Полный текст (855 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وَأَن يُرَاد بِهِ التَّعَاقُب بِالنِّسْبَةِ لزمان الْمُتَكَلّم أَو زمَان النُّزُول أَو زمَان الْوَلُود خُصُوصا فِي الْأَخير وَمن الْمَشْهُور ان تقارن الْأَقْوَال مَعَ اتِّحَاد الْقَائِل الْحَادِث لَيْسَ إِلَّا بِمَعْنى التَّعَاقُب
هَذَا وَلَعَلَّ الأسبق إِلَى الْفَهم من كَلَامهم أَن الْمدَار فِي التقارن بِمَعْنَاهُ الظَّاهِر أَو بِمَعْنى التَّعَاقُب وَغَيره بِالنِّسْبَةِ للْكتاب على زمَان النُّزُول وبالنسبة للسّنة على زمَان الْوُرُود أَي التَّكَلُّم مِنْهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
على أَن لقَائِل أَن يَقُول إِن التقارن بَين المتنافيين لَا يلْزم على الْإِطْلَاق أَن يكون تناقضا محذورا لجَوَاز أَن يكون للتَّخْيِير بَينهمَا أَو لحكمة أُخْرَى
فَإِن قلت حمل التقارن على التَّعَاقُب لَا يَصح هُنَا لِأَن مُقْتَضَاهُ النّسخ وَلم يذكر فِي أَحْكَام هَذَا الْقسم
قلت قد يمْنَع أَن مُقْتَضَاهُ ذَلِك بِنَاء على اعْتِبَار التَّرَاخِي فِي النّسخ انْتهى مَا أجَاب بِهِ وليته لَو أَتَى بمثال ليعلم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَيست محصورة فِي دَائِرَة الخيال كثير من الْمسَائِل الْمَفْرُوضَة الَّتِي لَا ينالها سوى الْوَهم لَا سِيمَا إِن كَانَت بعيدَة عَن الْفَهم
وَقد وَقع فِي كتب أصُول الْفِقْه مسَائِل كَثِيرَة مَبْنِيَّة على مُجَرّد الْفَرْض وَهِي لَيست دَاخِلَة فِيهِ وَكَثِيرًا مَا أوجب ذَلِك حيرة الْمطَالع النبيه حَيْثُ يطْلب لَهَا أَمْثِلَة فَيرجع بعد الْجد وَالِاجْتِهَاد وَلم يحظ بمثال وَاحِد
فَيَنْبَغِي الانتباه لهَذَا الْأَمر وَلما ذكره بعض الْعلمَاء وَهُوَ أَن كل مَسْأَلَة تذكر فِي أصُول الْفِقْه وَلَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا فروع فقهية أَو آدَاب شَرْعِيَّة أَو لَا تكون عونا فِي ذَلِك فَهِيَ غير دَاخِلَة فِي أصُول الْفِقْه وَذَلِكَ أَن هَذَا الْعلم لم يخْتَص بإضافته إِلَى الْفِقْه إِلَّا لكَونه مُفِيدا لَهُ ومحققا للِاجْتِهَاد فِيهِ فَإِذا لم يفد ذَلِك لم يكن أصلا لَهُ
وَيخرج على هَذَا كثير من الْمسَائِل الَّتِي تكلم عَلَيْهَا الْمُتَأَخّرُونَ وأدخلوها فِيهِ كَمَسْأَلَة ابْتِدَاء وضع اللُّغَات وَمَسْأَلَة الْإِبَاحَة هَل هِيَ تَكْلِيف أم لَا وَمَسْأَلَة أَمر
стр. 492
الْمَعْدُوم وَمَسْأَلَة كَانَ النَّبِي ﷺ متعبدا بشرع من قبله أم لَا
وَكَذَلِكَ كل مَسْأَلَة يَنْبَنِي عَلَيْهَا فقه إِلَّا أَنه لَا يحصل من الْخلاف فِيهَا خلاف فِي فرع من فروع الْفِقْه مثل مَسْأَلَة الْأَمر بِوَاحِد مُبْهَم من أَشْيَاء مُعينَة كَمَا فِي كَفَّارَة الْيَمين فَقيل إِن الْأَمر بذلك يُوجب وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِه وَقيل إِنَّه يُوجب الْكل فعل الْكل فَقيل الْوَاجِب أَعْلَاهَا وَإِن تَركهَا فَقيل يُعَاقب على أدناها فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَمَا أشبههَا من الْمسَائِل الَّتِي فرضوها مِمَّا لَا ثَمَرَة لَهُ فِي الْفِقْه غير دَاخِلَة فِي أُصُوله
وَقد رَأَيْت فِي كتاب الِاعْتِبَار فِي النَّاسِخ والمنسوخ من الحَدِيث لِلْحَافِظِ الْحَازِمِي عبارَة رُبمَا كَانَ لَهَا موقع عَظِيم هُنَا فِي الْمُقدمَة فِي بَيَان شُرُوط النّسخ وَمِنْهَا أَن يكون الْخطاب النَّاسِخ متراخيا عَن الْمَنْسُوخ فعلى هَذَا يعْتَبر الحكم الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يعدو أحد الْقسمَيْنِ إِمَّا أَن يكون مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا
فَإِن كَانَ مُتَّصِلا بِالْأولِ لَا يُسمى نسخا إِذْ من شَرط النّسخ التَّرَاخِي وَقد فقد هَا هُنَا لِأَن قَوْله ﵊ لَا تلبسوا القمص وَلَا السرويلات وَلَا الْخفاف إِلَّا أَن يكون رجل لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وغن كَانَ صدر الحَدِيث يدل على منع لبس لخفاف وعجزه يدل على جَوَازه وهما حكمان متنافيان غير أَنه لَا يُسمى نسخا لِانْعِدَامِ التَّرَاخِي فِيهِ وَلَكِن هَذَا النَّوْع يُسمى بَيَانا
وَإِن كَانَ مُنْفَصِلا نظرت هَل يُمكن بَينهمَا فَإِن أمكن الْجمع جمع ١
стр. 493
الْبَلْخِي أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة إِسْحَاق بن الْحسن الْحَرْبِيّ سهل بن عمار الْعَتكِي
قَالَ أَبُو عبد الله جَمِيع من ذَكَرْنَاهُمْ فِي هَذَا النَّوْع بعد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ قوم قد اشهروا بالرواية وَلم يعدوا فِي الطَّبَقَة الْأَثْبَات المتقنين الْحفاظ
ذكر النَّوْع الثَّانِي وَالْخمسين من عُلُوم الحَدِيث
هَذَا النَّوْع من هَذِه الْعُلُوم معرفَة من رخص فِي الْعرض على الْعَالم وَرَآهُ سَمَاعا وَمن رأى بِالْإِجَازَةِ من بلد إِلَى بلد إِخْبَارًا وَمن أنكر ذَلِك وَرَأى شرح الْحَال فِيهِ عِنْد الرِّوَايَة
وَبَيَان الْعرض أَن يكون الرَّاوِي حَافِظًا متقنا فَيقدم المستفيد إِلَيْهِ جُزْءا من حَدِيثه أَو أَكثر من ذَلِك فيناوله فيتأمل الرَّاوِي حَدِيثه فَإِذا خَبره وَعرف أَنه من حَدِيثه قَالَ للمستفيد قد وقفت على مَا ناولتنيه وَعرفت الْأَحَادِيث كلهَا وَهَذِه رواياتي عَن شيوخي فَحدث بهَا عني فَقَالَ جمَاعَة من أَئِمَّة الحدي إِنَّه سَماع مِنْهُم من أهل الْمَدِينَة
أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة حَكَاهُ مَالك عَن شُيُوخه عَنهُ وَأَبُو عبد الله عِكْرِمَة مولى عبد الله بن عَبَّاس وَمُحَمّد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهَاب بن زهرَة الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الرَّأْي والْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب وَيحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير الْقرشِي وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة اللَّيْثِيّ وَمَالك بن أنس بن أبي عَامر الأصبحي وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن أبي عبيد الأندراوردي فِي جمَاعَة بعدهمْ
وَمن أهل مَكَّة
مُجَاهِد بن جبر أَبُو الْحجَّاج المَخْزُومِي مَوْلَاهُم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة الْهِلَالِي وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي فِي جمَاعَة بعدهمْ
стр. 494
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
قد عرفت أَن هَذَا الْفَنّ يبْحَث فِيهِ عَن مصطلح أهل الْأَثر قَالَ الْحَافِظ زين الدّين عبد الرَّحِيم الْعِرَاقِيّ فِي أول شرح ألفيته الَّتِي لخص فِيهَا كتاب ابْن الصّلاح فِي هَذَا الْفَنّ وَبعد فَعلم الحَدِيث خطير وقعه كَبِير نَفعه عَلَيْهِ مدَار أَكثر الْأَحْكَام وَبِه يعرف الْحَلَال وَالْحرَام ولأهله اصْطِلَاح لَا بُد للطَّالِب من فهمه فَلهَذَا ندب إِلَى تَقْدِيم الْعِنَايَة بِكِتَاب فِي علمه اهـ
فَهَذَا الْفَنّ مدْخل لعلم الحَدِيث وَقد سَمَّاهُ بَعضهم بِعلم دراية الحَدِيث وعرفه بقوله علم بقوانين يعرف بهَا أَحْوَال السَّنَد والمتن من صِحَة وَحسن وَضعف وَرفع ووقف وَقطع وعلو ونزول وَكَيْفِيَّة التَّحَمُّل وَالْأَدَاء وصفات الرِّجَال وَمَا أشبه ذَلِك
وَقد اخْتَصَرَهُ بَعضهم فَقَالَ علم يعرف بِهِ أَحْوَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ وَقد نظمه الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي ألفيته فَقَالَ
(علم الحَدِيث ذُو قوانين تحد ... يدرى بهَا أَحْوَال متن وَسَنَد)
(فذانك الْمَوْضُوع وَالْمَقْصُود ... أَن يعرف المقبول والمردود)
وَقد فسر بَعضهم التَّعْرِيف الْمَذْكُور فَقَالَ قَوْله علم يُمكن أَن يُرَاد بِهِ الْقَوَاعِد والضوابط كَقَوْلِك كل حَدِيث صَحِيح يسوغ الِاحْتِجَاج بِهِ وَالْبَاء فِي قَوْله يعرف بِهِ للسَّبَبِيَّة وَاللَّام فِي قَوْله حَال الرَّاوِي والمروي للْجِنْس إِذْ لَا يعرف بِهَذَا الْعلم حَال الرَّاوِي الْمعِين أَو الْمَرْوِيّ الْمعِين وَإِنَّمَا يعرف بِهِ حَال غير الْمعِين
стр. 495
وَترى وَيجوز فِيهَا التَّنْوِين وَتَركه قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا﴾ أَي وَاحِدًا بعد وَاحِد بفترة بَينهمَا وتواتر الْخَبَر مَجِيء المخبرين بِهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد من غير اتِّصَال
وَهَاهُنَا مسَائِل مهمة تتَعَلَّق بِهَذَا المبحث
الْمَسْأَلَة الأولى
قد عرفت مِمَّا سبق أَن الْخَبَر لَا يُسمى متواترا إِلَّا إِذا وجد فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن يكون ذَلِك الْخَبَر مِمَّا يدْرك بالحس وَيكون مُسْتَند المخبرين هُوَ الإحساس بِهِ على وَجه الْيَقِين وَذَلِكَ مثل أَن يَقُولُوا رَأينَا زيد يفعل كَذَا وَسَمعنَا عمرا يَقُول كَذَا فَإِن كَانَ الْخَبَر مِمَّا لَا يدْرك بالحس لَا يُسمى متواترا وَلَا يُفِيد الْعلم وَإِن كَانَ المخبرون بِهِ لَا يُحصونَ كَثْرَة فَلَو اسْتدلَّ مستدل على حُدُوث الْعَالم بِأَن أُنَاسًا لَا يحصرون يَقُولُونَ بحدوثه وقابله الْقَائِل بقدمه بِمثل دَلِيله وَقَالَ إِن أُنَاسًا لَا يحصرون يَقُولُونَ بقدمه فَمثل هَذِه الْمَسْأَلَة يجب أَن يرجع فِيهَا إِلَى الِاسْتِدْلَال بِأَمْر آخر
الثَّانِي أَن يكون عدد المخبرين بِهِ بلغ فِي الْكَثْرَة مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب فِيهِ فَإِن لم يبلغ المخبرون بِهِ هَذَا الْمبلغ لم يسم ذَلِك الْخَبَر متواترا وَإِن أَفَادَ الْعلم بِسَبَب أَمر آخر يدل على صدقه وَمن ثمَّ قَالَ بَعضهم الْمُتَوَاتر هُوَ خبر جمَاعَة يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم بصدقه فاحترز بقوله بِنَفسِهِ عَن الْخَبَر الَّذِي علم صدقه بِأَمْر آخر كقرينة دلّت على صدق من أخبر بِهِ
تَتِمَّة قد يكون الناقلون للْخَبَر طبقَة وَاحِدَة وَهِي الْجَمَاعَة الَّتِي استندت فِي الْإِخْبَار إِلَى الإحساس بالمخبر بِهِ وَهِي المثبتة لأصل الْخَبَر فَإِذا تلقينا الْخَبَر عَنْهَا فَالْأَمْر ظَاهر وَقد يكون الناقلون للْخَبَر طبقتين وَذَلِكَ فِيمَا إِذا تلقينا الْخَبَر عَن جمَاعَة تلقت الْخَبَر عَن الْجَمَاعَة الَّتِي استندت فِي الْإِخْبَار إِلَى الإحساس بالمخبر بِهِ وَيشْتَرط فِي
стр. 496
٢ -
стр. 497
- سَمِعت أَبَا زرْعَة وَذكر حَدِيثا حَدثنَا بِهِ عَن الأويسي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن عمر ضرب للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس إِقَامَة ثَلَاث لَيَال بِالْمَدِينَةِ يتسوقون ويقضون حوائجهم
قَالَ أَبُو زرْعَة فِي الْمُوَطَّأ مَالك عَن نَافِع عَن أسلم أَن عمر
وَالصَّحِيح مَا فِي الْمُوَطَّأ
٢٦ - سَأَلت عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْجُنَيْد عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن سَلام الْعَطَّار عَن عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص = فِي قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا
قَالَ الزَّاد وَالرَّاحِلَة
قَالَ هَذَا حَدِيث بَاطِل
علل أَخْبَار رويت فِي الْغَزْو وَالسير
