Полный текст (855 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الطَّبَقَة الثَّانِيَة مَا يشْتَرط فِي الطَّبَقَة الأولى من كَونهَا تبلغ فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِي الْخَيْر وَقس على ذَلِك مَا إِذا كَانَت الطَّبَقَات ثَلَاثَة فَأكْثر
وَلما كَانَت الْأَخْبَار المتواترة فِي الْغَالِب مُتعَدِّدَة الطَّبَقَات قَالَ الْعلمَاء لَا بُد فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر من اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ فالطرفان هما الطَّبَقَة الأولى والطبقة الْأَخِيرَة وَالْوسط وَهُوَ مَا بَينهمَا وَالْمرَاد بالاستواء الاسْتوَاء فِي الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة وَلَا الاسْتوَاء فِي الْعدَد بِأَن يكون فِي كل طبقَة مستويا فَإِنَّهُ لَا يضر الِاخْتِلَاف فِيهِ إِذا كَانَ كل عدد مِنْهَا الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة مثل أَن يكون فِي كل طبقَة مستويا فَإِنَّهُ لَا يضر الِاخْتِلَاف فِيهِ إِذا كَانَ كل عدد مِنْهَا فِيهِ الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة مثل أَن يكون عدد الطَّبَقَة ألفا وَعدد الثَّانِيَة تسع مئة وَعدد الثَّالِثَة ألفا وتسع مئة
وَبِمَا ذكر يعلم أَن الروَاة إِذا لم يبلغُوا فِي الْكَثْرَة الْمبلغ الْمَشْرُوط فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي جَمِيع الطَّبَقَات أَو فِي بَعْضهَا لم يسم خبرهم متواترا وَإِنَّمَا يُسمى مَشْهُورا
قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى الشَّرْط الثَّالِث أَن يَسْتَوِي طرفاه وواسطته فِي هَذِه الصِّفَات وَفِي كَمَال الْعدَد فَإِذا نقل الْخلف عَن السّلف وتوالت الْأَعْصَار وَلم تكن الشُّرُوط قَائِمَة فِي كل عصر لم يحصل الْعلم بصدقهم لِأَن خبر كل عصر خبر مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَلَا بُد فِيهِ من الشُّرُوط وَلأَجل ذَلِك لم يحصل لنا الْعلم بِصدق الْيَهُود مَعَ كثرتهم فِي نقلهم عَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ تَكْذِيب كل نَاسخ لشريعته وَلَا بِصدق الشِّيعَة والعباسية والبكرية فِي نقل النَّص على إِمَامَة عَليّ أَو الْعَبَّاس أَو أبي بكر ﵃ وَإِن كثر عدد الناقلين فِي هَذِه العصار الْقَرِيبَة لِأَن بعض هَذَا وَضعه الْآحَاد اولا ثمَّ أفشوه ثمَّ كثر الناقلون فِي عصره وَبعده
стр. 72
وَالشّرط إِنَّمَا حصل فِي بعض الْأَعْصَار فَلم تستو فِيهِ الْأَعْصَار وَلذَلِك لم يحصل التَّصْدِيق بِخِلَاف وجود عِيسَى ﵊ وتحديه بِالنُّبُوَّةِ وَوُجُود أبي بكر وَعلي وانتصابهما للْإِمَامَة فَإِن كل ذَلِك لما تَسَاوَت فِيهِ الْأَطْرَاف والواسطة حصل لنا علم ضَرُورِيّ لَا نقدر على تشكيك أَنْفُسنَا فِيهِ ونقدر على التشكيك فِيمَا نقلوه عَن مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي نَص الْإِمَامَة اهـ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْخَبَر الْمَشْهُور
خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ مَشْهُور وَغير مَشْهُور فَالْمَشْهُور هُوَ خبر جمَاعَة لم يبلغُوا فِي الْكَثْرَة مبلغا يمْنَع تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ فَخرج بقَوْلهمْ خبر الْوَاحِد وبتتمة التَّعْرِيف الْخَبَر الْمُتَوَاتر
هَذَا وَقد عرف الْمُتَوَاتر بتعاريف شَتَّى وأدلها على الْمَقْصُود التَّعْرِيف الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقد وَقع لبَعْضهِم فِي تَعْرِيفه مَا يُوهم دُخُول بعض أَقسَام الْمَشْهُور فِيهِ ولعلهم جروا على مَذْهَب أبي بكر الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بالجصاص فَإِنَّهُ جعل الْمَشْهُور أحد قسمَيْنِ الْمُتَوَاتر
وَقد ذهب كثير من الْعلمَاء إِلَى تَقْسِيم الْخَبَر إِلَى ثَلَاثَة أسام متواتر ومشهور وآحاد فَيكون الْمَشْهُور سما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فَيَنْبَغِي الانتباه لذَلِك
وَقد عرف بَعضهم الْمَشْهُور بقوله هُوَ الْخَبَر الشَّائِع عَن أصل فَخرج بذلك الْخَبَر الشَّائِع لَا عَن أصل وَقد يُطلق الْمَشْهُور على مَا اشْتهر على الْأَلْسِنَة سَوَاء كَانَ لَهُ أصل أَو لم يكن لَهُ أصل وَقد مثلُوا مَا لَيْسَ لَهُ أصل بِحَدِيث عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل وَحَدِيث ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل كسْرَى
стр. 73
وَقد يُسمى الْمَشْهُور مستفيضا يُقَال استفاض الْخَبَر إِذا شاع فَهُوَ مستفيض وَأَقل مَا ثَبت بِهِ الاستفاضة اثْنَان وينقل لَك عَن بعض الْفُقَهَاء وَقيل ثَلَاثَة وينقل ذَلِك عَن بعض الْمُحدثين وَقيل أَرْبَعَة وينقل ذَلِك عَن عُلَمَاء الْأُصُول فقد قَالُوا المستفيض مَا زَاد نقلته على ثَلَاثَة
وَمن الْعلمَاء من فرق بَين الْمَشْهُور والمستفيض فَجعل الْمَشْهُور أَعم إِمَّا لكَونه لم يشْتَرط فِي الْمَشْهُور أَن يكون فِي أَوله أَيْضا مرويا عَن غير وَاحِد وَشرط ذَلِك فِي المستفيض وَإِمَّا أَن يكون جعل الْمَشْهُور مَا رَوَاهُ اثْنَان فَأكْثر والمستفيض مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة فَأكْثر فَكل مستفيض عِنْد هَؤُلَاءِ مَشْهُور وَلَيْسَ كل مَشْهُور مستفيض وَمِنْهُم من فرق بَينهمَا بِوَجْه آخر والمهم الانتباه لاخْتِلَاف الِاصْطِلَاح هُنَا حذرا من وروع الْوَهم
وَأما النِّسْبَة بَين الْمَشْهُور والمتواتر فَهِيَ التباين إِلَّا عِنْد من جعل الْمَشْهُور قسما من الْمُتَوَاتر
وَأما قَول بعض الأفاضل كل متواتر مَشْهُور وَلَيْسَ كل مَشْهُور متواترا وَذَلِكَ بعد أَن عرف مِنْهُمَا بِمَا عرفه بِهِ الْجُمْهُور فَهُوَ مِمَّا ينْتَقد قَالَ بَعضهم وَلَعَلَّه أَرَادَ بالمشهور الْمَعْنى اللّغَوِيّ لَا الاصطلاحي
وَقد وَقع لبَعض عُلَمَاء الْأَثر عبارَة تسوغ لصَاحِبهَا القَوْل الْمَذْكُور وَهِي قَوْله والغريب وَهُوَ مَا تفرد بِهِ وَاحِد عَن الزُّهْرِيّ وَشبهه مِمَّن يجمع حَدِيثه فَإِن تفرد اثْنَان أَو ثَلَاثَة سمي مَشْهُورا وَمِنْه الْمُتَوَاتر اهـ ٣ فَصَاحب هَذِه الْعبارَة يسوغ لَهُ أَن يَقُول كل متواتر مَشْهُور وَلَيْسَ كل مَشْهُور متواتر اولا ينْتَقد عَلَيْهِ ذَلِك وَإِنَّمَا ينْتَقد عَلَيْهِ مُخَالفَة الْجُمْهُور فِي الِاصْطِلَاح لما ينشأ عَنْهَا فِي كثير من الأحيان من إِيقَاع فِي أشراك الأوهام وَلَعَلَّ ذَلِك الْفَاضِل قد جَاءَهُ الْوَهم من هَذَا الْموضع
стр. 74
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
قد عرفت أَن خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ مَشْهُور وَقد قسم المحدثون غير الْمَشْهُور إِلَى قسمَيْنِ عيز وغريب
فالعزيز هُوَ الَّذِي يرويهِ جمَاعَة عَن جمَاعَة غير أَن عَددهَا فِي بعض الطَّبَقَات يكون اثْنَيْنِ فَقَط فَخرج بذلك الْمَشْهُور عِنْد من يَقُول إِن أقل مَا تثبت بِهِ الشُّهْرَة ثَلَاثَة وَهُوَ الْمَشْهُور
والغريب هُوَ الَّذِي ينْفَرد بروايته وَاحِد فِي مَوضِع مَا من مَوَاضِع السَّنَد
وَالْحَاصِل أَن الْخَبَر يَنْقَسِم أَولا إِلَى قسمَيْنِ وآحاد وَأَن خبر الْآحَاد يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مَشْهُور وعزيز وغريب وَسَيَأْتِي زِيَادَة بَيَان لذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقد قسم بعض عُلَمَاء الْأُصُول الْخَبَر إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام متواتر ومشهور آحَاد فَجعلُوا الْمَشْهُور قسما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَلم يدخلوه فِي الْمُتَوَاتر كَمَا فعل الْجَصَّاص وَلَا فِي خبر الْآحَاد كَمَا فعل غَيرهم وَقد عرفُوا الْمَشْهُور بِمَا كَانَ فِي الأَصْل خبر آحَاد ثمَّ انْتَشَر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث مَعَ تلق المة لَهُ بِالْقبُولِ فَيكون بَينه وَبَين المستفيض عُمُوم وخصوص من وَجه لصدقهما فِيمَا رَوَاهُ فِي الأَصْل ثَلَاثَة ثمَّ تَوَاتر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث وانفراد المستفيض عَن الْمَشْهُور فِيمَا رَوَاهُ فِي الأَصْل ثَلَاثَة ثمَّ لم يتواتر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث وانفراد الْمَشْهُور عَن المستفيض فِيمَا رَوَاهُ فِي الأَصْل وَاحِد أَو اثْنَان ثمَّ تَوَاتر فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث
стр. 75
وَقد عرف الْجَصَّاص الْمُتَوَاتر بقوله هُوَ مَا أَفَادَ الْعلم بمضمون الْخَبَر ضَرُورَة أَو نظرا فَزَاد قَوْله أَو نظرا ليدْخل الْمَشْهُور
وَقد توهم بَعضهم من عِبَارَته انه يحكم بِكفْر مُنكر الْمَشْهُور لإدخاله لَهُ فِي الْمُتَوَاتر يكفر جاحده وَلَيْسَ المر كَذَلِك لِأَن الَّذِي يكفر جاحده إِنَّمَا هُوَ الْقسم الأول من الْمُتَوَاتر عِنْده وهوالذي يُفِيد الْعلم ضَرُورَة كصيام شهر رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف الْقسم الثَّانِي مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يُفِيد الْعلم نظرا
قَالَ بعض الأفاضل إِنَّمَا لم يكفر مُنكر الْمَشْهُور لِأَن إِنْكَاره لَا يُؤَدِّي إِلَى تَكْذِيب النَّبِي ﵊ لِأَنَّهُ لم يسمعهُ مِنْهُ ﵊ من غير وَاسِطَة وَلم يروه عَنهُ عدد لَا يتَصَوَّر مِنْهُم الْكَذِب خطأ أَو عمدا وَإِنَّمَا هُوَ خبر آحَاد تَوَاتر فِي الْعَصْر الثَّانِي وتلقاه أَهله بِالْقبُولِ فإنكاره إِنَّمَا يُؤَدِّي إِلَى تخطئة الْعلمَاء نسبتهم إِلَى عدم التروي حَيْثُ تلقوا بِالْقبُولِ مَا لم يثبت وُرُوده عَن الرَّسُول
وتخطئة الْعلمَاء لَيست بِكفْر بل هِيَ بِدعَة وضلالة بِخِلَاف إِنْكَار الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ مشْعر بتكذيب النَّبِي ﵊ إِذْ الْمُتَوَاتر بِمَنْزِلَة المسموع مِنْهُ وَتَكْذيب الرَّسُول كفر
