Полный текст (855 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى
أما بعد فَهَذِهِ فُصُول جليلة الْمِقْدَار ينْتَفع بهَا الْمطَالع فِي كتب الحَدِيث وَكتب السّير وَالْأَخْبَار وأكثرها مَنْقُول من كتب أصُول الْفِقْه وأصول الحَدِيث
الْفَصْل الأول
عنوان
فِي بَيَان معنى الحَدِيث
الحَدِيث أَقْوَال النَّبِي ﷺ وأفعاله وَيدخل فِي أَفعاله تَقْرِيره وَهُوَ عدم إِنْكَاره لأمر رَآهُ أَو بلغه عَمَّن يكون منقادا للشَّرْع وَأما مَا يتَعَلَّق بِهِ ﵊ من الْأَحْوَال فَإِن كَانَت اختيارية فَهِيَ دَاخِلَة فِي الْأَفْعَال وَإِن كَانَت غير اختيارية كالحلية لم تدخل فِيهِ إِذْ لَا يتَعَلَّق بهَا حكم يتَعَلَّق بِنَا وَهَذَا التَّعْرِيف هُوَ الْمَشْهُور عِنْد عُلَمَاء أصُول الْفِقْه وَهُوَ الْمُوَافق لفنهم
وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى إِدْخَال كل مَا يُضَاف إِلَى النَّبِي ﵊ فِي الحَدِيث فَقَالَ فِي تَعْرِيفه علم الحَدِيث أَقْوَال النَّبِي ﵊ وأفعاله وأحواله وَهَذَا التَّعْرِيف هُوَ الْمَشْهُور عِنْد عُلَمَاء الحَدِيث وَهُوَ الْمُوَافق لفنهم فَيدْخل فِي ذَلِك أَكثر مَا يذكر فِي كتب السِّيرَة كوقت ميلاده ﵊ ومكانه وَنَحْو ذَلِك
стр. 2
وَقد رَأَيْت أَن أذكر هُنَا فَائِدَة تَنْفَع الْمطَالع فِي كثير من الْمَوَاضِع وَهِي أَن مثل هَذَا يعد من قبيل اخْتِلَاف الْعبارَات لَا اخْتِلَاف الاعتبارات وَهُوَ لَيْسَ من قبيل الِاخْتِلَاف فِي الْحَقِيقَة كَمَا يتوهمه الَّذين لَا يمعنون النّظر فَإِنَّهُم كلما رَأَوْا اخْتِلَافا فِي الْعبارَة عَن شَيْء مَا سَوَاء كَانَ فِي تَعْرِيف أَو تَقْسِيم أَو غير ذَلِك حكمُوا بِأَن هُنَاكَ اخْتِلَافا فِي الْحَقِيقَة وَإِن لم تكن تِلْكَ الْعبارَات مُخْتَلفَة فِي الْمَآل
وَقد نَشأ عَن ذَلِك أغلاط لَا تحصى سرى كثير مِنْهَا إِلَى أنَاس من الْعلمَاء الْأَعْلَام فَذكرُوا الِاخْتِلَاف فِي مَوَاضِع لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَاف اعْتِمَادًا على من سبقهمْ إِلَى نَقله وَلم يخْطر فِي بالهم أَن الَّذين عولوا عَلَيْهِم قد نقلوا الْخلاف بِنَاء على فهمهم وَلم ينتبهوا إِلَى وهمهم وَكَثِيرًا مَا انتبهوا إِلَى ذَلِك بعد حِين فنبهوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ عِنْد وقوفهم على الْعبارَات الَّتِي بنى الِاخْتِلَاف عَلَيْهَا النَّاقِل الأول وَقد حمل هَذَا الْأَمر كثرا مِنْهُم إِلَى فرط الحذر حِين النَّقْل
وَقد أَشَارَ إِلَى نَحْو مَا ذكرنَا الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية فِي رسَالَته فِي قَوَاعِد التَّفْسِير فَقَالَ الْخلاف بَين السّلف فِي التَّفْسِير قَلِيل وغالب مَا يَصح عَنْهُم من الْخلاف يرجع إِلَى اخْتِلَاف تنوع لَا اخْتِلَاف تضَاد وَذَلِكَ صنفان
أَحدهمَا أَن يعبر وَاحِد مِنْهُم عَن المُرَاد بِعِبَارَة غير عبارَة صَاحبه تدل عل معنى فِي الْمُسَمّى غير الْمَعْنى الآخر مَعَ اتِّحَاد الْمُسَمّى كتفسير بَعضهم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بِالْقُرْآنِ أَي اتِّبَاعه وَتَفْسِير بَعضهم لَهُ بِالْإِسْلَامِ فالقولان متفقان لِأَن دين الْإِسْلَام هُوَ اتِّبَاع الْقُرْآن لَكِن كل مِنْهُمَا نبه على وصف غير وصف الآخر كَمَا أَن لفظ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم يشْعر بِوَصْف ثَالِث
стр. 3
وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ هُوَ السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَول من قَالَ هُوَ طَرِيق الْعُبُودِيَّة وَقَول من قَالَ هُوَ طَاعَة الله وَرَسُوله وأمثال ذَلِك فَهَؤُلَاءِ كلهم أشاروا إِلَى ذَات وَاحِدَة وَلَكِن وصفهَا كل مِنْهُم بِصفة من صفاتها
الثَّانِي أَن يذكر كل مِنْهُم من الِاسْم الْعَام بعض أَنْوَاعه على سَبِيل التَّمْثِيل وتنبيه المستمع على النَّوْع لَا على سَبِيل الْحَد المطابق للمحدود فِي عُمُومه وخصوصه مِثَاله مَا نقل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا﴾ الْآيَة فمعلوم أَن الظَّالِم لنَفسِهِ يتَنَاوَل المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات والمقتصد يتَنَاوَل فَاعل الْوَاجِبَات وتارك الْمُحرمَات وَالسَّابِق يدْخل فِيهِ من سبق فتقرب بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَات فالمقتصدون أَصْحَاب الْيَمين وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون
ثمَّ إِن كلا مِنْهُم يذكر فِي هَذَا نوعا من أَنْوَاع الطَّاعَات كَقَوْل الْقَائِل السَّابِق الَّذِي يُصَلِّي فِي أول الْوَقْت والمقتصد الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ والظالم لنَفسِهِ الَّذِي يُؤَخر الْعَصْر إِلَى الاصفرار أَو يَقُول السَّابِق المحسن بِالصَّدَقَةِ مَعَ الزَّكَاة والمقتصد الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة فَقَط والظالم مَانع الزَّكَاة
ثمَّ قَالَ وَمن أَقْوَال الْمَأْخُوذَة عَنْهُم ويجعلها بعض النَّاس اخْتِلَافا أَن يعبروا عَن الْمعَانِي بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة كَمَا إِذا فسر بَعضهم ﴿تبسل﴾ بتحبس وَبَعْضهمْ بترتهن لِأَن كلا مِنْهُمَا قريب من الآخر اهـ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء فِي كتاب ألفة فِي أصُول التَّفْسِير قد يحْكى عَن التَّابِعين عِبَارَات مُخْتَلفَة الْأَلْفَاظ فيظن من لَا فهم عِنْده أَن ذَلِك اخْتِلَاف مُحَقّق فيحكيه
стр. 4
أقوالا وَلَيْسَ كَذَلِك بل يكون كل وَاحِد مِنْهُم ذكر معنى من مَعَاني الْآيَة لكَونه أظهر عِنْده أَو أليق بِحَال السَّائِل وَقد يكون بَعضهم يخبر عَن الشَّيْء بلازمه وَنَظِيره وَالْآخر بثمرته ومقصوده وَالْكل يؤول إِلَى معنى وَاحِد غَالِبا اهـ
ولنرجع إِلَى الْمَقْصُود فَنَقُول قد عرفت أَن الحَدِيث مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﵊ فَيخْتَص بالمرفوع عِنْد الْإِطْلَاق وَلَا يُرَاد بِهِ الْمَوْقُوف إِلَّا بقرينه
وَأما الْخَبَر فَإِنَّهُ أَعم لِأَنَّهُ يُطلق على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف فَيشْمَل مَا أضيف إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَلِيهِ يُسمى كل حَدِيث خَبرا وَلَا يُسمى كل خبر حَدِيثا
وَقد أطلق بعض الْعلمَاء الحَدِيث على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف فَيكون مرادفا للْخَبَر وَقد خص بَعضهم الحَدِيث بِمَا جَاءَ عَن النَّبِي ﵊ وَالْخَبَر بِمَا جَاءَ عَن غَيره فَيكون مباينا للْخَبَر
وَأما الْأَثر فَإِنَّهُ مرادف للْخَبَر فيطلق على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف وفقهاء خُرَاسَان يسمون الْمَوْقُوف بالأثر وَالْمَرْفُوع بالْخبر
وَأما السّنة فَتطلق فِي الْأَكْثَر على مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﵊ من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير فَهِيَ مرادفة للْحَدِيث عِنْد عُلَمَاء الْأُصُول وَهِي أَعم مِنْهُ عِنْد من خص الحَدِيث بِمَا أضيف إِلَى النَّبِي ﵊ من قَول فَقَط وعَلى ذَلِك يحمل قَوْلهم اخْتلف فِي جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَيَنْبَغِي للطَّالِب أَن يعرف اخْتِلَاف الْعرف هُنَا ليأمن الزلل
وَبِمَا ذكرنَا من أَن بعض الْمُحدثين قد يُطلق الحَدِيث على الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف يَزُول الْإِشْكَال الَّذِي يعرض لكثير من النَّاس عِنْدَمَا يحْكى لَهُم أَن فلَانا كَانَ يحفظ سبع مئة ألف حَدِيث صَحِيح فَإِنَّهُم مَعَ استبعادهم ذَلِك يَقُولُونَ أَيْن تِلْكَ الْأَحَادِيث وَلم لم تصل إِلَيْنَا وهلا نقل الْحفاظ وَلَو مِقْدَار عشرهَا وَكَيف سَاغَ لَهُم أَن يهملوا أَكثر مَا ثَبت عَنهُ ﵊ مَعَ أَن مَا اشتهروا بِهِ من فرط الْعِنَايَة
стр. 5
بِالْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَن لَا يتْركُوا مَعَ الْإِمْكَان شَيْئا مِنْهُ
ولنذكر لَك شَيْئا مِمَّا رُوِيَ فِي قدر حفظ الْحفاظ نقل عَن الْأَمَام أَحْمد أَنه صَحَّ من الحَدِيث سبع مائَة ألف وَكسر وَهَذَا الْفَتى يَعْنِي أَبَا زرْعَة قد حفظ سبع مئة ألف قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَرَادَ مَا صَحَّ من الْأَحَادِيث وأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ الْحَافِظ كَانَ أَبُو زرْعَة يحفظ سبع مئة ألف حَدِيث وَكَانَ يحفظ مئة وَأَرْبَعين ألفا فِي التَّفْسِير
وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ أحفظ مئة ألف حَدِيث صَحِيح ومئتي ألف حَدِيث غير صَحِيح
وَنقل عَن مُسلم أَنه قَالَ صنفت هَذَا الْمسند الصَّحِيح من ثَلَاث مئة ألف حَدِيث مسموع
وَمِمَّا يرفع استغرابك لما نقل عَن أبي زرْعَة من أَنه كَانَ يحفظ مئة وَأَرْبَعين ألف حَدِيث فِي التَّفْسِير أَن ﴿النَّعيم﴾ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ قد ذكر الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ عشرَة أَقْوَال كل قَول مِنْهَا يُسمى حَدِيثا فِي عرف من جعله بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وَأَن ﴿الماعون﴾ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراؤون وَيمْنَعُونَ الماعون﴾ قد ذكرُوا فِيهِ سِتَّة أَقْوَال كل قَول مِنْهَا مَا عدا السَّادِس يعد حَدِيثا كَذَلِك
