان؛ وهو: هل دَرَسَ الصَّحْب والآل والسَّلف علوم التربية هذه ووسائلها التي نتحدَّث عنها، حتى نأخذ عنهم، ونستفيد من تجاربهم؟! والجواب: أنهم حققوا النموذج العملي الراقي في كل مجالات الحياة، وليس فقط في مجال التربية، لكن الأمر كما في علم النحو والصرف، واللغة والبيان والبديع، وغيرها، أن السَّلف لم يدرسوا النحو والصرف وغيره، ومع ذلك كانوا أفصح الناس؛ لأن ذلك كان عندهم

стр. 11

بالسليقة، وبالاستعدادات الفطرية، بجانب تهذيب الوحي الشريف لهم، كذلك التربية، هم مارسوها بالفعل؛ لكن ضبط هذه الأشياء وتبسيطها وتقنينها لا يمكن أن يتصادم مع هذا (١). ومن شواهد هذا الجواب وأدلته: ما نجده في سيرهم وتراجمهم، من أقوال وأفعال وتقريرات، تدل على اهتمامهم بالأمر؛ ومن ذلك: * قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ (٢). قال: «علموهم وأدبوهم»، وفي رواية: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير» (٣). وترجم ابن أبي الدنيا لهذا الأثر بقوله: «باب تعليم الرجل أهله، وتعليم ولده، وتأديبهم» (٤).

стр. 12

* وفي زمن عمر بن الخطاب ﵁: «كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان، فكان عمر يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهمًا كل شهر» (١). * وابنه عبدالله بن عمر ﵁ ينصح رجلًا ذات يومٍ مؤكِّدا على أهمية التربية والتأديب؛ فيقول له: «أدِّبْ ابنك فإنك مسئول عن ولدك, ما علمته؟ وهو مسئول عن برِّك وطاعته لك» (٢). * وكان سعيد بن العاص ﵁ يقول: «إذا علمتُ ولدي، وزوَّجتُه، وأحجيتُه؛ فقد قضيت حقَّه، وبقي حقي عليه» (٣).

стр. 13

* وظهر فيما بعد وظيفة باسم: "المؤدِّب". بل كان أحد أئمة الحديث، وهو الإمام ابن أبي الدنيا يُلقَّب بـ: "مؤدِّب أولاد الخلفاء" (١). وسيرد -إن شاء الله- في ثنايا هذه الفصول من الآثار والنماذج ما يزيد هذه النتائج قوَّة، والشواهد إيضاحًا وتتمَّة. عملي في هذا الكتاب: - قمتُ -بحمد الله- بجمع مادة هذا البحث من خلال استقراء بعض كتب المصنَّفات في آثار الصحابة والتابعين؛ مثل: «مصنَّف عبدالرزاق»، والأبواب المفرَدة في كتب السنة، والتي تتعلق بالتربية والتعامل مع الصغار (٢)، مع مطالعة بعض الأبحاث والمؤلَّفات العصرية، المحتوية على آخر ما تُوصِّل إليه في هذا الباب. ومما يجب التنبيه عليه هنا: أن هذه الدراسة قائمة على التخيُّر

стр. 14

والانتقاء، لا الحصر والاستقصاء، فإن ذلك أمرٌ يتعذَّر كما يعلمه العقلاء، لكن المراد كشف الِّلثام، عن هذا الجزء من حياة الصحب والآل، وأنه لم يكن مهملًا ولا غفلًا، بل بلغ من وضوحه أنه كان يُمارس، ولا يحتاج أن يُدوَّن أو يدرَّس، فلما تباعد الزمان، واختلفت عقول الناس؛ احتيج إلى الكتابة والقرطاس. * قسمت الدراسة إلى خمسة فصول، وتمهيد: أمَّا التمهيد: فقد قسمته إلى مبحثين: الأول: لبيان معاني المصطلحات والمفردات الواردة في عنوان الدراسة (الآداب، التربية، التراث، الآل، الأصحاب). وقد راعيت في ذلك الاختصار، بما يتناسب مع طبيعة الدراسة. الثاني: لبيان العناية المبكرة، والاهتمام البالغ بمرحلة الطفولة والصغر قبل بدئها، من خلال نصوص الوحي، وتعامل الآل والصحب، بإيجاز بالغٍ، إذ ليس مقصودًا لنا بالأصالة هنا، وإنما وُضع ليكون بمثابة توطئة للفصول اللاحقة. ١. وأمَّا الفصل الأول (التربية العقدية): فجاء لبيان أهمية العقيدة في حياة الصغار، واهتمام الصحب والآل

