← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَن مَالِكًا حدث بِالصَّحِيحِ عِنْده وَترك مَا لم يَصح فقد أحسن وَكَذَلِكَ كل من حدث بِمَا صَحَّ عِنْده كسفيان وَشعْبَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِن أَرَادوا أَنه حدث بالسقيم وَترك الصَّحِيح فقد نزهه الله عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن أَرَادوا أَنه حدث بِصَحِيح وَسَقِيم وَترك صَحِيحا وسقيما فَبَطل مَا أَرَادوا أَن يمدحوه بِهِ وَكَانَ ذما عَظِيما لَو صَحَّ عَلَيْهِ وَأَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وممايدل على كذب من قَالَ هَذَا أَن الْمُوَطَّأ أَلفه مَالك بعد موت يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ بِلَا شكّ وَكَانَت وَفَاة يحيى فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين ومئة وَلم يزل الْمُوَطَّأ يرويهِ عَن مَالك مُنْذُ أَلفه طَائِفَة بعد طَائِفَة وَأمة بعد أمة وَآخر من رَوَاهُ عَنهُ من الثِّقَات أَبُو المصعب الزُّهْرِيّ لصِغَر سنه وعاش بعد موت مَالك ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وموطؤه أكمل الموطآت لِأَن فِيهِ خمس مئة حَدِيث وَتِسْعين حَدِيثا بالمكرر أما بِإِسْقَاط التّكْرَار فَخمس مئة حَدِيث وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ حَدِيثا وَكَانَ سَماع ابْن وهب للموطأ منمالك قبل سَماع أبي المصعب بدهر وَكَذَلِكَ سَماع ابْن الْقَاسِم ومعن بن عِيسَى وَلَيْسَ فِي موطأ ابْن الْقَاسِم إِلَّا خمس مئة حَدِيث وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَفِي موطأ ابْن وهب كَمَا فِي موطأ أبي المصعب وَلَا مزِيد فَبَان كذب هَذَا الْقَائِل قَالَ عَليّ وَأول من ألف فِي جمع الحَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة وَمعمر ثمَّ مَالك ثمَّ تلاهم النَّاس وَنحن نحمد ذَلِك من فعلهم ونقول إِن لَهُم وَلمن فعل فعلهم أعظم الْأجر لعَظيم مَا قيدوا من السن وَكثير مَا بينوا من الْحق وَمَا رفعوا من الْإِشْكَال فِي الدّين وَمَا فَرجوا بِمَا كتبُوا من حكم الِاخْتِلَاف فَمن أعظم أجرا مِنْهُم جعلنَا الله بمنه مِمَّن تَبِعَهُمْ فِي ذَلِك بِإِحْسَان وَأما رد عمر لحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس فقد خالفته هِيَ وَهِي من المبايعات الْمُهَاجِرَات الصواحب فَهُوَ تنَازع بَين أولي الْأَمر وَلَيْسَ قَول أَحدهمَا بِأولى من

стр. 37

قَول الآخر إِلَّا بِنَصّ وَالنَّص مُوَافق لقولها وَهُوَ فِي رد ذَلِك مُجْتَهد مأجور مرّة وَلَا تعلق للمستدلين بِهَذَا الْخَبَر فَإِنَّهُم قد خالفوا الِاثْنَيْنِ كليهمَا وَأما مَا ذكرُوا من نهي عمر عَن الْإِكْثَار من الحَدِيث فحدثنا مُحَمَّد بن سعيد حَدثنَا أَحْمد بن عون حَدثنَا قَاسم بن أصبغ حَدثنَا الْخُشَنِي حَدثنَا بنْدَار حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا شُعْبَة عَن بَيَان عَن الشّعبِيّ عَن قرظة هُوَ ابْن كَعْب الْأنْصَارِيّ قَالَ شيعنا عمر بن الْخطاب إِلَى صرار فَانْتهى إِلَى مَكَان فِيهِ فَتَوَضَّأ فَقَالَ تَدْرُونَ لم شيعتكم قُلْنَا لحق الصُّحْبَة قَالَ إِنَّكُم ستأتون قوما تهتز ألسنتهم بِالْقُرْآنِ كاهتزاز النّخل فَلَا تصدوهم بِالْحَدِيثِ عَن رَسُول الله ﷺ وَأَنا شريككم قَالَ قرظة فَمَا حدثت بِشَيْء بعد وَلَقَد سَمِعت كَمَا سمع أَصْحَابِي فَهَذَا لم يذكر فِيهِ الشّعبِيّ أَنه سَمعه من قرظة وَمَا نعلم أَن الشّعبِيّ لَقِي قرظة وَلَا سمع مِنْهُ بل لَا شكّ فِي ذَلِك لِأَن قرظة مَاتَ والمغيرة بن شُعْبَة أَمِير بِالْكُوفَةِ هَذَا مَذْكُور فِي الْخَبَر الثَّابِت الْمسند أول من نيح عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قرظة بن كَعْب فَذكر الْمُغيرَة عِنْد ذَلِك خَبرا مُسْندًا فِي النوح وَمَات الْمُغيرَة سنة خمسين بِلَا شكّ وَالشعْبِيّ أقرب إِلَى الصِّبَا فَلَا شكّ أَنه لم يلق قرظة قطّ فَسقط هَذَا

стр. 38

الْخَبَر بل ذكر بعض أهل الْعلم بالأخبار أَن قرظة بن كَعْب مَاتَ وَعلي بِالْكُوفَةِ فصح يَقِينا أَن الشّعبِيّ لم يلق قرظة قَالَ عَليّ وَرووا عَنهُ أَنه حبس عبد الله بن مَسْعُود من أجل الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ كَمَا روينَا بالسند الْمَذْكُور إِلَى بنْدَار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أَبِيه قَالَ قَالَ عمر لِابْنِ مَسْعُود وَلأبي الدَّرْدَاء وَلأبي ذَر مَا هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَأَحْسبهُ أَنه لم يدعهم أَن يخرجُوا من الْمَدِينَة حَتَّى مَاتَ قَالَ عَليّ هَذَا مُرْسل ومشكوك فِيهِ من شُعْبَة فَلَا يَصح وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ثمَّ هُوَ فِي نَفسه ظَاهر الْكَذِب والتوليد وَقد حدث عمر بِحَدِيث كثير فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ خمس مئة حَدِيث ونيف على قرب مَوته من موت النَّبِي ﷺ فَهُوَ كثير الرِّوَايَة وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة أَكثر رِوَايَة مِنْهُ إِلَّا بضعَة عشر مِنْهُم وَالَّذِي صَحَّ عَن عمر أَنه تشدد فِي الحَدِيث وَكَانَ يُكَلف من حَدثهُ بِحَدِيث أَن يَأْتِي بآخر سَمعه مَعَه وَإِنَّمَا فعل ذَلِك اجْتِهَادًا مِنْهُ وَأما الرِّوَايَة عَن أبي بكر الصّديق فمنقطعة لَا تصح وَلَو صحت لما كَانَ لَهُم فِيهَا حجَّة لأَنهم يَقُولُونَ بِخَبَر الْوَاحِد إِذا وافقهم وَلَا معنى لطلب راو آخر عِنْدهم فَالَّذِي يدْخل خبر الْوَاحِد يدْخل خبر الِاثْنَيْنِ وَلَا فرق إِلَّا أَن يفرق بَين ذَلِك بِنَصّ فَيُوقف عِنْده وَأما خبر عُثْمَان فَلَا نَدْرِي على أَي وَجه أوردوه وَالَّذِي نظن بعثمان أَنه كَانَ عِنْده عَن النَّبِي ﷺ رِوَايَة فِي صفة الزَّكَاة اسْتغنى بهَا عَمَّا عِنْد عَليّ بل نقطع عَلَيْهِ بِهَذَا قطعا وَلَا وَجه لذَلِك الْخَبَر سوى هَذَا أَو المجاهرة بالمخالفة وَقد أَعَاذَهُ الله من ذَلِك وَأما ابْن عَبَّاس فقد روى فِي الْمُتْعَة إِبَاحَة شَهِدَهَا وَثَبت عَلَيْهَا وَلم يُحَقّق النّظر

стр. 39

وروى فِي الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ خَبرا عَن أُسَامَة عَن النَّبِي ﷺ وليت شعري من جعل قَوْله أولى من قَول من خَالفه فِي ذَلِك وَأما قَول ابْن عمر إِن لأبي هُرَيْرَة زرعا فَصدق وَلَيْسَ فِي هَذَا رد لروايته فَالْوَاجِب الرَّد المفترض الَّذِي لَا يسوغ سواهُ وَهُوَ الرَّد إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الرَّسُول ﵊ وَقد أَمر الله تَعَالَى بِطَاعَة رَسُوله وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِلَّا بِنَقْل كَلَامه وَضَبطه وتبليغه وَقد حض ﵊ على تَبْلِيغ الحَدِيث عَنهُ فَقَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع لجَمِيع من حضر أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَسقط قَول من ذمّ الْإِكْثَار من الحَدِيث ثمَّ الْعجب من إيرادهم لهَذِهِ الْآثَار الَّتِي ذكرنَا عَمَّن أوردوها عَنهُ فوَاللَّه الْعَظِيم لَا أَدْرِي غرضهم فِي ذَلِك وَلَا منفعتهم بهَا لأَنهم إِن كَانُوا أوردوها طَعنا فِي القَوْل بِخَبَر الْوَاحِد فَلَيْسَ هَذَا قَوْلهم بل هم كلهم يَقُولُونَ بِخَبَر الْوَاحِد وَأَيْضًا فَهِيَ كلهَا أَخْبَار آحَاد وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا حجَّة عِنْد من لَا يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا عَجِيب جدا أَو يَكُونُوا أوردوها على إِبَاحَة رد الْمَرْء مَا لم يُوَافقهُ من خبر الْوَاحِد وَأخذ مَا وَافقه من ذَلِك فَهَذَا هوس لِأَن لخصومهم أَن يردوا بِهَذَا نَفسه مَا أخذُوا هم بِهِ ويأخذوا مَا ردُّوهُ هم مِنْهُ فَإِن قَالَ قَائِل الحَدِيث قد يدْخلهُ السَّهْو والغلط قيل لَهُ إِن كنت مِمَّن يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد فاترك كل حَدِيث أخذت بِهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ فِي قَوْلك مُحْتَمل أَن يكون دخل فِيهِ السَّهْو والغلط وَإِن كنت مُقَلدًا فااترك كل من قلدت فَإِن السَّهْو والغلط يدخلَانِ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَقد يدخلَانِ أَيْضا فِي الروَاة عَنْهُم الَّذين أخذت دينك عَنْهُم وَإِن كنت مِمَّن يبطل خبر الْوَاحِد فقد أثبتنا بالبرهان وجوب قبُوله

стр. 40

الْفَصْل الرَّابِع فِي تَمْيِيز عُلَمَاء الحَدِيث مَا ثَبت مِنْهُ مِمَّا لم يثبت اعْلَم أَن أَئِمَّة الحَدِيث لما شرعوا فِي تدوينه دونوه على الْهَيْئَة الَّتِي وصل بهَا إِلَيْهِم وَلم يسقطوا مِمَّا وصل إِلَيْهِم فِي الْأَكْثَر إِلَّا مَا يعلم أَنه مَوْضُوع مختلق فَجمعُوا مَا رووا مِنْهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي رَوَوْهُ بهَا ثمَّ بحثوا عَن أَحْوَال الروَاة بحثا شَدِيدا حَتَّى عرفُوا من تقبل رِوَايَته وَمن ترد وَمن يتَوَقَّف فِي قبُول رِوَايَته وأتبعوا ذَلِك بالبحث عَن الْمَرْوِيّ وَحَال الرِّوَايَة إِذْ لَيْسَ كل مَا يرويهِ من كَانَ موسوما بِالْعَدَالَةِ والضبط يُؤْخَذ بِهِ لما أَنه قد يعرض لَهُ السَّهْو أَو النسْيَان أَو الْوَهم وَلَهُم فِي معرفَة ذَلِك طرق مَذْكُورَة فِي كتبهمْ وَكتب عُلَمَاء الْأُصُول وَقد تمّ لَهُم بذلك مَا أَرَادوا من معرفَة دَرَجَة كل حَدِيث وصل إِلَيْهِم على قدر الوسع والإمكان فَصَارَ لَهُم من الْأجر الجزيل وَالذكر الْجَمِيل مَا هُوَ كفاء لما لقوه فِي ذَلِك من فرط العناء وَقد دعاهم النّظر فِي أَحْوَال الروَاة والمروي وَالرِّوَايَة إِلَى أَن يصطلحوا على أَسمَاء يتداولونها بَينهم تسهيلا للبحث كَمَا فعل غَيرهم من أَرْبَاب الْفُنُون وَقد جعل من بعدهمْ مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ فَنًّا مُسْتقِلّا سموهُ بمصطلح أهل الْأَثر وَقد اعتنى الْعلمَاء الْأَعْلَام بِهِ وألفوا فِيهِ مؤلفات كَثِيرَة وَهُوَ فن لَا يسع طَالب علم الْأَثر جَهله وَقد رَأَيْت أَن أورد مِنْهُ فِيمَا يَأْتِي مَا ظهر لي عظم جدواه فِيمَا عَمَدت إِلَيْهِ ولنبدأ بِذكر فَوَائِد مهمة تتَعَلَّق بذلك

