← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 598

آداب التربية في تراث الآل والأصحاب

أحمد الجابري

Полный текст (200 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هنا فرعٌ عن الاختلاف اللغوي السابق، هل لفظ "الصحابي" مشتقٌّ من الصحبة مطلقًا، فيُفهم منه أنه لا يُشتَرطُ طول مجالسة ومعاشرة، أم أنه يُطلق على المعاشرة والمجالسة؛ فيُفهم منه أنه يُشتَرطُ طول مجالسة، واختصاص مصحوب، ومدة صحبة (١)؟ ويمكن اختزال هذه المذاهب والأقوال في قولين مشهورين (٢)، وإليهما تُرجع باقي الأقوال: القول الأول: أن الصَّحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، وصحبه ولو ساعة، ومات على ذلك الإيمان، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب، أو لم يختص به. وهذا مذهب جمهور المحدِّثين، وبعض الأصوليَّين والفقهاء. قال البخاري: "من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين؛ فهو من أصحابه" (٣). قال الحافظ ابن حجر: "والذي جزم به البخاري هو قول أحمد،

стр. 37

والجمهور من المحدِّثين" (١). وقال ابنُ كثير: "والصحابي: من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الراوي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئًا، هذا قول جمهور العلماء، خلفًا وسلفًا" (٢). وقال ابن الهُمام: "الصحابي: ع ند المحدثين وبعض الأصوليين من لقي النبي ﷺ مسلمًا، ومات على إسلامه" (٣). القول الثاني: الصحابي هو: من رأى النبي ﷺ واختصَّ به اختصاص المصحوب، متبعًا إيَّاه مدة يثبت معها إطلاق الصاحِب عليه عُرفًا، بلا تحديد لمقدار تلك الصُحبة، سواء روى عنه أو لم يروِ عنه، تعلَّم منه أو لم يتعلَّم. وهذا مذهب جمهور الأصوليِّين، وأكثر الفقهاء (٤).

стр. 38

قال أبو الخطَّاب الحنبلي: "وقال أكثر العلماء: لا يقع هذا الاسم إلا على من أطال المكث معه على وجه التتبع له، وشرط الجاحظ وغيره مع ذلك أن يأخذ عنه العلم أيضًا" (١). والخلاف في هذه المسألة وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي؛ فالأرجح القول الأول، والله أعلم (٢).

стр. 39

المبحث الثاني عناية مبكِّرة لما كانت تربية الأطفال والصغار بهذه المنزلة الهامة، والمكانة السامقة التي تمَّت الإشارة إليها في المقدِّمة؛ فقد أولاها الشرع عناية خاصَّة، بل ومبكِّرة، لا نعني من حين ولادتهن وخروجهن إلى الحياة؛ بل من قبل ذلك، من وقت البحث عن شريكة الحياة، التي ستقاسم الرجل المسؤولية والتربية، إذ هو مسؤول عنها وعن بيته، وهي مسؤولة عن بيته وأولاده (١)، "ومما صدر من الخواطر: أن الرجل والمرأة كالبيت من الشِّعْر، ولا يحسن في البيت من الشِّعْر أن يكون شطره محكمًا، والشطر الآخر متخاذلًا" (٢). بل إن الشواهد تدل على أن ملكة التقوى كثيرًا ما تظهر في الولد تبعًا لأبويه، أو لأحدهما، أو للعمِّ، أو للخال.

стр. 40

لهذا كله: جاء الإرشاد النبوي الموجِّه للآباء، المُلفت النظرَ لهذا الجانب المبكِّر الهام في قوله ﷺ : «تخيَّروا لِنُطَفِكم» (١)، أي: اطلبوا لها ما هو خير المناكح وأزكاها (٢). وبوَّب البخاري في «صحيحه» بهذا المعنى؛ فقال: "بابٌ إلى من ينكح، وأيُّ النساء خير، وما يُستحبُّ أن يتخيَّر لنُطَفِه من غير إيجاب" (٣). فمن أوَّل حقِّ الوَلَد: أن ينتقي أُمَّه، ويتخيَّر قبل الاستيلاد منهن الجميلة، الشريفة، الديِّنة، العفيفة، العاقلة لأمورها، المرضيَّة في أخلاقها، المجرَّبة بحُسْنِ العقل وكماله، المواتية لزوجها في أحواله. قال الله ﵎ في جملة هذه القضايا: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٤).

