Полный текст (855 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فَقَوله فَإِذا قلت هَذَا إِلَى آخِره إِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن مَسْعُود أدرج فِي الحَدِيث وَيدل على الإدراج مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهُوَ قَالَ عبد الله فَإِذا قلت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك
وَمِثَال الإدراج فِي الْإِسْنَاد مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن وَاصل وَمَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن عبد الله قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم قَالَ أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك الحَدِيث
فرواية وَاصل هَذِه مدرجة على رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش لِأَن واصلا لَا يذكر فِيهِ عمرا بل يَجعله عَن أبي وَائِل عَن عبد الله هَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَة ومهدي بن مَيْمُون وَمَالك بن مغول وَسَعِيد بن مَسْرُوق عَن وَاصل
وَقد بَين الإسنادين مَعًا يحيى بن سعيد الْقطَّان فِي رِوَايَته عَن سُفْيَان وَفصل أَحدهمَا من الآخر رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش كِلَاهُمَا عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو عَن عبد الله وَعَن سُفْيَان عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن عبد الله من غير ذكر عَمْرو بن شُرَحْبِيل
قَالَ عَمْرو بن عَليّ فَذَكرته لعبد الرَّحْمَن وَكَانَ حَدثنَا عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور وواصل عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو فَقَالَ دَعه دَعه
لَكِن رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن وَاصل وَحده عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل
فَزَاد فِي السَّنَد عمرا من غير ذكر أحد أدرج عَلَيْهِ رِوَايَة وَاصل
فَكَأَن ابْن مهْدي لما حدث بِهِ عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش وواصل بِإِسْنَاد وَاحِد ظن الروَاة عَن ابْن مهْدي اتِّفَاق طرقهم فاقتصر بَعضهم على بعض شُيُوخ سُفْيَان وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَنْبَغِي لمن يروي حَدِيثا بِسَنَد فِيهِ جمَاعَة فِي طبقَة وَاحِدَة مُجْتَمعين فِي الرِّوَايَة عَن شيخ وَاحِد أَن يحذف بَعضهم بل يَأْتِي بِهِ عَن جَمِيعهم
стр. 527
لاحْتِمَال أَن يكون اللَّفْظ فِي السَّنَد أَو الْمَتْن لأَحَدهم وَتَكون رِوَايَة من عداهُ مَحْمُولَة عَلَيْهِ فَإِذا حذف أحدهم فَرُبمَا كَانَ هُوَ صَاحب ذَلِك اللَّفْظ
وَقد عرف بَعضهم المدرج فِي الْمَتْن بقوله هُوَ زِيَادَة تقع فِيهِ
وَالْأولَى أَن يُزَاد وَلَيْسَت مِنْهُ وعرفه بَعضهم بقوله هُوَ الملحق بِالْحَدِيثِ من قَول بعض رُوَاته
وَقد ذكرنَا كثيرا مِمَّا يتَعَلَّق بالمدرج فِيمَا سبق
والمقلوب هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بالتقديم وَالتَّأْخِير
وَذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم فِي السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله تَحت ظلّ عَرْشه
فَإِن فِيهِ وَرجل تصدق بِصَدقَة أخفاها حَتَّى لَا تعلم يَمِينه مَا تنْفق شِمَاله
فَهَذَا مِمَّا انْقَلب على أحد الروَاة وَإِنَّمَا هُوَ حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه كَمَا ورد فِي البُخَارِيّ وَفِي مُسلم فِي بعض طرقه فعكس الرَّاوِي الَّذِي انْقَلب عَلَيْهِ الْأَمر فَجعل الْيَمين فِي مَوضِع الشمَال وَالشمَال فِي مَوضِع الْيَمين
وَقد دلّ على الْقلب أَمْرَانِ أَحدهمَا الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ
وَالثَّانِي مَا يَقْتَضِيهِ وَجه الْكَلَام لِأَن الْمَعْرُوف صُدُور الْإِنْفَاق فِي أغلب الأحيان عَن الْيَمين وَهَذَا النَّوْع من قبيل الْقلب فِي الْمَتْن وَهُوَ قَلِيل
وَالْغَالِب فِي الْقلب أَن يكون فِي الْإِسْنَاد
وَمن أَمْثِلَة الْقلب فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته أنيسَة مَرْفُوعا إِذا أذن ابْن أم مَكْتُوم فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا
رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا
وَهُوَ مقلوب فَإِن الْمَشْهُور الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح أَن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم
стр. 528
وَيُؤَيّد ذَلِك مَا جَاءَ فِي يعَض الرِّوَايَات أَن ابْن أم مَكْتُوم وَكَانَ أعمى لَا يُؤذن حَتَّى يُقَال لَهُ أَصبَحت أَصبَحت
وَقد جمع ابْن خُزَيْمَة بَينهمَا فجوز أَن يكون النَّبِي ص = جعل أَذَان اللَّيْل نوبا بَينهمَا فجَاء الخبران على حسب الْحَالين وَتَابعه ابْن حبَان عَلَيْهِ بل بَالغ حَتَّى جزم بذلك
وَقَالَ البُلْقِينِيّ إِنَّه بعيد وَلَو فتحنا بَاب التَّأْوِيل لاندفع كثير من علل الْمُحدثين
قَالَ وَيُمكن أَن يُسمى ذَلِك بالمعكوس فيفرد بِنَوْع وَلم أر من تعرض لذَلِك
وَمن أَمْثِلَة ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا أَمرتكُم بِشَيْء فَأتوهُ وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ مَا اسْتَطَعْتُم فَإِن الْمَعْرُوف مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ وَمَا أَمرتكُم بِهِ فافعلوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم
وَمِثَال الْقلب فِي الْإِسْنَاد وَهُوَ الْأَكْثَر قلب كَعْب بن مرّة إِلَى مرّة بن كَعْب وقلب مُسلم بن الْوَلِيد إِلَى الْوَلِيد بن مُسلم وَنَحْو ذَلِك
هَذَا مَا قَالَه بعض أهل الْأَثر مِمَّن خص الْقلب بِمَا ذكر
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ الْقلب أَعم من ذَلِك وَجعلُوا الْقلب فِي الْإِسْنَاد قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الحَدِيث مَشْهُورا براو فَيجْعَل مَكَانَهُ راو آخر فِي طبقته ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ وَذَلِكَ نَحْو حَدِيث مَشْهُور بسالم جعل مَكَانَهُ نَافِع
وكحديث مَشْهُور بِمَالك جعل مَكَانَهُ عبيد الله بن عمر
وَمِمَّنْ كَانَ يفعل ذَلِك من الوضاعين حَمَّاد بن عَمْرو النصيبي
وَيُقَال إِن فَاعل ذَلِك هُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ أَنه يسرق الحَدِيث وَرُبمَا قيل فِي الحَدِيث نَفسه إِنَّه مَسْرُوق
وَإِطْلَاق السّرقَة فِي ذَلِك لَا يظْهر إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ الرَّاوِي الْمُبدل بِهِ مُنْفَردا بِهِ وَحِينَئِذٍ لَا يستغرب أَن يُقَال إِن الْمُبدل قد سَرقه مِنْهُ
стр. 529
الثَّانِي أَن يُؤْخَذ إِسْنَاد متن فَيجْعَل لمتن آخر وَيجْعَل ذَلِك الْمَتْن لإسناد آخر وَسَماهُ الْعَلامَة ابْن الْجَزرِي بِالْقَلْبِ الْمركب وَقد فعل ذَلِك بَعضهم اختبارا لحفظ الْمُحدث أَو لكَونه مِمَّن يقبل التَّلْقِين أَو لَا يقبله
وَقد جرى ذَلِك للْإِمَام البُخَارِيّ فقد حكى عدَّة من الْمَشَايِخ أَن ذَلِك الإِمَام الأوحد لما قدم بَغْدَاد وَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث اجْتَمعُوا وعمدوا إِلَى مئة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر ودفعوا ذَلِك إِلَى عشرَة أنفس إِلَى كل رجل عشرَة أَحَادِيث وَأمرُوهُمْ إِذا حَضَرُوا الْمجْلس أَن يلْقوا ذَلِك على البُخَارِيّ وَأخذُوا الْموعد للمجلس
فَحَضَرَ الْمجْلس جمَاعَة أَصْحَاب الحَدِيث من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم وَمن البغداديين فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب إِلَيْهِ رجل من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ
فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَمَا زَالَ يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ من عشرته وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ
فَكَانَ الْفُقَهَاء مِمَّن حضر الْمجْلس يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ الرجل فهم وَمن كَانَ مِنْهُم غير ذَلِك يقْضِي على البُخَارِيّ بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير وَقلة الْفَهم
ثمَّ انتدب إِلَيْهِ رجل آخر من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَلم يزل يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ من عشرته وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ
ثمَّ انتدب إِلَيْهِ الثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى تَمام الْعشْرَة حَتَّى فرغوا كلهم من الْأَحَادِيث المقلوبة وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ
فَلَمَّا علم البُخَارِيّ أَنهم قد فرغوا الْتفت إِلَى الأول مِنْهُم فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا وحديثك الثَّانِي فَهُوَ كَذَا وَالثَّالِث وَالرَّابِع على الْوَلَاء حَتَّى أَتَى على تَمام الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل
стр. 530
إِسْنَاد إِلَى مَتنه وَفعل بالآخرين مثل ذَلِك ورد متون الْأَحَادِيث كلهَا إِلَى أسانيدها وأسانيدها إِلَى متونها فَأقر لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ
قَالَ بَعضهم إِنَّه لَا يتعجب من حفظ البُخَارِيّ لَهَا وتيقظه لتمييز صوابها من خطأها لِأَنَّهُ فِي الْحِفْظ بمَكَان وَإِنَّمَا يتعجب من حفظه لتواليها كَمَا ألقيت عَلَيْهِ من مرّة وَاحِدَة
وَقد وَقع الْقلب من بعض الثِّقَات الْأَثْبَات وَذَلِكَ بِغَيْر قصد فقد ذكر أَحْمد فِي مُسْنده عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان أَنه قَالَ حدث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ص = قَالَ لَا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا جرس
فَقلت لَهُ تعست يَا أَبَا عبد الله يُرِيد عثرت فَقَالَ كَيفَ هُوَ فَقلت حَدثنِي عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن سَالم عَن أبي الْجراح عَن أم حَبِيبَة عَن النَّبِي ص = فَقَالَ صدقت
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْخَبَر على شدَّة إنصاف الثَّوْريّ وتواضعه وَعدم أنفته من الرُّجُوع إِلَى الصَّوَاب وعَلى فرط غَيره تِلْمِيذه الْقطَّان على أَمر الحَدِيث حَتَّى خَاطب أستاذه بِمَا خاطبه بِهِ مَعَ عثوره فِي مَوضِع يعثر فِيهِ لِأَن جلّ رِوَايَة نَافِع إِنَّمَا هِيَ عَن ابْن عمر وَإِنَّمَا اتّفق هُنَا أَن كَانَ الْأَمر على خلاف الْمُعْتَاد
وَقد خطأ يحيى الْقطَّان شُعْبَة أَيْضا وَذَلِكَ حَيْثُ حدثوه عَنهُ بِحَدِيث لَا يجد عبد طعم الْإِيمَان حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ
عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَليّ فَقَالَ حَدثنَا بِهِ سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن ابْن مَسْعُود
وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب
وَلَا يَتَأَتَّى ليحيى أَن يحكم على شُعْبَة بالْخَطَأ إِلَّا بعد أَن يتَيَقَّن أَن الصَّوَاب فِي غير رِوَايَته
على أَن الَّذين يميلون للْجمع بِأَيّ حَال كَانَ يَقُولُونَ فِي مثل هَذَا الْوَضع يحْتَمل أَن يكون عِنْد أبي إِسْحَاق على الْوَجْهَيْنِ فَحدث بِهِ كل مرّة بِأَحَدِهِمَا فَإِن
стр. 531
مثل هَذَا الِاحْتِمَال يستبعده الْمُحَقِّقُونَ
نعم يرْتَفع الاستبعاد لَو أَتَت رِوَايَة عَن الْحَارِث تشعر بذلك
على أَن مدَار الْأَمر عِنْد الْمُحَقِّقين إِنَّمَا هُوَ الْبناء على مَا يغلب على الظَّن وَالِاحْتِمَال الْبعيد لَا يعول عَلَيْهِ عِنْدهم
هَذَا وَقد عرف بَعضهم الْقلب فِي الْمَتْن بقوله هُوَ أَن يعْطى أحد الشَّيْئَيْنِ مَا اشْتهر للْآخر
وَيقرب مِنْهُ قَول الْعَلامَة شمس الدّين مُحَمَّد بن الْجَزرِي هُوَ أَن يكون الحَدِيث على وَجه فينقلب بعض لَفظه على الرَّاوِي فيتغير مَعْنَاهُ وَرُبمَا انعكس وَجعله نوعا مُسْتقِلّا سَمَّاهُ بالمنقلب وَمثل لَهُ بأمثلة مِنْهَا مَا ورد فِي البُخَارِيّ فِي حَدِيث تخاصم الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ أَنه ينشئ الله لَهَا خلقا فذهل الرَّاوِي الآخر فَقلب الْجنَّة بالنَّار فَصَارَ ذَلِك من قبيل المنقلب
والمضطرب هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بالإبدال على وَجه يحصل فِيهِ التدافع مَعَ عدم وجود الْمُرَجح
وَقَالَ ابْن الصّلاح المضطرب من الحَدِيث هُوَ الَّذِي تخْتَلف الرِّوَايَة فِيهِ فيرويه بَعضهم على وَجه وَبَعْضهمْ على وَجه آخر مُخَالف لَهُ
وَإِنَّمَا نُسَمِّيه مضطربا إِذا تَسَاوَت الرِّوَايَتَانِ أما إِذا ترجحت إِحْدَاهمَا بِحَيْثُ لَا تقاومها الْأُخْرَى بِأَن يكون راويها أحفظ أَو أَكثر صُحْبَة للمروي عَنهُ أَو غير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات الْمُعْتَمدَة فَالْحكم للراجحة وَلَا يُطلق عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وصف المضطرب وَلَا لَهُ حكمه
ثمَّ قد يَقع الِاضْطِرَاب فِي متن الحَدِيث وَقد يَقع فِي الْإِسْنَاد وَقد يَقع ذَلِك من راو وَاحِد وَقد يَقع من رُوَاة لَهُ جمَاعَة
وَالِاضْطِرَاب مُوجب ضعف الحَدِيث لإشعاره بِأَنَّهُ لم يضْبط
وَقَالَ بَعضهم المضطرب هُوَ الَّذِي يرْوى على أوجه مُخْتَلفَة سَوَاء كَانَ ذَلِك من راو وَاحِد أَو أَكثر فَإِن رجحت إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَو الرِّوَايَات لم يسم مضطربا
стр. 532
لِأَن الْوَاجِب حِينَئِذٍ الْأَخْذ بالراجحة وَترك المرجوحة لكَونهَا إِمَّا شَاذَّة أَو مُنكرَة وَكَذَلِكَ إِن أمكن الْجمع بَين تِلْكَ الرِّوَايَات
وَالِاضْطِرَاب قد يكون فِي الْمَتْن وَقد يكون فِي السَّنَد وَقد يكون فيهمَا
وَمِثَال الِاضْطِرَاب فِي الْمَتْن فِيمَا أوردهُ الْعِرَاقِيّ حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس قَالَت سَأَلت أَو سُئِلَ النَّبِي ص = عَن الزَّكَاة فَقَالَ إِن فِي المَال لَحقا سوى الزَّكَاة
وَهَذَا حَدِيث قد اضْطربَ لَفظه وَمَعْنَاهُ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ هَكَذَا من رِوَايَة شريك عَن أبي حَمْزَة عَن الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة
فَهَذَا اضْطِرَاب لَا يحْتَمل التَّأْوِيل
وَقَول الْبَيْهَقِيّ إِنَّه لَا يحفظ لهَذَا اللَّفْظ الثَّانِي إِسْنَادًا معَارض بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه هَكَذَا
وَقَالَ بَعضهم إِن مَا ذكره لَا يصلح مِثَالا فَإِن شيخ شريك ضَعِيف فَهُوَ مَرْدُود من قبل ضعف رَاوِيه لَا من قبل اضطرابه
نعم إِنَّه يزْدَاد بِالِاضْطِرَابِ ضعفا
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِمَّا يُمكن تَأْوِيله بِأَنَّهُ يُمكن أَن تكون رَوَت كلا من اللَّفْظَيْنِ عَن النَّبِي ص = وَأَن المُرَاد بِالْحَقِّ الْمُثبت الْمُسْتَحبّ وبالمنفي الْوَاجِب
وَقَالَ بَعضهم قل أَن يُوجد للاضطراب فِي الْمَتْن مِثَال سَالم من الخدش فَإِن الْأَمْثِلَة الَّتِي يوردونها مِنْهَا مَا يُمكن الْجمع فِيهِ بَين الرِّوَايَات وَمِنْهَا مَا يكون بعض الرِّوَايَات فِيهِ راجحة وَفِي الْحَالين لَا يبْقى الِاضْطِرَاب
وَمِثَال الِاضْطِرَاب فِي الْإِسْنَاد حَدِيث أبي بكر الصّديق أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أَرَاك شبت قَالَ شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا
فَهَذَا مُضْطَرب فَإِنَّهُ لم يرو إِلَّا من طَرِيق أبي إِسْحَاق السبيعِي
وَقد اخْتلف عَلَيْهِ فِيهِ فَمنهمْ من رَوَاهُ عَنهُ مُرْسلا وَمِنْهُم من رَوَاهُ مَوْصُولا وَمِنْهُم من جعله من مُسْند أبي بكر وَمِنْهُم من جعله من مُسْند سعد وَمِنْهُم من جعله من مُسْند عَائِشَة
وَقد وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ على نَحْو عشرَة أوجه أوردهَا الدَّارَقُطْنِيّ وَرُوَاته ثِقَات لَا يُمكن تَرْجِيح بَعضهم على بعض وَالْجمع مُتَعَذر
стр. 533
وَهنا أُمُور يَنْبَغِي الانتباه لَهَا
الْأَمر الأول أَن الْمُحدثين قَلما يحكمون على الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَاقعا فِي نفس الْمَتْن لِأَن ذَلِك لَيْسَ من شَأْنهمْ من جِهَة كَونهم محدثين وَإِمَّا هُوَ من شَأْن الْمُجْتَهدين
وَإِنَّمَا يحكمون على الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَاقعا فِي نفس الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ من شَأْنهمْ
وَذَلِكَ لِأَن الِاطِّلَاع على مَا فِي الْإِسْنَاد من عِلّة على مَا يَنْبَغِي يعسر على غَيرهم بِخِلَاف الِاطِّلَاع على مَا فِي الْمَتْن من عِلّة سَوَاء كَانَ فِيهِ اضْطِرَاب أم لَا فَإِنَّهُ سهل الْمدْرك فَلذَلِك صرفُوا جلّ عنايتهم إِلَى بَيَان مَا يتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ ليكفوا غَيرهم مؤونة ذَلِك وَلذَلِك تتعرض لذكر مَا وَقع فِيهِ الِاضْطِرَاب من جِهَة الْمَتْن وَإِنَّمَا تعرضوا للمضطرب لِأَنَّهُ دَاخل فِي المعل فانتبه لذَلِك
الْأَمر الثَّانِي لِأَن المضطرب قد يكون صَحِيحا وَذَلِكَ فِي مثل مَا إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي اسْم رجل أَو أَبِيه أَو نسبته أَو نَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يضر بعد مَا ثَبت كَونه ثِقَة وَيحكم لذَلِك الحَدِيث بِالصِّحَّةِ مَعَ تَسْمِيَته مضطربا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث كَثِيرَة من هَذَا الْقَبِيل وَلذَا قَالَ بعض الْعلمَاء وَقد يدْخل الْقلب والشذوذ وَالِاضْطِرَاب فِي قسم الصَّحِيح وَالْحسن
الْأَمر الثَّالِث قد وَقع الِاخْتِلَاف فِي الصَّلَاة الكائنة فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ فَإِن الرَّاوِي شكّ فِيهَا مرّة وَلم يدر أَهِي الظّهْر أَو الْعَصْر وَقَالَ مرّة إِحْدَى صَلَاتي الْعشي إِمَّا الظّهْر وَإِمَّا الْعَصْر وَجزم مرّة بالعصر وَقَالَ مرّة أكبر ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْر
وَقد روى النَّسَائِيّ مَا يشْهد لِأَن الشَّك فِيهَا كَانَ من أبي هُرَيْرَة وَلَفظه صلى النَّبِي ص = إِحْدَى صَلَاتي الْعشي قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَلَكِنِّي نسيت
قَالَ بعض الْعلمَاء وَالظَّاهِر أَن أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كثيرا على الشَّك وَكَانَ رُبمَا
стр. 534
غلب على ظَنّه أَنَّهَا الظّهْر فَجزم بهَا وَرُبمَا غلب على ظَنّه أَنَّهَا الْعَصْر فَجزم بهَا ثمَّ طَرَأَ الشَّك فِي تَعْيِينهَا على ابْن سِيرِين أَيْضا فقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَة وَلَكِن نسيت أَنا
وَكَأن السَّبَب فِي ذَلِك عدم الاهتمام بِغَيْر مَا فِي الْقِصَّة من الْأَحْكَام
وَقد حاول بَعضهم الْجمع فَذهب إِلَى أَن الْقِصَّة وَقعت مرَّتَيْنِ
وَكَثِيرًا مَا يسْلك بَعضهم مثل ذَلِك فِي الْجمع توصلا إِلَى تَصْحِيح كل من الرِّوَايَات صَوتا للرواة من أَن ينْسب الغلظ أَو السَّهْو أَو النسْيَان إِلَيْهِم
وَكَأن عناية هَؤُلَاءِ بالرواة فَوق عنايتهم بالمرويات فَجَمعهُمْ كلا جمع لَا سِيمَا إِن كَانَ مِمَّا ينبو عَنهُ السّمع
وَقد جرى ذكر ذِي الْيَدَيْنِ فِي كثير من كتب الْأُصُول وَذَلِكَ فِي مَبْحَث وجوب الْأَخْذ بِمَا يرويهِ الْوَاحِد إِذا كَانَ عدلا فَإِنَّهُم ذكرُوا أَن بعض الْعلمَاء ذهب إِلَى أَنه لَا يقبل خبر الْوَاحِد الْعدْل وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهُ ﵊ لم يقبل خبر ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى شهد لَهُ أَبُو بكر وَعمر
وَأَجَابُوا عَن ذَلِك وَمِنْهُم الْفَخر فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْجَواب إِن ذَلِك إِن دلّ فَإِنَّمَا يدل على اعْتِبَار ثَلَاثَة أبي بكر وَعمر وَذي الْيَدَيْنِ وَلِأَن التُّهْمَة كَانَت قَائِمَة هُنَاكَ لِأَنَّهَا كَانَت وَاقعَة فِي محفل عَظِيم وَالْوَاجِب فِيهَا الاشتهار
وَقد ذكرنَا سَابِقًا جَوَابا لغيره وَهُوَ قَوْله أما توقف رَسُول الله ص = عَن قبُول قَول ذِي الْيَدَيْنِ فَيحْتَمل ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا أَنه جوز الْوَهم عَلَيْهِ لِكَثْرَة الْجمع بعد انْفِرَاده بِمَعْرِِفَة ذَلِك مَعَ غَفلَة الْجَمِيع إِذْ الْغَلَط عَلَيْهِ أقرب من الْغَفْلَة على الْجمع الْكثير
وَحَيْثُ ظَهرت أَمَارَات الْوَهم يجب التَّوَقُّف
الثَّانِي أَنه وَإِن علم صدقه جَازَ أَن يكون سَبَب توقفه أَن يعلمهُمْ وجوب التَّوَقُّف فِي مثله وَلَو لم يتَوَقَّف لصار التَّصْدِيق مَعَ سكُوت الْجَمَاعَة سنة مَاضِيَة فحسم سَبِيل ذَلِك
стр. 535
الثَّالِث أَنه قَالَ قولا لَو علم صدقه لظهر أَثَره فِي حق الْجَمَاعَة واشتغلت ذمتهم فَألْحق بقبيل الشَّهَادَة فَلم يقبل فِيهِ قَول الْوَاحِد والأقوى مَا ذَكرْنَاهُ من قبل
نعم لَو تعلق بِهَذَا من يشْتَرط عدد الشَّهَادَة يلْزمه اشْتِرَاط ثَلَاثَة وَيلْزمهُ أَن يكون فِي جمع يسكت عَلَيْهِ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ كَذَلِك كَانَ
وَالظَّاهِر أَن المستدلين بِهَذِهِ الْقِصَّة والمجيبين عَن استدلالهم لم يأخذوها من أَئِمَّة الحَدِيث أَو كتبهمْ كَمَا هُوَ دأبهم وَلذَلِك ذكر صَاحب تَفْضِيل السّلف على الْخلف فِي الْأُصُول أَن من مَنَاقِب الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ أَنه على كبر سنه وانتهاء رياسة الْعلم بِبَغْدَاد إِلَيْهِ كَانَ يتَرَدَّد إِلَى بعض عُلَمَاء الحَدِيث لمعْرِفَة مَا أشكل عَلَيْهِ من النَّقْل وَأَحْكَام الرِّوَايَة والعلل
ولنذكر مَا ورد فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ قَالَ البُخَارِيّ