стр. 41

الْفَائِدَة الأولى الِاصْطِلَاح اتِّفَاق الْقَوْم على اسْتِعْمَال لفظ فِي معنى معِين غير الْمَعْنى الَّذِي وضع لَهُ فِي أصل اللُّغَة وَذَلِكَ كَلَفْظِ الْوَاجِب فَإِنَّهُ فِي أصل اللُّغَة بِمَعْنى الثَّابِت وَاللَّازِم وَقد اصْطلحَ الْفُقَهَاء على وَضعه لما يُثَاب الْمَرْء على فعله ويعاقب على تَركه واصطلح المتكلمون على وَضعه لما لَا يتَصَوَّر فِي الْعقل عَدمه وَاللَّفْظ إِذا اسْتعْمل فِي الْمَعْنى الَّذِي وَضعه لَهُ المصطلحون يكون حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم ومجازا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهم قَالَ فِي الْمِفْتَاح الْحَقِيقَة هِيَ الْكَلِمَة المستعملة فِي مَعْنَاهَا بالتحقيق والحقيقة تَنْقَسِم عِنْد الْعلمَاء إِلَى لغوية وشرعية وعرفية وَالسَّبَب فِي انقسامها هَذَا هُوَ مَا عرفت أَن اللَّفْظَة يمْتَنع أَن تدل على مُسَمّى من غير وضع فَمَتَى رَأَيْتهَا دَالَّة لم تشك فِي أَن لَهَا وضعا وَأَن لوضعها صاحبا فالحقيقة لدلالتها على الْمَعْنى تستدعي صَاحب وضع قطعا فَمَتَى تعين عنْدك نسبت الْحَقِيقَة إِلَيْهِ فَقلت لغوية إِن كَانَ صَاحب وَضعهَا وَاضع اللُّغَة وَقلت شَرْعِيَّة إِن كَانَ صَاحب وَضعهَا الشَّارِع وَمَتى لم يتَعَيَّن قلت عرفية وَهَذَا المأخذ يعرفك أَن انقسام الْحَقِيقَة إِلَى أَكثر مِمَّا هِيَ منقسمة إِلَيْهِ غير مُمْتَنع فِي نفس الْأَمر اهـ هَذَا وَقد ذكر الْمُحَقِّقُونَ أَنه يَنْبَغِي لمن تكلم فِي فن من الْفُنُون أَن يُورد الْأَلْفَاظ المتعارفة فِيهِ مُسْتَعْملا لَهَا فِي مَعَانِيهَا الْمَعْرُوفَة عِنْد أربابه ومخالف ذَلِك إِمَّا جَاهِل بِمُقْتَضى الْمقَام أَو قَاصد للإبهام أَو الْإِيهَام مِثَال ذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ أَن يَقُول قَائِل عَن حَدِيث ضَعِيف إِنَّه حَدِيث حسن فَإِذا اعْترض عَلَيْهِ قَالَ وَصفته بالْحسنِ بِاعْتِبَار الْمَعْنى اللّغَوِيّ لاشتمال هَذَا الحَدِيث على حِكْمَة بَالِغَة وَأما قَوْلهم لَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح فَهُوَ من قبيل تمحل الْعذر وَقَائِل ذَلِك عاذل فِي صُورَة عاذر

стр. 42

مِثَال ذَلِك فِي الرَّاوِي أَن يُقَال كل راو يكون عدلا ضابطا فَهُوَ مَقْبُول الرِّوَايَة وكل راو يكون غير عدل أَو غير ضَابِط فَهُوَ مَرْدُود الرِّوَايَة وَمِثَال ذَلِك فِي الْمَرْوِيّ أَن يُقَال كل مَرْوِيّ تكون رُوَاته أهل عَدَالَة وَضبط فَهُوَ مَقْبُول يحْتَج بِهِ وكل مَرْوِيّ لَا تكون رُوَاته من أهل الْعَدَالَة والضبط فَهُوَ مَرْدُود لَا يحْتَج بِهِ وَأما معرفَة حَال الرَّاوِي الْمعِين وَحَال الْمَرْوِيّ الْمعِين فَإِنَّمَا تكون بالبحث عَنهُ بِعَيْنِه على الطَّرِيقَة الَّتِي جرى عَلَيْهَا أَئِمَّة الحَدِيث وَقد قَامُوا بذلك أحسن قيام فكفوا من بعدهمْ المؤونة وَقَوله من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ احْتَرز بِهِ عَن معرفَة حَال الرَّاوِي والمروي من جِهَة أُخْرَى ككون الرَّاوِي أَبيض أَو أسود أَو كَون الْمَرْوِيّ كلَاما ظَاهر الدّلَالَة على الْمَعْنى أَو خَفِي الدّلَالَة عَلَيْهِ وَاعْترض عَلَيْهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون الْمَحْمُول فِي مسَائِل هَذَا الْفَنّ هُوَ قَوْلك مَقْبُول أَو مَرْدُود فَتكون الْمسَائِل الَّتِي محمولها غير ذَلِك مثل صَحِيح أَو حسن أَو ضَعِيف وَنَحْوهَا خَارِجَة عَن هَذَا الْفَنّ وَثَانِيها ان تكون مسَائِل هَذَا الْفَنّ كلهَا ترجع إِلَى قَوْلك الرَّاوِي من حَيْثُ كَذَا مَقْبُول وَمن حَيْثُ كَذَا مَرْدُود والمروي كَذَلِك وَأما مَا يُقَال من أَن فِي هَذَا الْفَنّ مسَائِل لَا تتَعَلَّق بِالْقبُولِ وَالرَّدّ كآداب الشَّيْخ والطالب وَنَحْو ذَلِك فالخطب فِيهِ سهل فَإِن أَكثر الْفُنُون قد يتَعَرَّض فِيهَا لمباحث غير مَقْصُودَة بِالذَّاتِ غير أَن لَهَا تعلقا بِالْمَقْصُودِ فَتكون كالتتمة وَهُوَ أَمر لَا يُنكر

стр. 43

وَالْأولَى تَسْمِيَة هَذَا الْفَنّ بِالِاسْمِ الأول فَإِنَّهُ أدل على الْمَقْصُود وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْإِبْهَام أَو الْإِيهَام وَقد جرى على ذَلِك الْحَافِظ ابْن حجر فَسمى رسَالَته الْمَشْهُورَة فِيهِ ب نخبة الْفِكر فِي مصطلح أهل الْأَثر الْفَائِدَة الثَّالِثَة قد قسموا علم الحَدِيث أَولا إِلَى قسمَيْنِ قسم يتَعَلَّق بروايته وَقسم يتَعَلَّق بدرايته ثمَّ قسموا كل قسم مِنْهَا إِلَى أَقسَام سموا كل وَاحِد مِنْهَا باسم وَمن أَرَادَ معرفَة ذَلِك فَليرْجع إِلَى الْكتب المبسوطة فِي علم الحَدِيث وَقد أحببنا الِاقْتِصَار هُنَا على تَعْرِيف الْعلم الْمُتَعَلّق بروايته وَالْعلم الْمُتَعَلّق بدرايته وَقد تعرض لذَلِك صَاحب إرشاد القاصد فِي أثْنَاء بَيَان الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فآثرنا إِيرَاد الْمقَالة بِتَمَامِهَا رِعَايَة لاتصال الْكَلَام وَلما فِيهَا من الْفَوَائِد الَّتِي لَا يسْتَغْنى عَنْهَا فِي هَذَا الْمقَام قَالَ من الْمَعْلُوم أَن إرْسَال الرُّسُل ﵈ إِنَّمَا هُوَ لطف من الله تَعَالَى بخلقه وَرَحْمَة لَهُم ليتم لَهُم امْر معاشهم ويتبين حَال معادهم فتشتمل الشَّرِيعَة ضَرُورَة على المعتقدات الصَّحِيحَة الَّتِي يجب التَّصْدِيق بهَا والعبادات المقربة إِلَى الله تَعَالَى مِمَّا يجب الْقيام بِهِ والمواظبة عَلَيْهَا وَالْأَمر بالفضائل وَالنَّهْي عَن الرذائل مِمَّا يجب قبُوله فينتظم من ذَلِك ثَمَانِيَة عُلُوم شَرْعِيَّة وَهِي علم الْقرَاءَات وَعلم رِوَايَة الحَدِيث وَعلم تَفْسِير الْكتاب الْمنزل على النَّبِي الْمُرْسل وَعلم دراية الحَدِيث وَعلم أصُول الدّين وَعلم أصُول الفقة وَعلم الجدل وَعلم الْفِقْه

стр. 44

وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود إِمَّا النَّقْل وَإِمَّا فهم الْمَنْقُول وَإِمَّا تَقْرِيره وَإِمَّا تشييده بالأدلة وَإِمَّا اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام المستنبطة وَالنَّقْل إِن كَانَ لما أَتَى بِهِ الرَّسُول عَن الله تَعَالَى بِوَاسِطَة الْوَحْي فَهُوَ علم الْقرَاءَات أَو لما صدر عَن نَفسه المؤيدة بالعصمة فَعلم رِوَايَة الحَدِيث وَفهم الْمَنْقُول إِن كَانَ من كَلَام الله تَعَالَى فَعلم تَفْسِير الْقُرْآن أَو من كَلَام الرَّسُول فَعلم دراية الحَدِيث والتقرير إِمَّا للآراء فَعلم أصُول الحدين أَو للأفعال فَعلم أصُول الْفِقْه وَمَا يستعان بِهِ على التَّقْرِير علم الجدل وَمَعْرِفَة الْأَحْكَام المستنبطة علم الْفِقْه وَلَا خَفَاء لَدَى ذِي حجر بِمَا فِي هَذِه الْعُلُوم من جملَة من الْمَنَافِع أما فِي الدُّنْيَا فحفظ المهج وَالْأَمْوَال وانتظام سَائِر الْأَحْوَال وَأما فِي الْأُخْرَى فَالنَّجَاةُ من الْعَذَاب الْأَلِيم والفوز بالنعيم الْمُقِيم فلنذكرها على التَّفْصِيل برسومها ونشير إِلَى الْكتب المفيدة علم الْقِرَاءَة علم بِنَقْل لُغَة الْقُرْآن وَإِعْرَابه الثَّابِت بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِل وَمن الْكتب الْمَشْهُورَة المختصرة فِيهِ التَّيْسِير ونظمه الشاطبي برد الله مضجعه فِي لاميته الْمَشْهُورَة فنسخت سَائِر كتب الْفَنّ لضبطها بالنظم وَلابْن مَالك ﵀ دالية بديعة فِي علم الْقرَاءَات لَكِنَّهَا لم تشتهر وَمن الْكتب المبسوطة كتاب الرَّوْضَة وشروح الشاطبية علم رِوَايَة الحَدِيث علم بِنَقْل أَقْوَال النَّبِي ﷺ وأفعاله بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِل وضبطها وتحريرها

стр. 45

وأضبط الْكتب الْمجمع على صِحَّتهَا كتاب البُخَارِيّ وَكتاب مُسلم وبعدهما بَقِيَّة كتاب السّنَن الْمَشْهُورَة كسنن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالدَّارَقُطْنِيّ

стр. 46

والمسندات الْمَشْهُورَة كمسند أَحْمد وَابْن أبي شيبَة وَالْبَزَّار وَنَحْوهَا وزهر الخمائل لِابْنِ سيد النَّاس مستوعب للسير النَّبَوِيَّة وَمن الْكتب الْمُشْتَملَة على متون الْأَحَادِيث الْمُجَرَّدَة من هَذِه الْكتب الْإِلْمَام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد فِيمَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ ورياض الصَّالِحين للنووي فِيمَا يتَعَلَّق بالترغيبات والترهيبات علم التَّفْسِير علم يشْتَمل على معرفَة فهم كتاب الله الْمنزل على نبيه الْمُرْسل ﷺ وَبَيَان مَعَانِيه واستخراج أَحْكَامه وَحكمه

стр. 47

والعلوم الموصلة إِلَى علم التَّفْسِير فِي اللُّغَة وَعلم النَّحْو وَعلم التصريف وَعلم الْمعَانِي وَعلم الْبَيَان وَعلم البديع وَعلم الْقرَاءَات وَيحْتَاج إِلَى معرفَة أَسبَاب النُّزُول وَأَحْكَام النَّاسِخ والمنسوخ وَإِلَى معرفَة أَخْبَار أهل الْكتاب ويستعان فِيهِ بِعلم أصُول الْفِقْه وَعلم الجدل وَمن الْكتب المختصرة فِيهِ زَاد الْمسير لِابْنِ الْجَوْزِيّ وَالْوَجِيز لِلْوَاحِدِيِّ وَمن المتوسطة تَفْسِير الماتريدي والكشاف للزمخشري وَتَفْسِير الْبَغَوِيّ وَتَفْسِير الكواشي وَمن المبسوطة الْبَسِيط لِلْوَاحِدِيِّ وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ومفاتيح الْغَيْب للْإِمَام فَخر الدّين بن الْخَطِيب وَاعْلَم أَن أَكثر الْمُفَسّرين اقْتصر على الْفَنّ الَّذِي يغلب عَلَيْهِ فالثعلبي تغلب عَلَيْهِ الْقَصَص وَابْن عَطِيَّة تغلب عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة وَابْن الْفرس أَحْكَام الْفِقْه والزجاج الْمعَانِي وَنَحْو ذَلِك وَهَاهُنَا بحث وَهُوَ من الْمَعْلُوم الْبَين أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا خَاطب خلقه بِمَا يفهمونه وَلذَلِك أرسل كل رَسُول بِلِسَان قومه وَأنزل كتاب كل قوم على لغتهم وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى التَّفْسِير لما سَنذكرُهُ بعد تَقْرِير قَاعِدَة وَهِي أَن كل من وضع من الْبشر كتابا فَإِنَّمَا وَضعه ليفهم بِذَاتِهِ من غير شرح وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى الشَّرْح لأمور ثَلَاثَة أَحدهَا كَمَال فَضِيلَة المُصَنّف فَإِنَّهُ بجودة ذهنه وَحسن عِبَارَته يتَكَلَّم على معَان دقيقة بِكَلَام وجيز يرَاهُ كَافِيا فِي الدّلَالَة على الْمَطْلُوب وَغَيره لَيْسَ فِي مرتبته فَرُبمَا عسر عَلَيْهِ فهم بَعْضهَا أَو تعذر فَيحْتَاج إِلَى زِيَادَة بسط فِي الْعبارَة لتظهر تِلْكَ الْمعَانِي الْخفية وَمن هُنَا شرح بعض الْعلمَاء تصنيفه وَثَانِيها حذف بعض مُقَدمَات الأقيسة اعْتِمَادًا على وضوحها أَو لِأَنَّهَا من علم آخر وَكَذَلِكَ تَرْتِيب إهمال بعض الأقيسة وإغفال علل بعض القضايا

стр. 48

فَيحْتَاج الشَّارِح أَن يذكر الْمُقدمَات المهملات وَيبين مَا يُمكن بَيَانه فِي ذَلِك الْعلم وينبه على الغنية عَن الْبَيَان ويرشد إِلَى أَمَاكِن مَا لَا يتَبَيَّن بذلك الوضوع من الْمُقدمَات ويرتب القياسات وَيُعْطِي علل مَا لَا يُعْطي المُصَنّف علله وَثَالِثهَا احْتِمَال اللَّفْظ لمعان تاويلية كَمَا هُوَ الْغَالِب على كثير من اللُّغَات أَو لطافة الْمَعْنى عَن أَن يعبر عَنهُ بِلَفْظ يُوضحهُ أَو للألفاظ المجازية وَاسْتِعْمَال الدّلَالَة الالتزامية فَيحْتَاج الشَّارِح إِلَى بَيَان غَرَض المُصَنّف وترجيحه وَقد يَقع فِي بعض التصانيف مَا لَا يَخْلُو الْبشر عَنهُ من السَّهْو والغلط والحذف لبَعض الْمُهِمَّات وتكرار الشَّيْء بِعَيْنِه لغير ضَرُورَة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يَقع فِي الْكتب المصنفة فَيحْتَاج الشَّارِح أَن يُنَبه على ذَلِك وَإِذا تقررت هَذِه الْقَاعِدَة نقُول إِن الْقُرْآن الْعَظِيم إِنَّمَا أنزل بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ فِي زمن أفْصح الْعَرَب وَكَانُوا يعلمُونَ ظواهره وَأَحْكَامه أما دقائق بَاطِنه فَإِنَّمَا كَانَت تظهر لَهُم بعد الْبَحْث وَالنَّظَر وجودة التَّأَمُّل والتدبر مَعَ سُؤَالهمْ النَّبِي ﷺ فِي الْأَكْثَر ودعا لحبر الْأمة فَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل وَلم ينْقل إِلَيْنَا عَن الصَّدْر الأول تَفْسِير الْقُرْآن وتأويله بجملته فَنحْن نحتاج إِلَى مَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ زِيَادَة على مَا لم يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من أَحْكَام الظَّوَاهِر لقصورنا عَن مدارك أَحْكَام اللُّغَة بِغَيْر تعلم فَنحْن أَشد احتياجا إِلَى التَّفْسِير وَمَعْلُوم أَن تَفْسِيره يكون من قبيل بسط الْأَلْفَاظ الوجيزة وكشف مَعَانِيهَا وَبَعضه من قبيل تَرْجِيح بعض الِاحْتِمَالَات على بعض لبلاغته وَحسن مَعَانِيه وَهَذَا لَا يَسْتَغْنِي عَن قانون عَام يعول فِي تَفْسِيره عَلَيْهِ وَيرجع فِي تَأْوِيله إِلَيْهِ ومسبار

стр. 49

تَامّ يُمَيّز ذَلِك وتتضح بِهِ المسالك وَقد أودعناه كتَابنَا الْمُسَمّى نغب الطَّائِر من الْبَحْر الزاخر وأردفناه هُنَالك بالْكلَام على الْحُرُوف الْوَاقِعَة مُفْردَة فِي أَوَائِل السُّور اكْتِفَاء بالمهم عَن الإطناب لمن كَانَ صَحِيح النّظر علم دراية الحَدِيث علم يتعرف مِنْهُ أَنْوَاع الرِّوَايَة وأحكامها وشروط الروَاة وأصناف المرويات واستخراج مَعَانِيهَا وَيحْتَاج إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ علم التَّفْسِير من اللُّغَة والنحو والتصريف والمعاني والبديع وَالْأُصُول وَيحْتَاج إِلَى تَارِيخ النقلَة وَالْكَلَام فِي احْتِيَاجه إِلَى مسبار يميزه كَالْكَلَامِ فِيمَا سبق والكتب المنسوبة إِلَى هَذَا الْعلم كالتقريب والتيسير للنووي وَأَصله ككتاب عُلُوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح وَأَصله ككتاب الْمعرفَة للْحَاكِم وَكتاب الْكِفَايَة للخطيب أبي بكر بن ثَابت إِنَّمَا هِيَ مدَاخِل لَيست بكتب كَافِيَة فِي هَذَا الْعلم علم أصُول الدّين علم يشْتَمل على بَيَان الآراء والمعتقدات الَّتِي صرح بهَا صَاحب الشَّرْع وإثباتها بالأدلة الْعَقْلِيَّة ونصرتها وتزييف كل مَا خالفها وَالْمَشْهُور أَن أول من تكلم فِي هَذَا الْعلم فِي الْملَّة الإسلامية عَمْرو بن عبيد وواصل بن عَطاء وَغَيرهمَا من رجال الْمُعْتَزلَة لما وَقعت لَهُم الشُّبْهَة فِي كَلَام الله تَعَالَى كَيفَ يكون مُحدثا وَهُوَ صفة من صِفَات الْقَدِيم وَكَيف يكون قَدِيما وَهُوَ أَمر وَنهي وَخبر وتوراة وإنجيل وَقُرْآن والشبهة فِي مَسْأَلَة الْقدر هَل الْأَشْيَاء الكائنة كلهَا بِقدر الله وَلَا قدرَة للْعَبد على الْخُرُوج عَنْهَا فَكيف الْعقَاب وَإِن كَانَ للْعَبد قدرَة على مُخَالفَة الْمَقْدُور فَيلْزم تغير علم الأول بالكائنات إِلَى غير ذَلِك من الْمسَائِل وَأخذ عَنْهُم أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَخَالفهُم فِي كثير من الْمسَائِل وَمن الْكتب المختصرة فِيهِ قَوَاعِد العقائد للخوجة نصير الدّين الطوسي ولباب الْأَرْبَعين للْقَاضِي جمال الدّين بن وَاصل وَمن المتوسطة المحصل للْإِمَام

стр. 50

فَخر الدّين ولباب الْأَرْبَعين للأرموي وَمن المبسوطة نِهَايَة الْعُقُول للْإِمَام فَخر الدّين والصحائف للسمرقندي علم أصُول الْفِقْه علم يتعرف مِنْهُ تَقْرِير مطَالب الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة العلمية وَطَرِيق استنباطها ومواد حججها واستخراجها بِالنّظرِ وَمن الْكتب المختصرة فِيهِ الْقَوَاعِد لِابْنِ الساعاتي ومختصر ابْن الْحَاجِب والمنهاج للبيضاوي ومختصر الرَّوْضَة لِابْنِ قدامَة وَمن المتوسطة التَّحْصِيل للأرموي وَمن المبسوطة الْأَحْكَام للآمدي والمحصول للْإِمَام فَخر الدّين بن الْخَطِيب علم الجدل علم يتعرف مِنْهُ كَيْفيَّة تَقْرِير الْحجَج الشَّرْعِيَّة وَدفع الشّبَه وقوادح الْأَدِلَّة وترتيب النكت الخلافية وَهَذَا متولد من الجدل الَّذِي هُوَ أحد أَجزَاء الْمنطق لكنه خصص بالمباحث الدِّينِيَّة وَلِلنَّاسِ فِيهِ طرق أشبههَا طَريقَة العميدي وَمن الْكتب المختصرة فِيهِ الْمُغنِي للأبهري والفصول للنسفي وَالْخُلَاصَة للمراغي وَمن المتوسطة النفائس للعميدي والرسائل للأرموي وَمن المبسوطة تَهْذِيب النكت للأرموي علم الْفِقْه علم بِأَحْكَام التكاليف الشَّرْعِيَّة العملية كالعبادات والمعاملات الْعَادَات وَنَحْوهَا الْفَائِدَة الرَّابِعَة قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك الْإِسْنَاد من الدّين وَلَوْلَا الْإِسْنَاد لقَالَ من شَاءَ مَا شَاءَ وَقَالَ أَيْضا بَيْننَا وَبَين الْقَوْم القوائم يَعْنِي الْإِسْنَاد وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عِيسَى الطَّالقَانِي قلت لعبد الله بن الْمُبَارك يَا أَبَا