стр. 6
قَالَ الْعَلامَة أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره الْمُسَمّى ب زَاد الْمسير فِي تَفْسِير سُورَة التكاثر وللمفسرين فِي المُرَاد بالنعيم عشرَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه الْأَمْن وَالصِّحَّة رَوَاهُ ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ وَتارَة يَأْتِي مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَالشعْبِيّ
وَالثَّانِي أَنه المَاء الْبَارِد رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ
وَالثَّالِث أَنه خبز الْبر وَالْمَاء العذب قَالَه أَبُو أُمَامَة
وَالرَّابِع أَنه ملاذ الْمَأْكُول والمشروب قَالَه جَابر بن عبد الله
وَالْخَامِس أَنه صِحَة الْأَبدَان والأسماع والأبصار قَالَه ابْن عَبَّاس وَقَالَ قَتَادَة هُوَ الْعَافِيَة
وَالسَّادِس أَنه الْغَدَاء وَالْعشَاء قَالَه الْحسن
وَالسَّابِع الصِّحَّة والفراغ قَالَه عِكْرِمَة
وَالثَّامِن كل شَيْء من لَذَّة الدُّنْيَا قَالَه مُجَاهِد
وَالتَّاسِع أَنه إنعام الله على الْخلق بإرسال مُحَمَّد ﷺ قَالَه الْقرظِيّ
والعاشر أَنه صنوف النعم قَالَه مقَاتل
وَالصَّحِيح أَنه عَام فِي كل نعيم وعام فِي جَمِيع الْخلق فالكافر يسْأَل توبيخا إِذْ لم يشْكر الْمُنعم وَلم يوحده وَالْمُؤمن يسْأَل عَن شكر النعم
стр. 7
وَقَالَ فِي تَفْسِير سُورَة الدّين وَفِي ﴿الماعون﴾ سِتَّة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه الإبرة وَالْمَاء وَالنَّار والفأس وَمَا يكون فِي الْبَيْت من هَذَا النَّحْو رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ وَإِلَى نَحْو هَذَا ذهب ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة وروى عَنهُ أَبُو صَالح أَنه قَالَ الماعون الْمَعْرُوف كُله حَتَّى ذكر الْقدر والقصعة والفأس وَقَالَ عِكْرِمَة لَيْسَ الويل لمن منع هَذَا وَإِنَّمَا الويل لمن جمعهن فراءى فِي صلَاته وسها عَنْهَا وَمنع هَذَا قَالَ الزّجاج والماعون فِي الْجَاهِلِيَّة كل مَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَة كالفأس وَالْقدر والدلو والقداحة وَنَحْو ذَلِك وَفِي الْإِسْلَام أَيْضا
وَالثَّانِي أَنه الزَّكَاة قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَالْحسن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة
وَالثَّالِث أَنه الطَّاعَة قَالَه ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة
وَالرَّابِع المَال قَالَه سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ
وَالْخَامِس الْمَعْرُوف قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب
وَالسَّادِس المَاء ذكره الْفراء عَن بعض الْعَرَب اهـ
هَذَا وَقد اعْترض بعض النَّاس على المؤلفين الَّذين ينقلون فِي الْمَسْأَلَة جَمِيع الْأَقْوَال الَّتِي وقفُوا عَلَيْهَا كَمَا فعله بعض عُلَمَاء التَّفْسِير وعلماء الْأُصُول وَمن نحا نحوهم وَذَلِكَ لجهلهم باخْتلَاف أغراض المصنفين ومقاصدهم ولتوهمهم أَن طَرِيق التَّأْلِيف يجب أَن لَا يُخَالف مَا تخيلوه فِي أذهانهم
وَقد أحببنا أَن نختم هَذَا الْفَصْل بِالْجَوَابِ عَن اعتراضهم فَنَقُول
إِن تِلْكَ الْأَقْوَال إِن كَانَت مُخْتَلفَة فِي الْمَآل عرف النَّاظر الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة
стр. 8
وَفِي معرفَة الْخلاف فَائِدَة لَا تنكر وَكَثِيرًا مَا يستنبط من أمعن النّظر فِيهَا قولا آخر يُوَافق كل وَاحِد من الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة من بعض الْوُجُوه وَكَثِيرًا مَا يكون أقوى من كل وَاحِد مِنْهَا وأقوم وَقد وَقع ذَلِك فِي مسَائِل لَا تحصى فِي عُلُوم شَتَّى
وَإِن كَانَت تِلْكَ الْأَقْوَال غير مُخْتَلفَة فِي الْمَآل كَانَ من توارد الْعبارَات الْمُخْتَلفَة على الشَّيْء الْوَاحِد وَفِي ذَلِك من رسوخ الْمَسْأَلَة فِي النَّفس ووضوح أمرهَا مَا لَا يكون فِي الْعبارَة الْوَاحِدَة على أَن بعض الْعبارَات رُبمَا كَانَ فِيهَا شَيْء من الْإِبْهَام أَو الْإِيهَام فيزول ذَلِك بغَيْرهَا وَقد يكون بَعْضهَا أقرب إِلَى فهم بعض الناظرين فكثيرا مَا تعرض عبارتان متحدتا الْمَعْنى لاثْنَيْنِ تكون إِحْدَاهمَا أقرب إِلَى فهم أَحدهمَا وَالْأُخْرَى أقرب إِلَى فهم الآخر وَهَذَا مشَاهد بالعيان لَا يحْتَاج إِلَى برهَان وَمن ثمَّ ترى بعض المؤلفين قد يأْتونَ بِعِبَارَة ثمَّ إِذا بدا لَهُم أَن بعض المطالعين رُبمَا لم يفهمها أَتَوا بِعِبَارَة أُخْرَى وأشاروا إِلَى ذَلِك
وَإِذا عرفت هَذَا تبين لَك أَن مثل هَؤُلَاءِ المعترضين مثل غر جال فِي الْأَسْوَاق فَصَارَ كلما رأى شَيْئا لم يشْعر بفائدته أَو لم تدع حَاجته إِلَيْهِ عد وجوده عَبَثا وسفه رَأْي عماله والراغبين فِيهِ وَكَانَ الأجدر بِهِ أَن يقبل على مَا يعنيه ويعرض عَمَّا لَا يعنيه
وَكَأن كثيرا مِنْهُم يظنّ أَن الِاعْتِرَاض على أَي وَجه كَانَ يدل على الْعلم والنباهة مَعَ انه كثيرا مَا يدل على الْجَهْل والبلاهة وَلَا نُرِيد بِمَا ذكرنَا سد بَاب الِاعْتِرَاض على المؤلفين والمؤلفات بل صد الَّذين بتعرضون لذَلِك ببادىء الرَّأْي لَا غير وَإِلَّا فالاعتراض إِذا كَانَ معقولا لَا يُنكر بل قد يحمد عَلَيْهِ صَاحبه ويشكر
стр. 9
الْفَصْل الثَّانِي
فِي سَبَب جمع الحَدِيث فِي الصُّحُف وَمَا يُنَاسب ذَلِك
كَانَت الصَّحَابَة ﵃ لَا يَكْتُبُونَ عَن النَّبِي ﷺ غير الْقُرْآن أخرج مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تكْتبُوا عني وَمن كتب عني غير الْقُرْآن فليمحه وَحَدثُوا عني فَلَا حرج وَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
قَالَ كثير من الْعلمَاء نَهَاهُم عَن كِتَابَة الحَدِيث خشيَة اخْتِلَاطه بِالْقُرْآنِ وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَاز كِتَابَته إِذا أَمن اللّبْس وَبِذَلِك يحصل الْجمع بَين هَذَا وَبَين قَوْله ﵊ فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ ايتوني بِكِتَاب أكتب لكم كتابا لَا تضلوا بعده وَقَوله اكتبوا لأبي شاه وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث
وَلما توفّي النَّبِي ﵊ بَادر الصَّحَابَة إِلَى جمع مَا كتب فِي عَهده فِي مَوضِع وَاحِد وَسموا ذَلِك الْمُصحف واقتصروا على ذَلِك وَلم يتجاوزوه إِلَى كِتَابَة الحَدِيث وَجمعه فِي مَوضِع وَاحِد كَمَا فعلوا بِالْقُرْآنِ لَكِن صرفُوا هممهم إِلَى نشره بطرِيق الرِّوَايَة إِمَّا بِنَفس الْأَلْفَاظ الَّتِي سمعوها مِنْهُ ﵊ إِن بقيت فِي أذهانهم أَو بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا إِن غَابَتْ عَنْهُم فَإِن الْمَقْصُود بِالْحَدِيثِ هُوَ الْمَعْنى وَلَا يتَعَلَّق فِي الْغَالِب حكم بالمبنى بِخِلَاف الْقُرْآن فَإِن لألفاظه مدخلًا فِي الإعجاز فَلَا يجوز إِبْدَال لفظ مِنْهُ بِلَفْظ آخر وَلَو كَانَ مرادفا لَهُ خشيَة النسْيَان مَعَ طول الزَّمَان فَوَجَبَ أَن يُقيد بِالْكِتَابَةِ وَلَا يكْتَفى فِيهِ بِالْحِفْظِ
стр. 10
قَالَ الإِمَام الْخطابِيّ فِي كِتَابه فِي إعجاز الْقُرْآن إِنَّمَا يقوم الْكَلَام بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة لفظ حَامِل وَمعنى قَائِم بِهِ ورباط لَهما ناظم وَإِذا تَأَمَّلت الْقُرْآن وجدت هَذِه الْأُمُور مِنْهُ فِي غَايَة الشّرف والفضيلة حَتَّى لَا ترى شَيْئا من الْأَلْفَاظ أفْصح وَلَا أجزل وَلَا أعذب من أَلْفَاظه وَلَا ترى نظما أحسن تأليفا وَأَشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه
وَأما مَعَانِيه فَكل ذِي لب يشْهد لَهَا بالتقدم فِي أبوابه والترقي إِلَى أَعلَى درجاته وَقد تُوجد هَذِه الْفَضَائِل الثَّلَاث على التَّفَرُّق فِي أَنْوَاع الْكَلَام فَأَما أَن تُوجد مَجْمُوعَة فِي نوع وَاحِد مِنْهُ فَلم تُوجد إِلَّا فِي كَلَام الْعَلِيم الْقَدِير
فَخرج من هَذَا أَن الْقُرْآن إِنَّمَا صَار معجزا لِأَنَّهُ جَاءَ بأفصح الْأَلْفَاظ فِي أحسن نظم فِي التَّأْلِيف مضمنا أصح الْمعَانِي من تَوْحِيد الله تَعَالَى وتنزيه لَهُ فِي ذَاته وَصِفَاته وَدُعَاء إِلَى طَاعَته وَبَيَان لطريق عِبَادَته وَمن تَحْلِيل وَتَحْرِيم وحظر وَإِبَاحَة وَمن وعظ وتقويم وَأمر بِمَعْرُوف وَنهي عَن مُنكر وإرشاد إِلَى محَاسِن الْأَخْلَاق وزجر عَن مساويها وَاضِعا كل شَيْء مِنْهَا مَوْضِعه الَّذِي لَا يرى شَيْء أولى مِنْهُ
وَلَا يتَوَهَّم فِي صُورَة الْعقل أَمر أليق بِهِ مِنْهُ مودعا أَخْبَار الْقُرُون الْمَاضِيَة وَمَا نزل من مثلات الله بِمن مضى وعاند مِنْهُم منبئا عَن الكوائن المستقبلية فِي الْأَعْصَار الْآتِيَة من الزَّمَان جَامعا بَين الْحجَّة والمحتج لَهُ وَالدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ ليَكُون ذَلِك آكِد للُزُوم مَا دَعَا إِلَيْهِ وأنبأ عَن وجوب مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ
وَمَعْلُوم أَن الْإِتْيَان بِمثل هَذِه الْأُمُور وَالْجمع بَين أشتاتها حَتَّى تنتظم وتتسق أَمر تعجز عَنهُ قوى الْبشر وَلَا تبلغه قدرتهم فَانْقَطع الْخلق دونه وعجزوا عَن معارضته بِمثلِهِ أَو مناقضته فِي شكله اهـ
стр. 11
وَقَالَ إِمَام الْمُتَكَلِّمين على طَريقَة السّلف تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية فِي الرسَالَة الملقبة بالتسعينية وَهِي رِسَالَة تبلغ مجلدا كَبِيرا ألفها فِي الرَّد على الْمُتَكَلِّمين على طَريقَة الْخلف فِي مَسْأَلَة الْكَلَام فِي الْوَجْه الثَّالِث وَالسِّتِّينَ وَيجب أَن يعلم أصلان عظيمان
أَحدهمَا أَن الْقُرْآن لَهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَالنّظم الْعَرَبِيّ اخْتِصَاص لَا يُمكن أَن يماثله فِي ذَلِك شَيْء أصلا أَعنِي خَاصَّة فِي اللَّفْظ وخاصة فِيمَا دلّ عَلَيْهِ من الْمَعْنى وَلِهَذَا لَو فسر الْقُرْآن أَو ترْجم فالتفسير والترجمة قد يَأْتِي بِأَصْل الْمَعْنى أَو بِمَا يقرب مِنْهُ وَأما الْإِتْيَان بِلَفْظ يبين الْمَعْنى كبيان لفظ الْقُرْآن فَهَذَا غير مُمكن أصلا وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة الدّين على أَنه لَا يجوز أَن يقْرَأ بِغَيْر الْعَرَبيَّة لَا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَلَا مَعَ الْعَجز عَنْهَا لِأَن ذَلِك يُخرجهُ عَن أَن يكون هُوَ الْقُرْآن الْمنزل وَلَكِن يجوز تَرْجَمته كَمَا يجوز تَفْسِيره وَإِن لم تجز قِرَاءَته بِأَلْفَاظ التَّفْسِير وَهِي إِلَيْهِ أقرب من أَلْفَاظ التَّرْجَمَة بِأَلْفَاظ أُخْرَى
الأَصْل الثَّانِي أَنه إِذا ترْجم أَو قرئَ بالترجمة فَلهُ معنى يخْتَص بِهِ لَا يماثله فِيهِ كَلَام أصلا وَمَعْنَاهُ أَشد مباينة لسَائِر مَعَاني الْكَلَام من مباينة لَفظه ونظمه لسَائِر اللَّفْظ وَالنّظم والإعجاز فِي مَعْنَاهُ أعظم بِكَثِير كثير من الإعجاز فِي لَفظه وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ يتَنَاوَل ذَلِك كُله انْتهى
هَذَا وَلم يزل أَمر الحَدِيث فِي عصر الصَّحَابَة وَأول عصر التَّابِعين على مَا ذكرنَا وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى من قَامَ بِحَقِّهَا عمر بن عبد الْعَزِيز أَمر بِكِتَابَة
стр. 12
الحَدِيث وَكَانَت مبايعته بالخلافة فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين ووفاته لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى ومئة وعاش أَرْبَعِينَ سنة وأشهرا وَكَانَ مَوته بالسم فَإِن بني أُميَّة ظهر لَهُم أَنه إِن امتدت أَيَّامه أخرج الْأَمر من أَيْديهم وَلم يعْهَد بِهِ إِلَّا لمن يصلح لَهُ فعاجلوه
قَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْعلم وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ فاكتبه فَإِنِّي خفت دروس الْعلم وَذَهَاب الْعلمَاء
وَأَبُو بكر هَذَا كَانَ نَائِب عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الإمرة وَالْقَضَاء على الْمَدِينَة روى عَن السَّائِب بن يزِيد وَعباد بن تَمِيم وَعَمْرو بن سليم الزرقي وروى عَن خَالَته عمْرَة وَعَن خالدة ابْنة أنس وَلها صُحْبَة
قَالَ مَالك لم يكن أحد بِالْمَدِينَةِ عِنْده من علم الْقَضَاء مَا كَانَ عِنْد أبي بكر بن حزم وَكتب إِلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز أَن يكْتب لَهُ من الْعلم مَا عِنْد عمْرَة وَالقَاسِم فَكَتبهُ لَهُ وَأخذ عَنهُ معمر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَابْن أبي ذِئْب وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته فِيمَا قَالَه الْوَاقِدِيّ وَابْن سعد وَجَمَاعَة سنة عشْرين ومئة
وَأول من دون الحَدِيث بِأَمْر عمر بن عبد الْعَزِيز مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهَاب الزُّهْرِيّ الْمدنِي أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وعالم أهل الْحجاز وَالشَّام
أَخذ عَن ابْن عمر وَسَهل بن سعد وَأنس بن مَالك ومحمود بن الرّبيع وَسَعِيد بن الْمسيب وَأبي أُمَامَة بن سهل وطبقتهم من صغَار الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين
стр. 13
وَأخذ عَنهُ معمر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَابْن أبي ذِئْب وَغَيرهم ولد سنة خمسين وَتُوفِّي سنة أَربع وَعشْرين ومئة
قَالَ عبد الرَّزَّاق سَمِعت معمرا يَقُول كُنَّا نرى أَنا قد أكثرنا عَن الزُّهْرِيّ حَتَّى قتل الْوَلِيد بن يزِيد فَإِذا الدفاتر قد حملت على الدَّوَابّ من خزائنه يَقُول من علم الزُّهْرِيّ
ثمَّ شاع التدوين فِي الطَّبَقَة الَّتِي تلِي طبقَة الزُّهْرِيّ ولوقوع ذَلِك فِي كثير من الْبِلَاد وشيوعه بَين النَّاس اعتبروه الأول فَقَالُوا كَانَت الْأَحَادِيث فِي عصر الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين غير مدونة فَلَمَّا انتشرت الْعلمَاء فِي الْأَمْصَار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصَّحَابَة وفتاوى التَّابِعين
وَأول من جمع ذَلِك ابْن جريح بِمَكَّة وَابْن إِسْحَاق أَو مَالك بِالْمَدِينَةِ وَالربيع بن صبيح أَو سعيد بن أبي عرُوبَة أَو حَمَّاد بن سَلمَة بِالْبَصْرَةِ وسُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام وهشيم بواسط وَمعمر بِالْيمن وَجَرِير بن عبد الحميد بِالريِّ وَابْن الْمُبَارك بخراسان وَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي عصر وَاحِد وَلَا يدْرِي أَيهمْ سبق قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن مَا ذكر إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجمع فِي الْأَبْوَاب وَأما جمع حَدِيث إِلَى مثله فِي بَاب وَاحِد فقد سبق إِلَيْهِ الشّعبِيّ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ هَذَا بَاب من الطَّلَاق جسيم وسَاق فِيهِ أَحَادِيث اهـ
وتلا الْمَذْكُورين كثير من أهل عصرهم إِلَى أَن رأى بعض الْأَئِمَّة إِفْرَاد أَحَادِيث النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَذَلِكَ على رَأس المئتين فصنف عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي الْكُوفِي مُسْندًا وصنف مُسَدّد الْبَصْرِيّ مُسْندًا وصنف أَسد بن مُوسَى مُسْندًا وصنف نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ مُسْندًا
стр. 14
ثمَّ اقتفى الْحفاظ آثَارهم فصنف الإِمَام أَحْمد مُسْندًا وَكَذَلِكَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيرهم
وَلم يزل التَّأْلِيف فِي الحَدِيث مُتَتَابِعًا إِلَى أَن ظهر الإِمَام البُخَارِيّ وبرع فِي علم الحَدِيث وَصَارَ لَهُ فِيهِ الْمنزلَة الَّتِي لَيْسَ فَوْقهَا منزلَة فَأَرَادَ أَن يجرد الصَّحِيح ويجعله فِي كتاب على حِدة ليخلص طَالب الحَدِيث من عناء الْبَحْث وَالسُّؤَال فألف كِتَابه الْمَشْهُور وَأورد فِيهِ مَا تبين لَهُ صِحَّته
وَكَانَت الْكتب قبله ممزوجا فِيهَا الصَّحِيح بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يتَبَيَّن للنَّاظِر فِيهَا دَرَجَة الحَدِيث من الصِّحَّة إِلَّا بعد الْبَحْث عَن أَحْوَال رُوَاته وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث فَإِن لم يكن لَهُ وقُوف على ذَلِك اضْطر إِلَى أَن يسْأَل أَئِمَّة الحَدِيث عَنهُ فَإِن لم يَتَيَسَّر لَهُ ذَلِك بَقِي ذَلِك الحَدِيث مَجْهُول الْحَال عِنْده
واقتفى أثر الإِمَام البُخَارِيّ فِي ذَلِك الإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج وَكَانَ من الآخذين عَنهُ والمستفيدين مِنْهُ فألف كِتَابه الْمَشْهُور
ولقب هَذَانِ الكتابان بالصحيحين فَعظم انْتِفَاع النَّاس بهما وَرَجَعُوا عِنْد الِاضْطِرَاب إِلَيْهِمَا وألفت بعدهمَا كتب لَا تحصى فَمن أَرَادَ الْبَحْث عَنْهَا فَليرْجع إِلَى مظان ذكرهَا
هَذَا وَقد توهم أنَاس مِمَّا ذكر آنِفا أَنه لم يُقيد فِي عصر الصَّحَابَة وأوائل عصر التَّابِعين بِالْكِتَابَةِ شَيْء غير الْكتاب الْعَزِيز وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فقد ذكر بعض الْحفاظ أَن زيد بن ثَابت ألف كتابا فِي علم الْفَرَائِض
وَذكر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَن عبد الله بن عَمْرو كَانَ يكْتب الحَدِيث فَإِنَّهُ روى عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ مَا من أحد من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ
стр. 15
وَسلم أَكثر حَدِيثا عَنهُ مني إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَلَا أكتب
وَذكر مُسلم فِي صَحِيحه كتابا ألف فِي عهد ابْن عَبَّاس فِي قَضَاء عَليّ فَقَالَ حَدثنَا دَاوُد بن عَمْرو الضَّبِّيّ حَدثنَا نَافِع بن عمر عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ كتبت إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله أَن يكْتب لي كتابا ويخفي عني فَقَالَ ولد نَاصح أَنا أخْتَار لَهُ الْأُمُور اخْتِيَارا وأخفي عَنهُ قَالَ فَدَعَا بِقَضَاء عَليّ فَجعل يكْتب مِنْهُ أَشْيَاء ويمر بِهِ الشَّيْء فَيَقُول وَالله مَا قضى بِهَذَا عَليّ إِلَّا أَن يكون ضل