بَاب إِذا سلم فِي رَكْعَتَيْنِ أَو فِي ثَلَاث فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ مثل سُجُود الصَّلَاة أَو أطول حَدثنَا آدم حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ
صلى بِنَا النَّبِي ص = الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ الصَّلَاة يَا رَسُول الله أنقصت فَقَالَ النَّبِي ص = لأَصْحَابه أَحَق مَا يَقُول قَالُوا نعم فصلى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ
قَالَ سعد وَرَأَيْت عُرْوَة بن الزبير صلى من الْمغرب رَكْعَتَيْنِ فَسلم وَتكلم ثمَّ صلى مَا بَقِي وَسجد سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا فعل النَّبِي ص =
بَاب من لم يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو وَسلم أنس وَالْحسن وَلم يتشهدا وَقَالَ قَتَادَة لَا يتَشَهَّد حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك بن أنس عَن أَيُّوب بن
стр. 536
أبي تَيْمِية السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله انْصَرف من اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ص = أصدق ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاس نعم فَقَامَ رَسُول الله ص = فصلى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع
حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا حَمَّاد عَن سَلمَة بن عَلْقَمَة قَالَ قلت لمُحَمد فِي سَجْدَتي السَّهْو تشهد قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة
بَاب يكبر فِي سَجْدَتي السَّهْو حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلى النَّبِي إِحْدَى صَلَاتي الْعشي مُحَمَّد وَأكْثر ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَة فِي مقدم الْمَسْجِد فَوضع يَده عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر فَهَابَا أَن يُكَلِّمَاهُ وَخرج سرعَان النَّاس فَقَالُوا أقصرت الصَّلَاة وَرجل يَدعُوهُ النَّبِي ص = ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أنسيت أم قصرت فَقَالَ لم أنس وَلم تقصر قَالَ بلَى قد نسيت فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع رَأسه فَكبر ثمَّ وضع رَأسه فَكبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع رَأسه وَكبر
وَقَالَ مُسلم فِي بَاب السَّهْو فِي الصَّلَاة وَالسُّجُود لَهُ وحَدثني عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب جَمِيعًا عَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ عَمْرو أَنبأَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ أَنبأَنَا أَيُّوب قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن سِيرِين يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول
صلى بِنَا رَسُول الله ص = إِحْدَى صَلَاتي الْعشي إِمَّا الظّهْر وَإِمَّا
стр. 537
الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَتَى جذعا فِي قبْلَة الْمَسْجِد فاستند إِلَيْهِ مغضبا وَفِي الْقَوْم أَبُو بكر وَعمر فَهَابَا أَن يتكلما وَخرج سرعَان النَّاس قصرت الصَّلَاة فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول الله أقصرت الصَّلَاة أم نسيت فَنظر النَّبِي ص = يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ قَالُوا صدق لم تصل إِلَّا رَكْعَتَيْنِ فصلى رَكْعَتَيْنِ وَسلم ثمَّ كبر ثمَّ سجد ثمَّ كبر فَرفع ثمَّ كبر وَسجد ثمَّ كبر وَرفع
قَالَ وأخبرت عَن عمرَان بن حُصَيْن أَنه قَالَ وَسلم
وَحدثنَا أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي قَالَ أَنبأَنَا حَمَّاد قَالَ أَنبأَنَا أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي بِمَعْنى حَدِيث سُفْيَان
وَحدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك بن أنس عَن دَاوُد الْحصين عَن أبي سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد أَنه قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول صلى لنا رَسُول الله ص = صَلَاة الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أقصرت الصَّلَاة يَا رَسُول الله أم نسيت فَقَالَ رَسُول الله كل ذَلِك لم يكن فَقَالَ قد كَانَ بعض ذَلِك يَا رَسُول الله فَأقبل رَسُول الله على النَّاس فَقَالَ أصدق ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نعم يَا رَسُول الله فَأم رَسُول الله مَا بَقِي من الصَّلَاة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس بعد التَّسْلِيم
وحَدثني حجاج بن الشَّاعِر قَالَ أَنبأَنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل الخزاز قَالَ
стр. 538
أَنبأَنَا عَليّ وَهُوَ ابْن الْمُبَارك قَالَ أَنبأَنَا يحيى قَالَ حَدثنَا أَبُو سَلمَة قَالَ أَنبأَنَا أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ص = صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم فَأَتَاهُ رجل من بني سليم فَقَالَ يَا رَسُول الله أقصرت الصَّلَاة أم نسيت وسَاق الحَدِيث
وحَدثني إِسْحَاق بن مَنْصُور قَالَ أَنبأَنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله صَلَاة الظّهْر سلم رَسُول الله من الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ رجل من بني سليم واقتص الحَدِيث
وَحدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب جَمِيعًا عَن ابْن علية قَالَ زُهَيْر أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله ص = صلى الْعَصْر فَسلم فِي ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ دخل منزله فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول فَقَالَ يَا رَسُول الله فَذكر لَهُ صَنِيعه وَخرج غَضْبَان يجر رِدَاءَهُ حَتَّى انْتهى إِلَى النَّاس فَقَالَ أصدق هَذَا قَالُوا نعم فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم
وَحدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا خَالِد وَهُوَ الْحذاء عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ سلم رَسُول الله فِي ثَلَاث رَكْعَات من الْعَصْر ثمَّ قَالَ فَدخل الْحُجْرَة فَقَامَ رجل بسيط الْيَدَيْنِ فَقَالَ أقصرت الصَّلَاة يَا رَسُول الله فَخرج مغضبا فصلى الرَّكْعَة الَّتِي كَانَ ترك ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتي السَّهْو ثمَّ سلم
وَاعْلَم أَن فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَوَائِد جمة وقواعد مهمة
стр. 539
مِنْهَا جَوَاز النسْيَان فِي الْأَفْعَال والعبادات على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَنَّهُمْ لَا يقرونَ على الْخَطَأ فِي ذَلِك
وَمِنْهَا أَن الْوَاحِد إِذا ادّعى شَيْئا جرى بِحَضْرَة جمع كثير لَا يخفى عَلَيْهِم سئلوا عَنهُ وَلَا يعْمل بقوله من غير سُؤال
وَمِنْهَا إِثْبَات سُجُود السَّهْو وَأَنه سَجْدَتَانِ وأنهما على هَيْئَة سُجُود الصَّلَاة وَأَنه يسلم من سُجُود السَّهْو وَأَنه لَا تشهد فِيهِ
وَمِنْهَا أَن كَلَام النَّاسِي للصَّلَاة وَالَّذِي يظنّ أَنه لَيْسَ فِيهَا لَا يُبْطِلهَا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الصَّلَاة تبطل بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا لحَدِيث ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَزَعَمُوا أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم
قَالُوا لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ قتل يَوْم بدر ونقلوا ذَلِك عَن الزُّهْرِيّ قَالُوا وَلَا يمْنَع من هَذَا كَون أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ وَهُوَ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن بدر لِأَن الصَّحَابِيّ قد يروي مَا لَا يحضرهُ بِأَن يسمعهُ من النَّبِي ص = أَو من أحد أَصْحَابه الْحَاضِرين لذَلِك
وَقد رد ذَلِك ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد فَقَالَ أما ادعاؤهم أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين أهل الحَدِيث وَالسير أَن حَدِيث ابْن مَسْعُود كَانَ بِمَكَّة حِين رَجَعَ من أَرض الْحَبَشَة قبل الْهِجْرَة وَأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة أبي هُرَيْرَة فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بِالْمَدَنِيَّةِ وَإِنَّمَا أسلم أَبُو هُرَيْرَة عَام خَيْبَر سنة سبع من الْهِجْرَة بِلَا خلاف
وَأما حَدِيث زيد بن أَرقم فَلَيْسَ فِيهِ بَيَان أَنه قبل حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَو بعده وَالنَّظَر يشْهد أَنه قبل حَدِيث أبي هُرَيْرَة
стр. 540
وَأما قَوْلهم إِن أَبَا هُرَيْرَة لم يشْهد ذَلِك فَلَيْسَ بِصَحِيح بل شُهُوده لَهَا مَحْفُوظ من رِوَايَة الثِّقَات الْحفاظ فَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ صلى لنا رَسُول الله ص = إِحْدَى صَلَاتي الْعشي فَسلم من اثْنَتَيْنِ وَذَلِكَ الحَدِيث وقصة ذِي الْيَدَيْنِ وَفِي رِوَايَة صلى بِنَا رَسُول الله وَفِي رِوَايَة فِي مُسلم وَغَيره بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله
وَأما قَوْلهم إِن ذَا الْيَدَيْنِ قتل يَوْم بدر فغلط وَإِنَّمَا الْمَقْتُول يَوْم بدر ذُو الشمالين وَقد ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل السّير فِيمَن قتل يَوْم بدر قَالَ ابْن إِسْحَاق ذُو الشمالين هُوَ عُمَيْر بن عَمْرو بن غبشان من خُزَاعَة حَلِيف لبني زهرَة فذو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين فَفِيهِ حُضُور أبي هُرَيْرَة قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ وَأَن الْمُتَكَلّم رجل من بني سليم وَفِي رِوَايَة عمرَان بن الْحصين أَن اسْمه الْخِرْبَاق كَمَا ذكر ذَلِك مُسلم
فذو الْيَدَيْنِ الَّذِي شهد السَّهْو فِي الصَّلَاة سلمي وَذُو الشمالين الْمَقْتُول ببدر خزاعي وَهُوَ يُخَالِفهُ فِي الِاسْم وَالنّسب
وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث السَّهْو إِن الْمُتَكَلّم ذُو الشمالين فَلم يُتَابع عَلَيْهِ
وَقد اضْطربَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ اضطرابا أوجب عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ تَركه من رِوَايَته خَاصَّة وَلَا يعلم أحد من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ المصنفين فِيهِ عول على حَدِيث الزُّهْرِيّ فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ وَكلهمْ تَرَكُوهُ لاضطرابه وَكَونه لم يتم لَهُ إِسْنَادًا وَلَا متْنا وَإِن كَانَ إِمَامًا عَظِيما فِي هَذَا الشَّأْن فالغلط لَا يسلم مِنْهُ بشر والكمال لله تَعَالَى وَلَك أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا النَّبِي ص =
стр. 541