стр. 41

وقد جَرَت العادة في أهل كل دينٍ وملَّة وجيل وأهل نحلة بطلب الكُفاة في باب النكاح والإنكاح، وجَعَل الدينُ هذا شريعةً من الشرائع؛ كلُّ ذلك: طلبًا لنجابة النَّسل، وتخيُّرًا للطروقة والفحل، وضنّا بالنجابة التي في النِّجار (١) أن تنتقل إلى غيره، وهربًا من تدنيس النسب (٢). ولقد وعى الصَّحبُ الكرام هذه المسألة، فاعتنوا بها، وأعطوها حقَّها، حتى أنَّ العَيْنَ لا تخطئ ذلك النموذج الفريد لهذا الشاب الأنصاري الذي قدَّم الاختيار بعقله على مشاعره وعواطفه، مراعاة لأمر التربية والتنشئة؛ ذلك الشاب هو: جابر بن عبدالله الأنصاري ﵁ -: في أثناء عودته من إحدى الغزوات مع رسول الله ﷺ ، تحرَّكت به أشواقه، ولو تُرك العنان لها لسبقت جميع من حوله، لكن قعدت به ناقته، حتى لحق به النبي ﷺ ، فأصابت بركته الناقة؛ فسابقت أشواق جابر إلى المدينة، فاستفسر منه النبي ﷺ عن سر هذا الشوق والإسراع؛ فأجابه جابر بأنه: حديثُ عهدٍ بعُرس. سأله النبي ﷺ عن حالة من تزوَّجها: «بكرًا؟ أم ثيِّبًا؟» قال جابر: بل ثيِّبًا.

стр. 42

فقال له النبي ﷺ : «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك؟» (١). وكانت المفاجأة! لم يكن جابرٌ بغافلٍ عن مزايا البكر عن الثيِّب، لكنه كان يحمل همَّ تربية بناتٍ صغيراتٍ، ويعلم ما للثيِّب من مزيِّةٍ في هذه المهمة عن البكر؛ فكان بين اختيارين: إما أن يُقدِّم متعته وعاطفته في الاختيار، ولو على حساب هؤلاء الصغار، وإما أن يُقدِّم الأنفع لهن ولو على حساب عاطفته، فماذا يفعل؟! لقد اختار جابرٌ أن يغالب عاطفته، ليُقدِّم المنفعة الأكبر، والأثر الأعظم، ليشابه جابرٌ والده عبدالله، الذي ضحَّى برعاية بناته والبقاء معهنَّ، وهي عاطفة الأبوَّة الشديدة، في مقابل الخروج للجهاد والشهادة في سبيل الله يوم أحد (٢). انتزع جابرٌ نفسَه من هذه الذكريات والنزاعات التي واجهها داخليًّا في سالف وقته ليجيب رسول الله ﷺ قائلًا: يا رسول الله، إن أبي قُتِل يوم أُحُد وترك تِسْع بنات، جواري صغارًا، كُنَّ لي تسعَ أخوات، فكرهتُ أن أجمع إليهن جاريةً -أي:

стр. 43

بكرًا صغيرة- خَرْقاء مِثلَهنَّ (١)، فتزوَّجتُ امرأةً تقوم عليهن وتصلحهنَّ (٢)، تُعلّمهنَّ وتؤدِّبهنَّ (٣)، تمشطهنَّ وتقوم عليهنَّ (٤). فقال النبيُّ ﷺ له: «أصبتَ (٥)، بارك الله لك» (٦). فيا لسعادة جابر، لا لتغلُّبه على شهوته وحظِّ نفسه وإيثار الآجل على العاجل فحسب؛ بل لإقرار النبي ﷺ له على فعله وتصويبه له. يقول الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث فضيلةٌ لجابر، لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهن على حظِّ نفسه. ويُوخذُ منه: أنه إذا تزاحمت مصلحتان؛ قُدِّم أهمهما، لأن النبي ﷺ صوَّب فعل جابر، ودعا له لأجل ذلك" (٧). وإذا كان هذا شأنَ فتى من الصَّحْب في الاختيار لتربية بنات صغيرات، لَسْنَ من صُلبه، ولن تقوم الزوجة بالحمل والرضاع، وإنما ستتعاهد التربية والقيام بما يصلحهن؛ فلنا أن نتصور كيف سيكون أحدهم حريصًا أشدَّ الحرص على اختيار من ستحمل النُطفة في رحمها،

стр. 44

وتتحمَّل مشاقَّ حملها، ووضعها، قبل رضاعها وتربيتها. لم تتوقف العناية المبكِّرة عند حد الاختيار فحسب؛ بل إنها تمتد لفترة البناء والحمل، إلى ما قبل الوضع، وخروج الولد إلى سعة الحياة بعد ضيق الرحم. ومن أهم الوسائل التي استُخدِمت في ذلك: الدعاء بالبركة والصلاح لهم، قبل مجيئهم، كما وقع من: علي بن أبي طالب ﵁ -: تقول سُرِّية (١) لعبدالله بن جعفر: دعاني عليٌّ وأنا حُبلى، فمسح بطني، وقال: «اللهم اجعله ذكرًا ميمونًا مباركًا، صالحًا تقيًّا». قالت: فولدتُ غلامًا (٢).

стр. 45

وفعل عليٍّ ﵁ هذا مستَمدٌّ من فعل الأنبياء قبله، الذين كانوا يدعون بالذرية الصالحة قبل خروجها؛ كدعاء نبي الله إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١). ودعاء نبي الله زكريا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٢). ودعائه: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (٣). فتضمَّنت أدعية هؤلاء الأنبياء: طلب الذَّكر، وأن يكون تقيًّا صالحًا. وذكر الله في شأن صفات عباد الرحمن أنهم يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ما تقرّ به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك؛ فقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤).