стр. 51

عبد الرَّحْمَن الحَدِيث الَّذِي جَاءَ إِن من الْبر بعد الْبر أَن تصلي لِأَبَوَيْك مَعَ صَلَاتك وتصوم لَهما مَعَ صومك فَقَالَ عبد الله يَا أَبَا إِسْحَاق عَمَّن هَذَا قلت لَهُ هَذَا من حَدِيث شهَاب بن خرَاش فَقَالَ ثِقَة عَمَّن قلت عَن الْحجَّاج بن دِينَار قَالَ ثِقَة عَمَّن قلت قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق إِن بَين الْحجَّاج بن دِينَار وَبَين النَّبِي ﷺ مفاوز تَنْقَطِع فِيهَا أَعْنَاق الْمطِي وَلَكِن لَيْسَ فِي الصَّدَقَة اخْتِلَاف وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد أدْركْت بِالْمَدِينَةِ مئة كلهم مَأْمُون مَا يُؤْخَذ عَنْهُم الحَدِيث يُقَال لَيْسَ من أَهله ذكر ذَلِك مُسلم فِي صَحِيحه والإسناد مصدر من قَوْلك أسندت الحَدِيث إِلَى قَائِله إِذْ رفعته إِلَيْهِ بِذكر ناقله وَأما السَّنَد فَهُوَ فِي اللُّغَة مَا استندت إِلَيْهِ من جِدَار وَغَيره وَهُوَ فِي الْعرف طَرِيق متن الحَدِيث وَسمي سندا لاعتماد الْحفاظ فِي صِحَة الحَدِيث وَضَعفه عَلَيْهِ مِثَال الحَدِيث الْمسند قَول يحيى أحد رُوَاة الْمُوَطَّأ أخبرنَا مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض فمتن الحَدِيث فِيهِ هُوَ لَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض والمتن فِي أصل اللُّغَة الظّهْر وَمَا صلب من الأَرْض وارتفع ثمَّ اسْتعْمل فِي الْعرف فِيمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّنَد وَالْإِضَافَة فِيهِ للْبَيَان وَسَنَد الحَدِيث هُوَ مَا ذكر قبل الْمَتْن وَيُقَال لَهُ الطَّرِيق لِأَنَّهُ يُوصل إِلَى الْمَقْصُود هُنَا وَهُوَ الحَدِيث كَمَا يُوصل الطَّرِيق المحسوس إِلَى مَا يَقْصِدهُ السالك فِيهِ وَقد يُقَال للطريق الْوَجْه تَقول هَذَا حَدِيث لَا يعرف إِلَّا من هَذَا الْوَجْه

стр. 52

وَأما الْإِسْنَاد فقد عرفت أَنه مصدر أسْند وَلذَلِك لَا يثنى وَلَا يجمع وكثرا مَا يُرَاد بِهِ السَّنَد فيثنى وَيجمع تَقول هَذَا حَدِيث لَهُ إسنادان وَهَذَا حَدِيث لَهُ أَسَانِيد وَأما السَّنَد فيثنى وَلَا يجمع تَقول هَذَا حَدِيث لَهُ سندان وَلَا يُقَال هَذَا حَدِيث لَهُ أسناد بِوَزْن أوتاد وَكَأَنَّهُم استغنوا بِجمع الْإِسْنَاد بِمَعْنى السَّنَد عَن جمعه وَقد ذكر بعض اللغويين أَن السَّنَد بمعانيه اللُّغَوِيَّة لم يجمع أَيْضا وَقد وَقع

стр. 53

ذُهُول لكثير من الأفاضل عَن أَن الْإِسْنَاد يَأْتِي بِمَعْنى الْمصدر وَيَأْتِي اسْما بِمَعْنى السَّنَد فاضطربت عباراتهم حَتَّى أوقعوا الْمطَالع فِي الْحيرَة الْفَائِدَة الْخَامِسَة اتّفق عُلَمَاء الحَدِيث على أَنه لَا يُؤْخَذ بِالْحَدِيثِ إِلَّا إِذا كَانَت رُوَاته موصوفين بِالْعَدَالَةِ والضبط وَأَن الْعَدَالَة وَحدهَا غير كَافِيَة ولنذكر لَك شَيْئا مِمَّا قَالُوهُ فِي ذَلِك قَالَ أَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان أدْركْت بِالْمَدِينَةِ مئة كلهم مَأْمُون مَا يُؤْخَذ عَنْهُم الحَدِيث يُقَال لَيْسَ من أَهله وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك قلت لِسُفْيَان الثَّوْريّ إِن عباد بن كثير من تعرف حَاله وَإِذا حدث جَاءَ بِأَمْر عَظِيم فترى أَن أَقُول للنَّاس لَا تَأْخُذُوا عَنهُ قَالَ سُفْيَان بلَى قَالَ عبد الله فَكنت إِذا كنت فِي مجْلِس ذكر فِيهِ عباد أثنيت عَلَيْهِ فِي دينه وَأَقُول لَا تَأْخُذُوا عَنهُ وَقَالَ يحيى بن سعيد الْقطَّان لم نر أهل الْخَيْر فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث قَالَ مُسلم يجْرِي الْكَذِب على لسانهم وَلَا يتعمدون الْكَذِب وَقَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ إِن لي جارا ثمَّ ذكر من فَضله وَلَو شهد عِنْدِي على تمرتين مَا رَأَيْت شَهَادَته جَائِزَة

стр. 54

وَقَالَ عَفَّان بن مُسلم كُنَّا عِنْد إِسْمَاعِيل بن علية فَحدث رجل عَن رجل فَقلت إِن هَذَا لَيْسَ بثبت فَقَالَ الرجل اغْتَبْته فَقَالَ إِسْمَاعِيل مَا اغتابه وَلكنه حكم أَنه لَيْسَ بثبت وَقَالَ زَكَرِيَّا بن عدي قَالَ لي أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ اكْتُبْ عَن بَقِيَّة مَا روى عَن المعروفين وَلَا تكْتب عَنهُ مَا روى عَن غير المعروفين وَلَا تكْتب عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش مَا روى عَن المعروفين وَلَا غَيرهم وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك بَقِيَّة صَدُوق اللِّسَان وَلكنه يَأْخُذ عَمَّن أقبل وَأدبر ذكر ذَلِك مُسلم فِي صَحِيحه وَكَانَ الإِمَام مَالك شَدِيد الانتقاد للرواة وَقد نقل عَنهُ فِي ذَلِك أَقْوَال أوردهَا الْجلَال فِي إسعاف المبطأ بِرِجَال الْمُوَطَّأ وَنحن نورد هُنَا شَيْئا مِنْهَا روى عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ مَا كَانَ أَشد انتقاد مَالك للرِّجَال وأعلمه بشأنهم وَقَالَ يحيى بن معِين كل من روى عَنهُ مَالك بن أنس فَهُوَ ثِقَة إِلَّا عبد الْكَرِيم الْبَصْرِيّ أَبَا أُميَّة وَقَالَ النَّسَائِيّ مَا أحد عِنْدِي من التَّابِعين أنبل من مَالك بن أنس وَلَا أجل وَلَا آمن على الحَدِيث مِنْهُ ثمَّ يَلِيهِ شُعْبَة فِي الحَدِيث ثمَّ يحيى بن سعيد الْقطَّان لَيْسَ بعد التَّابِعين آمن على الحَدِيث من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَلَا أقل رِوَايَة عَن الضُّعَفَاء

стр. 55

وَقَالَ معن بن عِيسَى كَانَ مَالك يَقُول لَا يُؤْخَذ الْعلم من أَرْبَعَة وَيُؤْخَذ مِمَّن سوى ذَلِك لَا يُؤْخَذ من سَفِيه وَلَا يُؤْخَذ من صَاحب هوى يَدْعُو النَّاس إِلَى هَوَاهُ وَلَا من كَذَّاب يكذب فِي أَحَادِيث النَّاس وَإِن كَانَ لَا يتهم على أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وَلَا من شيخ لَهُ فضل وَصَلَاح وَعبادَة إِذا كَانَ لَا يعرف مَا يحدث بِهِ وَقَالَ إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي سُئِلَ مَالك أيؤخذ الْعلم مِمَّن لَيْسَ لَهُ طلب وَلَا مجالسة فَقَالَ لَا فَقيل أيؤخذ مِمَّن هُوَ صَحِيح ثِقَة غير أَنه لَا يحفظ وَلَا يفهم مَا يحدث بِهِ فَقَالَ لَا يكْتب الْعلم إِلَّا عَمَّن يحفظ وَيكون قد طلب وجالس النَّاس وَعرف وَعمل وَيكون مَعَه ورع وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس سَمِعت خَالِي مَالِكًا يَقُول إِن هَذَا الْعلم دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكُمْ لقد أدْركْت سبعين مِمَّن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد هَذِه الأساطين فَمَا أخذت عَنْهُم شَيْئا وَإِن أحدهم لَو ائْتمن على بَيت مَال لَكَانَ بِهِ أَمينا لأَنهم لم يَكُونُوا من أهل هَذَا الشَّأْن وَقدم علينا ابْن شهَاب فَكُنَّا نزدحم عِنْد بَابه وَقَالَ أَبُو سعيد الْأَعرَابِي كَانَ يحيى بن معِين يوثق الرجل لرِوَايَة مَالك عَنهُ سُئِلَ ع غير وَاحِد فَقَالَ ثِقَة روى عَنهُ مَالك وَقَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج كَانَ مَالك أحد المميزين وَلَقَد سمعته يَقُول لَيْسَ كل النَّاس يكْتب عَنْهُم وَإِن كَانَ لَهُم فضل فِي أنفسهم إِنَّمَا هِيَ أَخْبَار رَسُول الله ﷺ فَلَا تُؤْخَذ إِلَّا من أَهلهَا وَقَالَ ابْن كنَانَة قَالَ مَالك من جعل التَّمْيِيز رَأس مَاله عدم الخسران وَكَانَ على زِيَادَة

стр. 56

الْفَائِدَة السَّادِسَة من أصعب الْأَشْيَاء الْوُقُوف على رسم الْعَدَالَة فضلا عَن حَدهَا وَقد خَاضَ الْعلمَاء فِي ذَلِك كثيرا فَقَالَ بَعضهم الْعَدَالَة هِيَ ملكة تمنع عَن اقتراف الْكَبَائِر والإصرار على الصَّغَائِر وَقَالَ بَعضهم هِيَ ملكة تمنع عَن اقتراف الْكَبَائِر وَعَن فعل صَغِيرَة تشعر بالخسة كسرقة باقة بقل وَقَالَ بَعضهم من كَانَ الْأَغْلَب من أمره الطَّاعَة والمروءة قبلت شَهَادَته وَرِوَايَته وَمن كَانَ الْأَغْلَب من أمره الْمعْصِيَة وَخلاف الْمُرُوءَة ردَّتْ شَهَادَته وَرِوَايَته وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى الْعَدَالَة فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة عبارَة عَن استقامة السِّيرَة فِي الدّين وَيرجع حاصلها إِلَى هَيْئَة راسخة فِي النَّفس تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى والمروءة جَمِيعًا حَتَّى تحصل ثِقَة النُّفُوس بصدقه فَلَا ثِقَة بقول من لَا يخَاف الله تَعَالَى خوفًا وازعا عَن الْكَذِب ثمَّ لَا خلاف فِي أَنه لَا تشْتَرط الْعِصْمَة من جَمِيع الْمعاصِي وَلَا يَكْفِي أَيْضا اجْتِنَاب الْكَبَائِر بل من الصَّغَائِر مَا يرد بِهِ كسرقة بصلَة وتطفيف فِي حَبَّة قصدا وَبِالْجُمْلَةِ كل مَا يدل على ركاكة دينه إِلَى حد يجترئ على الْكَذِب للأغراض الدُّنْيَوِيَّة كَيفَ وَقد شَرط فِي الْعَدَالَة التوقي عَن بعض الْمُبَاحَات القادحة فِي الْمُرُوءَة نَحْو الْأكل فِي الطَّرِيق وَالْبَوْل فِي الشَّارِع وصحبة الأرذال والإفراط فِي المزاح وَالضَّابِط فِي ذَلِك فِيمَا جَاوز مَحل الْإِجْمَاع أَن يرد إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم فَمَا دلّ عِنْده على جراءته على الْكَذِب رد الشَّهَادَة بِهِ وَمَا لَا فَلَا وَهَذَا يخْتَلف بِالْإِضَافَة إِلَى الْمُجْتَهدين وتفصيل ذَلِك من الْفِقْه لَا من الْأُصُول وَرب شخص يعْتَاد الْغَيْبَة وَيعلم الْحَاكِم أَن ذَلِك لَهُ طبع لَا يصبر عَنهُ وَلَو حمل على شَهَادَة الزُّور لم يشْهد أصلا فقبوله شَهَادَته بِحكم اجْتِهَاده جَائِر فِي حَقه وَيخْتَلف ذَلِك بعادات الْبِلَاد وَاخْتِلَاف أَحْوَال النَّاس فِي استعظام بعض الصَّغَائِر دون بعض اهـ