فَقَوْل الزُّهْرِيّ إِنَّه قتل يَوْم بدر مَتْرُوك لتحَقّق غلطة فِيهِ
وَمن أَرَادَ زِيَادَة الْبَيَان فَليرْجع إِلَى التَّمْهِيد
وَمن الْغَرِيب مَا وَقع فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِمَّا يدل على أَنَّهُمَا وَاحِد وَهُوَ فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين بن عَمْرو أنقصت الصَّلَاة أَن نسيت فَقَالَ النَّبِي ص = مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ فَصرحَ بِأَن ذُو الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ لَكِن نَص الشَّافِعِي فِي اخْتِلَاف الحَدِيث على أَن ذَا الشمالين غير ذِي الْيَدَيْنِ
قَالَ بعض المؤلفين قَوْله صلى لنا رَسُول الله صَلَاة الْعَصْر فَسلم رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة صَلَاة الظّهْر قَالَ الْمُحَقِّقُونَ هما قضيتان
وَفِي حَدِيث عمرَان بن الْحصين سلم رَسُول الله فِي ثَلَاث رَكْعَات من الْعَصْر ثمَّ دخل منزله فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق فَقَالَ يَا رَسُول الله فَذكر لَهُ صَنِيعه وَخرج غَضْبَان يجر رِدَاءَهُ
وَفِي رِوَايَة لَهُ سلم فِي ثَلَاث رَكْعَات من الْعَصْر ثمَّ قَامَ فَدخل الْحُجْرَة فَقَالَ رجل بسيط الْيَدَيْنِ فَقَالَ أقصرت الصَّلَاة وَحَدِيث عمرَان هَذَا قَضِيَّة ثَالِثَة فِي يَوْم آخر
فقد اخْتَار هَذَا الْمُؤلف فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات الَّتِي نقلناها عَن مُسلم هُنَا أَن يُقَال سَهَا رَسُول الله ص = ثَلَاث مَرَّات مرّة فِي صَلَاة الظّهْر ومرتين فِي صَلَاة الْعَصْر وَفِي كل مرّة يقوم ذُو الْيَدَيْنِ فَيَقُول مَا نقل عَنهُ وَيَقُول رَسُول الله أصدق ذُو الْيَدَيْنِ أَو هَذَا فَيَقُول النَّاس نعم
وَسبب اخْتِيَار ذَلِك مَعَ غرابة اتِّفَاق مثل هَذِه الْحَال ثَلَاث مَرَّات الْحِرْص على صون بعض الروَاة من نِسْبَة الْوَهم أَو الْغَلَط أَو السَّهْو إِلَيْهِم مَعَ أَنه لَا ملام فِي مثل ذَلِك عَلَيْهِم فاربأ بِنَفْسِك عَن الِاعْتِرَاض على كثير مِمَّا يُقَال فَإِن فِي ذَلِك إِضَاعَة للْوَقْت وَهِي عَثْرَة لَا تقال
والمصحف هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بتغيير النقط فِي الْكَلِمَة مَعَ بَقَاء صُورَة
стр. 542
ومثاله حَدِيث من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا من شَوَّال
إِذا غيرت سِتا وجعلتها شَيْئا كَمَا وَقع ذَلِك لبَعض الأدباء فِيهِ
والتصحيف كَمَا يَقع فِي الْمَتْن يَقع فِي الْإِسْنَاد ومثاله فِيهِ تَصْحِيف بعض الحدثين ابْن مزاجم وَهُوَ بالراء وَالْجِيم ابْن مُزَاحم بالزاي والحاء
والمحرف هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بتغيير الشكل فِي الْكَلِمَة مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط فِيهَا
وَمِثَال ذَلِك مَا وَقع لبَعض الْأَعْرَاب فَإِنَّهُ رأى فِي كتاب من كتب الحَدِيث أَن النَّبِي ص = كَانَ إِذا صلى نصبت بَين يَدَيْهِ عنزة
والعنزة الحربة فظنها بِسُكُون النُّون ثمَّ روى ذَلِك بِالْمَعْنَى على حسب وهمه فَقَالَ كَانَ النَّبِي ص = إِذا صلى نصبت بَين يَدَيْهِ شَاة
وكما يَقع التحريف فِي الْمَتْن يَقع فِي الْإِسْنَاد
ومثاله فِيهِ أَن تجْعَل بشيرا بِفَتْح الْبَاء وَكسر الشين بشيرا بِضَم الْبَاء وَفتح الشين
وَقس على ذَلِك مَا أشبهه
وَاعْلَم أَن التَّصْحِيف والتحريف قد يُطلق كل مِنْهُمَا على مَا يَشْمَل هذَيْن النَّوْعَيْنِ بل قد يُطلق كل مِنْهُمَا على كل تَغْيِير يَقع فِي الْكَلِمَة وَلَو مَعَ عدم بَقَاء صُورَة الْخط فِيهَا
تَنْبِيه كثيرا مَا يحاول أنَاس إِزَالَة التَّصْحِيف عَن كَلِمَات يتوهمون أَنَّهَا قد صحفت فيغيرونها بِمَا بدا لَهُم لَا سِيمَا إِن كَانَت قريب المأخذ فَيحدث بذلك التَّصْحِيف بعد أَن لم يكن وهم يظنون أَنهم أزالوه بعد أَن كَانَ
وَمن أَمْثِلَة ذَلِك مَا ذكره الْحَافِظ ابْن حجر فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ حَيْثُ قَالَ حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن من صلى قَائِما فَهُوَ أفضل وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ
стр. 543
نصف أجر الْقَائِم وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد
البُخَارِيّ بِلَفْظ أَنه سُئِلَ رَسُول الله ص = عَن صَلَاة الرجل قَاعِدا فَقَالَ إِن صلى قَائِما فَهُوَ أفضل وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم وَمن صلى نَائِما الحَدِيث مثله
تَنْبِيه المُرَاد بالنائم المضطجع
وصحف بَعضهم هَذِه اللَّفْظَة فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ صلى بإيماء أَي بِالْإِشَارَةِ كَمَا رُوِيَ أَنه ص = على ظهر الدَّابَّة يُومِئ إِيمَاء قَالَ وَلَو كَانَ من النّوم لعَارض نَهْيه عَن الصَّلَاة لمن غَلبه النّوم
وَهَذَا إِنَّمَا قَالَه هَذَا الْقَائِل بِنَاء على أَن المُرَاد بِالنَّوْمِ حَقِيقَته وَإِذا حمل على الِاضْطِجَاع انْدفع الْإِشْكَال
قَوْله ويروى صَلَاة النَّائِم على النّصْف من صَلَاة الْقَاعِد
قلت رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ ابْن عبد الْبر وَغَيره وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض رُبمَا نسب بعض النَّاس النَّسَائِيّ إِلَى التَّصْحِيف وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ فِي الرِّوَايَة الثَّابِتَة وَصَلَاة النَّائِم على النّصْف من صَلَاة الْقَاعِد
قلت وَهُوَ يدْفع مَا تعلل بِهِ الْقَائِل الأول
وَقَالَ ابْن عبد الْبر جُمْهُور أهل الْعلم لَا يجيزون النَّافِلَة مُضْطَجعا فَإِن أجَاز أحد النَّافِلَة مُضْطَجعا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام فَهُوَ حجَّة لَهُ فَإِن لم يجزه أحد فَالْحَدِيث إِمَّا غلط أَو مَنْسُوخ
وَقَالَ الْخطابِيّ لَا أحفظ عَن أحد من أهل الْعلم أَنه رخص فِي صَلَاة التَّطَوُّع نَائِما كَمَا رخصوا فِيهَا قَاعِدا فَإِن صحت هَذِه اللَّفْظَة وَلم تكن من كَلَام بعض الروَاة أدرجها فِي الحَدِيث وقاسه على صَلَاة الْقَاعِد أَو اعْتَبرهُ لصَلَاة الْمَرِيض نَائِما إِذا عجز عَن الْقعُود جَازَ التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر على الْقعُود
انْتهى
وَمَا ادعياه من الِاتِّفَاق على الْمَنْع مَرْدُود فقد حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ عَن الشَّافِعِيَّة
وَقد ذكرنَا كثيرا مِمَّا يتَعَلَّق بالتصحيف فِيمَا سبق
هَذَا وَقد بَقِي مِمَّا يتَعَلَّق بمخالفة الرَّاوِي لغيره من الثِّقَات مِمَّا لم نذكرهُ سَابِقًا قسم يُسمى بالمزيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَهُوَ مَا كَانَت الْمُخَالفَة فِيهِ بِزِيَادَة راو فِي
стр. 544
الْإِسْنَاد وَقد جمع الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ بَينه وَبَين خَفِي الْإِرْسَال فِي مَوضِع وَاحِد وابتدأ بخفي الْإِرْسَال فَقَالَ فِيهِ هُوَ أَن يروي الرجل عَمَّن سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ أَو عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ أَو عَمَّن عاصره وَلم يلقه فَهَذَا قد يخفى على كثير من أهل الحَدِيث لِكَوْنِهِمَا قد جَمعهمَا عصر وَاحِد
وَهَذَا النَّوْع أشبه بروايات المدلسين وَقد أفرده ابْن الصّلاح بِالذكر عَن نوع الْمُرْسل فتبعته على ذَلِك
ثمَّ ذكر أَن خَفِي الْإِرْسَال يعرف بأَرْبعَة أُمُور
أَحدهَا أَن يعرف عدم اللِّقَاء بَينهمَا بِنَصّ بعض الْأَئِمَّة على ذَلِك أَو يعرف ذَلِك بِوَجْه صَحِيح
الثَّانِي أَن يعرف عدم سَمَاعه مِنْهُ مُطلقًا بِنَصّ إِمَام على ذَلِك أَو نَحوه
الثَّالِث أَن يعرف عدم سَمَاعه مِنْهُ لذَلِك الحَدِيث وَإِن سمع مِنْهُ غَيره وَذَلِكَ إِمَّا بِنَصّ إِمَام أم إخْبَاره عَن نَفسه فِي بعض طرق الحَدِيث أَو نَحْو ذَلِك
الرَّابِع أَن يرد فِي بعض طرق الحَدِيث زِيَادَة اسْم راو بَينهمَا
ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْقسم الرَّابِع مَحل نظر لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الْحفاظ النقاد وَيشْتَبه ذَلِك على كثير من أهل الحَدِيث لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ الحكم للزائد وَرُبمَا كَانَ الحكم للناقص وَالزَّائِد وهم فَيكون من نوع الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد
وَذَلِكَ جمعت بَينه وَبَين خَفِي الْإِرْسَال وَإِن كَانَ ابْن الصّلاح جَعلهمَا نَوْعَيْنِ
وَكَذَلِكَ الْخَطِيب أفردهما بالتصنيف
وصنف فِي الأول كتابا سَمَّاهُ التَّفْصِيل لمبهم الْمَرَاسِيل وصنف فِي الثَّانِي كتابا سَمَّاهُ تَمْيِيز الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَفِي كثير مِمَّا ذكره فِيهِ نظر وَالصَّوَاب مَا ذكره ابْن الصّلاح من التَّفْصِيل واقتصرت عَلَيْهِ
ولنذكر مَا ذكره ابْن الصّلاح فِي ذَلِك برمتِهِ قَالَ النَّوْع السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ معرفَة الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد
مِثَاله مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ حَدثنِي بسر بن عبيد الله قَالَ سَمِعت أَبَا إِدْرِيس يَقُول سَمِعت وائلة ابْن الْأَسْقَع يَقُول سَمِعت أَبَا مرْثَد الغنوي
стр. 545
يَقُول سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا
فَذكر سُفْيَان فِي هَذَا الْإِسْنَاد زِيَادَة وَوهم وَهَكَذَا ذكر أبي إِدْرِيس
أما الْوَهم فِي ذكر سُفْيَان فَمن دون ابْن الْمُبَارك لَا من ابْن الْمُبَارك لِأَن جماعات ثِقَات رَوَوْهُ عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جَابر نَفسه وَمِنْهُم من صرح فِيهِ بِلَفْظ الْإِخْبَار بَينهمَا
وَأما ذكر ابْن إِدْرِيس فِيهِ فَابْن الْمُبَارك مَنْسُوب فِيهِ إِلَى الْوَهم وَذَلِكَ لِأَن جمَاعَة من الثِّقَات رَوَوْهُ عَن ابْن جَابر فَلم يذكرُوا أَبَا إِدْرِيس بَين بسر وواثلة وَفِيهِمْ من صرح فِيهِ بِسَمَاع بسر من وَاثِلَة
قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ يرَوْنَ أَن ابْن الْمُبَارك وهم فِي هَذَا
وَكَثِيرًا مَا يحدث بسر عَن أبي إِدْرِيس فغلط ابْن الْمُبَارك وَظن أَن هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَن أبي إِدْرِيس عَن وَاثِلَة
وَقد سمع هَذَا بسر من وَاثِلَة نَفسه