стр. 46

يقول عبدالله بن عباس ﵁ في تأويل هذه الآية: "قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يعنون: من يعمل لك بالطاعة؛ فتقرّ بهم أعيننا في الدنيا والآخرة" (١). خُلاصة ما ذُكر: ظهر اهتمام الصحّب والآل بالأولاد قبل خروجهم إلى هذه الحياة في تحسُّسهم لاختيار أزواجهم، وأمهات أولادهم، وكذا في الرغبة إلى الله بأن يهبهم ما تقرُّ به أعينهم.

стр. 47

الفصل الأول التربية العَقَديَّة

стр. 48

قَبَسٌ نَبَويّ أَخَذَ غَرْسُ العقيدة الإسلامية في نفوس الصحابة، وتصفيتها من أدران الشرك ورواسب الجاهلية؛ حيِّزًا كبيرًا في الخطاب القرآني والنبوي، وهذا أمرٌ مفهوم، إذ هي أسُّ الدين وقوامه، والدعامة الكبرى لبنائه، كما أنَّ لها فاعليتها وقوتها الإيجابية على الفرد، وتأثيرها الفعَّال في المجتمع، وفي المقابل: فإن "الانحراف في العقيدة لا تقف آثاره عند حدود العقيدة، بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها. فالعقيدة هي المحرِّك الأول للحياة، سواء ظهرتْ، أو كمنت" (١). لكن الذي يسترعي الانتباه في هذا السياق: هو الاهتمام النبوي بغرس العقيدة في نفوس الصغار، وتنشئتهم عليها، وبيان دور الوالدين فيها! ففي معرض الكلام عن أثر الوالدين في إفساد عقيدة الطفل السويَّة؛ يقول ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودَّانه، أو ينصَّرانه، أو يمجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمةُ (٢) بهيمة جَمْعاء (٣)، هل

стр. 49

تُحِسُّون فيها من جَدْعَاء (١)؟» (٢). ومن هذا الباب: نرى تأكيد الله على اختيار ذات الدين، حتى لو كانت أَمَة؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٣). فالمؤمنة مع ما بها من ذلِّ الرقِّ، خيرٌ من المشركة مع ما لها من شرف الحرية، ورفعة الشأن (٤). ثم نجد النبي ﷺ بنفسه وفي سيرته يحرص على غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الصغار منذ نشأتهم وبدء نطقهم وفهمهم، بداية من توحيد الله ، وإفراده بالسؤال والطلب والاستعانة، إلى تعظيم النبي ﷺ وقَدْره وأوامره في النفوس. ففي جانب توحيد الله وحبه ومراقبته والاستعانة به: كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب؛ علَّمَهُ النبيُّ ﷺ هذه الآية سبعًا: ﴿الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريكٌ في الملك ولم يكن

стр. 50

له وليٌّ من الذل وكبِّره تكبيرا﴾ (١). ويُعلِّم ابن عمِّه الفتى الصغير ابن عبَّاس إفراد الله وحده بالسؤال والاستعانة، وأن النفع والضرَّ بيده وحده، وأن كل شيء سيتعرض له في حياته قد قُدِّر عند الله ؛ فيقول له: «يا غلام! إني أعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصُحُف» (٢). وفي جانب محبة النبي ﷺ وتعظيمه: كان تعامله معهم -كبارًا وصغارًا- ورأفته بهم، وشفقته عليهم؛

стр. 51

كفيلًا بأن تهواه الأفئدة، وتنقاد إليه القلوب، ويقدِّم مَنْ حوله طاعته على طاعة أقرب الناس إليهم؛ وهذا بخلاف آيات القرآن التي كانت تحضُّهم على محبته، والتسليم لحكمه، واتباع هديه. ومع ذا: فكان يعلمهم هو بنفسه ثمرة محبته، وأنها من دلائل كمال الإيمان (١)، وأن صاحبها يبلغ بهذه المحبة مبلغًا عظيمًا في الآخرة، ويَسمعُ هذا الصبيان فيفرحون به. هذا أنس بن مالك، الغلام الصغير الذي خدم النبي ﷺ عشر سنين (٢)، يشهد أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فسأله قائلًا: متى الساعة؟ قال ﷺ : «وماذا أعددتَ لها»؟ قال: لا شيء، إلا أني أحبُّ الله ورسوله ﷺ . فقال: «أنت مع من أحببتَ». قال أنس: فما فرحنا بشيء، فَرَحَنا بقول النبي ﷺ : «أنت مع من أحببتَ». قال أنس: فأنا أحبُّ النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم (٣).

стр. 52

على هذين الأصلين، وما يتفرَّع عنهما: دَرَجَ الصحب والآل على تربية صغارهم، بالفعل والقول، وفيما يلي -إن شاء الله- نستعرض صورًا من هذه النماذج التطبيقية التي وصلت إلينا من سيرهم وأخبارهم.