стр. 57

وَقَالَ الْجُوَيْنِيّ الثِّقَة هِيَ الْمُعْتَمد عَلَيْهَا فِي الْخَبَر فَمَتَى حصلت الثِّقَة بالْخبر قبل وَهَذَا القَوْل وَأَمْثَاله وَإِن كَانَ مُخَالفا لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور فِي الظَّاهِر فَهُوَ الْمعول عَلَيْهِ عِنْد الجهابذة فِي الْبَاطِن وَقد انتبه لذَلِك بعض الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ مَا لبابه قد نقل عَن كثير من الروَاة الْمَأْخُوذ بروايتهم الْإِصْرَار على الصَّغَائِر من الْغَيْبَة والنميمة وهجران الْأَخ من غير مُوجب فِي الشَّرْع وَنَحْو ذَلِك من حسد الأقران وَالْبَغي عَلَيْهِم بل وصل الْأَمر ببعضهم إِلَى أَن يَدْعُو إِلَى اعْتِقَاد مَا لَا يدل عَلَيْهِ نقل أَو عقل وَنسبَة من لَا يَقُول بِهِ إِلَى الْبِدْعَة بل إِلَى الْكفْر وَالظَّاهِر أَن الْمُعْتَبر فِي عَدَالَة الرَّاوِي هُوَ كَونه بِحَيْثُ لَا يظنّ بِهِ الاجتراء على الافتراء على النَّبِي ﷺ وَقَالَ الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي الْقَوَاعِد الْكُبْرَى فَائِدَة لَا ترد شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء لِأَن الثِّقَة حَاصِلَة بِشَهَادَتِهِم حُصُولهَا بِشَهَادَة أهل السّنة أَو أولى فَإِن من يعْتَقد أَنه يخلد فِي النَّار على شَهَادَة الزُّور أبعد فِي الشَّهَادَة الكاذبة مِمَّن لَا يعْتَقد ذَلِك فَكَانَت الثِّقَة بِشَهَادَتِهِ وَخَبره أكمل من الثِّقَة بِمن لَا يعْتَقد ذَلِك ومدار قبُول الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة على الثِّقَة بِالصّدقِ وَذَلِكَ مُتَحَقق فِي أهل الْأَهْوَاء تحَققه فِي أهل السّنة وَالأَصَح أَنهم لَا يكفرون ببدعهم وَلذَلِك تقبل شَهَادَة الْحَنَفِيّ إِذا حددناه فِي شرب النَّبِيذ لِأَن الثِّقَة بقوله لم تنخرم بشربه لاعْتِقَاده

стр. 58

إِبَاحَته وَإِنَّمَا ردَّتْ شَهَادَته الخطابية لأَنهم يشْهدُونَ بِنَاء على إِخْبَار بَعضهم بَعْضًا فَلَا تحصل الثِّقَة بِشَهَادَتِهِم لاحْتِمَال بنائها على مَا ذَكرْنَاهُ اهـ وَلعدم وقُوف بعض النَّاس على مَا ذكرنَا من أَن بعض الْعلمَاء يمِيل إِلَى أَن الثِّقَة بالْخبر هِيَ الْمعول عَلَيْهِ فِي أمره انقسم الأغمار مِنْهُم إِلَى فريقين ففريق مِنْهُم اعْترض على كثير من جهابذة الْمُحدثين حَيْثُ رووا عَمَّن لَا ترتضى سيرتهم ظنا مِنْهُم بِأَن ذَلِك من قبيل الشَّهَادَة لَهُم بِحسن السِّيرَة ونقاء السريرة فنسبوهم إِلَى الْجَهْل أَو التجاهل وَمَا دروا بِأَن الرِّوَايَة عَنْهُم إِنَّمَا تشعر بالوثوق بخبرهم وَهَذَا أَيْضا إِنَّمَا يكون فِي الْكتب الَّتِي الْتزم أَرْبَابهَا أَن لَا يذكرُوا فِيهَا سوى مَا صَحَّ من الْأَخْبَار وفريق مِنْهُم صَار يذب عَن كل من روى عَنهُ إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث وَإِن كَانَ مِمَّن اتّفق عُلَمَاء الْأَخْبَار والْآثَار على الطعْن فِيهِ زعما مِنْهُم أَنهم لَا يروون إِلَّا عَمَّن يكون حسن السِّيرَة نقي السريرة نعم لَهُم وَجه فِي هَذِه الدَّعْوَى لَو صرح ذَلِك الإِمَام بِأَنَّهُ لَا يروي إِلَّا عَمَّن يكون كَذَلِك هَذَا وَمِمَّا يستغرب مَا ذهب إِلَيْهِ بعض من ينحو فِي الظَّاهِر نَحْو مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة فَقَالَ فِي مقَالَة لَهُ فِي أصُول الْفِقْه وَإِذا ورد الْخَبَر عَن قوم مستورين لم يتَكَلَّم فيهم بِجرح وَلَا تَعْدِيل وَجب الْأَخْذ بروايتهم فَإِن جرح أحد مِنْهُم بجرحة تُؤثر فِي صدقه ترك حَدِيثه وَإِن كَانَت الجرحة لَا تتَعَلَّق بنقله وَجب الْأَخْذ بِهِ إِلَّا شَارِب الْخمر إِذا حدث فِي حَال سكره فَإِن علم أَنه حدث فِي حَال صحوه وَهُوَ مِمَّن هَذِه صفته أَخذ بقوله وَالْأَصْل الْعَدَالَة والجرحة طارئة وَإِذا ثَبت على حد مَا قُلْنَاهُ ترك الْأَخْذ بِحَدِيث صَاحب تِلْكَ الجرحة اهـ وَقد نحا نَحْو هَذَا المنحى بعض الشِّيعَة فجوز الْأَخْذ بِرِوَايَة الْفَاسِق إِذا كَانَ متحرزا من الْكَذِب وَعلل ذَلِك بِأَن الْعَدَالَة الْمَطْلُوبَة فِي الرِّوَايَة مَوْجُودَة فِيهِ تَتِمَّة الْعَدَالَة مصدر عدل بِالضَّمِّ يُقَال عدل فلَان عَدَالَة وعدولة فَهُوَ عدل أَي

стр. 59

رضَا ومقنع فِي الشَّهَادَة وَالْعدْل يُطلق على الْوَاحِد وَغَيره يُقَال هُوَ عدل وهما عدل وهم عدل وَيجوز أَن يُطَابق فَيُقَال هما عَدْلَانِ وهم عدُول وَقد يُطَابق فِي التَّأْنِيث فَيُقَال امْرَأَة عدلة وَأما الْعدْل الَّذِي هُوَ ضد الْجور فَهُوَ مصدر قَوْلك عدل فِي الْأَمر فَهُوَ عَادل وتعديل الشَّيْء تقويمه يُقَال عدله تعديلا فاعتدل أَي قومه فاستقام وكل مثقف معدل وتعديل الشَّاهِد نسبته إِلَى الْعَدَالَة وَقد فسر الْعَدَالَة فِي الْمِصْبَاح فَقَالَ قَالَ بعض الْعلمَاء الْعَدَالَة صفة توجب مراعاتها الِاحْتِرَاز عَمَّا يخل بالمروءة عَادَة ظَاهرا فالمرة الْوَاحِدَة من صغائر الهفوات وتحريف الْكَلَام لَا تخل بالمروءة ظَاهرا لاحْتِمَال الْغَلَط وَالنِّسْيَان والتأويل بِخِلَاف مَا إِذا عرف مِنْهُ ذَلِك وتكرر فَيكون الظَّاهِر الْإِخْلَال وَيعْتَبر عرف كل شخص وَمَا يعتاده من لبسه وتعاطيه للْبيع وَالشِّرَاء وَحمل الْأَمْتِعَة وَغير ذَلِك فَإِذا فعل مَا لَا يَلِيق بِهِ لغير ضَرُورَة قدح وَإِلَّا فَلَا وَعرف الْمُرُوءَة فَقَالَ هِيَ آدَاب نفسانية تحمل مراعاتها الْإِنْسَان على الْوُقُوف عِنْد محَاسِن الْأَخْلَاق وَجَمِيل الْعَادَات يُقَال مرؤ الْإِنْسَان فَهُوَ مريء مثل قرب فَهُوَ قريب أَي ذُو مُرُوءَة قَالَ الْجَوْهَرِي وَقد تشدد فَيُقَال مروة وَقد اعْترض بعض الْعلمَاء على إِدْخَال الْمُرُوءَة فِي حد الْعَدَالَة لِأَن جلها يرجع إِلَى مُرَاعَاة الْعَادَات الْجَارِيَة بَين النَّاس وَهِي مُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأَزْمِنَة والأمكنة والأجناس وَقد يدْخل فِي الْمُرُوءَة عرفا مَا لَا يستحسن فِي الشَّرْع وَلَا يَقْتَضِيهِ الطَّبْع على أَن الْمُرُوءَة من الْأُمُور الَّتِي يعسر معرفَة حَدهَا على وَجه لَا يخفى قَالَ بَعضهم الْمُرُوءَة الإنسانية وَقَالَ بَعضهم الْمُرُوءَة كَمَال الْمَرْء كَمَا أَن الرجولية كَمَال الرجل وَقَالَ بَعضهم الْمُرُوءَة هِيَ قُوَّة للنَّفس تصدر عَنْهَا الْأَفْعَال

стр. 60

الجميلة المستتبعة للمدح شرعا وعقلا وشرفا وَلَعَلَّ الْمُرُوءَة بِهَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ من قَالَ (مَرَرْت على الْمُرُوءَة وَهِي تبْكي ... فَقلت على مَا تنتحب الفتاة) (فَقَالَت كَيفَ لَا أبْكِي وَأَهلي ... جَمِيعًا دون كل الْخلق مَاتُوا) وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء الْمُرُوءَة صون النَّفس عَن الأدناس ورفعها عَمَّا يشين عِنْد النَّاس وَقيل سير الْمَرْء بسيره أَمْثَاله فِي زَمَانه فَمن ترك الْمُرُوءَة لبس الْفَقِيه القباء والقلنسوة وتررده فيهمَا بَين النَّاس فِي الْبِلَاد الَّتِي لم تجر عَادَة الْفُقَهَاء بلبسهما فِيهِ وَمِنْه الْمَشْي فِي الْأَسْوَاق مَكْشُوف الرَّأْس حَيْثُ لَا يعْتَاد ذَلِك وَلَا يَلِيق بِمثلِهِ وَمِنْه مد الرجلَيْن فِي مجَالِس النَّاس وَمِنْه نقل الرجل الْمُعْتَبر المَاء والأطعمة إِلَى بَيته إِذا كَانَ عَن بخل وشح وَإِن كَانَ عَن تواضع واقتداء بالسلف لم يقْدَح ذَلِك فِي الْمُرُوءَة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ يَأْكُل مَا يجد وَيَأْكُل حَيْثُ يجد زهدا وتنزها عَن التكلفات الْمُعْتَادَة وَيعرف ذَلِك بقرائن الْأَحْوَال وَإِنَّمَا لَا تقبل شَهَادَة من أخل بالمروءة لِأَن الْإِخْلَال بهَا يكون إِمَّا لخبل فِي الْعقل أَو لنُقْصَان فِي الدّين أَو لقلَّة حَيَاء وكل ذَلِك رَافع للثقة بقوله وَلم يتَعَرَّض كثير من عُلَمَاء الْأُصُول لذكر الْمُرُوءَة لِأَن المخل بِشَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بهَا إِن كَانَ إخلاله بِهِ مِمَّا يرفع الثِّقَة بقوله فقد احترزوا عَنهُ وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يرفع الثِّقَة بقوله لم يضر قَالَ بَعضهم الْعَدَالَة الاسْتقَامَة وَلَيْسَ لكَمَال الاسْتقَامَة حد يُوقف عِنْده فَاعْتبر فِيهَا أَمر وَاحِد وَهُوَ رُجْحَان جِهَة الدّين وَالْعقل على طَرِيق الشَّهْوَة والهوى فَمن ارْتكب كَبِيرَة سَقَطت عَدَالَته وَقل الوثوق بقوله وَكَذَلِكَ من أصر على صَغِيرَة فَأَما من أَتَى بِشَيْء من الصَّغَائِر من غير إِصْرَار فَعدل بِلَا شُبْهَة وللمحقق ابْن تَيْمِية مقَالَة فِي الْعَدَالَة والدل جرى فِيهَا على مَنْهَج من يَقُول برعاية الْمصَالح الْأَحْكَام قَالَ الْعدْل فِي كل زمَان وَمَكَان وَقوم بِحَسبِهِ فَيكون الشَّاهِد فِي كل قوم من كَانَ ذَا عدل فيهم وَإِن كَانَ لَو كَانَ فِي غَيرهم كَانَ عدله على