стр. 15

بهذا المكوِّن في التربية، ومظاهر ذلك، وأمثلته، ونماذجه. ٢. وأمَّا الفصل الثاني (التربية التعبدية): فجاء لبيان دور العبادة في إصقال العقيدة في نفوس الصغار، وأهمية تدريبهم عليها من الصغر، رغم أنهم غير مكلَّفين بها، ومظاهر ذلك عند الصحب والآل مع صغارهم، في أشكال العبادة المختلفة؛ من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج وعمرة، وتعلُّم قرآن، وغير ذلك. ٣. وأمَّا الفصل الثالث (التربية الأخلاقية): فجاء لبيان أهمِّ الأخلاق الأساسية المتَّفق عليها، التي بناها الصحب والآل في نفوس صغارهم، والوسائل التي استخدموها في إيصال تلك الأخلاق، مع الاستشهاد بالنماذج والمواقف التي أُثرت عنهم. ٤. وأمَّا الفصل الرابع (التربية الاجتماعية): فجاء لبيان معنى هذه التربية وأهميتها، وكيف تعامل الصحب والآل مع صغارهم لدمجهم في مجتمعهم، وجعلهم ناجحين اجتماعيًّا، بعيدًا عن أجواء العزلة والانطوائية، والأساليب التي استخدموها لأجل تحقيق هذا الغرض. ٥. وأمَّا الفصل الخامس (التربية البدنية): فجاء لبيان الاهتمام بالبناء الجسدي الصحي، والبناء النفسي العاطفي

стр. 16

في آنٍ واحد، وذلك ليخرج الصغيرُ صحيحَ البدن، صحيح النفس، بلا تشويه جسدي أو عاطفي، وبيان أهم الوسائل التي اُستُخدمت لأجل الوصول لهذا الهدف. - قدَّمتُ لكلِّ فصل من فصول التربية المذكورة بقَبَسٍ يسير من الهدي النبوي الدَّالِّ عليه، الموضِّح لأصله، إذ هو الضوء الذي أنار للصحب والآل الطريق، وشقَّ لهم السبيل. - قمتُ بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في الدراسة، وراعيت في ذلك الاختصار بما يتناسب مع المقام، إلا ما دَعَت الحاجة إلى التوسُّع فيه بعض الشيء، مع تصدير ذلك بالحكم العام على الحديث أو الأثر. - ذيَّلتُ البحث بقائمة المصادر والمراجع الواردة في الدراسة. وأخيرًا: فقد وُفِّقت مبرَّةُ الآل والأصحاب بإخراج أمثال هذه الأبحاث والدراسات التي تربط أبناء الأمة بأسلافهم، وتمدُّهم بما له أثرٌ نافعٌ من ماضيهم، في خطوة رائعة لتعريفهم بأهمية تراثهم. كما تبيِّن للشباب ما كان بين الصحب والآل، من اتفاقٍ في المنهج والأسلوب، إذ وردوا جميعًا موردًا واحدًا؛ فلا غَرْوَ أن تتشابه بعد ذلك تربيتهم وطريقتهم. فجزى الله مبرة الآل والأصحاب، من إدارة، ومسؤولين، ومراجعين،

стр. 17

وعاملين بها، خير الجزاء، وجعل ذلك في صحائف حسناتهم، وأثابهم الحسنى وبيَّض وجوههم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١). والحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مبارَكاً فيه، حمداً يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه، ويدفع عنَّا نقمَه. أحمد الجابري