٢٧ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن حجاج عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس عَن جرير أَن النَّبِي ص = قَالَ من أَقَامَ مَعَ الْمُشْركين فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة
قَالَ أبي الْكُوفِيُّونَ سوى حجاج لَا يسندونه
ومرسل أشبه
٢٨ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن شَيبَان عَن يُونُس بن ميسرَة بن حَلبس عَن أبي إِدْرِيس عَن عبد الله بن حِوَالَة عَن النَّبِي ص = قَالَ يخندون أجنادا
قَالَ هُوَ صَحِيح حسن غَرِيب
٢٩ - سَمِعت أبي وَذكر حَدِيثا رَوَاهُ وهب عَن مخرمَة بن بكير عَن أَبِيه عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ص = قَالَ وَفد الله ثَلَاثَة الْغَازِي والحاج والمعتمر
قَالَ أبي وَرَوَاهُ سُلَيْمَان بن بِلَال عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن مرداس الجندعي عَن كَعْب قَوْله وَرَوَاهُ عَاصِم عَن أبي صَالح عَن كَعْب قَوْله
стр. 498
المبحث الثَّالِث فِي الحَدِيث الضَّعِيف
قَالَ بعض الْعلمَاء الحَدِيث هُوَ مَا لم يجمع صِفَات الحَدِيث الصَّحِيح وَلَا صِفَات الحَدِيث الْحسن
وَقَالَ بَعضهم الأولى فِي حَده أَن يُقَال هُوَ مَا لم يبلغ مرتبَة الْحسن
وَلَا يخفى أَن مَا يكون نازلا عَن مرتبَة الْحسن يكون عَن مرتبَة الصَّحِيح أنزل فَلَا احْتِيَاج إِذا إِلَى ذكر الصَّحِيح فِي حَده
وَقد قسموا الضَّعِيف إِلَى أَقسَام جعلُوا جعلُوا لبعضها لقبا خَاصّا بِهِ لوُجُود الدَّاعِي إِلَيْهِ وَذَلِكَ كالمرسل والمنقطع والمعضل والمعلل والشاذ والمضطرب وَتركُوا بَعْضهَا غفلا لعدم الدَّاعِي إِلَى ذَلِك
وَقد حاول بَعضهم حصر أقسامه فَنظر فِي شُرُوط الْقبُول وَهِي شُرُوط الصَّحِيح وَالْحسن فَوَجَدَهَا سِتَّة وَهِي اتِّصَال السَّنَد حَيْثُ لم ينجبر الْمُرْسل بِمَا يُؤَيّدهُ وعدالة الروَاة والسلامة من كَثْرَة الْخَطَأ والغفلة ومجيء الحَدِيث من وَجه آخر حَيْثُ كَانَ فِي الْإِسْنَاد مَسْتُورا لم تعرف أَهْلِيَّته وَلَيْسَ مُتَّهمًا كثير الْغَلَط والسلامة من الشذوذ والسلامة من الْعلَّة القادحة
ثمَّ نظر فِي الضَّعِيف فَرَأى أَن مِنْهُ مَا يفقد شرطا فَقَط وَمِنْه مَا يفقد شرطين وَمِنْه مَا يفقد أَكثر من ذَلِك فَتبين لَهُ بِهَذَا النّظر أَقسَام كَثِيرَة تبلغ فِيمَا ذكره بعض من عني بأمرها اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين قسما
стр. 499
وَقَالَ بعد إيرادها قسما قسما هَذِه أَقسَام الضَّعِيف بِاعْتِبَار الِانْفِرَاد والاجتماع وَقد تركت من الْأَقْسَام الَّتِي يظنّ انقسامه إِلَيْهَا بِحَسب اجْتِمَاع الْأَوْصَاف عدَّة أَقسَام وَهِي اجْتِمَاع الشذوذ وَوُجُود ضَعِيف أَو مَجْهُول أَو مَسْتُور فِي الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لَا يُمكن اجْتِمَاع ذَلِك على الصَّحِيح لِأَن الشذوذ تفرد الثِّقَة فَلَا يُمكن وصف مَا فِيهِ راو ضَعِيف أَو مَجْهُول أَو مَسْتُور بِأَنَّهُ شَاذ
وَيُمكن الزِّيَادَة فِي هَذِه الْأَقْسَام وَذَلِكَ بِأَن ينظر إِلَى فقد الْعَدَالَة مثلا فَيجْعَل بِاعْتِبَار مَا يدْخل تَحْتَهُ أنواعا فَإِنَّهُ يَشْمَل مَا يكون بكذب الرَّاوِي أَو تهمته بذلك أَو فسقه أَو بدعته أَو جَهَالَة عينه أَو جَهَالَة حَاله فَإِذا لوحظ كل وَاحِد مِنْهَا على حِدة ولوحظ مثل ذَلِك فِي مثله زَادَت الْأَقْسَام زِيَادَة كَثِيرَة
وَقد تصدى بَعضهم لذَلِك غير أَنه أبان أَن تِلْكَ الْأَقْسَام تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع نوع مِنْهَا لم يتَحَقَّق وجوده وَلَا إِمْكَانه وَنَوع مِنْهَا تحقق إِمْكَانه دون وجوده وَنَوع مِنْهَا قد تحقق إِمْكَانه ووجوده
وَقد صرح غير وَاحِد بقلة فَائِدَة هَذَا التَّقْسِيم وَذَلِكَ لِأَن المُرَاد بِهِ إِن كَانَ معرفَة مَرَاتِب الضَّعِيف فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُفِيد ذَلِك
فَإِن قيل إِنَّه قد يُفِيد ذَلِك لِأَن هَذَا التَّقْسِيم يعرف بِهِ مَا فقد كل قسم من الشُّرُوط فَإِذا وجدنَا قسمَيْنِ قد فقد أَحدهمَا من الشُّرُوط أَكثر حكمنَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَضْعَف
قيل إِن هَذَا الحكم لَا يسوغ على إِطْلَاقه فقد يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ كفاقد الصدْق فَإِنَّهُ أَضْعَف مِمَّا سواهُ وَإِن كَانَ فاقدا للشروط الْخَمْسَة الْبَاقِيَة
وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ تَخْصِيص كل قسم باسم فالقوم لم يَفْعَلُوا ذَلِك فَإِنَّهُم لم يسموا مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل كَمَا ذكرنَا آنِفا وَلم يتصد الْمقسم نَفسه لذَلِك
وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ معرفَة كم قسما يبلغ بالبسط فَهَذِهِ فَائِدَة لَا تستوجب هَذِه النصب
وَيُمكن أَن يُقَال فَائِدَة ذَلِك حصر الْأَقْسَام ليبحث عَمَّا وَقع مِنْهَا مِمَّا لم يَقع وَمَعْرِفَة منشأ الضَّعِيف فِي كل قسم
стр. 500
وَأما قَول بَعضهم إِنَّه قد خَاضَ فِي تقسيمه أنَاس لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن فتعبوا وأتعبوا وَلَو قيل لأطولهم يدا فِي ذَلِك ايتنا بمثال مِمَّا لَيْسَ لَهُ لقب خَاص لبقي حائرا فَهُوَ ضَعِيف لِأَن التَّقْسِيم إِذا لم يكن فِيهِ مَا يعْتَرض بِهِ عَلَيْهِ يقبل من أَي مقسم كَانَ وَعدم مَعْرفَته بِبَعْض أَمْثِلَة الْأَقْسَام الَّتِي لم يتَحَقَّق وجودهَا بعد لَا يضرّهُ ويكفيه أَن يَقُول قد قُمْت بِطرف من الْمَسْأَلَة وَهُوَ بَيَان الْأَقْسَام وَبَقِي طرف آخر مِنْهَا تركته لغيري وَهُوَ الْبَحْث فِي أَمْثِلَة كل قسم وَبَيَان مَا وقف عَلَيْهِ مِنْهَا
وَقد أفرد ابْن الْجَوْزِيّ عَن الضَّعِيف نوعا آخر سَمَّاهُ المضعف
وَهُوَ الَّذِي لم يجمع على ضعفه بل فِيهِ إِمَّا فِي الْمَتْن أَو فِي الْمسند تَضْعِيف لبَعض أهل الحَدِيث وتقوية لآخرين مِنْهُم وَهُوَ أَعلَى مرتبَة من الضَّعِيف الْمجمع عَلَيْهِ
وَمحل هَذَا فِيمَا إِذا لم يتَرَجَّح أحد الْأَمريْنِ أَو كَانَ التَّضْعِيف هُوَ الْمُرَجح وَلَا فقد وَقع فِي كتب ملتزمي الصِّحَّة حَتَّى البُخَارِيّ أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل
وَذكر النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم عَن ابْن الصّلاح أَنه قَالَ شَرط مُسلم فِي صَحِيحه أَن يكون الحَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة من أَوله إِلَى منتهاه سالما من الشذوذ وَالْعلَّة
قَالَ وَهَذَا حد الصَّحِيح
فَكل حَدِيث اجْتمعت فِيهِ هَذِه الشُّرُوط فَهُوَ صَحِيح بِلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث
وَمَا اخْتلفُوا فِي صِحَّته من الْأَحَادِيث فقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ انْتِفَاء شَرط من هَذِه الشُّرُوط أَو بَينهم خلاف فِي اشْتِرَاطه كَمَا إِذا كَانَ بعض الروَاة مَسْتُورا أَو كَانَ الحَدِيث مُرْسلا
وَقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ أَنه هَل اجْتمعت فِيهِ هَذِه الشُّرُوط أم انْتَفَى بَعْضهَا وَهُوَ الْأَغْلَب فِي ذَلِك كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث فِي رُوَاته من اخْتلف فِي كَونه من شَرط الصَّحِيح فَإِذا كَانَ الحَدِيث رُوَاته كلهم ثِقَات غير أَن فيهم أَبَا الزبير الْمَكِّيّ مثلا أَو سُهَيْل بن أبي صَالح أَو الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن أَو حَمَّاد بن سَلمَة قَالُوا فِيهِ هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَيْسَ بِصَحِيح على شَرط البُخَارِيّ لكَون هَؤُلَاءِ عِنْد مُسلم مِمَّن اجْتمعت فيهم الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة وَلم يثبت عِنْد البُخَارِيّ ذَلِك فيهم
وَكَذَا حَال البُخَارِيّ فِيمَا خرجه من حَدِيث عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَإِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَغَيرهم مِمَّن احْتج بهم البُخَارِيّ وَلم يحْتَج بهم مُسلم
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي فِي كِتَابه الْمدْخل فِي معرفَة الْمُسْتَدْرك عدد من أخرج لَهُم البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح وَلم يخرج لَهُم مُسلم أَربع مئة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ شَيخا وَعدد من احْتج بهم مُسلم فِي الْمسند الصَّحِيح وَلم يحْتَج بهم البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح سِتّ مئة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ شَيخا
وَأما قَول مُسلم فِي صَحِيحه فِي بَاب صفة رَسُول الله ص = لَيْسَ كل شي صَحِيح عِنْدِي وضعنه هَاهُنَا يَعْنِي فِي كِتَابه هَذَا الصَّحِيح وَإِنَّمَا وضعت هَاهُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
فمشكل
فقد وضع فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة مُخْتَلفا فِي صِحَّتهَا لكَونهَا من حَدِيث من ذَكرْنَاهُ وَمن لم نذكرهُ مِمَّن اخْتلفُوا فِي صِحَة حَدِيثه
قَالَ الشَّيْخ وَجَوَابه من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن مُرَاده أَنه لم يضع فِيهِ إِلَّا مَا وجد عِنْده فِيهِ شُرُوط الصَّحِيح الْمجمع عَلَيْهِ وَإِن لم يظْهر اجتماعها فِي بعض الْأَحَادِيث عِنْد بَعضهم
وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ أَنه لم يضع فِيهِ مَا اخْتلف الثِّقَات فِيهِ فِي نفس الحَدِيث متْنا أَو إِسْنَادًا وَلم يرد مَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي تَوْثِيق بعض رُوَاته وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر من كَلَامه فَإِذا ذكر لما سُئِلَ عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَإِذا قَرَأَ فأنصتوا
هَل هُوَ صَحِيح فَقَالَ هُوَ عِنْدِي صَحِيح
فَقيل لم لم تضعه هَاهُنَا فَأجَاب بالْكلَام الْمَذْكُور
стр. 501
وَمَعَ هَذَا فقد اشْتَمَل كِتَابه على أَحَادِيث اخْتلفُوا فِي إسنادها أَو متنها لصحتها عِنْده وَفِي ذَلِك ذُهُول مِنْهُ عَن هَذَا الشَّرْط أَو سَبَب آخر وَقد استدركت وعللت
وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ مُسلم بِالْإِجْمَاع فِي قَوْله وَإِنَّمَا وضعت هَاهُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
إِجْمَاع أَرْبَعَة من أَئِمَّة الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن معني وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور الخرساني
وَذكر النَّوَوِيّ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ أَن مُسلما انتقد عَلَيْهِ رِوَايَته فِي صَحِيحه عَن جمَاعَة من الضُّعَفَاء والمتوسطين الواقعين فِي الدرجَة الثَّانِيَة الَّتِي لَيست من شَرط الصَّحِيح
ثمَّ نقل عَن ابْن الصّلاح أَنه أجَاب عَن ذَلِك من أوجه
أَحدهمَا أَن يكون ذَلِك فِيمَن هُوَ ضَعِيف عِنْد غَيره ثِقَة عِنْده
وَلَا يُقَال إِن الْجرْح مقدم على التَّعْدِيل لِأَن ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ الْجرْح ثَابتا مُفَسّر السَّبَب وَإِلَّا فَلَا يقبل الْجرْح إِذا لم يكن كَذَلِك