стр. 61

وَجه آخر وَبِهَذَا يُمكن الحكم بَين النَّاس وَإِلَّا فَلَو اعْتبر فِي شُهُود كل طَائِفَة أَن لَا يشْهد عَلَيْهِم إِلَّا من يكون قَائِما بأَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات كَمَا كَانَت الصَّحَابَة لبطلت الشَّهَادَات كلهَا أَو غالبها وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَيتَوَجَّهُ أَن تقبل شَهَادَة المعروفين بِالصّدقِ وَإِن لم يَكُونُوا ملتزمين للحدود عِنْد الضَّرُورَة مثل الْجَيْش وحوادث البدو وَأهل الْقرى الَّذين لَا يُوجد فيهم عدل وَله أصُول مِنْهَا قبُول شَهَادَة أهل الذِّمَّة فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر إِذا لم يُوجد غَيرهم وَشَهَادَة بَعضهم على بعض فِي قَول وَمِنْهَا شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال وَشَهَادَة الصّبيان فِيمَا لَا يشهده الرِّجَال وَيظْهر ذَلِك بالمحتضر فِي السّفر إِذا حَضَره اثْنَان كَافِرَانِ وَاثْنَانِ مسلمان يصدقان ليسَا بملازمين للحدود أَو اثْنَان مبتدعان فهذان خير من الْكَافرين والشروط الَّتِي فِي الْقُرْآن إِنَّمَا هِيَ فِي استشهاد التَّحَمُّل للْأَدَاء وَيَنْبَغِي أَن نقُول فِي الشُّهُود مَا نقُول فِي الْمُحدثين وَهُوَ أَنه من الشُّهُود من تقبل شَهَادَته فِي نوع دون نوع أَو شخص دون شخص كَمَا أَن الْمُحدثين كَذَلِك ونبأ الْفَاسِق لَيْسَ بمردود بل هُوَ مُوجب للتبين والتثبت كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَفِي الْقِرَاءَة الْأُخْرَى / فتثبتوا / فعلينا التبين والتثبت وَإِنَّمَا أَمر بالتبين عِنْد خبر الْفَاسِق الْوَاحِد وَلم يَأْمر بِهِ عِنْد خبر الْفَاسِقين وَذَلِكَ أَن خبر الِاثْنَيْنِ يُوجب من الِاعْتِقَاد مَا لَا يُوجب خبر الْوَاحِد أما إِذا علم أَنَّهُمَا لم يتواطآ فَهَذَا قد يحصل بِهِ الْعلم وَقَالَ فِي مَوضِع آخر شُرُوط الْقَضَاء تعْتَبر حسب الْإِمْكَان وَيجب تَوْلِيَة الأمثل فالأمثل وعَلى هَذَا يدل كَلَام أَحْمد وَغَيره فيولي لعدم أَنْفَع الْفَاسِقين وأقلهما شرا وَأَعْدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد وَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أورع قدم فِيمَا قد يظْهر حكمه وَيخَاف الْهوى فِيهِ الأورع وَفِيمَا ينْدر حكمه وَيخَاف فِيهِ

стр. 62

الِاشْتِبَاه الأعلم وَالْأَئِمَّة إِذا ترجح عِنْده أحدهم قَلّدهُ وَالدَّلِيل الْخَاص الَّذِي يرجح بِهِ قولا على قَول أولى بالاتباع من دَلِيل عَام على أَن أَحدهمَا أعلم وأدين لِأَن الْحق وَاحِد وَلَا بُد وَيجب أَن ينصب الله على الحكم دَلِيلا الْفَائِدَة السَّابِعَة قد ظن بعض النَّاس أَن الْعَدَالَة على مَذْهَب الْجُمْهُور لَا تقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَهِيَ كالإيمان عِنْد من يَقُول بِعَدَمِ قبُوله ذَلِك وَالصَّحِيح أَن الْعَدَالَة كالضبط تقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَالْقُوَّة والضعف وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك عُلَمَاء الْأُصُول فِي بَاب التَّرْجِيح فِي الْأَخْبَار وَصرح الْعَلامَة نجم الدّين سُلَيْمَان الطوفي فِي شرح الْأَرْبَعين حَيْثُ قَالَ إِن مدَار الرِّوَايَة على عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه فَإِن كَانَ مبرزا فيهمَا كشعبة وسُفْيَان وَيحيى الْقطَّان وَنَحْوهم فَحَدِيثه صَحِيح وَإِن كَانَ دون المبرز فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا لكنه عدل ضَابِط بِالْجُمْلَةِ فَحَدِيثه حسن هَذَا أَجود مَا قيل فِي هَذَا الْمَكَان وَاعْلَم أَن الْعَدَالَة والضبط إِمَّا أَن ينتفيا فيالراوي أَو يُوجد فِيهِ الْعَدَالَة وَحدهَا أَو الضَّبْط وَحده فَإِن انتفيا فِيهِ لم يقبل حَدِيثه أصلا وَإِن اجْتمعَا فِيهِ قبل وَهُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَبر وَإِن وجدت فِيهِ الْعَدَالَة دون الضَّبْط قبل حَدثهُ لعدالته وَتوقف فِيهِ لعدم ضَبطه على شَاهد مُنْفَصِل يجْبر مَا فَاتَ من صفة الضَّبْط وَإِن وجد فِيهِ الضَّبْط دون الْعَدَالَة والضبط لم يقبل حَدِيثه لِأَن الْعَدَالَة هِيَ الرُّكْن الْأَكْبَر فِي الرَّايَة ثمَّ كل وَاحِد من الْعَدَالَة لَهُ مَرَاتِب عليا ووسطى وَدُنْيا وَيحصل بتركيب بَعْضهَا مَعَ بعض مَرَاتِب للْحَدِيث مُخْتَلفَة فِي الْقُوَّة والضعف وَهِي ظَاهِرَة مِمَّا ذَكرْنَاهُ اهـ

стр. 63

وَقد تبين بذلك أَن الروَاة الجامعين بَين الْعَدَالَة والضبط ينقسمون بِاعْتِبَار تفَاوت درجاتهم فِيهَا إِلَى تِسْعَة أَنْوَاع النَّوْع الأول رُوَاة فِي الدرجَة الْعليا من الْعَدَالَة والضبط النَّوْع الثَّانِي رُوَاة فِي الدرجَة الْعليا من الْعَدَالَة وَفِي الدرجَة الْوُسْطَى من الضَّبْط النَّوْع الثَّالِث رُوَاة فِي الدرجَة الْعليا من الْعَدَالَة وَفِي الدرجَة الدُّنْيَا من الضَّبْط وَالنَّوْع الرَّابِع رُوَاة فِي الدرجَة الْوُسْطَى من الْعَدَالَة وَفِي الدرجَة الْعليا من الضَّبْط النَّوْع الْخَامِس رُوَاة فِي الدرجَة الْوُسْطَى من الْعَدَالَة والضبط النَّوْع السَّادِس رُوَاة فِي الدرجَة الْوُسْطَى من الْعَدَالَة وَفِي الدرجَة الدُّنْيَا من الضَّبْط النَّوْع السَّابِع رُوَاة فِي الدرجَة الدُّنْيَا من الْعَدَالَة وَفِي الدرجَة الْعليا من الضَّبْط النَّوْع الثَّامِن رُوَاة فِي الدرجَة الدُّنْيَا من الْعَدَالَة وَفِي الدرجَة الْوُسْطَى من الضَّبْط النَّوْع التَّاسِع رُوَاة فِي الدرجَة الدُّنْيَا من الْعَدَالَة والضبط وَهَذِه الْأَنْوَاع التِّسْعَة مُتَفَاوِتَة الدَّرَجَات بَعْضهَا أَعلَى من بعض فالنوع الأول أَعلَى مِمَّا سواهُ من سَائِر الْأَنْوَاع وَالنَّوْع التَّاسِع أدنى مِمَّا سواهُ مِنْهَا وَمَا سواهُمَا من الْأَنْوَاع مِنْهُ مَا يظْهر تقدمه على غَيره ظهورا بَينا كالنوع الثَّانِي بِالنّظرِ إِلَى النَّوْع الثَّالِث وكالنوع الرَّابِع بِالنّظرِ إِلَى النَّوْع الْخَامِس وَمِنْه مَا يخفى تقدمه كالنوع الثَّانِي بِالنّظرِ إِلَى النَّوْع الرَّابِع وكالنوع السَّادِس بِالنّظرِ إِلَى النَّوْع الثَّامِن

стр. 64

وَهَذَا من متعلقات مَبْحَث التَّرْجِيح الَّذِي هُوَ من أصعب المباحث مسلكا وأبعدها مدْركا وَاعْلَم أَن الَّذِي أوجب خَفَاء تفَاوت الْعَدَالَة عِنْد بعض الْعلمَاء أَنهم رَأَوْا أَن أَئِمَّة الحَدِيث قَلما يرجحون بهَا وَإِنَّمَا يرجحون بِأُمُور تتَعَلَّق بالضبط وَسبب ذَلِك أَنهم رَأَوْا أَن التَّرْجِيح بِزِيَادَة الْعَدَالَة يُوهم النَّاس أَن الرَّاوِي الآخر غير عدل فيسوء بِهِ ظنهم ويشكون فِي سَائِر مَا يرويهِ وَقد فرض أَنه عدل ضَابِط فَإِن قلت فَمَا يَفْعَلُونَ إِذا كَانَ كِلَاهُمَا فِي دَرَجَة وَاحِدَة فِي الضَّبْط قلت يُمكن التَّرْجِيح فِيهَا بِأُمُور عارضة ككون الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ قد تَلقاهُ عَمَّن كثرت ملازمته لَهُ وممارسته لحديثه وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف الرَّاوِي الآخر وَقد زعم بَعضهم عدم تفَاوت الضَّبْط أَيْضا ورد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله لَا شكّ فِي تحقق تفَاوت مَرَاتِب الْعَدَالَة والضبط فِي الْعُدُول والضابطين من السّلف وَالْخلف وَقد وضح ذَلِك حَتَّى صَار كالبديهي وَهَذِه الْمَسْأَلَة لَهَا نَظَائِر لَا تحصى قد غلط فِيهَا كثير مِمَّن لَهُ موقع عَظِيم فِي النُّفُوس فَإِنَّهُم يذهلون عَن بعض الْأَقْسَام فتراهم يَقُولُونَ الرَّاوِي إِمَّا عدل أَو غير عدل وكل مِنْهُمَا إِمَّا ضَابِط أَو غير ضَابِط غير ملاحظين أَن الْعَدَالَة والضبط مقولان بالتشكيك فَيَنْبَغِي الانتباه لذَلِك فَإِنَّهُ ينْحل بِهِ كثير من المشكلات اسْتِدْرَاك وَبعد أَن وصلت إِلَى هَذَا الْموضع وقفت على عبارَة لِلْحَافِظِ أبي مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن حزم الظَّاهِرِيّ خَالف فِيهَا الْجُمْهُور فِي تَرْجِيح الأعدل على الْعدْل فَأَحْبَبْت إيرادها ملخصة