وَحدثنَا عَمْرو النَّاقِد حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام بن حُجَيْر عَن طَاوس قَالَ أُتِي ابْن عَبَّاس بِكِتَاب فِيهِ قَضَاء عَليّ فمحاه إِلَّا قدر وَأَشَارَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة بذراعه
حَدثنَا حسن بن عَليّ الْحلْوانِي حَدثنَا يحيى بن آدم حَدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن الْأَعْمَش عَن أبي إِسْحَاق قَالَ لما أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاء بعد عَليّ ﵇ قَالَ رجل من أَصْحَاب عَليّ قَاتلهم الله أَي علم أفسدوا
وَحدثنَا عَليّ بن خشرم أخبرنَا أَبُو بكر يَعْنِي ابْن عَيَّاش قَالَ سَمِعت الْمُغيرَة يَقُول لم يكن يصدق على عَليّ ﵇ فِي الحَدِيث عَنهُ إِلَّا من أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود اهـ
стр. 16
قَوْله ويخفي عني وأخفي عَنهُ هما بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقد ظن بَعضهم أَنَّهُمَا بِالْحَاء من الإحفاء بِمَعْنى الإلحاح أَو الِاسْتِقْصَاء وَجعل عَن بِمَعْنى على وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من التعسف يُرِيد أَنه يكتم عَنهُ أَشْيَاء مِمَّا يخْشَى إِذا ظَهرت أَن يحصل مِنْهَا قيل وَقَالَ من النواصب والخوارج وناهيك بشوكتهما فِي ذَلِك الْعَصْر وبفرط ميلهما لمشاقة الإِمَام المرتضى فَاخْتَارَ عدم كِتَابَة ذَلِك دفا للمحذور مَعَ أَن هَذَا النَّوْع رُبمَا كَانَ مِمَّا لَا يلْزم السَّائِل مَعْرفَته وَإِن كَانَ مِمَّا يضْطَر إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمكنهُ أَن يحصل عَلَيْهِ بطرِيق المشافهة
وَأَرَادَ بقوله وَالله مَا قضى عَليّ بِهَذَا إِلَّا أَن يكون ضل أَنه لم يقْض بِهِ لِأَنَّهُ لم يضل وَالظَّاهِر أَن الْكتاب الَّذِي محاه إِلَّا قدر ذِرَاع مِنْهُ كَانَ على هَيْئَة درج مستطيل
وَابْن أبي مليكَة الْمَذْكُور هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمَكِّيّ قَاضِي مَكَّة فِي زمن ابْن الزبير وَكَانَ إِمَامًا فَقِيها فصيحا مفوها اتَّفقُوا على توثيقه روى عَنهُ ابْن جريح وَنَافِع بن عمر الجُمَحِي وَاللَّيْث بن سعد وَغَيرهم روى عَنهُ أَيُّوب قَالَ بَعَثَنِي ابْن الزبير على قَضَاء الطَّائِف فَكنت أسأَل ابْن عَبَّاس وَكَانَت وَفَاته سنه سبع عشرَة ومئة ووفاة ابْن عَبَّاس سنة ثَمَان وَسِتِّينَ
والمغيرة الْمَذْكُور هُوَ الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو هِشَام بن مقسم الضَّبِّيّ الْكُوفِي ولد أعمى وَكَانَ عجيبا فِي الذكاء قَالَ الذَّهَبِيّ فِي طَبَقَات الْحفاظ ضعف أَحْمد رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم فَقَط وَكَانَ عثمانيا وَيحمل على عَليّ بعض الْحمل وَقَالَ فِي الْمِيزَان إِمَام ثِقَة لَكِن لين أَحْمد بن حَنْبَل رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَقَط مَعَ أَنَّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وروى عَن أبي وَائِل وَالشعْبِيّ وَمُجاهد
стр. 17
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق النديم فِي كتاب الفهرست فِي أثْنَاء وصف خزانَة للكتب رَآهَا فِي مَدِينَة الحديثة لم ير لأحد مثلهَا كَثْرَة وَرَأَيْت فِيهَا بخطوط الْإِمَامَيْنِ الْحسن وَالْحُسَيْن وَرَأَيْت عِنْده أمانات وعهودا بِخَط أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ وبخط غَيره من كتاب النَّبِي ﷺ
وَمن خطوط الْعلمَاء فِي النَّحْو واللغة مثل أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ والأصمعي وَابْن الْأَعرَابِي وسيبويه وَالْفراء وَالْكسَائِيّ
وَمن خطوط أَصْحَاب الحَدِيث مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيرهم
وَرَأَيْت مِمَّا يدل على أَن النَّحْو عَن أبي الْأسود مَا هَذِه حكايته وَهِي أَربع أوراق أحسبها من ورق الصين ترجمتها هَذِه فِيهَا كَلَام فِي الْفَاعِل وَالْمَفْعُول من أبي الْأسود رَحْمَة الله عَلَيْهِ بِخَط يحيى بن يعمر وَتَحْت هَذَا الْخط بِخَط عَتيق هَذَا خطّ عَلان النَّحْوِيّ وَتَحْته هَذَا خطّ النَّضر بن شُمَيْل اهـ
تَنْبِيه قد نقلنا آنِفا مَا ذكره الْعلمَاء الْأَعْلَام فِي طَرِيق الْجمع بَين الحَدِيث الَّذِي ورد فِي منع كِتَابَة مَا سوى الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي إجَازَة ذَلِك وَقد سلك ابْن قُتَيْبَة فِيهِ طَرِيقا آخر فَقَالَ فِي تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث وَهُوَ كتاب أَلفه فِي
стр. 18
الرَّد على الْمُتَكَلِّمين الَّذين أولعوا بثلب أهل الحَدِيث ورميهم بِحمْل الْكَذِب وَرِوَايَة المتناقض حَتَّى وَقع الِاخْتِلَاف وَكَثُرت النَّحْل وتقطعت العصم وتعادى الْمُسلمُونَ وأكفر بَعضهم بَعْضًا وَتعلق كل فريق مِنْهُم لمذهبه بِجِنْس من الحَدِيث
قَالُوا أَحَادِيث متناقضة قَالُوا رويتم عَن همام عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء ين يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تكْتبُوا عني شَيْئا سوى الْقُرْآن فَمن كتب عني شَيْئا فليمحه
ثمَّ رويتم عَن ابْن جريح عَن عَطاء عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قلت يَا رَسُول الله أقيد الْعلم قَالَ نعم قيل وَمَا تَقْيِيده قَالَ كِتَابَته
ورويتم عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قلت يَا رَسُول الله أكتب كل مَا أسمع مِنْك قَالَ نعم قلت فِي الرِّضَا وَالْغَضَب قَالَ نعم فَإِنِّي لَا أَقُول فِي ذَلِك إِلَّا الْحق
قَالُوا وَهَذَا تنَاقض وَاخْتِلَاف
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن نقُول إِن فِي هَذَا مَعْنيين
أَحدهمَا أَن يكون من مَنْسُوخ السّنة بِالسنةِ كَأَنَّهُ نهى فِي أول الْأَمر أَن يكْتب قَوْله ثمَّ رأى بعد لما علم أَن السّنَن تكْثر وتفوت الْحِفْظ أَن تكْتب وتقيد
وَالْمعْنَى الآخر أَن يكون خص بِهَذَا عبد الله بن عَمْرو لِأَنَّهُ كَانَ قَارِئًا للكتب الْمُتَقَدّمَة وَيكْتب بالسُّرْيَانيَّة والعربية وَكَانَ غَيره من الصَّحَابَة أُمِّيين لَا يكْتب مِنْهُم إِلَّا الْوَاحِد والاثنان وَإِذا كتب لم يتقن وَلم يصب التهجي فَلَمَّا خشِي عَلَيْهِم الْغَلَط فِيمَا يَكْتُبُونَ نَهَاهُم وَلما أَمن على عبد الله بن عَمْرو ذَلِك أذن لَهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد حَدثنَا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ حَدثنَا وهب بن جرير عَن أَبِيه عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن عَمْرو بن تغلب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يفِيض المَال وَيظْهر الْقَلَم ويفشو التُّجَّار
стр. 19
قَالَ عَمْرو إِن كُنَّا لنلتمس فِي الحواء الْعَظِيم الْكَاتِب فَمَا يُوجد وَيبِيع الرجل البيع فَيَقُول حَتَّى أَستَأْمر تَاجر بني فلَان
стр. 20
انْتهى كَلَامه وبمثله يعلم فِي مثل هَذَا الْمقَام مقَامه
стр. 21
الْفَصْل الثَّالِث
فِي تثبت السّلف فِي أَمر الحَدِيث خشيَة أَن يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ
قد كَانَ للصحابة ﵃ عناية شَدِيدَة فِي معرفَة الحَدِيث وَفِي نَقله لمن لم يبلغهُ فقد ذكر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْعلم أَن جَابر بن عبد الله رَحل مسيرَة شهر إِلَى عبد الله بن أنيس فِي حَدِيث وَاحِد وروى عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ كنت أَنا وجار لي من الْأَنْصَار فِي بني أُميَّة بن زيد وَهِي من عوالي الْمَدِينَة وَكُنَّا نتناوب النُّزُول على رَسُول الله ﷺ ينزل يَوْمًا وَأنزل يَوْمًا فَإِذا نزلت جِئْته بِخَبَر ذَلِك الْيَوْم من الْوَحْي وَغَيره وَإِذا نزل فعل مثل ذَلِك
ولشدة عنايتهم بِهِ أقلوا من الرِّوَايَة وأنكروا على من أَكثر مِنْهَا إِذْ الْإِكْثَار مَظَنَّة للخطأ وَالْخَطَأ فِي الحَدِيث عَظِيم الْخطر روى البُخَارِيّ عَن عبد الله بن الزبير أَنه قَالَ قلت للزبير إِنِّي لَا أسمعك تحدث عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا يحدث فلَان وَفُلَان فَقَالَ أما إِنِّي لم أفارقه وَلَكِن سمعته يَقُول من كذب عَليّ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وروى عَن أنس أَنه قَالَ إِنَّه ليمنعني أَن أحدثكُم حَدِيثا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من تعمد عَليّ كذبا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار
стр. 22
وروى عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ إِن النَّاس يَقُولُونَ أَكثر أَبُو هُرَيْرَة وَلَوْلَا آيتان فِي كتاب الله مَا حدثت حَدِيثا ثمَّ يَتْلُو ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿الرَّحِيم﴾ إِن إِخْوَاننَا من الْمُهَاجِرين كَانَ يشغلهم الصفق فِي الْأَسْوَاق وَإِن إِخْوَاننَا من الْأَنْصَار كَانَ يشغلهم الْعَمَل فِي أَمْوَالهم وَإِن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يلْزم رَسُول الله ﷺ لشبع بَطْنه ويحضر مَا لَا يحْضرُون ويحفظ مَا لَا يحفظون اهـ