على ان الْمَشْهُور لَا يُوجب علم الْيَقِين وَغنما يُوجب ظنا قَوِيا فَوق الظَّن الَّذِي يحصل من خبر الْآحَاد تطمئِن بِهِ النَّفس إِلَّا عِنْد مُلَاحظَة كَونه فِي الأَصْل كَانَ من خبر الْآحَاد وَقد ذكرُوا للمشهور أمثل مِنْهَا الْمسْح على الْخُفَّيْنِ
وَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ كل مَشْهُور يعد إِنْكَاره بِدعَة وضلالة فقد قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي أثْنَاء محاورة جرت بَينه وَبَين أحد الْفُقَهَاء
وَقلت لَهُ أَرَأَيْت قَول الله ﵎ ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾
стр. 76
وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ أَلَيْسَ بَين فِي كتاب الله بَان الْفَرْض غسل الْقَدَمَيْنِ أَو مسحهما قَالَ بلَى
قلت لم مسحت على الْخُفَّيْنِ وَمن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَالنَّاس إِلَى الْيَوْم من ترك الْمسْح على الْخُفَّيْنِ ويعنف من مسح
قَالَ لَيْسَ فِي رد من رده حجَّة وَإِذا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ شَيْء لم يضرّهُ من خَالفه
قلت ونعمل بِهِ وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ كَمَا نعمل بِهِ لَو كَانَ مُتَّفقا عَلَيْهِ وَلَا نعرضه على الْقُرْآن قَالَ لَا بل سنة رَسُول الله ﷺ تدل على معنى مَا أَرَادَ الله
قُلْنَا فَلم لَا تَقول بِهَذَا فِي الْيَمين مَعَ الشَّاهِد وَغَيره مِمَّا تخَالف فِيهِ الحَدِيث وتريد إبِْطَال الحَدِيث الثَّابِت بالتأويل وَبِأَن تَقول الحَدِيث يُخَالف ظَاهر الْقُرْآن اهـ
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
قد يقوى الْخَبَر وَأَصله ضَعِيف وَقد يضعف وَأَصله قوي وَذَلِكَ لأسباب تعتريه غير ان الْخَبَر إِذا عرضت لَهُ الْقُوَّة لَا يرْتَفع عَن دَرَجَته وَإِذا عرض لَهُ الضعْف نزل عَنْهَا فالمتواتر مهما زَاد تواتره يبْقى متواترا إِذْ دَرَجَة فَوْقه يرْتَفع إِلَيْهَا وَإِذا نقص تواتره نقصا بَينا نزل عَن دَرَجَته إِلَى دَرَجَة الْمَشْهُور ثمَّ قد يضعف إِلَى أَن يصير عَزِيزًا ثمَّ غَرِيبا ثمَّ قد يندرس فكم من خبر متواتر قد درسته الْأَيَّام أَلا ترى أَن كثيرا من الْأَبْنِيَة الْعَظِيمَة لَا يعلم الْآن يَقِينا أَسمَاء بنائها فضلا عَن زمانهم قَالَ المتنبي
(أَيْن الَّذِي الهرمان من بُنْيَانه ... مَا قومه مَا يَوْمه مَا المصرع)
(تتخلف الْآثَار عَن أَصْحَابهَا ... حينا ويلحقها الفناء فتتبع)
стр. 77
وَالْمَشْهُور مهما زَادَت شهرته لَا يرْتَفع عَن دَرَجَته إِلَى دَرَجَة الْمُتَوَاتر إِذْ الشَّرْط فِي الْمُتَوَاتر أَن يكون التَّوَاتُر مَوْجُودا فِيهِ من الطَّبَقَة الأولى فَمَا بعْدهَا فَإِذا فقد ذَلِك فِي طبقَة من الطَّبَقَات لَا سِيمَا الأولى لم يعد متواترا فَإِن كَانَ متواترا فِي أول الْأَمر ثمَّ زَالَ عَنهُ التَّوَاتُر قيل خبر مُنْقَطع التَّوَاتُر فَإِن لم يكن متواترا من أول الْأَمر لم يقل لَهُ متواتر نعم يسوغ أَن يُوصف بالتواتر النسبي فَيُقَال هَذَا الْخَبَر قد تَوَاتر فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة مثلا وَلَا يُقَال لَهُ خبر متواتر على الْإِطْلَاق
فَإِذا ضعفت الشُّهْرَة فِي الْمَشْهُور نزل عَن دَرَجَته وانتقل إِلَى مَا بعْدهَا كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ وَقس على ذَلِك الْعَزِيز والغريب غير أَن الْغَرِيب لما كَانَ فِي الْمنزلَة الدُّنْيَا فَإِذا ضعف اندرس وَصَارَ نسيا منسيا وَالْخَبَر قد يحيا بعد الاندراس وَذَلِكَ بِظُهُور أَمر يدل عَلَيْهِ وَاعْلَم أَنه قد يشْتَبه الشَّائِع عَن أصل بالمتواتر بل قد يشيع خبر لَا أصل لَهُ فيظنه من لم يتتبع أمره متواترا ولكثرة الِاشْتِبَاه فِي هَذَا الْبَاب على كثير من النَّاس ظن بَعضهم أَن لَا سَبِيل إِلَى أَخذ الْيَقِين من الْأَخْبَار لَا سِيمَا الَّتِي مَضَت عَلَيْهِ قُرُون كَثِيرَة فقد ذكر فِي كتب الْكَلَام وَكتب الْأُصُول أَن فرقة من النَّاس أنْكرت إِفَادَة الْمُتَوَاتر الْعلم اليقيني وَقَالَت إِن الْحَاصِل مِنْهُ هُوَ الظَّن الْقوي الْغَالِب وَفرْقَة مِنْهُم سلمت إفادته الْعلم اليقيني فِي الْأُمُور الْحَاضِرَة وَأنْكرت فِي الْأُمُور الغابرة
قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى أما إِثْبَات كَون التَّوَاتُر مُفِيدا للْعلم فَهُوَ ظَاهر خلافًا للسمنية حَيْثُ حصروا الْعلم فِي الْحَواس وأنكروا هَذَا وحصرهم بَاطِل فَإنَّا بِالضَّرُورَةِ نعلم كَون اللف أَكثر من الْوَاحِد واستحالة كَون الشَّيْء قَدِيما مُحدثا وامورا أخر ذَكرنَاهَا فِي مدراك الْيَقِين سوى الْحَواس بل نقُول حصرهم
стр. 78
الْعُلُوم فِي الْحَواس مَعْلُوم لَهُم وَلَيْسَ ذَلِك مدْركا بالحواس الْخمس
ثمَّ لَا يستريب عَاقل فِي أَن فِي الدُّنْيَا بَلْدَة تسمى بَغْدَاد وَإِن لم يدخلهَا وَلَا يشك فِي وجود النبياء بل وَلَا فِي وجود الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله بل وَلَا فِي الدول والوقائع الْكَبِيرَة
فَإِن قيل لَو كَانَ مَعْلُوما ضَرُورَة لما خالفناكم قُلْنَا من يُخَالف فِي هَذَا فَإِنَّمَا يُخَالف بِلِسَانِهِ أَو عَن خبط فِي عقله أَو عَن عناد وَلَا يصدر إِنْكَار هَذَا من عدد كثير يَسْتَحِيل إنكارهم فِي الْعَادة لما علموه وعنادهم وَلَو تركنَا مَا علمناه لقولكم للزمكم ترك المحسوسات لخلاف السوفسطائية اهـ
وَقد أَشَارَ فِي فيصل التَّفْرِقَة بَين الْإِسْلَام والزندقة إِلَى أَمر اشْتِبَاه الْمَشْهُور بالتواتر على من لم يمعن النّظر فَقَالَ فِي أثْنَاء بَيَان الْأُمُور الْخَمْسَة الَّتِي يجب على من يَخُوض فِي التَّكْفِير أَن ينظر فِيهَا قبل الْإِقْدَام عَلَيْهِ
الثَّانِي فِي النَّص الْمَتْرُوك أَنه ثَبت تواترا أَو آحادا أَو بِالْإِجْمَاع فَإِن ثَبت تواترا فَهَل هُوَ على شَرط التَّوَاتُر أم لَا إِذْ رُبمَا يظنّ المستفيض متواترا وحد التَّوَاتُر مَا لَا يُمكن الشَّك فِيهِ كَالْعلمِ بِوُجُود الْأَنْبِيَاء وَوُجُود الْبِلَاد الْمَشْهُورَة وَغَيرهَا وَأَنه متواتر فِي الْأَعْصَار كلهَا عصرا بعد عصر إِلَى زمَان النُّبُوَّة وَهل يتَصَوَّر ان يكون قد نقص عدد التَّوَاتُر فِي عصر من الْأَعْصَار
وَالشّرط فِي الْمُتَوَاتر أَن لَا يحْتَمل ذَلِك كَمَا فِي الْقُرْآن أما فِي غير الْقُرْآن فيغمض مدرك ذَلِك جدا وَلَا يسْتَقلّ بإدراكه إِلَّا الباحثون عَن كتب التواريخ وأحوال
стр. 79
الْقُرُون الْمَاضِيَة وَكتب الْأَحَادِيث وأحوال الرِّجَال وأغراضهم فِي نقل المقالات إِذْ قد يُوجد عدد التَّوَاتُر فِي كل عصر وَلَا يحصل بِهِ الْعلم إِذْ كَانَ يتَصَوَّر أَن يكون للْجمع الْكثير رابطة فِي التوافق لَا سِيمَا بعد وُقُوع التعصب بَين أَرْبَاب الْمذَاهب اهـ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
شَرط قوم فِي التَّوَاتُر أَن يكون المخبرون لَا يحصرهم عدد وَلَا يحويهم بلد وَهُوَ شَرط غير لَازم فَإِن الْحجَّاج إِذا أخبروا عَن وَاقعَة صدتهم عَن الْحَج حصل الْعلم بقَوْلهمْ وهم محصورون وَأهل الْمَدِينَة إِذا أخبروا عَن النَّبِي ﷺ بِشَيْء حصل الْعلم بخبرهم وَقد حواهم بلد وَأهل الْجَامِع أذا أخبروا بنائِهِ فِي الْجُمُعَة حَالَتْ بَينهم وَبَين صلَاتهَا حصل الْعلم بخبرهم وَقد حواهم الْجَامِع وَهُوَ دون الْبَلَد
وَأَرَادُوا بِكَوْن المخبرين لَا يحصرهم عدد أَنهم لكثرتهم وتباين بلدانهم يتَعَذَّر أَو يتعسر إحصاؤهم فتشنيع ابْن حزم على الْقَائِلين بِهِ جَار على عَادَته فِي التهويل وَحمل عبارَة من خَالفه على أقبح محاملها وَإِن كَانَت مُمكنَة التَّأْوِيل
وَشرط قوم فِي المخبرين عددا معينا بِحَيْثُ إِذا كَانَ عَددهمْ أقل مِنْهُ لم يسم خبرهم متواترا وَاخْتلف فِي ذَلِك الْعدَد فَقيل هُوَ ثَلَاثَة وَقيل أَرْبَعَة وَقيل خَمْسَة وَقيل عشرَة وَقيل اثْنَا عشر وَقيل عشرُون وَقيل أَرْبَعُونَ وَقيل خَمْسُونَ وَقيل غير ذَلِك وَهِي أَقْوَال لَيْسَ لَهَا برهَان
وَقَالَ الْجُمْهُور الشَّرْط ان يبلغ عدد المخبرين مبلغا يمْنَع فِي الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ وَلَا يُمكن تَحْدِيد ذَلِك الْعدَد وَالضَّابِط فِي ذَلِك حُصُول الْعلم فَإِذا حصل علمت أَن الْخَبَر متواترا وَإِلَّا فَلَا
стр. 80
قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى عدد المخبرين يَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ نَاقص فَلَا يُفِيد الْعلم وَإِلَى مَا هُوَ كَامِل وَهُوَ الَّذِي يُفِيد الْعلم وَإِلَى مَا هُوَ زَائِد وَهُوَ الَّذِي يحصل الْعلم بِبَعْضِه وَتَقَع الزِّيَادَة فضلا عَن الْكِفَايَة والكامل وَهُوَ أقل عدد يُورث الْعلم لَيْسَ مَعْلُوما لنا لَكنا بِحُصُول الْعلم ضَرُورِيّ نتبين كَمَال الْعدَد لَا أَنا بِكَمَال الْعدَد نستدل على حُصُول الْعلم فَإِذا عرفت هَذَا فالعدد الْكَامِل الَّذِي يحصل التَّصْدِيق بِهِ فِي وَاقعَة هَل يتَصَوَّر أَن لَا يُفِيد الْعلم فِي بعض الوقائع
قَالَ القَاضِي ﵀ ذَلِك محَال بل كل مَا يُفِيد الْعلم فِي وَاقعَة يفِيدهُ فِي كل وَاقعَة وَإِذا حصل الْعلم لشخص فَلَا بُد وان يحصل لكل شخص يُشَارِكهُ فِي السماع وَلَا يتَصَوَّر ان يخْتَلف
وَهَذَا صَحِيح إِن تجرد الْخَبَر عَن الْقَرَائِن فغن الْعلم لَا يسْتَند إِلَى مُجَرّد الْعدَد وَنسبَة كَثْرَة الْعدَد إِلَى سَائِر الوقائع وَسَائِر الْأَشْخَاص وَاحِدَة أما إِذا اقترنت بِهِ قَرَائِن تدل على التَّصْدِيق فَهَذَا يجوز ان تخْتَلف فِيهِ الوقائع والأشخاص وَأنكر القَاضِي ذَلِك وَلم يلْتَفت إِلَى الْقَرَائِن وَلم يَجْعَل لَهَا أثرا وَهَذَا غير مرضِي لِأَن مُجَرّد الْإِخْبَار يجوز ان يُورث الْعلم عِنْد كَثْرَة المخبرين وَإِن لم تكن قرينَة وَمُجَرَّد الْقَرَائِن أَيْضا قد يُورث الْعلم وَإِن لم يكن فِيهِ إِخْبَار فَلَا يبعد ان تنضم الْقَرَائِن إِلَى الْأَخْبَار فَيقوم بعض الْقَرَائِن مقَام بعض الْعدَد من المخبرين