وَقد قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَغَيره مَا احْتج البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد بِهِ من جمَاعَة علم الطعْن فيهم من غَيرهم مَحْمُول على أَنه لم يثبت فيهم الطعْن الْمُؤثر مُفَسّر السَّبَب
الثَّانِي أَن يكون ذَلِك وَاقعا فِي المتابعات والشواهد لَا فِي الْأُصُول وَذَلِكَ بِأَن يذكر الحَدِيث أَولا بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات ويجعله أصلا ثمَّ يتبعهُ بِإِسْنَاد آخر أَو أَسَانِيد فِيهَا بعض الضُّعَفَاء على وَجه التَّأْكِيد بالمتابعة أَو لزِيَادَة يُنَبه على فَائِدَة فِيمَا قدمه
الثَّالِث أَن يكون ضعف الضَّعِيف الَّذِي احْتج بِهِ طَرَأَ عَلَيْهِ بعد
стр. 502
أَخذه عَنهُ باختلاط حدث عَلَيْهِ غير قَادِح فِيمَا رَوَاهُ من قبل فِي زمن استقامته كَمَا فِي أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب ذكر أَبُو عبد الله الْحَاكِم أَنه اخْتَلَط بعد الْخمسين ومئتين بعد خُرُوج مُسلم من مصر فَهُوَ فِي ذَلِك كسعيد بن أبي عرُوبَة وَعبد الرَّزَّاق وَغَيرهمَا مِمَّن اخْتَلَط آخرا وَلم يمْنَع ذَلِك من صِحَة الِاحْتِجَاج فِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَا أَخذ عَنْهُم قبل ذَلِك
الرَّابِع أَن يَعْلُو بالشيخ الضَّعِيف إِسْنَاده وَهُوَ عِنْده من رِوَايَة الثِّقَات نَازل فَيقْتَصر على العالي وَلَا يطول بِإِضَافَة النَّازِل إِلَيْهِ مكتفيا بِمَعْرِِفَة أهل هَذَا الشَّأْن فِي ذَلِك
وَذكر فِي مَوضِع آخر مِنْهُ وَهُوَ مِمَّا يُنَاسب مَا نَحن فِيهِ من وَجه أَن مُسلما أَشَارَ فِي مُقَدّمَة صَحِيحه إِلَى أَنه يقسم الْأَحَادِيث ثَلَاثَة أَقسَام
الأول مَا رَوَاهُ الْحفاظ المتقنون
وَالثَّانِي مَا رَوَاهُ المستورون المتوسطون فِي الْحِفْظ والإتقان
وَالثَّالِث مَا رَوَاهُ الضُّعَفَاء والمتروكون وَأَنه إِذا فرغ من الْقسم الأول أتبعه الثَّانِي
وَأما الثَّالِث فَلَا يعرج عَلَيْهِ
ثمَّ قَالَ وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مُرَاده بِهَذَا التَّقْسِيم فَقَالَ الإمامان الحافظان الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَصَاحبه أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ إِن الْمنية قد اخترمت مُسلما قبل إِخْرَاج الْقسم الثَّانِي وَإنَّهُ إِنَّمَا ذكر الْقسم الأول
قَالَ القَاضِي عِيَاض وَهَذَا مِمَّا قبله الشُّيُوخ وَالنَّاس من الْحَاكِم وتابعوه عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك لمن حقق نظره وَلم يتَقَيَّد بالتقليد فَإنَّك إِذا نظرت تَقْسِيم مُسلم فِي كِتَابه الحَدِيث على ثَلَاث طَبَقَات من النَّاس كَمَا قَالَ فَذكر أَن الْقسم الأول حَدِيث الْحفاظ وَأَنه إِذا انْقَضى هَذَا أتبعه بِأَحَادِيث من لم يُوصف بالحذق والإتقان
стр. 503
مَعَ كَونهم من أهل السّتْر والصدق وتعاطي الْعلم ثمَّ أَشَارَ إِلَى ترك حَدِيث من أجمع الْعلمَاء أَو اتّفق الْأَكْثَر مِنْهُم على تهمته وَبَقِي من اتهمه بَعضهم وزكاه بَعضهم فَلم يذكرهُ هُنَا
وَوَجَدته ذكر فِي أَبْوَاب كِتَابه حَدِيث الطبقتين الْأَوليين وأتى بأسانيد الثَّانِيَة مِنْهَا على طَرِيق الإتباع للأولى والاستشهاد أَو حَيْثُ لم يجد فِي الْبَاب للقسم الأول شَيْئا وَذكر أَقْوَامًا تكلم فيهم قوم وزكاهم آخَرُونَ مِمَّن ضعف أَو اتهمَ ببدعة
وَكَذَلِكَ فعل البُخَارِيّ
فعندي أَنه أَتَى بطبقاته الثَّلَاث فِي كِتَابه على مَا ذكر ورتب فِي مُقَدّمَة كِتَابه وَبَينه فِي تقسيمه وَطرح الرَّابِعَة كَمَا نَص عَلَيْهِ
فالحاكم تَأَول أَنه إِنَّمَا أَرَادَ أَن يفرد لكل طبقَة كتابا وَيَأْتِي بأحاديثها خَاصَّة مُفْردَة وَلَيْسَ ذَلِك مُرَاده بل إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا ظهر من تأليفه وَبَان من غَرَضه أَن يجمع ذَلِك فِي الْأَبْوَاب وَيَأْتِي بِأَحَادِيث الطبقتين فَيبْدَأ بِالْأولَى ثمَّ يَأْتِي بِالثَّانِيَةِ على طَرِيق الاستشهاد والإتباع حَتَّى استوفى جَمِيع الْأَقْسَام الثَّلَاثَة
وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بالطبقات الثَّلَاثَة الْحفاظ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَالثَّالِثَة هِيَ الَّتِي اطرحها
وَكَذَلِكَ علل الْأَحَادِيث الَّتِي ذكر ووعد أَنه يَأْتِي بهَا قد جَاءَ فِي موَاضعهَا من الْأَبْوَاب من اخْتلَافهمْ فِي الْأَسَانِيد كالإرسال والإسناد وَالزِّيَادَة وَالنَّقْص وَذكر تَصْحِيف المصحفين وَهَذَا يدل على اسْتِيفَائه غَرَضه فِي تأليفه وإدخاله فِي كِتَابه كل مَا وعد بِهِ
قَالَ القَاضِي وَقد فاوضت فِي تأويلي هَذَا ورأيي فِيهِ من يفهم هَذَا الْبَاب فَمَا رَأَيْت منصفا لَا صَوبه وَبَان لَهُ مَا ذكرت وَهُوَ ظَاهر لمن تَأمل الْكتاب وطالع مَجْمُوع الْأَبْوَاب
وَلَا يعْتَرض على هَذَا بِمَا قَالَه ابْن سُفْيَان صَاحب مُسلم أَن مُسلما أخرج ثَلَاثَة كتب من المسندات أَحدهَا هَذَا الَّذِي قَرَأَهُ على النَّاس
وَالثَّانِي يدْخل فِيهِ عِكْرِمَة وَابْن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي وأمثالهما
وَالثَّالِث يدْخل فِيهِ من الضُّعَفَاء فَإنَّك إِذا
стр. 504
تَأَمَّلت مَا ذكر ابْن سُفْيَان لم يُطَابق الْغَرَض الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَاكِم مِمَّا ذكر مُسلم فِي صدر كِتَابه فَتَأَمّله تَجدهُ كَذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
هَذَا آخر كَلَام القَاضِي عِيَاض وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ظَاهر جدا
تَقْسِيم الحَدِيث الضَّعِيف إِلَى أقسامه الْمَشْهُورَة على طَريقَة الْمُحدثين
وَقد أحببنا أَن نقسم الحَدِيث الضَّعِيف إِلَى أقسامه الْمَشْهُورَة الْمَأْخُوذَة بالاستقراء والتتبع متبعين لآثار الْقَوْم فَإِن ذَلِك أقرب إِلَى الطَّبْع وَأعظم فِي النَّفْع
وَقد بَينا فِيمَا سبق أَن الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ مَقْبُول ومردود وَأَن المقبول هُوَ الصَّحِيح وَالْحسن والمردود هُوَ الضَّعِيف وَبينا شُرُوط الْقبُول
وَلَا يخفى أَن معرفَة شُرُوط الْقبُول توجب معرفَة سَبَب الرَّد إِذْ سَبَب الرَّد لَيْسَ إِلَّا فقد شَرط من شُرُوط الْقبُول فَأكْثر
وَقد أرجع بَعضهم سَبَب الرَّد إِلَى أَمريْن أَحدهمَا عدم الِاتِّصَال فِي السَّنَد
وَالثَّانِي وجود أَمر فِي الرَّاوِي يُوجب طَعنا
وَعدم الِاتِّصَال هُوَ سُقُوط راو من الروَاة من السَّنَد وَيُقَال لهَذَا السُّقُوط انْقِطَاع وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي سقط من سَنَده راو فَأكْثر الحَدِيث الْمُنْقَطع ويقابله الحَدِيث الْمُتَّصِل وَهُوَ الَّذِي لم يسْقط من سَنَده راو من الروَاة
وَيدخل تَحت الْمُنْقَطع بِهَذَا الْمَعْنى الْمُنْقَطع الَّذِي سَيَأْتِي ذكره فَإِذا قسم من أقسامه
والأمور الَّتِي يُوجب كل وَاحِد مِنْهَا الطعْن فِي الرَّاوِي عشرَة الْكَذِب والتهمة بِهِ وفحش الْغَلَط والغفلة وَالوهم والمخالفة وَالْفِسْق والجهالة والبدعة وَسُوء الْحِفْظ
وَإِذا عرف هَذَا نقُول الحَدِيث الضَّعِيف هُوَ مَا وجد فِيهِ شَيْء مِمَّا يُوجب الرَّد
стр. 505
وَمُوجب الرَّد وَهُوَ بِعَيْنِه مُوجب الضعْف أَمْرَانِ أَحدهمَا سُقُوط راو من الروَاة من إِسْنَاده وَالثَّانِي وجود أَمر فِي الرَّاوِي يُوجب طَعنا فِيهِ فعلى ذَلِك يكون الحَدِيث الضَّعِيف نَوْعَيْنِ
أَحدهمَا مَا يكون مُوجب الرَّد فِيهِ سُقُوط راو من الروَاة من سَنَده
وَثَانِيهمَا مَا يكون مُوجب الرَّد فِيهِ وجود أَمر فِي الرَّاوِي يُوجب طَعنا فِيهِ
أما النَّوْع الأول وَهُوَ الحَدِيث الضَّعِيف الَّذِي يكون مُوجب الرَّد فِيهِ سُقُوط راو من الروَاة من سَنَده فَهُوَ أَرْبَعَة أَقسَام الْمُعَلق والمرسل والمعضل والمنقطع وَذَلِكَ لِأَن السُّقُوط إِمَّا أَن يكون من مبادي السَّنَد أَو من آخِره بعد التَّابِعِيّ أَو من غير ذَلِك
فَالْأول الْمُعَلق وَالثَّانِي الْمُرْسل وَالثَّالِث إِن كَانَ السَّاقِط فِيهِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدا مَعَ التوالي فَهُوَ المعضل وَإِلَّا فَهُوَ الْمُنْقَطع
فالمعلق هُوَ الحَدِيث الَّذِي سقط من أول سَنَده راو فَأكْثر كَقَوْل البُخَارِيّ قَالَ بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ص = (الله أَحَق أَن يستحيى مِنْهُ)
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَمن صور الْمُعَلق أَن يحذف مِنْهُ جَمِيع السَّنَد وَيُقَال مثلا قَالَ ص = وَمِنْهَا أَن يحذف مِنْهُ إِلَّا الصَّحَابِيّ أَو إِلَّا الصَّحَابِيّ والتابعي مَعًا وَمِنْهَا أَن يحذف من حَدثهُ ويضيفه إِلَى من فَوْقه فَإِن كَانَ من فَوْقه شَيخا لذَلِك المُصَنّف فقد اخْتلف فِيهِ هَل يُسمى تَعْلِيقا أم لَا وَالصَّحِيح فِي هَذَا التَّفْصِيل فَإِذا عرف بِالنَّصِّ أَو الاستقراء أَن فَاعل ذَلِك مُدَلّس قضي بِهِ وَإِلَّا فتعليق
وَإِنَّمَا ذكر التَّعْلِيق فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف وَقد يحكم بِصِحَّتِهِ إِن عرف بِأَن يَجِيء مُسَمّى من وَجه آخر فَإِن قَالَ جمع من أحذفه ثِقَات جَاءَت مَسْأَلَة التَّعْدِيل على الْإِبْهَام وَالْجُمْهُور لَا يقبل حَتَّى يُسمى لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح هُنَا إِن وَقع الْحَذف فِي كتاب التزمت صِحَّته كالبخاري فَمَا أَتَى فِيهِ بِالْجَزْمِ حمل
стр. 506
على أَنه ثَبت إِسْنَاده عِنْده وَإِنَّمَا حذف لغَرَض من الْأَغْرَاض وَمَا أَتَى فِيهِ بِغَيْر الْجَزْم فَفِيهِ مقَال
وَقد أوضحت أَمْثِلَة ذَلِك فِي النكت على ابْن الصّلاح
والمرسل هُوَ الحَدِيث الَّذِي سقط من آخر سَنَده من بعد التَّابِعِيّ وَصورته أَن يَقُول التَّابِعِيّ سَوَاء كَانَ كَبِيرا أَو صَغِيرا قَالَ رَسُول الله ص = كَذَا أَو فعل كَذَا أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا وَنَحْو ذَلِك
وَإِنَّمَا ذكر فِي قسم الْمَرْدُود للْجَهْل بِحَال الْمَحْذُوف لاحْتِمَال أَن يكون غير صَحَابِيّ وَإِذا كَانَ ذَلِك احْتمل أَن يكون ضَعِيفا وَإِذا كَانَ ثِقَة احْتمل أَن يكون روى عَن تَابِعِيّ آخر يكون ضَعِيفا وَهَكَذَا
وَقد وجد بالاستقراء رِوَايَة سِتَّة أَو سَبْعَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَهَذَا أَكثر مَا وجد فِي هَذَا النَّوْع
فَإِن عرف من عَادَة التَّابِعِيّ الَّذِي أرسل الحَدِيث أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة فمذهب الْجُمْهُور التَّوَقُّف فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون من أرْسلهُ عَنهُ ضَعِيفا عِنْد غَيره وَإِن كَانَ ثِقَة عِنْده فالتوثيق فِي الرجل الْمُبْهم غير كَاف عِنْدهم وَمَعَ ذَلِك فثم احْتِمَال آخر وَإِن كَانَ بَعيدا وَهُوَ أَن يكون الْإِرْسَال فِي ذَلِك الْموضع قد جرى على خلاف عَادَته بِسَبَب مَا
وَإِن عرف من عَادَته أَنه يُرْسل عَن الثِّقَات وَغَيرهم لم يقبل مرسله اتِّفَاقًا