وَإِنَّمَا اشْتَدَّ إنكارهم على أبي هُرَيْرَة لِأَنَّهُ صحب النَّبِي ﷺ نَحوا من ثَلَاث سِنِين فَإِنَّهُ أسلم عَام خَيْبَر وأتى من الرِّوَايَة عَنهُ مَا لم يَأْتِ بِمثلِهِ من صَحبه من السَّابِقين الْأَوَّلين ذكر بَقِي بن مخلد أَنه روى خَمْسَة الآف حَدِيث وَثَلَاث مئة وَأَرْبَعَة وَسبعين حَدِيثا وَله فِي البُخَارِيّ أَربع مئة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا وَعمر بعده ﵇ نَحوا من خمسين سنة وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَخمسين
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي جَوَابه عَن طعن النظام فِي أبي هُرَيْرَة بإنكار بعض الصَّحَابَة عَلَيْهِ كَانَ عمر شَدِيد الْإِنْكَار على من أَكثر الرِّوَايَة أَو أَتَى بِخَبَر فِي الحكم لَا شَاهد لَهُ عَلَيْهِ وَكَانَ يَأْمُرهُم بِأَن يقلوا الرِّوَايَة يُرِيد بذلك أَن لَا يَتَّسِع النَّاس فِيهَا فيدخلها الشوب وَيَقَع التَّدْلِيس وَالْكذب من الْمُنَافِق والفاجر والأعرابي
وَكَانَ كثير من جلة الصَّحَابَة وَأهل الْخَاصَّة برَسُول الله ﷺ كَأبي بكر وَالزُّبَيْر وَأبي عُبَيْدَة وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب يقلون الرِّوَايَة عَنهُ بل كَانَ بَعضهم لَا يكَاد يروي شَيْئا كسعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَهُوَ أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ
стр. 23
وَقَالَ عَليّ كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِمَا شَاءَ مِنْهُ وَإِذا حَدثنِي عَنهُ مُحدث اسْتَحْلَفته فَإِن حلف لي صدقته وَإِن أَبَا بكر حَدثنِي وَصدق أَبُو بكر وَذكر الحَدِيث
أفما ترى تَشْدِيد الْقَوْم فِي الحَدِيث وتوقي من أمسك كَرَاهِيَة التحريف أَو الزِّيَادَة فِي الرِّوَايَة أَو النُّقْصَان لأَنهم سَمِعُوهُ ﵇ يَقُول من كذب عَليّ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَهَكَذَا رُوِيَ عَن الزبير أَنه رَوَاهُ وَقَالَ أَرَاهُم يزِيدُونَ فِيهِ مُتَعَمدا وَالله مَا سمعته قَالَ مُتَعَمدا
وروى مطرف بن عبد الله أَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ وَالله إِن كنت لأرى أَنِّي لَو شِئْت لحدثت عَن رَسُول الله ﷺ يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين وَلَكِن بطأني عَن ذَلِك أَن رجَالًا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ سمعُوا كَمَا سَمِعت وشهدوا كَمَا شهِدت ويحدثون أَحَادِيث مَا هِيَ كَمَا يَقُولُونَ وأخاف أَن يشبه لي كَمَا شبه لَهُم فأعلمك أَنهم كَانُوا يغلطون لَا أَنهم كَانُوا يتعمدون
فَلَمَّا أخْبرهُم أَبُو هُرَيْرَة بِأَنَّهُ كَانَ ألزمهم لرَسُول الله ﷺ لخدمته وشبع بَطْنه وَكَانَ فَقِيرا معدما وَأَنه لم يكن ليشغله عَنهُ غرس الودي وَلَا الصفق بالأسواق يعرض بِأَنَّهُم كَانُوا يتصرفون فِي التِّجَارَات ويلزمون الضّيَاع فِي أَكثر الْأَوْقَات وَهُوَ ملازم لَهُ لَا يُفَارِقهُ فَعرف مَا لم يعرفوا وَحفظ مَا لم يحفظوا أَمْسكُوا عَنهُ
وَكَانَ مَعَ هَذَا يَقُول قَالَ ﷺ كَذَا وأنما سَمعه من
стр. 24
الثِّقَة عِنْده فحكاه وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن عَبَّاس يفعل وَغَيره من الصَّحَابَة وَلَيْسَ فِي هَذَا كذب بِحَمْد الله وَلَا على قَائِله إِن لم يفهمهُ السَّامع جنَاح إِن شَاءَ الله اهـ
وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي طَبَقَات الْحفاظ فِي تَرْجَمَة أبي بكر الصّديق كَانَ أول من احتاط فِي قبُول الْأَخْبَار فروى ابْن شهَاب عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب أَن الْجدّة جَاءَت إِلَى أبي بكر تلتمس أَن تورث فَقَالَ مَا أجد لَك فِي كتاب الله شَيْئا وَمَا علمت أَن رَسُول الله ﷺ ذكر لَك شَيْئا ثمَّ سَأَلَ النَّاس فَقَامَ الْمُغيرَة فَقَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يُعْطِيهَا السُّدس فَقَالَ لَهُ هَل مَعَك أحد فَشهد مُحَمَّد بن مسلمة بِمثل ذَلِك فأنفذه لَهَا أَبُو بكر ﵁
وَمن مَرَاسِيل ابْن أبي مليكَة أَن الصّديق جمع النَّاس بعد وَفَاة نَبِيّهم فَقَالَ إِنَّكُم تحدثون عَن رَسُول الله ﷺ أَحَادِيث تختلفون فِيهَا وَالنَّاس بعدكم أَشد اخْتِلَافا فَلَا تحدثُوا عَن رَسُول الله شَيْئا فَمن سألكم فَقولُوا بَيْننَا وَبَيْنكُم كتاب الله فاستحلوا حَلَاله وحرموا حرَامه
فَهَذَا الْمُرْسل يدلك على أَن مُرَاد الصّديق التثبت فِي الْأَخْبَار والتحري لَا سد بَاب الرِّوَايَة أَلا ترَاهُ لما نزل بِهِ أَمر الْجدّة وَلم يجده فِي الْكتاب كَيفَ سَأَلَ عَنهُ فِي السّنَن فَلَمَّا أخبرهُ الثِّقَة لم يكتف حَتَّى استظهر بِثِقَة آخر وَلم يقل حَسبنَا كتاب الله كَمَا تَقوله الْخَوَارِج
ثمَّ قَالَ فَحق على الْمُحدث أَن يتورع فِيمَا يُؤَدِّيه وَأَن يسْأَل أهل الْمعرفَة والورع ليعينوه على إِيضَاح مروياته وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يصير الْعَارِف الَّذِي يُزكي نَقله الْأَخْبَار ويجرحهم جهبذا إِلَّا بإدمان الطّلب والفحص عَن الشَّأْن وَكَثْرَة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مَعَ التَّقْوَى وَالدّين المتين والإنصاف والتردد إِلَى الْعلمَاء والتحري والإتقان وَإِلَّا تفعل
стр. 25
(فدع عَنْك الْكِتَابَة لست مِنْهَا ... وَلَو سودت وَجهك بالمداد)
قَالَ الله ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ فَإِن آنست يَا هَذَا من نَفسك فهما وصدقا ودينا وورعا وَإِلَّا فَلَا تتعن وَإِن غلب عَلَيْك الْهوى والعصبية لرأي أَو لمَذْهَب فبالله لَا تتعب
وَقَالَ فِي تَرْجَمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب وَهُوَ الَّذِي سنّ للمحدثين التثبت فِي النَّقْل وَرُبمَا كَانَ يتَوَقَّف فِي خبر الْوَاحِد إِذا ارتاب روى الْجريرِي عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد أَن أَبَا مُوسَى سلم على عمر من وَرَاء الْبَاب ثَلَاث مَرَّات فَلم يُؤذن لَهُ فَرجع فَأرْسل عمر فِي أَثَره فَقَالَ لم رجعت قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا سلم أحدكُم ثَلَاثًا فَلم يجب فَليرْجع قَالَ لتَأْتِيني على ذَلِك بِبَيِّنَة أَو لَأَفْعَلَنَّ بك فجاءنا أَبُو مُوسَى منتقعا لَونه وَنحن جُلُوس فَقُلْنَا مَا شَأْنك فَأخْبرنَا وَقَالَ فَهَل سمع أحد مِنْكُم فَقُلْنَا نعم كلنا سَمعه فأرسلوا مَعَه رجل مِنْهُم حَتَّى أَتَى عمر فَأخْبرهُ
أحب عمر أَن يتَأَكَّد عِنْده خبر أبي مُوسَى بقول صَاحب آخر فَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْخَبَر إِذا رَوَاهُ ثقتان كَانَ أقوى وأرجح مِمَّا انْفَرد بِهِ وَاحِد وَفِي ذَلِك حث على تَكْثِير طرق الحَدِيث لكَي يرتقي عَن دَرَجَة الظَّن إِلَى دَرَجَة الْعلم إِذْ الْوَاحِد يجوز عَلَيْهِ النسْيَان وَالوهم وَلَا يكَاد يجوز ذَلِك على ثقتين لم يخالفهما أحد
وَقد كَانَ عمر من وجله من أَن يُخطئ الصاحب فِي حَدِيث رَسُول الله يَأْمُرهُم أَن يقلوا الرِّوَايَة عَن نَبِيّهم وَلِئَلَّا يتشاغل النَّاس بالأحاديث عَن حفظ الْقُرْآن
стр. 26
وَقد روى شُعْبَة وَغَيره عَن بَيَان عَن الشّعبِيّ عَن قرظة بن كَعْب قَالَ لما سيرنا عمر إِلَى الْعرَاق مَشى مَعنا وَقَالَ أتردون لم شيعتكم قَالُوا نعم تكرمة لنا قَالَ وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّكُم تأتون أهل قَرْيَة لَهُم دوِي بِالْقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْل فَلَا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا الْقُرْآن وأقلوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله وَأَنا شريككم فَلَمَّا قدم قرظة قَالُوا حَدثنَا قَالَ نَهَانَا عمر
وروى الدَّرَاورْدِي عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَقلت لَهُ أَكنت تحدث فِي زمَان عمر هَكَذَا قَالَ لَو كنت أحدث فِي زمَان عمر مثل مَا أحدثكُم لضربني بمخفقته
وَقَالَ فِي تَرْجَمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب روى مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ قَالَ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ ودعوا مَا ينكون أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله فقد زجر الإِمَام عَليّ عَن رِوَايَة الْمُنكر وحث على التحديث بالمشهور وَهَذَا أصل كَبِير فِي الْكَفّ عَن بَث الْأَشْيَاء الْوَاهِيَة والمنكرة من الْأَحَادِيث فِي الْفَضَائِل والعقائد وَالرَّقَائِق وَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة هَذَا من هَذَا إِلَّا بالإمعان فِي معرفَة الرِّجَال
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر فِي صَحِيحه فَقَالَ بَاب من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم كَرَاهِيَة أَن لَا يفهموا وَقَالَ عَليّ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ أتحبون أَن يكذب الله وَرَسُوله حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ بذلك
قَالَ شرَّاح هَذَا الْأَثر إِنَّمَا قَالَ الإِمَام ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان إِذا سمع مَا لَا يفهمهُ أَو مَا لَا يتَصَوَّر إِمْكَانه اعْتقد استحالته جهلا فَلَا يصدق بِوُجُودِهِ فَإِذا