стр. 18

تمهيد ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: التعريف بمصطلحات العنوان (الآداب، التربية، التراث، الآل، الأصحاب) المبحث الثاني: عناية مبكِّرة

стр. 19

المبحث الأول: التعريف بمصطلحات العنوان أولًا: التعريف بالآداب تعريف الأَدَب لغة: قال ابن فارس: " (أدب) الهمزة والدال والباء أصل واحد تتفرع مسائله وترجع إليه، فالأَدْبُ أن تجمع الناس إلى طعامك. وهي: المأدَبة والمأدُبة. والآدِبُ الداعي. قال طَرَفَةُ: نحن في المشتاة ندعو الجَفَلَى ... لا ترى الآدِبَ فينا يَنتَقِرْ والمآدب: جمع المأدبة، قال شاعر: كأنَّ قلوب الطير في قَعْر عُشِّها ... نوى القَسْبِ مُلقًى عند بعض المآدِب ومن هذا القياس: الأَدَبُ أيضًا، لأنه مجمَعٌ على استحسانه" (١). والأَدَب: الذي يتأدَّب به الأديب من الناس، سُمِّي أَدَبًا: لأنه يأدِب

стр. 20

الناس إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح. وأصل الأَدْبِ: الدُّعاء، ومنه قيل للصَّنيع يُدعَى إليه الناس: مَدْعاة، ومأدُبة (١). وقال أبو زيد الأنصاري: الأَدَبُ يقعُ على كل رياضة محمودة يتخرَّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. وقال الأزهري نحوه. فالأَدَبُ اسمٌ لذلك، والجمع: آداب، مثل: سبب وأسباب، وأدَّبْته تأديبًا مبالغة وتكثير، ومنه قيل: أدَّبته تأديبًا إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب (٢). تعريف الأَدَب اصطلاحًا: الأدب: رياضة النفوس ومحاسن الأخلاق، ويقع على كلِّ رياضة محمودة يتخرَّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل (٣). وقيل: هو عبارة عن معرفة ما يُحتَرزُ به عن جميع أنواع الخطأ (٤). وفيما يتعلق بالسلوك؛ هو: حُسن الأحوال في القيام والقعود، وحُسن الأخلاق، واجتماع الخصال الحميدة (٥).

стр. 21

والفرق بينه وبين التعليم: أن التأديب يتعلق بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، أي: أن الأول عرفي، والثاني شرعي، أو: الأول دنيوي، والثاني أخروي ديني (١). وقال بعضهم: الأدب مجالسة الخلق على بساط الصدق، ومطابقة الحقائق (٢). قال ابن القيم: "وحقيقة الأدب: استعمال الخلق الجميل. ولهذا كان الأدب استخراجًا لما في الطبيعة من الكمال من القول إلى الفعل" (٣). وقيل: الأدب عند أهل الشرع: الورع. وعند أهل الحكمة: صيانة النفس (٤). وقال أهل التحقيق: الأدب: الخروج من صدق الاختبار، والتضرع على بساط الافتقار (٥). وقال الحافظ ابن حجر: "الأدب: استعمال ما يُحمَد قولًا وفعلًا. وعبَّر بعضهم عنه بأنه: الأخذ بمكارم الأخلاق. وقيل: الوقوف مع المستحسنات. وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك" (٦).

стр. 22

ثانيًا: التعريف بالتربية تعريف التربية لغةً: يتضمَّن مصطلح التربية دلالات لُغوية متعددة، تشير جميعها إلى ما ينبغي أن تتضمَّنه العملية التربوية من أنشطة؛ كما يلي: ١ - الإصلاح: يُقال: ربَّ الشيء: إذا أصلحه. والربيبة: الحاضنة، سُمِّيت بذلك لأنها تصلح الشيء، وتقوم به، وتجمعه (١). ٢ - النَّماء والزيادة: يُقال: ربَّ المعروف والصنيعة والنعمة: يربُّها ربًّا وربابا وربابة، وربَّبها: نمَّاها، وزادها، وأتمها، وأصلحها (٢). ٣ - النشأة والترعرع: قال الأصمعي: "رَبَوتُ في بني فلان، أَربُو: نشأتُ فيهم، وربَّيْتُ فلانًا أُرَبِّيه تَربية" (٣). ٤ - سياسة الناس وولاية أمرهم: يُقال: رَبَبْتُ القومَ: سُسْتُهم، أي: كنت فوقهم. والعرب تقول: لأن يَرُبَّني فلان أحب إلي من أن يَرُبَّني