هَذَا وَلما كَانَ الْمُرْسل مِمَّا عني بأَمْره المؤلفون فِي أصُول الْفِقْه أَو أصُول الحَدِيث أحببنا أَن نفيض فِيهِ هُنَا فَنَقُول ذكر الْعلمَاء فِي حَده ثَلَاثَة أَقْوَال
القَوْل الأول وَهُوَ الْمَشْهُور أَن الْمُرْسل مَا رَفعه التَّابِعِيّ إِلَى النَّبِي ص = سَوَاء كَانَ من كبار التَّابِعين كعبيد الله بن عدي بن الْخِيَار وَقيس بن أبي حَازِم وَسَعِيد بن الْمسيب وأمثالهم أَو من صغَار التَّابِعين كالزهري وَأبي حَازِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وأشباههم
القَوْل الثَّانِي أَنه مَا رَفعه التَّابِعِيّ الْكَبِير إِلَى النَّبِي ص = فعلى هَذَا لَا يُسمى مَا رَفعه صغَار التَّابِعين مُرْسلا وَلَكِن مُنْقَطِعًا
قَالَ ابْن الصّلاح قَول
стр. 507
الزُّهْرِيّ وَابْن أبي حَازِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وأشباههم من أصاغر التَّابِعين قَالَ رَسُول الله ص = حكى ابْن عبد الْبر أَن قوما لَا يسمونه مُرْسلا بل مُنْقَطِعًا لكَوْنهم لم يلْقوا من الصَّحَابَة إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَأكْثر روايتهم عَن التَّابِعين
قلت وَهَذَا الْمَذْهَب فرع لمَذْهَب من لَا يُسَمِّي الْمُنْقَطع قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ مُرْسلا وَالْمَشْهُور التَّسْوِيَة بَين التَّابِعين فِي اسْم الْإِرْسَال كَمَا تقدم
قَالَ بعض الْعلمَاء لم أر التَّقْيِيد بالكبير صَرِيحًا فِي كَلَام أحد من الْمُحدثين وَأما تَقْيِيد الشَّافِعِي الْمُرْسل الَّذِي لم يقبل إِذا اعتضد بِأَن يكون من رِوَايَة التَّابِعِيّ الْكَبِير فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على أَن مَا يرفعهُ التَّابِعِيّ الصَّغِير لَا يُسمى مُرْسلا
على أَن الشَّافِعِي قد صرح بِتَسْمِيَة مَا يرفعهُ من دون كبار التَّابِعين مُرْسلا وَذَلِكَ فِي قَوْله وَمن نظر فِي الْعلم بخبرة وَقلة غَفلَة استوحش من مُرْسل كل من دون كبار التَّابِعين بدلائل ظَاهِرَة
وَقد اعْترض على ابْن الصّلاح هُنَا من وَجْهَيْن أَحدهمَا فِي قَوْله قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ
فَإِن الصَّوَاب فِي ذَلِك أَن يُقَال قبل الْوُصُول إِلَى الصَّحَابِيّ وَقد تبع فِي ذَلِك الْحَاكِم
الثَّانِي فِي إشعاره بِأَن الزُّهْرِيّ لم يلق من الصَّحَابَة إِلَّا الْوَاحِد والاثنين مَعَ أَنه قد لَقِي من الصَّحَابَة ثَلَاثَة عشر فَأكْثر وهم عبد الله بن عمر وَأنس بن مَالك وَسَهل بن سعد وَرَبِيعَة بن عباد وَعبد الله بن جَعْفَر والسائب بن يزِيد وسنين أَبُو جميلَة وَأَبُو الطُّفَيْل ومحمود بن الرّبيع والمسور بن مخرمَة وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر
وَلم يسمع من عبد الله بن جَعْفَر بل رَآهُ رُؤْيَة وَقيل إِنَّه سمع من جَابر وَقد سمع من مَحْمُود بن لبيد وَعبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل وثعلبة بن أبي مَالك الْقرظِيّ وهم مُخْتَلف فِي صحبتهم
وَأنكر أَحْمد وَيحيى سَمَاعه من أبي عمر وأثبته عَليّ بن الْمَدِينِيّ
стр. 508
القَوْل الثَّالِث أَنه مَا سقط راو من إِسْنَاده فَأكْثر من أَي مَوضِع كَانَ
فعلى هَذَا يكون الْمُرْسل والمنقطع بِمَعْنى وَاحِد
وَالْمَعْرُوف فِي الْفِقْه وأصوله أَن ذَلِك يُسمى مُرْسلا إِلَّا أَن أَكثر مَا يُوصف بِالْإِرْسَال من حَيْثُ الِاسْتِعْمَال مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ عَن النَّبِي ص =
وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب الْمعرفَة إِن الْإِرْسَال مَخْصُوص بالتابعين
وَخَالف ذَلِك فِي الدخل فَقَالَ هُوَ قَول التَّابِعِيّ أَو تَابِعِيّ التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله ص = وَبَينه وَبَين الرَّسُول قرن أَو قرنان وَلَا يذكر سَمَاعه من الَّذِي سَمعه يَعْنِي فِي رِوَايَة أُخْرَى
وَقد أطلق الْمُرْسل على الْمُنْقَطع من أَئِمَّة الحَدِيث أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقد صرح البُخَارِيّ فِي حَدِيث لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ بِأَنَّهُ مُرْسل لكَون إِبْرَاهِيم لم يسمع من أبي سعيد وَصرح هُوَ وَأَبُو دَاوُد فِي حَدِيث العون بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن ابْن مَسْعُود بِأَنَّهُ مُرْسل لكَونه لم يدْرك ابْن مَسْعُود
وَأما قَول بعض أهل الْأُصُول الْمُرْسل قَول غير الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله ص =
فَالْمُرَاد بِهِ مَا سقط مِنْهُ التَّابِعِيّ مَعَ الصَّحَابِيّ أَو مَا سقط مِنْهُ اثْنَان بعد الصَّحَابِيّ وَنَحْو ذَلِك
وَلَو حمل على الْإِطْلَاق لزم بطلَان اعْتِبَار الْأَسَانِيد وَترك النّظر فِي أَحْوَال الروَاة وَهُوَ بَين الْفساد وَلذَا خصّه بَعضهم بِأَهْل الْأَعْصَار الأول يَعْنِي الْقُرُون الفاضلة
وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي بَيَان الْوَهم وَالْإِيهَام إِن الْإِرْسَال رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن لم يسمع مِنْهُ
وَعَلِيهِ فَتكون رِوَايَة من روى عَمَّن سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ بِأَن يكون بَينهمَا وَاسِطَة فِيهَا لَيست من قبيل الْإِرْسَال بل من قبيل التَّدْلِيس فَيكون فِي حد الْمُرْسل أَرْبَعَة أَقْوَال
وَهَذَا الِاخْتِلَاف يرجع إِلَى اخْتِلَاف فِي الِاصْطِلَاح وَلَا مشاحة فِيهِ
стр. 509
والمرسل اسْم مفعول من قَوْلهم أرسل الحَدِيث إرْسَالًا
والإرسال فِي الأَصْل الْإِطْلَاق وَعدم التَّقْيِيد تَقول أرْسلت الطَّائِر إِذا أطلقته وَأرْسلت الْكَلَام إرْسَالًا إِذا أطلقته من غير تَقْيِيد وَسمي هَذَا النَّوْع من الحَدِيث بالمرسل لإِطْلَاق الْإِسْنَاد فِيهِ وَعدم تَقْيِيده براو يعرف
وَقد فرق أهل الْأَثر هُنَا بَين الِاسْم وَالْفِعْل عِنْد الْإِطْلَاق نبه على ذَلِك الْحَافِظ ابْن حجر فِي شرح النخبة حَيْثُ قَالَ إِن أهل الِاصْطِلَاح غايروا بَين الْفَرد والغريب من حَيْثُ كَثْرَة الِاسْتِعْمَال وقلته فالفرد أَكثر مَا يطلقونه على الْفَرد الْمُطلق والغريب أَكثر مَا يطلقونه على الْفَرد النسبي
وَهَذَا من حَيْثُ إِطْلَاق الاسمية عَلَيْهِمَا
وَأما من حَيْثُ استعمالهم الْفِعْل الْمُشْتَقّ فَلَا يفرقون فَيَقُولُونَ فِي الْمُطلق والنسبي تفرد بِهِ فلَان أَو أغرب بِهِ فلَان
وَقَرِيب من هَذَا اخْتلَافهمْ فِي الْمُنْقَطع والمرسل هَل هما متغايران أم لَا فَأكْثر الْمُحدثين على التغاير لكنه عِنْد إِطْلَاق الِاسْم وَأما عِنْد اسْتِعْمَال الْفِعْل الْمُشْتَقّ فيستعملون الْإِرْسَال فَقَط فَيَقُولُونَ أرْسلهُ فلَان سَوَاء كَانَ مُرْسلا أم مُنْقَطِعًا وَمن ثمَّ أطلق غير وَاحِد مِمَّن لم يُلَاحظ مَوَاضِع استعمالهم على كثير من الْمُحدثين أَنهم لَا يغايرون بَين الْمُرْسل والمنقطع
وَلَيْسَ كَذَلِك لما حررناه وَقل مننبه على النُّكْتَة فِي ذَلِك
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بالمرسل اخْتِلَافا شَدِيدا لَا يَتَّسِع للبحث فِيهِ مثل هَذَا الْكتاب
قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ وَقد تلخص فِي ذَلِك عشرَة أَقْوَال يحْتَج بِهِ مُطلقًا لَا يحْتَج بِهِ مُطلقًا يحْتَج بِهِ إِن أرْسلهُ أهل الْقُرُون الثَّلَاثَة يحْتَج بِهِ إِن لم يرو إِلَّا عَن عدل يحْتَج بِهِ إِن أرْسلهُ سعيد فَقَط يحْتَج بِهِ إِن اعتضد يحْتَج بِهِ إِن لم يكن فِي الْبَاب سواهُ هُوَ أقوى من الْمسند يحْتَج بِهِ ندبا لَا وجوبا يحْتَج بِهِ إِن أرْسلهُ صَحَابِيّ
стр. 510
وَنقل عَن القَاضِي أبي بكر أَنه قَالَ لَا أقبل الْمُرْسل وَلَا فِي الْأَمَاكِن الَّتِي قبلهَا الشَّافِعِي حسما للباب بل وَلَا مُرْسل الصَّحَابِيّ إِذا احْتمل سَمَاعه من تَابِعِيّ
قَالَ وَالشَّافِعِيّ لَا يُوجب الِاحْتِجَاج بِهِ فِي هَذِه الْأَمَاكِن بل يستحبه كَمَا قَالَ أستحب قبُوله وَلَا أَسْتَطِيع أَن أَقُول الْحجَّة تثبت بِهِ ثُبُوتهَا بالمتصل
وَقَالَ غَيره فَائِدَة ذَلِك أَنه لَو عَارضه مُتَّصِل قدم عَلَيْهِ وَلَو كَانَ حجَّة مُطلقًا تَعَارضا لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ مُرَاد الشَّافِعِي بقوله أستحب أخْتَار هَذَا
والْحَدِيث الْمُرْسل ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ عِنْد جُمْهُور الْمُحدثين وَكثير من الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الْأُصُول وَالنَّظَر وَذَلِكَ للْجَهْل بِحَال السَّاقِط من السَّنَد فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون غير صَحَابِيّ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيحْتَمل أَن يكون ضَعِيفا
وَإِن اتّفق أَن يكون الْمُرْسل لَا يروي إِ لَا عَن ثِقَة فالتوثيق مَعَ الْإِبْهَام غير كَاف
وَقَالَ بعض الْأَئِمَّة الحَدِيث الْمُرْسل صَحِيح يحْتَج بِهِ وَقيد ابْن عبد الْبر ذَلِك بِمَا إِذا لم يكن مرسله مِمَّن لَا يحْتَرز وَيُرْسل عَن غير الثِّقَات فَإِن كَانَ فَلَا خلاف فِي رده
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة وَأما الْمَرَاسِيل فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء فِيمَا مضى مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي فتلكم فِيهَا وَتَابعه على ذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره فَإِذا لم يكن مُسْند غير الْمَرَاسِيل وَلم يُوجد الْمسند فالمرسل يحْتَج بِهِ وَلَيْسَ هُوَ مثل الْمُتَّصِل فِي الْقُوَّة
وَقَالَ ابْن جرير أجمع التابعون بأسرهم على قبُول الْمُرْسل وَلم يَأْتِ عَنْهُم إِنْكَاره وَلَا عَن أحد من الْأَئِمَّة بعدهمْ إِلَى رَأس المئتين
قَالَ ابْن عبد الْبر كَأَنَّهُ يَعْنِي أَن الشَّافِعِي أول من رده
وَقد انتقد بَعضهم قَول من قَالَ إِن الشَّافِعِي أول من ترك الِاحْتِجَاج بالمرسل فقد نقل ترك الِاحْتِجَاج عَن سعيد بن الْمسيب وَهُوَ من كبار التَّابِعين وَلم ينْفَرد هُوَ بذلك بل قَالَ بِهِ من بَينهم ابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ
وَقد أخرج مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ لم يَكُونُوا يسْأَلُون عَن الْإِسْنَاد فَلَمَّا وَقعت الْفِتْنَة قيل سموا لنا رجالكم فَينْظر إِلَى أهل السّنة فَيُؤْخَذ حَدِيثهمْ وَينظر إِلَى أهل الْبدع فَلَا يُؤْخَذ حَدِيثهمْ
وَقد ترك الِاحْتِجَاج بالمرسل ابْن مهْدي وَيحيى الْقطَّان وَغير وَاحِد مِمَّن قبل الشَّافِعِي وَالَّذِي يُمكن نسبته إِلَى الشَّافِعِي فِي أَمر الْمُرْسل هُوَ زِيَادَة الْبَحْث عَنهُ وَالتَّحْقِيق فِيهِ
وَقد روى الشَّافِعِي عَن عَمه قَالَ حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه أَنه قَالَ إِنِّي لأسْمع الحَدِيث أستحسنه فَمَا يَمْنعنِي من ذكره إِلَّا كَرَاهِيَة أَن يسمعهُ سامع فيقتدي بِهِ وَذَلِكَ أَنِّي أسمعهُ من الرجل لَا أَثِق بِهِ قد حدث بِهِ عَمَّن أَثِق بِهِ أَو أسمعهُ من رجل أَثِق بِهِ قد حدث بِهِ عَمَّن لَا أَثِق بِهِ
وَهَذَا كَمَا قَالَ ابْن عبد الْبر يدل على أَن ذَلِك الزَّمَان كَانَ يحدث فِيهِ الثِّقَة وَغَيره