وَلَا ينْكَشف هَذَا إِلَّا بِمَعْرِِفَة معنى الْقَرَائِن وَكَيْفِيَّة دلالاتها فَنَقُول لَا شكّ فِي أَنا نَعْرِف أمورا لَيْسَ محسوسة إِذْ نَعْرِف من غَيرنَا حَبَّة لإِنْسَان وبغضه لَهُ وَخَوف
стр. 81
مِنْهُ وغضبه وخجله وَهَذِه أَحْوَال فِي نفس الْمُحب والمبغض لَا يتَعَلَّق الْحس بهَا قد تدل عَلَيْهَا دلالات آحادها لَيست قَطْعِيَّة بل يتَطَرَّق إِلَيْهَا الِاحْتِمَال
وَلَكِن تميل النَّفس بهَا إِلَى اعْتِقَاد ضَعِيف ثمَّ الثَّانِي وَالثَّالِث يُؤَكد ذَلِك وَلَو أفردت آحادها لتطرق إِلَيْهَا الِاحْتِمَال وَلَكِن يحصل الْقطع باجتماعها كَمَا أَن قَول كل وَاحِد من عدد التَّوَاتُر يتَطَرَّق إِلَيْهِ الِاحْتِمَال لَو قدر مُفردا وَيحصل الْقطع بِسَبَب الِاجْتِمَاع
ومثاله أَنا نَعْرِف عشق العاشق لَا بقوله بل بِأَفْعَال هِيَ أَفعَال المحبين من الْقيام بخدمته وبذله مَاله وَحُضُور مجالسه لمشاهدته وملازمته فِي تردداته وَأُمُور من هَذَا الْجِنْس فَإِن كل وَاحِد يدل دلَالَة لَو انْفَرد لاحتمل أَن يكون ذَلِك لغَرَض آخر ضمره لَا لحبه إِيَّاه لَكِن تَنْتَهِي كَثْرَة هَذِه الدلالات إِلَى حد يحصل لنا بِهِ علم قَطْعِيّ بحبه وَكَذَلِكَ ببغضه إِذا رؤيت مِنْهُ أَفعَال ينتجها البغض
ثمَّ قَالَ فاقتران هَذِه الدَّلَائِل كاقتران الْأَخْبَار وتواترها وكل دلَالَة شَاهد يتَطَرَّق إِلَيْهِ الِاحْتِمَال كَقَوْل كل مخبر على حياله وينشأ من الِاجْتِمَاع الْعلم وَكَأن هَذَا مدرك سادس من مدارك الْعلم سوى مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمُقدمَة من الأوليات والمحسوسات والمشاهدات الْبَاطِنَة والتجريبيات والمتواترات فليلحق هَذَا بهَا وَإِذا كَانَ هَذَا غير مُنكر فَلَا يبعد أَن يحصل التَّصْدِيق بقول عدد نَاقص عِنْد انضمام قَرَائِن إِلَيْهِ وَلَو تجرد عَن الْقَرَائِن لم يفد الْعلم
وَقَالَ الْعَلامَة جمال الدّين حسن بن يُوسُف لن الْمهْر الْحلِيّ فِي نِهَايَة الْوُصُول إِلَى علم الْأُصُول قَالَ أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ وَالْقَاضِي أَبُو بكر كل عدد وَقع الْعلم
стр. 82
بِخَبَرِهِ فِي واقعه لشخص لَا بُد وَأَن يكون مُفِيدا للْعلم بِغَيْر تِلْكَ الْوَاقِعَة لغير ذَلِك الشَّخْص إِذا سَمعه
وَهَذَا إِنَّمَا يَصح على إِطْلَاقه لَو كَانَ الْعلم قد حصل بِمُجَرَّد ذَلِك الْعدَد من غير أَن يكون للقرائن المحتفة بِهِ مدْخل فِي التَّأْثِير لَكِن الْعلم قد يحصل بالقرائن العائدة إِلَى إِخْبَار المخبرين وأحوالهم وَاخْتِلَاف السامعين فِي قُوَّة السماع للْخَبَر والفهم لمدلوله وَمَعَ فرض التَّسَاوِي فِي الْقَرَائِن قد يُفِيد آحادها الظَّن وَيحصل من اجتماعها الْعلم فَأمكن حُصُول الْعلم بثل ذَلِك الْعدَد فِي بعض الوقائع للمستمع دون الْبَعْض لما اخْتصَّ بِهِ من الْقَرَائِن الَّتِي لَا تحصل لغيره
وَلَو سلم اتِّحَاد الْوَاقِعَة وقرائنها لم يلْزم من حُصُول الْعلم بذلك الْعدَد لبَعض الْأَشْخَاص حُصُوله لشخص آخر لتفاوتهما فِي الْفَهم للقرائن وتفاوت الْأَشْخَاص فِي الْإِدْرَاك والذكاء مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ
وَقَالَ أَيْضا ظن قوم أَن لحُصُول الْعلم عقب التَّوَاتُر يشْتَرط عدد معِين وَلَيْسَ بِحَق فَإِن الْعلم هُوَ القَاضِي بِعَدَد الشَّهَادَات دون الْعَكْس فَرب عدد أَفَادَ الْعلم فِي قَضِيَّة لشخص وَلَا يحصل مَعَ مثله فِي تِلْكَ الْقَضِيَّة لغير ذَلِك الشَّخْص أَو فِي غَيرهَا لَهُ
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِن حُصُول الْعلم بطرِيق تَوَاتر الْأَخْبَار يخْتَلف باخْتلَاف الوقائع والمخبرين والسامعين فقد يحصل الْعلم فِي وَاقعَة بِعَدَد مَخْصُوص وَلَا بِهِ فِي وَاقعَة أُخْرَى وَقد يحصل بِإِخْبَار جمَاعَة مَخْصُوصَة وَلَا يحصل بِإِخْبَار جمَاعَة أُخْرَى تساويهم فِي الْعدَد وَقد يحصل لسامع لَوْلَا يحصل لسامع آخر
وَقد عرف بعض الْعلمَاء الْمُتَوَاتر بقوله هُوَ الْخَبَر الَّذِي يُوجب بِنَفسِهِ الْعلم فَخرج بذلك الْآحَاد فَإِن مِنْهُ مَا لَا يُوجب الْعلم أصلا وَمِنْه مَا يُوجب الْعلم لَا بِنَفسِهِ لَكِن بِوَاسِطَة الْقَرَائِن الَّتِي احتفت بِهِ
стр. 83
وَفِي هَذَا التَّعْرِيف إِشْكَال فَإِنَّهُ يُوهم أَن الْمُوجب للْعلم فِي الْمُتَوَاتر إِنَّمَا هُوَ مُجَرّد كَثْرَة المخبرين وستعرف مَا يرد فِي ذَلِك
قَالَ الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول أَنا لَو قَدرنَا أَن أهل بَلْدَة علمُوا أَن أهل سَائِر الْبِلَاد لَو عرفُوا مَا فِي بلدهم من الوباء الْعَام لتركوا الذّهاب إِلَى بلدهم وَلَو تركُوا ذَلِك لاختلت الْمَعيشَة فِي تِلْكَ الْبَلدة وقدرنا أَن أهل تِلْكَ الْبَلدة كَانُوا عُلَمَاء حكماء جَازَ فِي مثل هَذِه الصُّورَة ان يتطابقوا على الْكَذِب وَإِن كَانُوا كثيرين جدا فَثَبت بِهَذَا إِمْكَان اتِّفَاق الْخلق الْعَظِيم على الْكَذِب لأجل الرَّغْبَة اهـ
وَقَالَ حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ عَن الْعدَد الْكثير رُبمَا يخبرون عَن أَمر تَقْتَضِي إياله الْملك وسياسته إِظْهَاره والمخبرون من رُؤَسَاء جنود الْملك فيتصور اجْتِمَاعهم تَحت ضبط الإيالة على الِاتِّفَاق على الْكَذِب وَلَو كَانُوا مُتَفَرّقين خَارِجين عَن ضبط الْملك لم يتَطَرَّق إِلَيْهِم هَذَا الْوَهم
وَقد صرح كثير من عُلَمَاء الْأُصُول بِأَن الْمُتَوَاتر لَا بُد من الْقَرَائِن فَلَا يبْقى حِينَئِذٍ فرق بَينه وَبَين خبر الْآحَاد الَّذِي احتفت بِهِ قَرَائِن أوجبت الْعلم بصدقه وَيكون إِيجَاب كل مِنْهُمَا للْعلم إِنَّمَا هُوَ بمعونة الْقَرَائِن
وَلَا يُفِيد فِي الْجَواب ان يُقَال الْقَرَائِن فِي الْمُتَوَاتر مُتَّصِلَة فَهِيَ غير خَارِجَة عَنهُ فصح أَن يُقَال إِنَّه يُوجب الْعلم بِنَفسِهِ لِأَن خبر الْآحَاد الْمَذْكُور كثيرا مَا تكون الْقَرَائِن فِيهِ مُتَّصِلَة
وَالْمرَاد بالقرائن مَا يكون مُتَعَلقا بِحَال الْمخبر والمخبر بِهِ وَالْخَبَر أما
стр. 84
الْمخبر فَكَأَن يكون غير مَعْرُوف بِالْكَذِبِ وَلَا دَاعِي لَهُ فِي ذَلِك الْخَبَر من رَغْبَة اَوْ رهبة تلجئه إِلَى الْكَذِب فِيهِ وَأما الْمخبر بِهِ فَكَأَن يكون أمرا مُمكن الْوُقُوع لَا سِيمَا إِن ظَهرت من قبل مُقَدمَات تقرب أمره وَأما الْخَبَر فَكَأَن يكون مسوقا على هَيْئَة وَاضِحَة لَيْسَ فيهمَا جمجمة وَلَا تلعثم وَلَا اضْطِرَاب
وَالْمرَاد بالقرائن الْمُنْفَصِلَة مَا لَا يتَعَلَّق بِمَا ذكر وَمِثَال ذَلِك مَا إِذا أخبر جمَاعَة بِمَوْت ابتن لأحد الرؤساء كَانَ مَرِيضا ثمَّ تَلا ذَلِك أَن خرج الرئيس من الدَّار حاسر الرَّأْس حافي الْقدَم ممزق الثِّيَاب مُضْطَرب الْحَال وَهُوَ رجل ذُو منصب كَبِير ومروءة تَامَّة لَا يُخَالف عَادَته إِلَّا لمثل هَذِه النائبة فَإِن هَذِه الْقَرِينَة مُنْفَصِلَة عَن الْخَبَر وَلها أعظم مدْخل فِي الْعلم بِصِحَّتِهِ
وَاعْترض بَعضهم بِأَن الْعلم إِنَّمَا حصل بِالْقَرِينَةِ فَكيف نسبتموه إِلَى الْخَبَر وَأجِيب بِأَن الْعلم حصل بالْخبر بمعونة الْقَرِينَة وَلَوْلَا الْخَبَر لجوزنا شخص آخر أَو وُقُوع كارثة تقوم مقَام موت الابْن
وَقد أسقط بَعضهم من تَعْرِيف الْمُتَوَاتر قَوْله بِنَفسِهِ فَقَالَ فِي تَعْرِيفه هُوَ الْخَبَر الَّذِي يُوجب الْعلم وَفِيه أَيْضا إِشْكَال لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ خبر الْآحَاد إِذا احتفت بِهِ قَرَائِن توجب الْعلم وَكَأن بَعضهم شعر بذلك فَقَالَ فِي تَعْرِيفه هُوَ الْخَبِير الْمُفِيد للْعلم اليقيني
وَاعْلَم أَن سَبَب اخْتِلَاف الْعبارَات واضطرابها إِنَّمَا هُوَ غموض هَذَا المبحث ودقته بِحَيْثُ صَارَت الْعبارَات فِيهِ قَاصِرَة عَن أَدَاء جَمِيع مَا يجول فِي النَّفس مِنْهُ فَكُن منتبها لذَلِك وَقس عَلَيْهِ مَا أشبهه من المباحث واحرص على أَخذ زبدة مَا يَقُولُونَ وَلَا يصدنك عَن ذَلِك اخْتِلَاف الْعبارَات اَوْ الاعتبارات
стр. 85
نورد مَا ذَكرْنَاهُ إتماما للفائدة قَالَ فِي كتاب الإحكام فصل فِيهِ أَقسَام الْأَخْبَار عَن الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد جَاءَ فِي النَّص ثمَّ لم يخْتَلف فِيهِ مسلمان فِي أَن مَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ انه قَالَ فَفرض اتِّبَاعه وَأَنه تَفْسِير لمراد الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن وَبَيَان لمجمله
ثمَّ اخْتلف الْمُسلمُونَ فِي الطَّرِيق المؤدية إِلَى صِحَة الْخَبَر عَنهُ ﵇ بعد الْإِجْمَاع الْمُتَيَقن الْمَقْطُوع بِهِ على مَا ذكرنَا وعَلى الطَّاعَة من كل مُسلم لقَوْل الله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا الْأَخْبَار تَنْقَسِم قسمَيْنِ خبر تَوَاتر وَهُوَ مَا نقلته كَافَّة عَن كَافَّة حَتَّى تبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ وَهَذَا خبر لم يخْتَلف مسلمان فِي وجوب الْأَخْذ بِهِ وَفِي أَنه حق مَقْطُوع على غيبه لِأَن بِمثلِهِ عرفنَا أَن الْقُرْآن هُوَ الَّذِي تى بِهِ سيدنَا مُحَمَّد ﷺ وَبِه علمنَا صِحَة مبعث النَّبِي ﷺ وَبِه علمنَا عدد رُكُوع كل صَلَاة وَعدد الصَّلَوَات وَأَشْيَاء كَثِيرَة من أَحْكَام الزَّكَاة وَغير ذَلِك مِمَّا لم يبين فِي الْقُرْآن تَفْسِيره
وَقد تكلمنا فِي كتاب الْفَصْل على ذَلِك وَبينا أَن الْبُرْهَان قَائِم على صِحَّته وَبينا كيفيته وَأَن الضَّرُورَة والطبيعة توجبان قبُوله وَأَن بِهِ عرفنَا مَا لم نشاهد من الْبِلَاد وَمن كَانَ قبلنَا من الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء والفلاسفة والملوك والوقائع والتآليف
стр. 86
وَمن أنكر ذَلِك كَانَ بِمَنْزِلَة من أنكر مَا يدْرك بالحواس الأول وَلَا فرق وَلَزِمَه ان لَا يصدق بِأَنَّهُ كَانَ قبله زمَان وَلَا أَن أَبَاهُ وَأمه كَانَا قبله وَلَا أَنه مَوْلُود من امْرَأَة