стр. 23

فلان؛ يعني: أن يكون ربًّا فوقي، وسيدًا يملكني (١). ٥ - التعليم: قيل: الربَّاني: من الربِّ، بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلِّمين بصغار العلوم، قبل كبارها. والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله (٢). وقد استنبط بعض المعاصرين من هذه الأصول اللغوية أن التربية تتكون من عناصر: أولها: المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها. ثانيها: تنمية مواهبه واستعداداته كلها، وهي كثيرة متنوعة. ثالثها: توجيه هذه الفطرة، وهذه المواهب كلها نحو صلاحها، وكمالها اللائق بها. رابعها: التدرج في هذه العملية (٣). تعريف التربية اصطلاحًا: قال الأصفهاني: "الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا

стр. 24

فحالًا إلى حدّ التمام" (١). وقال البيضاوي: "التربية: هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا" (٢). وعلى ذلك فيمكن تعريف التربية المرادة بالبحث هنا بأنها: عملية بناء الطفل شيئًا فشيئًا، إلى حدِّ التمام والكمال. وتم اختيار كلمة «بناء»: لأنها تعني البذل والجهد، ووضع الشيء في مكانه، ومتابعة النظر إليه؛ بالرعاية والإصلاح، بعيدًا عن الإهمال. و «شيئًا فشيئًا»: ليكون على سبيل التدرج، وأن ما يصعب تحقيقه اليوم؛ يمكن أن يتحقَّق غدًا. و «إلى حد التمام والكمال»: يعني: الحد الذي يصل فيه الطفل إلى أن يتمسك بشرع الله من ذاته، ويحاسب نفسه بنفسه، ويراقبها، ويتابع تربية نفسه بتلاوة القرآن، والتمسك بالشرع الحنيف (٣).

стр. 25

ثالثًا: التعريف بالتُّراث تعريف التُّراث لغةً: قال ابن فارس: " (ورث) الواو والراء والثاء: كلمة واحدة، هي الورث. والميراث أصله الواو، وهو: أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب. قال: ورثناهنَّ عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا" (١). والوِرَاثَةُ والإِرْثُ: انتقال قُنية إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد، وسُمّي بذلك المنتقل عن الميّت فيقال للقنيةِ الموروثَة: مِيراثٌ وإِرْثٌ (٢). والوِرْثُ والوَرْثُ والإِرث والوِرَاثُ والإِرَاثُ والتُّراثُ: واحد. والميراث أصله مِوْراث، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والتُّراث أصل التاء فيه واو. والوِرث والإِرث والتراث والميراث: ما وُرِث؛ وقيل: الوِرث

стр. 26

والميراث في المال، والإِرث في الحسب (١). مما يُشير إلى الميراث الثقافي، لأن الحَسَب هو مفاخر الآباء وشَرَف الفِعال التي يرثها الأبناء، ويتغنَّوْن بها (٢). وهو على إِرثٍ من كذا: أي: على أمر قديم توارثه الآخر عن الأول. وفي حديث الحج: «إنكم على إِرْث من إِرْث أبيكم إبراهيم» (٣)، يريد به ميراثهم ملته (٤). وقد وردت كلمة "التُّراث" في القرآن الكريم مرةً واحدةً بمعنى الميراث؛ في قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]. أي: تأكلون أيها الناس الميراث أكلًا شديدًا لا تتركون منه شيئًا، ولا تميزون بين ما كان لكم، أو لغيركم (٥).