قلت قد ألف الْخَطِيب الْحَافِظ فِي هَذَا النَّوْع كتابا سَمَّاهُ تَمْيِيز الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَفِي كثير مِمَّا ذكره نظر لِأَن الْإِسْنَاد الْخَالِي عَن الرَّاوِي الزَّائِد إِن كَانَ بِلَفْظَة عَن فِي ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يحكم بإرساله وَيجْعَل مُعَللا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكر فِيهِ الزَّائِد لما عرف فِي نوع الْمُعَلل وكما يَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله فِي النَّوْع الَّذِي يَلِيهِ وَإِن كَانَ فِيهِ تَصْرِيح بِالسَّمَاعِ أَو بالإخبار كَمَا فِي الْمِثَال الَّذِي أوردناه فَجَائِز أَن يكون قد سمع ذَلِك من رجل عَنهُ ثمَّ سَمعه مِنْهُ نَفسه فَيكون بشر فِي هَذَا الحَدِيث قد سَمعه من أبي إِدْرِيس عَن وَاثِلَة ثمَّ لَقِي وَاثِلَة فَسَمعهُ مِنْهُ كَمَا جَاءَ مثله مُصَرحًا بِهِ فِي غير هَذَا
اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تُوجد قرينَة تدل على كَونه وهما كنحو مَا ذكره أَبُو حَاتِم فِي الْمِثَال الْمَذْكُور
وَأَيْضًا فَالظَّاهِر مِمَّن وَقع لَهُ مثل ذَلِك أَن يذكر السماعين فَإِذا لم يَجِيء عَنهُ ذكر ذَلِك حملناه على الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة وَالله أعلم
وَقَالَ بعض الْعلمَاء بعد مَا أورد مَا ذَكرُوهُ فِي حكم هَذَا النَّوْع وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يطرد الحكم هُنَا بِشَيْء معِين كَمَا لم يطرد ذَلِك فِي تعَارض الْوَصْل والإرسال
стр. 546
وَقد أحببنا أَن نورد ذَلِك لمناسبته لما نَحن فِيهِ فَنَقُول إِذا اخْتلف الروَاة فِي حَدِيث فَرَوَاهُ بَعضهم مُتَّصِلا وَبَعْضهمْ مُرْسلا فللعلماء فِي ذَلِك أَرْبَعَة أَقْوَال
القَوْل الأول أَن الحكم لمن وصل وَهُوَ الْأَظْهر وَإِلَيْهِ ذهب عُلَمَاء الْأُصُول
القَوْل الثَّانِي أَن الحكم لمن أرسل ويحكى عَن أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث
القَوْل الثَّالِث أَن الحكم للْأَكْثَر فَإِن كَانَ من أرْسلهُ أَكثر مِمَّن وَصله فَالْحكم للإرسال وَإِن كَانَ من وَصله أَكثر مِمَّن أرْسلهُ فَالْحكم للوصل
القَوْل الرَّابِع أَن الحكم للأحفظ فَإِن كَانَ من أرْسلهُ أحفظ فَالْحكم للإرسال وَإِن كَانَ من وَصله أحفظ فَالْحكم للوصل
وَالَّذِي يظْهر أَن مَحل كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لم يظْهر مُرَجّح لخلافه وَمن تتبع آثَار مُتَقَدِّمي هَذَا الْفَنّ كَابْن مهْدي وَالْقطَّان وَالْبُخَارِيّ وَأحمد ظهر لَهُ إِنَّهُم لم يحكموا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِحكم كلي بل جعلُوا الْمعول فِي ذَلِك على الْمُرَجح فَمَتَى وجد كَانَ الحكم لَهُ وَلذَلِك تراهم يرجحون تَارَة الْوَصْل وَتارَة الْإِرْسَال كَمَا يرجحون تَارَة عدد الذوات على الصِّفَات وَتارَة الْعَكْس
وَمِمَّا يُنَاسب هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة أُخْرَى يجعلونها تالية لَهَا فِي الذّكر وَهِي مَا إِذا رفع بَعضهم الحَدِيث إِلَى النَّبِي ص = وَوَقفه بَعضهم على الصَّحَابِيّ أَو رَفعه وَاحِد فِي وَقت وَوَقفه هُوَ أَيْضا فِي وَقت آخر
وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
فَقَالَ بَعضهم إِن الحكم للرافع لِأَنَّهُ مُثبت وَغير سَاكِت وَلَو كَانَ نافيا فالمثبت مقدم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ علم مَا خَفِي عَلَيْهِ
وَقَالَ بَعضهم إِن الحكم للْوَاقِف ويحكى عَن أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث
وَقَالَ بَعضهم إِن الحكم للرافع إِلَّا أَن يقفه الْأَكْثَرُونَ
وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا
стр. 547
القَوْل الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته حَيْثُ قَالَ إِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا تركا أَشْيَاء تَركهَا قريب وَأَشْيَاء لَا وَجه لتركها فمما لَا وَجه لتَركه أَن يرفع الحَدِيث ثِقَة ويقفه آخر فَترك هَذَا لَا وَجه لَهُ لِأَن الرّفْع زِيَادَة وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة إِلَّا أَن يقفه الْأَكْثَر وَيَرْفَعهُ وَاحِد فَالظَّاهِر غلطه وَإِن كَانَ من الْجَائِز أَن يكون حفظ دونهم
قَالَ الْحَاكِم قلت للدارقطني فخلاد بن يحيى فَقَالَ ثِقَة إِنَّمَا أَخطَأ فِي حَدِيث وَاحِد فرفعه وَوَقفه النَّاس
وَقلت لَهُ فسعيد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ فَقَالَ لَيْسَ بِالْقَوِيّ يحدث بِأَحَادِيث يسندها وَغَيره يقفها
هَذَا وَقد ذكرنَا فِي الضَّعِيف وأقسامه مَا فِيهِ تبصرة للمبتدي وَتَذْكِرَة لغيره إِلَّا بحث الْمُعَلل فَإنَّا لم نوفه حق من الْبَيَان مَعَ أَنه من أهم المباحث فأحببنا إِفْرَاده بالبحث اعتناء بِشَأْنِهِ
وَقبل أَن نشرع فِي ذَلِك نقُول كَمَا أَن للْحَدِيث المقبول وَهُوَ الصَّحِيح وَنَحْوه مَرَاتِب كَذَلِك للْحَدِيث الْمَرْدُود وَهُوَ الضَّعِيف وَنَحْوه مَرَاتِب
والضعيف إِذا رتب على حسب شدَّة الضعْف قدم الْمَوْضُوع وَهَذَا أَمر لَا خلاف فِيهِ ويتلوه الْمَتْرُوك ثمَّ الْمُنكر ثمَّ الْمُعَلل ثمَّ المدرج ثمَّ المقلوب ثمَّ المضطرب
وَقَالَ الْخطابِيّ شَرها الْمَوْضُوع ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمَجْهُول
وَقَالَ بَعضهم الضَّعِيف الَّذِي ضعفه لَا لعدم الِاتِّصَال يقدم فِيهِ الْمَوْضُوع ثمَّ الْمَتْرُوك ثمَّ المدرج ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمُنكر ثمَّ الشاذ ثمَّ الْمُعَلل ثمَّ المضطرب
والضعيف الَّذِي ضعفه لعدم الِاتِّصَال يقدم فِيهِ المعضل ثمَّ الْمُنْقَطع ثمَّ المدلس ثمَّ الْمُرْسل
وَهَذَا التَّرْتِيب الَّذِي ذَكرُوهُ إِنَّمَا نظرُوا فِيهِ إِلَى الْجُمْلَة وَإِلَّا فقد يكون فِي الْمُقدم مَا هُوَ أخف ضعفا مِمَّا بعده
وَانْظُر إِلَى المعضل مثلا فَإِنَّهُم قدموه على الْمُنْقَطع وجعلوه أَسْوَأ مِنْهُ حَالا مَعَ أَن الْمُنْقَطع قد يكون مُسَاوِيا للمعضل وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ الِانْقِطَاع فِيهِ من موضِعين وَكَانَ المعضل قد سقط مِنْهُ اثْنَان فَقَط على الشَّرْط
стр. 548
وَهُوَ التوالي وَقد يكون أَسْوَأ حَالا مِنْهُ وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ الِانْقِطَاع فِيهِ من ثَلَاثَة مَوَاضِع وَحِينَئِذٍ فتقديم المعضل على الْمُنْقَطع وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَسْوَأ حَالا مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ للْغَالِب فَهُوَ حكم مَبْنِيّ على الْجُمْلَة فَيَنْبَغِي الانتباه لذَلِك وَلما أشبهه
بَيَان شاف للمعلل من الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من أجل أواع عُلُوم الحَدِيث وَأَشْرَفهَا وأدقها وأغمضها وَلَا يقوم بِهِ إِلَّا من كَانَ لَهُ فهم ثاقب وَحفظ وَاسع وَمَعْرِفَة تَامَّة بِالْأَسَانِيدِ والمتون وأحوال الروَاة وَلِهَذَا لم يتَكَلَّم فِيهِ إِلَّا الْقَلِيل من أَئِمَّة الحَدِيث كعلي بن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَالْبُخَارِيّ وَيَعْقُوب بن أبي شيبَة وَأبي حَاتِم الرَّازِيّ وَأبي زرْعَة وَالدَّارَقُطْنِيّ
وَيُقَال للمعلل الْمَعْلُول والمعلل أما الْمَعْلُول فقد وَقع فِي كَلَام البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن عدي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأبي يعلى الخليلي وَالْحَاكِم وَغَيرهم
وَقد أنكر بعض الْعلمَاء ذَلِك من جِهَة اللُّغَة وَأَنَّهُمْ قَالُوا إِن الْمَعْلُول فِي اللُّغَة اسْم مفعول من عله إِذا سقَاهُ السقية الثَّانِيَة
وتعقبهم آخَرُونَ فَقَالُوا قد ذكر فِي بعض كتب اللُّغَة عل الشَّيْء إِذا أَصَابَته عِلّة فَيكون لفظ مَعْلُول هُنَا مأخوذا مِنْهُ قَالَ ابْن الْقُوطِيَّة عل الْإِنْسَان مرض وَالشَّيْء أَصَابَته الْعلَّة فَيكون اسْتِعْمَاله بِالْمَعْنَى الَّذِي أرادوه غير مُنكر بل قَالَ بَعضهم اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ أولى لوُقُوعه فِي عِبَارَات أهل الْفَنّ مَعَ ثُبُوته لُغَة وَمن حفظ حجَّة على من لم يحفظ
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد عِنْد قَول كَعْب
(تجلو عوارض ذِي ظلم إِذا ابتسمت ... كَأَنَّهُ منهل بِالرَّاحِ مَعْلُول)
قَوْله مَعْلُول اسْم مفعول كَمَا أَن منهلا كَذَلِك إِلَّا أَن فعله ثلاثي مُجَرّد يُقَال عله يعله بِالضَّمِّ على الْقيَاس ويعله بِالْكَسْرِ إِذا سقَاهُ ثَانِيًا وأصل ذَلِك أَن
стр. 549
الْإِبِل إِذا شربت فِي أول الْورْد سمي ذَلِك نهلا فَإِذا ردَّتْ إِلَى أعطانها ثمَّ سقيت الثَّانِيَة سمي ذَلِك الْعِلَل
وَزعم الحريري أَن الْمَعْلُول ل يسْتَعْمل إِلَّا بِهَذَا الْمَعْنى وَأَن إِطْلَاق النَّاس لَهُ على الَّذِي أَصَابَته الْعلَّة وهم وَأَنه إِنَّمَا يُقَال لذَلِك معل من أعله الله وَكَذَا قَالَ ابْن مكي وَغَيره ولحنوا الْمُحدثين فِي قَوْلهم حَدِيث مَعْلُول وَقَالُوا الصَّوَاب معل أَو مُعَلل
انْتهى
وَالصَّوَاب أَنه يجوز أَن يُقَال عله فَهُوَ مَعْلُول من الْعلَّة إِلَّا أَنه قَلِيل وَمِمَّنْ نقل ذَلِك الجوهريي فِي صحاحه وَابْن الْقُوطِيَّة فِي أَفعاله وقطرب فِي كتاب فعلت وأفعلت وَذكر ابْن سَيّده فِي الْمُحكم أَن فِي كتاب أبي إِسْحَاق فِي الْعرُوض مَعْلُول ثمَّ قَالَ وَلست على ثِقَة مِنْهُ
انْتهى
قيل وَيشْهد بِهَذِهِ اللُّغَة قَوْلهم عليل كَمَا تَقول جريح وقتيل
انْتهى
وَلَا دَلِيل فِي ذَلِك لقَولهم عقيد وَضمير وهما بِمَعْنى مُغفل لَا بِمَعْنى مفعول
وَنَظِير هَذَا أَن الْمُحدثين يَقُولُونَ أعضل فلَان الحَدِيث فَهُوَ معضل بِالْفَتْح ورد بِأَن الْمَعْرُوف أعضل الْأَمر فَهُوَ معضل كأشكل فَهُوَ مُشكل
وَأجَاب ابْن الصّلاح بِأَنَّهُم قَالُوا أَمر عضيل أَي مُشكل وفعيل يدل على الثلاثي فعلى هَذَا يكون لنا عضل قاصرا وأعضل مُتَعَدِّيا وقاصرا كَمَا قَالُوا ظلم اللَّيْل وأظلم اللَّيْل وأظلم الله اللَّيْل
انْتهى
وَقد بَينا أَن فعيلا يَأْتِي من غير الثلاثي ثمَّ إِنَّه لَا يكون من الثلاثي الْقَاصِر
وَأما الْمُعَلل فقد شاع اسْتِعْمَال الْقَوْم لَهُ وذاع وَهُوَ اسْم مفعول من قَوْلك عللته تعليلا إِلَّا أَن التَّعْلِيل فِي اللُّغَة لَا يُنَاسب الْمَعْنى المُرَاد لِأَنَّهُ بِمَعْنى الإلهاء تَقول عللت الصَّبِي بِالطَّعَامِ تعليلا إِلَّا ألهيته عَن اللَّبن
وَلذَا قَالَ بَعضهم الْأَحْسَن أَن يُسمى هَذَا النَّوْع بالمعل لِأَن الْأَكْثَر فِي اسْتِعْمَال الْفِعْل أَن يَقُولُوا أعله
стр. 550
فلَان بِكَذَا وَالْقِيَاس فِيهِ أَن يكون اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ معلا وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وَإِن كَانَ نَادِر الِاسْتِعْمَال فَإِن الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال لفظ عليل وَقد جَاءَ معل فِي عبارَة بعض الْمُحدثين
وَهَذَا أَوَان الشُّرُوع فِي إِيرَاد عِبَارَات الْقَوْم فِي المعل قَالَ جَامع أشتات هَذَا الْفَنّ الْحَافِظ ابْن الصّلاح النَّوْع الثَّامِن عشر معرفَة الحَدِيث الْمُعَلل ويسميه أهل الحَدِيث الْمَعْلُول وَذَلِكَ مِنْهُم وَمن الْفُقَهَاء فِي قَوْلهم فِي بَاب الْقيَاس الْعلَّة والمعلول مرذول عِنْد أهل الْعَرَبيَّة واللغة