وَأخرج الْعقيلِيّ من حَدِيث ابْن عون قَالَ ذكر أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ لمُحَمد بن سِيرِين حَدِيثا عَن أبي قلَابَة فَقَالَ أَبُو قلَابَة رجل صَالح وَلَكِن عَمَّن ذكره أَبُو قلَابَة
وَأخرج فِي الْحِلْية من طَرِيق ابْن مهْدي عَن ابْن لَهِيعَة أَنه سمع شَيخا من الْخَوَارِج يَقُول بَعْدَمَا تَابَ إِن هَذِه الْأَحَادِيث دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكُمْ فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيرنا لَهُ حَدِيثا
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر هَذِه وَالله قاصمة الظّهْر للمحتجين بالمرسل إِذْ بِدعَة الْخَوَارِج كَانَت فِي مبدأ الْإِسْلَام وَالصَّحَابَة متوافرون ثمَّ فِي عصر التَّابِعين فَمن بعدهمْ وَهَؤُلَاء إِذا استحسنوا أمرا جَعَلُوهُ حَدِيثا وأشاعوه فَرُبمَا سمع الرجل الشَّيْء فَحدث بِهِ وَلم يذكر من حَدثهُ بِهِ تحسينا للظن فيحمله عَنهُ غَيره وَيَجِيء الَّذِي يحْتَج بالمنقطعات فيحتج بِهِ مَعَ كَون أَصله مَا ذكرت
стр. 511
وَأما مَرَاسِيل الصَّحَابَة فَحكمهَا حكم الْمَوْصُول على الْمَشْهُور الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور قَالَ ابْن الصّلاح ثمَّ إِنَّا لم نعد فِي أَنْوَاع الْمُرْسل وَنَحْوه مَا يُسمى فِي أصُول الْفِقْه مُرْسل الصَّحَابِيّ مثل مَا يرويهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره من أَحْدَاث الصَّحَابَة عَن النَّبِي ص = وَلم يسمعوه مِنْهُ لِأَن ذَلِك فِي حكم الْمَوْصُول الْمسند لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة والجهالة بالصحابي غير قادحة لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول
قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ وَفِي قَوْله لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة
نظر وَالصَّوَاب أَن يُقَال لِأَن غَالب روايتهم إِذْ قد سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة من بعض التَّابِعين
وَسَيَأْتِي فِي كَلَام ابْن الصّلاح فِي رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر أَن ابْن عَبَّاس وَبَقِيَّة العبادلة رووا عَن كَعْب الْأَحْبَار وَهُوَ من التَّابِعين وروى كَعْب أَيْضا عَن التَّابِعين
وَلم يذكر ابْن الصّلاح خلافًا فِي مُرْسل الصَّحَابِيّ
وَفِي بعض كتب الْأُصُول أَنه لَا خلاف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ
وَلَيْسَ بجيد فقد قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائيني إِنَّه لَا يحْتَج بِهِ
وَالصَّوَاب مَا تقدم
وَنقل القَاضِي عبد الْجَبَّار عَن الشَّافِعِي أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قَالَ رَسُول الله ص = كَذَا قبل إِلَّا إِن علم أَنه أرْسلهُ
وَكَذَا نَقله ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ
وَهَذَا خلاف الْمَشْهُور من مذْهبه فقد ذكر ابْن برهَان فِي الْوَجِيز أَن مذْهبه فِي الْمَرَاسِيل أَنه لَا يجوز الِاحْتِجَاج بهَا إِلَّا مَرَاسِيل الصَّحَابَة ومراسيل سعيد وَمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع على الْعَمَل بِهِ
وَأما مَرَاسِيل من أحضر إِلَى النَّبِي ص = غير مُمَيّز كعبيد الله بن عدي بن الْخِيَار فَلَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّهَا مَقْبُولَة كمراسيل الصَّحَابَة لِأَن رِوَايَة الصَّحَابَة إِمَّا أَن تكون عَن النَّبِي ص = أَو عَن صَحَابِيّ وَالْكل مَقْبُول
وَاحْتِمَال كَون الصَّحَابِيّ الَّذِي أدْرك وَسمع يروي عَن التَّابِعين بعيد بِخِلَاف مَرَاسِيل هَؤُلَاءِ فَإِنَّهَا عَن التَّابِعين بِكَثْرَة فقوي احْتِمَال أَن يكون السَّاقِط غير صَحَابِيّ وَجَاء احْتِمَال كَونه غير ثِقَة
стр. 512
وَقد تكلم الْعلمَاء فِي عدَّة الْأَحَادِيث الَّتِي صرح ابْن عَبَّاس بسماعها من النَّبِي ص = فَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى إِنَّهَا أَرْبَعَة وَهُوَ قَول غَرِيب
وَقد قَلّدهُ فِي ذَلِك جمَاعَة
وَعَن يحيى الْقطَّان وَيحيى بن معِين وَأبي دَاوُد صَاحب السّنَن أَنَّهَا تِسْعَة
وَذكر بعض الْمُتَأَخِّرين أَنَّهَا دون الْعشْرين لَكِن من طرق صِحَاح
وَقد اعتنى الْحَافِظ ابْن حجر بِجمع الصِّحَاح والحسان مِنْهَا فزادت عِنْده على الْأَرْبَعين
وَهَذَا سوى مَا هُوَ فِي حكم السماع كحكاية حُضُور فعل أَمر بِحَضْرَة النَّبِي ص =
وَقد عقد ابْن حزم فِي كتاب الإحكام فصلا يتَعَلَّق بالمرسل فَقَالَ فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمُرْسل من الحَدِيث هُوَ الَّذِي سقط بَين أحد رُوَاته وَبَين النَّبِي ص = ناقل وَاحِد فَصَاعِدا
وَهُوَ الْمُنْقَطع أَيْضا
وَهُوَ غير مَقْبُول وَلَا تقوم بِهِ حجَّة لِأَنَّهُ عَن مَجْهُول
وَقد قدمنَا أَن من جهلنا حَاله فَفرض علينا التَّوَقُّف عَن قبُول خَبره وَعَن قبُول شَهَادَته حَتَّى نعلم حَاله
وَسَوَاء قَالَ الرَّاوِي حَدثنَا الثِّقَة أَو لم يقل لَا يجب أَن نلتفت إِلَى ذَلِك إِذْ قد يكون عِنْده ثِقَة من لَا يعلم من جرحته مَا يعلم غَيره وَقد قدمنَا أَن الْجرْح أولى من التَّعْدِيل
وَقد وثق سُفْيَان الثَّوْريّ جَابِرا الْجعْفِيّ وَجَابِر قد عرف من حَاله مَا عرف وَلَكِن قد خَفِي أمره على سُفْيَان فَقَالَ بِمَا ظهر مِنْهُ إِلَيْهِ
ومرسل سعيد بن الْمسيب ومرسل الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيرهمَا سَوَاء لَا يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء
وَقد ادّعى بعض من لَا يحصل مَا يَقُول أَن الْحسن الْبَصْرِيّ كَانَ إِذا حَدثهُ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أرْسلهُ
قَالَ فَهُوَ أقوى من الْمسند
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَائِل هَذَا أترك خلق الله لمرسل الْحسن وحسبك بِالْمَرْءِ سقوطا أَن يضعف قولا يَعْتَقِدهُ وَيعْمل بِهِ وَيُقَوِّي قولا يتْركهُ ويرفضه
стр. 513
وَقد كذب على رَسُول الله ص = وَهُوَ حَيّ وَقد كَانَ فِي عصر الصَّحَابَة مُنَافِقُونَ ومرتدون فَلَا يقبل حَدِيث قَالَ رَاوِيه فِيهِ عَن رجل من الصَّحَابَة أَو حَدثنِي من صحب رَسُول الله حَتَّى يُسَمِّيه وَيكون مَعْلُوما بِالصِّحَّةِ الفاضلة قَالَ الله ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾
وَقد ارْتَدَّ قوم مِمَّن صحب النَّبِي ص = كعيينة بن حصن والأشعث بن قيس وَعبد الله بن أبي سرح
ولقاء التَّابِع لرجل من أصاغر الصَّحَابَة شرف وفخر عَظِيم فَأَي معنى يسكت عَن تَسْمِيَته لَو كَانَ مِمَّن حمدت صحبته
وَلَا يَخْلُو سُكُوته من أحد وَجْهَيْن أَنه لم يعرف من هُوَ وَلَا عرف صِحَة دَعْوَاهُ الصُّحْبَة أَو لِأَنَّهُ كَانَ من بعض من ذكرنَا
حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف عَن أَحْمد بن فتح عَن عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن أَحْمد بن عَليّ عَن مُسلم بن الْحجَّاج حَدثنَا يحيى بن يحيى أَنبأَنَا خَالِد بن عبد الله عَن عبد الْملك عَن عبد الله مولى أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق وَكَانَ خَال ولد عَطاء قَالَ أرسلتني أَسمَاء إِلَى عبد الله بن عمر فَقَالَت بَلغنِي أَنَّك تحرم أَشْيَاء ثَلَاثَة الْعلم فِي الثَّوْب وميثرة الأرجوان وَصَوْم رَجَب كُله فَأنْكر ابْن عمر أَن يكون حرم شَيْئا من ذَلِك
فَهَذِهِ أَسمَاء وَهِي صَاحِبَة من قدماء الصَّحَابَة وَذَوَات الْفضل مِنْهُم قد حدثها بِالْكَذِبِ من شغل بالها حَدِيثه عَن ابْن عمر حَتَّى استبرأت ذَلِك فصح كذب ذَلِك الْمخبر
فَوَاجِب على كل أحد أَن لَا يقبل إِلَّا من عرف اسْمه وَعرفت عَدَالَته وَحفظه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد والمخالفون لنا فِي قبُول الْمُرْسل هم أترك خلق الله للمرسل إِذا خَالف مَذْهَب صَاحبه ورأيه
وَلَو تتبعنا مَا تركُوا من الْأَحَادِيث الْمُرْسلَة لبلغ ذَلِك
стр. 514
أَزِيد من أَلفَيْنِ وَإِنَّمَا أوقعهم فِي الْأَخْذ بالمرسل أَنهم تعلقوا بِأَحَادِيث مرسلات فِي بعض مسائلهم فَقَالُوا فِيهَا بِالْأَخْذِ بالمرسل ثمَّ تَرَكُوهُ فِي غير تِلْكَ الْمسَائِل وَإِنَّمَا غَرَض الْقَوْم نصر الْمَسْأَلَة الْحَاضِرَة بِمَا أمكن من بَاطِل أَو حق وَلَا يبالون بِأَن يهدموا من ذَلِك ألف مَسْأَلَة لَهُم ثمَّ لَا يبالون بعد ذَلِك بِإِبْطَال مَا صححوه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا أخذُوا فِي الْكَلَام فِي أُخْرَى
فَمَا أحد ينصح نَفسه يَثِق بِحَدِيث مُرْسل أصلا
وَقَالَ بعض الْحفاظ مِمَّن ينحو نَحْو ابْن حزم فِي عدم التقيد بقول من الْأَقْوَال قد تنَازع النَّاس فِي قبُول الْمَرَاسِيل وَفِي ردهَا
وَأَصَح الْأَقْوَال أَن مِنْهَا المقبول وَمِنْهَا الْمَرْدُود وَمِنْهَا الْمَوْقُوف فَمن علم من حَاله أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة قبل مرسله وَمن عرف أَنه يُرْسل عَن الثِّقَة وَغير الثِّقَة كَانَ إرْسَاله رِوَايَة عَمَّن لَا يعرف حَاله فَهَذَا مَوْقُوف
وَمَا كَانَ من الْمَرَاسِيل مُخَالفا لما رَوَاهُ الثِّقَات كَانَ مردودا
وَإِذا كَانَ الْمُرْسل قد ورد من وَجْهَيْن وَكَانَ كل من الروايين قد أَخذ الْعلم عَن غير شُيُوخ الآخر فَهَذَا يدل على صدقه فَإِن من أخبر بِمثل مَا أخبر بِهِ الآخر مَعَ الْعلم بِأَن وَاحِدًا مِنْهُمَا لم يستفد ذَلِك من الآخر فَإِنَّهُ يعلم أَن الْأَمر كَذَلِك
ولنختم هَذَا المبحث بِكَلَام الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ فَإِنَّهُ إِمَام الْكَلَام روى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن شَيْخه الْحَاكِم عَن الْأَصَم عَن الرّبيع عَنهُ أَنه قَالَ الْمُنْقَطع مُخْتَلف فَمن شَاهد أَصْحَاب رَسُول الله ص = من التَّابِعين فَحدث حَدِيثا مُنْقَطِعًا عَن النَّبِي ص = اعْتبر عَلَيْهِ بِأُمُور مِنْهَا أَن ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث
فَإِن شركه فِيهِ الْحفاظ المأمونون فَأَسْنَدُوهُ إِلَى رَسُول الله ص = بِمثل معنى مَا روى كَانَت هَذِه دلَالَة على صِحَة مَا قبل عَنهُ وَحفظه
وَإِن انْفَرد بِإِسْنَاد حَدِيث لم يشركهُ فِيهِ من يسْندهُ قبل مَا ينْفَرد بِهِ من ذَلِك
стр. 515
وَيعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن ينظر هَل يُوَافقهُ مُرْسل غَيره مِمَّن قبل الْعلم عَنهُ من غير رِجَاله الَّذين قبل عَنْهُم
فَإِن وجد ذَلِك كَانَت دلَالَة تقَوِّي لَهُ مرسله وَهِي أَضْعَف من الأولى وَإِن لم يُوجد ذَلِك نظر إِلَى بعض مَا يرْوى عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي ص = قولا لَهُ فَإِن وجد يُوَافق مَا روى عَن النَّبِي ص = كَانَت فِي هَذَا دلَالَة على أَنه لم يَأْخُذ مرسله إِلَّا عَن أصل إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ إِن وجد عوام من أهل الْعلم يفتون بِمثل معنى مَا روى عَن النَّبِي ص =
ثمَّ يعْتَبر عَلَيْهِ بِأَن يكون إِذا سمى من روى عَنهُ لم يسم مَجْهُولا وَلَا مرغوبا عَن الرِّوَايَة عَنهُ فيستدل بذلك على صِحَّته فِيمَا يروي عَنهُ وَيكون إِذا شرك أحدا من الْحفاظ فِي حَدِيث لم يُخَالِفهُ فَإِن خَالفه وَوجد أنقص كَانَت فِي هَذِه دَلَائِل على صِحَة مخرج حَدِيثه