стр. 65

وَقد علم من وقف على كثير من مؤلفاته أَنه يجنح فِي أَكثر الْمَوَاضِع إِلَى مُخَالفَة الْجُمْهُور وَهُوَ فِي أَكثر مَا خالفهم فِيهِ أقرب إِلَى الْخَطَأ مِنْهُ إِلَى الصَّوَاب وَقد أطلق فكره فِي ميادين جمح بِهِ فِيهَا أَشد جماح غير أَنه يلوح من حَاله أَنه لم يكن يُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح وَمن أعظم مَا ينقمون عَلَيْهِ أَنه أفرط فِي التشنيع على من يرد عَلَيْهِم وَلَو كَانُوا من الْعلمَاء الْأَعْلَام وَلَعَلَّ ذَلِك نَشأ عَمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كتاب مداواة النُّفُوس حَيْثُ قَالَ وَلَقَد أصابتني عِلّة شَدِيدَة ولدت عَليّ ربوا فِي الطحال شَدِيدا فولد ذَلِك عَليّ من الضجر وضيق الْخلق وَقلة الصَّبْر والنزق أمرا حاسبت نَفسِي فِيهِ فأنكرت تبدل خلقي وَاشْتَدَّ عجبي من مفارقتي لطبعي ولنرجع إِلَى الْمَقْصُود فَنَقُول قَالَ فِي كتاب الإحكام فِي أصُول الْأَحْكَام فِي صفة من يلْزم قبُول نَقله وَمِمَّا غلط فِيهِ بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَن قَالَ فلَان يحْتَمل فِي الرَّقَائِق وَلَا يحْتَمل فِي الْأَحْكَام وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ تَقْسِيم فَاسد لَا برهَان عَلَيْهِ بل الْبُرْهَان يُبطلهُ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كل حد فِي الأَرْض من أَن يكون فَاسِقًا أَو غير فَاسق فَإِن كَانَ غير فَاسق كَانَ عدلا وَلَا سَبِيل إِلَى مرتبَة ثَالِثَة فالفقيه الْعدْل مَقْبُول فِي كل شَيْء وَالْفَاسِق لَا يحْتَمل فِي شَيْء وَالْعدْل غير الْحَافِظ لَا تقبل نذارته خَاصَّة فِي شَيْء من الْأَشْيَاء لِأَن شَرط الْقبُول الَّذِي نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ لَيْسَ مَوْجُودا فِيهِ وَمن كَانَ عدلا فِي بعض نَقله

стр. 66

فَهُوَ عدل فِي سائره وَمن الْمحَال أَن يجوز قبُول بعض خَبره وَلَا يجوز قبُول سائره إِلَّا بِنَصّ من الله تَعَالَى أَو إِجْمَاع فِي التَّفْرِيق بَين ذَلِك وَإِلَّا فَهُوَ تحكم بِلَا برهَان وَقَول بِلَا علم وَذَلِكَ لَا يحل قَالَ عَليّ وَقد غلط أَيْضا قوم آخَرُونَ مِنْهُم فَقَالُوا فلَان أعدل من فلَان وراموا بذلك تَرْجِيح خبر الأعدل على من هُوَ دونه فِي الْعَدَالَة قَالَ عَليّ وَهَذَا خطأ شَدِيد وَكَانَ يَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِم أَن يُقَال إِنَّهُم أترك النَّاس لذَلِك وَفِي أَكثر أَمرهم يَأْخُذُونَ بِمَا روى الْأَقَل عَدَالَة ويتركون مَا روى الأعدل ولعلنا سنورد من ذَلِك طرفا صَالحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَكِن لَا بُد لنا من إبِْطَال هَذَا القَوْل بالبرهان الظَّاهِر فَأول ذَلِك أَن الله لم يفرق بَين خبر عدل وَخبر عدل آخر أعدل من ذَلِك وَمن حكم فِي الدّين بِغَيْر أَمر الله تَعَالَى أَو أَمر رَسُوله ﵊ أَو إِجْمَاع مُتَيَقن مَقْطُوع بِهِ مَنْقُول عَن رَسُول الله فقد قفا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم وَأَيْضًا فقد يعلم الْأَقَل عَدَالَة مَا لَا يُعلمهُ من هُوَ أتم مِنْهُ عَدَالَة وَأَيْضًا فَكل مَا يتخوف من الْعدْل فَإِنَّهُ متخوف من أعدل من فِي الأَرْض بعد الرُّسُل وَأَيْضًا فَإِن الْعَدَالَة إِنَّمَا هِيَ الْتِزَام الْعدْل وَالْعدْل هُوَ الْقيام بالفرائض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم والضبط لما روى وَأخْبر بِهِ فَقَط وَمعنى قَوْلنَا فلَان أعدل من فلَان أَنه أَكثر نوافل فِي الْخَيْر فَقَط وَهَذِه صفة لَا مدْخل لَهَا فِي الْعَدَالَة فصح أَنه لَا يجوز تَرْجِيح رِوَايَة على أُخْرَى وَلَا تَرْجِيح شَهَادَة على أُخْرَى بِأَن أحد الراويين أَو أحد الشَّاهِدين أعدل من الآخر وَهَذَا الَّذِي تحكموا بِهِ إِنَّمَا هُوَ من بَاب طيب النَّفس وَطيب النَّفس بَاطِل لَا معنى لَهُ فَمن حكم فِي دين الله بِمَا اسْتحْسنَ وَطَابَتْ نَفسه عَلَيْهِ دون

стр. 67

برهَان من نَص ثَابت أَو إِجْمَاع فَلَا أحد أضلّ مِنْهُ نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان إِلَّا من جهل وَلم تقم عَلَيْهِ حجَّة فالخطأ لَا يُنكر وَهُوَ مَعْذُور مأجور فَيجب قبُول مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل سَوَاء طابت عَلَيْهِ النَّفس أَو لم تطلب وَبِمَا ذكرنَا يبطل قَول من قَالَ هَذَا الحَدِيث لم يرو من غير هَذَا الْوَجْه تَنْبِيه الضَّابِط من الروَاة هُوَ الَّذِي يقل خَطؤُهُ فِي الرِّوَايَة وَغير الضَّابِط هُوَ الَّذِي يكثر غلطه ووهمه فِيهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك لضعف استعداده أَو لتَقْصِيره فِي اجْتِهَاده قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي الْعِلَل كل من كَانَ مُتَّهمًا فِي الحَدِيث بِالْكَذِبِ وَكَانَ مغفلا يُخطئ كثيرا فَالَّذِي اخْتَارَهُ أَكثر أهل الحَدِيث من الْأَئِمَّة أَن لَا يشْتَغل بالرواية عَنهُ وَقد توهم بعض النَّاس أَن الضَّبْط لَا يخْتَلف بِالْقُوَّةِ والضعف فَزعم أَن الرَّاوِي إِمَّا أَن يُوصف بالضبط وَإِمَّا أَن يُوصف بِعَدَمِهِ والموصوفون بالضبط نوع وَاحِد لَا يخْتَلف بَعضهم عَن بعض فِي الدرجَة فَلَا يُقَال فلَان أتم ضبطا من فلَان وَقد عرفت أَنهم ثَلَاثَة أَنْوَاع والعيان يُغني عَن الْبُرْهَان وَأما الثِّقَة فَهُوَ الَّذِي يجمع بَين الْعَدَالَة والضبط وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر وثق تَقول وثقت بفلان ثِقَة ووثوقا إِذا ائتمنته ولكونه مصدرا فِي الأَصْل قيل هُوَ وَهِي وهما وهم وَهن ثِقَة وَيجوز تثنيته وَجمعه فَيُقَال هما ثقتان وهم وَهن ثِقَات وَتقول وثقت فلَانا توثيقا إِذا قلت إِنَّه ثِقَة وَمثل الثِّقَة الثبت قَالَ فِي الْمِصْبَاح رجل ثَبت بِفتْحَتَيْنِ إِذا كَانَ عدلا ضابطا وَالْجمع أثبات والثبت أَيْضا الْحجَّة تَقول لَا أحكم إِلَّا بثبت وَقد ذكرُوا أَنه من أَعلَى الْأَلْفَاظ الَّتِي تسْتَعْمل فِي الرِّوَايَة

стр. 68

المقبولة ثِقَة ومتقن وَثَبت وَحجَّة وَعدل حَافظ وَعدل ضَابِط

стр. 69

الْفَصْل الْخَامِس فِي أَقسَام الْخَبَر إِلَى متواتر وآحاد قد تقرر أَن من الْأَشْيَاء مَا يعرف بِوَاسِطَة الْعقل ككون الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ وككون كل حَادث لَا بُد لَهُ من مُحدث وَأَن مِنْهَا مَا يعرف بِوَاسِطَة الْحس ككون زيد قَالَ كَذَا أَو فعل كَذَا فَإِن القَوْل يدْرك بحاسة السّمع وَالْفِعْل يدْرك بحاسة الْبَصَر وَالَّذِي يعرف بِوَاسِطَة الْحس قد يعرفهُ من لم يحس بِهِ بِوَاسِطَة خبر من أحس بِهِ وَلما لم يكن كل مخبر صَادِقا وَكَانَ الْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب لذاته اقْتضى الْحَال أَن يبْحَث عَمَّا يعرف بِهِ صدق الْخَبَر إِمَّا بطرِيق الْيَقِين وَذَلِكَ فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر أَو بطرِيق الظَّن وَذَلِكَ فِي غير الْمُتَوَاتر إِذا ظَهرت أَمَارَات تدل على صدق الْخَبَر وَلما كَانَ الحَدِيث عبارَة عَن أَقْوَال النَّبِي ﷺ وأفعاله وَكَانَ من لم يُدْرِكهَا بطرِيق الْحس لَا سَبِيل لَهُ إِلَى إِدْرَاكهَا إِلَّا بطرِيق الْخَبَر اعتنى الْعلمَاء

стр. 70

الْأَعْلَام بِبَيَان أَقسَام الْخَبَر مُطلقًا وَجعلُوا للْحَدِيث الَّذِي هُوَ قسم من أَقسَام الْخَبَر مبحثا خَاصّا بِهِ اعتناء بِشَأْنِهِ فَإِذا عرفت هَذَا نقُول قد قسم عُلَمَاء الْكَلَام وَالْأُصُول الْخَبَر إِلَى قسمَيْنِ خبر متواتر وَخبر آحَاد الْخَبَر الْمُتَوَاتر فَالْخَبَر الْمُتَوَاتر هُوَ خبر عَن محسوس أخبر بِهِ جمَاعَة بلغُوا فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ وَخرج بِمَا ذكر ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا الْخَبَر عَن غير محسوس كالخبر عَن حُدُوث الْعَالم وَكَون الْعدْل حسنا وَالظُّلم قبيحا وَثَانِيها الْخَبَر الَّذِي أخبر بِهِ وَاحِد وَثَالِثهَا الْخَبَر الَّذِي أخبر بِهِ جمَاعَة لم يبلغُوا فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ وَإِن دلّت قَرَائِن الْأَحْوَال على صدقهم وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر مُفِيد للْعلم بِنَفسِهِ خبر الْآحَاد وَخبر الْآحَاد وَيُسمى أَيْضا خبر الْوَاحِد هُوَ الْخَبَر الَّذِي لم تبلغ نقلته فِي الْكَثْرَة مبلغ الْخَبَر الْمُتَوَاتر سَوَاء كَانَ الْمخبر وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَو خَمْسَة إِلَى غير ذَلِك من الْعداد الَّتِي لَا تشعر بِأَن الْخَبَر دخل بهَا فِي حيّز الْمُتَوَاتر والتواتر فِي اللُّغَة التَّتَابُع تَقول واترت الْكتب فتواترت إِذا جَاءَ بَعْضهَا فِي إِثْر بعض وترا وترا من غير انْقِطَاع والمواترة الْمُتَابَعَة وَلَا تكون بَين الْأَشْيَاء إِلَّا إِذا وَقعت بَينهَا فَتْرَة وَإِلَّا فَهِيَ مداركة ومواصلة ومواترة الصَّوْم أَن تَصُوم يَوْمًا وتفطر يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وَتَأْتِي بِهِ وترا وَلَا يُرَاد بِهِ المواصلة لِأَنَّهُ من الْوتر وتترى أَصْلهَا