стр. 53

التربية العَقَدية في تراث الآل والأصحاب لجانب العقيدة أهمية كبيرة في شأن التربية الأخلاقية إجمالًا، وقد أكَّدت على هذا الدراسات الغربية المعاصرة، ففي تقرير لجنة المؤتمر الانجليزي للتحقيق الدولي في التربية الأدبية، والذي عُقِد في انجلترا سنة ١٩٠٨ م، واشترك فيه آنذاك أكثر من سبعمائة من مشاهير العلماء والفلاسفة ورجال الأدب والسياسة، وذلك للبحث عن الوازع الأساسي الذي يجب الرجوع إليه دائمًا في مجال التربية الأخلاقية بصفة عامة؛ كانت المفاجأة: إذ أجمع أعضاء المؤتمر على أنه لا يمكن الإحاطة بمواضيع التربية الأخلاقية، دون الرجوع إلى: الأساس الاعتقادي (١). وإذا كان هذا الأساس مُهمًّا في مجال التربية الأخلاقية عامَّة؛ فهو في مجال التربية الأخلاقية الإسلامية أهم، ذلك لأنه إلى جانب غيره من الأسس النفسية، والاجتماعية، يتضمَّن بناءً متكاملًا شاملًا للتربية الأخلاقية للإنسان عامَّة، وللصغار خاصَّة، ولهذا كان المحتوى العقدي الميسَّر هو أول ما ينبغي أن يُقدَّم للصغير في أوائل تعلُّمه.

стр. 54

يقول أبو حامد الغزالي: "اعلم أنَّ ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يُقدَّم إلى الصبي في أول نشوئه، ليحفظه حفظًا، ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئًا فشيئًا، فابتداؤه الحفظ، ثم الفهم، ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان" (١). وعلى هذا المعنى يؤكِّد ابن القيِّم بقوله: "فإذا كان وقت نطقهم؛ فليُلقَّنوا: لا إله إلا الله، محمَّدٌ رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم: معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا. وكان بنو إسرائيل كثيرًا ما يُسمُّون أولادهم بـ: (عمانويل) ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا، ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله: عبدالله وعبدالرحمن (٢)، بحيث إذا وعى الطفل وعقل علم أنه عبدالله وأن الله هو سيده ومولاه" (٣). هذه النصوص التي بين أيدينا تؤكِّد على أهمية غرس العقيدة في نفوس الصغار، وألَّا يُستهان بهذا الأمر بدعوى صغر السن، وهذا ما ستصقله هذه النماذج العملية المنقولة عن الصحب والآل في تعاملهم وتربيتهم للصغار.

стр. 55

وأول ما يُطالعنا في هذا الباب: - حرصهم على بقاء الطفل على فطرة الإسلام، ومنع العبث بهذه العقيدة: في خلافة عمر بن الخطَّاب ﵁: كان لا يدعُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا يُنصِّر ولده، ولا يُهوِّده في ملك العرب (١). لم يكن عمر ليمنع الآباء والأمهات من حرية تربية أبنائهم على ما يعتقدونه ويدينون به، لكن ليكن ذلك في خارج حدود بلاد المسلمين، أما وَهُمْ في ظلال خلافة إسلامية: فقد كان عمر يرى أن من حقهم على المسلمين أن يُحافظوا على فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فإذا ما شبَّ الغلام وبلغ وعقل لا يكون لأحدٍ تأثيرٌ عليه في تلويث فطرته. ولربما صالح عمرُ أهليهم وترك لهم شيئًا مما فُرض عليهم لتطيب أنفسهم بذلك، فقد قدم عليه رجلٌ من تغلب، فقال له عمر: «إنه قد كان لكم نصيب في الجاهلية فخذوا نصيبكم من الإسلام»، فصالحه على أن أضعف عليهم الجزية، ولا ينصِّروا الأبناء (٢).

стр. 56

- حرصهم على أن تكون المرضعة مسلمة: هذا مما استحبوه في تربية الأطفال، ألا ترضعه إلا امرأة مسلمة، وممن ورد عنه هذا: علي ابن عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب، فقد كان ينهى المسلم أن يُراضِع نصرانيًّا (١). وهذا الفعل مع كونه في الأصل مباحًا، إذ لم يأتِ نصٌّ بتحريمه أو منعه؛ إلا أنهم كانوا حريصين على الأطفال أن تتسرب إليهم عقيدة المرضعة في أي شيء، إضافة إلى تعليل آخر ذكره أبو جعفر الباقر. فعن غالب أبي الهذيل , عن أبي جعفر أنه كره أن ترضع اليهودية والنصرانية الصبي، وقال: "إنها تشرب الخمر" (٢). وهذا الاستحباب لإسلام المرضعة: مقرَّرٌ أيضًا عند الإمامية، ففي «الشرائع»: "ويُستحبُّ أن يختار للرضاع: العاقلة، المسلمة، العفيفة،

стр. 57

الوضيئة، ولا تُسترضع الكافرة، ومع الاضطرار: يسترضع الذمية، ويمنعها من شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير" (١). - تلقينهم الصغار كلمة التوحيد في أول نطقهم: غالبًا ما تكون الفواتيح عناوين الخواتيم كما يقولون، لذا كان الصحب والآل يحبون أن يكون مستهل النطق عند صغارهم إذا أفصحوا: كلمة التوحيد، وقد تقدَّم أن مثل هذا مسطورٌ أيضًا في سيرته ﷺ مع الصغار. ومما ورد عن الصحب والآل في ذلك: قول إبراهيم التيمي: "كانوا يستحبون أول ما يفصح أن يعلموه: لا إله إلا الله، سبع مرات، فيكون ذلك أول ما يتكلم به" (٢). وكذا نقل جعفر الصادق، عن أبيه أبي جعفر الباقر؛ أنه قال: كان علي بن حسين (٣) يعلم ولده يقول: "قولوا: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت" (٤).