وَمَتى خَالف مَا وصفت أضرّ بحَديثه حَتَّى لَا يسع أحدا مِنْهُم قبُول مرسله
قَالَ وَإِن وجدت الدَّلَائِل لصِحَّة حَدِيثه بِمَا وصفت أحببنا أَن نقبل مرسله أَرَادَ بِهِ اخترنا
وَلَا نستطيع أَن نزعم أالحجة تثبت بِهِ ثُبُوتهَا بالمتصل وَذَلِكَ أَن معنى الْمُنْقَطع مغيب يحْتَمل أَن يكون حمل عَمَّن يرغب عَن الرِّوَايَة عَنهُ إِذا سمي وَأَن بعض المنقطعات وَإِن وَافقه مُرْسل مثله فقد يحْتَمل أَن يكون مخرجهما وَاحِدًا من حَدِيث من لَو سمي لم يقبل
وَإِن قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله ص = إِذا قَالَ بِرَأْيهِ لَو وَافقه لم يدل على صِحَة مخرج الحَدِيث دلَالَة قَوِيَّة إِذا نظر فِيهَا وَيُمكن أَن يكون إِنَّمَا غلط بِهِ حِين سمع قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله يُوَافقهُ وَيحْتَمل مثل هَذَا فَمن وَافقه من بعض الْفُقَهَاء
قَالَ فَأَما من بعد كبار التَّابِعين الَّذين كثرت مشاهدتهم لبَعض أَصْحَاب النَّبِي ص = فَلَا أعلم أحدا مِنْهُم يقبل مرسله لأمور أَحدهَا أَنهم أَشد
стр. 516
تجوزا فِيمَن يروون عَنهُ وَالْآخر أَنهم تُوجد عَلَيْهِم الدَّلَائِل فِيمَا أرْسلُوا بِضعْف مخرجه وَالْآخر كَثْرَة الإحالة فِي الْأَخْبَار وَإِذا كثرت الإحالة كَانَ أمكن للوهم وَضعف من يقبل عَنهُ
ثمَّ إِن السُّقُوط من السَّنَد قد يكون وَاضحا يشْتَرك فِي مَعْرفَته كَثِيرُونَ من أهل الْفَنّ وَلَا يخفى عَلَيْهِم وَذَلِكَ فِي مثل مَا إِذا كَانَ الرَّاوِي لم يعاصر من روى عَنهُ وَقد يكون خفِيا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الْأَئِمَّة الحذاق المطلعون على طرق الْأَحَادِيث وَعلل الْأَسَانِيد وَالْأول يدْرك بِمَعْرِِفَة التَّارِيخ لتَضَمّنه التَّعْرِيف بأوقات مواليد الروَاة ووفياتهم وطلبهم وارتحالهم وَغير ذَلِك
وَقد ادّعى أنَاس الرِّوَايَة عَن شُيُوخ أظهر التَّارِيخ كذب دَعوَاهُم فِيهَا وَلذَا عني المحدثون بالتاريخ كثيرا
وَيُقَال للإسناد الَّذِي يكون السُّقُوط فِيهِ وَاضحا الْمُرْسل الْجَلِيّ وللإسناد الَّذِي يكون السُّقُوط فِيهِ خفِيا المدلس بِالْفَتْح إِن كَانَ الْإِسْقَاط صادرا مِمَّن عرف لقاؤه لمن روى عَنهُ والمرسل الْخَفي إِن كَانَ الْإِسْقَاط صادرا مِمَّن عرف معاصرته لَهُ وَلم يعرف إِنَّه لقِيه وَهَذَا على قَول من فرق بَينهمَا وجعلهما متباينين وَأما من جعل الْمُرْسل الْخَفي دَاخِلا فِي المدلس فَإِنَّهُ يعرف المدلس بِأَنَّهُ هُوَ الْإِسْنَاد الَّذِي يكون السُّقُوط فِيهِ خفِيا
وَيُقَال لهَذَا النَّوْع من التَّدْلِيس تَدْلِيس الْإِسْنَاد
وَثمّ نوع آخر يُقَال لَهُ تَدْلِيس الشُّيُوخ
أما تَدْلِيس الْإِسْنَاد فَهُوَ أَن يسْقط اسْم شَيْخه الَّذِي روى عَنهُ ويرتقي إِلَى من فَوْقه فيسند ذَلِك إِلَيْهِ بِلَفْظ غير مُقْتَض للاتصال وَلكنه متوهم لَهُ كَقَوْلِه عَن فلَان أَو أَن فلَانا أَو قَالَ فلَان موهما بذلك أَنه سَمعه مِمَّن رَوَاهُ عَنهُ
وَإِنَّمَا يكون تدليسا إِذا كَانَ المدلس قد عاصر الْمَرْوِيّ عَنهُ أَو لقِيه وَلم يسمع
стр. 517
مِنْهُ أَو سمع مِنْهُ وَلم يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث الَّذِي دلسه عَنهُ
أما إِذا روى عَمَّن لم يُدْرِكهُ بِلَفْظ موهم فَإِن ذَلِك لَيْسَ بتدليس على الصَّحِيح الْمَشْهُور
وَحكى ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد عَن قوم أَنه تَدْلِيس فَجعلُوا التَّدْلِيس أَن يحدث الرجل عَن الرجل بِمَا لم يسمعهُ مِنْهُ بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِالسَّمَاعِ
قَالَ وعَلى هَذَا فَمَا سلم من التَّدْلِيس أحد
وَقد أَكثر الْعلمَاء من ذمّ التَّدْلِيس والتنفير مِنْهُ والزجر عَنهُ قَالَ شُعْبَة التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب
وَقَالَ وَكِيع الثَّوْب لَا يحل تدليسه فَكيف الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم المدلس دَاخل فِي قَول النَّبِي ص = من غَشنَا فَلَيْسَ منا
لِأَنَّهُ يُوهم السامعين أَنه حَدِيثه مُتَّصِل وَفِيه انْقِطَاع
هَذَا إِن دلّس عَن ثِقَة فَإِن كَانَ ضَعِيفا فقد خَان الله وَرَسُوله وَهُوَ كَمَا قَالَ بعض الْأَئِمَّة حرَام إِجْمَاعًا
وَقد اخْتلف فِي قبُول رِوَايَة من عرف بالتدليس فَقَالَ فريق من أهل الحَدِيث وَالْفُقَهَاء لَا تقبل رِوَايَة المدلس بِحَال بَين السماع أَو لم يبين
والتدليس مِمَّا يَقْتَضِي الْجرْح عِنْدهم
وَالْمَشْهُور التَّفْصِيل وَهُوَ أَن مَا رَوَاهُ المدلس بِلَفْظ مُحْتَمل لم يبين فِيهِ السماع والاتصال فَحكمه حكم الْمُرْسل وأنواعه وَمَا رَوَاهُ بِلَفْظ يبين الِاتِّصَال نَحْو سَمِعت وَحدثنَا وَأخْبرنَا وأشباهها فَهُوَ مَقْبُول مُحْتَج بِهِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْكتب الْمُعْتَبرَة من حَدِيث هَذَا الضَّرْب كثير جدا كقتادة وَالْأَعْمَش والسفيانين وهشيم بن بشير وَغَيرهم
وَهَذَا لِأَن التَّدْلِيس لَيْسَ كذبا وَإِنَّمَا هُوَ ضرب من الْإِيهَام بِلَفْظ مُحْتَمل وَالْحكم أَنه لَا يقبل من المدلس حَتَّى يبين
وَأما تَدْلِيس الشُّيُوخ فَهُوَ أَن يروي عَن شيخ حَدِيثا سَمعه مِنْهُ فيسميه أَو يكنيه أَو ينْسبهُ أَو يصفه بِمَا لَا يعرف بِهِ كي لَا يعرف
стр. 518
ومثاله قَول أبي بكر بن مُجَاهِد أحد أَئِمَّة الْقُرَّاء حَدثنَا عبد الله بن أبي عبد الله يُرِيد بِهِ عبد الله بن أبي دَاوُد السجسْتانِي
وَفِيه تَضْييع للمروي عَنهُ وتوعير لطريق مَعْرفَته على من يطْلب الْوُقُوف على حَاله وأهليته
وَهُوَ مَكْرُوه
وتختلف الْحَال فِي كَرَاهَة ذَلِك باخْتلَاف الْغَرَض الْحَامِل عَلَيْهِ فقد يحملهُ على ذَلِك كَون شَيْخه الَّذِي غير سمته غير ثِقَة أَو كَونه مُتَأَخّر الْوَفَاة قد شَاركهُ فِي السماع مِنْهُ من هُوَ دونه أَو كَونه أَصْغَر سنا من الرَّاوِي عَنهُ أَو كَونه كثير الرِّوَايَة عَنهُ فيحب إيهاما لِكَثْرَة الشُّيُوخ أَن يعرفهُ فِي مَوضِع بِصفة وَفِي مَوضِع آخر بِصفة أُخْرَى ليوهم أَنه غَيره
وَقد كَانَ الْخَطِيب لهجا بذلك فِي تصانيفه
قَالَ ابْن الصّباغ فِي الْعدة من فعل ذَلِك لكَون من روى عَنهُ غير ثِقَة عِنْد النَّاس وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يُغير اسْمه ليقبلوا خَبره يجب أَن لَا يقبل خَبره
وَإِن كَانَ هُوَ يعْتَقد فِيهِ الثِّقَة فقد يغلط فِي ذَلِك لجَوَاز أَن يعرف غَيره من جرحه مَا لَا يعرفهُ هُوَ
وَإِن كَانَ لصِغَر سنه فَيكون ذَلِك رِوَايَة عَن مَجْهُول فَلَا يجب قبُول خَبره حَتَّى يعرف من روى عَنهُ
وَأما تَدْلِيس التَّسْوِيَة فَإِنَّهُ دَاخل فِي تَدْلِيس الْإِسْنَاد
وَجعله بَعضهم قسما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فقسم التَّدْلِيس إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام تَدْلِيس الْإِسْنَاد وتدليس الشُّيُوخ وتدليس التَّسْوِيَة
وَأما تَدْلِيس التَّسْوِيَة هُوَ أَن يسْقط ضَعِيفا بَين ثقتين وَصورته أَن يروي حَدِيثا عَن شيخ ثِقَة وَذَلِكَ الثِّقَة يرويهِ عَن ضَعِيف عَن ثِقَة فَيَأْتِي المدلس الَّذِي سمع الحَدِيث من الثِّقَة الأول فَيسْقط الضَّعِيف الَّذِي فِي السَّنَد وَيجْعَل الحَدِيث عَن شَيْخه الثِّقَة عَن الثِّقَة الثَّانِي بِلَفْظ مُحْتَمل فَيصير السَّنَد كُله ثِقَات
стр. 519
وَهَذَا شَرّ أَقسَام التَّدْلِيس لِأَن فَاعل ذَلِك قد لَا يكون مَعْرُوفا بالتدليس ويجده الْوَاقِف على السَّنَد كَذَلِك بعد التَّسْوِيَة قد رَوَاهُ عَن ثِقَة آخر فَيحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ وَفِي ذَلِك من التَّدْلِيس فِي الحَدِيث مَا لَا يخفى
وَهُوَ قَادِح فِيمَن فعله عمدا
وَقد سمى ابْن الْقطَّان هَذَا النَّوْع بالتسوية بِدُونِ لفظ التَّدْلِيس فَيَقُول سواهُ فلَان وَهَذِه تَسْوِيَة
والقدماء يسمونه تجويدا فَيَقُولُونَ جوده فلَان أَي ذكر من فِيهِ من الْجِيَاد وَترك غَيرهم
وَقَالَ بعض الْعلمَاء التَّحْقِيق أَن يُقَال مَتى قيل تَدْلِيس التَّسْوِيَة فَلَا يَد أَن يكون كل من الثِّقَات الَّذين حذفت بَينهم الوسائط فِي ذَلِك الْإِسْنَاد قد اجْتمع بشيخ شَيْخه
وَإِن قيل تَسْوِيَة بِدُونِ تَدْلِيس لم يحْتَج إِلَى اجْتِمَاع أحد مِنْهُم بِمن فَوْقه وَقد وَقع فِي هَذَا بعض الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ روى عَن ثَوْر عَن ابْن عَبَّاس
وثور لم يلقه وَإِنَّمَا روى عَن عِكْرِمَة عَنهُ فأسقط عِكْرِمَة لِأَنَّهُ غير حجَّة عِنْده
وَأما الْمُرْسل الْخَفي فَهُوَ مَا كَانَ الْإِسْقَاط فِيهِ صادرا مِمَّن عرف معاصرته لمن روى عَنهُ وَلم يعرف لقاؤه لَهُ
وَقد عرفت أَن بعض الْعلمَاء يفرق بَينه وَبَين المدلس وَبَعْضهمْ يَجعله دَاخِلا فِيهِ
وَمِمَّنْ فرق بَينهمَا الْحَافِظ ابْن حجر حَيْثُ قَالَ وَالْفرق بَين المدلس والمرسل الْخَفي دَقِيق حصل تحريره بِمَا ذكر هُنَا وَهُوَ أَن التَّدْلِيس يخْتَص بِمن روى عَمَّن عرف لقاؤه إِيَّاه فَأَما إِن عاصره وَلم يعرف أَنه لقِيه فَهُوَ الْمُرْسل الْخَفي
وَمن أَدخل فِي تَعْرِيف التَّدْلِيس المعاصرة وَلَو بِغَيْر لَقِي لزمَه دُخُول الْمُرْسل الْخَفي فِي تَعْرِيفه وَالصَّوَاب التَّفْرِقَة بَينهمَا
وَيدل على أَن اعْتِبَار اللقي فِي التَّدْلِيس دون المعاصرة وَحدهَا إطباق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ على أَن رِوَايَة المخضرمين كَأبي عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقيس بن أبي حَازِم عَن النَّبِي ص = من قبيل الْإِرْسَال لَا من قبيل التَّدْلِيس وَلَو كَانَ مُجَرّد المعاصرة يكْتَفى
стр. 520
بِهِ فِي التَّدْلِيس لَكَانَ هَؤُلَاءِ مدلسين لأَنهم عاصروا النَّبِي ص = وَلَكِن لم يعرف هَل لقوه أم لَا
وَمِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاط اللِّقَاء فِي التَّدْلِيس الإِمَام الشَّافِعِي وَأَبُو بكر الْبَزَّار
وَكَلَام الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة يَقْتَضِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمد
وَيعرف عدم الملاقاة بإخباره عَن نَفسه بذلك أَو بحزم إِمَام مطلع وَلَا يَكْفِي أَن يَقع فِي بعض الرّقّ زِيَادَة راو بَينهمَا لاحْتِمَال أَن يكون من الْمَزِيد وَلَا يحكم فِي هَذِه الصُّورَة بِحكم كلي لتعارض احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع
وَقد صنف فِيهِ الْخَطِيب كتاب التَّفْصِيل لمبهم الْمَرَاسِيل وَكتاب الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد
وَقد نُوقِشَ فِيمَا ذكر بِأَن المخضرمين إِنَّمَا لم يعدوا إرسالهم من قبيل التَّدْلِيس لِأَنَّهُ من قبيل الْإِرْسَال الْجَلِيّ وَذَلِكَ لِأَن المخضرم هُوَ من عرف عدم لِقَائِه النَّبِي ص = لَا من لم يعرف أَنه لقِيه وَبَينهمَا فرق
وَلَيْسَ المُرَاد بالمرسل هُنَا الْمُرْسل بِالْمَعْنَى الْمَشْهُور وَهُوَ مَا سقط من سَنَده الصَّحَابِيّ بل المُرَاد بِهِ مَا يكون فِيهِ مُطلق الِانْقِطَاع