قَالَ عَليّ وَقد اخْتلف النَّاس فِي مِقْدَار النقلَة للْخَبَر الَّذِي ذكرنَا فطائفة قَالَت لَا يقبل الْخَبَر إِلَّا من جَمِيع أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من عدد لَا نحصيه نَحن وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل من أقل من ثَلَاث مئة وَبضْعَة عشر رجلا عدد أهل بدر وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من سبعين وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من خمسين عدد الْقسَامَة وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من أَرْبَعِينَ لِأَنَّهُ الْعدَد الَّذِي لما بلغه الْمُسلمُونَ أظهرُوا الدّين وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من عشْرين وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل لَا من اثْنَي عشر وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من خَمْسَة عشر وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من أَرْبَعَة وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من ثَلَاثَة لقَوْل رَسُول الله ﷺ حَتَّى يَقُول ثَلَاثَة من ذَوي الحجى من قومه إِنَّه قد نزل بِهِ جَائِحَة وَقَالَت طَائِفَة لَا يقبل إِلَّا من اثْنَيْنِ
قَالَ عَليّ وَهَذِه كلهَا أَقْوَال بِلَا برهَان وَمَا كَانَ هَكَذَا فقد سقط وَيَكْفِي فِي إبِْطَال ذَلِك أَن ننبه كل من يَقُول بِشَيْء من هَذِه الْحُدُود على أَن يقيس كل مَا يعْتَقد صِحَّته من أَخْبَار دينه ودنياه فَإِنَّهُ لَا سَبِيل لَهُ الْبَتَّةَ إِلَى ان يكون شَيْء مِنْهَا صَحَّ عِنْده بِالْعدَدِ الَّذِي شَرطه كل وَاحِد من ذَلِك الْعدَد ع مثل ذَلِك الْعدَد كُله وَهَكَذَا متزايدا حَتَّى يبلغ إِلَى تَحْقِيق ذَلِك الْخَبَر من دينه أَو دُنْيَاهُ
فَحصل من كل قَول مِنْهَا بطلَان كل خبر جملَة لَا نحاشي شَيْئا لِأَنَّهُ وَإِن مَعَ هُوَ بعض الْأَخْبَار من الْعدَد الَّذِي شَرط فَلَا بُد أَن يبطل تِلْكَ الْمرتبَة فِيمَا فَوق ذَلِك وكل قَول أدّى إِلَى الْبَاطِل فَهُوَ بَاطِل بِلَا شكّ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
فَلم يبْق إِلَّا قَول من قَالَ بالتواتر وَلم يحد عددا قَالَ عَليّ ونقول هَا هُنَا إِن
стр. 87
شَاءَ الله تَعَالَى قولا بِاخْتِصَار فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لكل من حد فِي عدد نَقله خبر التَّوَاتُر حدا لَا يكون أقل مِنْهُ يُوجب تَيَقّن صدقه ضَرُورَة من سبعين أَو عشْرين أَو عدد لَا تحصيهم وغن كَانَ فِي ذَاته محصى ذَا عدد مَحْدُود أَو أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَا سَبِيل إِلَى لِقَائِه وَلَا لِقَاء أحد لَهُم كلهم وَلَا بُد من الِاقْتِصَار على بَعضهم دون بعض بِالضَّرُورَةِ وَلَا بُد من أَن يكون لذَلِك التَّوَاتُر الَّذِي يَدعُونَهُ فِي ذَاته عدد إِن نقص مِنْهُ وَاحِد لم يكن متواترا وَإِلَّا فقد ادعوا مَا لَا يعرف أبدا وَلَا يعقل
فَإذْ لَا بُد من تَحْدِيد عدد ضَرُورَة فَنَقُول لَهُم مَا تَقولُونَ إِن سقط من هَذَا الْحَد الَّذِي حددتم وَاحِد أيبطل سُقُوط ذَلِك الْوَاحِد قبُول ذَلِك الْخَبَر أم لَا يُبطلهُ فَإِن قَالَ يُبطلهُ تحكم بِلَا برهَان وكل قَول بِمُجَرَّد الدَّعْوَى بِلَا برهَان فَهُوَ مطروح سَاقِط فَإِن قَالَ بقبوله أسقطنا لَهُ آخر ثمَّ آخر حَتَّى يبلغ إِلَى وَاحِد فَقَط وَإِن حد عددا سُئِلَ عَن الدَّلِيل على ذَلِك فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَا فِي الْعُقُول فرق بَين نَقله عشرُون وَبَين مَا نَقله تِسْعَة عشر وَبَين مَا نَقله سَبْعُونَ وَلَا مَا نَقله تِسْعَة وَسِتُّونَ وَلَيْسَ ذكر هَذِه الْأَعْدَاد فِي الْقُرْآن وَفِي الْقسَامَة وَفِي بعض الْأَحْوَال بِمُوجب أَن لَا يقبل أقل مِنْهَا فِي الْأَخْبَار وَقد ذكر تَعَالَى فِي الْقُرْآن أعدادا غير هَذِه فَذكر تَعَالَى الْوَاحِد والاثنين وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة والمئة ألف وَغير ذَلِك
وَلَا فرق بَين مَا تعلق بِعَدَد مِنْهَا وَبَين مَا تعلق بِعَدَد آخر مِنْهَا وَلم يَأْتِ من هَذِه الْعداد فِي الْقُرْآن شَيْء فِي بَاب قبُول الْأَخْبَار وَلَا فِي قيام حجَّة بهم فصارف
стр. 88
ذكرهَا إِلَى مَا لم يقْصد بهَا مجرم وقاح محرف للكلم عَن موَاضعه
وَإِن قَالَ لَا يبطل قبُول الْخَبَر بِسُقُوط وَاحِد من الْعدَد الَّذِي حد كَانَ قد ترك مذْهبه الْفَاسِد ثمَّ سألناه عَن إِسْقَاط آخر أَيْضا مِمَّا بَقِي من ذَلِك وَهَكَذَا حَتَّى يبعد عَمَّا حد بعدا شَدِيدا فغن نظرُوا هَذَا بِمَا لَا يُمكن حَده من الْأَشْيَاء كَانُوا مدعين بِلَا دَلِيل ومشبهين بِلَا برهَان
وَحكم كل شَيْء يَجعله الْمَرْء دينا لَهُ أَن ينظر فِي حُدُوده ويطلبها إِلَّا مَا صَحَّ بِإِجْمَاع أَو نَص أَو أوجبت طَبِيعَته ترك طلب حَده وَقد قَالَ بَعضهم لَا يقبل من الْأَخْبَار إِلَّا مَا نقلته جمَاعَة لَا يحصرها الْعدَد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا قَول من غمرة الْجَهْل لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مَوْجُودا فِي الْعَالم أصلا وكل مَا فِيهِ فقد حصره الْعدَد وَإِن لم نعمله نَحن وإحصاؤه مُمكن لمن تكلّف ذَلِك فعلى هَذَا القَوْل الْفَاسِد قد سقط جَمِيع الْأَخْبَار جملَة وَسقط كَون النَّبِي ﷺ فِي الْعَالم وَهَذَا كفر
وَأَيْضًا فليزم هَؤُلَاءِ وكل من حد فِي عدد من لَا تصح الْأَخْبَار بِأَقَلّ من نقل ذَلِك الْعدَد أَمر فظيع يَدْفَعهُ الْعقل ببديهته وَهُوَ ان لَا يَصح عِنْدهم كل أَمر يشهده أقل من الْعدَد الَّذِي حدوا وَأَن لَا يَصح عِنْدهم كل أَمر حصره عدد من النَّاس وكل أَمر لم يحصره أهل الْمشرق وَالْمغْرب فَتبْطل الْأَخْبَار كلهَا ضَرُورَة على حكم هَذِه الْأَقْوَال الْفَاسِدَة
وهم يعْرفُونَ بضرورة صدق أَخْبَار كَثِيرَة من موت وولادة وَنِكَاح
стр. 89
وعزل وَولَايَة واغتفال منزل وَخُرُوج عَدو وَشر وَاقع وَسَائِر عوارض الْعَالم مِمَّا لَا يشهده إِلَّا النَّفر الْيَسِير وَمن خَالف هَذَا فقد كَابر عقله وَلم يَصح عِنْده شَيْء مِمَّا ذكرنَا أبدا لَا سِيمَا إِن كَانَ سَاكِنا فِي قَرْيَة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا عدد يسير مَعَ انه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى لِقَاء أهل الْمشرق وَالْمغْرب
قَالَ عَليّ فَإِن سَأَلنَا سَائل فَقَالَ مَا حد الْخَبَر الَّذِي يُوجب الضَّرُورَة فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أننا نقُول إِن الْوَاحِد من غير الْأَنْبِيَاء المعصومين بالبراهين ﵈ قد يجوز عَلَيْهِ تعمد الْكَذِب يعلم ذَلِك بضرورة الْحس وَقد يجوز على جمَاعَة كَثِيرَة أَن يتواطؤوا على كذبه إِذا اجْتَمعُوا وَرَغبُوا أَو رهبوا وَلَكِن ذَلِك لَا يخفى من قبلهم بل تعلم اتِّفَاقهم على ذَلِك الْكَذِب بخبرهم إِذا تفَرقُوا لَا بُد من ذَلِك
وَلَكنَّا نقُول إِذا جَاءَ اثْنَان فَأكْثر من ذَلِك وَقد تَيَقنا أَنَّهُمَا لم يلتقيا وَلَا دسسنا وَلَا كَانَت لَهما رَغْبَة فِيمَا أخبرا بِهِ وَلَا رهبة مِنْهُ وَلَا يعلم أَحدهمَا بِالْآخرِ فَحدث كل وَاحِد مِنْهُمَا مفترقا عَن صَاحبه بِحَدِيث طَوِيل لَا يُمكن أَن يتَّفق خاطر اثْنَيْنِ على توليد مثله وَذكر كل وَاحِد مِنْهُمَا مفترقا عَن صَاحبه بِحَدِيث طَوِيل لَا يُمكن أَن يتَّفق خاطر اثْنَيْنِ على توليد مثله وَذكر كل وَاحِد مِنْهُمَا مُشَاهدَة أَو لِقَاء لجَماعَة شاهدت أَو أخْبرت عَن مثلهَا بِأَنَّهَا شاهدت فَهُوَ خبر صدق يضْطَر بِلَا شكّ فِي سَمعه إِلَى تَصْدِيقه وَيقطع على غيبه
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا يُعلمهُ حسا من تدبره ووعاه فِيمَا يردهُ كل روم من أَخْبَار زَمَانه من موت أَو ولادَة أَو نِكَاح أَو عزل أَو ولَايَة أَو وَاقعَة أَو غير ذَلِك وَغنما خَفِي مَا ذكرنَا على من خَفِي عَلَيْهِ لقلَّة مراعاته مَا يمر بِهِ وَلَو أَنَّك تكلّف إنْسَانا وَاحِدًا اختراع حَدِيث طَوِيل كَاذِب لقدر عَلَيْهِ يعلم ذَلِك بضرورة الْمُشَاهدَة فَلَو أدخلت
стр. 90
اثْنَيْنِ فِي بَيْتَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ وكلفت كل وَاحِد مِنْهُمَا توليد حَدِيث كَاذِب لما جَازَ بِوَجْه من الْوُجُوه أَن يتَّفقَا فِيهِ من أَوله إِلَى آخِره
هَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ بِوَجْه من الْوُجُوه أصلا وَقد يَقع فِي الندرة الَّتِي لن نكد نشاهدها اتِّفَاق الخواطر على الْكَلِمَات الْيَسِيرَة والكلمتين وَنَحْو ذَلِك وَالَّذِي شاهدنا اتِّفَاق شاعرين فِي نصف بَيت شاهدنا ذَلِك مرَّتَيْنِ من عمرنا فَقَط وَأَخْبرنِي من لَا أَثِق بِهِ أَن خاطره وَافق خاطر شَاعِر فِي بَيت كَامِل وَاحِد وَلست أعلم ذَلِك صَحِيحا
وَأما الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَهُوَ مُمْتَنع فِي الْعقل فاتفاقهما فِي قصيدة بل فِي بَيْتَيْنِ فَصَاعِدا وَالشعر نوع من أَنْوَاع الْكَلَام وَلكُل كَلَام تأليف مَا وَالَّذِي ذكره المتكلمون فِي الْأَشْعَار من الْفَصْل الَّذِي سموهُ المواردة وَذكروا ان خواطر شعراء اتّفقت فِي عدَّة أَبْيَات فأحاديث مفتعلة لَا تصح أصلا وَلَا تتصل وَمَا هِيَ إِلَّا سرقات وغارات من بعض الشُّعَرَاء على بعض
قَالَ عَليّ وَقد يضْطَر خبر الْوَاحِد إِلَى الْعلم بِصِحَّتِهِ إِلَّا أَن اضطراره لَيْسَ بمطرد وَلَا فِي كل وَقت وَلَكِن على قدر مَا يتهيأ وَقد بَينا ذَلِك فِي كتاب الْفَصْل
قَالَ عَليّ فَهَذَا قسم قَالَ وَالْقسم الثَّانِي من الْأَخْبَار مَا نَقله الْوَاحِد عَن الْوَاحِد فَهَذَا إِذا اتَّصل بِرِوَايَة الْعُدُول إِلَى رَسُول الله ﷺ وَجب الْعَمَل بِهِ وَوَجَب الْعلم بِصِحَّتِهِ أَيْضا وَبَين هَذَا وَبَين شَهَادَة الْعُدُول فرق نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ قَول الْحَارِث بن أَسد المحاسبي وَالْحُسَيْن بن عَليّ الْكَرَابِيسِي وَقد قَالَ بِهِ أَبُو سُلَيْمَان وَذكره ابْن خويز منداد عَن مَالك بن أنس