стр. 58

- دفْع الاعتقادات الخاطئة من قلوبهم، ونهيهم عن أفعال الشرك: لا شكَّ أن الولد قطعة من والديه، وحال إصابته بمكروه يودَّان دفعه عنه بأي وسيلة تُتاح، بل قد يجرهما هذا الفزع لأجله إلى خارج حدود المباحات؛ فيتقحَّم بهما المخاطر، ويوردهما المهالك، ويقتحم بهما دائرة المحرمات! وعندها يتدخل أولوا النهى والأحلام لرد الوالدين لرشدهما، وتعليم الأولاد من الصغر؛ أن العقيدة لا ينبغي أن تكون في ذيل الأولويات، بل هي على قُبَّتها، مهما كانت العواقب. فهذا بُكير بن الحارث، يُحدِّث عمرو بن الحارث ذات يومٍ، أن أمَّه -أي: أم بكير- حدثته: أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة، وكان يُداوى من قرحة (١) تكون بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه رأت في رجليه خلخالي حديد (٢) فقالت عائشة: «أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئا كتبه الله عليه؟! لو رأيتها ما تداوى عندي، وما مسَّ عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين» (٣).

стр. 59

- ترسيخ محبة رسول الله ﷺ في قلوبهم، وتعظيمه وتوقيره في نفوسهم: لما علم الصحب والآل أن محبة رسول الله ﷺ أصلُ إيماني، وواجب شرعي، بدليل قوله ﵊: «لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١)؛ حرصوا أشد الحرص على تعليم صغارهم هذا الأصل العظيم، وغرسه في نفوسهم منذ صغرهم، وقد سلكوا في هذا مسالك متعددة؛ منها: ١ - تعليم سيرته ﷺ العطرة: وكان هذا شديد الظهور مع الجيل الذي أتى بعد وفاته ﷺ ، أو قلَّ معاصرته له، فكانوا يعلمونهم سيرته ومغازيه كما يعلمونهم آيات القرآن. هذا أحد نجوم آل البيت، وهو: زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: «كنا نُعلَّم مغازي النبي ﷺ وسراياه كما نُعلَّم السورة من القرآن» (٢).

стр. 60

وهذا سليل بيت صحبة وشرف، وجدُّه من السابقين، وأحد العشرة المبشرين، إنه: إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، يقول: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ ، ويعدها علينا، وسراياه، ويقول: يا بني! هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها» (١). ولربما حدثوهم بما فعل آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم في غزواتهم مع رسول الله ﷺ ، وما بذلوه من تضحيات وبطولات لفدائه ونصرته، كما يقول غيلان بن جرير: كنا ندخل على أنس بن مالك ﵁، فيحدثنا بمناقب الأنصار، ومشاهدهم، ويقبل عليَّ، أو على رجل من الأزد (٢)، فيقول: «فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا» (٣). ولذلك قال السمعاني: "واعلم أن فرض التعليم الذى على الآباء للأولاد وذلك إذا بلغ الولد ستة فينبغى الأب أن يذكره أن الله خالقه ومعبوده، وأن محمدا ﷺ نبيه ورسوله، وأنه على دين الإسلام، وأنه لا نبى بعد نبينا محمد ﷺ ، وأنه بُعث بمكة ودُفن بالمدينة" (٤).

стр. 61

٢ - إحضارهم عند النبي ﷺ لمبايعته: وهذه كان يفعلها الصحابة ﵃ مع صغارهم الذين عاصروا النبي ﷺ ، ومن هؤلاء: الزبير بن العوام ﵁، فإنه أمر ولده عبدالله، أن يذهب ليبايع رسول الله ﷺ ، وهو لا يزال صغيرًا. تقول زوجه أسماء بنت أبي بكر: هاجرتُ وأنا حبلى بعبدالله بن الزبير، فقدمت قباء، فنفست بعبدالله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه، «فأخذه رسول الله ﷺ مني، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم بصقها في فيه، فإن أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ . ثم مسحه وصلى عليه وسمَّاه عبدالله. ثم جاء، وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع رسول الله ﷺ ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلًا إليه، ثم بايعه» (١). وممن رُوي أنهم بايعوا النبي ﷺ صغارًا أيضًا: الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس (٢). وبيعة هؤلاء الصغار جميعًا -كما يقول العلماء- بيعة تبريك وتشريف، لا بيعة تكليف، فإنهم كانوا دون سنِّ التكليف (٣).