وَقَالَ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة التَّدْلِيس هُوَ تَدْلِيس الحَدِيث الَّذِي لم يسمعهُ الرَّاوِي مِمَّن دلسه عَنهُ بروايته إِيَّاه على وَجه يُوهم أَنه سَمعه مِنْهُ ويعدل عَن الْبَيَان لذَلِك
قَالَ وَلَو أَنه بَين أَنه لم يسمعهُ من الشَّيْخ الَّذِي دلسه عَنهُ وكشف عَن ذَلِك لصار ببيانه مُرْسلا للْحَدِيث غير مُدَلّس فِيهِ لِأَن الْإِرْسَال للْحَدِيث لَيْسَ بإيهام من الْمُرْسل كَونه سَامِعًا مِمَّن لم يسمع مِنْهُ وملاقيا لمن لم يلقه إِلَّا أَن التَّدْلِيس الَّذِي ذَكرْنَاهُ مُتَضَمّن الْإِرْسَال لَا محَالة لإمساك المدلس عَن ذكر الْوَاسِطَة وَإِنَّمَا يُفَارق حَال الْمُرْسل بإيهامه السماع مِمَّن لم يسمعهُ فَقَط وَهُوَ الْمُؤمن لأَمره فَوَجَبَ كَون
стр. 521
التَّدْلِيس متضمنا للإرسال والإرسال لَا يتَضَمَّن التَّدْلِيس لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِيهَام السماع مِمَّن لم يسمع مِنْهُ وَلِهَذَا لم يذم الْعلمَاء من أرسل وذموا من دلّس
وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد التَّدْلِيس عِنْد جَمَاعَتهمْ اتِّفَاقًا هُوَ أَن يروي عَمَّن لقِيه وَسمع مِنْهُ وَحدث عَنهُ بِمَا لم يسمعهُ مِنْهُ وَإِنَّمَا سَمعه من غَيره عَنهُ مِمَّن يرضى حَاله أَو لَا يرضى على أَن الْأَغْلَب فِي ذَلِك أَنه لَو كَانَت حَاله مرضية لذكره وَقد يكون لِأَنَّهُ استصغره
قَالَ وَأما حَدِيث الرجل عَمَّن لم يلقه كمالك عَن سعيد بن الْمسيب وَالثَّوْري عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ
فَقَالَت فرقة إِنَّه تَدْلِيس لِأَنَّهُمَا لَو شَاءَ لسميا من حَدثهمَا كَمَا فعلا فِي الْكثير مِمَّا بلغهما عَنْهُمَا
وَقَالَت طَائِفَة من أهل الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ إرْسَال قَالُوا فَكَمَا جَازَ أَن يُرْسل سعيد عَن النَّبِي ص = وَعَن أبي بكر وَعمر وَهُوَ لم يسمع مِنْهُم وَلم يسم أحد من أهل الْعلم ذَلِك تدليسا كَذَلِك مَالك عَن سعيد
قَالَ وَلَئِن كَانَ هَذَا تدليسا فَمَا أعلم أحدا من الْعلمَاء قَدِيما وَلَا حَدِيثا سلم مِنْهُ إِلَّا شُعْبَة وَالْقطَّان فَإِنَّهُمَا لَيْسَ يُوجد لَهما شَيْء من هَذَا لَا سِيمَا شُعْبَة
وَفِي كَلَامه مَا يُشِير إِلَى الْفرق بَين التَّدْلِيس والإرسال الْخَفي والجلي لإدراك مَالك لسَعِيد فِي الْجُمْلَة وَعدم إِدْرَاك الثَّوْريّ للنخفي أصلا وَلكنه لم يتَعَرَّض لتخصيصه بالثقة فتخصيصه بهَا فِي مَوضِع آخر من تمهيده اقْتِصَار على الْجَائِز مِنْهُ
وَقد صرح فِي مَوضِع آخر مِنْهُ بذمه فِي غير الثِّقَة فَقَالَ وَلَا يكون ذَلِك عِنْدهم إِلَّا عَن ثِقَة فَإِن دلّس عَن غير ثِقَة فَهُوَ تَدْلِيس مَذْمُوم عِنْد جمَاعَة من أهل الحَدِيث وَكَذَلِكَ إِن حدث عَمَّن لم يسمع مِنْهُ فقد جَاوز حد التَّدْلِيس الَّذِي رخص فِيهِ من رخص من الْعلمَاء إِلَى مَا ينكرونه ويذمونه وَلَا يحمدونه
وَقد سبقه إِلَى ذَلِك يَعْقُوب بن شيبَة كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيب عَنهُ
وَهُوَ مَعَ قَوْله فِي
стр. 522
مَوضِع آخر إِنَّه إِذا وَقع فِيمَن لم يلقه أقبح وأسمج يَقْتَضِي أَن الْإِرْسَال أَشد بِخِلَاف قَوْله الأول فَإِنَّهُ مشْعر بِكَوْنِهِ أخف فَكَأَنَّهُ هُنَا عَنى الْإِرْسَال الْخَفي لما فِيهِ من إِيهَام اللقي وَالسَّمَاع مَعًا وَهُنَاكَ الْجَلِيّ لعدم الالتباس فِيهِ لَا سِيمَا بعد أَن صرح بِأَن الْإِرْسَال قد يبْعَث عَلَيْهِ أُمُور لَا تضيره كَأَن يكون سمع الْخَبَر من جمَاعَة عَن الْمُرْسل عَنهُ بِحَيْثُ صَحَّ عِنْده وَوقر فِي نَفسه أَو نسي شَيْخه فِيهِ مَعَ علمه بِهِ عَن الْمُرْسل عَنهُ أَو كَانَ أَخذه لَهُ مذاكرة أَو لمعْرِفَة المتخاطبين بذلك الحَدِيث واشتهاره بَينهم أَو لغير ذَلِك مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
وَقد تعرض ابْن حزم لذكر التَّدْلِيس فِي كتاب الإحكام فَقَالَ فِي فصل من يلْزم قبُول نَقله الْأَخْبَار وَأما المدلس فينقسم قسمَيْنِ
أَحدهمَا حَافظ عدل رُبمَا أرسل حَدِيثه وَرُبمَا أسْندهُ وَرُبمَا حدث بِهِ على سَبِيل المذاكرة أَو الْفتيا أَو المناظرة فَلم يذكر لَهُ سندا وَرُبمَا اقْتصر على ذكر بعض رُوَاته دون بعض فَهَذَا لَا يضر سَائِر رواياته شَيْئا لِأَن هَذَا لَيْسَ جرحة وَلَا غَفلَة لَكنا نَتْرُك من حَدِيثه مَا علمنَا يَقِينا أَنه أرْسلهُ وَمَا علمنَا أَنه أسقط بعض من فِي إِسْنَاده ونأخذ من حَدِيثه مَا لم نوقن فِيهِ شَيْئا من ذَلِك
وَسَوَاء قَالَ أخبرنَا فلَان أَو قَالَ عَن فلَان أَو قَالَ فلَان عَن فلَان كل ذَلِك وَاجِب قبُوله مَا لم يتَيَقَّن أَنه أورد حَدِيثا بِعَيْنِه إيرادا غير مُسْند فَإِن أيقنا ذَلِك تركنَا ذَلِك الحَدِيث وَحده فَقَط وأخذنا سَائِر رواياته
وَقد روينَا عَن عبد الرَّزَّاق بن همام قَالَ كَانَ معمر يُرْسل لنا أَحَادِيث فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ عبد الله بن الْمُبَارك أسندها لَهُ
وَهَذَا النَّوْع مِنْهُ كَانَ جلة أَصْحَاب الحَدِيث وأئمة الْمُسلمين كالحسن الْبَصْرِيّ وَأبي إِسْحَاق السبيعِي وَقَتَادَة بن دعامة وَعَمْرو بن دِينَار وَسليمَان الْأَعْمَش وَأبي الزبير وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن
стр. 523
عُيَيْنَة
وَقد أَدخل عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فيهم مَالك بن أنس وَلم يكن كَذَلِك وَلَا يُوجد لَهُ هَذَا إِلَّا فِي قَلِيل من حَدِيثه أرْسلهُ مرّة وأسنده أُخْرَى
وَقسم آخر قد صَحَّ عَنْهُم إِسْقَاط من لَا خير فِيهِ من أسانيدهم عمدا وَضم الْقوي إِلَى الْقوي تلبيسا على من يحدث وغرورا لمن يَأْخُذ عَنهُ ونصرا لما يُرِيد تأييده من الْأَقْوَال مِمَّا لَو سمى من سكت عَن ذكره لَكَانَ ذَلِك على أَو مَرضا فِي الحَدِيث
فَهَذَا رجل مَجْرُوح وَهَذَا فسق ظَاهر وَاجِب اطراح جَمِيع حَدِيثه صَحَّ أَنه دلّس فِيهِ أَو لم يَصح أَنه دلّس فِيهِ وَسَوَاء قَالَ سَمِعت أَو أخبرنَا أَو لم يقل كل ذَلِك مَرْدُود غير مَقْبُول لِأَنَّهُ سَاقِط الْعَدَالَة غاش لأهل الْإِسْلَام باستجازته مَا ذَكرْنَاهُ وَمن هَذَا النَّوْع كَانَ الْحسن بن عمَارَة وَشريك بن عبد الله القَاضِي وَغَيرهمَا
قَالَ عَليّ وَمن صَحَّ أَنه قبل التَّلْقِين وَلَو مرّة سقط حَدِيثه كُله لِأَنَّهُ لم يتفقه فِي دين الله وَلَا حفظ مَا سمع وَقد قَالَ ﵊ نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فحفظه حَتَّى بلغه غَيره
فَإِنَّمَا أَمر ﵊ بِقبُول تَبْلِيغ الْحَافِظ
والتلقين هُوَ أَن يَقُول الْقَائِل حَدثَك فلَان بِكَذَا ويسمي لَهُ من شَاءَ من غير أَن يسمعهُ مِنْهُ فَيَقُول نعم
فَهَذَا لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن وَلَا بُد من أَحدهمَا ضَرُورَة إِمَّا أَن يكون فَاسِقًا يحدث بِمَا لم يسمع أَو يكون من الْغَفْلَة بِحَيْثُ يكون ذاهل الْعقل مَدْخُول الذِّهْن
وَمثل هَذَا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من ذَوي الْأَلْبَاب وَمن هَذَا النَّوْع كَانَ سماك بن حَرْب أخبر بِأَنَّهُ شَاهد ذَلِك مِنْهُ شُعْبَة الإِمَام الرئيس بن الْحجَّاج
وَأما النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الحَدِيث الضَّعِيف الَّذِي يكون مُوجب الرَّد فِيهِ وجود أَمر
стр. 524
فِي الرَّاوِي يُوجب طَعنا فِيهِ فَهُوَ أَقسَام يعرف اسْم كل قسم مِنْهَا ورسمه مِمَّا نذكرهُ الْآن
وَهُوَ أَن الحَدِيث الضَّعِيف إِن كَانَ مُوجب الرَّد فِيهِ كذب الرَّاوِي فِي الحَدِيث فَهُوَ الْمَوْضُوع
وَإِن كَانَ تهمته بِالْكَذِبِ فَهُوَ الْمَتْرُوك
وَإِن كَانَ فحش غلطه أَو كَثْرَة غفلته أَو ظُهُور فسقه فَهُوَ الْمُنكر
وَإِن كَانَ وهمه فَهُوَ الْمُعَلل
وَإِن كَانَ مُخَالفَته للثقات فَإِن كَانَت الْمُخَالفَة بالإدراج فِيهِ فَهُوَ المدرج
وَإِن كَانَت بالتقديم وَالتَّأْخِير فَهُوَ المقلوب
وَإِن كَانَت بالإبدال فِيهِ مَعَ التدافع حَيْثُ لَا مُرَجّح فَهُوَ المضطرب
وَإِن كَانَت بتغيير الْحُرُوف مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط فَإِن كَانَ التَّغْيِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى النقط فَهُوَ الْمُصحف
وَإِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشكل فَهُوَ المحرف
زِيَادَة بسط
الْمَوْضُوع هُوَ الحَدِيث المكذوب على رَسُول الله ص = سَوَاء كَانَ عمدا أم خطأ
والمتروك هُوَ الحَدِيث الَّذِي ينْفَرد بروايته من يتهم بِالْكَذِبِ فِي الحَدِيث
وَيدخل فِيهِ من عرف بِالْكَذِبِ فِي غير الحَدِيث وَإِن لم يظْهر كذبه فِي الحَدِيث وَذَلِكَ لِأَن التساهل فِي غير الحَدِيث قد يجر إِلَى التساهل فِي الحَدِيث
قَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول من تشدد فِي الحَدِيث وتساهل فِي غَيره فَالْأَصَحّ أَن رِوَايَته ترد لِأَن الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا تشدد فِي الحَدِيث لغَرَض وَإِلَّا لزم تشدده مُطلقًا
стр. 525
وَقد يتَغَيَّر ذَلِك الْغَرَض أَو يحصل بِدُونِ تشدد فيكذب
وَقَالَ بَعضهم يرد خبر من عرف بالتساهل فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ دون المتساهل فِي حَدِيثه عَن نَفسه وَأَمْثَاله وَمَا لَيْسَ بِحكم فِي الدّين
وَيَنْبَغِي أَن يكون مَحل الْخلاف بَين من يرد حَدِيثه وَبَين من لَا يردهُ فِي الْكَذِب الَّذِي لَا يُفْضِي إِلَى الْخُرُوج عَن الْعَدَالَة وَأما الْكَذِب الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْخُرُوج عَن الْعَدَالَة وَلَو لم يكن فِيهِ إِلَّا خرم الْمُرُوءَة فَلَا خلاف فِي ترك حَدِيث الْمَعْرُوف بِهِ عِنْدهم
وَأما الْمَطْرُوح فقد جعله بَعضهم نوعا مُسْتقِلّا وعرفه بِأَنَّهُ هُوَ مَا نزل عَن الضَّعِيف وارتفع عَن الْمَوْضُوع وَمثل لَهُ بِحَدِيث جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس
وَقد أدّى نظر بَعضهم إِلَى أَنه هُوَ الحَدِيث الْمَتْرُوك الْمُعَرّف هُنَا فَيكون هَذَا الْقسم مِمَّا لَهُ اسمان
وَالْمُنكر هُوَ الحَدِيث الَّذِي ينْفَرد بروايته من فحش غلطه أَو كثرت غفلته أَو تبين فسقه بِغَيْر الْكَذِب
وَهَذَا على رَأْي من لَا يشْتَرط فِي الْمُنكر مُخَالفَة رَاوِيه للثقات وَقد سبق بَيَان الْمُنكر على قَوْلهم
والمعلل هُوَ مَا اطلع فِيهِ بعد الْبَحْث والتتبع على وهم وَقع لراويه من وصل مُنْقَطع أَو إِدْخَال حَدِيث فِي حَدِيث أَو نَحْو ذَلِك
والمدرج هُوَ مَا أدرج فِي الحَدِيث مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ على وَجه يُوهم أَنه مِنْهُ
والإدراج قد يكون فِي الْمَتْن وَقد يكون فِي الْإِسْنَاد
مِثَال الإدراج فِي الْمَتْن مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله ص = علمه التَّشَهُّد فَقَالَ قل التَّحِيَّات لله والصلوات فَذكر التَّشَهُّد إِلَى آخِره وَهُوَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
وَذكر بعده فَإِذا قلت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ
стр. 526