стр. 27
أسْند إِلَى الله تَعَالَى أَو رَسُوله لزم ذَلِك الْمَحْذُور ويكذب بِفَتْح الذَّال على صِيغَة الْمَجْهُول وَهَذَا الْإِسْنَاد من عوالي الْمُؤلف لِأَنَّهُ يلْتَحق بالثلاثيات من جِهَة أَن الرَّاوِي الثَّالِث وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة من الصَّحَابَة وَكَانَ آخِرهم موتا وَأخر الْمُؤلف هُنَا السَّنَد عَن الْمَتْن ليميز بَين طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَإسْنَاد الْأَثر أَو لضعف الْإِسْنَاد بِسَبَب ابْن خَرَّبُوذ أَو للتفنن وَبَيَان الْجَوَاز وَمن ثمَّ وَقع فِي بعض النّسخ مقدما وَقد سقط هَذَا الْأَثر كُله من رِوَايَة الْكشميهني اهـ
وروى مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ مَا أَنْت بمحدث قوما حَدِيثا لَا تبلغه عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لبَعْضهِم فتْنَة
تَنْبِيه وَقد فهم من هذَيْن الأثرين أَن الْمُحدث يجب عَلَيْهِ أَن يُرَاعِي حَال من يُحَدِّثهُمْ فَإِذا كَانَ فِيمَا ثَبت عِنْده مَا لَا تصل إِلَيْهِ أفهامهم وَجب عَلَيْهِ ترك تحديثهم بِهِ دفعا للضَّرَر فَلَيْسَ كل حَدِيث يجب نشره لجَمِيع النَّاس كَمَا يتوهمه الأغمار فقد روى البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ حفظت عَن رَسُول الله ﷺ وعاءين فَأَما أَحدهمَا فبثثته وَأما الآخر فَلَو بثثتة قطع هَذَا البلعوم
قَالُوا أَرَادَ بالوعاء الأول الْأَحَادِيث الَّتِي لم ير ضَرَرا فِي بثها فبثها وَأَرَادَ بالوعاء الثَّانِي الْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بِبَيَان أُمَرَاء الْجور وذمهم فقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ لَو شِئْت أَن أسميهم بِأَسْمَائِهِمْ وَكَانَ لَا يُصَرح بذلك خوفًا على نَفسه مِنْهُم
وَقَالَ بعض الصُّوفِيَّة أَرَادَ بِهِ الْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بالأسرار الربانية الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا أَرْبَاب الْقُلُوب
وَفِي كَون المُرَاد بِهِ هَذَا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما وسع أَبَا هُرَيْرَة كِتْمَانه من جَمِيع النَّاس بل كَانَ أظهره لبَعض الْخَواص مِنْهُم
стр. 28
على أَن الَّذِي كتمه أَبُو هُرَيْرَة لَو كَانَ مِمَّا يتَعَلَّق بِالدّينِ لَكَانَ غَايَته أَن يكون بِمَنْزِلَة الْمُتَشَابه والمتشابه مَوْجُود فِي الْكتاب الْعَزِيز وَهُوَ يُتْلَى على النَّاس كلهم فِي كل حِين وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة كثيرا من الْأَحَادِيث المتشابهة
أخرج مُسلم عَنهُ فِي بَاب صَلَاة اللَّيْل أَنه قَالَ رَسُول الله ﷺ ينزل رَبنَا ﵎ كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ وَمن يسألني فَأعْطِيه وَمن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ
وَأخرج عَنهُ فِي بَاب رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ رَبهم فِي الْآخِرَة أَنه قَالَ إِن نَاسا قَالُوا لرَسُول الله ﷺ هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ هَل تضَارونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر قَالُوا لَا يَا رَسُول الله قَالَ هَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّكُم تَرَوْنَهُ كَذَلِك
يجمع الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول من كَانَ يعبد شَيْئا فليتبعه فَيتبع من كَانَ يعبد الشَّمْس الشَّمْس وَيتبع من كَانَ يعبد الْقَمَر الْقَمَر وَيتبع من كَانَ يعبد الطواغيت الطواغيت وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها فيأتيهم الله فِي صُورَة غير الصُّورَة الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا فَإِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ فيأتيهم الله فِي صورته الَّتِي يعْرفُونَ فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا فيتبعونه الحَدِيث
وَأخرج عَنهُ فِي كتاب الْجنَّة أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خلق الله آدم على صورته طوله سِتُّونَ ذِرَاعا فَلَمَّا خلقَة قَالَ اذْهَبْ
стр. 29
فَسلم على أُولَئِكَ النَّفر وهم نفر من الْمَلَائِكَة جُلُوس فاستمع مَا يحيونك بِهِ فَإِنَّهَا تحيتك وتحية ذريتك قَالَ فَذهب فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم فَقَالُوا السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله فزادوه وَرَحْمَة الله قَالَ فَكل من يدْخل الْجنَّة على صُورَة آدم وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا فَلم يزل الْخلق ينقص بعده حَتَّى الْآن
وروى مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما قضى الله الْخلق كتب عِنْده فَوق عَرْشه إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي اهـ
هَذَا وَمن الْغَرِيب مَا يروي عَن ابْن الْقَاسِم أَنه قَالَ سَأَلت مَالِكًا عَمَّن يحدث الحَدِيث إِن الله خلق آدم على صورته والْحَدِيث إِن الله يكْشف عَن سَاقه يَوْم الْقِيَامَة وَإنَّهُ يدْخل فِي النَّار يَده حَتَّى يخرج من أَرَادَ فَأنْكر ذَلِك إنكارا شَدِيدا وَنهى أَن يتحدث بِهِ أحد
قَالَ تَقِيّ الدّين فِي التسعينية هَذَانِ الحديثان كَانَ اللَّيْث بن سعد يحدث بهما فَالْأول حَدِيث الصُّورَة حدث بِهِ عَن ابْن عجلَان وَالثَّانِي هُوَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الطَّوِيل وَهَذَا الحَدِيث قد أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث اللَّيْث وَالْأول قد أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث غَيره
стр. 30
وَابْن الْقَاسِم إِنَّمَا سَأَلَ مَالِكًا لأجل تحديث اللَّيْث بذلك فَيُقَال إِمَّا أَن يكون مَا قَالَه مَالك مُخَالفا لما فعله اللَّيْث وَنَحْوه أَو لَيْسَ بمخالف بل يكره أَن يتحدث بذلك لمن يفتنه ذَلِك وَلَا يحملهُ عقله كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود مَا من رجل يحدث قوما حَدِيثا لَا تبلغه عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ فتْنَة لبَعْضهِم
وَقد كَانَ مَالك يتْرك أَحَادِيث كَثِيرَة لكَونهَا لَا يُؤْخَذ بهَا وَلم يَتْرُكهَا غَيره فَلهُ فِي ذَلِك مَذْهَب وَغَايَة مَا يعْتَذر لَهُ أَن يُقَال كره أَن يتحدث بذلك حَدِيثا يفتن المستمع الَّذِي لَا يحمل عقله ذَلِك وَأما إِن قيل إِنَّه كره التحدث بذلك مُطلقًا فَهَذَا مَرْدُود
ولنرجع إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ بَيَان تروي جُمْهُور الصَّحَابَة فِي أَمر الرِّوَايَة فَنَقُول
قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد وَسَعِيد بن عَمْرو الأشعثي جَمِيعًا عَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ سعيد أخبرنَا سُفْيَان عَن هِشَام بن حُجَيْر عَن طَاوس قَالَ جَاءَ هَذَا إِلَى ابْن عَبَّاس يَعْنِي بشير بن كَعْب فَجعل يحدثه فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس عد لحَدِيث كَذَا وَكَذَا فَعَاد لَهُ ثمَّ حَدثهُ فَقَالَ لَهُ عد لحَدِيث كَذَا وَكَذَا فَعَاد لَهُ
فَقَالَ لَهُ مَا أَدْرِي أعرفت حَدِيثي كُله وَأنْكرت هَذَا أم أنْكرت حَدِيثي كُله وَعرفت هَذَا فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس إِنَّا كُنَّا نُحدث عَن رَسُول الله ﷺ إِذْ لم يكن يكذب عَلَيْهِ فَلَمَّا ركب النَّاس الصعب والذلول تركنَا الحَدِيث عَنهُ
стр. 31
حَدثنَا مُحَمَّد بن رَافع حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظ الحَدِيث والْحَدِيث يحفظ عَن رَسُول الله ﷺ فَأَما إِذا ركبتم كل صَعب وَذَلُول فهيهات
وحَدثني أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن عبيد الله الغيلاني حَدثنَا أَبُو عَامر يَعْنِي الْعَقدي حَدثنَا رَبَاح عَن قيس بن سعد عَن مُجَاهِد قَالَ جَاءَ بشير الْعَدوي إِلَى ابْن عَبَّاس فَجعل يحدث وَيَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ فَجعل ابْن عَبَّاس لَا يَأْذَن لحديثه وَلَا ينظر إِلَيْهِ
فَقَالَ يَا ابْن عَبَّاس مَا لي لَا أَرَاك تسمع لحديثي أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا تسمع فَقَالَ ابْن عَبَّاس إِنَّا كُنَّا مرّة إِذا سمعنَا رجلا يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إِلَيْهِ بآذاننا فَلَمَّا ركب النَّاس الصعب والذلول لم نَأْخُذ من النَّاس إِلَّا مَا نَعْرِف اهـ
وَبشير الْمَذْكُور مخضرم يروي عَن أبي ذَر وَأبي الدَّرْدَاء وَقد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن سعد وَهُوَ مصغر بشر
وَأخرج ابْن ماجة فِي سنَنه عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ قُلْنَا لزيد بن أَرقم حَدثنَا عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كبرنا ونسينا والْحَدِيث عَن رَسُول الله شَدِيد
وَأخرج عَن السَّائِب بن يزِيد أَنه قَالَ صَحِبت سعد بن مَالك من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَمَا سمعته يحدث عَن النَّبِي ﷺ بِحَدِيث وَاحِد