стр. 62

٣ - تطييبهم بآثار النبي ﷺ رجاء لبركته: هذا طفلٌ من أبناء الصحابة، تُطيِّبُه أمُّه، فيشم رائحة عطرة، ويجد لهذا الطِيب بركة على جسده ونفسه، بل يراه مختلفًا عن سائر الطِّيب، فيسأل عن سبب ذلك؛ فإذا بالسرِّ عند أم سُليم الأنصارية: يقول ابنها أنس بن مالك: كان النبي ﷺ يدخل بيت أمِّ سليم فينام على فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتِيتْ فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك، على فراشك، قال فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها (١) فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال: «ما تصنعين يا أم سليم؟» فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا. قال: «أصبتِ» (٢). ٤ - تعظيم قدر النبي ﷺ في نفوسهم، فلا يُسمَح لأحد بالمساس بجنابه الشريف: رأى الصغارُ آباءاهم وسمعوا عن أجدادهم وهم يبذلون أرواحهم

стр. 63

وأنفسهم فداءً لنبيهم، فعلموا بذلك علوَّ قدره، وسُموَّ منزلته، فلم تكن أنفسهم لتسمح لأحد بعد ذلك بأن يقع فيه، فإذا ما سوَّلت لأحد نفسُه مِثلَ هذا السوء من الفعل؛ فوجئ بغضب هائج، وإعصار هادر؛ لا يتوقَّف حتى يثأر لصاحب الجناب الشريف. ومن ذلك: أن غلمانًا من أهل البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة، وأسقف البحرين قاعد، فوقعت الأكرة على صدره، فأخذها، فجعلوا يطلبونها منه فأبى، فقال غلام منهم: سألتك بحق محمد ﷺ إلا رددتها علينا، فأبى، وسبَّ رسول الله ﷺ ! فأقبلوا عليه بصوالجهم، فما زالوا يخبطوا حتى مات. فرفع ذلك إلى عمر ﵁، فوالله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف، وقال: «الآن عزَّ الإسلام، إن أطفالا صغارا شُتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا». وأهدر دم الأسقف (١). ٥ - تعظيم أمر النبي ﷺ ونهيه في نفوسهم، حتى لو كان على غير هواهم: الصغير لا يميز بين الحلال والحرام، وشهوته وميله لفعل شيء يحبه لا ضابط له عنده، لكن المربي يزرع في نفسه منذ الصغر توقير النبي ﷺ وتعظيم أمره ونهيه، بربط ذلك بأفعاله وميوله، حتى يشب

стр. 64

على الامتثال لما يأتيه لاحقًا بعد ذلك من أوامر، وإن خالفت هواه. أتى عبدالله بن عمر لزيارة يحيى بن سعيد بن العاص يومًا، فدخل عليه وغلام من بنيه رابط دجاجة يرميها، فمشى ابن عمر إلى الدجاجة فحلَّها، ثم أقبل بها وبالغلام، وقال ليحيى: ازجروا غلامكم هذا عن أن يصبر هذا الطير على القتل، فإني سمعت رسول الله ﷺ : «ينهى أن تُصبَر بهيمة أو غيرها لقتل، وإن أردتم ذبحها فاذبحوها» (١). ومرَّ ذات يوم بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: «من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضا» (٢). لن تفارق كلمات ابن عمر، وفعله، وحالته من التأثر والغضب ذهن غلام يحيى بن سعيد، ولا أذهان فتية قريش، بل ستنطبع في ذاكرتهم، وتُحفر في عقولهم، لتشكل مسارًا قادمًا في حياتهم للتعامل مع الأوامر والنواهي النبوية. فإذا ما أراد أحدٌ أن يعترض على الأمر النبوي بعقله دون تقدير له؛ جاءه الرد من مُربِّيه ووليه عنيفًا، والتوبيخ شديدًا، لا سيما إن كان كبيرًا عاقلًا.

стр. 65

هذا ابن عمر أيضًا يحدِّث أمام أولاده ذات يوم بحديث رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل» فقال ابن له: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دَغَلًا (١). عندها ضربه ابن عمر في صدره، وزبره (٢)، وقال: " أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: لا ندعهن (٣)! نعم، قد يكون ابن عبدالله بن عمر بالغًا عاقلًا، لكن أسلوب التربية هنا هو الذي يعنينا، وأنه إذا صدر هذا التعديل التقويم في حق البالغ؛ فهو في حق من دونه أولى وأهم. ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "أُخِذ من إنكار عبدالله على ولده: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران" (٤).

стр. 66

الفصل الثاني التربية التعبُّدية

стр. 67

قَبَسٌ نَبَويّ يُعدُّ بناءُ العبادة مكمِّلًا لبناء العقيدة، فالأولى تغذي الثانية بروحها، بل: "لابُدَّ لكي يظل غرس العقيدة قويًّا في النفس، من أن يُسقَى بماء العبادة، بمختلف صورها وأشكالها، وبذلك تنمو العقيدة في الفؤاد، وتترعرع، وتثبت أمام عواصف الحياة وزعازعها" (١). فالعبادة هي المنعكس الذي يعكس صورة العقيدة ويُجسِّمها، والطفل عندما يتوجه لنداء ربه، ويستجيب لأوامره؛ فإنما يلبي غريزة فطرية في نفسه، فيشبعها ويرويها. وتكوين العادة في الصغر أيسر بكثير من تكوينها في الكبر، ذلك أن الجهاز العصبي الغض للطفل أكثر قابلية للتشكيل، وأيسر حفرًا على مسطحه. أما في الكبر: ففضلًا عن اشتغال الجهاز العصبي بكثير من المشاغل، ووجود مئات أو ألوف من القنوات المتشابكة على سطحه، التي لا تترك من ازدحامها مجالًا كبيرًا للإضافة؛ فإن الجهاز العصبي ذاته يفقد مع الكبر كثيرًا من مرونته الأولى، فيصبح الحفر عليه أشق!