فَقَوله فَإِذا قلت هَذَا إِلَى آخِره إِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن مَسْعُود أدرج فِي الحَدِيث وَيدل على الإدراج مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهُوَ قَالَ عبد الله فَإِذا قلت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك
وَمِثَال الإدراج فِي الْإِسْنَاد مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن وَاصل وَمَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن عبد الله قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم قَالَ أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك الحَدِيث
فرواية وَاصل هَذِه مدرجة على رِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش لِأَن واصلا لَا يذكر فِيهِ عمرا بل يَجعله عَن أبي وَائِل عَن عبد الله هَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَة ومهدي بن مَيْمُون وَمَالك بن مغول وَسَعِيد بن مَسْرُوق عَن وَاصل
وَقد بَين الإسنادين مَعًا يحيى بن سعيد الْقطَّان فِي رِوَايَته عَن سُفْيَان وَفصل أَحدهمَا من الآخر رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش كِلَاهُمَا عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو عَن عبد الله وَعَن سُفْيَان عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن عبد الله من غير ذكر عَمْرو بن شُرَحْبِيل
قَالَ عَمْرو بن عَليّ فَذَكرته لعبد الرَّحْمَن وَكَانَ حَدثنَا عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور وواصل عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو فَقَالَ دَعه دَعه
لَكِن رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن وَاصل وَحده عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل
فَزَاد فِي السَّنَد عمرا من غير ذكر أحد أدرج عَلَيْهِ رِوَايَة وَاصل
فَكَأَن ابْن مهْدي لما حدث بِهِ عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش وواصل بِإِسْنَاد وَاحِد ظن الروَاة عَن ابْن مهْدي اتِّفَاق طرقهم فاقتصر بَعضهم على بعض شُيُوخ سُفْيَان وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَنْبَغِي لمن يروي حَدِيثا بِسَنَد فِيهِ جمَاعَة فِي طبقَة وَاحِدَة مُجْتَمعين فِي الرِّوَايَة عَن شيخ وَاحِد أَن يحذف بَعضهم بل يَأْتِي بِهِ عَن جَمِيعهم
стр. 527
لاحْتِمَال أَن يكون اللَّفْظ فِي السَّنَد أَو الْمَتْن لأَحَدهم وَتَكون رِوَايَة من عداهُ مَحْمُولَة عَلَيْهِ فَإِذا حذف أحدهم فَرُبمَا كَانَ هُوَ صَاحب ذَلِك اللَّفْظ
وَقد عرف بَعضهم المدرج فِي الْمَتْن بقوله هُوَ زِيَادَة تقع فِيهِ
وَالْأولَى أَن يُزَاد وَلَيْسَت مِنْهُ وعرفه بَعضهم بقوله هُوَ الملحق بِالْحَدِيثِ من قَول بعض رُوَاته
وَقد ذكرنَا كثيرا مِمَّا يتَعَلَّق بالمدرج فِيمَا سبق
والمقلوب هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بالتقديم وَالتَّأْخِير
وَذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم فِي السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله تَحت ظلّ عَرْشه
فَإِن فِيهِ وَرجل تصدق بِصَدقَة أخفاها حَتَّى لَا تعلم يَمِينه مَا تنْفق شِمَاله
فَهَذَا مِمَّا انْقَلب على أحد الروَاة وَإِنَّمَا هُوَ حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه كَمَا ورد فِي البُخَارِيّ وَفِي مُسلم فِي بعض طرقه فعكس الرَّاوِي الَّذِي انْقَلب عَلَيْهِ الْأَمر فَجعل الْيَمين فِي مَوضِع الشمَال وَالشمَال فِي مَوضِع الْيَمين
وَقد دلّ على الْقلب أَمْرَانِ أَحدهمَا الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ
وَالثَّانِي مَا يَقْتَضِيهِ وَجه الْكَلَام لِأَن الْمَعْرُوف صُدُور الْإِنْفَاق فِي أغلب الأحيان عَن الْيَمين وَهَذَا النَّوْع من قبيل الْقلب فِي الْمَتْن وَهُوَ قَلِيل
وَالْغَالِب فِي الْقلب أَن يكون فِي الْإِسْنَاد
وَمن أَمْثِلَة الْقلب فِي الْمَتْن مَا رَوَاهُ خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته أنيسَة مَرْفُوعا إِذا أذن ابْن أم مَكْتُوم فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا
رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا
وَهُوَ مقلوب فَإِن الْمَشْهُور الْمَرْوِيّ فِي الصِّحَاح أَن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤذن ابْن أم مَكْتُوم
стр. 528
وَيُؤَيّد ذَلِك مَا جَاءَ فِي يعَض الرِّوَايَات أَن ابْن أم مَكْتُوم وَكَانَ أعمى لَا يُؤذن حَتَّى يُقَال لَهُ أَصبَحت أَصبَحت
وَقد جمع ابْن خُزَيْمَة بَينهمَا فجوز أَن يكون النَّبِي ص = جعل أَذَان اللَّيْل نوبا بَينهمَا فجَاء الخبران على حسب الْحَالين وَتَابعه ابْن حبَان عَلَيْهِ بل بَالغ حَتَّى جزم بذلك
وَقَالَ البُلْقِينِيّ إِنَّه بعيد وَلَو فتحنا بَاب التَّأْوِيل لاندفع كثير من علل الْمُحدثين
قَالَ وَيُمكن أَن يُسمى ذَلِك بالمعكوس فيفرد بِنَوْع وَلم أر من تعرض لذَلِك
وَمن أَمْثِلَة ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا أَمرتكُم بِشَيْء فَأتوهُ وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ مَا اسْتَطَعْتُم فَإِن الْمَعْرُوف مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ وَمَا أَمرتكُم بِهِ فافعلوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم
وَمِثَال الْقلب فِي الْإِسْنَاد وَهُوَ الْأَكْثَر قلب كَعْب بن مرّة إِلَى مرّة بن كَعْب وقلب مُسلم بن الْوَلِيد إِلَى الْوَلِيد بن مُسلم وَنَحْو ذَلِك
هَذَا مَا قَالَه بعض أهل الْأَثر مِمَّن خص الْقلب بِمَا ذكر
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ الْقلب أَعم من ذَلِك وَجعلُوا الْقلب فِي الْإِسْنَاد قسمَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الحَدِيث مَشْهُورا براو فَيجْعَل مَكَانَهُ راو آخر فِي طبقته ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ وَذَلِكَ نَحْو حَدِيث مَشْهُور بسالم جعل مَكَانَهُ نَافِع
وكحديث مَشْهُور بِمَالك جعل مَكَانَهُ عبيد الله بن عمر
وَمِمَّنْ كَانَ يفعل ذَلِك من الوضاعين حَمَّاد بن عَمْرو النصيبي
وَيُقَال إِن فَاعل ذَلِك هُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ أَنه يسرق الحَدِيث وَرُبمَا قيل فِي الحَدِيث نَفسه إِنَّه مَسْرُوق
وَإِطْلَاق السّرقَة فِي ذَلِك لَا يظْهر إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ الرَّاوِي الْمُبدل بِهِ مُنْفَردا بِهِ وَحِينَئِذٍ لَا يستغرب أَن يُقَال إِن الْمُبدل قد سَرقه مِنْهُ
стр. 529
الثَّانِي أَن يُؤْخَذ إِسْنَاد متن فَيجْعَل لمتن آخر وَيجْعَل ذَلِك الْمَتْن لإسناد آخر وَسَماهُ الْعَلامَة ابْن الْجَزرِي بِالْقَلْبِ الْمركب وَقد فعل ذَلِك بَعضهم اختبارا لحفظ الْمُحدث أَو لكَونه مِمَّن يقبل التَّلْقِين أَو لَا يقبله
وَقد جرى ذَلِك للْإِمَام البُخَارِيّ فقد حكى عدَّة من الْمَشَايِخ أَن ذَلِك الإِمَام الأوحد لما قدم بَغْدَاد وَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث اجْتَمعُوا وعمدوا إِلَى مئة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر ودفعوا ذَلِك إِلَى عشرَة أنفس إِلَى كل رجل عشرَة أَحَادِيث وَأمرُوهُمْ إِذا حَضَرُوا الْمجْلس أَن يلْقوا ذَلِك على البُخَارِيّ وَأخذُوا الْموعد للمجلس
فَحَضَرَ الْمجْلس جمَاعَة أَصْحَاب الحَدِيث من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم وَمن البغداديين فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب إِلَيْهِ رجل من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ
فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَمَا زَالَ يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ من عشرته وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ
فَكَانَ الْفُقَهَاء مِمَّن حضر الْمجْلس يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ الرجل فهم وَمن كَانَ مِنْهُم غير ذَلِك يقْضِي على البُخَارِيّ بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير وَقلة الْفَهم
ثمَّ انتدب إِلَيْهِ رجل آخر من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَلم يزل يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ من عشرته وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ
ثمَّ انتدب إِلَيْهِ الثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى تَمام الْعشْرَة حَتَّى فرغوا كلهم من الْأَحَادِيث المقلوبة وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ
فَلَمَّا علم البُخَارِيّ أَنهم قد فرغوا الْتفت إِلَى الأول مِنْهُم فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا وحديثك الثَّانِي فَهُوَ كَذَا وَالثَّالِث وَالرَّابِع على الْوَلَاء حَتَّى أَتَى على تَمام الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل
стр. 530
إِسْنَاد إِلَى مَتنه وَفعل بالآخرين مثل ذَلِك ورد متون الْأَحَادِيث كلهَا إِلَى أسانيدها وأسانيدها إِلَى متونها فَأقر لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ
قَالَ بَعضهم إِنَّه لَا يتعجب من حفظ البُخَارِيّ لَهَا وتيقظه لتمييز صوابها من خطأها لِأَنَّهُ فِي الْحِفْظ بمَكَان وَإِنَّمَا يتعجب من حفظه لتواليها كَمَا ألقيت عَلَيْهِ من مرّة وَاحِدَة
وَقد وَقع الْقلب من بعض الثِّقَات الْأَثْبَات وَذَلِكَ بِغَيْر قصد فقد ذكر أَحْمد فِي مُسْنده عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان أَنه قَالَ حدث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ص = قَالَ لَا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا جرس
فَقلت لَهُ تعست يَا أَبَا عبد الله يُرِيد عثرت فَقَالَ كَيفَ هُوَ فَقلت حَدثنِي عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن سَالم عَن أبي الْجراح عَن أم حَبِيبَة عَن النَّبِي ص = فَقَالَ صدقت
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْخَبَر على شدَّة إنصاف الثَّوْريّ وتواضعه وَعدم أنفته من الرُّجُوع إِلَى الصَّوَاب وعَلى فرط غَيره تِلْمِيذه الْقطَّان على أَمر الحَدِيث حَتَّى خَاطب أستاذه بِمَا خاطبه بِهِ مَعَ عثوره فِي مَوضِع يعثر فِيهِ لِأَن جلّ رِوَايَة نَافِع إِنَّمَا هِيَ عَن ابْن عمر وَإِنَّمَا اتّفق هُنَا أَن كَانَ الْأَمر على خلاف الْمُعْتَاد
وَقد خطأ يحيى الْقطَّان شُعْبَة أَيْضا وَذَلِكَ حَيْثُ حدثوه عَنهُ بِحَدِيث لَا يجد عبد طعم الْإِيمَان حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ
عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَليّ فَقَالَ حَدثنَا بِهِ سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن ابْن مَسْعُود
وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب
وَلَا يَتَأَتَّى ليحيى أَن يحكم على شُعْبَة بالْخَطَأ إِلَّا بعد أَن يتَيَقَّن أَن الصَّوَاب فِي غير رِوَايَته
على أَن الَّذين يميلون للْجمع بِأَيّ حَال كَانَ يَقُولُونَ فِي مثل هَذَا الْوَضع يحْتَمل أَن يكون عِنْد أبي إِسْحَاق على الْوَجْهَيْنِ فَحدث بِهِ كل مرّة بِأَحَدِهِمَا فَإِن
следующие страницы →