стр. 32
وروى عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ جالست ابْن عمر سنة فَمَا سمعته يحدث عَن رَسُول الله شَيْئا
وروى عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَنه قَالَ كَانَ أنس بن مَالك إِذا حدث عَن رَسُول الله ففرغ مِنْهُ قَالَ أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ
وَقد ثَبت توقف كثير من الصَّحَابَة فِي قبُول كثير من الْأَخْبَار وَقد اسْتدلَّ بذلك من يَقُول بِعَدَمِ الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا فِي أَمر الدّين
وَقد رد عَلَيْهِم الْجُمْهُور بِأَن الرَّد إِنَّمَا كَانَ لأسباب عارضة وَهُوَ لَا يَقْتَضِي رد جَمِيع أَخْبَار الْآحَاد كَمَا ذهب إِلَيْهِ أُولَئِكَ على أَن الْأَخْبَار الَّتِي استندوا إِلَيْهَا إِنَّمَا تدل على مَذْهَب من يشْتَرط فِي قبُول الْخَبَر التَّعَدُّد فِي رُوَاته وَلَا تدل على مَذْهَب من يشْتَرط التَّوَاتُر فِيهِ فقد ذكر الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى ثمَّ قَالَ
وَنحن نشِير إِلَى جنس المعاذير فِي رد الْأَخْبَار والتوقف فِيهَا أما توقف رَسُول الله ﷺ عَن قَول ذِي الْيَدَيْنِ فَيحْتَمل ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا أَنه جوز الْوَهم عَلَيْهِ لِكَثْرَة الْجمع وَبعد انْفِرَاده بِمَعْرِِفَة ذَلِك مَعَ غَفلَة الْجَمِيع إِذْ الْغَلَط عَلَيْهِ أقرب من الْغَفْلَة على الْجمع الْكثير وَحَيْثُ ظَهرت أَمَارَات الْوَهم يجب التَّوَقُّف
ثَانِيهَا أَنه وَإِن علم صدقه جَازَ أَن يكون سَبَب توقفه أَن يعلمهُمْ وجوب التَّوَقُّف فِي مثله وَلَو لم يتَوَقَّف لصار التَّصْدِيق مَعَ سكُوت الْجَمَاعَة سنة مَاضِيَة فحسم سَبِيل ذَلِك
الثَّالِث أَنه قَالَ لَوْلَا لَو علم صدقه لظهر أَثَره فِي حق الْجَمَاعَة واشتغلت ذمتهم فَألْحق بقبيل الشَّهَادَة فَلم يقبل فِيهِ قَول الْوَاحِد والأقوى مَا ذَكرْنَاهُ من قبل
стр. 33
نعم لَو تعلق بِهَذَا من يشْتَرط عدد الشَّهَادَة فليزمه اشْتِرَاطه ثَلَاثَة ويلمه أَن تكون فِي جمع يسكت عَلَيْهِ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ كَذَلِك كَانَ
أما توقف أبي بكر فِي حَدِيث الْمُغيرَة فِي تَوْرِيث الْجدّة فَلَعَلَّهُ كن هُنَاكَ وَجه اقْتضى التَّوَقُّف وَرُبمَا لم يطلع عَلَيْهِ أحد أَو لينْظر أَنه حكم مُسْتَقر أَو مَنْسُوخ أَو ليعلم هَل عِنْد غَيره مثل مَا عِنْده ليَكُون الحكم أوكد أَو خلَافَة فيندفع أَو توقف فِي انْتِظَار استظهار بِزِيَادَة كَمَا يستظهر الْحَاكِم بعد شَهَادَة اثْنَيْنِ على جزم الحكم إِن لم يُصَادف الزِّيَادَة لَا على عزم الرَّد أَو أظهر التَّوَقُّف لِئَلَّا يكثر الْإِقْدَام على الرِّوَايَة عَن تساهل وَيجب حمله على شَيْء من ذَلِك إِذْ ثَبت مِنْهُ قطعا قبُول خبر الْوَاحِد وَترك الْإِنْكَار على الْقَائِلين بِهِ
وَأما رد حَدِيث عُثْمَان فِي حق الحكم بن أبي الْعَاصِ فَلِأَنَّهُ خبر عَن إِثْبَات حق لشخص فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ لَا تثبت بقول وَاحِد أَو توقفا لأجل قرَابَة عُثْمَان من الحكم وَقد كَانَ مَعْرُوفا بِأَنَّهُ كلفب أَقَاربه فتوقفا تَنْزِيها لعرضه ومنصبه من أَن يَقُول متعنت إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِقَرَابَتِهِ حَتَّى يثبت ذَلِك بقول غَيره أَو لعلهما توقفا ليسنا للنَّاس التَّوَقُّف فِي حق الْقَرِيب الملاطف ليتعلم مِنْهُمَا التثبت فِي مثله
وَأما خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان فقد كَانَ مُحْتَاجا إِلَيْهِ ليدفع بِهِ سياسة عمر عَن نَفسه لما انْصَرف عَن بَابه بعد أَن قرع ثَلَاثًا كالمترفع عَن المثول بِبَابِهِ فخاف أَن يصير ذَلِك طَرِيقا لغيره إِلَى أَن يروي الحَدِيث على حسب غَرَضه بِدَلِيل أَنه لما رَجَعَ مَعَ أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَشهد لَهُ قَالَ عمر إِنِّي لم أتهمك وَلَكِنِّي خشيت أَن يتقول النَّاس على رَسُول الله ﷺ وَيجوز للْإِمَام التَّوَقُّف مَعَ انْتِفَاء التُّهْمَة لمثل هَذِه الْمصلحَة كَيفَ وَمثل هَذِه الْأَخْبَار لَا تَسَاوِي فِي الشُّهْرَة وَالصِّحَّة أحاديثنا فِي نقل الْقبُول عَنْهُم
стр. 34
وَأما رد عَليّ خبر الْأَشْجَعِيّ فقد ذكر علته وَقَالَ كَيفَ نقبل قَول أَعْرَابِي بوال على عَقِبَيْهِ بَين أَنه لم يعرف عَدَالَته وَضَبطه وَلذَلِك وَصفه بالجفاء وَترك التَّنَزُّه عَن الْبَوْل كَمَا قَالَ عمر فِي فَاطِمَة بنت قيس فِي حَدِيث السُّكْنَى لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت فَهَذَا سَبِيل الْكَلَام على مَا ينْقل من التَّوَقُّف فِي الْأَخْبَار اهـ
هَذَا وَقد عقد الْحَافِظ ابْن حزم فصلا فِي كتاب الإحكام للرَّدّ على من ذمّ الْإِكْثَار من الرِّوَايَة وَقد أحببنا إِيرَاده على طَرِيق التَّلْخِيص تَقْرِيبًا للمرام وتخليصا للمطالع من كثير من الْعبارَات الشَّدِيدَة الإيلام قَالَ فصل فِي فضل الْإِكْثَار من الرِّوَايَة للسنن قَالَ عَليّ وَذهب قوم إِلَى ذمّ الْإِكْثَار من الرِّوَايَة ونسبوا ذَلِك إِلَى عمر وَذكروا أَنه لم يلْتَفت إِلَى رِوَايَة فَاطِمَة بنت قيس فِي أَن لَا نَفَقَة وَلَا سُكْنى للمبتوتة ثَلَاثًا وَأَنه قَالَ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا لكَلَام امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا نسيت
وتوعد أَبَا مُوسَى بِالضَّرْبِ إِن لم يَأْته بِشَاهِد على مَا حدث بِهِ من حكم الاسْتِئْذَان
وَأَن أَبَا بكر الصّديق لم يَأْخُذ بِرِوَايَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فِي مِيرَاث الْجدّة حَتَّى شهد لَهُ بذلك مُحَمَّد بن مسلمة وَأَن عُثْمَان حمل إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب من عِنْد أَبِيه كتاب حكم النَّبِي ﷺ فِي الزَّكَاة فَقَالَ أغنها عَنَّا فَرجع إِلَى أَبِيه فَقَالَ ضع الصَّحِيفَة حَيْثُ وجحدتها
стр. 35
وَأَن ابْن عَبَّاس لم يلْتَفت إِلَى رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فِي الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَلَا إِلَى رِوَايَة عَليّ فِي النَّهْي عَن الْمُتْعَة وَلَا إِلَى رِوَايَة أبي سعيد فِي النَّهْي عَن الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ يدا بيد
وَابْن عمر ذكرت لَهُ رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فِي كلب الزَّرْع فَقَالَ إِن لأبي هيرة زرعا وَذكروا نَحْو هَذَا عَن نفر من التَّابِعين
قَالَ عَليّ وَقَوْلهمْ هَذَا داحض بالبرهان الظَّاهِر وَهُوَ أَن يُقَال لمن ذمّ الْإِكْثَار من الرِّوَايَة أخبرنَا أخير هِيَ أم شَرّ وَلَا سَبِيل إِلَى وَجه ثَالِث فَإِن قَالَ هِيَ خير فالإكثار من الْخَيْر خير وَإِن قَالَ هِيَ شَرّ فالقليل من الشَّرّ شَرّ وهم قد أخذُوا بِنَصِيب مِنْهُ
أما نَحن فَنَقُول إِن الْإِكْثَار مِنْهَا لطلب مَا صَحَّ هُوَ الْخَيْر كُله ثمَّ نقُول لَهُم عرفونا حد الْإِكْثَار من الرِّوَايَة المذموم عنْدكُمْ لنعرف مَا تَكْرَهُونَ وحد الإقلال الْمُسْتَحبّ عنْدكُمْ فَإِن حدوا لذَلِك حدا كَانُوا قد قَالُوا بِغَيْر برهَان وَبِغير علم وَإِن لم يحدوا فِي ذَلِك حدا كَانُوا قد وَقَعُوا فِي أسخف منزلَة إِذْ لَا يَدْرُونَ مَا يُنكرُونَ
وَالْحق أَن الْخَيْر كُله فِي التفقه فِي الْآثَار وَالْقُرْآن وَضبط مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ وَقد حض النَّبِي ﷺ على أَن يبلغ عَنهُ وَهَذَا هُوَ التفقه والنذارة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى بهَا
وليت شعري إِذا كَانَ الْإِكْثَار من الرِّوَايَة شرا فَأَيْنَ الْخَيْر أَفِي التَّقْلِيد الَّذِي لَا يلتزمه إِلَّا جَاهِل أَو متجاهل أم فِي التحكم فِي دين الله بالآراء الَّتِي قد حذر الله تَعَالَى مِنْهَا وزجر النَّبِي ﷺ عَنْهَا
وَقد زعم بَعضهم أَن مَالِكًا كَانَ يسْقط من الْمُوَطَّأ كل سنة وَأَنه لم يحدث بِكَثِير مِمَّا عِنْده وَهَذَا حَال من يُرِيد أَن يمدح فيذم وَيُرِيد أَن يَبْنِي فيهدم فَإِن أَرَادوا
стр. 36
أَن مَالِكًا حدث بِالصَّحِيحِ عِنْده وَترك مَا لم يَصح فقد أحسن وَكَذَلِكَ كل من حدث بِمَا صَحَّ عِنْده كسفيان وَشعْبَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِن أَرَادوا أَنه حدث بالسقيم وَترك الصَّحِيح فقد نزهه الله عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن أَرَادوا أَنه حدث بِصَحِيح وَسَقِيم وَترك صَحِيحا وسقيما فَبَطل مَا أَرَادوا أَن يمدحوه بِهِ وَكَانَ ذما عَظِيما لَو صَحَّ عَلَيْهِ وَأَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك
وممايدل على كذب من قَالَ هَذَا أَن الْمُوَطَّأ أَلفه مَالك بعد موت يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ بِلَا شكّ وَكَانَت وَفَاة يحيى فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين ومئة وَلم يزل الْمُوَطَّأ يرويهِ عَن مَالك مُنْذُ أَلفه طَائِفَة بعد طَائِفَة وَأمة بعد أمة