стр. 68

ومن أجل هذه السهولة في تكوين العادة في الصغر يأمر الرسول ﷺ بتعويد الأطفال على الصلاة قبل موعد التكليف بها بزمن كبير، حتى إذا جاء وقت التكليف كانت قد أصبحت عادة بالفعل، ولم تكن في حاجة إلى إنشائها ابتداء بما يستلزمه ذلك من جهد (١). يقول الرسول ﷺ لأصحابه في وصية تربوية إيمانية هامَّة: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» (٢). فمنذ السابعة يبدأ تعويد الأطفال على الصلاة، مع أنهم لن يُكلَّفُوا بها إلا بعد سنوات قد تمتد إلى خمس أو ست، وذلك لتكون هناك فسحة طويلة لإنشاء هذه العادة وترسيخها؛ حتى إذا بلغ الطفل العاشرة، وصار على مقربة من موعد التكليف، فقد وجب أن يكون قد تعوَّدها بالفعل. فإن لم يكن قد تعوَّدها من تلقاء نفسه خلال سنوات التعويد الثلاث؛ فلا بد من إجراء حاسم يضمن إنشاء هذه العادة وترسيخها (٣). لم يكن التعليم القولي، وأسلوب الأمر والنهي، والحزم إذا اقتضى

стр. 69

الأمر؛ هو الأسلوب النبوي الوحيد في تعويد الصغار على العبادة، وإنما سنَّ النبي ﷺ أسلوبًا آخر، ينتفع به الصغير، قبل حتى أن يبلغ السبع سنين المذكورة؛ ألا وهو: التعليم بالقدوة والمثال. ها هو صبيٌّ صغيرٌ لم يبلغ، يتحيَّن فرصة لينظر إلى عبادة النبي ﷺ في ساعة خلوة، علَّه أن يتعلَّم ويستفيد ويطَّلع على ما لم يطَّلع عليه غيره ممن هم في سنِّه أو أكبر منه، وقد ساعده على الوصول إلى ما يريد: ذهاب النبي ﷺ ذات ليلة إلى بيت خالة الصبي ليبيت عندها، إذ كانت هذه الخالة إحدى أمهات المؤمنين؛ إنها: ميمونة بنت الحارث ﵂. لندع عبدالله بن عبَّاس الصغير وقتها ينقل لنا الصورة التي حُفرت في ذاكرته؛ فنقلها بعد إلى الأمة كلها، والتي لم يصدر فيها أمرٌ ونهيٌ وإنما هي القدوة والمثال فحسب: يقول ابن عباس: رقدتُ في بيت (خالتي) ميمونة ليلة كان النبي ﷺ عندها لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ بالليل، وقلتُ لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني. فلما كان في بعض الليل: قام رسول الله ﷺ فتوضَّأ من شنٍّ مُعلَّقٍ وضوءًا خفيفًا، ثم حرَّكني فقمتُ، ثم قام يصلي، فتمطيتُ كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له، فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت، فقمت عن

стр. 70

يساره، فحوَّلني، فجعلني عن يمينه، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، ثم صلَّى ما شاء الله، ثم اضطجع، فنام حتى نفخ، فأتاه المنادي يأذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلَّى ولم يتوضأ (١). لقد طلب ابنُ عبَّاسٍ التعليمَ بالمثل والقدوة، وقد أعانه النبي ﷺ على ذلك، فأيقظه، وأقامه بجواره، وجعل يؤنسه ويوقظه بفتل أذنه، وقد قيل إن المتعلم إذا تُعُوهِد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه (٢). ومن نفس الباب، باب التعليم بالقدوة والمثال، ومع نفس الصبي الصغير؛ يُريه النبي ﷺ كيف يكون تقديم الموعظة في يوم العيد للرجال، ثم للنساء إذا لم يسمعن ولم يصلهن كلام الإمام وخطبته. يقول: عبدالرحمن بن عابس: سمعتُ ابنَ عبَّاس وقال له رجل: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه، ما شهدته من الصغر، فأتى العَلَمَ الذي عند دار كثير بن الصَّلْت، ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهنَّ، وذكَّرهنَّ، وأمرهنَّ أن يتصدقن، فجعلت المرأة تُهوِي بيدها إلى حلقها، تلقي في ثوب بلال، ثم أتى هو وبلال البيت (٣).