стр. 91
والبرهان على صِحَة وجوب قبُول قَول الله ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فَأوجب الله تَعَالَى على كل فرقة قبُول نذارة النافر مِنْهَا بأَمْره النافر بالتفقه وبالنذارة وَمن أمره الله تَعَالَى بالتفقه فِي الدّين وإنذار قومه فقد انطوى فِي هَذَا المر إِيجَاب قبُول نذارته على من أمره بإنذارهم والطائفة فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي بهَا خوطبنا يَقع على الْوَاحِد فَصَاعِدا وَطَائِفَة من الشَّيْء بِمَعْنى بعضه هَذَا مَا لَا خلاف بَين أهل اللُّغَة فِيهِ اهـ
وَقَالَ فِي مُقَدّمَة كتاب الْملَل والنحل بعد أَن أبان أَن من البديهيات الَّتِي يشْعر بهَا الطِّفْل فِي مَكَان وَاحِد وَأَنه لَا يعلم الْغَيْب أحد وَمن علم فِي مكانين وَأَنه لَا يكون جسمان فِي مَكَان وَاحِد وانه لَا يعلم الْغَيْب اُحْدُ وَمن علم النَّفس بِأَن علم الْغَيْب لَا يُعَارض فصح ضَرُورَة أَنه لَا يُمكن أَن يَحْكِي أحد خَبرا كَاذِبًا طَويلا فَيَأْتِي من لم يسمعهُ فيحكي ذَلِك الْخَبَر بِعَيْنِه كَمَا هُوَ لَا يزِيد فِيهِ وَلَا ينقص إِذْ لَو أمكن ذَلِك لَكَانَ الحاكي لمثل ذَلِك الْخَبَر علاما بِالْغَيْبِ لِأَن هَذَا هُوَ علم الْغَيْب نَفسه وَهُوَ الْإِخْبَار عَمَّا لَا يعلم الْمخبر عَنهُ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَذَلِك بِلَا شكّ
فَكل مَا نَقله من الْأَخْبَار اثْنَان فَصَاعِدا مفترقان قد أيقنا أَنَّهُمَا لم يجتمعا وَلَا تشاعرا فَلم يختلفا فِيهِ فالبضرورة يعلم أَنه حق مُتَيَقن مَقْطُوع بِهِ على غيبه وَبِهَذَا علمنَا صِحَة موت من مَاتَ وولادة من ولد وعزل من عزل وَولَايَة من ولي وَمرض من مرض وإفاقة من أَفَاق ونكبة من نكب والبلاد الغائبة عَنَّا
стр. 92
والوقائع والملوك والأنبياء ﵈ ودياناتهم وَالْعُلَمَاء وأقوالهم والفلاسفة وحكمهم لَا شكّ عِنْد أحد يُوفي عقله فِي شَيْء مِمَّا نقل من ذَلِك كَمَا ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَله فِي هَذَا الْكتاب مقَالَة تناسب مَا نَحن فِيهِ وَقد أحببنا إيرادها هُنَا بطرِيق الِاخْتِصَار قَالَ وَنحن نذْكر صفة وُجُوه النَّقْل عِنْد الْمُسلمين لكتابهم وَدينهمْ وَمَا رُوِيَ عَن أئمتهم حَتَّى يقف الْمُسلمين لكل مَا ذكرنَا يَنْقَسِم أقساما سِتَّة
أَولهَا شَيْء يَنْقُلهُ أهل الْمشرق وَالْمغْرب عِنْد أمثالهم جيلا جيلا لَا يخْتَلف فِيهِ مُؤمن وَلَا كَافِر منصف غير معاند للمشاهدة وَهُوَ الْقُرْآن الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف فِي شَرق الأَرْض وغربها لَا يَشكونَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي ان مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب أَتَى بِهِ وَأخْبر أَن الله أوحى بِهِ إِلَيْهِ وَأَن من اتبعهُ أَخذه عَنهُ كَذَلِك ثمَّ أَخذ عَن اولئك حَتَّى بلغ إِلَيْنَا
وَمن ذَلِك الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد أَن أهل السَّنَد يصلونها كَمَا يُصليهَا أهل الأندلس وَأَن أهل أرمينية يصلونها كَمَا يُصليهَا أهل الْيمن
وكصيام شهر رَمَضَان فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد فِي أَنه صَامَهُ رَسُول الله ﷺ وصامه مَعَه كل من اتبعهُ فِي كل لد كل عَام ثمَّ كَذَلِك جيلا جيلا إِلَى يَوْمنَا هَذَا
وكالحج فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد فِي انه ﵊ حج مَعَ أَصْحَابه وَأقَام الْمَنَاسِك ثمَّ حج الْمُسلمُونَ من كل أفق من الْآفَاق
стр. 93
كل عَام فِي شهر وَاحِد مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم وكجملة الزَّكَاة وكسائر الشَّرَائِع الَّتِي فِي الْقُرْآن من تَحْرِيم القرائب وَالْمَيِّت وَالْخِنْزِير وَسَائِر مَا ورد فِي نَص الْقُرْآن
الثَّانِي شَيْء نقلته الكافة تعن مثلهَا حَتَّى يبلغ المر كَذَلِك إِلَى النَّبِي ﵊ ككثير من آيَاته ومعجزاته الَّتِي ظَهرت يَوْم الخَنْدَق وَفِي تَبُوك بِحَضْرَة الْجَيْش وككثير من مَنَاسِك الْحَج وكزكاة التَّمْر وَالْبر وَالشعِير وَالْوَرق وَالذَّهَب وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم ومعاملته أهل خَبِير وَغير ذَلِك مِمَّا يخفى على الْعَامَّة وَإِنَّمَا يعرفهُ كواف أهل العل فَقَط
الثَّالِث مَا نَقله الثِّقَة عَن الثِّقَة حَتَّى يبلغ إِلَى النَّبِي ﵊ يخبر كل وَاحِد مِنْهُم باسم الَّذِي أخبرهُ وَنسبه وَكلهمْ مَعْرُوف الْحَال وَالْعين وَالْعَدَالَة وَالزَّمَان وَالْمَكَان على ان أَكثر مَا جَاءَ هَذَا الْمَجِيء فَإِنَّهُ مَنْقُول نقل الكواف إِمَّا إِلَى رَسُول الله ﷺ من طرق جمَاعَة من الصَّحَابَة وغما إِلَى الصاحب وغما إِلَى التَّابِع وغما إِلَى إِمَام أَخذ عَن التَّابِع يعرف لَك من كَانَ من أهل الْمعرفَة بِهَذَا الشَّأْن
وَهَذَا نقل خص الله بِهِ الْمُسلمين دون سَائِر أهل الْملَل وأبقاه عِنْدهم غضا جَدِيدا مد أَربع مئة وَخمسين عَاما فِي الْمشرق وَالْمغْرب والجنوب وَالشمَال يرحل فِي طلبه من لَا يحصي ععدهم إِلَّا خالقهم من الْآفَاق الْبَعِيدَة ويحافظ على تَقْيِيده النقاد مِنْهُم فَلَا تفوتهم زلَّة فِي شَيْء من النَّقْل إِن وَقعت لأَحَدهم وَلَا يُمكن فَاسِقًا أَن يقحم فِيهِ كلمة مَوْضُوعَة وَللَّه تَعَالَى الشُّكْر
وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي نَأْخُذ ديننَا مِنْهَا وَلَا نتعداها إِلَى غَيرهَا
وَالرَّابِع شَيْء نَقله أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَو الكافة أَو الْوَاحِد الثِّقَة عَن أمثالهم إِلَى ان يبلغ من لَيْسَ بَينه وَبَين النَّبِي ﵊ إِلَّا وَاحِد فَأكْثر فَسكت ذَلِك المبلوغ إِلَيْهِ عَمَّن أخبرهُ بِتِلْكَ الشَّرِيعَة عَن النَّبِي ﵊ فَلم يعرف من هُوَ فَهَذَا نوع يَأْخُذ بِهِ كثير من الْمُسلمين ولسنا نَأْخُذ بِهِ
стр. 94
الْبَتَّةَ وَلَا نضيفه إِلَى النَّبِي ﵊ إِذْ لم نَعْرِف من حدث بِهِ عَنهُ وَقد يكون غير ثِقَة وَيعلم مِنْهُ غير الَّذِي روى عَنهُ مَا لم يعرف مِنْهُ الَّذِي روى عَنهُ
وَالْخَامِس شَيْء نقل كَمَا ذكرنَا إِمَّا بِنَقْل أهل الْمشرق وَالْمغْرب اَوْ كَافَّة عَن كَافَّة أَو ثِقَة عَن ثِقَة حَتَّى يبلغ إِلَى النَّبِي = إِلَّا أَن فِي الطَّرِيق رجلا مجروحا بكذب أَو غَفلَة اَوْ مَجْهُول الْحَال فَهَذَا أَيْضا يَقُول بِهِ بعض الْمُسلمين وَلَا يحل عندنَا القَوْل بِهِ وَلَا تَصْدِيقه وَلَا الْأَخْذ بِشَيْء مِنْهُ
وَالسَّادِس نقل نقل بِأحد الْوُجُوه الَّتِي قدمنَا إِمَّا بِنَقْل من بَين الْمشرق وَالْمغْرب اَوْ بالكافة عَن الكافة أَو بالثقة عَن الثِّقَة حَتَّى يبلغ ذَلِك إِلَى صَاحب أَو تَابع أَو غمام دونهمَا انه قَالَ كَذَا أَو حكم بِكَذَا غير مُضَاف ذَلِك إِلَى النَّبِي ﵊ فَمن الْمُسلمين من يَأْخُذ بِهَذَا وَمِنْهُم من لَا يَأْخُذ بِهِ وَنحن لَا نَأْخُذ بِهِ أصلا لِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي فعل أحد دون من أمرنَا الله باتباعه وأرسله إِلَيْنَا بِبَيَان دينه وَلَا يَخْلُو فَاضل من وهم لَا حجَّة فِيمَن يهم وَلَا يَأْتِي الْوَحْي بِبَيَان وهمه
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة
يَنْقَسِم التَّوَاتُر إِلَى قسمَيْنِ لَفْظِي ومعنوي فاللفظي هُوَ مَا اتّفقت أَلْفَاظ الروَاة فِيهِ مثل أَن يَقُولُوا فتح فلَان مَدِينَة كَذَا سَوَاء كَانَ اللَّفْظ أَو بِلَفْظ آخر يقوم مقَامه مِمَّا يدل على الْمَعْنى الْمَقْصُود صَرِيحًا والمعنوي هُوَ مَا تخْتَلف فِيهِ أَلْفَاظ الروَاة بِأَن يروي قسم مِنْهُم وَاقعَة وَغَيره وَاقعَة أُخْرَى وهلم جرا غير ان هَذِه الوقائع تكون مُشْتَمِلَة على قدر مُشْتَرك فَهَذَا الْقدر الْمُشْتَرك يُسمى التَّوَاتُر المعني اَوْ التَّوَاتُر من جِهَة الْمَعْنى
وَذَلِكَ مثل ان يروي وَاحِد أَن حاتما وهب مئة دِينَار وَآخر انه وهب مئة من الْإِبِل وَآخر انه وهب عشْرين فلسًا وهلم جرا حَتَّى يبلغ الروَاة حد التَّوَاتُر فَهَذِهِ
стр. 95
الْأَخْبَار تشترك فِي شَيْء وَاحِد وَهُوَ هبة حَاتِم شَيْئا من مَاله وَهُوَ دَلِيل على سخائه وَهُوَ ثَابت بطرِيق التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ وَوجه ذَلِك أَن يُقَال إِن هَذِه الْأَخْبَار مُشْتَركَة فِي أَمر وَاحِد وَهُوَ كَونه سخيا فَإِن الرَّاوِي لخَبر مِنْهَا صَرِيحًا راو لهَذَا الْمُشْتَرك بطرِيق الْإِيمَاء فَإِذا بلغُوا حد التَّوَاتُر كَانَ هَذَا الْمُشْتَرك وَهُوَ سخاؤه مرويا بطرِيق التَّوَاتُر إِلَّا أَنه من قبيل التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ
وَقَالَ بَعضهم الْوَجْه فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن هَؤُلَاءِ الروَاة بأسرهم لم يكذبوا بل لَا بُد ان يكون وَاحِد مِنْهُم صَادِقا وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد صدق خبر من هَذِه الْأَخْبَار وَمَتى صدق وَاحِد مِنْهُم ثَبت كَونه سخيا وَالْوَجْه الأول أقوى لِأَن السخاء لَا يثبت بالمرة الْوَاحِدَة
قَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول إِن الْأَخْبَار الَّتِي لَا تفِيد الْعلم قد تشترك فِي معنى كلي فَإِذا بلغ مَجْمُوع الروَاة حد التَّوَاتُر صَار ذَلِك الْكُلِّي مرويا بالتواتر وَذَلِكَ مثل أَن ينْقل جمَاعَة أَن عليا ﵁ قتل من العداء كَذَا فِي وَاقعَة وينقل جمَاعَة أُخْرَى أَنه قتل من الْأَعْدَاء كَذَا فِي وَاقعَة وينقل جمَاعَة أُخْرَى أَنه قتل من الْأَعْدَاء كَذَا فِي وَاقعَة أُخْرَى وهلم جرا فَإِذا بلغ الروَاة بأسرهم مبلغ التَّوَاتُر بَين هَذِه الْأَخْبَار وَهُوَ شجاعة عَليّ مرويا بالتواتر من جِهَة الْمَعْنى وَإِن كَانَ كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَخْبَار مرويا بطرِيق الْآحَاد وَقس على ذَلِك مَا يُشبههُ مثل حلم أحنف وذكاء إِيَاس