وَآخر من رَوَاهُ عَنهُ من الثِّقَات أَبُو المصعب الزُّهْرِيّ لصِغَر سنه وعاش بعد موت مَالك ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وموطؤه أكمل الموطآت لِأَن فِيهِ خمس مئة حَدِيث وَتِسْعين حَدِيثا بالمكرر أما بِإِسْقَاط التّكْرَار فَخمس مئة حَدِيث وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا
وَكَانَ سَماع ابْن وهب للموطأ منمالك قبل سَماع أبي المصعب بدهر وَكَذَلِكَ سَماع ابْن الْقَاسِم ومعن بن عِيسَى وَلَيْسَ فِي موطأ ابْن الْقَاسِم إِلَّا خمس مئة حَدِيث وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَفِي موطأ ابْن وهب كَمَا فِي موطأ أبي المصعب وَلَا مزِيد فَبَان كذب هَذَا الْقَائِل
قَالَ عَليّ وَأول من ألف فِي جمع الحَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة وَمعمر ثمَّ مَالك ثمَّ تلاهم النَّاس وَنحن نحمد ذَلِك من فعلهم ونقول إِن لَهُم وَلمن فعل فعلهم أعظم الْأجر لعَظيم مَا قيدوا من السن وَكثير مَا بينوا من الْحق وَمَا رفعوا من الْإِشْكَال فِي الدّين وَمَا فَرجوا بِمَا كتبُوا من حكم الِاخْتِلَاف فَمن أعظم أجرا مِنْهُم جعلنَا الله بمنه مِمَّن تَبِعَهُمْ فِي ذَلِك بِإِحْسَان
وَأما رد عمر لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس فقد خالفته هِيَ وَهِي من المبايعات الْمُهَاجِرَات الصواحب فَهُوَ تنَازع بَين أولي الْأَمر وَلَيْسَ قَول أَحدهمَا بِأولى من
стр. 37
قَول الآخر إِلَّا بِنَصّ وَالنَّص مُوَافق لقولها وَهُوَ فِي رد ذَلِك مُجْتَهد مأجور مرّة وَلَا تعلق للمستدلين بِهَذَا الْخَبَر فَإِنَّهُم قد خالفوا الِاثْنَيْنِ كليهمَا
وَأما مَا ذكرُوا من نهي عمر عَن الْإِكْثَار من الحَدِيث فحدثنا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا أَحْمد بن عون حَدثنَا قَاسم بن أصبغ حَدثنَا الْخُشَنِي حَدثنَا بنْدَار حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا شُعْبَة عَن بَيَان عَن الشّعبِيّ عَن قرظة هُوَ ابْن كَعْب الْأنْصَارِيّ قَالَ شيعنا عمر بن الْخطاب إِلَى صرار فَانْتهى إِلَى مَكَان فِيهِ فَتَوَضَّأ فَقَالَ تَدْرُونَ لم شيعتكم قُلْنَا لحق الصُّحْبَة قَالَ إِنَّكُم ستأتون قوما تهتز ألسنتهم بِالْقُرْآنِ كاهتزاز النّخل فَلَا تصدوهم بِالْحَدِيثِ عَن رَسُول الله ﷺ وَأَنا شريككم قَالَ قرظة فَمَا حدثت بِشَيْء بعد وَلَقَد سَمِعت كَمَا سمع أَصْحَابِي
فَهَذَا لم يذكر فِيهِ الشّعبِيّ أَنه سَمعه من قرظة وَمَا نعلم أَن الشّعبِيّ لَقِي قرظة وَلَا سمع مِنْهُ بل لَا شكّ فِي ذَلِك لِأَن قرظة مَاتَ والمغيرة بن شُعْبَة أَمِير بِالْكُوفَةِ هَذَا مَذْكُور فِي الْخَبَر الثَّابِت الْمسند أول من نيح عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قرظة بن كَعْب فَذكر الْمُغيرَة عِنْد ذَلِك خَبرا مُسْندًا فِي النوح وَمَات الْمُغيرَة سنة خمسين بِلَا شكّ وَالشعْبِيّ أقرب إِلَى الصِّبَا فَلَا شكّ أَنه لم يلق قرظة قطّ فَسقط هَذَا
стр. 38
الْخَبَر بل ذكر بعض أهل الْعلم بالأخبار أَن قرظة بن كَعْب مَاتَ وَعلي بِالْكُوفَةِ فصح يَقِينا أَن الشّعبِيّ لم يلق قرظة
قَالَ عَليّ وَرووا عَنهُ أَنه حبس عبد الله بن مَسْعُود من أجل الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ كَمَا روينَا بالسند الْمَذْكُور إِلَى بنْدَار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أَبِيه قَالَ قَالَ عمر لِابْنِ مَسْعُود وَلأبي الدَّرْدَاء وَلأبي ذَر مَا هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَأَحْسبهُ أَنه لم يدعهم أَن يخرجُوا من الْمَدِينَة حَتَّى مَاتَ قَالَ عَليّ هَذَا مُرْسل ومشكوك فِيهِ من شُعْبَة فَلَا يَصح وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ثمَّ هُوَ فِي نَفسه ظَاهر الْكَذِب والتوليد
وَقد حدث عمر بِحَدِيث كثير فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ خمس مئة حَدِيث ونيف على قرب مَوته من موت النَّبِي ﷺ فَهُوَ كثير الرِّوَايَة وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة أَكثر رِوَايَة مِنْهُ إِلَّا بضعَة عشر مِنْهُم
وَالَّذِي صَحَّ عَن عمر أَنه تشدد فِي الحَدِيث وَكَانَ يُكَلف من حَدثهُ بِحَدِيث أَن يَأْتِي بآخر سَمعه مَعَه وَإِنَّمَا فعل ذَلِك اجْتِهَادًا مِنْهُ
وَأما الرِّوَايَة عَن أبي بكر الصّديق فمنقطعة لَا تصح وَلَو صحت لما كَانَ لَهُم فِيهَا حجَّة لأَنهم يَقُولُونَ بِخَبَر الْوَاحِد إِذا وافقهم وَلَا معنى لطلب راو آخر عِنْدهم فَالَّذِي يدْخل خبر الْوَاحِد يدْخل خبر الِاثْنَيْنِ وَلَا فرق إِلَّا أَن يفرق بَين ذَلِك بِنَصّ فَيُوقف عِنْده
وَأما خبر عُثْمَان فَلَا نَدْرِي على أَي وَجه أوردوه وَالَّذِي نظن بعثمان أَنه كَانَ عِنْده عَن النَّبِي ﷺ رِوَايَة فِي صفة الزَّكَاة اسْتغنى بهَا عَمَّا عِنْد عَليّ بل نقطع عَلَيْهِ بِهَذَا قطعا وَلَا وَجه لذَلِك الْخَبَر سوى هَذَا أَو المجاهرة بالمخالفة وَقد أَعَاذَهُ الله من ذَلِك
وَأما ابْن عَبَّاس فقد روى فِي الْمُتْعَة إِبَاحَة شَهِدَهَا وَثَبت عَلَيْهَا وَلم يُحَقّق النّظر
стр. 39
وروى فِي الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ خَبرا عَن أُسَامَة عَن النَّبِي ﷺ وليت شعري من جعل قَوْله أولى من قَول من خَالفه فِي ذَلِك
وَأما قَول ابْن عمر إِن لأبي هُرَيْرَة زرعا فَصدق وَلَيْسَ فِي هَذَا رد لروايته
فَالْوَاجِب الرَّد المفترض الَّذِي لَا يسوغ سواهُ وَهُوَ الرَّد إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الرَّسُول ﵊ وَقد أَمر الله تَعَالَى بِطَاعَة رَسُوله وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِلَّا بِنَقْل كَلَامه وَضَبطه وتبليغه وَقد حض ﵊ على تَبْلِيغ الحَدِيث عَنهُ فَقَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع لجَمِيع من حضر أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَسقط قَول من ذمّ الْإِكْثَار من الحَدِيث
ثمَّ الْعجب من إيرادهم لهَذِهِ الْآثَار الَّتِي ذكرنَا عَمَّن أوردوها عَنهُ فوَاللَّه الْعَظِيم لَا أَدْرِي غرضهم فِي ذَلِك وَلَا منفعتهم بهَا لأَنهم إِن كَانُوا أوردوها طَعنا فِي القَوْل بِخَبَر الْوَاحِد فَلَيْسَ هَذَا قَوْلهم بل هم كلهم يَقُولُونَ بِخَبَر الْوَاحِد وَأَيْضًا فَهِيَ كلهَا أَخْبَار آحَاد وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا حجَّة عِنْد من لَا يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا عَجِيب جدا أَو يَكُونُوا أوردوها على إِبَاحَة رد الْمَرْء مَا لم يُوَافقهُ من خبر الْوَاحِد وَأخذ مَا وَافقه من ذَلِك فَهَذَا هوس لِأَن لخصومهم أَن يردوا بِهَذَا نَفسه مَا أخذُوا هم بِهِ ويأخذوا مَا ردُّوهُ هم مِنْهُ
فَإِن قَالَ قَائِل الحَدِيث قد يدْخلهُ السَّهْو والغلط قيل لَهُ إِن كنت مِمَّن يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد فاترك كل حَدِيث أخذت بِهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ فِي قَوْلك مُحْتَمل أَن يكون دخل فِيهِ السَّهْو والغلط وَإِن كنت مُقَلدًا فااترك كل من قلدت فَإِن السَّهْو والغلط يدخلَانِ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَقد يدخلَانِ أَيْضا فِي الروَاة عَنْهُم الَّذين أخذت دينك عَنْهُم وَإِن كنت مِمَّن يبطل خبر الْوَاحِد فقد أثبتنا بالبرهان وجوب قبُوله
стр. 40
الْفَصْل الرَّابِع
فِي تَمْيِيز عُلَمَاء الحَدِيث مَا ثَبت مِنْهُ مِمَّا لم يثبت
اعْلَم أَن أَئِمَّة الحَدِيث لما شرعوا فِي تدوينه دونوه على الْهَيْئَة الَّتِي وصل بهَا إِلَيْهِم وَلم يسقطوا مِمَّا وصل إِلَيْهِم فِي الْأَكْثَر إِلَّا مَا يعلم أَنه مَوْضُوع مختلق فَجمعُوا مَا رووا مِنْهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي رَوَوْهُ بهَا ثمَّ بحثوا عَن أَحْوَال الروَاة بحثا شَدِيدا حَتَّى عرفُوا من تقبل رِوَايَته وَمن ترد وَمن يتَوَقَّف فِي قبُول رِوَايَته
وأتبعوا ذَلِك بالبحث عَن الْمَرْوِيّ وَحَال الرِّوَايَة إِذْ لَيْسَ كل مَا يرويهِ من كَانَ موسوما بِالْعَدَالَةِ والضبط يُؤْخَذ بِهِ لما أَنه قد يعرض لَهُ السَّهْو أَو النسْيَان أَو الْوَهم وَلَهُم فِي معرفَة ذَلِك طرق مَذْكُورَة فِي كتبهمْ وَكتب عُلَمَاء الْأُصُول وَقد تمّ لَهُم بذلك مَا أَرَادوا من معرفَة دَرَجَة كل حَدِيث وصل إِلَيْهِم على قدر الوسع والإمكان فَصَارَ لَهُم من الْأجر الجزيل وَالذكر الْجَمِيل مَا هُوَ كفاء لما لقوه فِي ذَلِك من فرط العناء
وَقد دعاهم النّظر فِي أَحْوَال الروَاة والمروي وَالرِّوَايَة إِلَى أَن يصطلحوا على أَسمَاء يتداولونها بَينهم تسهيلا للبحث كَمَا فعل غَيرهم من أَرْبَاب الْفُنُون وَقد جعل من بعدهمْ مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ فَنًّا مُسْتقِلّا سموهُ بمصطلح أهل الْأَثر وَقد اعتنى الْعلمَاء الْأَعْلَام بِهِ وألفوا فِيهِ مؤلفات كَثِيرَة وَهُوَ فن لَا يسع طَالب علم الْأَثر جَهله
وَقد رَأَيْت أَن أورد مِنْهُ فِيمَا يَأْتِي مَا ظهر لي عظم جدواه فِيمَا عَمَدت إِلَيْهِ ولنبدأ بِذكر فَوَائِد مهمة تتَعَلَّق بذلك
следующие страницы →