стр. 71

الطَّبَقَة الثَّانِيَة مَا يشْتَرط فِي الطَّبَقَة الأولى من كَونهَا تبلغ فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِي الْخَيْر وَقس على ذَلِك مَا إِذا كَانَت الطَّبَقَات ثَلَاثَة فَأكْثر وَلما كَانَت الْأَخْبَار المتواترة فِي الْغَالِب مُتعَدِّدَة الطَّبَقَات قَالَ الْعلمَاء لَا بُد فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر من اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ فالطرفان هما الطَّبَقَة الأولى والطبقة الْأَخِيرَة وَالْوسط وَهُوَ مَا بَينهمَا وَالْمرَاد بالاستواء الاسْتوَاء فِي الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة وَلَا الاسْتوَاء فِي الْعدَد بِأَن يكون فِي كل طبقَة مستويا فَإِنَّهُ لَا يضر الِاخْتِلَاف فِيهِ إِذا كَانَ كل عدد مِنْهَا الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة مثل أَن يكون فِي كل طبقَة مستويا فَإِنَّهُ لَا يضر الِاخْتِلَاف فِيهِ إِذا كَانَ كل عدد مِنْهَا فِيهِ الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة مثل أَن يكون عدد الطَّبَقَة ألفا وَعدد الثَّانِيَة تسع مئة وَعدد الثَّالِثَة ألفا وتسع مئة وَبِمَا ذكر يعلم أَن الروَاة إِذا لم يبلغُوا فِي الْكَثْرَة الْمبلغ الْمَشْرُوط فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي جَمِيع الطَّبَقَات أَو فِي بَعْضهَا لم يسم خبرهم متواترا وَإِنَّمَا يُسمى مَشْهُورا قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى الشَّرْط الثَّالِث أَن يَسْتَوِي طرفاه وواسطته فِي هَذِه الصِّفَات وَفِي كَمَال الْعدَد فَإِذا نقل الْخلف عَن السّلف وتوالت الْأَعْصَار وَلم تكن الشُّرُوط قَائِمَة فِي كل عصر لم يحصل الْعلم بصدقهم لِأَن خبر كل عصر خبر مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَلَا بُد فِيهِ من الشُّرُوط وَلأَجل ذَلِك لم يحصل لنا الْعلم بِصدق الْيَهُود مَعَ كثرتهم فِي نقلهم عَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ تَكْذِيب كل نَاسخ لشريعته وَلَا بِصدق الشِّيعَة والعباسية والبكرية فِي نقل النَّص على إِمَامَة عَليّ أَو الْعَبَّاس أَو أبي بكر ﵃ وَإِن كثر عدد الناقلين فِي هَذِه العصار الْقَرِيبَة لِأَن بعض هَذَا وَضعه الْآحَاد اولا ثمَّ أفشوه ثمَّ كثر الناقلون فِي عصره وَبعده

стр. 72

وَالشّرط إِنَّمَا حصل فِي بعض الْأَعْصَار فَلم تستو فِيهِ الْأَعْصَار وَلذَلِك لم يحصل التَّصْدِيق بِخِلَاف وجود عِيسَى ﵊ وتحديه بِالنُّبُوَّةِ وَوُجُود أبي بكر وَعلي وانتصابهما للْإِمَامَة فَإِن كل ذَلِك لما تَسَاوَت فِيهِ الْأَطْرَاف والواسطة حصل لنا علم ضَرُورِيّ لَا نقدر على تشكيك أَنْفُسنَا فِيهِ ونقدر على التشكيك فِيمَا نقلوه عَن مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي نَص الْإِمَامَة اهـ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْخَبَر الْمَشْهُور خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ مَشْهُور وَغير مَشْهُور فَالْمَشْهُور هُوَ خبر جمَاعَة لم يبلغُوا فِي الْكَثْرَة مبلغا يمْنَع تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ فَخرج بقَوْلهمْ خبر الْوَاحِد وبتتمة التَّعْرِيف الْخَبَر الْمُتَوَاتر هَذَا وَقد عرف الْمُتَوَاتر بتعاريف شَتَّى وأدلها على الْمَقْصُود التَّعْرِيف الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقد وَقع لبَعْضهِم فِي تَعْرِيفه مَا يُوهم دُخُول بعض أَقسَام الْمَشْهُور فِيهِ ولعلهم جروا على مَذْهَب أبي بكر الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بالجصاص فَإِنَّهُ جعل الْمَشْهُور أحد قسمَيْنِ الْمُتَوَاتر وَقد ذهب كثير من الْعلمَاء إِلَى تَقْسِيم الْخَبَر إِلَى ثَلَاثَة أسام متواتر ومشهور وآحاد فَيكون الْمَشْهُور سما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فَيَنْبَغِي الانتباه لذَلِك وَقد عرف بَعضهم الْمَشْهُور بقوله هُوَ الْخَبَر الشَّائِع عَن أصل فَخرج بذلك الْخَبَر الشَّائِع لَا عَن أصل وَقد يُطلق الْمَشْهُور على مَا اشْتهر على الْأَلْسِنَة سَوَاء كَانَ لَهُ أصل أَو لم يكن لَهُ أصل وَقد مثلُوا مَا لَيْسَ لَهُ أصل بِحَدِيث عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل وَحَدِيث ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل كسْرَى

стр. 73

وَقد يُسمى الْمَشْهُور مستفيضا يُقَال استفاض الْخَبَر إِذا شاع فَهُوَ مستفيض وَأَقل مَا ثَبت بِهِ الاستفاضة اثْنَان وينقل لَك عَن بعض الْفُقَهَاء وَقيل ثَلَاثَة وينقل ذَلِك عَن بعض الْمُحدثين وَقيل أَرْبَعَة وينقل ذَلِك عَن عُلَمَاء الْأُصُول فقد قَالُوا المستفيض مَا زَاد نقلته على ثَلَاثَة وَمن الْعلمَاء من فرق بَين الْمَشْهُور والمستفيض فَجعل الْمَشْهُور أَعم إِمَّا لكَونه لم يشْتَرط فِي الْمَشْهُور أَن يكون فِي أَوله أَيْضا مرويا عَن غير وَاحِد وَشرط ذَلِك فِي المستفيض وَإِمَّا أَن يكون جعل الْمَشْهُور مَا رَوَاهُ اثْنَان فَأكْثر والمستفيض مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة فَأكْثر فَكل مستفيض عِنْد هَؤُلَاءِ مَشْهُور وَلَيْسَ كل مَشْهُور مستفيض وَمِنْهُم من فرق بَينهمَا بِوَجْه آخر والمهم الانتباه لاخْتِلَاف الِاصْطِلَاح هُنَا حذرا من وروع الْوَهم وَأما النِّسْبَة بَين الْمَشْهُور والمتواتر فَهِيَ التباين إِلَّا عِنْد من جعل الْمَشْهُور قسما من الْمُتَوَاتر وَأما قَول بعض الأفاضل كل متواتر مَشْهُور وَلَيْسَ كل مَشْهُور متواترا وَذَلِكَ بعد أَن عرف مِنْهُمَا بِمَا عرفه بِهِ الْجُمْهُور فَهُوَ مِمَّا ينْتَقد قَالَ بَعضهم وَلَعَلَّه أَرَادَ بالمشهور الْمَعْنى اللّغَوِيّ لَا الاصطلاحي وَقد وَقع لبَعض عُلَمَاء الْأَثر عبارَة تسوغ لصَاحِبهَا القَوْل الْمَذْكُور وَهِي قَوْله والغريب وَهُوَ مَا تفرد بِهِ وَاحِد عَن الزُّهْرِيّ وَشبهه مِمَّن يجمع حَدِيثه فَإِن تفرد اثْنَان أَو ثَلَاثَة سمي مَشْهُورا وَمِنْه الْمُتَوَاتر اهـ ٣ فَصَاحب هَذِه الْعبارَة يسوغ لَهُ أَن يَقُول كل متواتر مَشْهُور وَلَيْسَ كل مَشْهُور متواتر اولا ينْتَقد عَلَيْهِ ذَلِك وَإِنَّمَا ينْتَقد عَلَيْهِ مُخَالفَة الْجُمْهُور فِي الِاصْطِلَاح لما ينشأ عَنْهَا فِي كثير من الأحيان من إِيقَاع فِي أشراك الأوهام وَلَعَلَّ ذَلِك الْفَاضِل قد جَاءَهُ الْوَهم من هَذَا الْموضع

стр. 74

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قد عرفت أَن خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ مَشْهُور وَقد قسم المحدثون غير الْمَشْهُور إِلَى قسمَيْنِ عيز وغريب فالعزيز هُوَ الَّذِي يرويهِ جمَاعَة عَن جمَاعَة غير أَن عَددهَا فِي بعض الطَّبَقَات يكون اثْنَيْنِ فَقَط فَخرج بذلك الْمَشْهُور عِنْد من يَقُول إِن أقل مَا تثبت بِهِ الشُّهْرَة ثَلَاثَة وَهُوَ الْمَشْهُور والغريب هُوَ الَّذِي ينْفَرد بروايته وَاحِد فِي مَوضِع مَا من مَوَاضِع السَّنَد وَالْحَاصِل أَن الْخَبَر يَنْقَسِم أَولا إِلَى قسمَيْنِ وآحاد وَأَن خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مَشْهُور وعزيز وغريب وَسَيَأْتِي زِيَادَة بَيَان لذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد قسم بعض عُلَمَاء الْأُصُول الْخَبَر إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام متواتر ومشهور آحَاد فَجعلُوا الْمَشْهُور قسما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَلم يدخلوه فِي الْمُتَوَاتر كَمَا فعل الْجَصَّاص وَلَا فِي خبر الْآحَاد كَمَا فعل غَيرهم وَقد عرفُوا الْمَشْهُور بِمَا كَانَ فِي الأَصْل خبر آحَاد ثمَّ انْتَشَر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث مَعَ تلق المة لَهُ بِالْقبُولِ فَيكون بَينه وَبَين المستفيض عُمُوم وخصوص من وَجه لصدقهما فِيمَا رَوَاهُ فِي الأَصْل ثَلَاثَة ثمَّ تَوَاتر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث وانفراد المستفيض عَن الْمَشْهُور فِيمَا رَوَاهُ فِي الأَصْل ثَلَاثَة ثمَّ لم يتواتر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث وانفراد الْمَشْهُور عَن المستفيض فِيمَا رَوَاهُ فِي الأَصْل وَاحِد أَو اثْنَان ثمَّ تَوَاتر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث

стр. 75

وَقد عرف الْجَصَّاص الْمُتَوَاتر بقوله هُوَ مَا أَفَادَ الْعلم بمضمون الْخَبَر ضَرُورَة أَو نظرا فَزَاد قَوْله أَو نظرا ليدْخل الْمَشْهُور وَقد توهم بَعضهم من عِبَارَته انه يحكم بِكفْر مُنكر الْمَشْهُور لإدخاله لَهُ فِي الْمُتَوَاتر يكفر جاحده وَلَيْسَ المر كَذَلِك لِأَن الَّذِي يكفر جاحده إِنَّمَا هُوَ الْقسم الأول من الْمُتَوَاتر عِنْده وهوالذي يُفِيد الْعلم ضَرُورَة كصيام شهر رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف الْقسم الثَّانِي مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يُفِيد الْعلم نظرا قَالَ بعض الأفاضل إِنَّمَا لم يكفر مُنكر الْمَشْهُور لِأَن إِنْكَاره لَا يُؤَدِّي إِلَى تَكْذِيب النَّبِي ﵊ لِأَنَّهُ لم يسمعهُ مِنْهُ ﵊ من غير وَاسِطَة وَلم يروه عَنهُ عدد لَا يتَصَوَّر مِنْهُم الْكَذِب خطأ أَو عمدا وَإِنَّمَا هُوَ خبر آحَاد تَوَاتر فِي الْعَصْر الثَّانِي وتلقاه أَهله بِالْقبُولِ فإنكاره إِنَّمَا يُؤَدِّي إِلَى تخطئة الْعلمَاء نسبتهم إِلَى عدم التروي حَيْثُ تلقوا بِالْقبُولِ مَا لم يثبت وُرُوده عَن الرَّسُول وتخطئة الْعلمَاء لَيست بِكفْر بل هِيَ بِدعَة وضلالة بِخِلَاف إِنْكَار الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ مشْعر بتكذيب النَّبِي ﵊ إِذْ الْمُتَوَاتر بِمَنْزِلَة المسموع مِنْهُ وَتَكْذيب الرَّسُول كفر على ان الْمَشْهُور لَا يُوجب علم الْيَقِين وَغنما يُوجب ظنا قَوِيا فَوق الظَّن الَّذِي يحصل من خبر الْآحَاد تطمئِن بِهِ النَّفس إِلَّا عِنْد مُلَاحظَة كَونه فِي الأَصْل كَانَ من خبر الْآحَاد وَقد ذكرُوا للمشهور أمثل مِنْهَا الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ كل مَشْهُور يعد إِنْكَاره بِدعَة وضلالة فقد قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي أثْنَاء محاورة جرت بَينه وَبَين أحد الْفُقَهَاء وَقلت لَهُ أَرَأَيْت قَول الله ﵎ ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾
следующие страницы →