стр. 96
وَقَالَ الشَّيْخ جمال الدّين أَبُو عَمْرو عُثْمَان الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاجِب فِي كتاب مُنْتَهى الْوُصُول والأمل فِي علمي الْأُصُول والجدل إِذا اخْتلفت أَخْبَار المخبرين فِي التَّوَاتُر فِي الوقائع واشتملت على معنى كلي مُشْرك بِجِهَة التضمن أَو الِالْتِزَام حصل الْعلم بِهِ كوقائع عنترة فِي حروبه وحاتم فِي سخائه وَعلي فِي شجاعته وَلَا يبعد أَن يكون الْعلم بِغَيْرِهِ أسْرع وَقَالَ فِي مُخْتَصره الْمَشْهُور إِذا اخْتلف التَّوَاتُر فِي الوقائع فالمعلوم مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بتضمن أَو الْتِزَام كوقائع حَاتِم وَعلي
وَقَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الشِّيرَازِيّ فِي اللمع اعْلَم ان الْخَبَر ضَرْبَان متواتر وآحاد فَأَما الْمُتَوَاتر فَهُوَ كل خبر وَعلم مخبره ضَرُورَة وَذَلِكَ ضَرْبَان تَوَاتر من جِهَة اللَّفْظ كالأخبار المتفقة عَن الْقُرُون الْمَاضِيَة والبلاد النائية وتواتر من طَرِيق الْمَعْنى كالأخبار الْمُخْتَلفَة عَن سخاء حَاتِم وشجاعة عَليّ ﵁ وَمَا أشبه ذَلِك وَيَقَع الْعلم بكلا الضربين اهـ
وَإِذا ذكر الْمُتَوَاتر تبادر إِلَى الذِّهْن الْقسم الول وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَحَادِيث فَقَالَ بَعضهم هِيَ متواترة وَقَالَ بَعضهم هِيَ غير متواترة وَقَالَ عض الْمُحَقِّقين إِن الْخلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ لَفْظِي فَالَّذِي قَالَ إِنَّهَا غير متواترة أَرَادَ أَنَّهَا غير متواترة من جِهَة اللَّفْظ وَالَّذِي قَالَ إِنَّهَا متواترة أَرَادَ أَنَّهَا متواترة من جِهَة الْمَعْنى
قَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول إِن الْكتاب لَا يثبت إِلَّا بالتواتر وَأما السّنة وَالْإِجْمَاع فيثبتان بالتواتر وبالآحاد لَكِن الْمُتَوَاتر فيهمَا قَلِيل بل الْمُرَجح أَنه لَيْسَ فِي
стр. 97
السّنة متواتر إِلَّا الْمُتَوَاتر فِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَمن أطلق فَكَلَامه مَحْمُول على إِرَادَة ذَلِك وَلَا فِي الْإِجْمَاع أَيْضا متواتر
وَقَالَ بَعضهم مُتَحَقق فِي أصُول الشَّائِع كالصلوات الْخمس وَعدد ركعاتها وَالزَّكَاة وَالْحج تحققا كثيرا ومرجع تواترها فِي الْحَقِيقَة الْمَعْنى دونه اللَّفْظ ويقل تحَققه فِي الْأَحَادِيث الْخَاصَّة المنقولة بِأَلْفَاظ مَخْصُوصَة لعدم اتِّفَاق الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِيهَا وَإِن كَانَ مَدْلُول كثير مِنْهَا متواترا فِي بعض الْمَوَارِد فَهِيَ كالأخبار الدَّالَّة على شجاعة عَليّ وكرم حَاتِم ونظائرهما حَتَّى قَالَ ابْن الصّلاح من سُئِلَ عَن إبراز مِثَال لذَلِك أعياه طلبه وَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لَيْسَ متواترا وَإِن كَانَت رُوَاته مُنْذُ أصر إِلَى الْآن يزِيد عَددهمْ على عدد التَّوَاتُر أضعافا مضاعفة
وَذَلِكَ لِأَن التَّوَاتُر فيد قد طَرَأَ بعد وَكَثِيرًا مَا يدعى تَوَاتر مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل مَعَ أَن التَّوَاتُر يشْتَرط فِيهِ أَن يكون حَاصِلا فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة لَا سِيمَا أَولهَا فَشرط التَّوَاتُر فِيهَا مَفْقُود من جِهَة الِابْتِدَاء وَقد نَازع بعض الْعلمَاء فِي ذَلِك فَادّعى وجود التَّوَاتُر بِكَثْرَة انْتهى بِاخْتِصَار
وَقد وَقع هُنَا من الْإِبْهَام وَالْإِيهَام فِي الْعبارَات مَا قد يضر الْمُبْتَدِي فَإِنَّهُ رُبمَا توهم مِنْهَا أَنه لَيْسَ فِي السّنة متواتر مَعَ أَن مَا تَوَاتر مِنْهَا سَوَاء كَانَ من جِهَة اللَّفْظ أَو من جِهَة الْمَعْنى كثير يعسر إحصاؤه غير ان الْأَئِمَّة المتعرضين لضبط السّنة لم يعرضُوا لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من مباحثهم
وَالْخلاف الْمَذْكُور إِنَّمَا وَقع فِي أَحَادِيث ذكرت فِي كتب السّنة وَلها أَسَانِيد شَتَّى اتّفقت لَهَا لفرط الْعِنَايَة بهَا وَإِلَّا فالمتواتر يعسر إِيرَاد إِسْنَاد لَهُ على قَوَاعِد الْمُحدثين فضلا عَن أَسَانِيد وَذَلِكَ أَن الْإِسْنَاد إِنَّمَا يحرص عَلَيْهِ فِي أَخْبَار الْآحَاد لما يعرض فِيهَا من الشَّك
وَإِذا ترددت فِيمَا قُلْنَا فَارْجِع إِلَى نَفسك وَانْظُر هَل يمكنك ان تورد إِسْنَادًا لما
стр. 98
عَلمته وتيقنته من الْأُمُور المتواترة الَّتِي لَا تحصى وَلَو كَانَت قريبَة الْعَهْد بك وَإِنَّمَا ذكرنَا ذَلِك مَعَ ظهروه لِأَنَّهُ قد يكون من شدَّة الظُّهُور الخفاء
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ عُثْمَان بن الصّلاح فِي مقدمته الْمُتَعَلّقَة بعلوم الحَدِيث وَمن الْمَشْهُور الْمُتَوَاتر الَّذِي يذكرهُ أهل الْفِقْه وأصوله وَأهل الحَدِيث لَا يذكرُونَهُ إِلَّا باسمه الْخَاص الْمشعر بِمَعْنَاهُ الْخَاص وغن كَانَ الْخَطِيب الْحَافِظ قد ذكره فَفِي كرمه مَا يشْعر بِأَنَّهُ اتبع فِيهِ غير أهل الحَدِيث وَلَعَلَّ ذَلِك لكَونه لَا تشمله صناعاتهم وَلَا يكَاد يُوجد فِي رواياتهم فَإِنَّهُ عبارَة عَن الْخَبَر الَّذِي يَنْقُلهُ من يحصل الْعلم بصدقه ضَرُورَة وَلَا بُد فِي إِسْنَاده من اسْتِمْرَار هَذَا الشَّرْط فِي رِوَايَته من أَوله إِلَى منتهاه
وَمن سُئِلَ عَن إبراز مِثَال لذَلِك فِيمَا يروي من الحَدِيث وَإِن نَقله عدد التَّوَاتُر وَزِيَادَة لِأَن ذَلِك طَرَأَ عَلَيْهِ فِي وسط إِسْنَاده وَلم يُوجد فِي أَوَائِله على مَا سبق ذكره نعم حَدِيث من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار نرَاهُ مِثَالا لذَلِك فَإِنَّهُ نَقله من الصَّحَابَة ﵃ الْعدَد الجم وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْوِيّ عَن جمَاعَة مِنْهُم
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار الْحَافِظ الْجَلِيل فِي مُسْنده أَنه رَوَاهُ ع رَسُول الله ﷺ نَحْو من أَرْبَعِينَ رجلا من الصَّحَابَة وَذكر بعض الْحفاظ أَنه رَوَاهُ عَنهُ ﷺ اثْنَان وَسِتُّونَ نفسا من الصَّحَابَة وَفِيهِمْ الْعشْرَة
стр. 99
الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ قَالَ وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيث اجْتمع على رِوَايَته الْعشْرَة غَيره وَلَا يعرف حَدِيث يروي عَن أَكثر من سِتِّينَ نفسا من الصَّحَابَة عَن رَسُول الله إِلَّا هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد
قلت وَبلغ بهم بعض أهل الحَدِيث أَكثر من هَذَا الْعدَد وَفِي بعض ذَلِك عدد التَّوَاتُر ثمَّ لم يزل عدد رُوَاته فِي ازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار وَالله أعلم اهـ
قَالَ الْحَافِظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ فِي تدريب الرَّاوِي شرح تقريب النواوي قَالَ ابْن الصّلاح رَوَاهُ اثْنَان وَسِتُّونَ من الصَّحَابَة وَقَالَ غَيره رَوَاهُ أَكثر من مئة نفس وَفِي شرح مُسلم للْمُصَنف رَوَاهُ نَحْو مئتين قَالَ الْعِرَاقِيّ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَتْن بِعَيْنِه وَلكنه فِي مُطلق الْكَذِب وَالْخَاص بِهَذَا الْمَتْن رِوَايَة بضعَة وَسبعين صحابيا ثمَّ ذكر أَسْمَاءَهُم وَاحِدًا بعد وَاحِد مَعَ الْإِشَارَة لمن أخرج حَدِيثه من الْأَئِمَّة
وَقد أورد أَمْثِلَة للمتواتر اللَّفْظِيّ مِنْهَا حَدِيث الْحَوْض فَإِنَّهُ مَرْوِيّ عَن نَيف وَخمسين من الصَّحَابَة وَمِنْهَا حَدِيث نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها فَإِنَّهُ مَرْوِيّ عَن نَحْو ثَلَاثِينَ مِنْهُم وَمِنْهَا نزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف فَإِنَّهُ مَرْوِيّ عَن سبع وَعشْرين
وَأورد مِثَالا للمتواتر الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ رفع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ قد رُوِيَ فِيهِ نَحْو مئة حَدِيث وَقد جمعتها فِي جُزْء لَكِنَّهَا فِي قضايا مُخْتَلفَة فَكل قَضِيَّة مِنْهَا لم تتواتر لَكِن الْقدر الْمُشْتَرك فِيهَا وَهُوَ الرّفْع عِنْد الدُّعَاء تَوَاتر بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع اهـ
стр. 100
هَذَا وَمَا قَالَه ابْن الصّلاح من ان التَّوَاتُر لَا يبْحَث عَنهُ فِي علم الْأَثر مِمَّا لَا يمترى فِيهِ قَالَ بعض الْعلمَاء العلام لَيْسَ الْمُتَوَاتر من مبَاحث علم الْإِسْنَاد إِذْ هُوَ علم فِيهِ عَن صِحَة الحَدِيث أَو ضعفه من حَيْثُ صِفَات رُوَاته وصيغ أدائهم ليعْمَل بِهِ أَو يتْرك والمتواتر لَا يبْحَث فِيهِ عَن رُوَاته بل يجب الْعَمَل بِهِ من غير بحث لإفادته علم الْيَقِين وغن ورد عَن غير الْأَبْرَار بل عَن الْكفَّار
وَأَرَادَ بِمَا ذكر أَن الْمُتَوَاتر لَا يبْحَث فِيهِ عَن رُوَاته وصفاتهم على الْوَجْه الَّذِي يجْرِي فِي أَخْبَار الْآحَاد وَهَذَا لَا يُنَافِي الْبَحْث عَن رُوَاته إِجْمَالا من جِهَة بلوغهم فِي الْكَثْرَة إِلَى حد يمْنَع تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ أَو حُصُوله مِنْهُم بطرِيق التفاق وَالْمرَاد بالِاتِّفَاقِ وُقُوع الْكَذِب مِنْهُم من غير تشَاور سَوَاء كَانَ عمدا وَكَذَلِكَ الْبَحْث عَن الْقَرَائِن المحتفة بِهِ لَا سِيمَا إِن كَانَ الْعدَد غير كثير جدا وَيلْحق بالمتواتر فِي عدم الْبَحْث عَنهُ فِي علم الْأَثر المستفيض إِذا كَانَ أخص من الْمَشْهُور