стр. 27

تعريف التُّراث اصطلاحًا: يُمكن تعريف التُّراث هنا بأنه: ما تم وراثته عن الآباء من عقيدة، وثقافة، وقيم، وآداب، وفنون، وصناعات، وسائر المنجَزات الأخرى المعنوية والمادية (١). والواضح من الاستعمال الاصطلاحي للفظ التراث أنه مأخوذ من المعنى اللغوي، فغالبًا ما يقصد به المتروك من الثقافة أو الفكر أو غير ذلك مما تركه السلف والأجداد للأجيال التي تَلَتْهم، ومع هذا: فإنه يصعب توصيف المراد بالتراث تحديدًا بناء على الفترة الزمنية، فالبعض قد يعتبر ما تُرك من القرن السابق تراثًا، وآخرون قد يعتبرون التراث ما مضى عليه أكثر من ذلك، وقد يجنح البعض إلى اعتبار أن ما تُرك قبل سنوات قليلة تراثًا، وفي كل الأحوال: فإنَّ مفهوم التراث يدور حول ما تُرك من عصور أو فترات زمنية سابقة. فالتراث نوعان: تراث تاريخي، يروي أحداثًا مضتْ، لا يُستفاد منها إلا القراءة التاريخية للتأمُّل واستنباط العبر والعظات، وهذا هي الفائدة الأساسية له. والنوع الثاني: التراث الفكري، وهو: الثقافة والقيم والأفكار الفاضلة والصالحة، التي وُرثت عن سلف متميز عقلًا وروحًا.

стр. 28

وهذا النوع لا يمكن لعاقل أن ينكر أهمية الاستفادة منه والبناء عليه أو العمل به، فكم من نظريات فكرية، أو علمية، أو تربوية ما زالت الأجيال حتى الآن تتبعها منهجًا، أو تُؤسِّس عليها معرفة أو تَبْنى منها حضارة، بل مازالت بعض الحضارات الحديثة تُمَجِّد ثُلَّةً من أصحاب تلك النظريات والأفكار لسبقهم ونتاجهم الذي أضاف للإنسانية ما يصلحها ويزيد في تقدمها (١).

стр. 29

رابعًا: التعريف بالآل (١) تعريف "الآل" لغةً (٢): يدور كلام أهل اللغة في تفسير هذه الكلمة حول معنيين؛ هما: الأهل، والأتباع.

стр. 30

قال الجوهري: "آل الرجل: أهله وعيالُه، وآلُهُ أيضًا: أتباعُه. قال الأعشى: فَكَذَّبوها بما قالت فصَبَّحَهُمْ ذو ........ آلِ حَسَّانَ يُزْجي السَمَّ والسَلَعا يعني: جيش تُبَّعٍ" (١). وقال ابن فارس: "آل الرجل أهل بيته، لأنه إليه مآلهم وإليهم مآله. وهذا معنى قولهم يال فلان. وقال طَرَفَة: تحسِبُ الطرْفَ عليها نجدةً ... يالَ قومي للشباب المسْبَكِرْ" (٢). وممن أشار إلى الجمع بين المعنيين أيضًا: ابن الجوزي (٣)، والعز بن عبدالسلام (٤). ومن خصائصها أيضًا: أنها لا تُضافُ إلا إلى مَتْبوعٍ مُعظَّم، وإلى الأشرف والأفضل؛ فيُقال: آل الله، وآل السلطان، ولا يُقال: آل الحائك،

стр. 31

ولا آل الحجام، بخلاف كلمة "أهل"؛ فإنها تُضاف إلى الكل (١). تعريف "الآل" اصطلاحًا: إذا أُطلق لفظ "الآل" بالتعريف، ودون إضافة فإنه ينصرف إلى آل بيت النبي ﷺ ، إما باسمه: آل محمد ﷺ ، أو صفته: آل النبي ﷺ ، أو مسكنه: آل البيت، وقد يُستبدَل لفظ: "الأهل" بلفظ: "الآل"، ولا إشكال -كما تقدَّم في المعنى اللغوي-. وقد اختلف العلماء في تعيين هؤلاء "الآل" على أربعة أقوال (٢): القول الأول: هم الذين حَرُمَتْ عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، والثاني: أنهم بنو هاشم خاصَّة، والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب.