اعْلَم أَن معرفَة علل الحَدِيث من أجل عُلُوم الحَدِيث وأدقها وَأَشْرَفهَا وَإِنَّمَا يضطلع بذلك أهل الْحِفْظ والخبرة والفهم الثاقب وَهِي عبارَة عَن أَسبَاب خُفْيَة غامضة قادحة فِيهِ فَالْحَدِيث الْمُعَلل هُوَ الحَدِيث الَّذِي اطلع فِيهِ على عِلّة تقدح فِي صِحَّته مَعَ أَن الظَّاهِر السَّلامَة مِنْهَا
ويتطرق ذَلِك إِلَى الْإِسْنَاد الَّذِي رِجَاله ثِقَات الْجَامِع شُرُوط الصِّحَّة من حَيْثُ الظَّاهِر
ويستعان على إِدْرَاكهَا بتفرد الرَّاوِي وبمخالفة غَيره لَهُ مَعَ قَرَائِن تنضم إِلَى ذَلِك تنبه الْعَارِف بِهَذَا الشَّأْن على إرْسَال فِي الْمَوْصُول أَو وقف فِي الْمَرْفُوع أَو دُخُول حَدِيث فِي حَدِيث أَو وهم واهم بِغَيْر ذَلِك بِحَيْثُ يغلب على ظَنّه ذَلِك فَيحكم بِهِ أَو يتَرَدَّد فَيتَوَقَّف فِيهِ وكل ذَلِك مَانع من الحكم بِصِحَّة مَا وجد ذَلِك فِيهِ
وَكَثِيرًا مَا يعللون الْمَوْصُول بالمرسل مثل أَن يَجِيء الحَدِيث بِإِسْنَاد مَوْصُول وَيَجِيء أَيْضا بِإِسْنَاد مُنْقَطع أقوى من إِسْنَاد الْمَوْصُول وَلِهَذَا اشْتَمَلت كتب علل الحَدِيث على جمع طرقه قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر السَّبِيل إِلَى معرفَة عِلّة الحَدِيث أَن
стр. 551
يجمع بَين طرقه وَينظر فِي اخْتِلَاف رُوَاته وَيعْتَبر بمكانهم من الْحِفْظ ومنزلتهم فِي الإتقان والضبط
وَرُوِيَ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ الْبَاب إِذا لم تجمع طرقه لم يتَبَيَّن خطوه
ثمَّ قد تقع الْعلَّة فِي إِسْنَاد الحَدِيث وَهُوَ الْأَكْثَر وَقد تقع فِي مَتنه ثمَّ مَا يَقع فِي الْإِسْنَاد قد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا كَمَا فِي التَّعْلِيل بِالْإِرْسَال وَالْوَقْف وَقد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد خَاصَّة من غير قدح فِي صِحَة الْمَتْن
فَمن أَمْثِلَة مَا وَقعت الْعلَّة فِي إِسْنَاده من غير قدح فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ الثِّقَة يعلى بن عبيد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص = قَالَ البيعان بِالْخِيَارِ الحَدِيث
فَهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِل بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل وَهُوَ مُعَلل غير صَحِيح والمتن على كل حَال صَحِيح وَالْعلَّة فِي قَوْله عَن عَمْرو بن دِينَار إِنَّمَا هُوَ عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر هَكَذَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة من أَصْحَاب سُفْيَان عَنهُ فَوَهم يعلى بن عبيد وَعدل عَن عبد الله بن دِينَار إِلَى عَمْرو بن دِينَار وَكِلَاهُمَا ثِقَة
وَمِثَال الْعلَّة فِي الْمَتْن مَا نفرد مُسلم بِإِخْرَاجِهِ فِي حَدِيث أنس من اللَّفْظ الْمُصَرّح بِنَفْي قِرَاءَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فعلل قوم رِوَايَة اللَّفْظ الْمَذْكُور لما رَأَوْا الْأَكْثَرين إِنَّمَا قَالُوا فِيهِ فَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين من غير تعرض لذكر الْبَسْمَلَة وَهُوَ الَّذِي اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على إِخْرَاجه فِي الصَّحِيح وَرَأَوا أَن من رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقع لَهُ ففهم من قَوْله كَانُوا يستفتحون بِالْحَمْد أَنهم كَانُوا
стр. 552
لَا يبسملون فَرَوَاهُ على مَا فهم وَأَخْطَأ لِأَن مَعْنَاهُ أَن السُّورَة الَّتِي كَانُوا يفتتحون بهَا من السُّور هِيَ الْفَاتِحَة وَلَيْسَ فِيهِ تعرض لذكر التَّسْمِيَة
وانضم إِلَى ذَلِك أُمُور مِنْهَا أَنه ثَبت عَن أنس أَنه سُئِلَ عَن الِافْتِتَاح بِالتَّسْمِيَةِ فَذكر أَنه لَا يحفظ فِيهِ شَيْئا عَن رَسُول الله ص = وَالله أعلم
ثمَّ اعْلَم أَنه قد يُطلق اسْم الْعلَّة على غير مَا ذَكرْنَاهُ من بَاقِي الْأَسْبَاب القادحة فِي الحَدِيث المخرجة لَهُ من حَال الصِّحَّة إِلَى حَال الضعْف الْمَانِعَة من الْعَمَل بِهِ على مَا هُوَ مُقْتَضى لفظ الْعلَّة فِي الأَصْل وَلذَلِك تَجِد فِي كثير من كتب علل الحَدِيث الْكثير من الْجرْح بِالْكَذِبِ والغفلة وَسُوء الْحِفْظ وَنَحْو ذَلِك من أَنْوَاع الْجرْح وَسمي التِّرْمِذِيّ النّسخ عِلّة من علل الحَدِيث
ثمَّ إِن بَعضهم أطلق اسْم الْعلَّة على مَا لَيْسَ بقادح من وُجُوه الْخلاف نَحْو إرْسَال من أرسل الحَدِيث الَّذِي أسْندهُ الثِّقَة الضَّابِط حَتَّى قَالَ من أَقسَام الصَّحِيح مَا هُوَ صَحِيح مَعْلُول كَمَا قَالَ بَعضهم من الصَّحِيح مَا هُوَ صَحِيح شَاذ وَالله أعلم
قَالَ الْمُحَقق الطَّيِّبِيّ فِي الْخُلَاصَة فِي علم الحَدِيث أَقُول وَفِي قَول ابْن الصّلاح فعلل قوم هَذِه الرِّوَايَة إِشَارَة إِلَى أَنه غير رَاض عَن تخطئتهم مُسلما وَذَلِكَ أَن الْمَذْكُور فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن أنس قَالَ صليت مَعَ رَسُول الله ص = وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحد مِنْهُم يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي ص = وَأَبا بكر وَعمر كَانُوا يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا
стр. 553
وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن عبد الله بن مُغفل قَالَ سمعني أبي وَأَنا أَقرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ أَي بني مُحدث إياك وَالْحَدَث وَقد صليت مَعَ النَّبِي ص = وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع مِنْهُم أحدا يَقُولهَا فَلَا تقلها إِذا أَنْت صليت فَقل الْحَمد لله رب الْعَالمين
فَأَيْنَ الْعلَّة وَلَعَلَّ المعل مَال إِلَى مذْهبه والإذعان للحق أَحَق من المراء
وَقد تصدى الْعَلامَة ابْن تَيْمِية لبَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة على الْوَجْه الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ بَحثه وَذَلِكَ حِين سَأَلَهُ سَائل عَن حَدِيث أنس صليت خلف النَّبِي ص = وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَكَانُوا يفتتحون بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا آخرهَا هَل هُوَ مُضْطَرب أم لَا مَا حكم هَذَا الحَدِيث مُخْتَصرا فَقَالَ فِي جَوَابه
أما حَدِيث أنس فَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَرُوِيَ فِي الصَّحِيح بِأَلْفَاظ لَا تخلف هَذَا اللَّفْظ مثل قَوْله فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَهَذَا اللَّفْظ لَا يُنَافِي الأول لِأَن أنسا لم ينف الْقِرَاءَة فِي السِّرّ وَلَا يُمكنهُ نفي ذَلِك فَإِنَّهُ قد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ص = كَانَت لَهُ سكتة طَوِيلَة بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة فَإِذا قَرَأَ فِي تِلْكَ السكتة الْبَسْمَلَة لم يسْمعهَا أنس وَلَا يُمكنهُ فِي ذَلِك فَإِن أنسا إِنَّمَا نفى مَا يُمكنهُ الْعلم بانتفائه وَهُوَ ذكرهَا جَهرا
وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره أَن أنسا سُئِلَ هَل كَانَ رَسُول الله ص = يقْرَأ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ إِنَّك لتسألني عَن شَيْء مَا سَأَلَني عَنهُ أحد وَقَالَ لَا أحفظه
وَهَذَا لَا يُنَافِي ذَلِك الأول لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَن قِرَاءَة ذَلِك سرا وَهُوَ لَا يعلم ذَلِك
فأحاديث أنس الصَّحِيحَة كلهَا مؤتلفة متفقة تبين أَنه نفى الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ وَأَنه لم يتَكَلَّم فِي قرَاءَتهَا سرا لَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وَحِينَئِذٍ فَلَا اضْطِرَاب فِي أَحَادِيثه
стр. 554
الصَّحِيحَة وَلَكِن من الْعلمَاء من ظن أَن أنسا لم يقل ذَلِك وَلَكِن روى أَن النَّبِي ص = كَانَ يفْتَتح الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأَن مَقْصُود أنس كَانَ الْإِخْبَار بالسورة لَا بِالْكَلِمَةِ وَأَن الرَّاوِي عَن أنس ظن أَن مَقْصُوده هُوَ الْكَلِمَة وَأَنه رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فنفى الْقِرَاءَة بالبسملة اجْتِهَادًا مِنْهُ لَا سَمَاعا عَن انس
لَكِن من الْمَعْلُوم أَن رِوَايَة الثِّقَات الْأَثْبَات لَا تدفع بِمثل هَذِه الِاحْتِمَالَات لَا سِيمَا وافتتاح الصَّلَاة بِالْفَاتِحَةِ من الْعلم الَّذِي يُعلمهُ كل وَاحِد فَكل من صلى أنس خَلفه من الْخُلَفَاء والأمراء وَغَيرهم يفْتَتح الصَّلَاة بِالْفَاتِحَةِ وَجَمِيع النَّاس يعلمُونَ ذَلِك فَلم يكن فِي هَذَا من الْعلم مَا يحْتَاج بِهِ إِلَى رِوَايَة أنس وَلَا ينْحَصر مثل هَذَا فِي الصَّلَاة خلف النَّبِي ص = وصاحبيه فَلَو لم يكن إِلَّا تِلْكَ الرِّوَايَة لم يجز تَفْسِيرهَا بِهَذَا فَكيف مَعَ تَصْرِيح الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَن أنس بمقصوده وَمرَاده
وَقد مَعَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي جزأ فِي طرق حَدِيث أنس وَرِوَايَة الثِّقَات الْأَثْبَات لَهُ بِهَذَا اللَّفْظ عَن أنس على وَجه يعلم من تدبره أَنه مَحْفُوظ صَحِيح كَمَا أخرجه أهل الصَّحِيح وَلَيْسَ عَن النَّبِي ص = حَدِيث صَحِيح يُنَاقض حَدِيث أنس بل غَيره من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كَحَدِيث عَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا يُوَافق حَدِيث أنس وَمَا خَالفه فإمَّا أَن يكون ضَعِيفا أَو يكون مُحْتملا وَالله أعلم
وَقد سُئِلَ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة مرّة أُخْرَى فَأجَاب عَنْهَا بِجَوَاب مَبْسُوط وَهِي من الْمسَائِل المهمة الَّتِي اشْتَدَّ فِيهَا النزاع بَين الْفَرِيقَيْنِ وَقد صنف من الْجَانِبَيْنِ مصنفات كَثِيرَة غير أَن مِنْهُم من الْتزم الِانْتِصَار لِلْقَوْلِ الَّذِي ألزم نَفسه الْأَخْذ بِهِ محاولا جعل الصَّحِيح ذَا عِلّة والمعل سالما من الْعلَّة
وَمِنْهُم من الْتزم الِانْتِصَار لما أَدَّاهُ إِلَيْهِ الدَّلِيل وَهَؤُلَاء قد أَحْسنُوا وَمَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل
وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب عُلُوم الحَدِيث فِي النَّوْع السَّابِع وَالْعِشْرين هَذَا
стр. 555
النَّوْع مِنْهُ معرفَة علل الحَدِيث وَهُوَ علم بِرَأْسِهِ غَيره صَحِيح والسقيم وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل
أخبرنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن سَلمَة بن عبد الله قَالَ سَمِعت أَبَا قدامَة السَّرخسِيّ يَقُول عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَقُول لِأَن أعرف عِلّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي أحب إِلَيّ من أَن أكتب عشْرين حَدِيثا لَيست عِنْدِي
قَالَ أَبُو عبد الله وَإِنَّمَا يُعلل الحَدِيث من أوجه لَيْسَ للجرح فِيهَا مدْخل فَإِن حَدِيث الْمَجْرُوح سَاقِط واه وَعلة الحَدِيث تكْثر فِي أَحَادِيث الثِّقَات بِأَن يحدثوا بِحَدِيث لَهُ عِلّة فيخفى عَلَيْهِم علمهَا فَيصير الحَدِيث معلولا وَالْحجّة فِيهِ عندنَا الْحِفْظ والفهم والمعرفة لَا غير
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي معرفَة الحَدِيث إلهام فَلَو قلت للْعَالم بعلل الحَدِيث من أَيْن قلت هَذَا لم لَكِن لَهُ حجَّة
وَأَخْبرنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبدويه بِالريِّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن صَالح الكيليني قَالَ سَمِعت أَبَا زرْعَة وَقَالَ لَهُ رجل مَا الْحجَّة فِي تعليلكم الحَدِيث
قَالَ الْحجَّة أَن تَسْأَلنِي عَن حَدِيث لَهُ عِلّة فاذكر علته ثمَّ تقصد ابْن واره يَعْنِي مُحَمَّد بن مُسلم بن واره فتسأله عَنهُ وَلَا تخبره بأنك قد سَأَلتنِي عَنهُ فيذكر علته ثمَّ تقصد أَبَا حَاتِم فيعلله ثمَّ تميز كلامنا على ذَلِك الحَدِيث فَإِن وجدت بَيْننَا خلافًا فِي علته فَاعْلَم أَن كلا مِنْهَا تكلم على مُرَاده وَإِن وجدت الْكَلِمَة متفقة فَاعْلَم حَقِيقَة هَذَا الْعلم
قَالَ فَفعل الرجل ذَلِك فاتفقت كلمتهم عَلَيْهِ فَقَالَ أشهد أَن هَذَا الْعلم إلهام
ثمَّ ذكر بعد ذَلِك من علل الحَدِيث عشرَة أَجنَاس وَأورد لكل جنس مِثَالا مَعَ بَيَان الْعلَّة الَّتِي فِيهِ وَقد أَحْبَبْت أَن أذكر ذَلِك موردا قبل كل مِثَال تَعْرِيف الْجِنْس الَّذِي أورد ذَلِك الْمِثَال لأَجله زِيَادَة فِي الْإِيضَاح لما فِي هَذَا النَّوْع من الغموض وهاك مَا أوردهُ
стр. 556
الْجِنْس الأول من أَجنَاس علل الحَدِيث أَن يكون السَّنَد ظَاهره الصِّحَّة وَلَكِن فِيهِ من لَا يعرف بِالسَّمَاعِ مِمَّن روى عَنهُ
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني قَالَ حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد قَالَ قَالَ ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ص = قَالَ من جلس مَجْلِسا كثر فِيهِ لغطه فَقَالَ قبل أَن يقوم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك إِلَّا غفر لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسه ذَلِك
قَالَ أَبُو عبد الله هَذَا حَدِيث من تَأمله لم يشك أَنه شَرط الصَّحِيح وَله عِلّة فَاحِشَة
حَدثنِي أَبُو نصر أَحْمد بن مُحَمَّد الْوراق قَالَ سَمِعت أَبَا حَامِد أَحْمد بن حمدون الْقصار يَقُول سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج وَجَاء إِلَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ فَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ دَعْنِي حَتَّى أقبل رجليك يَا أستاذ الأستاذين وَسيد الْمُحدثين وطبيب الحَدِيث فِي علله حَدثَك مُحَمَّد بن سَلام قَالَ حَدثنَا مخلد بن يزِيد الْحَرَّانِي قَالَ أخبرنها ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ص = فِي كَفَّارَة الْمجْلس فَمَا علته
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا حَدِيث مليح وَلَا أعلم فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث إِلَّا أَنه مَعْلُول حَدثنَا بِهِ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا
стр. 557
وهيب قَالَ حَدثنَا سُهَيْل عَن عون بن عبد الله قَوْله قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا أولى فَإِنَّهُ لَا يذكر لمُوسَى بن عقبَة سَماع من سُهَيْل
وَالْجِنْس الثَّانِي من علل الحَدِيث أَن يسند الحَدِيث من وَجه ظَاهره الصِّحَّة وَلَكِن يكون مُرْسلا من وَجه رَوَاهُ الثِّقَات الْحفاظ
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدروي قَالَ حَدثنَا قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان عَن خَالِد الْحذاء أَو عَاصِم عَن أبي قلَابَة عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ص = أرْحم أمتِي أَبُو بكر وأشدهم فِي دين الله عمر وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان وأقرؤهم أبي بن كَعْب وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام معَاذ بن جبل وَإِن لَك أمة أَمينا وَإِن أَمِين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة
قَالَ أَبُو عبد الله وَهَذَا علته من نوع آخر فَلَو صَحَّ بِإِسْنَادِهِ لأخرج فِي الصَّحِيح إِنَّمَا روى خَالِد عَن أبي قلَابَة أَن رَسُول الله ص = قَالَ أرْحم أمتِي مُرْسلا فأسند وَوصل إِن لكل أمة أَمينا وَأَبُو عُبَيْدَة أَمِين هَذِه الْأمة
هَكَذَا رَوَاهُ البصريون الْحفاظ عَن خَالِد الْحذاء وَعَاصِم جَمِيعًا فأسقط الْمُرْسل من الحَدِيث وَخرج الْمُتَّصِل بِذكر أبي عُبَيْدَة فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَالْجِنْس الثَّالِث من علل الحَدِيث أَن يكون الحَدِيث مَحْفُوظًا عَن صَحَابِيّ ويروى عَن غَيره لاخْتِلَاف بِلَاد رُوَاته
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني قَالَ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير
стр. 558
عَن مُوسَى بن عقبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بردة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ص = قَالَ إِنِّي لأستغفر الله وَأَبُو إِلَيْهِ فِي الْيَوْم مئة مرّة
قَالَ أَبُو عبد الله وَهَذَا إِسْنَاد لَا ينظر فِيهِ حَدِيثي إِلَّا ظن أَنه من شَرط الصَّحِيح
والمدنيون إِذا رووا عَن الْكُوفِيّين زلقوا
حَدثنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن صَالح بن هاني قَالَ حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى قَالَ حَدثنَا أَبُو الرّبيع قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا بردة يحدث عَن الْأَغَر الْمُزنِيّ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ص = إِنَّه ليغان على قلبِي فأستغفر الله فِي الْيَوْم مئة مرّة
قَالَ أَبُو عبد الله رَوَاهُ مُسلم بن الْحجَّاج فِي الصَّحِيح عَن أبي الرّبيع وَهُوَ الصَّحِيح الْمَحْفُوظ وَرَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ أَيْضا مسعر وَشعْبَة وَغَيرهمَا عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي بردة هَكَذَا
وَالْجِنْس الرَّابِع من علل الحَدِيث أَن يكون الحَدِيث مَحْفُوظًا عَن صَحَابِيّ يرْوى عَن تَابِعِيّ فَيَقَع الْوَهم بالتصريح بِمَا يَقْتَضِي صِحَّته عَن غَيره مِمَّن لَا يكون مَعْرُوفا من جِهَته
ومثاله مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصفار قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى القَاضِي قَالَ حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ حَدثنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن عُثْمَان بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه أَنه سمع النَّبِي ص = يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ
قَالَ أَبُو عبد الله قد خرج العسكري وَغَيره من الْمَشَايِخ هَذَا الحَدِيث فِي
стр. 559
الوحدان وَهُوَ مَعْلُول من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن عُثْمَان هُوَ ابْن أبي سُلَيْمَان وَالْآخر أَن عُثْمَان إِنَّمَا رَوَاهُ عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه
وَالثَّالِث قَوْله سمع النَّبِي ص =
وَأَبُو سُلَيْمَان لم يسمع من النَّبِي ص = وَلم يره وَقد خرجت شواهده فِي التَّلْخِيص
وَالْجِنْس الْخَامِس من الْعِلَل أَن يكون رُوِيَ بالعنعنة وَسقط مِنْهُ راو دلّ عَلَيْهِ طَرِيق أُخْرَى مَحْفُوظَة
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا بَحر بن نصر قَالَ أخبرنَا ابْن وهب قَالَ أَخْبرنِي يُونُس بن يزِيد عَن أبن شهَاب عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن رجال من الْأَنْصَار أهم كَانُوا مَعَ رَسُول الله ص = ذَات لَيْلَة فَرمي بِنَجْم فَاسْتَنَارَ فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ
قَالَ أَبُو عبد الله عِلّة هَذَا الحَدِيث أَن يُونُس على حفظه وجلالة مَحَله قصر بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ حَدثنِي رجال من الْأَنْصَار
هَكَذَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة وَيُونُس فِي سَائِر الرِّوَايَات وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَصَالح بن كيسَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيرهم عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مخرج فِي الصَّحِيح
وَالْجِنْس السَّادِس من الْعِلَل أَن يخْتَلف على رجل بِالْإِسْنَادِ وَغَيره وَيكون الْمَحْفُوظ مَا قَابل الْإِسْنَاد
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى قَالَ حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا حَاتِم بن اللَّيْث الْجَوْهَرِي قَالَ حَدثنَا حَامِد بن أبي حَمْزَة السكرِي قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن وَاقد قَالَ حَدثنِي أبي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب قَالَ قلت يَا رَسُول الله
стр. 560
مَالك أفصحنا وَلم تخرج من بَين أظهرنَا قَالَ كَانَت لُغَة إِسْمَاعِيل قد درست فجَاء بهَا جِبْرِيل ﵇ إِلَيّ فحفظنيها
قَالَ أَبُو عبد الله لهَذَا الحَدِيث عِلّة عَجِيبَة حَدثنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الضَّبِّيّ من أصل كِتَابه قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن عَليّ بن رزين الفاشاني من أصل كِتَابه قَالَ حَدثنَا عَليّ بن خشرم قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن وَاقد قَالَ بَلغنِي أَن عمر بن الْخطاب قَالَ يَا رَسُول الله إِنَّك أفصحنا وَلم تخرج من بَين أظهرنَا فَقَالَ رَسُول الله ص = إِن لُغَة إِسْمَاعِيل كَانَت قد درست فَأَتَانِي بهَا جِبْرِيل فحفظنيها
وَالْجِنْس السَّابِع من علل الحَدِيث أَن يخْتَلف على رجل فِي تَسْمِيَة من روى عَنهُ أَو عدم تَسْمِيَته
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ الشَّيْخ أَبُو بكر بن إِسْحَاق الْفَقِيه قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر يَعْقُوب بن يُوسُف المطوعي قَالَ حَدثنَا أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن مُحَمَّد المباركي قَالَ حَدثنَا أَبُو شهَاب عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْحجَّاج بن فرافصة عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ص = الْمُؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم
قَالَ أَبُو عبد الله وَهَكَذَا رَوَاهُ عِيسَى بن يُونُس وَيحيى بن الضريس عَن الثَّوْريّ فَنَظَرت فَإِذا لَهُ عِلّة أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد المحبوبي بمرو قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن سيار قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير قَالَ حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْحجَّاج بن فرافصة عَن رجل عَن أبي سَلمَة قَالَ سُفْيَان أرَاهُ ذكر أَبَا هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ص = الْمُؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم
وَالْجِنْس الثَّامِن من علل الحَدِيث أَن يكون الرَّاوِي عَن شخص قد أدْركهُ وَسمع مِنْهُ وَلكنه لم يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث
ومثاله مَا حَدثنَا بِهِ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن
стр. 561
إِسْحَاق الصغاني قَالَ حَدثنَا روح بن عبَادَة قَالَ حَدثنَا هِشَام بن أبي عبد الله عَن يحيى بن أبي كثير عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي ص = كَانَ إِذا أفطر عِنْد أهل بَيت قَالَ أفطر عنْدكُمْ الصائمون وَأكل طَعَامكُمْ الْأَبْرَار وَنزلت عَلَيْكُم السكينَة
قَالَ أَبُو عبد الله قد ثَبت من غير وَجه رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن أنس إِلَّا أَنه لم يسمع مِنْهُ هَذَا الحَدِيث وَله عِلّة أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس قَاسم بن قَاسم السياري وَأَبُو مُحَمَّد الْحسن بن حَلِيم المروزيان بمرو قَالَا حَدثنَا أَبُو الموجه قَالَ أخبرنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ حدثت عَن أنس أَن النَّبِي ص = كَانَ إِذا أفطر عَن أهل بَيت قَالَ أفطر عنْدكُمْ الصائمون وَأكل طَعَامكُمْ الْأَبْرَار وصلت عَلَيْكُم الْمَلَائِكَة
وَالْجِنْس التَّاسِع من علل الحَدِيث أَن يكون للْحَدِيث طَرِيق مَعْرُوف فيروي أحد رِجَاله الحَدِيث من غير ذَلِك الطَّرِيق فَيَقَع فِي الْوَهم
ومثاله مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدثنَا يحيى بن عُثْمَان بن صَالح السَّهْمِي قَالَ حَدثنَا سعيد بن كثير بن عفير قَالَ حَدثنِي الْمُنْذر بن عبد الله الْحزَامِي عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ص = كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ تبَارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ
قَالَ أَبُو عبد الله لهَذَا الحَدِيث عِلّة صَحِيحَة وَالْمُنْذر عبد الله أَخذ طَرِيق الجادة فِيهِ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الله الْعلوِي النَّقِيب بِالْكُوفَةِ قَالَ حَدثنَا الْحُسَيْن بن الحكم الْحبرِي قَالَ حَدثنَا أَبُو غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن سَلمَة قَالَ حَدثنَا عبد الله بن الْفضل عَن الْأَعْرَج عَن عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي ص = أَنه كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة فَذكر الحَدِيث بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ وَهَذَا مخرج فِي الصَّحِيح لمُسلم
стр. 562
الْجِنْس الْعَاشِر من علل الحَدِيث أَن يرْوى الحَدِيث مَرْفُوعا من وَجه مَوْقُوفا من وَجه
ومثاله مَا أخبرنَا بِهِ أَحْمد بن عَليّ بن الْحسن الْمُقْرِئ قَالَ حَدثنَا أَبُو فَرْوَة يزِيد بن مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان الرهاوي قَالَ حَدثنَا أبي عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر عَن النَّبِي ص = قَالَ من ضحك فِي صلَاته يُعِيد الصَّلَاة وَلَا يُعِيد الْوضُوء
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم لهَذَا الحَدِيث عِلّة صَحِيحَة أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن السبيعِي بِالْكُوفَةِ قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْعَبْسِي قَالَ حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان قَالَ سُئِلَ جَابر عَن الرجل يضْحك فِي الصَّلَاة قَالَ يُعِيد الصَّلَاة وَلَا يُعِيد الْوضُوء
قَالَ أَبُو عبد الله فقد ذكرنَا علل الحَدِيث على عشرَة أَجنَاس وَبقيت أَجنَاس لم نذكرها وإ مَا جَعلتهَا مِثَالا لأحاديث كَثِيرَة معلولة ليهتدي إِلَيْهَا المتبحر فِي هَذَا الْعلم فَإِن معرفَة علل الحَدِيث من أجل هَذِه الْعُلُوم انْتهى كَلَام الْحَاكِم
وَقد ألفت فِي علل الحَدِيث كتب وأجلها كتاب ابْن الْمَدِينِيّ وان أبي حَاتِم والخلال وأجمعها كتاب الدَّارَقُطْنِيّ
وَقد وقفت على أحد هَذِه الْكتب وَهُوَ كتاب الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن الإِمَام أبي حَاتِم فرأيته من الْكتب الجليلة الْمِقْدَار الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَن الِاطِّلَاع عَلَيْهَا وتكرار النّظر إِلَيْهَا من أَرَادَ الإشراف على هَذَا النَّوْع الَّذِي هُوَ من أغمض الْأَنْوَاع فضلا عَمَّن يحب أَن يعد نَفسه لاتباع آثَار الواقفين على أسراره
قَالَ فِي مُقَدّمَة الْكتاب حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْجُنَيْد قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير يَقُول قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي معرفَة الحَدِيث إلهام
قَالَ ابْن نمير وَصدق لَو قلت لَهُ من أَيْن قلت لم يكن لَهُ جَوَاب
وَسمعت أبي يَقُول قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي إنكارنا الحَدِيث عِنْد الْجُهَّال كهَانَة
وَسمعت
стр. 563
أبي يَقُول مثل معرفَة الحَدِيث كَمثل فص ثمنه مئة دِينَار وَآخر مثله على لَونه ثمنه عشرَة دَرَاهِم
وَقد أَحْبَبْت أَن أورد مِنْهُ أَمْثِلَة سهلة المأخذ ليقف الطَّالِب على مَسْلَك جهابذة الْقَوْم فِي ذَلِك فَإِنَّهُ جم الْفَائِدَة وهاك مَا أردنَا إِيرَاده
بَيَان علل أَخْبَار رويت فِي الطَّهَارَة
١ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ دَاوُد بن أبي هِنْد عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ص = غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب فِي كل سَبْعَة أَيَّام
قَالَ أبي هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ مَا رَوَاهُ الثِّقَات عَن أبي الزبير عَن طَاوس عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوف
٢ - سَمِعت أبي ذكر حَدِيثا رَوَاهُ عبد الْوَارِث عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس أَن النَّبِي ص = كَانَت لَهُ خرقَة يتمسح بهَا
فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت فِي بعض الرِّوَايَات عَن عبد الْعَزِيز أَنه كَانَ لأنس بن مَالك خرقَة وَمَوْقُوف أشبه وَلَا يحْتَمل أَن يكون مُسْندًا
стр. 564
٣ - سَأَلت أبي وَحدثنَا عَن مُحَمَّد بن إكليل عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن ثَعْلَبَة بن مُسلم عَن قيس بن خَالِد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ص = إِذا سقط الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فلغمسه ثمَّ ليطرحه فَإِن أحد جناحيه دَاء وَالْآخر دَوَاء
فَقَالَ أَي هَذَا حَدِيث مُضْطَرب الْإِسْنَاد
٤ - سَمِعت أبي وَذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص = قَالَ لَا يقْرَأ الْجنب وَالْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن
قَالَ أبي هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله
بَاب علل أَخْبَار رويت فِي الصَّلَاة
٦ - سَمِعت أبي يَقُول كتبت عَن ثَابت بن مُوسَى عَن شريك عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر عَن النَّبِي ص = من صلى بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ
قَالَ أبي فَذكرت لِابْنِ نمير فَقَالَ الشَّيْخ لَا بَأْس بِهِ والْحَدِيث مُنكر
قَالَ أبي الحَدِيث مَوْضُوع
٧ - سَمِعت أبي يَقُول حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي التطبيق مَنْسُوخ لِأَن فِي حَدِيث ابْن إِدْرِيس عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله أَن النَّبِي ص = طبق
ثمَّ أخبر سعد فَقَالَ صدق أخي قد كُنَّا نَفْعل ثمَّ أمرنَا بِهَذَا يَعْنِي بِوَضْع الْيَدَيْنِ على الرُّكْبَتَيْنِ
٨ - سَأَلت أبي عَن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن
стр. 565
أبي نَضرة عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ص = إِذا كُنْتُم ثَلَاثَة فأحقكم بِالْإِمَامَةِ أقرؤكم
وَرَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث أتيت النَّبِي ص = فِي نفر فَقَالَ إِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن أحدكُم وليؤمكم أكبركم
قلت لأبي قد اخْتلف الحديثان فَقَالَ حَدِيث أَوْس بن ضمعج قد فسر الْحَدِيثين
٩ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث أَوْس بن ضمعج عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ص = فَقَالَ قد اخْتلفُوا فِي مَتنه رَوَاهُ فطر وَالْأَعْمَش عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء عَن أَوْس بن ضمعج عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ص = قَالَ يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله فَإِن كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ
وَرَوَاهُ شُعْبَة والمسعودي عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء لم يَقُولُوا أعلمهم بِالسنةِ
قَالَ أبي كَانَ شُعْبَة يَقُول إِسْمَاعِيل بن رَجَاء كَأَنَّهُ شَيْطَان من حسن حَدِيثه وَكَانَ يهاب هَذَا الحَدِيث يَقُول حكم من الْأَحْكَام عَن رَسُول الله ص = لم يُشَارِكهُ أحد قَالَ أبي شُعْبَة أحفظ من كلهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن أَلَيْسَ قد رَوَاهُ السّديّ عَن أَوْس بن ضمعج قَالَ إِنَّمَا رَوَاهُ الْحسن بن يزِيد الْأَصَم عَن السّديّ وَهُوَ شيخ أَيْن كَانَ الثَّوْريّ وَشعْبَة عَن هَذَا الحَدِيث وأخاف أَن لَا يكون مَحْفُوظًا
١٠ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْأنْصَارِيّ عَن سعيد بن رَاشد عَن عَطاء عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص = من أذن فَهُوَ يُقيم
قَالَ أبي هَذَا حَدِيث مُنكر وَسَعِيد ضَعِيف الحَدِيث وَقَالَ مرّة مَتْرُوك الحَدِيث
١١ - سَمِعت أبي وَذكر حَدِيثا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الصَّلْت عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن حميد عَن أنس عَن النَّبِي ص = فِي افْتِتَاح الصَّلَاة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَأَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ إِلَى حَذْو أُذُنَيْهِ
فَقَالَ هَذَا حَدِيث
следующие страницы →