وَمِمَّا يدل على أَن الْمُتَوَاتر لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد أَنه لَا يكون لَهُ إِلَّا فِي النَّادِر جدا إِسْنَاد على الْوَجْه المألوف فِي رُوَاته أَخْبَار الآحارد وَلذَلِك ترى عُلَمَاء الْأُصُول يقسمون خبر الْوَاحِد إِلَى قسمَيْنِ مُسْند ومرسل وَلَا يتعرضون إِلَى تَقْسِيم الْمُتَوَاتر إِلَى ذَلِك فَإِن اتّفق للمتواتر إِسْنَاد لم يبْحَث فِي أَحْوَال رِجَاله الْبَحْث الَّذِي يجْرِي فِي أَحْوَال الْأَسَانِيد الَّتِي تروي بهَا الْآحَاد هَذَا إِذا ثَبت تواتره لِأَن الْإِسْنَاد الْخَاص يكون مُسْتَغْنى عَنهُ وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن الْفَائِدَة
وَأما مَا ورد بأسانيد كَثِيرَة فَإِن كَانَت كثرتها كَافِيَة فِي إِثْبَات التَّوَاتُر فَالْأَمْر ظَاهر وَإِن كَانَت غير كَافِيَة فِيهِ لزمَه الْبَحْث عَن أَحْوَال الرِّجَال وَنَحْوهَا من سَائِر قَرَائِن الْأَحْوَال ليرفعه إِلَى دَرَجَة الْمُتَوَاتر إِن وجد مَا يَقْتَضِي رَفعه إِلَيْهَا أَو ينزله إِلَى دَرَجَة المستفيض أَو الْمَشْهُور إِن وجد مَا يُوجب ذَلِك والمستبصر لَا يخفى عَلَيْهِ مَا تَقْتَضِيه الْحَال
стр. 101
وَقد أَشَارَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي اللآلئ المصنوعة فِي الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة إِلَى شَيْء مِمَّا كرنا ولنورد عِبَارَته مختصرة قَالَ حَدِيث جَابر مَرْفُوعا من آذَى ذِمِّيا فَأَنا خصيمه وَمن كنت خصيمه خصمته قَالَ الْخَطِيب مُنكر وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ أَرْبَعَة أَحَادِيث تَدور عَن رَسُول الله ﷺ فِي الْأَسْوَاق وَلَيْسَ لَهَا أصل من بشرني بِخُرُوج آذار بَشرته بِالْجنَّةِ وَمن آذَى ذِمِّيا فَأَنا خَصمه يَوْم الْقِيَامَة ونحركم يَوْم صومكم وللسائل حق وَإِن جَاءَ على فرس
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ فِي نكته على ابْن الصّلاح لَا يَصح هَذَا الْكَلَام عَن أَحْمد فَإِنَّهُ أخرج مِنْهَا حَدِيثا فِي الْمسند وَهُوَ حَدِيث للسَّائِل حق وَإِن جَاءَ على فرس وَقد ورد من حَدِيث عَليّ وَابْنه الْحُسَيْن وَابْن عَبَّاس والهرماس بن زِيَاد
أما حَدِيث عَليّ فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَأما حَدِيث الْحُسَيْن فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد من رِوَايَة يعلى وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ ابْن عدي وَأما حَدِيث الهرماس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ
وَكَذَلِكَ حَدِيث من آذَى ذِمِّيا فَهُوَ مَعْرُوف أَيْضا فروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة
стр. 102
صَفْوَان بن سليم عَن عدَّة من أَبنَاء الصَّحَابَة عَن آبَائِهِم دني عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَلا من ظلم معاهدا أَو انتقصه أَو كلفه فَوق طاقته أَو اخذ نه شَيْئا فَأَنا حجيجه يَوْم الْقِيَامَة وَإِسْنَاده جيد وَإِن كَانَ فِيهِ مَا لم يسم فَإِنَّهُم عدَّة من أَبنَاء الصَّحَابَة يبلغون حد التَّوَاتُر الَّذِي لَا يشْتَرط فِيهِ الْعَدَالَة فقد روينَاهُ فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ الْكُبْرَى قَالَ فِي رِوَايَته عَن ثَلَاثِينَ من أَبنَاء الصَّحَابَة
وَأما الحديثان الْآخرَانِ فَلَا أصل هما اهـ
وَبعد أَن وصلت إِلَى هُنَا ريت لِابْنِ حزم عبارَة تؤيد مَا ذَكرْنَاهُ قَالَ فِي كتاب الْأَحْكَام فصل وَقد يرد خبر مُرْسل إِلَّا أَن الْإِجْمَاع قد صَحَّ بِمَا فِيهِ متيقنا مَنْقُولًا جيلا فجيلا فَإِن كَانَ هَذَا علمنَا أَنه مَنْقُول نقل كَافَّة كنقل الْقُرْآن فاستغنى عَن ذكر السَّنَد فِيهِ وَكَانَ وُرُود ذَلِك الْمُرْسل وَعدم وُرُوده سَوَاء وَلَا فرق وَذَلِكَ نَحْو لَا وَصِيَّة لوَارث وَكثير من أَعْلَام نبوته ﷺ وَإِن كَانَ قوم قد رووها بأسانيد فَهِيَ منقولة الكافة
ثمَّ قَالَ وَأما الْمُرْسل الَّذِي لَا إِجْمَاع عَلَيْهِ فَهُوَ مطرح على مَا ذكرنَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيل على قبُوله الْبَتَّةَ فَهُوَ دَاخل فِي جملَة الْأَقْوَال الَّتِي إِذا أجمع عَلَيْهَا قبلت وَإِذا اخْتلفت فِيهَا سَقَطت وَهِي كل قولة لم يات بتفصيلها باسمها نَص
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَإِذا ورد حَدِيث مُرْسل أَو فِي أحد ناقليه ضَعِيف فَوَجَدنَا ذَلِك الحَدِيث مجمعا على أَخذه وَالْقَوْل بِهِ علمنَا يَقِينا أَنه حَدِيث صَحِيح
стр. 103
لَا شكّ فِيهِ وَأَنه مَنْقُول نقل الكافة مُسْتَغْنى عَن نقل الْآحَاد وَذَلِكَ كالحديث لَا وَصِيَّة لوَارث وَمَا أشبه ذَلِك
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة
قد عرفت أُنَاسًا لم يكتفوا بِالشُّرُوطِ الَّتِي شَرطهَا الْجُمْهُور فِي الْمُتَوَاتر بل زادوا عَلَيْهَا شُرُوطًا أُخْرَى فَشرط بَعضهم وجود الإِمَام الْمَعْصُوم فِي جملَة المخبرين وَقد نسب ذَلِك إِلَى الشِّيعَة قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى شَرط الروافض أَن يكون الإِمَام الْمَعْصُوم فِي جملَة المخبرين
وَهَذَا يُوجب الْعلم بِإِخْبَار الرَّسُول ﷺ عَن جِبْرِيل ﵇ لِأَنَّهُ مَعْصُوم فَأَي حَاجَة إِلَى إِخْبَار غَيره وَيجب أَن لَا يحصل الْعلم بنقلهم على طَرِيق التَّوَاتُر النَّص على عَليّ ﵁ إِذْ لَيْسَ فيهم مَعْصُوم وان لَا تلْزم حجَّة الإِمَام إِلَّا على من شَاهده من أهل بَلَده وَسمع مِنْهُ دون سَائِر الْبِلَاد وَأَن لَا تقوم الْحجَّة بقول أمرائه ودعاته وَرُسُله وقضاته إِذْ لَيْسُوا معصومين وان لَا يعلم موت أَمِير وَقَتله وَوُقُوع فتْنَة وقتال فِي غير مصر وكل ذَلِك لَازم على هذيانهم
وَأنكر الشِّيعَة نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَيْهِم وَنسبَة بَعضهم إِلَى ابْن الراوندي قَالَ الْعَلامَة الْحلِيّ فِي نِهَايَة الْوُصُول شَرط ابْن الراوندي وجود الْمَعْصُوم فيهم وَلَا عِبْرَة غَيره
وَقَالَ الْمُحَقق بهاء الدّين العاملي فِي الزبدة وَشَرطه بُلُوغ رُوَاته فِي كل طبقَة
стр. 104
حدا يُؤمن مَعَه تواطؤهم واستنادهم إِلَى الْحس وَحصر أقلهم فِي عدد مجازفة وَقَول الْمُخَالفين باشتراطنا دُخُول الْمَعْصُوم افتراء نعم الشَّرْط المرتضى عدم سبق شُبْهَة تُؤدِّي إِلَى نَفْيه وَشرط قوم أَن تخْتَلف أنسابهم فَلَا يَكُونُوا بني أَب وَاحِد وَأَن تخْتَلف أوطانهم فَلَا يَكُونُوا فِي محلّة وَاحِدَة وتختلف أديانهم فَلَا يَكُونُوا أهل مَذْهَب وَاحِد
قَالَ الْغَزالِيّ وَهَذَا فَاسد لِأَن كَونهم من محلّة وَاحِدَة وَنسب وَاحِد لَا يُؤثر إِلَّا فِي إِمْكَان تواطئهم وَالْكَثْرَة إِلَى كَمَال الْعدَد تدفع هَذَا الْإِمْكَان وَإِن لم تكن كَثْرَة أمكن التواطؤ من بني الْأَعْمَام كَمَا يُمكن من الْإِخْوَة وَمن أهل بلد كَمَا يُمكن من أهل محلّة وَكَيف يعْتَبر اخْتِلَاف الدّين وَنحن نعلم صدق الْمُسلمين إِذا أخبروا عَن قتل وفتنة وواقعة بل نعلم صدق أهل قسطنطينية إِذا أخبروا عَن موت قَيْصر
فَإِن قيل فلنعلم صدق النَّصَارَى فِي نقل التَّثْلِيث عَن عِيسَى ﵇ وَصدقهمْ فِي صلبه
قُلْنَا لم ينقلوا التَّثْلِيث توقيفا وسماعا عَن عِيسَى بِنَصّ صَرِيح لَا يحْتَمل التاويل لَكِن توهموا ذَلِك بِأَلْفَاظ موهمة لم يقفوا على مغزاها كَمَا فهم المشبهة التَّشْبِيه من آيَات وأخبار لم يفهموا مَعْنَاهَا والتواتر يَنْبَغِي ان يصدر عَن محسوس فَأَما قتل عِيسَى ﵇ فقد صدقُوا فِي انهم شاهدوا شخصا يشبه عِيسَى ﵇ مقتولا وَلَكِن شبه لَهُم اهـ
وَقد نسب الإِمَام فَخر الدّين مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ اشْتِرَاط ان لَا يَكُونُوا على دين وَاحِد إِلَى الْيَهُود قَالَ فِي الْمَحْصُول وَأما الشَّرَائِط الَّتِي اعتبرها قوم مَعَ أَنَّهَا غير مُعْتَبرَة فَأَرْبَعَة
الأول أَن لَا يحصرهم عدد وَلَا يحويهم بلد وَهُوَ بَاطِل لِأَن أهل الْجَامِع لَو أخبروا عَن سُقُوط عَن المنارة فِيمَا بَين الْخلق كَانَ إخبارهم مُفِيدا للْعلم
стр. 105
الثَّانِي أَن لَا يَكُونُوا على دين وَاحِد وَهَذَا الشَّرْط اعْتَبرهُ الْيَهُود وَهُوَ بَاطِل لِأَن التُّهْمَة إِن حصلت لم يحصل الْعلم سَوَاء كَانُوا على دين وَاحِد اَوْ على أَدْيَان ارْتَفَعت حصل الْعلم كَيفَ كَانُوا
الثَّالِث أَن لَا يَكُونُوا من نسب وَاحِد وَلَا من بلد وَاحِد وَالْقَوْل فِيهِ مَا تقدم
الرَّابِع شَرط ابْن الراوندي وجود الْمَعْصُوم فِي المخبرين لِئَلَّا يتفقوا على الْكَذِب وَهُوَ بَاطِل لِأَن الْمُفِيد حِينَئِذٍ قَول الْمَعْصُوم لَا خبر أهل التَّوَاتُر اهـ
وَقد نسب لى الْيَهُود شَرط آخر وَهُوَ ان يكون فِي المخبرين أهل الذلة والمسكنة قَالَ الْحلِيّ فِي النِّهَايَة شرطت الْيَهُود أَن يكون مُشْتَمِلًا على اخبار أهل الذلة والمسكنة ليؤمن تواطؤهم على الْكَذِب وَهُوَ غلط فَإنَّا نجد الْعلم حَاصِلا عقب إِخْبَار الأكابر والمعظمين والشرفاء اكثر من حُصُوله عقب خبر الْمَسَاكِين وَأهل الذلة لترفع أُولَئِكَ عَن رذيلة الْكَذِب لِئَلَّا ينثلم شرفهم
وَشرط قوم كَونهم مُسلمين قَالَ فِي اللمع وَمن أَصْحَابنَا من اعْتبر أَن يكون الْعدَد مُسلمين وَمن النَّاس من قَالَ لَا يجوز أَن يكون الْعدَد أقل من اثْنَي عشر وَمِنْهُم من قَالَ أَقَله سَبْعُونَ وَمِنْهُم من قَالَ ثَلَاث مئة وَأكْثر وَهَذَا كُله خطأ لِأَن وُقُوع الْعلم بِهِ لَا يخْتَص بِشَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ فَسقط اعْتِبَار ذَلِك
وَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفى شَرط قوم أَن يَكُونُوا أَوْلِيَاء مُؤمنين وَهُوَ فَاسد إِذْ يحصل بقول الفسقة والمرجئة والقدرية بل بقول الرّوم إِذا أخبروا بِمَوْت ملكهم
وَقَالَ فِي نزهة الخواطر وكشف غوامض السرائر فِي اخْتِصَار رَوْضَة النَّاظر
стр. 106
وجنة المناظر وَلَيْسَ من شَرط التَّوَاتُر أَن يكون المخبرون مُسلمين وَلَا عُدُولًا لِأَن إفضاءه إِلَى الْعلم من حَيْثُ إِنَّهُم مَعَ كثرتهم لَا يتَصَوَّر اجْتِمَاعهم على الْكَذِب وتواطؤهم عَلَيْهِ وَيُمكن ذَلِك من الْكفَّار كإمكانه من الْمُسلمين اهـ