стр. 32

القول الثاني: هم ذريته وأزواجه خاصة. القول الثالث: هم أتباعه إلى يوم القيامة. القول الرابع: هم الأتقياء من أمته. والأرجح من هذه الأقوال -والله أعلم-: القول الأول، لقول زيد بن أرقم ﵁: «أهل بيته ﷺ من حُرم الصدقة بعده؛ وهم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس» (١). ويُضافُ معهم: أزواجه ﷺ ، وذلك بدلالة القرآن؛ لقول الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. فإنها نزلت فيهن، وقرينة السياق في الآيات صريحة في دخولهن؛ إذ الله قال في أولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص. "وإنما دخل الأزواج في الآل تشبيهًا لذلك بالسبب، لأن اتصالهن

стр. 33

بالنبي ﷺ غير مرتفع وهنَّ محرماتٌ على غيره في حياته وبعد مماته، وهُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي ﷺ قائم مقام النسب. وقد نص ﷺ على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح -وهو منصوص الإمام أحمد- إن الصدقة تحرم عليهم لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم. ويا لله! العجب كيف يدخل أزواجه في قوله ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد»؛ مع كونها من أوساخ الناس! فأزواج رسول الله ﷺ أولى بالصيانة عنها والبعد منها" (١).

стр. 34

خامسًا: التعريف بالأصحاب تعريف "الأصحاب" لغةً: الأصحاب: جماعة الصَحْب، والصَحْب: جماعة الصاحب، ويُجمَع أيضًا بالصُّحبان، والصُّحبة، والصِّحاب، وهذا كله عائد لمادة (صحب) (١). يقول ابن فارس: "الصاد والحاء والباء أصلٌ واحد يدلُّ على مقارنة شيء ومقاربته، من ذلك: الصَّاحِب، والجمع: الصَّحْب" (٢). ويقول الجوهري: "الأصحاب: جمع صَحْب، مثل: فَرْخ وأفراخ. والصَّحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدرٌ. وجمع الأصحاب: أصاحيبُ. وقولهم في النداء: يا صاحِ، معناه يا صاحبي" (٣). قال ابن دُريد: "فَإِذا قَالُوا صِحابة فهم الأصْحَاب، وإذا قَالوا صَحابة فهم القوم الَّذين يصحبونه. وربما كانت الصَّحابة مصدرًا؛ يقولون: فلان حسن الصَّحَابَة؛ أَي: الصُّحْبة" (٤).

стр. 35

ويُطلق أيضًا على: - المنع والحفظ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُون﴾ [الأنبياء: ٤٣]، أي: يُمنَعُون (١). ومنه قولهم: "صَحِبك الله" أي: حفظك (٢). - المعاشَرة، يُقال: "صَحِبَه" أي: عاشره، والصَّاحِب: المعاشِر (٣). - الملازَمة، فكلُّ شيءٍ لازم شيئًا فقد استصحبه، ومنه قولهم: "استصحبت الحال" إذا تمسكت بما كان ثابتًا، كأنك جعلت تلك الحالة مصاحبة غير مفارقة (٤). - ويُطلق -مجازًا- على من تمذهب بمذهب من مذاهب الأئمة؛ فيُقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة (٥). تعريف "الأصحاب" اصطلاحًا: اختلف العلماء فيمن يُطلق عليه هذا اللقب "الصحابي"، واختلافهم