стр. 71

وهذه الأمثلة من العبادات المذكورة؛ كالوضوء، والصلاة، والخطابة، ليس المراد بها هنا الحصر، وإنما المراد: ضرب المثل بذكر طريقة التعليم والتربية. وجميع آداب الإسلام وأوامره سائرة على ذات النهج، وإن كان الرسول ﷺ لم يحدِّد لها زمنًا معينًا كالصلاة؛ فكلها تحتاج إلى تعويدٍ مبكِّر، وكلها تحتاج بعد فترة من الوقت إلى الإلزام بها بالحسم إن لم يتعوَّدها الصغير من تلقاء نفسه (١). حسنًا! نلج الآن إلى ما نمهِّد له؛ وهو: أنه بمثل هذه الطرق والأساليب المستخدَمة في التنشئة الإيمانية، تعامل الصحب والآل مع صغارهم، في مختلف أشكال العبادة؛ كالصلاة، والصيام، والحج، وقراءة القرآن، والدعاء، وغير ذلك، وفيما يلي -إن شاء الله- نستعرض صورًا من هذه النماذج التطبيقية التي وصلت إلينا من سيرهم وأخبارهم.

стр. 72

التربية التعبُّدية في تراث الآل والأصحاب تفعل العبادة لله في نفس الصغير فعلًا عجيبًا، فهي تُشعره بالاتصال بالله جلَّ وعلا، وتهدئ من ثوراته النفسية، وتلجم انفعالاته الغضبية، فتجعله سويًا مستقيمًا، إذ كثافة الشهوات ضعيفة في تلك الفترة، مما يجعل روحه تتجاوب أكثر فأكثر بمناجاة الله، ويأخذ الخشوع المساحة الكبرى من جسده، وهو يرتل آية أو يسمعها، أو هو واقف في الصلاة أو ساجد فيها، وهو يسمع أذان الإفطار ليبدأ الطعام والشراب، بعد أن صام يومه، وهناك أسرار كثيرة للعبادة لا تُعدُّ ولا تُحصى، تؤثِّر في الطفل مما يزيد في قوته ونشاطه. وبذلك تفضل التربية الإسلامية عن أي تربية كانت (١). وليس ثمَّ خلافٌ على أنَّ الطفولة والصغر ليست مرحلةَ تكليف، وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد؛ للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ، ليسهل على المسلم أداء الواجبات والفرائض، وليكون على أتم الاستعداد لخوض غمار الحياة بكل ثقة وانطلاق. كما قال أبو العلاء المعرّي:

стр. 73

ويَنشأُ ناشئُ الفتيانِ، مِنّا ... على ما كانَ عَوّدَهُ أبُوه وما دانَ الفتى بحِجًا (١)، ولكن ... يُعَلّمُهُ التّدَيّنَ أقرَبُوه يقول البيهقي: "وهذا شعار الصالحين ومن سلف من المسلمين، يعودون صبيانهم الصوم والصلاة والخير، حتى يتعوَّدوا ذلك" (٢). وقال المهلَّب: "فى هذا الباب وضوء الصبيان وصلاتهم، وشهودهم الجماعات فى النوافل والفرائض، وتدريبهم عليها قبل وجوبها عليهم؛ ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها" (٣). وإلى هذا المعنى أشار عبدالله بن مسعود في نصيحته الثمينة للآباء والمربين: «حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة» (٤).

стр. 74

فتعويد الأطفال على العبادة من الصغر، وتدريبهم عليها؛ طريقٌ مجرَّب منصوحٌ به من الصحب والسلف. بل فوق ذلك: كان عمر بن الخطاب ﵁ يرى أن الصغير الذي لم يجرِ عليه القلم تُكتَبُ حسناته، ولا تُكتب عليه سيئاته (١). وهذا دافعٌ آخر للآباء والمربين للإقدام على تعويد الصغير على العبادة وممارستها قبل البلوغ. وسيرًا من الصحب والآل الكرام، على منهاج خير الأنام، ﵊، فقد عنوا بتنشئة صغارهم على العبادة، تدريبًا وتعليمًا، أمرًا ونهيًا، إشهادًا وتلقينًا، كما يتضح من هذه النماذج التي بين أيدينا في أصناف العبادة المختلفة؛ ومنها: - الوضوء: مع أن تعليمه لم يُنصَّ عليه بصيغة الأمر كما وقع في شأن الصلاة؛ إلا أنه مما يُفهم بداهة، لكونها لا تُقبل إلا به، ما لم يكن ثمَّ عذرٌ بتركه. وقد سلك الصحب والآل في تعليمه صغارهم كلا الطريقين: النظري، والعملي.

стр. 75

فأما التعليم العملي عن طريق القدوة والمثال: فها هي إحدى الصحابيات صفية بنت أبي عُبيد ﵂، تتوضأ أمام غلام صغير، فيحفظ وضوءها، ليحدِّث به بعد ذلك إمامًا كمالك في زمانه. يقول نافع مولى ابن عمر: رأيت صفية بنت أبي عبيد توضأت وأنا غلام «فإذا أرادت أن تمسح رأسها سلخت الخمار» (١). ومن آل بيته ﷺ : يُحدثنا أبو جعفر الباقر، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، أن أباه الحسين بن علي قال له: دعاني أبي علي بوضوء، فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائمًا، فقال: «ناولني». فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، فشرب من فضل وضوئه قائمًا. فعجبتُ، فلما رآني قال: «لا تعجب؛ فإني رأيت أباك النبي ﷺ يصنع مثل ما رأيتني صنعت، يقول لوضوئه هذا، وشرب فضل وضوئه قائمًا» (٢).
следующие страницы →