وَقَالَ الْحلِيّ فِي النِّهَايَة وَشرط بَعضهم الْإِسْلَام وَالْعَدَالَة لِأَن الْكفْر عرضة للكذب والتحريف وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة ضَابِط الصدْق وَلِهَذَا اعْتبر إِجْمَاع الْمُسلمين دون غَيرهم وَلِأَنَّهُ لَو وَقع الْعلم عقيب إِخْبَار الْكفَّار لوقع عِنْد إِخْبَار النَّصَارَى مَعَ كثرتهم عَن قتل الْمَسِيح وصلبه وَهُوَ غلط فَإِن الْعلم قد يحصل عِنْد خبر الْكفَّار إِذا عرف انْتِفَاء الدَّاعِي إِلَى الْكَذِب كَمَا لَو اخبر أهل بلد كافرون بقتل ملكهم وَالْإِجْمَاع اخْتصَّ بِالْمُسْلِمين عِنْد بَعضهم لاستفادته من السّمع الْمُخْتَص بِإِجْمَاع الْمُسلمين وإخبار النَّصَارَى غير متواتر لقتلهم فِي المبدأ
وَاعْلَم أَنه قد وَقع فِي هَذَا الْموضع اضْطِرَاب فِي كَلَام بعض الْمُتَأَخِّرين من إِذا بحث فِي مَسْأَلَة ذهل عَمَّا يتَعَلَّق بهَا مِمَّا ذكر فِي مَحل آخر فَاقْتضى الْحَال التَّنْبِيه على أُمُور
الْأَمر الأول شرطُوا فِي الرَّاوِي أَن يكون مُسلما فَإِن كَانَ كَافِرًا لم تقبل رِوَايَته هَذَا إِذا كَانَ من غير أهل الْقبْلَة وَقد صرح كثير من عُلَمَاء الْأُصُول بانعقاد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ قَالَ فِي النِّهَايَة أجمع الْعلمَاء على عدم قبُول رِوَايَة الْكَافِر الَّذِي لَا يكون من أهل الْقبْلَة سَوَاء علم مِنْهُ الِاحْتِرَاز عَن الْكَذِب أَو لَا وَقَالَ غَيره اتّفق أَئِمَّة الحَدِيث وأصول الْفِقْه على اشْتِرَاط إِسْلَام الرَّاوِي حَال رِوَايَته وَإِن لم يكن مُسلما حَال تحمله
стр. 107
وَقَالَ عضهم لَا يقبل خبر الْكَافِر لوُجُوب التثبت عِنْد خبر الْمُسلم الْفَاسِق فليزم بطرِيق الأولى عدم اعْتِبَار خَبره وَقيل إِن الْفَاسِق يَشْمَل الْكَافِر وَأما قبُول شَهَادَته فِي الْوَصِيَّة مَعَ أَن الرِّوَايَة أَضْعَف من الشَّهَادَة فَذَلِك بِنَصّ خَاص وَيبقى الْعَام مُعْتَبرا فِي الْبَاقِي
وَقد أبان بَعضهم سَبَب رد رِوَايَة الْكَافِر بطرِيق سهل المسلك فَقَالَ لَيْسَ الْإِسْلَام بِشَرْط لثُبُوت الصدْق إِذْ الْكفْر لَا يُنَافِي الصدْق لِأَن الْكَافِر إِذا كَانَ مترهبا عدلا فِي دينه مُعْتَقدًا لحُرْمَة الْكَذِب تقع الثِّقَة بِخَبَرِهِ كَمَا لَو أخبر عَن أَمر من أُمُور الدُّنْيَا بِخِلَاف الْفَاسِق فَإِن جراءته على فعل الْمُحرمَات مَعَ اعْتِقَاد تَحْرِيمهَا تزيل الثِّقَة عَن خبْرَة
وَلَكِن اشْتِرَاط الْإِسْلَام بِاعْتِبَار أَن الْكفْر يُورث تُهْمَة زَائِدَة فِي خَبره تدل على كذبه لِأَن الْكَلَام فِي الاخبار الَّتِي تثبت بهَا أَحْكَام الشَّرْع وهم يعادوننا فِي الدّين أَشد الْعَدَاوَة فتحملهم المعاداة على السَّعْي فِي هد أَرْكَان الدّين بِإِدْخَال مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله عز ذكره ﴿لَا يألونكم خبالا﴾ أَي لَا يقصرون فِي الْإِفْسَاد عَلَيْكُم
وَقد ظهر مِنْهُم هَذَا بطرِيق الكتمان فَإِنَّهُم كتوا نعت رَسُول الله ﷺ ونبوته من كِتَابهمْ بعد أَخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم بِإِظْهَار ذَلِك فَلَا يُؤمن من ان يقصدوا مثل ذَلِك بِزِيَادَة هِيَ كذب لَا أصل لَهُ بطرِيق الرِّوَايَة بل هَذَا هُوَ الظَّاهِر فَلهَذَا شرطنا الْإِسْلَام فِي الرَّاوِي
فَتبين بِهَذَا ان رد خبر الْكَافِر لَيْسَ لعين الْكفْر بل لِمَعْنى زَائِد يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي خَبره وَهُوَ المعاداة بِمَنْزِلَة شَهَادَة الْأَب لوَلَده فَإِنَّهَا لَا تقبل لِمَعْنى زَائِد يُمكن تُهْمَة الْكَذِب فِي شَهَادَته وَهُوَ الشَّفَقَة والميل إِلَى الْوَلَد طبعا اهـ
стр. 108
وَالنَّص الَّذِي أُشير إِلَيْهِ آنِفا فِي قبُول شَهَادَة غير الْمُسلم فِي الْوَصِيَّة وَالسّفر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ وَهَذَا إِنَّمَا يجْرِي على مَذْهَب من يَقُول إِن ذَلِك لم ينْسَخ وَلم يؤول الْآيَة بالتأويل الَّذِي ذكره ابْن حزم فِي الْأَحْكَام وانحى على صَاحبه بالملام قَالَ فِي فصل أتم بِهِ الْكَلَام فِي الرَّد على قوم ادعوا تعَارض النُّصُوص وَقَالُوا نرجح أحد النصين بِأَن يكون أَحدهمَا أبعد من الشناعة ومثلوا ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ مَعَ قَوْله ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾
قَالَ عَليّ وَهَذَا لَا معنى لَهُ وَلَا شناعة إِلَّا الْمُخَالفَة لله وَلِرَسُولِهِ وَالْحكم بالآراء الْفَاسِدَة على مَا امرنا بِهِ فَهَذِهِ هِيَ الشنعة الَّتِي لَا شنعة غَيرهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ مُسْتَثْنى من آيَة النَّهْي عَن قبُول خبر الْفَاسِق فَلَا يقبل فَاسق أصلا إِلَّا فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر ففقط فغنه يقبل فِيهَا كَافِرَانِ خَاصَّة دون سَائِر الْفُسَّاق
وَلَا شنعة أعظم وَلَا أفحش وَلَا أقبح وَلَا أظهر بطلانا من قَول من قَالَ ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ أَي من غير قبيلتكم تَعَالَى الله عَن هَذَا الهذر علوا كَبِيرا
وليت شعري أَي قَبيلَة خَاطب الله بِهَذَا الْخطاب خَاصَّة دون سَائِر الْقَبَائِل وَقد قَالَ تَعَالَى فِي أول الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ وَمَا علمنَا الَّذين آمنُوا قَبيلَة بِعَينهَا بل الَّذين آمنُوا عرب وَفرس وقبط ونبط وروم وصقلب وخزر وسودان وحبشة وزنج ونوبة وبجاوة وبربر وَهِنْد وَسَنَد وَترك وَدَيْلَم وكرد
стр. 109
فَثَبت بضروة لَا مجَال للشَّكّ فِيهَا أَن غير الَّذين آمنُوا هم الْكفَّار وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا من سفه نَفسه وَأنكر عقله وَقَالَ على ربه تَعَالَى بِغَيْر علم وَلَا برهَان ولعمري لقد كَانَ يَنْبَغِي أَن يستحي قَائِل من غَيْركُمْ من غير قبيلتكم من هَذَا التَّأْوِيل السَّاقِط الظَّاهِر عواره الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ من نور الْحق أثر
الْأَمر الثَّانِي قد توهم بعض النَّاس أَن الَّذين صَرَّحُوا فِي كتبهمْ بِعَدَمِ قبُول رِوَايَة الْكَافِر هم الَّذين زادوا فِي شُرُوط التَّوَاتُر الْإِسْلَام إِمَّا وَحده أَو مَقْرُونا بِالْعَدَالَةِ وَلَيْسَ المر كَذَلِك فَإِن كثيرا مِمَّن صرح بِالْأولِ لم يزدْ فِي شُرُوط التَّوَاتُر ذَلِك وَبَعْضهمْ ذكره نقلا عَن غَيره ورد عَلَيْهِ على ان الْقَائِلين بِهَذَا الشَّرْط قَلِيلُونَ جدا وتوهم بَعضهم أَن بَين العبارتين تناقضا وَلَيْسَ المر كَذَلِك
وَقد أَحْبَبْت إِزَالَة الْإِشْكَال وَإِن كنت قد التزمت فِي هَذَا الْكتاب أَن أترك إِزَالَة كل إِشْكَال يعرض فِي مَبْحَث من المباحث إِلَى المطالعين بعد أَن يترووا فِيمَا ذَكرْنَاهُ فِيهِ تمرينا لَهُم على اسْتِعْمَال الْفِكر فَنَقُول
إِن عدم قبُول رِوَايَة غير الْمُسلم فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الدّين هُوَ مِمَّا لم يخْتَلف فِيهِ غير انه إِنَّمَا يتَعَيَّن فِيمَا ورد على طَرِيق الْآحَاد وَذَلِكَ لِأَن خبر الْآحَاد عِنْد من يقبله يشْتَرط فِيهِ أَن يكون الرَّاوِي مُسلما عدلا ضباطا فَإِن كَانَ فَإِن كَانَ مُسلما غير عدل لَا تقبل رِوَايَته مَعَ اعْتِقَاده فِي الدّين وجزمه بَان سعادته منوطة بِهِ فَلِأَن لَا تقبل رِوَايَة غير الْمُسلم الَّذِي لَا يعْتَقد فِي الدّين وَلَا يرى أَن سعادته منوطة بِهِ أولى وَهَذَا ظَاهر بَين وَأما من لَا يَقُول بِخَبَر الْآحَاد وَإِن كَانَ الرَّاوِي حائزا لأعلى صِفَات الْقبُول لاحْتِمَال أَن يعرض لَهُ السَّهْو والغلط وَنَحْو ذَلِك فَالْأَمْر عِنْدهم أظهر وَأبين
стр. 110
وَهَذِه الْمَسْأَلَة الْمَفْرُوضَة تتَصَوَّر على ثَلَاثَة أوجه الْوَجْه الأول أَن يكون مَا رَوَاهُ قد رَوَاهُ غَيره من الْمُسلمين على الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ هُوَ بِهِ الْوَجْه الثَّانِي أَن يكون مَا رَوَاهُ قد رَوَاهُ غَيره من الْمُسلمين على غير الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ هُوَ بِهِ بِحَيْثُ يَقع التَّعَارُض بَين الرِّوَايَتَيْنِ الْوَجْه الثَّالِث أَن يكون مَا وَرَاه لم يروه غَيره من الْمُسلمين
وَهَذَا ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون فِيهِ مَا يُخَالف مَا تقرر عِنْدهم من الْقَوَاعِد وَالْأُصُول وَالثَّانِي أَن لَا يكون فِيهِ شَيْء من ذَلِك
وَقد تعرض لطرف من هَذِه الْمَسْأَلَة الْمَفْرُوضَة بعض الْعلمَاء فَفِي أصُول البردوي قَالَ مُحَمَّد فِي الْكَافِر يخبر بِنَجَاسَة المَاء إِنَّه لَا يعْمل بِخَبَرِهِ وَيتَوَضَّأ بِهِ فَإِن تيَمّم وأراق المَاء فَهُوَ أحب إِلَيّ وَفِي الْفَاسِق جعل الِاحْتِيَاط أصلا وَيجب أَن يكون كَذَلِك فِي رِوَايَة الحَدِيث فِيمَا يسْتَحبّ من الِاحْتِيَاط وَكَذَلِكَ رِوَايَة الصَّبِي فِيهِ يجب أَن تكون مثل رِوَايَة الْكَافِر دون الْفَاسِق الْمُسلم
قَالَ فِي الشَّرْح قَوْله وَيجب أَن يكون كَذَلِك أَي يجب أَن يكون شَأْن الْكَافِر فِي رِوَايَة الحَدِيث كشأنه فِي الْإِخْبَار عَن نَجَاسَة المَاء فِيمَا يسْتَحبّ من الِاحْتِيَاط أَي من الْأَخْذ بِهِ يَعْنِي لَا يقبل خَبره فِي الدّين وَلَا يكون حجَّة كَمَا لَو يقبل فِي نَجَاسَة المَاء إِلَّا ان الِاحْتِيَاط لَو كَانَ فِي الْعَمَل بِهِ يسْتَحبّ الْأَخْذ بِهِ من غير وجوب كَمَا تسْتَحب الإراقة ثمَّ التَّيَمُّم هُنَاكَ
وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ وَيجب أَن يكون الْفرق ثَابتا بَين خبر الْكَافِر وَالْفَاسِق فِي رِوَايَة الحَدِيث فِيمَا يسْتَحبّ من الِاحْتِيَاط أَيْضا وَإِن لم يكن خبرهما حجَّة كثبوته فِي إخبارهما عَن نَجَاسَة المَاء فَإِذا روى الْفَاسِق حَدِيثا لَا يكون حجَّة أصلا وَلَكِن
следующие страницы →