стр. 36

هنا فرعٌ عن الاختلاف اللغوي السابق، هل لفظ "الصحابي" مشتقٌّ من الصحبة مطلقًا، فيُفهم منه أنه لا يُشتَرطُ طول مجالسة ومعاشرة، أم أنه يُطلق على المعاشرة والمجالسة؛ فيُفهم منه أنه يُشتَرطُ طول مجالسة، واختصاص مصحوب، ومدة صحبة (١)؟ ويمكن اختزال هذه المذاهب والأقوال في قولين مشهورين (٢)، وإليهما تُرجع باقي الأقوال: القول الأول: أن الصَّحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، وصحبه ولو ساعة، ومات على ذلك الإيمان، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب، أو لم يختص به. وهذا مذهب جمهور المحدِّثين، وبعض الأصوليَّين والفقهاء. قال البخاري: "من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين؛ فهو من أصحابه" (٣). قال الحافظ ابن حجر: "والذي جزم به البخاري هو قول أحمد،

стр. 37

والجمهور من المحدِّثين" (١). وقال ابنُ كثير: "والصحابي: من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئًا، هذا قول جمهور العلماء، خلفًا وسلفًا" (٢). وقال ابن الهُمام: "الصحابي: ع ند المحدثين وبعض الأصوليين من لقي النبي ﷺ مسلمًا، ومات على إسلامه" (٣). القول الثاني: الصحابي هو: من رأى النبي ﷺ واختصَّ به اختصاص المصحوب، متبعًا إيَّاه مدة يثبت معها إطلاق الصاحِب عليه عُرفًا، بلا تحديد لمقدار تلك الصُحبة، سواء روى عنه أو لم يروِ عنه، تعلَّم منه أو لم يتعلَّم. وهذا مذهب جمهور الأصوليِّين، وأكثر الفقهاء (٤).

стр. 38

قال أبو الخطَّاب الحنبلي: "وقال أكثر العلماء: لا يقع هذا الاسم إلا على من أطال المكث معه على وجه التتبع له، وشرط الجاحظ وغيره مع ذلك أن يأخذ عنه العلم أيضًا" (١). والخلاف في هذه المسألة وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي؛ فالأرجح القول الأول، والله أعلم (٢).

стр. 39

المبحث الثاني عناية مبكِّرة لما كانت تربية الأطفال والصغار بهذه المنزلة الهامة، والمكانة السامقة التي تمَّت الإشارة إليها في المقدِّمة؛ فقد أولاها الشرع عناية خاصَّة، بل ومبكِّرة، لا نعني من حين ولادتهن وخروجهن إلى الحياة؛ بل من قبل ذلك، من وقت البحث عن شريكة الحياة، التي ستقاسم الرجل المسؤولية والتربية، إذ هو مسؤول عنها وعن بيته، وهي مسؤولة عن بيته وأولاده (١)، "ومما صدر من الخواطر: أن الرجل والمرأة كالبيت من الشِّعْر، ولا يحسن في البيت من الشِّعْر أن يكون شطره محكمًا، والشطر الآخر متخاذلًا" (٢). بل إن الشواهد تدل على أن ملكة التقوى كثيرًا ما تظهر في الولد تبعًا لأبويه، أو لأحدهما، أو للعمِّ، أو للخال.

стр. 40

لهذا كله: جاء الإرشاد النبوي الموجِّه للآباء، المُلفت النظرَ لهذا الجانب المبكِّر الهام في قوله ﷺ : «تخيَّروا لِنُطَفِكم» (١)، أي: اطلبوا لها ما هو خير المناكح وأزكاها (٢). وبوَّب البخاري في «صحيحه» بهذا المعنى؛ فقال: "بابٌ إلى من ينكح، وأيُّ النساء خير، وما يُستحبُّ أن يتخيَّر لنُطَفِه من غير إيجاب" (٣). فمن أوَّل حقِّ الوَلَد: أن ينتقي أُمَّه، ويتخيَّر قبل الاستيلاد منهن الجميلة، الشريفة، الديِّنة، العفيفة، العاقلة لأمورها، المرضيَّة في أخلاقها، المجرَّبة بحُسْنِ العقل وكماله، المواتية لزوجها في أحواله. قال الله ﵎ في جملة هذه القضايا: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٤).
следующие страницы →